رواية علي ضفة قلبك ظمآن الفصل الخامس 5 بقلم سعاد محمد
الفصل الخامس
لا يُقدر بثمن
وقف لاهثًا بعدما انتهى مع بعض وجوه لم يمنحها التركيز الملائم ليتعرفها من إهالة التراب على الجسد الذي فاضت روحه إلى بارئها منذ ساعات كان يتصور هو خلالها سُبُل المُواجهة.
سُبُل رسمها في مُخيلته طيلة ستة أشهر؛
تعددت، تنوعت، وتشعبت؛
تمادى في قسوة وعيده بأن يصب غضبه عليه هو في البدء؛
هو المنبع الذي انحدرت منه شلالات الآثام؛
وهو المصب الذي سيغوص أسفل أمواج الانتقام!
"لماذا؟"
سؤال مبتور همس به دون وعي، والتتمة داخل قلبه مُولولة!
"لماذا ظلمت والدتي؟ وأهملتها؟ واستحللت حقوقها؟ وغدرت بها؟ و..."
لو استسلم لسانه لكل الأسئلة التي تتناحر في صدره لِمَا توقف!
فتح فاه ليُلقي بأحدها، وعلى الفور أغلقه..
الشكوى لا تليق به، والضعف لا محل له بحياته بدءً من الآن؛
لقد كتم وتحمَّل ظُلمه وهجره طوال أعوام لئلا يُزيد إلى آلام والدته الصامتة.. ورحلت؛
ثم كتم وتحمل مشاهدته يتمتع بكل حقوقها دون أي بادرة شعور بالذنب آملًا أن يجتاحه الندم ذات يوم فيبحث عن المغفرة.. ورحل!
والآن.. سيكتم وسيتحمل حتى لا يرى التشفي بعينيّ من أحالت حياته إلى جحيم!
التفت ليُطالع شقيقها الذي يبدو وكأنه قد قرأ ما دار برأسه، ولم يكن منه إلا أن نظر إليه بعجز قاضٍ يدرك أن القوانين تُقيده عن مُعاقبة الجاني.. قوانين الرَحِم!
تجاوزه دون كلمة بصحبة جاره الحاج بيومي الذي هو بمثابة والد أكثر من الذي ينتسب إليه، وباستسلام سار إلى جواره حيث سيؤدي آخر واجباته كابن وحيد تُوفي والده؛
وبصرف النظر عن علاقتهما لن يجد صعوبة في رسم الألم.. فهو حتى النخاع يتألم؛
ولن يلاقي مشقة في ارتداء ثوب الحسرة.. فهو يتدثَّر به منذ سنوات بالفعل؛
وسينجح حد الإبهار في تلقي العزاء دون إبداء أية صدمة أو ذهول، فقد استنزف كليهما إلى الحد الأقصى!
**
صدح أذان العِشاء من المسجد القريب في هذا الحي الهادئ مُنبئًا عن قرب انتهاء اليوم الذي عصف بمنزلهم.
الجميع مُتيقظ، حائر؛
البعض ذاهل، مذعور؛
والأم لا تتوقف عن النحيب، فتأمرها عزة في نزق بأن تسكت قليلًا لِتصيح بها للمرة الأولى بحياتها، ثم تنضم أماني إليها في بكاء مرير بعد أن فشلت في التماسك أكثر من هذا..
ياسر يُجري اتصالاته بمعارفه ممن بإمكانهم أن يساعدونه علَّهم يجدون من اعترضت على حالها دون إنذار!
"لا أفهم! لماذا قامت إيلاف بذلك؟! من أثار غضبها؟!"
السؤال الدَهِش الذي ألقاه سمير لم يهتم به أحد، لا لعدم احترامهم صاحبه، بل لأن لا أحد يمتلك أية إجابة!
إن فكر أحدهم يومًا بأن هناك من ستترك البيت دون رجعة فستصب الاحتمالات كلها في كفة غفران؛
هي الكارهة؛
هي دومًا غاضبة؛
وهي من يرتع التمرد بعينيها طالما كانت مفتوحتة مُبصرة!
كيف فاجئتهم المُستسلمة التي تتقبل كل ما تتلقاه ولا تطلب ما لا تحصل عليه وإن كان أقل حقوقها؟!
ومتى تحولت نعومة أظافرها إلى مخالب تنهش بها الجميع دون تمييز؟!
شقيقها يحاول الصمود حتى لا يُتهم بالطفولة؛
ياسر يُكرر _في نفاد صبر_ الأسئلة على حارس البوابة كالمحققين؛
عمرو يتظاهر بالقلق والخوف ليخفي الراحة التي تتسلل إليه رغمًا عنه، عادت لين مُسببة له قلق من دس أنفها في المصنع، فرحلت إيلاف _مشكورة_ لتُعيد الأمور إلى نصابها الصحيح!
لين وغفران.. كلتاهما تتشاركان في الذهول، والهلع، وعبرات غزيرة لا تتوقف، لكنهما تعزفان عن مشاطرة كل ذلك معًا!
والجد.. يجلس وحيدًا، بيد مرتجفة يستند على عصاه، وبيد أخرى أكثر ارتجافًا يُحدق فيما تركت بغرفتها..
ظن أنها أرادت لعب دور بطلة بفيلم قديم فاتبعت السيناريو بحذافيره، أخذت بعض ملابسها، ثم كتبت خطابًا تُطالبهم بعدم البحث عنها لأنهم لن يجدوها، ولا بإبلاغ الشرطة لأنها ليست قاصرًا ورحلت عنهم ملء إرادتها..
لكن عندما وجد الهاتف أيضًا مُغلقًا بحوزة الخطاب أدرك أنها لم تكن تنتهج نوعًا من التراجيديا، بل هي جادَّة تمامًا في عدم رغبتها بعثور أحدهم عليها.
"سأقوم بإبلاغ الشرطة!"
هتف ياسر بحزم بعدما صرف الحارس، فانتفضت خالته واقفة:
_ستفضحنا يا ياسر! لن تفعل الشرطة شيئًا لأنها رحلت برغبتها، ماذا سيقول الناس إن علموا أن ابنتنا هربت من البيت وحدها؟! ستنتشر الأقاويل عنا ولا تنقصنا الشائعات أيضًا!
حدجها ياسر بغيظ واعيًا لِقصدها غير المنطوق، لكنه ذكَّر نفسه بأنه مُجبر ألا يُخاطبها دون احترام، فعلَّق بجفاء:
_أظن أن من أشعل فتيل الأقاويل بالأصل هو ابنكِ يا خالتي، فلا تحاولي إلقاء اللوم على إيلاف لنفاد صبرها أخيرًا!
_ياسر!
صاح جده به قبل أن تندلع مبارزات كلامية ليس الوقت مُناسبًا لها، فأطبق شفتيه وأعرض عنها في غيظ ازدادت حدته وهو يلمح هاني يلِج من الباب وعلامات الدهشة على وجهه طاغية.
_أحقًا ما علمت؟ هل هربت إيلاف؟!
ما إن ألقى سؤاله حتى اقترب منه ياسر هاتفًا بسخط:
_ماذا تعني بأنها هربت؟! إيلاف لم ترتكب إثمًا كي تهرب، بالتأكيد هذا نتاج فِعلتك الخسيسة معها!
وبابتسامة ساخرة واجهه هاني مُتسائلًا:
_لقد انفصلنا منذ عام كامل، أهي بهذا التأخر العقلي حتى تتخذ ردة فعل الآن فَحَسْب؟!
برقت عينا ياسر بشر وهو يصيح به:
_احترم نفسك ولا...
_ما شأنك أنت؟! لقد كانت زوجتي أنا وطلقتها، وأنا من سأستعيدها، لماذا تُقحم نفسك في الأمر؟!
وقاطعه هاني بالغضب ذاته، ثم لم يلبث أن اتسعت ابتسامة منتصرة على شفتيه وهو يستدرك:
_أم أنك أيضًا كنت تحبها؟
ارتفع حاجبا ياسر بدهشة وهو يحدق به غير مصدق ما قال، ثم زم شفتيه صارخًا:
_أيها الـ..
لكنه لم يتم عبارته حين بترها بنفسه وهو يُمعِن النظر به بتوجس متسائلًا:
_ماذا تعني بأنني أيضًا كنت أحبها؟
أجفل هاني عندما انتبه لزلته فارتسم التوتر على وجهه وهو يبحث عن إجابة لا تكشف سره، لكن الإنقاذ جاءه من شقيقه الذي هبَّ لنجدته يهتف بنبرة حانقة تكفي لأن تجذب الكل بعيدًا عما كاد تهوره أن يستجلب من غضب جده عليهم جميعًا أكثر:
_هو محق يا ياسر، هي ابنة خاله مثلك تمامًا، بينما كانت زوجته هو ويسعى الآن على استعادتها، وهذا يمنحه "هو وحده" حق الاهتمام المُبالَغ به على النقيض منك أنت!
_يسعى الآن؟!
عَلَّق ياسر في استنكار، ثم ابتسم رغم توتر الموقف وهو يتخصر ليقول بشماتة لا شك بها:
_فليسعى كما يشاء!
