📁 آخر الروايات

رواية مواجهة الاسد الفصل التاسع والخمسون 59 بقلم رحمة سيد

رواية مواجهة الاسد الفصل التاسع والخمسون 59 بقلم رحمة سيد 


 

مواجهـة الأسـد

الفصل التـاسع والخمسون ( الجزء الأول ) :

تنتظـر بكل جوارحهـا هذه الكلمة التي تطيب خاطرها، تنتظر إخبـاره انه بخير تمامًا، هي اساسًا لن تسمع سوى هذه الكلمة، أذنـيها قبل عقلها لن يسمعوا غير ذلك، وقفـت في عرض البحـر منتظرة قدوم قـارب النجـاة، تنهد الطبيب تنهيدة طويلة حـارة قبل أن يـتـابع بجدية :
_ احنا شيلنا الرصاصة خلاص، كانت جمب القلب بالظبط وربنا سترها معاه لأنه لما اخد الرصاصة علي ما اعتقد كان بيتحرك وده حظه أنه الي ضربه ماعرفش يجيبها عند القلب بالظبط والا كان هيبقي في كلام تاني
تنهـدت بأرتيـاح شديـد، وانفرجت اساريرها بسعادة، تشعر كما لو أنه ازاح جبلاً ثقيلاً من علي قلبها، واين قلبها اساسًا، قلبها معه هو، ربما رحم جسدها ولو قليلاً لتهدأ وتستريـح، همسـت بسعادة وإمتنـان :
_ الحمدلله الحمدلله يارب، الحمدلله
أبتسـم محسن بسعادة، في حين أكمل الطبيب بأكثر جدية :
_ بس في حاجة يا مدام
إبتلعت ريقها بصعوبة ومن ثم سألته بتوجس :
_ خير يا دكتور في اية ؟
أجابـها بهدوء حذر قائلاً :
_ هو دخل في غيبوبـة، وف العناية المركزة والمفروض انها غيبوبة مؤقتـة، ادعى له بقا يفوق منها بسرعة
تقلصـت حدقتي عينيها بصدمة، ولكن صدمة عن صدمة تختلف، الغيبوبة تعد أفضل بمراحل عن .. الــمـوت !
عاد يضـع بعضًا من الحمل الثقيل مرة اخرى، ولكنه عطف عليها هذه المرة وكان أخـف قليلاً، انتشل منها سعادتها فجأة، فيما استطرد هو بنفس هدوءه :
_ بس مفيش خطر علي حياتـه، احمدى ربنا انها جت علي اد كدة
يتلاعـب علي اوتارها الحساسة ببرود دون أن يشعر، لم تشعر بحياتها يومًا أن مشاعرها متخبطة مثل اليـوم، غمغمت بهدوء حذر :
_ الحمدلله ع كل حاجة
اومئ الطبيب ثم استـدار يغادر علي عقبيـه مرددًا بصوت اجش :
_ شفـاه الله وعفـاه
همس محسن بأمتنـان وبعضًا من الحزن :
_ امين، شكرا يا دكتور
نظـر " مسعد " لشهد بهدوء ثم ربت علي كتفيها وهو يقول مهدئـــًا :
_ الحمدلله يابنيتي، الضامن ربنا بس دلوجتى احنا اتطمنا انه هيبجي معانا، جضي اخف من جضي
اومـأت شهد موافقـة بأقتنـاع، ثم استدارت وجلسـت علي الكرسي مرة اخرى بهمدان، ترمى بثقل جسدها وهمومها عليه، أقتـرب منها محسن، يطالع هيئتها المرزية، وملابسها المليئة بالدمـاء، زفر بقوة قبل ان يقول بحـزم :
_ يلا بجا عشان نروحوا تغيرى هدومك
هـزت رأسها نافية بسرعة وانتفضت كأن سلك كهرباء عارى لمسها، ثم اردفت مسرعة بنفي تام :
_ لا ابدًا، مش هاتحرك من هنا غير مع عمر
اجابهـا بصوت آمــر :
_ لا ماهينفعشي، روحى غيرى هدومك وهجيبك تاني
نظرت له بأستعطاف كأنها تتوسلـه ان يتركهـا، ثم هتفـت برجـاء وإصرار :
_ محسن لو سمحت سيبني، انا كدة مرتاحة جدًا، لكن مش هابقي مطمنة لو مشيت، ارجووك
أمسـك وجههـا بين كفيـه بهدوء، ثم تـابع بحنان قائلاً :
_ حبيبتي انا حاسس بيكِ وعارف، بس عاجبك منظـرك دِه والناس تتفرج عليكي وانتِ جاعدة إكدة بالهدوم الي فيها دم
نظـرت لملابسـها بحـزن، دماؤوه عليها وكأنها وشـم وُضـع عليها للأبد لا تريده أن يزول، هـزت رأسها موافقـة علي مضض، ثم نهضـت متجـهة للخـارج بجوار محسن بخطي هادئـة، بينما أشـار له خاله ان يذهـب وهو سيظل في المستشفي لحين عودتهـم، مع بعض الرجال للحراسة .

