📁 آخر الروايات

رواية مواجهة الاسد الفصل الثامن والخمسون 58 بقلم رحمة سيد

رواية مواجهة الاسد الفصل الثامن والخمسون 58 بقلم رحمة سيد 


 

مواجهة الأسد

الفصل الثامن والخمسون :

تقف كالصـنم تمامًا محدقة بعمر الذى سقـط ارضًا يتـأوه من الألـم، حدقتـيها متسعتيـن بصدمة وفاغرةً شفتيهـا التب ترتجف بخوف، وتبلد جسدها، عينـاها توحى ببشاعة الصدمة التي رأتهـا، وكأن الزمـن توقـف عند هذه النقطـة، سـارت سفينـة ايامهم السعيدة عكس ريـاح السعادة لتُدمر وتغـرق فجـأةً !!
صمت .. صدمة .. سكـون، وأطلقـت صرخـة مدويـة خرجـت من أعماقها المتألمة، تحول سكونها لهيستريـا مرتجفة وهي تركض نحـوه ثم جثـت علي ركبتيـها تضرب وجنته بخفة وهي تقول بشهقـات متتالية :
_ لا عمر لا اوعـّ اوعى تسيبني، عمر قـ قوم
هبطـت دموعها من عينيها اللؤلؤية، ليشعر بسخونتها علي بشرتـه، اخـذ يتمعن النظر لبحر عينيها العميق، يتنفـس بصعوبـة شديدة، ملابسـه مغطـاه بدماؤوه، وخاصةً عند منطقة " القلب " ، هتف بوهـن وهو يكاد يغلق عينيـه :
_ شـ شـهـدى، انـا آآ بأحبـك اوى
هـزت رأسـها نافيـة بهيستريـا، وهي ترى عينــاه الحمراوتيـن تغلقـان، هزتـه كأنه تنهـره علي شيئ ما بصراخ :
_ لا لا انت مش هاتسيبني، يااااااارب
في نفـس اللحظـات كان الجميـع من حولهـا، ألجمت الصدمة لسان الجميع واولهم خالهـا الذى صُعـق من مظهر عمر، وافـاق من صدمتـه سريعًا قائلاً لمحسن بصوت آمـر :
_ اطلب الاسعاف بسررررعة
شهـقت زوجة خالهم بصدمة وحزن مرددة بجـزع :
_ يا حبيبي يابني، ربنا يقومك بالسلامة
ركـض محسن مهرولاً للداخـل، بينما كانت شهد محتضنـاه وتبكـي بقوة ونـواح، جـزء من داخلهـا يكاد يهرب من بين يديها للأبـد، لم تـراه ضعيف هكذا من قبل، وكأن لسانها يردد دون إرادة منها بتصميم :
_ لأ انت هاتعيش وهانربي ابننا سوا
جاء محسن بسرعة وهو يلهث ثم قال :
_ اتصلت وخبرتهم، بس رأيى انهم ممكن يتأخروا، احنا ممكن ناخده بالعربية علي اجرب مستشفي احسن
اتكئ بجزعـه قليلاً للأسفل ووضع يده بجـوار رقبة عمر ليستشف إن كان علي قيد الحياة ام لا، ثم نظر لهم قائلاً ببعض من الأرتيـاح :
_ لسة عايش الحمدلله بس النبض ضعيف
اومـأ الخـال، ثم اقتـرب كلاً من محسن ونادى وحملوا عمر برفـق ثم وضعـوه في الكرسي الخلفي للسيارة، وشهد خلفهم ركبت لتضع رأس عمر علي فخذيهـا، وركبوا هم وانطلق محسن لأقـرب مستشفي، يتبعهم خالهـم في السيارة الاخـرى علي عجلة من امرهـم .

