📁 آخر الروايات

رواية مواجهة الاسد الفصل الستون 60 والاخير بقلم رحمة سيد

رواية مواجهة الاسد الفصل الستون 60 والاخير بقلم رحمة سيد 


 مواجهة الأسد


الفصل الستـون والأخير ( الجزء الاول ) :

قهقهـه الضابـط عاليًا وبشدة، كأنه قال له مزحة، مما جعل الدم يتصاعد في عروقهم بغيظ، هدأ قليلاً ونظر لفـارس ثم رفع حاجبه الأيسر وقال مصطنعًا الجدية :
_ انت متأكد من كلامك ؟
اومـأ فارس بتأكيد، ثم تابع بثقة زائفة :
_ ايوة، واكيد لاقيتوا دليل عليه هو كمان
هـز الضابط رأسه نافيًا، ثم اردف متهكمًا :
_ هو انت متعرفش أن استاذ عمر مالك هو الي مبلـغ اصلاً !؟
جحـظت عينيـه، لم يتخيـل أن الأسد يهدأ في عرينـه ويخطط لتلك المواجهة الحاسمة، فكر في الكثير والكثير، ولكنه لم يتخيل أن عمر سيودى بحاتم للتهلكة، حاول إخراج الكلمات من بين شفتيـه المرتعشة اثر الصدمة قائلاً :
_ ا آآ ازاى يـ يعني !!
نظر الضابط لحاتم الذى كان يجلس صامت.. شارد.. ساكن، ولكن هدوءه مخيف، اشبه بهدوء ما قبل العاصفة، ثم قال بتوضيح بارد :
_ بص يا سيدى رغم ان ده مش المفروض تعرفه لكن بما انك غالي عليا هاعرفك
صمت لبرهه يستعـد لقذفهم بما سيصدمهم صدمة العمر، ثم تـابع بجدية :
_ عمر مالك يا سيدى الظاهر انه كان بيخطط لده من بدرى جدًا، او يمكن ماكنش بيخطط بس كان بيسجل لكم كل حاجة، تقريبًا كدة عشان لو غدرتوا بيه يبقي مأمن نفسه، في طرف تانى متعاون معاه، لكن مش هاقدر اقولك او اوضح عنه، لكن الظاهر ان حبايب حاتم باشا كتير، ولما الي ضرب عمر مالك بالنار
وشدد علي جملتـه الأخيـرة بدقـة وهو يرمق فارس الذى بدأ يرتبك بنظرات ذات معني، ثم اكمل :
_ الطرف التاني ده راح وسلم كل الدلائل الي ضدكم والي هي عمر مالك ملهوش يد فيها اصلاً، الفيديوهات بتجمعك انت وحاتم وانتم بتسلموا البضاعة، بتأمروا بقتل حد، كدة يعني انتم ادرى بشغلكم، ده غير القضايا الي اترفعت ضدكم وبشهادة الشهود، يعني من الاخر انتم كان مجهزلكم الوقعة دى من بدرى
كان فـارس مذهول مما يسمعه، دقـات قلبه توحى بالخطر، منذرة انها ستتوقف حتمًا من الخوف، نعم .. الخوف من الاعدام !!
بينما تأفف الضابط وهو يتشدق بـتهكم بـ :
_ حتى لو كلامك صح وعمر الي هو اصلا شاهد ملك ف القضية شريكم، يبقي هو سلمكم وطلع منها، والقانون لا يحمي المغفلين
هنا نطـق حاتم وقد نفذ صبره وقال بحده :
_ ازاى، انا بأعترف علي عمر ده انه معانا
اجابه الضابط برسميـة :
_ والله يا فندم الادلة الي معايا ما بتدينش استاذ عمر مالك ابدًا، بل بالعكس ده شهد عليكم وهو الي قالنا ع مكان تخزين البضاعة، يعني لو كلامك صح انا عايز ادلة وشهود، القانون مش عواطف
أطـلق حاتـم زافـرة قوية وعاد يفكر في حل لهذه المعضلة، ولكنه فشل فشل زريع في ايجاد اى حل، وجد كل الابواب مغلقة في وجهه، كل نفوذه وسلطاته وامواله لن تنفعه الان !!
قال الضابط بجدية :
_ يعني انتم اعترفتوا انكم فعلا كنتم بتتاجروا ف المخدرات وقتل و .. الخ
هـز فارس رأسه نافيًا بسرعة ثم قال بهلع :
_ لا لا اعترفت اية انا معرفش حاجة
تقوس فمه بأبتسامة ساخرة، وهو يقول متساءلاً بتهكم :
_ انت مش لسة من دقيقتين قايل انك بتعترف ع عمر شريككم، يعني بتعترف ع نفسك قبله من دون قصد
خبـط جبينـه بطرف يده بصدمة، بالفعل خانـه لسانه واعترف علي نفسه، من دون اذنـه صرح بما لا يجب ان يصرح به، ذهب لحبل المشنقة بقدمـه !!
تنحنح الضابط بجديـة معتادة موجهًا حديثه للكاتب بجواره :
_ اكتب يابني، قررنا نحن وكيل النيابة / اكمل زهير، بحبس كلا من المتهم حاتم مهران، وفارس كمال مهران 15 يوم علي زمة التحقيق مع مراعاة التجديد .