**********

كـانت رضوى تسعـي لإنهـاء كل شيئ بسرعة وعلي أكمل وجه، تـوضـب المنـزل بسرعة وبجهـد، ولم تشعر بالتعب ولو للحظة، لحظـات تعبها تذهب في ثوانٍ بمجرد أن تشعر انها قاربـت علي الانتهـاء، انها تفعل ذلك من اجلـه هو، انتهت من كل شيئ واشتـرت ما توجب شراؤوه ولم تجلس لثوانٍ، كانت نبيلة تجلس امام التلفـاز ببرود، لا تساعدها في حمل كرسي حتي، تعمـدت جعلها تفعل كل شيئ لتشفي غليلها منها، ولكن تشعر أنها هبطت لأخـر ارض بمجرد ان ترى تلك السعادة التي تشـع من أعيـن رضوى، وفي المساء كانت قد انتهت من كل شيئ، جلست علي الأريكة بجوارها، تتنفس الصعداء، بدى عليها الأرهـاق، جلست بهمدان تريـح جسدهـا، بينما كانت نبيلة تجـلس وقد بدى الحزن علي محياها بعض الشيئ، قطبـت رضوى جبينها بتعجب، لقد تغيـر حالها عن منذ ساعات تمامًا، لابـد أن هناك شيئً ما ومهم جدًا، هو ما استطـاع تغير حالها هكذا، قطعـت نبيلة شرودها بصوت قاتم :
_ شهد ومحسن وخالك محسن مش جايين
جحظـت عينيها بصدمة، ثم سألتها ببلاهـة :
_ لييية !!!
ضـربت علي فخذيـها بقوة الي حدًا ما وبغلب، وبدأت الشفقة والعطف يتغلغلوا لنبرتهـا القاسيـة ويسيطروا عليها رويدًا رويدًا وهي تجيبهـا :
_ شهد بنت خالتك يا حبت عيني مابتلحقش تفرح، كل ما تخرج من مشكلة تقع في الاكبر منها
بـلغ القلق ذروتـه لدى رضوى التي قطبت جبينها بخوف، ثم عادت تسألها بتوجس :
_ مالها شهد يا طنط ما تقولي ع طول
زمـت نبيلة شفتيهـا بحزن، ثم اردفت :
_ جوزها يا حبيبتي اتضرب بالنار وف المستشفي في العناية المركزة
شهقـت رضوى بصدمة، ووضعت يدها علي فاهها بحركة مباغته، تحاول السيطرة علي شهقاتها التي صدرت بصدمة رغمًا عنها، فهي تحب شهد وبشدة، قضت معها سنين من عمرها قبل ان ينتهوا من تعليمهـن، إن كان اى شخص مكانها كانت ستحزن عليها، ما بالك بصديقة طفولتها !!
استـدركت نفسها سريعًا، ثم نهضت وهي تقول لنبيلة متساءلة بجدية :
_ ماقالكيش انهي مستشفي وفين
رفعـت كتفيهـا بمعنى لا، ثم استطردت بصوت أجـش :
_ لا بس هما في البلد، يعني المستشفي في الاقصـر
ثم نظرت لها بطرف عينيها متساءلة بعدم فهم :
_ لية بتسألي يعني انتِ ؟
تابعت رضوى مسرعة دون تفكيـر :
_ هنروح لهم اكيد مش هاسيب شهد لوحدها دلوقتي
أجـفـلت نبيلة بتعجـب، ثم رفعت حاجبيها بدهشة قائلة :
_ بجد ، عايزة تروحى لشهد !!
اومـأت رضوى مؤكدة ببساطة، فيما قالت نبيلة بجديـة يشوبها الحزن :
_ تمام يبقي يلا، بس كتب الكتاب !؟
يبدو انها لن تكف عن إدهاشها اليوم، اولاً حزنها علي شهد، فقد كانت تعتقـد انها مثل الجـدار الصلب لا يؤثر به اى شيئ، ولكن اليوم ترى الجـدار يحزن ويُشفق ويتساءل عن ما يهمها هي !!
أبتسـمت نصف ابتسامة، ثم اراحت ظهرها للخلف وهي تتشـدق بــ :
_ لما هأقول لعبدالرحمن اكيد مش هيعارض يعني
اومـأت " نبيلة " بخفـة، ثم تمتمت بخفوت :
_ ربنا يسعـدك يا رضوى
لا لا هذه المرة سمعتهـا بالفعل، تدعو لها !!
أتـدعو لها حقًا من اعماقهـا الحنونـة، ام ان امنيتها فى ذاك الحنان اثـرت علي اذنيهـا، شعرت بقلبها يرفرف عاليـًا بسعادة، فقـالت بأبتسامة حالمة :
_ ياارب يااارب
اخلتطـت نظرات رضوى السعيدة مع نظرات نبيلة الشـاردة، استشعرت فيهم نبيلة مدى خطـأها في الحكم علي رضوى، بينما نهضت رضوى ومازالت غير مصدقـة لما يحدث، ثم استطردت بهدوء حذر :
_ انا هأروح اقول لعبدالرحمن، عقبال ما انتِ تكلمى خالو تقوليلي يحجز لنا
ثم استـدارت لتغادر لغرفتها علي عقبيهـا، تحاول إجبـار عقلها علي إستيعـاب ما حدث، علي استيعاب ان جلاده مْل من كثرة تعذيبها وقرر العفـوا ..