***********

وسط اربعـة جدران، سجن قديـم هش، يجلس هو علي الأرضية، يضم ركبتيـه الي صدره، شـارد الذهـن، ووجهه واجـم، طال شعـره الكثيف الأسود، وظهرت ذقنـه لتعطيـه شكل مثيـر للشفقـة، عينـاه محدقة بالفـراغ، وعقله يذكـره بكل ما فعلـه في حياتـه، صورته وهو يكذب علي الفتيـات ويخدعهن ويأخذ منهم كل ما يملكن تجسدت امامه صور شربه للخمر، الزنـا، النصب، واخيرًا.. اغتصـاب شقيقته وقتله لمحمود، كأن عقلـه تعمد أن يُذكره ليثبت له ان كل ما هو فيه ليس إلا جزاؤوه، يعقاب علي كل ما فعله، حتي حبيبتـه الوحيدة " رضوى " التى احبها لم يستطيع التعبير لها عن حبه الأنانى بصورة طبيعية، حياته كلها مُدمرة تمامًا، شعر بالدوار من كثرة التفكيـر، عينـاه السوداء الهائمة تجعلك تشعر كأنه علي حافة المـوت، ولما لا ؟!
بالفعل تم الحكم علي " شهـاب " بالأعدام، أبتسم بسخرية مريرة، ثم خفض رأسـه لينظر علي " بدلة الأعدام " الحمراء، اصبح يمقت اللون الاحمر في اخر ايامه، بالرغم من كل ذلك الا انه يشعر ببعض الراحـة، ربما لأنـه سيتلقي عقابه في الدنيـا، ليخفف عنه الله في الاخـرة، تنهـد بقوة وهو يحدث نفسـه بتهكم :
_ وانت كنت مستنى اية بعد ده كله
صـمت برهـه ثم أكمل :
_ كنت مفكر انك بعد ده كله هاتعيش حياتك عادى وهاتتجوز الطاهرة العفيفة وتخلف قطاقيط حلوين !!
ضحـك بسخرية ولكن بصوت اعلي هذه المرة، ثم مـدد جسده علي الأرضية البـاردة، واغلق جفنيـه عله يمنع تلك الصور التي تتجسد امامه من ملاحقتـه، ثم همس وهو يجبر عيناه علي النوم الذى لم يعرف طعمه منذ ايـام :
_ سامحنـي يااارب سامحني

***********

كـانـت رضوى تـقف امام المرآة الخاصة بها في غرفتـها، وشعرها البنـي منسدل علي ظهرها، تضـع بعض من الملـع علي شفتيـها المنتكزتين، وكحلت عينيهـا السوداء ليعطيها مظهـر جذاب، بمنامنتها الحمراء التي كانت عبارة عن بنطال ضيق الي حدًا ما والتيشرت النصف كم، تطالع نفسها في المرآة وعينيها تلمعـان بسعـادة شديدة، تهندم نفسها كالعروس لزوجـها، وما المانع إن كان بالفعل ستصبح زوجتـه غدًا، غـدًا .. تتمنى أن تنام وتستيقظ لتجد نفسها في الغد، لأول مرة تتمنى ان يمر الوقت سريعًا، تشعـر بقلبهـا يدق صخبًا كأحدى الحفلات السعيدة تقييم به، بالفعل تشعر انها تحتفـل ويحتفل هو بأنتصـاره الأبـدى، تسللت ابتسامة حالمة لتزيـن ثغرها لتعطيها جاذبية اكثـر، استدارت وإتجهـت للخارج بخطى هادئـة، حتي وجدت " نبيلة " تجلس علي الأريكة بهدوء تشاهد التلفـاز، تنهـدت رضوى بقوة قبل تهتف بهدوء حذر :
_ طنط نبيلة
نظـرت لها بطرف عينيها ثم اجابتها بنزق :
_ اممممم احكى يا حبيبة طنط
اقتـربت منها رضوى حتي اصبحت امامها تمامًا، لتتفحصها نبيلة بعينيها كالصقـر، لمحت رضوى السخرية في عينيها، وكادت تتفـوه بشيئً ما حتي قاطعتها نبيلة بتهكم واضـح :
_ اية الي انتِ عاملاه ف نفسك ده، للدرجة دى فرحانة كدة !
قالت جملتها وهي تشير لها من اعلاها الي امحص قدماها، ربما كانت تخفـي غيظها الذى ان خرج يكاد يأكل اى شخص امامه خلف هذا القنـاع الساخـر، بينما رمقتهـا رضوى بغيظ قبل ان تعقد ساعديها وهي تقول ببـرود ظاهرى :
_ عاجبني انا يا طنط، واه مبسوطة جدًا
رفعـت نبيلة كتفيها بلامبالاة ثم قالت بصوت أجش :
_ مش موضوعنا، انتِ كنتِ عايزة اية ؟
اقتـربت رضوى تجلس بجوارها، ثم مدت يـدها لتتناول من " اللُب " الذى كان موضوع علي المنضدة، ثم وضعتـه في فاهها قائلة وهي تنظر لنبيلة :
_ اه صحيح يا حبيبتي، كنت عايزة اسألك انتِ اتصلتي بكل قرايبنا تعزميهم ولا لا ؟
جـزت نبيلة علي أسنـانها بغيـظ، كلما تذكـرت أن سفينـتها التي جعلتها ترسـو علي شاطئ الحياة بعد عناء، تحركت لتغرق بسهولة هكذا تشعر بالشياطين تتقافـز امامها، أفاقت من شرودها وهي تقول بغيـظ :
_ اه اتصلـت بيهم
أبعدت رضوى خصلات شعرها عن عينيها ثم نظرت لها وقالت متساءلة بتأكيد :
_ وقولتى لخالـو مسعد ؟
اومـأت نبيلة بهدوء وهي تسخر بداخلها :
_ خالو مين ان كان انا مش امك
عادت تسألها رضوى مرة اخرى :
_ وشهد ؟ ، قولتى لشهد ومحسن ولا قولتى لخالو مسعد بس
مطـت نبيلة شفتيها بعدم رضا، ثم قالت بلامبالاة :
_ قولت لمسعد وهو اكيد هيقولهم
تأففـت رضوى بضيق، ثم قـالت بحنق :
_ طب ما تقوليله يجيبهم معاه، ولا دول مش ولاد اختـك يعني ولا عشان امهم ماتت، وإن كان ،دول زى ولاده هو علي الاقل !!