**********

أسـدل الليل ستـائـره، وذهبت الشمـس علي وعد بأن تشرق مجددًا، وحـل القمـر مكانها لينيـر الأجواء بضوءه السـاطـع، الذى يدوى علي جميـع المناطق يعطيها مظهر جذاب، انتهـت رضوى ونبيلة من اعداد كل شيئ، كانوا يجلسـوا في الصالة في انتظـار قدوم عبدالرحمن الذى سيأخذهم الي المحطة ويسافـر معهم، ومما ادهش رضوى اكثر ان نبيلة لم تعارض عندما علمت بقدوم عبدالرحمن معهم كعادتها، لم تصيح بها وتنهرها ككل مرة، بل وافقت بصدر رحب، من يراها يعتقد انها تبدلت كليًا، وكأنها أُهلكت من كثرة الصراخ والغضب، وقررت تغيير تعابير وجهها الحادة ولو لفترة قليلاً، ولكنها حقــًا لم تشعر يومًا انها اخطـأت في الحكم علي رضوى، هى شخصيًا حتى الان لم تعرف ما سر تغيير شعورها المفاجئ تجاه رضوى، لم تتخيل يومًا انها يمكن أن تكـن لها شيئً سوى الكره، ولكن اليوم، مشاعر جديدة بنظرة مختلفة تطرق بابها لتحل محلها في قلبها تجاه تلك المسكينة، تشعر لو انها تعوضهـا بدلاً من مهـا .. وآآه من مها التي اشتاقت لها ولكن كبرياؤوها يمنعها وبشدة من زيارتهـا، زيارتها .. !!
اى زيـارة وهي خرجت من تلك القضيـة وذهبت مع زوجها دون الرجوع اليهـا ركضًا، نعم .. نبيلة كانت تعلم كل شيئ عن مها، كانت تسأل المحامى الذى وكلته رضوى لمها عما حدث، شعور الأمومـة وعطفها لم يسمحوا لها ان تبتعد عنها للابد كما ارادت، تغلبت تلك المشاعر الحانيـة علي غضبها وثوارانها لتغلق عليه جدران متينـة صلبـة، ولو مؤقتًا لحين الاطمئنـان علي ابنتهـا الوحيدة، كانت لا تريد ان تصبح الجـلاد والحنونة في آن واحد !! ..
قطـع ذلك الصمت الذى دوى صوت سيف الطفولى وهو يقـول بتساؤل رقيق :
_ احنا رايحين فين يا خالتو رضوى
استـدركت رضوى نفسها سريعًا، ثم مدت يدها تحيط كتفيـه برقة، ثم اجابته بهدوء حذر :
_ مسافرين يا حبيبي
زم شفتيـه بضيق طفولى، ثم زمجر قائلاً :
_ هانروح من غير ماما يعني !؟
صمتت لبرهـه، فهي نفسها لا تعرف اجابة ذاك السؤال، السؤال الذى تسأله لنفسها مرارًا وتكرارًا، الي متى سيذهبوا بدون مها؟! ، تشعـر ان بداخلها جزء مفقود يجب البحث عنه، وان كان ذاك الجزء يحدث لها صخب وازعاج .. وبعض الألم، ولكنه يظل جزء منها، لا تقدر علي التخلي عنه دون ارادة منهـا ..
إبتلعت تلك الغصة المريرة في حلقها، ورسمـت ابتسامة صفراء لتخفي ذاك العبوس الذى كاد يظهر بوضوح علي محياها، ثم اردفـت بجدية :
_ حبيبي ماما مستحيل تسيبك لوحدك، هي بس بتعمل حاجات عشان تيجي تاخد سيف معاها بس
كـانت " نبيلة " تتابعهم بأعينهـا، وكأن عينيها تجبرها علي النظر لهم لتؤكد لها ان رضوى لم تكن يومًا سيئة، وانها هي من كانت سيئة معها، من اجل شعور الغيظ بالفطرة من درتهـا !!
سمعـوا طرقـات هادئة علي الباب، لتنهض رضوى وتتجه للخارج بخطى هادئة، ثم فتحت الباب بأبتسامة علي اعتقاد منها ان هذا عبدالرحمن، إلا انها اختفت تدريجيًا وهي ترى مها بجوار أحمد، لم تشعر انه حان وقت تلك المواجهة الان !!
بـدت مها مشرقـة، ملامحها تشربتها الفرحة، اشبعت شعورها بالأشتيـاق من اول فرد من تلك العائلة، لأول مرة تشعر انها تحب رضوى بصدق، ابتسمت بسعادة، ثم تنحنحت قائلة بحرج :
_ رضوى، ازيك وحشانى اوووى
كلماتهـا كافيـة لخروج رضوى السريع من صدمتهـا، جعلتهـا تستدرك نفسها علي شعور الاشتياق لاختها الوحيـدة، بدأ الجزء المفقود بداخلها يعود رويدًا رويدًا، لم تمنع مها نفسها من الاقتـراب منها، ثم احتضنتها بقوة، طبقت علي ظهرها تتأكد انها اصبحت مع اختها الوحيدة، ولم تعارض رضوى علي احتضانها، ثم همست بما رد لها روحها المحرجة بجوار اذنيها :
_ وانتِ كمان وحشتيني اوى يا اختى، اسفة اوى مكنتش بزورك بس حصلت حاجات كتير منعتنى والله
إبتعدت عنها مها بهدوء، كلما تمعنت النظر لها اكتشفت الفـارق الشاسع بينها وبين رضوى، فهي مسبقًا لو كانت مكانها لكانت طردتها سريعًا دون اى رحمة، هزت رأسها نافية بأبتسامة حانيـة :
_ ولا يهمك يا حبيبتي، كفاية المحامى الي عينتيه لي
ابتعدت رضوى عن الباب قليلاً ثم اشـارت لهم وقالت بهدوء :
_ طب اتفضلوا ادخلوا سيف وماما جوة
" سيف " .. مجرد ذكر اسمـه واعطاؤوهم الاذن جعلها تكاد تركض كالأطفال لتلحق بأحدى الهدايا التي جلبها لها والدها، ولكنه حقًا هدية اهداها لها الله يتبعها احمد، وجدوا سيف يجلس علي الاريكة بجوار نبيلة، من دون سابق انذار تقدمت بسرعة واحتضنته بلهفة، بادلها هو العناق بفرح طفولى، يشاهدهم احمد بحماس، واخيرًا التم شمل عائلتـه، فيما كانت نبيلة تتصنع الصدمة، كانت متوقعة زيارتها تلك، ولكن غضبها يمنعها عن ركضها هي واحتضان مها، اخذت مها تحتضن كل جزء فيه بشوق، وتلقلقت الدموع في عينيها، دموع بسبب غباءها اللانهائى علي بعدها بإرادتها سابقًا عن ذاك الطفل الملائكى، هنا تنحنحت نبيلة وهي تصيح بغضب :
_ اية دة، انتم داخلين فين، وازاى تدخلي كدة من غير احم ولا دستور
ابتعدت مها عن سيف بهدوء، ثم اطرقت رأسها ارضًا بخزى، فيما قال احمد بجدية :
_ معلش، حضرتك عارفة اد اية مها كانت مشتاقة لسيف
إرتسمت ابتسامة ساخرة علي ثغـر نبيلة، ثم رفعت حاجبيها قائلة بأستنكار :
_ والله .. طب الحمدلله
لم تتعجـب مها ولم تندهـش، اكتفت بالصمت، ولكن نظرات احمد الموجهه نحوها ذكرتها بما يجب عليها فعله، رفعت ناظريها لتواجه نظرات نبيلة الحادة، فقالت مسرعة بأسف :
_ ماما انا عارفة انك مستحيل تسامحيني بعد كل الي عملته، لكن انا عشمانة في حنانك وقلب الام
قالت نبيلة بصوت قاتم من دون تفكير :
_ عشمانة ع اية ولا اية ولا اية ، علي ثقتي فيكي الي ضيعتيها، ولا ثقة احمد فيكي وفي تربيتنا وكونى مش قادرة ارفع عيني فيه، ولا بعدك عن ابنك، ولا خيانتك، ولا محاولة قتلك لحبيب القلب
اغمضت مها عينيها بألم، تشعر بحجم الفجوى التي اصبحت بينها وبينهم بسبب كل ما حدث، وهي تعلم جيدًا انها غاضبة وبشدة، ولكن ما كانت لا تعرفه ان تتقبلها رضوى بشوق ووالدتها لا !!
حاول احمد تخفيف حدة الموقف، فقال بهدوء ورقة :
_ احم، ممكن اقول حاجة، مها كان شيطانها مأثر عليها، واتغيرت وعرفت غلطها وتقصيرها في حق كل واحد في حياتها، واتكلمنا انا وهى كتير، وانا الجزء الي بيحبها جوايا قدر يتغلب علي الجزء الغضبان منها، وانا متأكد انك هاتعملي كدة
هزت رأسها نافية بسخرية واضحة، ومن ثم تابعت بصوت اجش :
_ انت الزمن قدر يداوى جرحك وغضبك، لكن انا امها، خانت تربيتي وتعبي عليها مش مجرد ثقة، انا المفروض اكون اقرب واحدة لها مش ابعد واحدة
غمغمت مها بصوت اشـبه للبكاء :
_ انا بجد اسفة اوووى اووى، سامحيني ارجوكِ يا امى
مطت شفتيها بعدم رضا، ثم قالت بتهكم :
_ كويس انك افتكرتى ان ليكي ام
تنهـدت مها بقوة، قبل ان تقول بصوت يكاد مسموع :
_ ماما، انا واحمد رجعنا لبعض
هـزت رأسها بسخرية، ثم استطردت بجزع :
_ بقيت اتوقع منك اى حاجة، بس كويس انه قدر يسامحك هو ع الاقل
في هذه اللحظة سمعوا صوت طرقات علي الباب، فسارت رضوى مسرعة لتفتح، بالطبع وجدت عبدالرحمن فقابلته بوجه واجم، دلف عبدالرحمن لينصدم، ولم يستطع منع نظراته المذهولة من الظهور، تنحنح قائلاً بحرج لنبيلة :
_ خلصتم يا حماتى ولا لسة ؟
شعـر ان سؤاله احمق بالفعل، ليس هو الوقت او الظرف المناسب، كان يشعر بالتوتر المحمل في الجو، ففضل الصمت، إلا ان نبيلة اجابته بجدية :
_ ايوة يا عبدالرحمن يلا
قالت مها متساءلة بلهفـة :
_ ماما انتم رايحين فين وواخدين سيف !
لم ترد نبيلة، فأجابتها رضوى بدلاً منها بهدوء حذر :
_ احنا مسافرين للأقصـر عشان شهد
سألتها مرة اخرى بتوجس :
_ مالها شهد يا رضوى ؟
قصت رضوى عليها كل ما عرفـوه، فصُدمت مها للغاية، ولم تعرف ما الذى جعلها تطلب من القدوم معهم دون تردد، تعجبت رضوى الي حدًا ما، ولكن مع اصرار مها علي ان يلحقوا بهم هى وسيف واحمد بسيارة احمد، جعل نبيلة ترد عليها ببرود ظاهرى :
_ براحتك مليش فيه اعملي الي عاوزاه
ركضت مها تبدأ بأعداد حقيبتها واحمد قرر الذهاب بالملابس التي يرتديها ويشترى بعضًا من هناك ان اطالوا الاقامـة، فأنتهوا جميعهم وأتجهـوا معًا الي الاقصـر ..