وحده؛
بمواجهتهما يقف وحده؛
لكن ليس بالضعف ذاته الذي كان يشعر به دومًا أمامهما حينما كان خاله ينصرهما عليه بكل مرة؛
الآن جده خلفه، يشد من أزره، ويمنحه كامل الأمان..
وبينما كان هاني يفكر بالتشابك معه بالأيدي فقد تراجع عمرو بضع خطوات إلى الخلف وهو ينقل نظراته بين جده الذي يراقب ما يحدث بشرود، وياسر الذي قد سنحت له الفرصة أخيرًا للهيمنة، ولؤي الذي يظهر عليه توتر فاضح!
هناك ما يحدث، أو هناك ما قد حدث بالفعل!
ماذا فاته؟
تُرى ماذا فاته؟
أغمض عينيه وسبح بذهنه مبتعدًا عن الجميع باحثًا في إصرار عمَّا غاب عنه، لكنه سرعان ما عاد خائبًا حاملًا خُفَّي حنين وهو يؤكد لنفسه أنه يسيطر على الأمور..
ربما يحاول ياسر النَيْل منه بالإيحاء بأن هناك ما تم تدبيره دون علمه، لكنه لن يستسلم..
عمرو الكردي لا يستسلم؛
عمرو الكردي مهما ضاقت به السُبُل يستطيع أن يجد جُحرًا صغيرًا يرشده؛
يزحف إليه؛
يخرج عبره؛
وحول عنق من يحاول الانتقام منه سَيَلتف.. وسيعتصر!
وفؤاد الكردي..؟
كان يرتجف؛
كله يرتجف؛
كلما حاول الإصلاح وجد الخراب مُضاعفًا؛
كلما حاول ضم إحدى حفيداته تحت عبائته أدارت له ظهرها لتولي هاربة؛
وغير مسموح له بإظهار أي ارتخاء كي لا يضيع حقوقهن!
والآن يجب أن يجد حلًا ليعثر على تلك الحمقاء التي هربت من سجنها.. قُبيل ساعات من حصولها على الحرية أمام الجميع!
تبادل نظرة طويلة مع ياسر ختمها بأن وقف في صعوبة بمساعدة لؤي ثم قال بثبات تظاهر به رغم محاولة جسده خذلانه:
_ياسر! جهز السيارة لأننا سنسافر إلى البلدة الآن، ربما نجدها هناك!
ثم أولاهم جميعًا ظهره قبل أن يستدير مُجددًا إلى هاني قائلًا بصرامة:
_وأنت! إن كان بإمكانك ما تقدمه حتى نجد ابنة خالك فلتفعل! وإلا فلا أرغب بأن أسمع صوتك.
وقبل أن ينصرف أضاف في حزم وهو ينقل نظراته بين عزة وعمرو:
_لا فرصة لإعادة إيلاف إليه ثانية، ذلك الأمر بات مُحالًا، فلتبحثوا عن وسيلة أخرى للحصول على المصنع، أو لتؤمنوا بأن الجشع والغرور لن يزيدا نفسوكم إلا فسادًا!
**
بشرفة المنزل وقف مُصطنعًا الاهتمام بالأصص التي تُزين السور، بينما عيناه تهربان رغمًا عنه إلى ناصية الشارع مُتطلعًا بتلهف إلى كل من يظهر بها، ثم يعود إلى النباتات ثانية بعدما لا يجد ضالته.
"نضال! أنت تسقي النباتات منذ وقت طويل، ماذا هناك؟"
التفت إليها راسمًا ابتسامة مُفتعلة وهو يقول بثبات:
_أشعر بالحر يا أمي، لا تقلقي!
دخلت إلى الشرفة تُلقي بنظرها إلى الشارع في قلق..
_ألم يعُد مهند من الدرس بعد؟
سألته وهي لاتزال غير واثقة في أمر تلك الدروس الخصوصية التي يتلقاها طالب جامعي في سنته الأخيرة كالتلاميذ، لكنه توسلها كثيرًا أن تقنع شقيقه بالموافقة لِصعوبة دراسته ولرغبته الصادقة في الحصول على تقدير عالِ هذا العام.
_لا!
والرد المُقتضب من ابنها الأكبر جعلها تبتسم في توتر وهي تجذبه إلى الداخل قائلة بحنو:
_إذن تعال لتشرب الشاي الذي أعددته لك، وتوقف عن الخوف عليه بلا داع، ربما بدأ الدرس بوقت متأخر.
أومأ برأسه في طاعة وهي تتأبط ذراعه فتابعت برجاء:
_نضال! لا تغضب من شقيقك! هو لم يتنعم بحنان الأب مثلك، لذلك أرجو أن تتغاضى عن زلاته بعض الشيء، لا نرغب بأن يُخفي عنا ما يحدث معه ويلجأ لغيرنا.
عندئذٍ خلص ذراعه منها برفق وهو يلتفت لها قائلًا:
_أرجو أن تتوقفي أنتِ عن الخوف عليه مني يا أمي، أعلم أنني أحمل همه بشدة، لكن لا تصوري الأمر وكأنني أقيده بِلِجام!
اكتنفها الندم على الفور فنطقت بنبرة آسفة:
_اعذرني يا نضال! أدري أنك تتكبد الكثير من أجلنا وتحمل على عاتقك كل شؤوننا، لكنني أخشى من اتجاه علاقتك معه، فلتهادنه قليلًا من أجلي يا بُني!
تنهد مُطولًا ثم طبع قبلة آسفة على جبينها قبل أن يجلس ويساعدها على الجلوس إلى جواره، ارتشف من كوب الشاي ثم وضعه على الطاولة ليقول في حماس:
_كنت أفكر لو قمنا ثلاثتنا بأداء عمرة رمضان القادم، بحلول ذلك الوقت سأكون قد انتهيت من سداد آخر دَين واستطعت ادخار التكلفة، ما رأيكِ؟
ابتسمت وهي تتفحص ملامحه في مزيج من الفخر والإشفاق، ثم ربتت على وجنته لتعلق:
_حبيبي! أرى أن تهتم بنفسك قليلًا، لِمَ لا تفكر بالزواج؟
_لا أظن أنني سأفعل قريبًا، ربما.. حينما أطمئن على حال مهند سأبدأ بالتفكير بالأمر.
قالها في جدية فرمقته عاتبة ليبتسم قائلًا في مرح:
_لماذا تنظرين إليّ هكذا؟! أنا في الحادية والثلاثين فقط، لا تحاولي إقناعي بأنني قد كبرت كثيرًا ولا فتاة سترضى بي!
على الفور ارتفع حاجباها في استنكار ثم قالت بصدق:
_بل ستهيم بك أجملهن، وأقواهن، وأكثرهن جاذبية، و..
بترت عبارتها حينما لاحظت احمرارًا طفيفًا يغزو وجنتيه قبل أن يرفع كوبه مرة أخرى إلى شفتيه فضحكت ثم تابعت مازحة:
_لو تتوقف فقط عن التورد خجلًا كالفتيات!
ضحك بالمثل حتى أنارت شاشة هاتفه فوضع الكوب بسرعة ثم التقطه، رويدًا رويدًا انمحت الابتسامة ليعود الشرود بصحبة غضب حاول مواراته.. ولم ينجح.
_ماذا هناك يا نضال؟
سألته فسارع مُجيبًا إياها بتوتر:
_لا شيء يا أمي، ألن تخلدي إلى النوم؟
وقبل أن ترد التفت الاثنان تجاه الباب حيث صوت دوران المفتاح، ثم هتفت ببشاشة وهي تُطالع وجه ابنها الأصغر:
_حمدًا لله على سلامتك يا بني، اغسل يديك وتعال لـ..
_لقد تناولت عشائي مع أصدقائي يا أمي.
قاطعها وهو يتجه إلى غرفته دون أن ينظر لها، فعبس نضال تلقائيًا حينما لمح خيبة ملامح أمه ليهتف بصرامة:
_متى؟
استدار إليه شقيقه قبل أن يدخل إلى الغرفة، فتقدم نضال منه مُواصلًا باللهجة ذاتها:
_متى تناولت عشاءك يا مهند؟ درسك ينتهي في الساعة الثامنة، والآن الساعة الثامنة والنصف، كيف وجدت الوقت لتتناول العشاء ثم استقللت المواصلات لتعود إلى البيت خلال نصف ساعة لا أكثر؟
حك مهند مؤخرة عنقه في توتر وهو يتمسك بدفتره في يده ليُجيبه بارتباك:
_لقد.. لـ..
ونفد صبر نضال فهتف مُقاطعًا:
_لقد تغيبت عن الدرس وأنفقت المال، أليس كذلك؟!
واقترب منه صائحًا بغضب:
_طوال الأسبوعين الماضيين تخرج بحجة الدروس لكنك لا تحضرها، بل تنفق ثمنها في اللعب مع أصدقائك.
ابيض وجه مهند تمامًا وهو يتطلع إلى الثقة التي يتحدث بها شقيقه بدلًا من الشك السابق، فأردف الأخير وقد انفلت سخطه من عقاله:
_تكذب، تتهرب من الدروس، ثم تقامر أيضًا، بينما أبوك كان إمام مسجد الحي يتحاكى الناس بسيرته الطيبة حتى بعد وفاته بأعوام!