*********

كـانت شهـد تجـلس علي احدى المقـاعد امام غـرفة العمليـات، تقدم جسدها للأمام وتضع وجهها بين راحتي يدهـا، ولم تستطـع منـع صوت شهقاتها من الصدور، شعرها الذى كام مهندم منذ دقائق اصبح متناثر علي وجههـا الأبيض الذى ازداد احمرار من كثرة البكـاء، وجسدها ينتفض بقوة كلما تذكرت استكانته بين يديهـا، وكان محسـن يقف بجوارها يتبعه " مسعد " ونادى، التـوتـر والصدمة الجامحة يشوبـان المكـان، الاجواء محملة بالخوف وسط بكاء شهد الذى يقطع نياط القلب، اقترب محسن منها يربت علي كتفـها برفق، ثم هتف بخفـوت :
_ شهد اهدى مينفعشى كدة يا حبيبتي
ابعـدت يدها ونظـرت له، فوجئ بوجهها الشاحـب، وعينيها الحمراء المبللة بالدموع، وشفتيها الزرقـاء المرتجفتين من الخوف، خفق قلبه بحزن علي زهرته التي كانت متفتحة مسبقًا، لتزمجر هي فيه :
_ عايزنى اهدى ازاى يا محسن وجوزى بين الحياة والموت جوة
اطـرق رأسه بأسي، قبل ان يكمل برجاء :
_ طب علي الاجل عشان خاطر الي في بطنك دِه ملهوشي ذنب
أغمضـت عينيها بألم واطبقت علي جفنيها بقوة، وآآه من طفلها الذى لم يُولد، جملته لم تصيب المكان الصحيح، جعلتها تشعر انها تفتقـده وبشدة كلما تذكرت ذاك الطفل الذى كان ينتظره بفارغ الصبـر، أصابها بمقتل شعورها ان طفلها سيولد دون أب !!
لا لا سيصبـح بخير تمامًا ..
قالت لنفسها هكذا بأصرار وهي تنهض لتقف امام الغرفة، ثم نظـرت من خلف الزجـاج لتجـده جثة هامدة تمامًا، والأطباء يحيطون به من كل الجهات، لم ترى سوى وجهه الذى هـرب الدماء منه، ملست علي هذا الزجاج اللعين الذى يمنعها عن زوجها وحبيبها بإشتيـاق، ولاحت نظرة الحزن والضعف الأفق في عينيها البنيـة، لم تـراه ضعيف ومتهالك هكذا من قبل، ولا تريد أن تراه ابدًا، حتي وإن كان يمارس قوتـه عليهـا، اقترب منها خالها هذه المرة يحاوطها بذراعيه قائلاً بصوت اجش :
_ حبيبتي انتِ مؤمنة بجضاء ربنا صح
اومـأت شهد ونظرها معلق بعمر، ليتابع هو بهـدوء قائلاً :
_ يبجي تدعي له وتهدى إكدة عشان اكيد لو كان معانا دلوجيتي كان هيزعل علي حالك دِه
حاولت التمالك قـدر المستطـاع وهي تومئ موافقـة، ليقول خالها بتمني :
خليكِ واثجـة فـ ربنا وهو مش هايخيبك ابدًا
غمغمت هي بألـم يتملكها مرة اخرى :
_ كان قلبه حاسس، كان بيتكلم بغرابة الصبح
صمتت لثوانٍ تتذكر لتنهمر الدموع من لؤلؤتيها مرة اخرى، لتستطرد بلوم لنفسها:
_ كنت مستغربة كلامه بس دلوقتي فهمت، انا الي غبية عشان مخلتهوش جمبي
هـز رأسه نافيًا ثم قال مسرعًا بوهن :
_ ده جضـاء ربنا يا بنيتـي .