***********

كـان الجـو مشحـون بالتـوتـر، والخوف سيد الأفـق في المطعم الذى سيصبح حتمًا بعد دقائق ساحة لمعركة نسائيـة داميـة، ولكن رد فعل الحاكم بينهم قد تكون ليست عادلة بعض الشيئ نسبـةً " لمها " ، التي اقسمت في هذه اللحظة انها ان امسكت بها لن تتركها إلا بعدما ترفع راية الأستسلام، كان عينـيها توحـي ببدأ إندلاع ثورة غاضبة تكاد تحرق من امامها، وتشجنت عضلات وجهها وهي تزمجر فيها غاضبـة :
_ نعمممم يا حبيبتي، زوجته المستقبلية ده اية، روحى لقطي اكل عيشك بعيد
كان أحمـد يضع رأسـه بين يـديه، لقد تدمر كل ما كان يفكر به، كل ما بنـاه هو في اخر الايام، هدمتـه " رودينـا " بلحظة واحدة، بينما نظرت لها " رودينا " نظرة ذات مغزى، ثم غمغمت بجـزع :
_ يـاآآى، You are not polite، بيئة اوى
إتسعـت حدقتـا عينيهـا وإشتعلت بالغضب، نهضت وهي تصيح فيها بحدة :
_ انا بردو الي مش مؤدبة يا زبالة، ولا انتِ الي جاية تحضني جوزى ادامى
_ What !!
فغرت شفتـاها هي الاخرى بصدمة، بينما كان احمد يدب علي رأسـه بغلب، بدأ عداد عمره بالعد الان، وإنفجـرت القنبلة التي اكملت علي تدمير كل شيئ، شعر بخطورة الموقف فنهض الان، ليجـد اعينيهم مصوبـة نحوه كالمدافع القاتلة، فسـارع بالتبرير مهدئــًا من روعهم :
_ اهـدى بس يا رودى وانا هأفهمك كل حاجة بس روحى دلوقتي
رمقتـه مها بنظرات حارقـة حادة، ليكمل مسرعًا :
_ انتِ كمان مش فاهمة حاجة يا مها
لم يعطى كلاً منهم الفرصـة للرد، واقترب من " رودينـا " يمسك يدهـا ليتجه للخارج بخطوات سريعة وهو يلعن اليوم الذى قرر فيه القدوم لهذا المطعم اللعيـن ..
بينما كانت مها تكاد تأكل اظافرها من الغيظ، احمر وجهها من كثرة احتقانـه معلنًا عدم قدرته علي تحمل هذا الكم من الغيظ والحقد اكثر من ذلك ..
وأحمد في الخارج يركب السيارة الخاصة بـ رودينـا وهو يحاول ترتيب الكلام الذى سيقوله لكلاهما الان، دبت " رودينـا " بقدمها علي ارض السيارة بقوة وهي تقول متزمـرة :
_ كنت سيبتني للبنت اللوكال دى
نظـر لها بنصـف عين، نظرة جعلتها تبدو حمراء من الأحراج، نظرة بمعني " من كاد يفتك بمن ! " نظرت للأسفل تحاول إستعادة جديتها وحدتها مرة اخرى، إلا انه لم يمهلها الفرصة حيث قال مسرعًا بتبرير :
_ رودى انتِ عارفة انى كنت متجوز ومخلف صح
اومـأت هي بغيظ مكبوت، في حين اكمل هو كمحاولة ليستعطفها :
_ طلبت اننا نتقابـل، واتكلمنا عشان اخد ابني، انا بعدت عن ابنى بما فيه الكفاية يا رودينا، فأتكلمنا وقررنا انى اخد ابنى
صمت برهه لينظر لها ليستشف رد فعلها، ليجدها منسجمة مع كلامه الكاذب، ليتابع بأسف مصطنـع :
_ والظاهر كدة انها فهمت اننا هانتجوز، لكن انا مش ممكن اتخلي عنك
بـدأت عصبيتها وقلقها يذهبوا ادراج الريـاح، استطـاع بمهارة إسكاتهـا، ليمسك بيدهـا بحنان زائـف، ثم قال بأبتسامة :
_ لسة زعلانة يا رودى ؟
هـزت رأسهـا نافيـة وقد بادلتـه الابتسامة، فشعر هو بالأنتصار، ها هى قد مرت اول مهمة، وما اصعب التالية .. !
هبطت برأسـه يطبـع قبلـه هادئة علي يدها واصابعها التي تخللت اصابعه الرجولية السمراء، ثم عاد ينظر لها مثبتًا انظاره في عينيها الزيتونية الخضراء، ثم اردف بصوت اشبـه للهمس :
_ معلش يا حبيبتي انا مضطر ارجـع لها، عشان متشكش بحاجة وترفض تديني ابني بحجة انى هاتجوز
مطت شفتيها بأعتراض شديد، ثم اومـأت دون تنظر له علي مضض، لتتسـع ابتسامته تدريجيًا، ثم قـال معتذرًا :
_ متزعليش يا رودى، هابقي اكلمك، باى
استـدار ليغـادر بعدما اغلق الباب وإتجه للداخل بسعادة داخلية تغمره، ليجد مها كما تركها بل اصبحت حالتها اسوء، اقترب منها ثم جلس علي الكرسي متنحنحًا بحـرج :
_ مها بجد انا مش عارف اعتذرلك ازاى، بس حقيقي انا اتفاجئت بيها
رفعت " مها " حاجبها الأيسـر ثم تابعت قائلة بإستنكـار :
_ اتفاجئت بيها !! لا والله
إرتسم علي ثغرها ابتسامة ساخرة، لتكمل بتهكم مريـر :
_ اتفاجئت بيها طب من حيث اية، من حيث انها موجودة ولا من حيث انها قالت انها مراتك المستقبلية !؟
إبتلـع غصة مريرة في حلقـه، ثم نظر له وقال مترجيـًا :
_ مها حبيبتي انتِ عارفة إنى كنت هاخطب، ودى رودينا الي كنت هاخطبها
لم تـُظهـر اى رد فعل واكتفت بالنظر للجهـة الاخرى، فأكمل هو بنفس النبرة :
_ مكنتش عايزها تفهم اننا اتجوزنا لانها لو فهمت هاتخلي والدتها تفض الشغل الي مع والداتي لانها بنت صاحبة امى
لم تكن " مها " مثل " رودينـا " بالمعنى الحرفى لتصدقه بهذه البساطة، كانت ترمقه بنظرات مكذبة وحانقـة، مما جعله يشعر بالإحبـاط من إكمال ما اراده، فأستطرد بيأس مصطنـع :
_ بردو مش مصدقانى ، للدرجة دى مابتثقيش فيا ابدًا
لم يجـد منها استجابـة ايضًا، وكأنه يخـدش في جـدار صلب لا يتأثـر، فقرر اخـراج اخر فرصة يمكن استسماحها بها، فقال بجدية :
_ مها انتِ سيبتيني عشان سبب كل ما بفتكره بأحس إني عندى نقص، بس كان حبي ليكي اكبر واقوى من اى شيئ، ناس كتير استحالة تسامح ان مراته تتطلق منه عشان تروح لحبيبها، بس انا قولت ربنا بيسامح وبيدى فرص، انا مش هسامح لية يعني ده انا عبـد
بالفعل سهـم حديثـه الخبيث اصاب الوتـر الحساس الذى اراده، نظرت اليه مها بحـزن، ثم زمت شفتيها بضيق طفولي قائلة :
_ خليني وراك لحد مانغرق سوا يا احمد
غمـز له بطـرف عينيه، ثم هتف بخبث دفين :
_ ولسة الي جـاى احلي يا زوجتى العزيزة