واندلع إعلان العصيان بعيني مهند فانطلق رافعًا الراية يزعق بلا توقف:
_ نعم أنا أفعل كل هذا، ولا شأن لك بي، أنت لست هو، ويكفينا ملاك واحد بهذا البيت.
والسخرية التي شابت نبرته المُتهِمة أثارت تصميم نضال أكثر، فرد بكلمات مُنذرة دون تردد:
_أنا ولي أمرك رغمًا عن أنفك، ولقد سئمت من محاولة التفاهم معك بالحُسنى، لذا دعنا نجرب أسلوبًا آخر ربما ينجح.
ولمحة التوجس التي عبرت عينيّ أخيه جعلته يبتسم وهو يُلقي فرماناته تباعًا بقوة لا يتسرب إليها أي خيط من وهن:
_بدءً من الغد لا مصروف شخصي، ولا مصروف للدرس، إن أردت حضور أحدها فسأصحبك وأنتظرك حتى تنتهي.
وبكل عزم مهند ألقى دفتره أرضًا وهو يصيح باعتراض:
_أنا لست طفلًا كي ترافقني بكل خطوة، بعد أشهر سأُنهي دراستي لأصبح موظفًا مثلك، بل مُهندسًا أفضل منك أيضًا!
مط نضال شفتيه بلا اكتراث ولم يمح ابتسامته ليُعلَّق ببساطة:
_لقد عاملتك كرجل ومنحتك ثقة لم تكن أهلًا لها، وأنا لست أحمق حتى أواصل بالطريقة نفسها.
ثم أولاه ظهره لتقع عيناه على والدته دامعة تهمس بدعاء لا يتوقف يعلم هو أنه يتضمن الكثير من الهداية والإصلاح، تسللت الشفقة إلى قلبه من أجلها وهَمَّ بالتراجع فصدح صوت أخيه مُعاديًا:
_لن أذهب للدروس إذن.
وعادت الخيبة إليه تزيح الشفقة سريعًا، فالتفت ينظر له بجانبي عينيه وبلا مُبالاة خاطبه وهو يهز كتفيه قائلًا:
_لا تفعل! لم أستسغ كونك تنافس عمود الإنارة طولًا بينما لازلت تحضر دروسًا خصوصية كطلاب المرحلة الثانوية، إنه مستقبلك أنت، وأنت وحدك من ستُشكله بأفعالك!
ودون إضافة ولج إلى غرفته، ليسمع صوت انغلاق الباب المجاور له بعنف، أسند رأسه على الباب وأغلق عينيه يزفر طويلًا بحرارة..
لقد صار وضع شقيقه فوق الاحتمال، يشعر وكأنه يأوي ذئبًا يتأهب للحظة غفوة تتمكن منه ليفتك به دون إظهار أية رغبة بالرحمة؛
مُتفاخرًا بعدائه، مُتباهيًا بوحشيته؛
يرفض محاولات ترويضه؛
ويحتج على كل فرصة لاستئناسه!
"ومن أوقع عليّ ظُلمًا يا أمي.. كيف أتنازل له عن حقي؟!"
سألها وهو يساعدها في غسل ثمرات المانجو التي تقوم هي بتقشيرها ثم تقطيعها ووضعها في جهاز الخلاط..
_هناك إله عادل، منتقم جبار، لا يسامح في حق العبد حتى يسامح العبد نفسه.
أجابته بابتسامتها السمحة رغم تورم عينيها بالبكاء، وبالطبع السبب له معلوم، فبالأمس وصلهما خبر بأن والده قد تزوج مُجددًا، واليوم كاد يتشاجر مع أحد صبية الحي بسببه مُجددًا، فمنعه الحاج بيومي مُجددًا!
_لكني لا أستطيع السكوت، التقبل، المُضيّ قدمًا، أشعر أنني سأموت إن أظهرت ضعفا وتخلَّيت عن حقي!
في تبرم هتف وهو يبدأ بمساعدتها في التقطيع حينما لاحظ اهتزاز كفيها بسبب إرهاقها الذي تضاعف مؤخرًا، لكنها ربتت على شعره بيدها المُبتلة وقالت في عطف مع الكثير من الحزم:
_لا يُعد ذلك ضعفًا، بل هو منتهى القوة، وأنت تستطيع، أنت ولدي أنا، أنت جداري الصلب الذي أستند عليه فيضمني بذراعيه، ينال مني المرض فأرى الشفاء بحنان عينيه، يقترب مني اليأس في خبث فيحول بيني وبينه بتذكيري بما علمته إياه.
_وما هو؟
سألها مُتهكمًا فتعلقت عيناها به في أسف، في حب، وفي فخر، لتقول وهي تمسح بأناملها على موضع شاربه الذي بدأ بالنمو حديثًا:
_أنت تساعد في روي ظمأ الناس، أتظن أن الله سيتركك عطشانًا؟
رمقها في ألم أخفاه سريعًا، لكنها تابعت في ثقة:
_سينتهي القيظ، وسيحل الغيث، ستُسقى كما سَقيت، فإياك أن تبحث عن سراب الانتقام وتدير ظهرك للواحة التي تنتظرك هناك كي تنهل منها قدر ما تستطيع!
...
انتهى العزاء ورحل الجميع عنه، وقف واضعًا يديه في جيبي بنطاله ينظر بلا تعبير إلى المحل بلافتته الجديدة.. خاليًا من ثلاجته التي تمثل له أكثر مما تمثل لأي شخص آخر..
لوهلة شعر بالاغتراب مُوقنًا أن المكان حقًّا لم يعد له!
تبدَّل؛
تشوه؛
وموقنًا أيضًا بأن إعادته لصورته الأولى باتت مُستحيلة رغم استمرار مدة حربه لأعوام كي يحافظ عليه..
ألا ينال استراحة؟
ألا يحصل على هدنة كي يجمع ما شَتَّ عن ذهنه من أفكار؟
ألا يحطمه الآن عن بكرة أبيه فيتلذذ ببعض التشفي الذي ربما سيهبه قدرًا من السرور؟!
مسح على وجهه بكفيه ولم يرفعهما عنه لِثوانِ فيما اجتاحه شعور بالضياع، شعور بأنه.. صفر بأقصى اليسار!
كم مرة عليه أن يتعرض للخداع حتى يتأكد من خبث بعض البشر؟!
كم مرة عليه أن يفقد غالِ لديه كي لا يثق بأحد؟!
رفع كفيه وقد التقط الحبل الذي رماه إليه عقله.. أو ربما هو قلبه؟!
مُنبهًا؛
مُذَكِّرًا؛
ودافعًا إياه إلى ما كادت رغبته في الانتقام أن تنسيه..
ربما ضاع منه المحل بالفعل، لكنه لم يفقد بعد ما هو غير قابل للمقارنة أو.. للتثمين!
**
"ماذا تعنين بأنكِ ستبقين هنا؟!"
بحنق ألقى هارون سؤاله على شقيقته التي جلست تكتف ساعديها بصالة الشقة بعد أن خلت من النساء، فنظرت هي إليه بتساؤل ترجمته إلى كلمات على الفور:
_ما الذي لا تفهمه يا هارون؟! هذا بيتي الذي أعيش به منذ سنوات، لن تُغير وفاة زوجي من الحقيقة.
احتدت عيناه وقد استشعر صعوبة استمراره في التمسك بالهدوء فهتف باستنكار:
_وابنه؟! ألا تعلمين أنه خرج من السجن صباح اليوم وسيعود إلى بيته؟
ورغم أن هذا هو أكثر ما يؤرقها منذ وقعت عيناها عليه فقد افتعلت لا مُبالاة عبرت عنها قائلة:
_فليبحث عن مأوى له، هو الرجل ومَن عليه تدبير أموره لا أنا.
منحها ابتسامة صفراء لم يستطع بها كظم غيظه وهو يعلق ساخرًا:
_ولِمَ يبحث عن بيت وهو يمتلك واحدًا؟! هذه شقته وشقة والدته بالأصل وأنتِ من احتللتها دون وجه حق، كان عليكِ أن تطلبي من والده أن يوفر لكِ مسكنًا خاصًا بكِ.
اعتلى الضيق قسماتها وهي تلعن بطئها في الترتيب، لقد كانت على وشك إعادة الكرَّة وإقناع زوجها بأن يتنازل لها عن نصيبه بالشقة، لكنه مات قبل أن تفاتحه في الأمر!
ضحكة مُجلجلة انتزعتها من شرودها وأضافت إلى غيظها المزيد من الغضب وهي تتطلع إلى وجه شقيقها الذي بدا شديد الاستمتاع وهو يقول:
_نادمة أنتِ لأن الوقت لم يسعفكِ كي يتنازل زوجكِ عن نصيبه بالشقة أيضًا، أليس كذلك؟!
ونظرتها الذاهلة جعلته يتابع في تهكم:
_لماذا الدهشة؟! أتظنين أن باستطاعتكِ دفع المال للمحامي كي يأتيكِ بأخبار الخصم ولا أفعل أنا؟!