***********

شهقـت شهد من الصدمـة، وابتعدت عنه بسرعة تنظر له لتتحقق ان كانت تتخيل او ان ما سمعته حقيقي، استعاد وعيـه، استعاد وعيـن بالفعل، ترى غابتها الغامضة الان بين جفونـه الثقيلـة، ترى ابتسامته التي رسمت الخطوط حول ثغـره المتعب، يدوى صوتـه كالعـزف الرومانسي، علي اوتـار قلبها المشتاقة بهدوء، اختفت الدموع سريعًا، وتقوس فاهها بأبتسامة مصدومة، شعرت وكأن قلبها يدق بصوت عالٍ مسموع محـرج، تابع عمر بصوت ضعيـف لأول مرة يطرب علي اذنيها :
_ مالك يا شهدى منهارة كدة لية
زمت شفتيهـا بضيق طفولي اعطاها مظهر جذاب، ثم قالت بصوت متحشرج :
_ والله يعني مش عارف، اسكت بقا
نهضـت بسرعة ثم اتجهت للخارج، ونظرت حولها قبل ان تنادى بجدية :
_ دكتوور يا دكتور
كان الطبيب بالقرب منهم فتقدم منها سريعًا، وسألها بتوجس :
_ خير حصلت حاجة جوة ولا ؟
هـزت رأسها نافيـة، ثم اجابته بأبتسامة زينت وجهها الواجم مسبقًا :
_ لا بس فاق وبيتكلم معايا
اومـئ الطبيب ثم دلف الي الداخل بسرعة، واشار لها ان تنتظـر، فأنتظرت للخارج، وتغيرت ملامحها للغاية، وكأن شفاء عمر له مفعول سحرى عليها، اقتربت منها نادى ومحسن ومسعد بأبتسامة، فربت مسعد علي كتفها قائلاً بجدية فرحة :
_ الحمدلله يابنيتي، ربنا ما يجعلنا ندخل المستشفيات دى تانى الا ف الخير
رددوا خلفه بهدوء :
_ امين يااارب
كانت سعادتها لا توصف، من كثرة سعادتها تشعر انها علي حافة الموت، نعم .. فهي تشعر بقلبها ودقاته لم يعد قادر علي التحمل اكثر من ذلك، تشعر بكل ذرة في كيانها تهلل وترقص فرحًا الان بأستعدادة محبوبـها، فلم يكن ما مر بالهيـن ..
بعد دقائق خرج الطبيب بهدوء، فأتجهت له شهد ومن دون ان تسأله قال بجدية :
_ الحمدلله، رغبته في الحياة خلته ماقعدش في الغيبوبـة غير ساعات، وربنا سترها معاه وان شاء الله هيبقي كويس ف اقرب وقت لانها اصبحت مجرد اصابة، لا تمس القلب بأى سوء، وهننقله لأوضة عادية بعد شوية وتقدروا تشوفوه
تنهـدت بأرتياح شديد يجتاحها، فتمتمت بأمتنـان :
_ شكرًا جدًا يا دكتور
اومـأ الطبيب بأبتسامة هادئة ثم استدار وغادر علي عقبيـه ..
وبعد نصف ساعة تقريبًا تم نقل عمر لاحدى الغرف العاديـة، وبالطبع كانت شهد ونادى ومحسن ومسعد بجواره، ما ان دلفوا للغرفة، حتي قال مسعد بصوته الاجش لعمر :
_ الحمدلله علي سلامتك يا ولدى، كدة تجلجنا عليك
ابتسم عمر بخفـة، ثم اجابه بخفوت :
_ الله يسلمك يا خال، كنت بأشوف معزتى عندكم بس
قال كلماتـه الاخيرة وهو ينظر لشهد التي كانت تقف في اخر الغرفة تتأمله بشرود، وكأنها حتى الان غير مصدقة انه اصبح معها، فيما ردد كلاً من محسن ونادى الامنيات بالشفاء لعمر والحديث العادى علي محور الحياة، حتي اردف محسن بجدية لـ مسعد :
_ طب يلا يا خال روحوا انتم ارتاحوا كفاية عليك إكدة عشان ماتتعبشي بجا يا خال
هـز رأسـه نافيًا وهو يتشدق بـ :
_ لآآه، ماهمشيشي من هنا من غير بتى وجوز بتي
هـز عمر رأسـه ثم اكمل بهدوء :
_ لا حضرتك اكيد بقالك كتير وتعبان، روحوا ارتاحوا يلا
فقالت شهد متدخلة لتؤيدهم :
_ ايوة يا خالو، الاجهاد غلط علي صحتك
اومـأ مسعد بأستسلام، ثم هتف بتساؤل جاد :
_ مين هايجعد طيب ؟
اجابه محسن مسرعًا بهدوء :
_ انى هاجعد مع شهد، والرجالة برة متجلجشي
اومـأ موافقًا بهدوء ثم إتجـه للخارج مع نادى، عائديـن للمنزل بخطى مرهقة ..
فيما تنحنح محسن لشعوره برغبتهم في الانفـراد ببعضهم بهدوء :
_ انا هأروح اجيب اكل اكيد هتاكلوا
اومأ عمر بهدوء، فأتجـه محسن للخارج، وشهد كما هى لا تتحرك، فقط تتأمله تشبع رغبتها في التمعن لقسمات وجهه، فنظر لعينيها، ذاك البحر الذى يذيبـه، وهمس بصوت شبه جـاد :
_ شهدى، تعالي قربي، عايزك جمبي
لم تقدر علي تحديد شعورها في هذه اللحظة، شعرت بكم مشاعر متخبطة تجتاحها، الاشتياق لكلماته، والفرح، والحزن علي ذاك اليوم الذى كان من اسوء ايام حياتها، والخوف .. الخوف من تكرار ما حدث ..
اقتربت منه بخطى مرتبكة، جلست علي الكرسي المجاور للفراش، ولم تنظر له، فمد يده بصعوبة، تحامل علي شعوره بالألم بسبب الاصابـة، ومد يده يرفع ذقنها لتنظر له، فشعوره بالأشتياق لها اقوى الان، غمغم بخفوت وهو يهز رأسه نافيًا :
_ لا، تعالي اقعدى هنا
ثم اشار بنظره علي الفراش بجواره، واكمل بهمس مشتاق :
_ في حضـني
توردت وجنتاها بخجل، ونهضت بخفة تجلس علي الفـراش بجواره، ليلف يده حول خصرها يحيطه بأبتسامة تملكية سعيدة، فيما كانت شهد مازالت شاردة بعض الشيئ، فشدد علي ضمها بخفة وهو يقول مداعبًا :
_ مالك يا حبيبتي، سرحانة ف مين
اجابتـه مسرعة دون وعي :
_ فيك، حاسه انى باحلم وانك لسة في الغيبوبة مش معايا
وجه نظره لشفتيها المنتكزة الكرزيـة برغبة واشتيـاق ونظرات متيمة بعشقها، نظرات اربكتهـا وجعلتها حمراء كحبه الطماطم، فقال عمر بخبث :
_ ممكن اثبتلك انك مش بتحلمى بس بطريقة تانيـة
لم يعطيهـا فرصة لتعترض او تسأله او تندهش حتى، وابتلع كلماتها بين شفتيه، يبث لها شوقـه لها ورغبته المميتة فيها، يؤكد لها بطريقته الخاصة انه معها !! وكانت مستسلمة هي، فهي تشتاق له الضعف ..
ابتعد عندما شعر بالألم يزداد بمكان الاصابة، وبحاجتهم للهـواء، نظر لها وقال وهو يلهث :
_ لسة مش مصدقة بردو
لم تستطـع الرد واكتفت بالصمت والنظر للأرضية الرخامية بخجل، مما جعله يبتسم بتسلية ويمتع عينيه بالنظر لها وحدها.. !