**********

_ لا لا انا ايقنـت ان انا فقرى، او عمر ده محظوظ جدًا كمان

هتـف فـارس بهذه الجملة وهو يجلس في الحديقة المجاورة لقصـر " حاتـم " الخضراء ذات الزهور المتفتحه، تحت اضواء القمر الذى انار الأرض جميعها، يجلس علي كرسي خشبي متوسـط وامامه منضدة صغيرة عليها زجاجات من المشروبـات واثار السجائر، وعلي الجهة الاخرى يجلس حاتم والسيجار في يده كعادتـه، ويضع قدم فوق الاخرى بغروره وبروده المعتـاد، في حين فارس يشعر ان الشيطان تتراقص امامه علي خيط انتقامه السميـك، أحتقـن وجهه بغضب واضـح، وحاتم يستمع له بآذان صاغيـة مهتمة، قطـع الصمت الذى دام لثـوانٍ قائلاً ببرود :
_ معرفش، بس الظاهر فعلاً انك فقرى يا فارس
اومـأ فارس بغيظ، ثم كور قبضـة يـده حتي ظهرت مفاصله تحت يده السمراء، ليردف وعينيه ظهر فيها شعـاع غامض حاقد :
_ بس انا وهو والزمن طويل، انا مبزهش
رفـع حاتم حاجبه الأيسر ثم قال بسخرية :
_ لا ماهو واضح انك مابتزهقش يا فارس
ثم صمت لبرهه ينفث الدخان، ليتـابع بجدية :
_ انا مش قولتلك ان عمر مش حد سهل، سيبوا بقا وفكك منه
هـز فارس رأسه نافيًا، ثم جز علي اسنانه بغيظ، وراح يفكر بخبث، ثم استطرد بنبرة غليظة :
_ انا اصلاً مش عارف انت ازاى سايبه كدة، ده مابيشتغلش بقاله شهرين تقريبا
رفع حاتم كتفـه بلامبالاة، ونظر امامه وهو يتشـدق بغموض :
_ انا سايبه شوية، بريك يعني
زفـر فارس بقوة، ثم اراح ظهره للخلف قائلاً بنبرة لاذعة :
_ لا لا فعلاً مش فاهم، ده تقريبًا تالت واحد ابعته له وبردو يفشل
اجابه حاتم بصوت قاتم :
_ مش ضربه ودخل المستشفي ؟
تأفف فـارس بضيق، كلما تذكر يجتاحه شعور بالغيظ والحنـق، وكأن شخصًا ما يضربه بمطرقة في منتصف رأسه كل دقيقتيـن، قال بنـزق :
_ بس لسة عايش وهايطلع صاغ سليم، وخاله ده حط حراسة عند البيت وعند المستشفي يعني الوضع زاد سوءً
قهقه حاتم عاليًا، فبكل مرة يكتشف ان عمر يتفـوق بمراحـل عن فارس، ثم غمغم بغرور :
_ انا نظرتى ما تخيبش ابدًا
قطب " فارس " جبينـه متساءلاً :
_ مش فاهم يعني قصدك اية يا ريس ؟
لم يستطـع حاتم اجابتـه حيث سمعوا صوت سيارة الشرطة يدوى، وما لبث ان مرت ثوانٍ فقط حتي وجدوا الشرطة من حولهم، والضابط ينظر لهم بتشفي قائلاً :
_ والله وجه يووومك يا حاتم بيه