ثم تابع من بين أسنانه كاتمًا غضبه:
_بل أستطيع التهديد بفضحه وخراب بيته أيضًا، وهو أيقن أنني على استعداد تام بأن أثير مشكلات لا حصر لها في عمله، فاختار صالحه كما يفعل الجميع.
استغرق منها الأمر كي تستوعبه بضع ثوانِ، ثم هتفت به في استنكار:
_أأنت من جعلته يتأخر في إعداد العقد إلى الآن؟
مط شفتيه وأومأ برأسه ليُجيبها في تشفي:
_كنت آمل بأن يخرج ناهل ويمنع والده بنفسه، لكن شاء الله ألا يحمل الشاب فوق همومه همَّ عقوق أب فقبضه إليه أولًا.
همست بسباب يخص المحامي الذي يلعب بجميع المواقع، ثم أجفلت حينما تابع هارون صائحًا:
_ألا يكفيكِ تجبرًا عند هذا الحد يا علا؟! ألا تخافين من استفزازكِ إياه حتى يعتدي عليكِ حقًا هذه المرة؟!
وبالرغم من خوفها فقد نطقت بهدوء بانت الشماتة به في وضوح:
_اطمئن! لديه ما سيُشغله عني بالأيام القادمة.
عبأ هارون صدره بشهيق عميق ولم يعطِ عبارتها الانتباه اللازم، فقال بضجر:
_تعالي لتعيشي معي ببيت والدينا! لقد مللت الوحدة.
أمعنت النظر به مليًا ثم سألته باهتمام:
_لِمَ لا تتزوج ثانيًة يا هارون؟
اتسعت عيناه وهو يتمتم بدهشة:
_أتتحدثين بشأن زواجي بينما لم تمضِ ساعات على وفاة زوجكِ ودفنه؟! من أي حجر قُدَّ قلبكِ؟!
اكتنفها الحرج فأشاحت النظر بعيدًا عنه، هدأت نبرته قليلًا وهو يستطرد قائلًا:
_لننهي هذا العبث! أستعودين معي فتجدين الأمان؟ أم ستُصرين على موقفكِ فتصبحين فريسة سهلة لانتقامه؟!
ولمَّا نظرت إليه بتردد قرر هو تضييق الخناق عليها أكثر، فأردف مُحذرًا:
_تذكري أنه لم يعد يجد من سيدفع ثمن الظلم الذي أوقعتِه مع والده على والدته ثم عليه، وأنا لست خارق القوة كي أقدم لكِ العون فيما تصممين على التظاهر بالشجاعة بينما أنتِ ترتجفين ذُعرًا منذ رأيتِه صباحًا!
بداخلها تعلم أنه محق، وبكل كيانها تدرك أنها _رغم حصولها على المحل_ فقدت كل شعور بالاطمئنان، وربما من الذكاء أن تتظاهر بالاستسلام حتى حين.
"ألا زلتِ هنا؟!"
التفت الاثنان إلى الباب حيث ظهر ناهل مُحدقًا بها في كراهية ضاعفتها بالتأكيد الأشهر الست التي قضاها بالسجن.. بسببها!
لا إراديًا تراجعت إلى الخلف وهي ترمقه بتوجس، وقال هارون في قوة:
_سنرحل الآن يا ناهل.
عادت إليها روح العناد سريعًا فهتفت وهي تناظره بتحدي:
_لا أريد الرحيل عن بيتي.
لكنه اقترب منها ليقول في هدوء لم يخل من توعد صادق.. مجنون:
_تعلمين أنني بتُّ لا ألوي على شيء، وبدلًا من الاكتفاء بإحراق بعض ملابسكِ بإمكاني هذه المرة إشعال النيران بالشقة وأنتِ بين جدرانها، أي أنني أُرحب بشدة بأن أخسرها كي لا تسرقيها أيضًا!
جف حلقها وهي تتذكر فعلته الشنيعة عقب زواجها من والده بأسبوعين فقط، فحينما أرسلها همام لقضاء بضعة أيام مع هارون حتى ينتهي عزاء زوجته عادت لتجد أن ابنه قد أشعل النيران بملابسها الجديدة التي لم تكن قد ارتدت غالبيتها بعد!
ربما ابتاع لها همام ملابس أخرى، لكنها تأكدت حينذاك أن ابنه لن يُسهل عليها حياتها.. وقد أثبت هو لها ذلك مرارًا وتكرارًا!
_أعدك أننا سنرحل الآن يا ناهل ولن تدخل شقيقتي من هذا الباب ثانية، كلمة رجل لرجل.
قالها هارون وهو يقف بالمنتصف بينه وبينها، فرددت في ارتباك:
_أنا لست..
وبترت عبارتها حينما استدار لها شقيقها بحدة ليصيح بها:
_هيا وإلا أقسم أن أحملكِ حملًا حتى الخارج، لاحظي أنكِ تتسببين في التقليل من قيمتي أيضًا!
نقلت نظراتها المتوترة بينهما لتعي على الفور أن من الغباء الإصرار على البقاء، وأن شقيقها _للأسف_ مُحق، فذلك الذي يرمقها بنظرات تقدح شررًا ربما يزهق روحها بين ثانية والتي تليها!
وهكذا أذعنت ملامحها ثم بكلمات مقتضبة أبلغت هارون بأنها سترحل معه، ثم بعبارة مُصممة ختمت حديثها:
_لكن المحل صار ملكي، ولن يتجاوز عتبته إلى الأبد.
ود لو هزها بعنف كي تستفيق؛
تمنى لو يستطيع صفعها حتى ترتدع عن ذلك المسار؛
لكنها ليست فاقدة الرشد، أو الوعي؛
لِذا ينبغي عليها تحمل عثرات طريق مَهَّدته بنفسها!
راقبها هارون تختفي داخل إحدى الغرف ثم استدار لناهل الذي كان يرميها بنظرات عدائية، أجلى حنجرته وقال:
_حينما تحصل على بعض الراحة نستطيع الذهاب لمحامِ آخر سويًا.
ابتسم ناهل في سخرية ثم أولاه ظهره واتجه إلى أقرب أريكة، جلس واضعًا إحدى ساقيه فوق فخذه وسأله:
_لماذا؟ والدي لم يكن يملك شيئًا إن كنت تسأل عن ميراث شقيقتك، فقد سلبته كل ما ملك دون وجه حق بالفعل.
كالعادة تجاهل هارون إشارته، ثم قال في هدوء لا يشعر بأي قدر منه:
_لم أكن أتحدث بشأن أي ميراث، عنيت أن بإمكاننا البحث عن إقامة دعوى بالطعن في عقد بيع المحل.
اعترت الدهشة ملامح ناهل وهو يمعن النظر به، وقبل أن يعلن الشعور بالذنب في نفسه تجاهه وأده مُعلقًا في حسرة:
_هي لم تقم بالتزوير، بل والدي هو من تنازل عن حقي بإرادته، فلا داع للسعي في طريق مسدود.
هذه معلومة أكدها له المحامي الأول، ثم الاثنان التاليان الذين لجأ إليهما باحثًا عن أية وسيلة كي يُعيد المحل له، لكنه لا يمانع أن يستشير آخرين..
إلا أن اليأس الذي عبَّر عن نفسه بقوة في عيني ناهل الآن أنبأه أن يوفر جهوده بذلك الشأن!
_حسنًا.. إن.. إن أردت شيئًا لا تتردد في الاتصال بي!
قالها في صوت خفيض ثم بدأ ينقل قدميه حيث يقف، فسأله ناهل باقتضاب:
_ماذا هناك؟
اضطربت تعبيرات هارون أكثر ثم قال:
_لا تُسيء الظن بي! لكني كنت أحتاج لمن يساعدني في إدارة المكتب و...
_سيد هارون! توقف عن محاولة إصلاح ما تُفسد شقيقتك، كلاكما بالغان وكلٌ سيُحاسبه الله على أفعاله!
قاطعه ناهل دون جفائه المُعتاد بنبرته خاصًة معه، فأطبق هارون شفتيه والتزم الصمت حتى خرجت علا من الغرفة رأسًا إلى الخارج، لكنها عادت لتقف بالباب قائلة في شماتة:
_الوداع يا بن زوجي! وأرجو أن تعجبك هديتي!
رمقها في امتعاض بينما راحت عينا هارون تلقائيًا تدور في الصالة بحثًا عما قصدت، فيما لم يلقِ لها ناهل أي اهتمام مُدركًا أنه سيجد ملابسه مُمزقة ومُلقاه بركنٍ ما.. هذا إن وجدها بالأصل!
دفعها هارون في حدة إلى الخارج، ولمَّا نزلت على الدرجات قال له:
_اللافتة الأصلية لمحلك وثلاجة المياه لديّ الآن بالمكتب، وقتما تريد وأينما ترغب بأن تعيد تركيبهما خبرني وسأنقلهما لك!