**********

كـان فارس وحاتم يجلسوا في السجن، وسط اناس لم يعرفوهم بحياتهم كثيرًا او يقتربوا منهم لهذا الحد، يقيموا معهم في مكان واحد، غريبة بعض الشيئ ان يجتمع افراد عائلة مهران المعرفة ببعض الاناس اقل ما يقال عنهم انهم بقايا افراد المجتمع، تظهر بعض الندبات علي وجههم، روائحهم كريهه مقززة، ملابسة تكاد تكون ممزقة، الارضية نفسها لا تشجعك علي الجلوس عليها اطلاقًا، كان فارس يفرك يديه بتوتر وهيستريا، ثم صاح فـ حاتم بتساؤل مرتعد :
_ هانعمل اييية ها هانعمل اية
اطلق حاتم زافرة قوية قبل ان يجيبه بحيرة :
_ مش عارف، عمرى ماحطيت ف حساباتي كل الي حصل، حتي المحامى اتقبض عليه ف قضية اختلاس
جز فارس علي اسنانه بغيظ، وعاد يقول بنبرة غليظة :
_ يعني اية يعني هنقضي باقي عمرنا في السجن ولا اية
هـز حاتم رأسه نافيًا، ثم اردف بشرود :
_ اكيد لا هاتصرف بس سيبني افكر
اومـأ فارس ثم غمغم بسخرية :
_ فكر يا عمي فكر فكر يلا
تقـوس فم حاتم بشبح ابتسامة شيطانية وهو يقول بصوت اشبه لفحيح الافعي :
_ تقريبًا كدة عرفت بس ياريت ينفع
نظر له فارس بلهفة، ثم قال متساءلاً بترقـب :
_ اية اية قول بسرعة ؟!

*********

يتبع

الفصل الستون والأخير ( الجزء الثانى ) :

كان بريـق الامل امامـه في لحظـات، ظهر من بين شفتي حاتم من دون ان يشعر، كـان حاتـم يفكـر بخبث، يضع الخيوط اينما اراد وينصبها وقتما يشاء دون ان يحذر مما يمكن ان يحدث عكس ما يريد، هتـف بنبرة اشبه لفحيح الافعـي :
_ عمر هو الي هيساعدنا نخرج
عقـد "فارس" حاجبيه ثم سأله بعدم فهم :
_ ازاى يعني عمر !!
اجابـه ببرود وهو يرفـع كتفيـه :
_ يعني عمر، بس ياريت يطلع زى منا متوقع ميعملش غير كدة
تأفف "فارس" ثم قال بنفاذ صبر :
_ ماتعرفني هتعمل اية علي طول من غير لف ودوران يا عمى
نظـر له "حاتم" ثم تابع بصوته الأجـش :
_ عمر من ساعة ماعرفتوا مابينكرش فضل حد عليه، وانا كان ليا فضل عليه كبير كمان، يعني لو اقنعته انى ندمان وتوبت، وطلبت منه، مش هيرفض، وخصوصًا ان انا ليا تأثير كدة عليه
ضحـك "فارس" بسخرية مريرة، سخرية علي الأمل الذى انطفئ لتـوه، الان فقط فهم فارس ان عمر كان يعمل معهم لهدف يعلمه هو وحده، وانهم كانوا مجرد وسيلة مؤقتـه، بينما عقد حاتم حاجبيـه متساءلاً بضيق :
_ اية الي بيضحك كدة !!
تنهـد "فارس" بقوة، تنهيـدة تحمل كل معانـي الأسي، تنهيدة لو اخرجها امام احدى الزهور الصغيرة لسقطت من شدتهـا، ثم رمقـه بنظرات متهكمة وتابع بصوت قاتم :
_ الي بيضحك انك لحد الوقتى مفهمتش عمر كان بيعمل كدة لية، عمر كان عايز ينتقم مننا عشان عرف ان احنا الي قتلنا هند، وكان بيدبر من بدرى ولما جتله الفرصة نفذ، ده كمان لسة معرفش ان هند كانت ميتة من بدرى واننا كذبنا عليه، امال لما يعرف بقاا
رفـع "حاتم كتفيـه" بلامبالاة، ثم قال ببرود :
_ عارف، خلاص خلينا ف السجن لحد ما نموت
جـز "فارس" علي أسنـانه بغيظ، ثم هز رأسه نافيًا بأعتراض شديد، واكمل بــ :
_ لا مش هاقعد هنا لحد ما اموت
نظر له "حاتم بتساؤل"، ليستطرد هو بزافـرة قويـة اخرج بها كل المشاعر المختلطة المشحونة بداخلـه :
_ انا هأعترف بكل حاجة، يمكن ساعتها القاضي يراعى ويخفف الحكم
إتسعت حدقتـا بصدمة جليـة، من يراه يعتقـد انهم سحبـوا منه الأكسجين عنوة، نعم.. فأخـر شخص كان معـه في نفس الدائـرة، الان ينسحب بكل هدوء، ليتركـه وحده يختنق رويدًا رويدًا ..
نظر له بحدة قبل ان يمسكـه من ذراعـه بقوة، ويقول بتحذيـر :
_ علي الله اعرف انك اعترفت يا فارس، هايكون اخر يوم ف عمرك
ضحك "فارس" بسخرية، ثم ابعد يده ونظر له شرزًا، ثم قال متهكمًا :
_ متقدرش، ماتنساش ان محدش هيساعدك ولا هيبص ف خلقتك، الاول كانوا تحت طوعك عشان فلوسك، انما دلوقتى فلوسك بح، يعني هما كمان بح
شعـر حاتـم بحواسـه جميعـها تشجعـه علي قتـله، توقف عقله عن التفكيـر وهرب هدوء عينـاه السوداء، ليحل محله شرارات غاضبة ساخنة تتطاير منهـا، همس بجوار اذنـه بصوت مسمـوع :
_ وانا مش محتاج حد، ايدى موجودة يا ابو فراس .

**********

في نادى شهيـر .. كـانت رودينـا تجلس علي مقعد امام احدى المنضـدات الخشبيـة الصغيرة، تحت ضوء الشمـس الساخنـة، ترتدى نظاراتها الشمسية السوداء لتخفي عينيها الخضراء اسفلها، وملابس تثيـر غرائـز من يراهـا، تهـز قدمها بعصبيـة جلية علي ملامحهـا، وامامهـا تجـلس والدتهـا التي كانت تجلس ببرود، ممدة ظهرها للخلف بأريحيـة، تنفث السجائر بلامبالاة، وترتدى بنطال جينـز ضيق وتيشيرت اخضر نصف كم، من يراها يظنها في عمر ابنتهـا، ولما لا فهى "مشيرة زهران" سيدة الاعمال الشهيـرة، تهتم برشاقتهـا وانوثتها اكثر من اى شيئ، ثم عملها.. واخيرًا ابنتها، تأففت "رودينـا" ثم قالت بملل :
_ يا مامى انا مش متخيلة انى ممكن اكون زوجة تانية، او حتى his mother لطفل عنده لسة 7 سنين
نظرت لها "مشيرة" بهدوء تام، قبل ان تقول بخفـوت :
_ easy يا رودى .. انتِ مش بتقولي عايزة احمد، وعشان هيعيشك العيشة الي انتِ عايزاها، خلاص يبقي هتستحملى عشانه
زمـت شفتيهـا بعدم رضـا، لم تكن هذه الفتاة التي يمكن ان تصبـح كالجدار لمنزل صلب لا يتأثـر بأى شيئ، بل هي راغبـة فـي اشيـاء مهمة في حياتهـا هى ليس إلا، ومن الممكن ان يكون اخر سبب هو اعجابها بأحمد، هو ما يجعلها تنطـلق كالسهم من القوس لتتبع كلام والدتها لتجعله كالخاتم في اصابعها كما يقولون ..
ابعـدت مشيرة السيجـار عن فاهها ببرود، ثم نظرت "لرودينـا" وتابعت بصوت رقيق :
_ يا حبيبتي احمد مش الـ man الي يتخلي عن ابنه بسهولة، وبعدين فيها اية ماهو قالك ماتجوزهاش
نظـرت لها "رودينـا" بضيق، ثم قالت بتأفف :
_ maybe mam maybe
قالت " مشيرة " وهي تشير بإصبعها بجدية هذه المرة :
_ انتِ عايزة احمد ولا لا ؟
اومـأت رودينـا بكل تأكيد، لتستطرد " مشيرة" بصوت آمر انتبهت له جميع حواس " رودينـا " :
_ يبقي تسمعي كلامي وبس، promise you في خلال ايام احمد هيكون ليكِ انتِ وبس حتى لو اتجوز الف واحدة