***********


مواجهة الأسـد

الفصل التاسع والخمسون ( الجزء الثانى ) :

إتسـعت حدقتـا عينيه بصدمة بدت جلية عليه، وسقـط قلبـه ارضـًا من الخوف، هرب الدماء من وجهه ليعطيه مظهر مثير للشفقة، شعر ان الدنيـا تدور من حولـه، سقطـت كل الحصون الباردة الجامدة التي يبنيها دائمـًا في حديثه وتعابير وجهه، إنقلب المنضدة عليه كما يقولون واصبح بدلاً من الحاكم المحكوم عليه، تجسـد امامه كل الفسـاد الذى سببه، وكل من قتلهم، وكأنهم يعودوا لينتقموا علي هيئة ذاك الضابط، بينما كان فـارس قد تبلد جسده مكان، كان كالطفل الذى يصعب عليه إستيعاب قدوم الشرطة والسبب مؤكد ومعروف، هتف الضابط امرًا للعساكر من حوله :
_ فتشوا القصر، وانتم اقبضوا عليه
افـاق حاتم من صدمته سريعًا، ليقول بغضب مصطنـع :
_ انت مجنوون، يقبضوا علي مين انت مش عارف انا ميين !؟
اومـأ الضابط بلامبالاة، ثم اجابه ببرود :
_ ايوة طبعًا عارف، حاتم مهران، اكبر تاجر مخدرات وقتال قتلة في تاريخ البلد
حـاول الحفاظ علي ثباتـه قدر الإمكان، قبل ان يخدعه ثباته وتنهار حصونه، فتابع بجديــة :
_ عندك دليل علي كلامك ده ؟
اومـأ مؤكدًا، ثم استطردت بخبث :
_ يووووه، ده انا عندى دلائل مش دليل واحد بس يا حاتم باشا
إبتلع " حاتم " ريقه بإزدراء، قبل أن يقول متساءلاً بتوجـس :
_ دلائل اية دى الي عندك ؟
زفـر الضابط بضيق مصطنـع، بينما هو في الحقيقة يشعر بالتسلية، وكأنه يلعب احدى الالعاب القتالية الشيقـة، ثم رفع يده يشير له وهو يقول :
_ بص الظاهر ان حبايبك كتيير، حد بلغنا بمكان البضاعـة ولاقيناها، ده غير إن لحد دلوقتي اترفع ضدك 3 قضايا، بمجرد ما اتعرف اننا رايحين نقبض عليك، ده غير الفيديوهات الي اتقدمت ضدك وانت بتأمر رجالة من رجالتك بقتل ناس
صمت لبرهه يتفحص ملامحه قبل ان يردف بصوت اشبه لفحيح الأفعي :
_ يعني كدة يا باشا اضمنلك الاعدام وبجدارة
كان كلاً من " حاتم " و" فارس" في عالم اخر، لم يدروا أن كل هذا الشر يحيط بهم كالبحر الغدار، ينتظر غفوة منهم حتي يغرقهم دون رحمة !!
اقتـرب بعض العساكر يحيطـون بهم ثم اخرجوا السلاسل الحديدية يضعونها في يديهم بهدوء، ثم اتجهوا جميعهم للخارج وسط زهـول حراس حاتم، فيما سيطرت حالة من الهلع علي فارس الذى اصبح يصيح فيهم بحدة :
_ سيبونى انتم واخدنى ع فين، سيبونى انا مليش دعوة
رمقـه الضابط بنظرات باردة قبل ان يقول :
_ هو انا مقولتلكش ان احنا عرفنا انك دراعه اليمين، يا .. يا ابو الفراس
هـز رأسه نافيًا بسرعة، ثم وجه نظره لحاتم الذى بدى الشرود عليه، وزمجر فيه ولأول مرة غاضبـًا :
_ اية ده انت هتسيبهم يا حاتم هتسيبهم ياخدونا كدة
لم يـكن حاتم ليصمت هكذا إلا انه يعلم أنه لم يعد لديه اى شخص يستند عليه سوى فارس الذى اصطحبته الشرطة معه، و.. وعمر، هل من امل في مساندة عمر له !؟
نظـر لفارس بحدة ليصمت، إلا انه اكمل بغيظ :
_ لا ماهو انا مش هقع لوحدى يا باشا
جـز حاتم علي اسنانه كاملة بغيظ، لا يريـده أن يضيـع اخر امل في إنقاذهم، ولكن فارس لم يأبـه وهو يتابع :
_ انا هأقولهم، ماهو انا مش هروح انا كبش فدى يعني