زفر ناهل في ضيق وهو يتمنى لو يطلب منه أن يتوقف عن عرض خدماته كي يستطيع كراهيته كما يجب، لكنه اجتذب انتباهه كاملًا حينما تابع في جدية:
_لا تترك مسؤوليتك وتهرع خلف سراب الانتقام!
ورغم أنه لم يفهم سبب عبارته، فإنه قد شحذ انتباهه حينما وصلت إلى سمعه.. بصوت والدته.
**
بعد أسبوع:
بذلك المقهى المتواضع جلست تضع كفها أسفل وجنتها بشرود فيما أحاط اللون الأسود بعينيها دلالًة على أرقها لأسبوع متواصل، وكيف لها بالنوم ولا يدري أحد بمصير شقيقتها؟!
كائن حي بالاسم فقط..
بالجسد حقيقة واقعة؛
وبالروح تتوارى خلف الهامش!
دومًا ما كانت تعيش بينهم على الهامش، لا يلتفت إليها أحد، ولا يُعيرها الاهتمام؛
الآن وقد اختفت فلماذا تشعر هي بكل هذا الخواء في صدرها؟!
الخوف.. أم الندم؟!
صوت هاتفها ارتفع ففتحته متوقعة رسالة من سدن تعتذر لتأخرها، لكنها حدَّقت بالكلمات المُرسَلَة من مجهول بسأم قبل أن تُغلقه وتضعه في الحقيبة.
طوال أسبوع لم تتوقف الرسائل السخيفة عن إضافة المزيد إلى ضيقها، ولولا المُصيبة الحالية لكانت قامت بالاتصال بذلك التافه الذي يُصر على إزعاجها لتُلقي عليه إهانات ستُدهشه.
"أعتذر لتأخري يا غفران!"
قالتها سدن بإرهاق واضح وهي ترتمي على المقعد المقابل، فابتسمت غفران بضعف وهي ترد:
_لا عليكِ، كنت أتمنى لو تلاقينا بحال أفضل.
زَمَّت سدن شفتيها وهي تطالع التعب على صفحة وجهها الجميل، وسألتها في تعاطف:
_لا أخبار عن شقيقتكِ إذن؟
هزت رأسها نفيًا في صمت حتى لا يفضحها صوتها الباكي، فتابعت سدن بإشفاق:
_ألا أقارب بعيدين بإمكانها أن تقيم لديهم؟ ألا أصدقاء؟ أ...
ببحة صوتها التي زادتها غصة حلقها قاطعتها غفران بأسف:
_لا، لا أقارب، لا أصدقاء، وربما لا إخوة أيضًا.
مدت سدن يدها لتربت على كفها وهي تقول بمواساة:
_غفران، لا ذنب لكِ في..
نظرت لها غفران بسخرية، منها لِدفاعها الدائم عنها، ومن نفسها لبطء حلول ندمها!
وبحسرة رددت:
_بل الذنب كله يقع عليّ، لقد جاءتني منذ أسابيع، طرقت بابي وتوسلتني بصمت أن أسألها عن حالها، أو أن أخبرها عن حالي، أن أهتم، أو أن أمنحها الفرصة لتهتم، أن أكون لها شقيقة، أو أسمح لها بأن تكون لي شقيقة، فصددت وقسوت وأصررت ألا أخرج من سجني، ولم أكن من القوة بحيث أجذبها للداخل معي.
لمعت عيناها بالدموع عقب عبارتها، لكنها لم تأبه فأضافت:
_أنا.. أعلم أنني لست بالشخص المُستحب صحبته، لكنها أرادت تلك الصحبة.
شهقت وقد غلبها البكاء فاستطردت بكلمات متقطعة:
_أتساءل.. بِمَ شعرت قبل أن تتخذ قرارها؟ إلى أي درجة من الشعور بالوحدة وصلت قبل أن تهم بالرحيل، تُرى.. هل تراءت لها صورتي كَحَل ممكن فابتسمت باستخفاف موقنة بأنني أنانية، غارقة في بحر من الشفقة على ذاتي، عديمة الفائدة؟
هبَّت سدن من مقعدها لتجاورها وتجذبها إلى صدرها تهمس لها بقوة:
_غفران! حبيبتي لا تُمعني في القسوة على نفسك! ستعود إيلاف سالمة، وحينئذٍ ستُظهرين لها كم أنكِ شقيقة رائعة تحبينها وستكونين دومًا لها الدعم.
أجلت حنجرتها ومسحت وجنتيها وهي تتمنى لو باستطاعتها مسح الخزي والحرج عنها، لم تحب هذا الضعف الذي تمكن منها، لكنها تشعر بالامتنان كونه لم يخنها أمام أحد أفراد عائلتها واقتصر على صديقتها الوحيدة التي تثق بها إلى درجة أن تُعري مكنوناتها أمامها وحدها.
تنحنحت وتناولت كوب الماء لتنساب برودته إلى جوفها تُطفئ لهيب خوفها وأسفها، ثم التفتت إلى سدن تسألها باهتمام:
_أخبريني عن سبب حضوركِ المفاجئ! لقد تحدثنا هاتفيًا مرتين خلال هذا الأسبوع ولم تذكري أنكِ ستأتين.
شاع الضيق بوجه سدن وهي تُجيبها مُشيحة به بعيدًا:
_نزور خالي لأنه مريض، كما تحاول أمي أن يُقرضها بعض المال حتى موعد الزفاف.
أطلقت غفران تنهيدة طويلة نافدة الصبر، ثم بعزم فتحت حقيبتها متناولة عدة أوراق نقدية تحت نظرات صديقتها المتحفزة.
_ماذا تفعلين؟
سألتها سدن بحنق، فعاجلتها بصرامة:
_لا تُجادليني يا سدن! لست في أفضل حال لمُحاولة إقناعِك، خذيهم حتى تنتهي من الاستعدادت ثم أعيديهم لي ما إن تستطيعين.
اعتلى الاستهجان عينيّ سدن فعلَّقت دون تجميل عبارتها:
_أتتصدقين عليّ عسى أن تجدوا شقيقتكِ؟!
فغرت غفران شفتيها وهربت منها الكلمات لِثوان قبل أن ترد باعتراض:
_ما هذا الهراء يا بلهاء؟! أنتِ صديقتي وواقعة بمأزق، لو كنت مكانكِ ألن تحاولي مساعدتي بشتى الطرق؟
طأطأت سدن رأسها أرضًا لِتهمس بأسف:
_أعتذر يا غفران، ربما توتر ما قبل الزفاف صار يؤثر بي أكثر من اللازم.
لم ترد غفران، بل دست المال في حقيبتها عنوة تحت اعتراضاتها الواهية، ثم بدأت في حديث بلا اهتمام حقيقي تهرب به من صورة شقيقتها اللائمة التي صارت تحتل ذهنها على الدوام.
**
"لا أريد."
قالها وهو يهز رأسه رفضًا حينما مد الحاج بيومي يده إليه بقطعة من المعجنات الساخنة شهية الرائحة، فرمقه الرجل بصرامة أرغمته على أن يأخذها مُستسلمًا، ثم تأبط ذراعه وهو يقوده في تمهل إلى المخبز الذي يملكه.
وخلف المكتب الصغير جلس ينظر إليه بحنان أخفى إشفاقًا عظيمًا على حالته..
لم يرزقه الله هو وزوجته إلا بابن واحد، كافحا كثيرًا حتى صار شابًا مُتعلمًا، وموهوبًا بكرة القدم، ثم أعلن إصراره على أن يسافر إلى الخارج استجابًة لأحد العروض المُغرية.. وسافر؛
انتظراه عامًا واثنين.. ولم يعُد؛
تزوج وأنجب.. واستقر؛
توسلاه بأن يصطحب أسرته ويعود للبلد، بأن يتعرفا على حفيدهما.. فرفض، ليزورهما بمفرده؛
وبآخر الأمر أدركا ما خبرهما به قلباهما بالبداية وأنكره عقلاهما.. يتنصل منهما، يشعر بالحرج كون والده صاحب المخبز الكبير بالحي، ووالدته تساعده؛
وتوقفا؛
صارت المكالمات قليلة، واللقاءات معدومة، وربما جف نهر الحنين حتى تصدعت تربته..
ألهذا يشعران بالمسؤولية تجاه هذا الشاب؟!
ألهذا طالما نصحا والده بالتقرب منه بعدما استقر بالوطن ولم يُصِبهما عدم اهتمامه باليأس؟!
ألهذا كان يؤكد على زوجته إعداد أشهى الأصناف وزيارته بالسجن دوريًا حتى لا يبقى وحيدًا منبوذًا.. كما تركهما ولدهما؟!
تخلص من زفير حار طويل وهو يُطالع الشرود الذي اعتلى وجهه، ثم بجدية ألقى سؤاله:
_ماذا ستفعل يا ناهل؟
_بشأن؟
باقتضاب علَّق وهو لا يزال يُصوب نظره على المحل المقابل، ذلك الذي كان _حتى وقت قريب_ كل ما يملكه، ثم حانت منه التفاتة إلى الحاج بيومي الذي رد بحنق:
_بشأن حياتك!