***********

وصلـوا جميعـهم الي المستشفي التي يقطـن بها عمر، بمشاعـر متضاربة مختلطة، وافكار مشحونة مختلفة، كلاً منهم يشعر ويفكر بشيئ مختلف، رضوى ومها ونبيلة يجتاحهم شعور بالرهبة والقلق علي ابنة خالتهم الوحيـدة، اما عن عبدالرحمن فهو يفعل ذاك من بـاب الرجولة فقط، بما انه لا يعلم من هي شهد من الاساس، اما عن احمد، فكان معهم مثل المجبـور، ولما مثل فهو بالفعل مجبور، فجأة وجد نفسـه بين دائـرة من العائلة تخشي علي فرد اخر، تقـدم عبدالرحمن ورضوى للأستقبـال يسألوا عن غرفـة عمر، واتجهـوا لغرفته علي الفـور، وجدوا محسن في طريقه للداخل، هتفت رضوى بصوت هادئ :
_ محسن
التفت لهم بذهـول، لم يتوقع قدومهم جميعًا، من يوم مولده وعلاقتهم مشتتـة، الان يأتـوا جميعهم ويصلوا الروابط، يضعوا النقـاط علي الحروب الان !!
اقتربـوا منهم، لم تمهلهم نبيلة الفرصة حيث سألته متلهفة :
_ شهد عاملة اية وجوزها اية اخباره الوقتي يا محسن ؟
تنهـد محسن تنهيدة طويلة حارة، يحاول استعادة رباط جأشـه، ثم اجابها بهدوء حذر :
_ الحمدلله يا خالة، خرج من العناية المركزة والدكتور جال انه بقي كويس وهو موجود علشان الجرح بس، وشهد معاه جوة
تنهـد الجميـع بأرتيـاح، بينما اشـار لهم محسن علي الكراسـي الحديدة الموضوعة امام الغرفة، ثم هتف بصوت اجش :
_ اتفضلوا اجعدوا ارتاحوا من السفر
لاحـظت رضوى نظراتـه المريبة حول عبدالرحمن واحمد، فسارعت بالقول مبررة بهـدوء حذر :
_ ده عبدالرحمن خطيبي يا محسن، وده احمد جوز مها متهيألي عارفه
اومـئ محسن موافقـًا ولم يتفوه بشيئً اخر، في حين تابعت رضوى بشوق :
_ انا عايزة اشوف شهد يا محسن لو سمحت
اتـجه للداخـل وهو يقول بخفـوت :
_ هأدخل اشوفهم
استـدار واتجـه للداخـل، طرق الباب بهدوء ثم دلف ليجـد عمر يجلس علي الفراش كما هو، وشهد تجلس علي طرف الفراش والصينينة المحملة بالطعام بينهم، شهد تطعمه كالطفل الصغير، نظراتـه محملة بجميع معانى العشق، اما هى فالأبتسامة لم تختفي من علي ثغرها ولو للحظـة، وكأنها بدلتهـا بالدمـوع وللأبـد، تقابلـه بنظرات حانيـة .. حامـدة، قطع لحظاتهـم الفريـدة بنحنحة رجولية هادئة :
_ ولاد خالتك جم من مصر يا شهد وعايزين يشوفوكى
تهللت أساريرهـا، ولمعت عينيها البنيـة ببريق خافت فرح، كلماتـه انـارت وجهها الابيض، كالضوء الخافت الذى وُضع وسط الظلمـات فجأة، انفجرت شفتيها بأبتسامة سعيدة ونطقت دون وعيـًا منها :
_ بجد يا محسن ولا بتهـرج !؟
ضحـك محسن بخفـة، ثم اومئ مؤكدًا :
_ ايوة والله كُلهم جُم برة، وعمتك نبيلة
ثم ضرب جبينـه بطرف يديه برفق وعاد يقول بمـرح :
_ يـووه، لحد الوجيتي مابعرفشي اجول خالتك دى
ابتسمت شهد ثم نظرت لعمر لتجـده ينظر لها بأبتسامة مشرقة، يرى شمسـه تظهر رويدً رويدًا من بين الظلام، علي كل آمـد يكتشف ركنًا ينير ببطئ بداخلها، قالت له بهدوء وابتسامة :
_ هأروح اشوفهم يا عمر
اومئ بتأكيد قبل ان يقول بنبرة حانيـة :
_ اكيد يا حبيبتي روحى، وابقي دخليهم عايز اشوفهم
اومـأت ثم سـارت للخارج بخطى اشبه للركض، ليصيح عمر مشاكسًا :
_ براحة علي حزمبل يا ام حزمبل
ضحكت شهد ومحسن علي ذاك اللقب، ليتجهوا للخـارج، قابلتهم شهد مقابلة حارة، وخاصة رضوى التي ركضت لاحتضانها علي الفور، تشعر بالنصف الناقص بداخلها يكتمل الان، رددوا التحية المحملة بالأشـواق والترحاب لأحمد وعبدالرحمن، دعتهم شهد للداخل بهدوء، فأتبعوهـا ببطئ، ليدلفوا علي عمر، وبالفعل لم تخلـو الجلسة من التمنيـات بالشفـاء، حتي قـالت لهم شهد بسعادة مشيرة لعمر :
_ ده بقي اهو ياستي عمر، جوزى .. وابو ابنى الي جاى
قالت الاخيـرة وهي تتحسس بطنهـا بأبتسامة حالمـة، لتحدقها رضوى بصدمة، قبل ان تهتف فاغرةً شفتيهـا :
_ انتِ حامل يا شهد
اومـأت شهد بتأكيـد، لتستطرد رضوى بمرح :
_ جه اليوم يا طفلة الي هتبقي فيه ام
ضحكت شهد بهدوء ثم نهضـت متجهه لسيف الذى كان يجلس بسكون بجوار والده ووالدته، ثم داعبت وجنتيه وقالت بحب :
_ حبيبي انت سيف صح
اومـأ سيف ثم قال بفخر طفولى :
_ ايوة انا ثـيف، انتِ خالتو شهد ؟
ضحكت شهد علي لفظه بأبتسامة، لتسارع مها قولها بأبتسامة :
_ لسانه مش عايز يتعدل ف الـ س ، وبيتضايق جدًا لما حد يضحك ع الاسم
وضعت شهد يدها علي فاهها بصدمة مصطنعـة، لتنظر له بطرف عينيها معتذرة :
_ معلش يا ثيف مكنتش اعرف انك بتتضايق بقاا
انتهـت الجلسـة القصيرة واستأذنوا ليغادروا بالطبع لمنزل مسعـد، وسار معهم محسـن ليوصلهم بنفسـه، علي وعد بأن يجلسوا جميعهم بمجرد شفاء عمر، وعودة شهد ومحسن وعمر معهم لحضور زفاف رضوى ..
جلست شهد بجوار عمر، ليحتضنها بين ذراعيه برفـق متجاهلاً الالم الطفيف الذى شعر به، فقربها منه هو من يسكن جراحه، كانت تنظر امامها بشرود، تفكر بكل ما هي فيه، تعيش مع من تحب، وتحمل منه طفلاً قادم، ووسط اهلهـا، ماذا تريد اكثر !؟
لا لا ليست هي هذه الحيـاة التي شعرت لأيام انها لا تريدني بها، ولكن حقًا الصبر له لذة خاصـة ..
اقتـرب منها عمر يسرق قبلة طويلة عميقـة علي شفتيها المنتكزتيـن، لتفيق من شرودها وهي تشهق بصدمة وقد صبغت وجنتاها بحمرة الخجل، لتهمس بخفوت :
_ عمر، خضتني
ابتسم بنظرات عاشقة علي خجلها الذى يجعله يروى عطش ناظريـه من حمرته، وراح يقول مداعبًا :
_ سلامتك من الخضة يا قلب عمر
ابتسـمت بهدوء، وحاولت التملص من بين ذراعيـه بخفـة ولكن مثبت يده حول خصرها بقوة رغم ضعفه الجسدى، ليتـآوه ويقول بألم مصطنع :
_ آآه وجعتيني يا ام حزمبل ينفع كدة
رمقـته شهد بنظرات متلهفة خائفة، ولكن سرعان ما اردفـت بغيظ :
_ بطل تقول حزمبل، ده ابنى هسميه حسام مش حزمبل
ضحـك عمر علي غيظهـا، ثم عاد يقترب منها هاتفًا بخبث :
_ طب اية رأيك عايز اسلم علي حزمبل
ابتعدت عنه شهد قليلاً لتتنحنح بحرج :
_ عمر، محسن ممكن يجـي
هز رأسـه نافيًا، وراح يقترب اكثر وهو ينظر لها برغبـة، ثم استطرد بأبتسامة شيطانيـة :
_ تؤتؤ محسن لسة هيوصلهم ويقعد معاهم شوية ويجي، ومابيدخلش غير ما بيخبـط وبعدين انتِ مراتى
وقـفت الكلمات في حلقهـا وتحدتها الحروف، ليبتعد هو عنها ثم قال بجدية مصطنعة :
_ ولا اقولك، قومى اقفلي الباب ده بالقفل
هـزت رأسها نافيـة بأعتراض شديد، ثم قالت بإصرار :
_ مينفعش، الجرح لسة جديد
سحبهـا بيده بقوة لتسقط عليه، شهقت بصدمة، وشعر هو بالألم، ولكن تحامل علي نفسـه وشدد قبضته علي خصرها، اردفت هي بقلق :
_ عمر سيبني اقوم مينفعش كدة
لم يرد عليها، وانما اوصلها رده بقبلة عميقـة حانية راغبـة، يلتهم شفتيـها بشوق يكاد يفتك كلاً منهما، بعد قليل ابتعد لشعوره بحاجته للهواء، ثم قال وهو يلهث:
_ عايزة تقومـي بردو
كادت تجيبـه الا انه ابتلع حروفها بين شفتيـه يروى عطشـه منها .. رغبته .. عشقه، تسللت يده لأزرار قميصهـا البني، لتوقفه وهي تحاول الابتعاد بنبرة مصطنعة الجدية :
_ لا ، عمر مينفعش احنا ف مستشفي، مينفعش بجد، سيبني اقوم بقا حد هيجي
ابتعد عنها برفق، يحاول تهدأة نفسـه وانفاسه اللاهثـة، يروض كم المشاعر المضطربة التي اجتاحته، نظر لها وهو يغمـز لها بطرف عينيه قائلاً بتوعد :
_ مسيرى هخرج من هنا، وساعتها هردلك كل الي بتعمليه فيا ده ..... !