**********

وصلـت شهد مع محسن الي المنزل، كانت في حالة يرثي لها، وكأنها تقريبًا لا تشعر بما حولها، تسير كالمصيرة لا مخيرة، تتنفـس فقط لتكمل هذه الحياة التي تعاندها دائمًا، لم تتفوه طول الطريق ببت كلمة، كان وجهها الشاحب وعينيها الحمراء كافية للتعبير عن مدى حزنها وكسرتها، بالرغم من انه علي قيد الحياة إلا انه لم يصبح معها مثل سابق، تنهـدت بيأس وهي تتجه للداخل، ثم اتجهت لغرفتها علي الفور، لم تتحدث مع اى شخص، وبالطبع هم لم يجبروها علي اى شيئ الان، اغلقت باب الغرفة خلفها بهدوء ثم إرتمت علي الفـراش تبكـي بحـدة، تمسك بالوسـادة تدسها بجوار انفهـا لتشتم رائحتـه التي اشتاقـت لها، تشعر ان عينيها جفت من كثرة البكاء، همسـت بإشتياق :
_ وحشتني اوووى يا عمر، اول مرة تقعد يوم كامل بعيد عني
اصدرت انينـًا خافتًا بألم، ثم وضعت يدها بجوار بطنها تتحسسها بأبتسامة هادئة :
_ كنت متأكدة ان ربنا مش هايخيب ظنى، ومش هيخليك يتيم من قبل ما تيجي
اومـأت بخفة ومن ثم نهضـت واتجهت لخزانتها واخرجت منها تيشرت طويل يصل للركبة وبنطال جينـز، ثم اتجهت للمرحاض لتغتسل من اثار دماء زوجها الحبيب، وتوضأت لتصلي شكر لله بعد قليل انتهت ثم خرجت مسرعة للعودة مرة اخرى، مرتدية ملابسها ثم جففت شعرها، وعقصتـه كذيل حصـان، ثم اخرجت طرحة صغيرة من خزانتها وبدأت تصلي، تدعو الله بخشوع ان يخرج عمر من محنته سالمًا معافيًا، انتهت من صلاتها ثم خرجت من الغرفة واتجهت للأسفل لتجد محسن يجلس بجوار زوجته بهدوء ينتظرها، وصلت امامهم، لتقول زوجة محسن بعطـف :
_ معلشي يا حبيبتي، الحمدلله انها جات علي كد إكدة، ربنا يجومهولك بالسلامة
تمتمت بخفـوت مرددة :
_ امين يارب
نهض محسن ثم سـار بجوارها دون كلمة، حتي وصلوا امام المنزل من الخارج، وقفت شهد متعجبة من تواجد الحرس امام باب المنزل، فعقدت حاجبيها متساءلة بحيـرة :
_ لية الحراس دول، انا وداخلة ماخدتش بالي منهم
زفـر محسن بضيق، ثم اجابها بهدوء حذر :
_ دول خالك جابهم عشان يحرسوا البيت
اومـأت ثم قـالت ببلاهة :
_ منا عارفة بس لية جابهم يعني !؟
اردف " محسن " بجديـة :
_ نبجي نتكلم بعدين يا شهد مش وجته دلوك
هـزت رأسهـا نافيـًة بإصرار، واجفلت بتعجب ثم قالت متساءلة ببعضًا من الصدمة :
_ دول عشان الناس الي ضربوا عمر
اومأت محسن دون ان يـرد، في استطـردت هي بحنق :
_ انتم عارفين مين الي عمل كدة يا محسن صح ؟!
تقـدم محسن للأمام بخطى سريعة، ثم قـال بنبرة غليظة :
_ واحنا هانعرف منين يعني، ده احتياط بس يا شهد
ركضـت خلفـه تغمغم ببعض الكلمات الحانقـة، ثم ركبـوا السيارة سويـًا، ليدير محسن المقود، ونظر لها جادًا :
_ هوصلك المستشفي واروح احجز لرضوى بت خالتك وخالتك عشان هيجوا بكرة الصبح
اومـأت شهد بأبتسامة مشتاقة، اخذها حنينهـا لذكرى صديقة طفولتها التي لم تعرف عنها شيئ منذ مدة .