_ماذا تقترح؟
استدار بكامل جسده على المقعد المواجه للمكتب، ثم ابتسم بسخرية، وتابع بنبرة افتعل بها عدم الاكتراث:
_ها أنا في غضون أشهر فقدت المحل الذي كنت أملكه، ولا فرصة لي باستعادته مادامت لم تجد الهداية طريقها إلى إبليس، وبالطبع لن يقبل أحد بتوظيف ذي سابقة إجرامية.
عقد الحاج بيومي حاجبيه ثم هتف به غاضبًا:
_هل أحببت الوصف أم ماذا؟! إن كنت أنت تنعت نفسك بالإجرام فكيف بالآخرين؟!
مط ناهل شفتيه ولم يرد، حين استطرد الرجل لائمًا:
_لو تستمع لرأيي وتعود إلى الـ..
_مُحال!
هتف في حزم فشعر الحاج بيومي بغصة وهو يرى المرارة التي احتلت وجهه، فسارع قائلًا رغبًة منه بانتشاله قبل أن يغرق بها:
_ستواصل حياتك عاطلًا إذن!
ولمَّا كان الرد هو عدم الرد واصل برجاء:
_ تعال واعمل معي! أنت تعلم أن صحتي ضعفت كثيرًا في الآونة الأخيرة حتى أنني لم أستطع زيارتك مرة واحدة بالسجن!
وأردف بتهكم:
_ولا ولد لديّ لأعتمد عليه.
نظر إليه ناهل بأسف واعيًا للألم الذي غَلَّف سحنته، وبداخله لعن ابنه الذي تناسى وصال والديه..
وبلا صوت انبثق سؤال: لماذا يعق ولد والده؟!
ثم دون تصريح انفجر آخر: لماذا يظلم والد ولده؟!
لماذا لا يتمسك كل إنسان بمسؤوليته بإتقان؟!
المسؤولية..؟
"لا تترك مسؤليتك وتهرع خلف سراب الانتقام!"
بحدة وضع يده على ذقنه فاغتاظ ممن حلق لحيته..
ربما نمت قليلًا لكن ليس بالطول المطلوب؛
إلا أن.. الوقت ليس بصالحه!
_هناك ما يشغلني بجانب العمل، طال صبري كثيرًا وعليّْ حل المُعضلة بطريقة جذرية.
قالها ليجذب انتباه الحاج بيومي بعيدًا عن أفكاره الناقمة على ولده، مُستعيدًا نقمته هو التي سيطرت عليه..
"هناك شيئًا آخر سأخبرك به بعدما تحصل على بضعة أيام من الراحة، ولا أقصد أن أكون مُستغلًا الأمر لصالحي لكن أشعر أن حدوث ذلك بهذا الوقت تحديدًا ربما لحكمة ربك."
عبارتان قالهما له هارون منذ أسبوع لكنه لم يفهمهما إلا حينما التقى به هذا الصباح فكاد يتشاجر معه لصمته طيلة هذه الأيام، إلا أن هارون طمأنه وأكد له لمرة أخرى بأنه قد أصاب الاختيار حينما اعتمد عليه!
ضرب الحاج بيومي كفًا بالأخرى فشتت تلك النظرة المليئة بالغضب، وقال بضيق:
_ناهل! دعك من زوجة أبيك! لقد باعها المحل عن رضا ولن تستطيع أن تستعيده إلا إن تنازلت هي عنه، لِذا لا..
قاطعه ناهل سريعًا:
_أنا لم أكن أعنيها، يكفيها الآن خوفها وقد باتت دون حماية، حتى شقيقها يعارضها، ستلاقي مشقة في الحفاظ على ما سلبته، وبالرغم من ذلك ستفقده.
سكت قليلًا ثم أضاف بحسرة:
_وإذا أغار الملك على أرض ليست تحت سلطته وولى الهرب فكيف لي بأن أعاقب المُرتزقة خاصته؟!
وبعد ثوانِ تابع بحزم وهو يضغط بكفه على ذقنه مُفتقدًا سترها:
_لكنني سأستعيد حقًا آخر سُلِب مني بسبب ثقتي المُفرطة، سأستعيده ولن أُفلته إلا إن صرت جثة.
أنهى عبارته ليتناول هاتفه من جيب بنطاله، وبأنامل مُصممة واثقة توالت الحروف على الشاشة:
"سيد هارون! أرسل لي العنوان تفصيليًا ثم اذهب إليهم بنفسك!"
وسرعان ما أتبعها برسالة أخرى:
"وحاذر ممن خبرتك بشأنهم!"
**
جمعت كل ما اشترت سرًا من ملابس نوم وسهرة وأدوات تجميل في كيس بلاستيكي كبير الحجم وأخفته أسفل فراشها ثم أعادت الملاءة إلى موضعها ووقفت تلهث.
لأسابيع طويلة واظبت على الاختلاء بنفسها تجربها وهي تتخيل مقدار الصدمة التي سيتعرض لها أي من أفراد عائلتها إن رأوها على تلك الحالة من التنكر؛
التنكر من هيئة جميلة، ومن هوية تراها أعلى مراتب القُبح!
لا تتظاهر بأنها لم تتمن لو حدث ما تخشاه بالوقت ذاته، فماذا ستكون النتيجة؟
سباب؟!
صفعات؟!
حبس بغرفتها؟!
لا تأبه ولا تهتم، طالما سيكون المقابل هو الإمعان في إزعاجهم!
لكن.. بعد اختفاء شقيقتها أيقنت أن هناك من ستَود أن يتطلع إليها بمحبة واحترام، هناك من ستتمنى أن تفضي له، تقص عليه، وتشكو له!
دقات ارتفعت على بابها لتستحضر دمعات اندفعت إلى مقلتيها وهي تتذكر أن آخر من زارها كان إيلاف، قبل أن تدفعها للنفور منها ومن البيت بأكمله بحديثها القمئ كعادة كل ما يتعلق بها!
توجهت إلى الباب لتفتحه وهي تمسح عينيها راسمة في ذهنها صورة وهمية لإيلاف وقد عادت سالمة لتهرع إليها هي؛
هي شقيقتها الوحيدة؛
ربما تصغر إيلاف بعام واحد لكنها تستطيع _لو تخلت عن أحقادها تجاه العائلة_ أن تكون الجانب العطوف بهذا السجن.
ويبدو أنها تأخرت، أو أن الطارق ملول بعض الشيء، فلم تجد أحدًا وكادت تعود إلى الداخل، إلا أنها اشرأبت بعنقها لترى.. لين!
ليست شقيقة، مجرد أخت؛
دخيلة؛
غازية؛
نهلت من حنان الجميع فيما نال إيلاف الظمأ؛
ارتوت من الحب والعطف ما يفوق حاجتها بينما توسلت إيلاف أقل درجات الاهتمام فلم تجد؛
هي..
العدو في هيئة حليف؛
الاحتلال تحت راية اللجوء؛
هي اللص بواجهة مُحتاج، وهي الطُفيلي يرتدي ثوب نصف شقيقة!
لين المُذنبة ليس بحق إيلاف وحسب.. بل وبحقها أيضًا!
تُسمع همساتها في وضوح؛
بينما لا يُلتفت إلى صراخها هي!
"ماذا تريدين؟"
بجفاء وبصوت مرتفع سألتها بلا مُقدمات، لتراقب التوتر يجتاح جسد أختها الكبرى وهي تستدير لتُطالعها بتردد قبل أن تعود إليها بخطوات متباطئة وكأنها ستدلف إلى غرفة التعذيب!
_أردت أن أستعلم منكِ عن أخبار إيلاف.
بصوتها الحاني أجابت، وبعينين بُنية ببشرتها الشاحبة تهربت منها، لكن عندما جاء تعليق غفران وصلتها السخرية كاملة!
_ألا تظنين أنها ربما تكون سعيدة بما يكفي كونها رحلت عن مكان اغتُصِبَت به كل حقوقها لتُمنَح لأخرى؟!
ثم كتفت ساعديها وهي تتابع دون تردد:
_أم تعتقدين أنها تعاني الآن حينما تكتشف أنها غير مرئية بالخارج أيضًا؟!
والذنب أحكم قيده على لين، ذنب لم تعقد النية عليه فجاء إليها يعدو كبطل مضمار!
_أنا لم.. لم..
بترت عبارتها لتتشرب بهذا الغِل الذي تفيض به عينا أختها الصغرى، ثم أردفت بأسف:
_لم أسعد يومًا بإهمال الجميع إياها.
وبإصرار هتفت غفران:
_ولم تتخذي خطوة في درب إيقافه!
تأكدت لين أنها لو وقفت بالمكان ذاته لشهور لن تُصدقها غفران؛
ولو ابيض شعرها أثناء قسمها بأنها تهتم وتشعر فلن تأبه غفران!
لكنها تحصَّلت على بعض القوة التي يفقدها الجميع تباعًا هنا منذ أيام، ثم بجمود رددت:
_هي أختي أيضًا يا غفران، كما أنتِ أيضًا أختي، حاولت كثيرًا التقرب منكما لكنكِ كنتِ دومًا تنفرين مني وتجذبينها بعيدًا عني، ثم ابتعدتِ عنها أيضًا وتركتِها وحيدة، وبكل الأحوال أنا أحبكما ولن أُسَر إن تعرضت إحداكما لسوء.