**********

وفي سجن النسـاء، كانـت " مريهـان " تجلس علي احدى الفرش علي الارضيـة الخشنة البـاردة، تضم ركبتيهـا الي صدرها، جفونها تغطي عينيها السوداء الحمراء، اصبح وجهها الانوثي الصارخ شاحب منذ دخولها السجن يثير الشفقة، جسدها اصبح نحيل، قليلاً ما تأكل او تشرب شيئ، تقريبًا لا تشعر بمن حولها، بعد اعتراف " ابراهيم " صديق حسن ان حسن كان يقصد مريهان وليس مها، واكتشاف الطب الشرعى لبصماتها علي جثمان حسن، وان موتـه كان قبل طعنـه بالسكيـن، تم جلب مريهان للتحقيق معها، وهي لم تكن خائقة من الاساس، فقد حققت انتقامها منه ولن تهتم بأى شيئ بعد الان، كل ما كان يهمها هو الانتقام لأخيها الذى اعطـاه حسن جرعة زائدة من الهيروين فمـات في نفس اللحظات، ليمنعه من سجنـه بإيصالات الامانة التي تدينـه، ولم تكن مريهان بالشخص الهين لتصمت عن موت اخيها الوحيد بهذه الطريقة، حققت انتقامها واعترفت علي نفسها بكل شيئ، ليتم الحكم عليها بتحويل اوراقها لفضيلة المفتـي، تقبلته بصدر رحب، تسطحت علي الفرشة بهدوء، لتنظر امامها بشرود، ثم همست بصوت ظنته في خواطرها :
_ جياالك قريب ياخويا
صمت برهه ثم ابتسمت بأشتياق مكملة :
_ وحشتنى اوى اوى
اغلقـت جفونهـا بإرهـاق، تحلم بعائلتها التي تركتها وحيدة في هذه الدنيـا، تركتها لتنتقم وتفسد فقط ..... !!

********

مواجهة الأسد

الفصل الستـون والأخير ( الجزء الثالث ) .. الخاتمـة :

منذ وصولهـم رحب بهم مسعد ترحيب حـار، وكانت ابتسامتـه الحانية ترتسم علي ثغره، لتظهر مدى سعادتـه بأجتماع شمل عائلتـه الغائبـة عنه منذ مدة طويلة، يرى احفـاده وينتظـر الاخر من دون علمه، شعور بالراحة التي لم يعهدها منذ زمن يجتاحها الان، يشعر بهم كالفراشات السعيدة تحلق من حوله، امر علي الفور بتحضير غرفة لكلاً من عبدالرحمن والاخرى لرضوى والاخرى لمها واحمد وطفلهم، وغرفة لنبيلة، شقيقتـه التي طال اشتياقـه لها، جلسـوا جميعهم بعد فتـرة في الاسفل ينتاقشوا في شتي امور الحياة، يسألهم مسعد بلهفة عن احوالهم، تقريبًا عن كل ما يخصهم، وبالطبـع لم يجلبوا له سيرة عن سجـن مها، فلا يريدوا ان يعكروا صفـو جلستهم الهادئــة، هتف مسعد بأبتسامة :
_ نفسي اروح احب علي يد جوز بتي ده
نظـر الجميـع له بتعجب وتساؤل، ليكمل بنبـرة تحمل السعادة في طياتها :
_ لانه هو السبب في اننا نتجمع دلوجتي
ابتسـم الجميـع بسعادة، ومنهم مجاملة كأحمد الذى تنحنح قائلاً بتعب مصطنع :
_ انا اسف بس عايز ارتاح حاسس انى تعبان اوووى
اومأ مسعد بهدوء لينهض متجهًا للأعلي، فنهضت مها تقول بأبتسامة تخفي بها حرجهـا :
_ معلش يا خالي اصل احمد تعبان اليومين دول والسفر جه فجأة
هز مسعد رأسـه نافيـًا ثم تابع بأبتسامة هادئة :
_ ولا يهمك يابنيتي، روحى شوفى جوزك
انطلقت مها خلف احمد تعض علي شفتيها بغيظ، ترغب في احراقه بالنار التي تشتعل بداخلها الان، دلفوا الي الغرفة ليشير لها احمد بيده قائلاً بجدية :
_ مها انا فعلاً تعبان ومش قادر اتناقش
فوجـئت من حدة زكاؤوه، يستطيع بمهارة معرفة ما يدور برأسها بسهولة وكأنها شفافة امامه، زمت شفتيها بأعتراض ومن ثم غمغمت بضيق :
_ ماشي يا احمد ماااشي
ألقـي بجسده علي الفـراش، ثم غرز اصابعه السمراء بين خصلات شعره الاسود، يتنهد بقوة، تنهيدة حاول اخراج كل ما بداخله فيها ولكن فشل فشلاً زريـع، مازال في حيرة من امره، هل يتزوج تلك التي تدعي رودينـا ويحصل علي سخط وغضب زوجته مها .. والادهى انها يمكن ان تطلب الطلاق، يضحـي بسعادة طفله الوحيدة ويلقي بكل شيئ في المياة المعكرة، ام تسخط وتغضب عليه والدتـه، آآه من كل شيئ، يشعر لو انه انتقام، ولكنه سيفعل ما يجب فعله مهما كانت العواقب..
دثرت مها نفسها بالغطاء بجواره، تتأفف كل ثانية بضيق كأنها تنذره انها بجواره، ولكنه يعطيها ظهره، لاحـت علي شفتيه شبح ابتسامة خبيثة وهو يستدير ليعطيها وجهه، ثم قال متساءلاً بخبث :
_ انتِ زعلانة يا قلبي ؟
اومـأت مها ثم تمتمت بضيق طفولى :
_ جدًا جدًا جدًا يا احمد
قربهـا منه يحيط خصرها بيديه القوية كالسلاسل تقيدها، شهقت مها بصدمة بينما اكمل هو بهمس خبيث :
_ وانا هأصالحك بطريقتي يا حبيبتي
هم بتقبيلها وهى مغمضة العينين مستسلمة بين يـديه، ولكن فجأة تراجع وابتعد عنـها، هب واقفًا اما الفراش، فجأة شعر بإهانة في رجولته تجتاحه لتخنقـه، تذكر سبب تركها له، تخيل انها كانت تستلم لذاك الرجل كما تستسلم الان بين يديـه، يداعبها مثله .. يحتضنها .. يقبلها .. اقسم انه رُحم والا كان قتله بنفسـه، لم يتخيل ان الماضي خاصها سيرافقه دائمًا، اعتقد انه سينسي بسهولة، ولكن الماضي مثل السراب لا نهاية له ولا يستطع الانسان التخلي عنه، كانت الدموع عرفت طريقها لعينين مها المتألمتين، برغم توبتها الا انها ستشفع لها عند الله، ولكن هذا بشر !!
تنحنح احمد بصوته الاجش وقال :
_ اعذريني يا مها، مش قادر انسي، بفتكر كل حاجة عرفتها، محتاج وقت انسي
اومـأت مها ولم تنظر له، كانت دموعها تسقط بكثرة، تشعر بالضعف والكسرة، بالتقزز من جسدها وهي تتذكر كل لمسة لحسن ذاك الملعـون، خرج احمد من الغرفة بأختناق تاركًا اياها تجنى ثمار ما حصدته .