*********

كانت رضـوى جالسة علي فراشهـا بهدوء، وعينيها توحى بالحزن علي الفتاة التي اعتبرتها شقيقتها يومًا، تشعـر انها تود احتضانها وبشدة، تنهدت تنهيدة طويلة حارة ثم امسكت بهاتفها الموضوع بجوارها واتصلت بعبدالرحمن، ثم وضعت الهاتف علي اذنهـا منتظرة الرد، وبعد ثوانٍ اتاها صوت عبدالرحمن الفرح قائلاً :
_ يااه، رضوى بتتصل بيا مرة واحدة
ضحكـت بخفة، ومن ثم اجابته بهدوء :
_ اه عادى يعني
_ لا لا ده احنا نولنا الشرف خلاص
_ مش للدرجة يعني
_ هههههه ماشي يا زوجتى العزيزة
_ لسة
_ لسة اية ؟
_ لسة مابقتش زوجتك
_ كلها بكرة بس وتبقي زوجتي وزوجتى ونص كمان
_ ماهو انا متصلة بيك عشان كدة
_ خير يا رضوى في اية
_ احنا مضطرين نأجل كتب الكتاب
_ اية ، لية يا رضوى قلقتيني حصل حاجة عندك ولا اية ؟
_ لا لا بس شهد بنت خالتي وصديقتي الصدوقة، جوزها في المستشفي وتعبان جدًا وكان مضروب بالرصاص، وانا كنت عايزة اروح لها انا وماما
_ اه اكيد تمام
_ شكرًا يا عبدالرحمن
_ شكرًا علي اية بس، وممكن اجى معاكم كمان عشان متبقوش لوحدكم
_ لا لا مش عايزة اتعبك
_ تتعبيني اية بس، انتِ دلوقتي ف حكم مراتى، وانا بصراحة صعيدى ومابخليش مراتى تروح حته من غيرى
_ احم احم ، طب تمام ماشي
_ ماشي يا حبيبتي، انتم حجزتوا ؟
_ ايوة خالو قال هيحجز من هناك، وهنمشي النهاردة بليل خالص يعني تقريبًا الساعة 12 او 1 كدة
_ طيب، هحاول احجز معاكم، او نروح بالعربية بتاعتي
_ شوف الي يريحك
_ تمام هأكلمك تاني
_ ماشي سلام
_ مع السلامة يا ملكتي

أغلقـت وهي تتنهـد من اعماقها، تشعر ان قلبها يكاد يتوقف من كثرة دقاته بسرعة، السعادة والراحة تجتاحها بمجرد الحديث، يذهب حزنها ادراج الرياح بمجرد ان تسمع صوته وكأنهم يهابـونه وبشدة ..
نهضت متجهة للخارج بخطى ثابتـة، لم تجد " نبيلة " في الخارج ورأت الضوء ينير غرفتها فعلمت انها بهـا، اتجهت لها ثم طرقت الباب بهدوء لتأذن لها بالدخول، دلفت لتجد الحقيبة الجلدية السوداء، نظرت له قائلة بتعجب من لهفتها :
_ اية ده انتِ خلصتي شنطتك !؟
اومـأت نبيلة بهدوء، ثم جلست علي الفراش بجوارها، لتتابع بأبتسامة :
_ اصلك متعرفيش انا بحب شهد دى ازاى، دى عندى زى مها واكتر كمان
شعـرت رضوى بغصة في حلقها، شعرت انها هي المنبوذة وسطهم، هي من كانت تكرهها فقط، ابتسمت بحزن رغمًا عنها، وكأن نبيلة شعرت بها لتقترب منها وتربت علي كتفهـا بحنو وهى تقول :
_ وانتِ طبعًا خلاص زى بنتى يا حبيبتي
من المؤكـد ان السعادة تطرق بابها اليوم عن قصد، بعدما قررت اعطاءها بعضًا من هذه السعادة التي لطالما حُرمت منها، عبـرت عينيها عن تلك السعـادة التي تتقافز داخلها، لتقترب منها نبيلة ببطئ وتحتضنها بحنان، حنان لم يسبق لها ان شعرت به لرضوى، حنان احكمته داخلها بقوة واغلقت عليه منذ زمن، ولكن الان لا تعرف ما يقودها .. قد يكون السبب مجهول .