ثم بحسرة عقَّبت:
_على عكس ما تؤمنين، وعلى النقيض من مشاعركما تجاهي!
اضطربت غفران وهي تصد أي شعور بالندم بعيدًا عنها، ثم بعناد الأطفال هتفت:
_لا أعلم عنها شيئًا، ولن أخبركِ إن علمت.
ثم بآخر ما يمكنها من إظهار شماتة خاطبتها قائلة:
_أتدرين؟! ربما إن وصلتني أية أخبار عنها لن أتفوه بحرف، سأجمع حاجياتي لأهرول إليها، سنعيش معًا كشقيقتين، لن تحتاج هي للاهتمام فسأغرقها به، ولن أحتاج أنا لِمن يُدافع عني فستوفر هي لي الحماية اللازمة.
لمعت عينا لين دون انتظار، وبصوت مهتز علَّقت:
_أنا لست بمنافِسَة لكما يا غفران، شئنا جميعًا أم أبينا أنا أختكما الكبرى، ولن تُغير كراهيتكِ لي من هذه الحقيقة شيئًا.
وختام عبارتها كان نظرة آسفة لائمة تركت أثرًا في نفس غفران رغم افتعالها العكس!
**
بنظرة ذاهلة وقف ياسر بحديقة البيت في مواجهة هذا الشخص الذي يراه للمرة الأولى ويخبره ببساطة بسلامة ابنة خاله، ولولا هيئته الوقورة المُهندمة وثقته بإيلاف لظن أنه شارك باختفائها!
أسبوع من عذاب طال الغالبية بالبيت، بين سفر إلى البلدة والعودة دون فائدة، واستسلام جده لوعكة صحية يحاول التظاهر بأنه يتغلب عليها، وانهيار أرملة خاله وأمه.
"ولماذا لا تخبرني بالعنوان إن كنت تعرفه حقًا؟! أم أنها هي من أرسلتك لتُضللنا؟!"
بارتياب سأله ياسر وهو يمعن النظر به في قلق، فأجابه بآخر ذرات يمتلكها من الصبر:
_لأنها لا تعرف بحضوري، بل لا تعرفني بالأساس.
هز ياسر رأسه وقد اختلط عليه الأمر فعلق بتعجب:
_لا أفهم! وكيف أ..
ليقاطعه قائلًا بحزم:
_اسمعني يا سيد ياسر! لقد خبرني حارس البوابة بأن الحاج فؤاد مريض ولن يستطيع مقابلتي، وأنا جئت كي أطمئنه على حالها، هي بخير، وقريبًا لن ينتابكم القلق عليها إطلاقًا.
أشاح ياسر بذراعيه أمامه صائحًا بحنق:
_ما هذه الرسالة الغامضة يا رجل؟! أخبرني أين هي إيلاف إن كنت صادقًا فيما تقول!
تمكن الارتباك منه، ورغم ذلك استدعى هدوءً يُحسد عليه ليقول بإصرار:
_لا أستطيع، ليس من شأني، اعتبرني فاعل خير أراد أن يُنهي حالة التخبط والخوف التي تعيشون بها منذ ما يقرب منذ أسبوع! ولا تسلني عن معلومة إضافية!
ضاق ياسر ذرعًا به وبرسالته المقتضبة فصاح بسخط وهو يطوي كُمي قميصه:
_اسمعني أنت جيدًا! أنا لم أخبرك عن الوجه الآخر لياسر البحيري، إنه ذلك الوجه الذي يُسارِع بالظهور ما إن يُثير أحدهم استفزازه.
وعلى عكس التوجس الذي يجتاح أي طرف آخر يتلقى تلك العبارة فقد ضَيق هارون عينيه ليسأله بتحذير:
_أتهددني؟! أيُفترض بي أن أخاف مثلًا؟! إن كنت أنت ياسر البحيري فأنا هارون عطية وقد تعاملت مع شتى الأنواع من البشر، فهدئ من روعك كي لا تُصاب بأذى!
كاد ياسر أن يرد لكنه كظم غيظه مُضطرًا بسبب ما يمتلكه هو من معلومات يحتاجها، فتابع هارون بهدوء:
_ ابنة خالك بخير فلا تبحثوا عنها! لقد أديت مهمتي وانتهى الأمر، وداعًا!
انفلتت سيطرة ياسر فَمَد ذراعه ليمسك به وهو يهتف عاليًا:
_يا سيد هارون عطية أنت لن ترحل إلا..
"ياسر!"
قاطعته لين التي استمعت لآخر عبارة قالها الضيف، ثم جاءت تهرول تجاههما وسألت ياسر بينما تختلس النظر إلى هارون في توجس:
_ماذا هناك؟ من هذا؟ ولِمَ تتشاجر معه؟
صاح ياسر دون اهتمام وهو يشير إليه:
_إنه أحمق ما يخبرني أن إيلاف بخير ويعلم بمكانها لكنه يرفض الإدلاء به!
لم يفتها ضغط الرجل على أسنانه ولا تقبض يداه في محاولة واضحة لِعدم الانزلاق إلى شجار، ثم من بين أسنانه تمتم:
_أنا أحترم حالة القلق التي تعيشون بها بالطبع، لكن لا يعني ذلك أن أسمح لك بالتجاوز.
هَمَّ ياسر بالشجار لكن لين كانت الأسرع ومنحته نظرة مُحذرة وهي تقول:
_جدي يريدك في الحال يا ياسر.
بقى مكانه لِثوان ينقل نظراته بينهما في عناد، ثم ما لبث أن دخل مُسرعًا إلى جده..
والتفتت هي إلى هارون بملامح راجية:
_أعتذر بالنيابة عنه يا سيد، تدرك بالتأكيد أننا نوشك على الجنون منذ اختفاء إيلاف، حتى أن جدي سقط مريضًا منذ أيام، هلا أخبرتني أين هي الآن؟
هز رأسه نفيًا وهو يدير عينيه بأرجاء الحديقة ليلاحظ شابًّا يقف بإحدى النوافذ ويُدقق النظر بهما من مسافة بعيدة، فقال بثبات:
_لا أستطيع يا آنسة، لكنني أؤكد لكِ أنها بخير تمامًا، قامت بتأجير غرفة بإحدى البنايات في حي بسيط ولا تخرج منها.
بتشكك سألته:
_بمفردها؟
وباختصار أجابها:
_نعم!
مُجددًا توسلته بعينيها وهي تُكرر طلبها:
_ألا تخبرني بعنوانها؟! سأطمئن عليها ولن أجعلها تراني مادامت هي طلبت منك ذلك.
أخذ يرمقها مليًّا وانتابته الشفقة فَهَمَّ بأن يفيض بما هو أكثر، لكنه اختلس نظرة إلى ذلك البعيد فهتف بنزق:
_يا آنسة أقسم أنها لا تعلم بشأني ولم ترسلني.
_وكيف علمت أنت إذن بهربها؟ هل أنت مُعجب سري؟!
فغر هارون شفتيه وهو يتطلع إليها بذهول عَبَّر عنه فورًا حينما صاح:
_بِمَ تهذرين أنتِ؟! لستم أُناس طبيعيين على الإطلاق!
فصاحت به على الفور:
_لماذا تصرخ؟!
ليهتف بها غاضبًا:
_أنا لا أصرخ!
وحينما أدرك أنه صرخ بشدة هدَّأ أنفاسه بأعجوبة وتابع بتهذيب يُناقِض فحوى كلماته:
_أعتذر منكِ يا آنسة، لكن.. أنا تورطت معكم رغمًا عني وكل ما كنت أتمناه أن أبلغكم رسالتي وأعود إلى شؤوني بعيدًا عن هذا الجنون الذي يُحيط بكم.
ثم أردف بابتسامة دبلوماسية:
_أختكِ بخير، وربما ستعود باليوم أو بالغد على الأكثر فاطمئني!
ترقرقت عيناها بالدموع وهي تسأله بصوت يقطر خوفًا:
_وكيف لي أن أثق بما تقول؟
عض على شفتيه وقال ساخرًا:
_هل وعدتموني بمكافأة حتى أُقحم نفسي بينكم؟! أم أنه حظي الرائع الذي أوقعني كمرسول إليكم؟!
هنا لم تستطع كبح جماح دموعها فتساقطت بغزارة على وجنتيها ليصفعه الارتباك تلقائيًا، فقال بتوتر:
_أعتذر لعدم لباقتي، لا تبكي!
لم تتوقف عن البكاء فتسمَّر واعيًا لحالة الانهيار التي هي على شفاها، ليُتابع برفق:
_هي بخير، وحيدة وبخير.
أومأت برأسها بلا معنى وهي تهمس:
_أشكرك.
ثم استدارت لتعود إلى الداخل دون أن تنظر إليه فناداها:
_انتظري!
توقفت فعاد إليها وقد بدا عليه الانتباه، انتباه تشتت لثوانِ وهو يشرد بعينيها اللامعتين..
الآسفتين؛
المُعذَّبَتَين!