**********

بـدأت الشمس تختفـي رويدًا رويدًا، ليحل محلها القمر بضوءه الذى يبعث الطمأنينة في روح كلاً منهم، تجلس رضوى في الحديقـة الخضراء علي احدى المقاعد الصغيرة، تنظر للأعلي بشرود، وابتسامتها الهادئـة تجذب الانظار دون ارادة منهم لها، تفكر بالغـد، تنتظـر ذلك اليوم علي احر من الجمـر، طالعـت القمر بسرحان كأنها تحدثـه،فجـأة سمعت نحنحته الرجولية التي اثـارت القشعريرة المرتجفة في جسدهـا، لتنظر له قائلة بنزق :
_ قول احم ولا دستور خضتني يا اخي
اقترب منها عبدالرحمن يجلس علي بعد مسافة، يطالعها بأبتسامة عاشق ولهان، ثم قال زهو يرفع احدى حاجبيه :
_ لا والله، وانتِ كنتِ عايزانى اسيبك تنفردى بالقمر لوحدك يا خاينة
ضحكت رضوى علي مزحه، ثم ردت بخوف مصطنع :
_ لا لا اوعى تفهمني صح يا عبدالرحمن انا مقدرش اعمل فيك كدة
هز رأسه نافيًا بأسف مصطنع ثم قال :
_ خلاص يا رضوى كل شيئ قسمة ونصيب
قهقت رضوى علي مزاحـه، بينما شرد هو في ضحكتها الساحـرة، اقترب منها ببطئ من دون وعي منه، حتي اصبح لا يفصلهم سوى بعض السنتيمترات، همس وهو يقتـرب منها :
_ رضوى .. انا .. بحبك
إبتلعت ريقها بإزدراء، وشعرت بسخونة في وجنتاها تكاد تنفجـر من شدتهـا، بللت شفتيها بطرف لسانها، مما اثار رغبته بها اكثـر، نظر علي شفتيـها بشوق، لاحظت هي نظراتـه فنهضت مسرعة وقالت بأرتبـاك :
_ آآ عـ عبدالرحمن
كان كالمغيب عن الوعـي، عينيها الساحرة وابتسامتها هم من يقودانه للجنون، تحكمت به مشاعره المشوقة لرضوى، وازاح كل الحدود بينهما، ود لو يحضنتها في هذه اللحظة ويتأكد من انه تخطى كل الحصون التي بنتهـا هي، مد يـده يمسك بيدها، حاولت إفلات يدها ولكن فشلت، ظل يقترب منها ببطئ، دفعتـه هي عنها بكل قوتها ليترنج للخلف، وظلت تنظر للأرض بخجل واضح، فيما استفاق عبدالرحمن وكأنه استعاد وعيه الان، اغمض عينيه يستعيد نفسه سريعًا ثم قال مسرعًا بتبرير واعتذار :
_ رضوى انا اسف بجد مش عارف مالي
سارت رضوى متجهة للداخل بسرعة، شعرت لو انها ظلت امامه اكثر لأعترفت هي بحبها له وليحدث ما يحدث، بينما هو شعر بالضيق الشديد، مسح علي شعره بغيظ ثم غمغم بغيظ لنفسه :
_ يعني مش قادر تستنى كام يوم، اية الغباء ده