***********

وصلت شهد امام المستشفي، واتجه محسن عائدًا مرة اخرى ليحجز لرضوى و" نبيلة " بينما كانت شهد تسير بخطوات اشبه للركض، تشعر ان حنينها له هو من يقودها، تلهث اثر انفعالاتها، وصلت امام غرفة العناية المركزة، لتجد خالها ونادى كما تركتهم، تقدمت منهم تسأل " مسعد " بلهفة واضحة :
_ الدكتور ماقالكوش اى حاجة يا خالي ؟
هـز رأسه نافيًا ثم اجابها بجدية :
_ لا ماجالشي حاجة تاني
اومـأت بهدوء ثم اقتـربت من الباب تستند علي الزجـاج بحزن، تطالع الهيئته التي كرهتها فيه، تشعر انها تود اختراق كل هذه الحواجز وتطير كالفراشة لتحلق فوقه وتحتضنه بأريحية، تنهدت قبل ان تعود لمكانها مرة اخرى، وتكاد تشعر ان صبرها نفذ، وجدت الممرضة تدلف، ظلت تنظر للباب، وبعد دقائق وجدتها تخرج وهي تنادى بصوتٍ عالٍ :
_ دكتور يا دكتور
اصابهـا الهلع وانقبض قلبها بخوف، نهضت بسرعة واتجهت لها متساءلة بتوجس :
_ في اية ، عمر حصله حاجة ؟
هـزت رأسها نافيـة ثم قالت مسرعة :
_ مش عارفة مش عارفة
ثم ركضت بسرعة، تاركـة شهد تشعر انها تكاد تختنق من كثرة الخوف، ومن دون تردد دلفت الي الداخل بسرعة، لتجد الجهاز ينذر بسرعة، وعمر حالته غير مستقرة، اجفلت بخوف، وتلقلقت الدموع في اعينهـا البنيـة، لتهمس بألم :
_ عمر
دلف الطبيب ثم اشار لها بسرعة قائلاً بصوا امر :
_ اخرجى يا مدام لو سمحتي
وجدت نادى يسحبها من يدها بهدوء للخارج، ونظراتها متعلقة بعمر الذى بدى كالجثة الهامدة، خرجت فأغلقت الممرضة الباب، ظلت تفرك اصابعها بتوتر وقلق جامح، وهي تسير ذهابًا وايابًا في الممر، دقائق مروا عليها كالدهر، تشعر ان احدًا ما اصابها هي هذه المرة، عاد القلق يجتاحها مرة اخرى بل اصبح مضاعف ..
انتهت دقائق الانتظـار وخرج الطبيب من الغرفة، لتركض بأتجاهه ثم سألته بخوف :
_ في اية يا دكتور عمر ماله
هز رأسه نافيًا ثم اجابها بهدوء حذر :
_ متقلقيش دى حالة حصلت له فجاة، لكن هو تقريبًا كدة بيبتدى يستعيد وعيه
استـردت روحها مرة اخرى، عادت المياة لمجاريها ثانيـًا، ارتوت من ظمأها وخوفها، ومن دون وعى سألته :
_ طب ممكن اشوف يا دكتور ؟
اشـار لها بتردد :
_ ولانى شايفك خايفة جدًا، هدخلك بس خمس دقايق وياريت متعمليش ازعاج
ثم اشار للمرضة واكمل بجدية :
_ هي هتديكي اللبس الي مفروض تلبسيه
اومـأت شهد موافقة بسعادة انارت وجهها الذى شحـب، بدى الفارق بوضوح، سارت مع الممرضة وارتدت كل ما يجب ارتداؤوه، ثم اتجهت لغرفة العناية المركزة وهي تكاد تسير علي اطراف اصابعها، وقفت تتأمله عن قـرب، تشبع عينيها في التطلع لملامحه الرجولية الجذابة، تهدأ كم المشاعر التي اجتاحتها، جلست علي الكرسي بجواره، ثم امسكت بكفه، هبطت دموعها دون ارادة منها، كأنها لن تنتظر الاذن بعد الان، فهي اصبحت بجوار معشوقها، غمغمت بحزن تجلجل في نبرتها المختنقة :
_ علي فكرة انت عمرك مابعدت عنى كدة من ساعة ما عرفتك، ومش متعودة عليك كدة، قوم بقا انا تعبت والله
وضعت رأسها علي يده برفق تبكي، تبكي بحدة، تحاول اخراج كل الحزن من داخلها علي هيئة تلك الدموع، فجأة سمعت صوته الذي اشتاقت له يقول بوهن :
_ انتِ مفكرانى هأسيبك تربي حزمبل لوحدك ولا اية يا شهدى

**************

كان كلاً من حاتم وفارس يجلسـون امام مكتب الضابط، الذى كان يجلس علي الكرسي الخاص به علي مكتبه ببرود المعتاد منذ ان رآهـم، وكأنه يأخذ بثأر كل من اذوهم بجرحه لكرامته، وخاصةً انه يعلم ان حاتم يتكبر ويكره ان يتكبر عليه اى شخص، كان حاتم وجه واجم شارد، يصعب التعبير عن ما يشعر به الان دون ان يبوح به، وفارس اقل ما يقال عنه انه قط خائف مم براثن الاسد، بالفعل هو قط خائف من العدالة والمحاكمة التي تكاد توديه الي .. المـوت
هتف حاتم بصوت هادئ ولكنه غامض :
_ انا من حقي اتصل بالمحامى بتاعي
اومـأ الضابط بسخرية، ثم اشار علي الهاتف قائلاً ببرود ثلجي :
_ ايوة طبعًا، احنا حقانين جدًا
ثم اقترب منه ونظر له بطرف عينيه هامسًا بخبث :
_ بس مش لما يكون في حد.برة ينفع يساعدك
ابتلع حاتم ريقه بإزدراء ثم سأله بتوتر :
_ قصدك اية يعني
مط شفتيـه بضيق مصطنع، ثم قال :
_ قصدى ان تقريبًا كدة الدايرة بتاعتك كلها هتلاقيها في التخشيبة معاك جوة
هنا صاح فارس بأرتباك بدى علي محياه :
_ انا ايش دخلنى انا يعني
نظر له الضابط بحدة، ثم زمجر فيه غاضبًا :
_ منا قولت لك ان في دليل ضدك انت كمان، اخرسوا بقا عشان هنبدا في التحقيق
ان كان سيقـع فلن يقع وحده ابدًا ويتركه سعيدًا بعد كل هذا، ان كان رجاله فشلوا في التخلص منه فالشرطة لن تفشل، وبالقانون ..
قال فارس لنفسه هكذا، قبل ان يقول موجهًا حديثه للضابط :
_ طب انا عايز اعترف علي واحد شريكنا اسمه عمر مالك ..... !!

**********

يتبع



الستون والاخير من هنا 

تعليقات