بلحظة غاب عنه ما كان على وشك قوله وأُصيب ثباته بنقطة قاتلة..
دقة تتبع نظرة؛
أم.. نظرة تدفع دقة؟!
أيمكن لنظرة امرأة أن تجمع بين قمة القوة وأقصى مراحل الضعف؟!
أيُمكن لنظرة امرأة أن تخز روحًا مُتقاعدة منذ مدة فتؤلمها بقسوة وبالوقت ذاته تُهدهدها في.. لين؟!
قشعريرة أصابت جسده، وانتفاضة أرعدت بصدره، فهز رأسه يُعيده إلى صوابه في حنق!
وجاءه سؤالها المُترقب برجاء وقد ظنت أنه سيضيف معلومة أخرى بشأن أختها فطال صمته أكثر من اللازم:
_يا سيد..! هل ستخبرني بشيء عنها؟
زفر في ضيق وسحب نفسه بالقوة خارج تلك الرحلة البعيدة التي ذهب إليها دون دعوة.. وحتمًا دون نية، ثم قال بغيظ:
_ لقد أثار أعصابي قريبكِ المتهور ذلك وكدت أنسى بقية الرسالة.
_أية رسالة؟ وممن الرسالة؟
سألته بجل اهتمامها فتجاهل الإجابة عن سؤالها الأخير، ثم نطق في تحذير:
_لا يجب أن يعلم أي من ابنيّ عمتك بما خبرتكم.
مطت لين شفتيها بلا فهم ثم قالت:
_قريبي المتهور هو نفسه ابن عمتي!
هز هارون رأسه ليُعلق بتأكيد:
_لم أعنِه هو، بل الآخرين!
اقتحم التوجس تعبيراتها لكنها أومأت برأسها موافقة بسرعة، ليتراجع هو إلى الخلف عوضًا عن الاستدارة، رمقته في تعجب فابتسم لها بلا سبب ثم استوعب تصرفه المراهق فأولاها ظهره ورحل!
**
أغلقت الباب بعد أن انصرفت ابنة الحارس الصغيرة قابضة _بفرحة غامرة_ على حفنة من الأوراق النقدية تزيد عما تستحقه من مشتروات ابتاعتها لها.
ارتمت على أقرب مقعد تُطلِق أنفاسًا طويلة مُرهَقة بالتزامن مع تحرير شعرها من حجابها الذي ألقته بإهمال على كتفيها.
لاتزال لا تصدق أنها بمفردها أخيرًا..
بعيدًا عن الظلم والإهمال؛
بعيدًا عن الحقد والكراهية؛
الخيانة والكذب!
ما عليها سوى أن تتجاهل ذلك الشعور بالذعر الذي يلازمها منذ خرجت من بيت أهلها وودعت جدرانه وهي ترغم نفسها على ربطها بالجور وغض الطرف عن الأمان الكامن بينها!
حدَّقت بيديها المُرتجفتين وشبكتهما معًا ثم بدأت ابتسامتها المريرة في الاتساع ببطء..
هي وحيدة بالفعل؛
لن يخدعها أحد ولن يُهينها إنسان، لن تطأطئ رأسها باستسلام ثانية لأنها مضطرة، ستهنأ بوحدتها وتحتفظ بالجزء المتبقي من كرامتها وستعمل بكل قوتها على بناء كيان خاص بها دون الحاجة لغيرها.
انحسرت ابتسامتها وهي تخفض رأسها هامسة لنفسها بخفوت كما اعتادت منذ أيقنت أن لا واحدة من أختيها ستُبادلها الحديث:
"لستِ حرة بالكامل يا إيلاف، لا تنسي!"
زفرت وهي ترفع رأسها مرة أخرى متشبثة بقوة لا تعلم مصدرها لتتابع جهرًا:
"وإن يكن، لا تهتمي! لن يعلم أحد بمكانكِ ولن يصلوا إليكِ، لن تسمحي لأي شخص بالتحكم بكِ أو بالكذب عليكِ مرة أخرى."
ابتسمت بتحدِ مؤكدة على نفسها قوتها المُستحدثة، لكن سرعان ما انمحت ابتسامتها وهي تسمع رنين جرس الباب.
انعقد حاجباها بدهشة ثم تأففت بغيظ وفكرة واحدة تلح عليها، بالتأكيد هي زوجة الحارس ثانية تعرض إحدى خدماتها غير الخالصة.
وضعت حجابها حول وجهها كيفما اتفق تتلمس الصبر متجهة للباب ورغمًا عنها فتحته بِحدة.
تخشب جسدها ويدها لاتزال على المقبض، هربت أنفاسها وسرت رجفة عنيفة بأوصالها فلم تسمع الشهقة الخافتة التي انفلتت منها، أغمضت عينيها بقوة تحاول طرد صورة الكائن أمامها وبالوقت ذاته تستدعي تاريخ اليوم، لتهمس لنفسها بتوتر:
"هو ليس هنا بالفعل."
ثم فتحت عينيها ببطء لتشهق عاليًا هذه المرة بينما استند هو بإحدى كتفيه على الباب ليمنحها نظرة حانقة دومًا ما سبقت نهيه الحازم:
"إياكِ والتصرف برعونة يا إيلاف!"
لكنه حتى الآن لم ينطق..
بل راحت عيناه تتأملها بتعبير مُصمت، من رأسها حتى أسفل قدميها، ثم توقفت عند شعرها ليقول ما توقعته تمامًا:
_لن تتوقفي مُطلقًا عن التصرف برعونة يا إيلاف!
بدأ عقلها تلقائيًا بالبحث عن الخطأ الذي ارتكبته دون قصد فأهداها هو إياه بمتابعته في غيظ ازدان بسخرية كانت دائمًا هي الوحيدة التي تفهم أنها غير حقيقية:
_تفتحين الباب بمنتهى الثقة غير عابئة بقُطاع الطرق الأشرار القادمين بالتأكيد من أجل ابنة الحاكم المُتمردة، بعدما هربت من قصر أهلها لتقيم بكوخ حقير بمفردها!
أراد لسانها مبارزته..
لكن يبدو أنه أيضًا قد أقرَّ بخطئها فأصابه الخرس، لتشرد في ذكرى بعيدة من بين عدة ذكريات تجمعهما.. حين كان من قبل رغم حداثة سنه مُديرًا للعمال بالمصنع..
ومُشرفًا على مهامها!
منذ ستة أعوام:
"ولماذا أسميت محل والدتك بالـ"سقَّا؟"
سألته ذات يوم وهي تأخذ فترة استراحة من المهام التي أثقلها بها، فأجابها وهو يراقب العمال:
_أحب اللقب.
لم يلحظ أمارات التفكير العميق التي ارتسمت على ملامحها قبل أن تسأله في فضول:
_ناهل! برأيك أي لقب قد أحمله أنا لو كنت وُلدت بعصر قديم؟
رغم أصوات الآلات، رغم أحاديث العمال، ورغم دغدغات نالت من تركيزه وشتتته، فقد التفت إليها يرمقها بنظرة لم تر بها أي اختلاف، وبسمة طفيفة كللت ثغره وهو يرد في هدوء:
_ابنة الحاكم، أنتِ ابنة الحاكم الـ.. سابية!
ضحكت في استمتاع وقد فاجئها بِرده فأولاها ظهره ليعود إلى غرفة المكتب الصغيرة حيث يمارس وظيفته بالمصنع، لحقت به كعادتها مُهرولة لتهتف في حماس بعدما أزجى ثقتها بنفسها كما يفعل دومًا:
_وكم من الكنوز كنت سأسبي أنا؟
تنهيدة حارَّة أفلتت منه وهو يتوقف ليستدير إليها مُخبئًا صراع قد ينتصر عليه بأي وقت فيخسر كل شيء قبل أن ينتبه، ثم في خفوت أجابها:
_ما لا يُقدَّر بثمن يا إيلاف!
والآن..
الآن هو هنا.. قبل أشهر طويلة من الموعد المُحدد!
_الآن.. كيف خرجت الآن يا ناهل؟!
سألته في دهشة وهي تجبر نفسها على العودة إلى حاضرها، فلم يهتم بإجابتها ليُتابع في بسمة اتحد بها التهكم مع تعبير آخر لم يلتقطه ذهنها:
_تفتحين الباب وشعركِ غير مستور بالكامل أيضًا! يا لسعادتي بكِ!
وبينما أخذت هي تحشر خصلاتها الظاهرة بداخل الحجاب في ارتباك تثبتت نظراتها على ذقنه ليسترعي انتباهها أن لحيته لم تعد كثيفة كما كانت دومًا؛
ثم انحدرت عيناها على سُترته فانتابتها الدهشة لأنها منذ أسبوع فقط تركت أخرى، مُطابقة لها بخزانتها..
أخرى تعود ملكيتها إليه!
وتساؤل واحد أحمق كتمته قبل أن تُلقيه عن سبب ارتداؤه السترة، باللون نفسه، والتصميم ذاته.. منذ سنوات!
حينما عاجلها هو باثنين:
_لماذا لا تتكلمين يا زوجتي العزيزة؟ ألم تشتاقي إليّْ؟!