**********

انتقـال سريــع .. مرت الايـام سريعة علي البعض وبطيئة جدًا علي البعض الاخر، كان كلاً منهم يسير في الطريق الذى اختـاره وحدده منذ فتـرة، بدأ عمر في التعافي بالكامـل، وخرج من المستشفي، وقضوا جميعهم ايام ممتعـة في منزل " مسعد " ايام لن تمحـوا من ذاكرتهم ابدًا، وبالطبع لا تخلو من بعض المشادات، حاول احمد التأقلـم علي الوضع مع مها، وبالفعل بدأ في التعامل معها بطبيعتـه ومع عائلتها ايضًا، يشعر بالسعادة لاجتماعه بطفله، ولكن ما يعكر صفوه احيانًا هو ان رودينـا مازالت اسمها بجوار اسمه، خطيبتـه !!
لم ينهي تلك الخطبة، ارضاءً لوالدته الحبيبة، وبالطبع لن يخبر مها بأى شيئ الا في الوقت المناسب، ربما ليس احمد من يعاقبها ولكن ربما الله، أليس كل مخطئ له عقـاب، وان كانت تابت ولكنها لا تعلم ما يخبأه لها القدر، اما عن شهد وعمر فكانوا يعيشون اجمل ايـام حياتهم بطفلهم القادم، " حزمبل " كم تثير تلك الكلمة جنون شهد، اما رضوى وعبدالرحمن بالطبع يعيشون بسعادة، وما اجملها سعادة وزفافهم اليـوم !!
نعم اليوم زفاف كلاً منهم، ستحبس عصافيـر الحب داخل قفصهم الذى اختاروه، وبالطبع لن يخرجوا منه حتي الممات، سافروا جميعهم الي القاهرة لاتمام زفاف رضوى، وتم تغيير الاتفاق لان يصبح كتب الكتاب والزفاف في يومًا واحد، وعانى عبدالرحمن بالطبع لاقناع والدته ولكن والده سهل عليه الكثير، كانت رضوى في البيوتي سنتـر، بحجابهـا الابيض وفستـان زفافها الاسلامى الرائع، يسر الناظرين، بأكمام طويلة، مزين عند منطقة الصدر، وهادئ من الاسفل، تزيد جماله طرحتها التي تنير وجهها الابيض الملائكـي، تقف جوارها مها وشهد، كلاً منهم يجتاحهم شعور بالسعادة لسعادة اختهمـا، انتهت رضوى ونهضت تطالع نفسها في المرآة، لم تصدق عينيها، اهى حقًا ستزف لحبيبها الوحيد الان ؟!
سؤال اجابته شهد دون قصد قائلة بأبتسامة :
_ يلا يا حبيبتي خالو مستني ادام الكوافير عشان عبدالرحمن جه ومستني
ابتسمت بسعادة، ثم تقدمت لخالها الذى ردد بأبتسامة بمجرد رؤيتها :
_ بسم الله ماشاء الله، تبارك الخلاق، زى الجمـر يا حبيبتي
تمتمت رضوى بخجل :
_ ربنا يخليك ليا يا خالو
تأبطـت ذراعـه وساروا متجهين للخارجين بخطى هادئة يتبعهم الجميع بالزغاريد، لمعت عينـا عبدالرحمن ببريق غير مفهوم للبعض، تنهـد تنهيدة طويلة حارة وهو يتمعن النظر لحبيبتـه بفستانها الابيض، تعالت الزغاريـد وانطلقوا جميعًا حيث القاعة التي سيقام بها الزفـاف، بعد قليل وصلوا جميعهم ثم جلسوا لكتب الكتاب، فيما كانت نظرات كلاً من رضوى وعبدالرحمن متعلقة ببعضهم، كأنها رسالات عشق صامتـة، افاقوا علي صوت المأذون وهو يقول بهدوء :
_ بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في الخيييييير
هنا تراقص قلب عبدالرحمن بسعادة بالغة، من فرط سعادته شعر انه ربما يتخيل، نهض بسرعة ثم وقف امامها يطالع هيئتها الخجولة تلك، ثم احتضنها بحنان، اصدر انينـا خافتًا يعبر عما يجيش في صدره، واخيرًا استطاع ان يأخذها بين احضانه يخفي وجهها بيت ضلوعه، يثبت لنفسه انه لم يتخيل وانها بالفعل اصبحت زوجته، اصبحت ملكية خاصة به !!
دهش الجميع واولهم رضوى، وسرعان ما شددت من احتضانه، فهى كانت تنتظر ذاك الحضن بفارغ الصبر، تنتظر الاحتواء والحنان، تعالي التصفيق الحار، وبدأ الفرح والرقص الهادئ العفوى، كانت نبيلة تشاهد الجميـع بعيون ممتلئة بالدمـوع، لا ترغب في شيئ اكثر من ذلك، اولادها امامها ومعها ويعيشون بسعادة .. ماذا اكثر ؟!
كانت شهد تقف في احدى اركان القاعة متأبطة ذراع عمر، تشاهد رضوى وعبدالرحمن بأبتسامة، ولكن عمر يشاهدها هي، يطالعها بشدة ممزوجـة بالسعادة، تلمع عينـاه بسعادة غريبة، وهو يرى فستانهـا الذهبي الواسع الطويل الذى يغطيها حتى امحص قدميها، وحجابها المتوسط الذى بعطيها مظهر جذاب اكثر، نعم فالان شهده تقف امامه تغطى كل جزء من جسدها، وتغطى شعرها الذهبي الذى لن يراه غيره بعد الان بكامل ارادتها، استدرك نفسه علي صوته الهامس :
_ مالك سرحت ف اية ؟
اجابها بخفـوت وهيام ولو يبعد نظراته عنها :
_ فيكي طبعًا يا حبيبي
ابتسمت بهدوء، ليسألها هو بحيرة :
_ الا قوليلي هو مين الي اقنعك بالحجاب
اجابته مبتسمة بفرح :
_ رضوى اتكلمت معايا كتير، وانا اقتنعت وكنت مستغربة ازاى بأعمل كل حاجة حلال ومش محجبة، بس الحمدلله
احتضنها بحنان وهو يردد خلفها بخفوت :
_ الحمدلله .. يا ام حزمبل
ضربتـه شهد بقبضتها الصغيرة برفق، في حين نظر هو علي مريم ونادى الذى كان يقفون ويصفقون بسعادة، نعم .. فقد وافق عمر علي ارتباطهم وتأكد من عدم تآمر مريم او نادى، وانما هما بالفعل يعشقون بعضهم، عشق جمع الشرق والغرب، انتهى الزفـاف، وانتهت معه فترة انتظار عبدالرحمن، ليستقلوا سيارتهم وينطلقوا الي منزلهم وكل شخص الي منزله، وصلوا امام المنزل، وترجلوا من السيارة، اقترب عبدالرحمن من رضوى ثم حملها فجأة فشهقت هي بصدمة ومن ثم صاحت فيه مفتعلة الجدية :
_ عبدالرحمن مينفعش كدة نزلنى
ضيق عبدالرحمن عينيه وقال بضيق مصطنع :
_ يووه، هو انتِ قبل الجواز مينفعش وبعد الجواز مينفعش، امال اية الي ينفع معاكِ
ضحكت بخفة علي كلامه، فهمس هو بجوار اذنيها بتحذير مصطنع :
_ ليلتك مش فايتة النهاردة، اياكِ اشوفك بتضحكي في الشارع
انزلها امام غرفتهم، ليدلفوا سويًا، وتبدأ رضوى تفرك اصابعها بتوتر، اتجه عبدالرحمن للمرحاض ليغستل ويبدل ملابسه، وبدأت هي الاخرى بتبديل ملابسها لقميص نوم احمر قصير يصل الي الركبـة، مفتوح من الاعلي، يبرز معالم جسدها بوضوح، خجلت من الظهور امامه هكذا، ارتدت الاسدال الخاص بالصلاة بسرعة، خرج هو فدلفت هي لتتوضئ، انتهت ثم خرجت وبدأ عبدالرحمن يصلي بها ركعتان شكر للمولى، انتهوا فنهض عبدالرحمن وحملها بسرعة متجهًا لغرفتهم، ووضعها علي الفـراش ثم اشار لها علي الاسدال، فتنحنحت بخجل ثم خلعته ببطئ، رأت لمعت عينـاه الراغبة والمشتاقة، اقترب منها ليقبلها بشوق، ليبث لها مدى عشقه لها، يخبرها بكل ما اراد اخباره بها ولكن بطريقته الخاصة، تناثرت قبلاته علي رقبتهـا ويدها و ..
اخذها في عالمهم الخاص، عالم لا يوجد به سواهم وعشقهم فقط .. !

************
تم الحكم غلي حاتم وفارس بالسجن المؤبـد، واعترف فارس علي كل ما فعله مع حاتم، قاطعه حاتم لعدم قدرته علي قتله، وكان في خالة يرثي لها، ولكن هذا ليس الا جزاءؤوه ..
اما احمد فقد تزوج برودينا بالفعل، كانت رودينا تحاول بشتي الطرق جذبه لها فقط .. كان يشعر بالاختناق كلما يلحظ تغير مها، ولكن ما باليد حيلة رغم انه ضابط الا ان شخصيته ضعيفة امام والدته، او بمعنى اوضح لا يقدر علي عصيانها ....

بعد مرور تسعـة شهور ..
في احدى المستشفيـات الخاصة بالقاهرة، تحديدًا في غرفة متوسطة تتسطح شهد علي الفراش الوتير، يبدو عليه الارهاق، الطرحة الصغيرة موضوعة بأهمال لتخفي شعرها الذهبي ولكن ليس كله، وجهها شاحب بعض الشيئ، فتحت جفنيها بتثاقل، لتجد امامها جميع افراد عائلتها، خالهم واولاد خالها وزوجة خالها، ومها ورضوى وسيف واحمد وعبدالرحمن، وعمر .. ومولدها الجديد .. حسام، كان عمر يحمل طفله بين يديه المرتعشتين، ينظر لها بعشق دفيـن، هتفت بوهن :
_ عمر هاته، نفسي احضنه اوى
اقترب منها ببطـئ ثم اعطاه لها، احتضنته بشغف واصبحت تقبل كل جزء فيه، لم تصدق انه بين يديها الان، طفلهم الذى كانت تنتظر بفارغ الصبر، جلس عمر بجوارها ثم احاطها بذراعيه قائلاً بحنان :
_ واخيرًا، حسام عمر مالك، حته منى ومنك، ده الي هيجمعنا للأبد
اومأت شهد بخفوت، تلقلقت دموع الفرحة في عينيها البنيـة، هنا قال محسن بمرح ليخفف من الجو المشحون بالعواطف :
_ تعبتونا ياخيتي بصراحة من كتر السفر
ضحكت شهد بخفـة، ليكمل عبدالرحمن مصطنعًا الجدية وهو يشير لبطن رضوى المنتفخة :
_ وانا مراتى حامل ومينفعش الحركة والمجهود الكتير ده
قال عمر بضحك :
_ معلش كله يهون عشان حسام باشا
ابتسمت مها ثم اقتربت منهم قائلة بصوت هادئ :
_ الف مبروك يا شهد مبروك يا عمر
ردد كلاً منهم بسعادة :
_ الله يبارك فيكِ
نظرت للمرضة التي تمر وقالت برجاء :
_ لو سمحتى ممكن تاخدى الكاميرا دى وتصورينا كلنا
اومأت الممرضة ثم اخذت منها الكاميرا، واشارت لهم مها ان يقفوا جميعًا، فأعترضت شهد بتعجب :
_ لا مستحيل اتصور وانا كدة
والتقطت لهم الممرضة صورة جماعية سعيدة، تعبر عن نهاية سعيدة، بمشاعر يملؤوها السعادة، لا وجود بينهم للحقد او الكره .. فقط العشق، وحان وقت الاستسلام الان ، فقد فات وقت .. مواجهة الاسد .

**********

تمت بحمدالله ❤❤
تعليقات