***********

وفي الهدوء، كـانوا في احدى المطاعـم الشهيرة الفاخمـة، مكان كبير نظيف علي منضدة متوسطة، تحاوطهم الشموع ويغطيه الضوء الخافـت، مزينـة بشكل مُبهـر، تجلس مها التي لم تختفي الابتسامة من علي ثغرها وهي تضع يدها اسفل ذقنـها، تنظـر لأحمد نظرات سعيدة .. حالمة، وكان احمد يبادلها النظرات العاشقـة، ولكن يشوبها نظرات متأسفة الي حدًا ما، تجهل هي سببهـا ..
قطـع احمد حديث الأعين وهو يتنحنح قائلاً بهدوء حذر :
_ اية يا مها كُلي يلا بقا عشان نمشي
قال ذلك وهو يشير للطعام الموضوع امامهم بتنظيم، لتومئ هى بأبتسامة :
_ منا باكل، كل انت كمان
أمسكت بالملعقة لتضع الطعام في فاهها علها تدارى احراجها، سمعت احمد يقول بغمـوض لأول مرة تلحظه في نبرته :
_ مها هو انتِ لو لاقيتي حاجة ف حياتي متعرفيهاش، هاتفضلي موافقة صح ؟
رفعت رأسها لتقابل عينيه السوداء، ثم سألته بأستفسار :
_ ع حسب اية هي الحاجة دى ؟
تنهـد بقوة قبل أن يترك الملعقة ويقول بصوت قــاتــم :
_ حاجة كنت هأعملها بس انتِ ظهرتى تاني فجأة ف حياتي
دق قلبهـا بخـوف، وهددت حصونها بالأنهيـار، لتردف بتوجـس :
_ ما تقول يا احمد اية دى، لية كل الألغاز دى ف كلامك !؟
هـز رأسه نافيًا، ثم قال بصوت حازم :
_ كل حاجة بأوانها احسن
عقـدت حاجبيهـا بضيق، ما لبث أن مـرت بضع ثوانٍ لتجـد فتاة في العقد الثاني من عمرها، ترتدى بنطال جينـز وتيشرت احمر نصف كم، تصفف شعرها الأسود بشكل منظم، وتضع بعض مساحيق التجميل، تقف امامهم وهي تنظر لأحمد هاتفة بدهشة :
_ اييية ده احمد انت هنا
حدقـت بها مها بقـوة، وهمست فاغرةً شفتيها :
_ انتِ مييين انتِ ؟
لم تعطيـها الفتاة اى اهتمام، بل ظلت ناظرة لأحمد الذى بدأ الارتباك يهز كيانـه، لتكمل بنزق :
_ طب ماقولتليش لية كنت جيت معاك
هب احمد واقفًا بثبات مزيف، ثم إبتلـع احمد ريقـه بإزدراء، ثم همس بقلق :
_ معلش يا رودينا مرة تانية، روحى انتِ دلوقتي وهانبقي نتكلـم
اومـأت " رودينـا " موافقة علي مضض، ثم عانقـته بأبتسامة قائلة بصوت مسموع :
_ Ok , see you soon babe .. Love you so much . ( أراك قريبًا حبيبي، احبك جدًا )
غلي الـدم في عروق مها، ثم نهضت وهي تصيح بها بحدة :
_ انتِ مين يا مجنونة انتِ
ابتعدت رودينا قليلاً عن احمد، لتنظر لمها شرزًا، ثم قالـت بحنق :
_ No no, this you, I will be his future wife . ( انا اكون زوجته المستقبلية )

***********

استمر الوضع كما هو عليه، شهد تنتظر بالخـارج، تنتظر خبر بقاءها هي علي قيد الحياة ام موتهـا، نعم ، فموت عمر لن يهز كيانها فقط بل ليس من المستحيل أن تنتحر بعده، لم تتخيل الحياة من دونه يومًا، قلبها ليس بحمله بل معه بالداخل، واعدًا اياه ان لا يتركه اينما ذهب، والجميع من حولها يحاولون مواستها، وهم بالأصل خائفـون وبشدة، واخيرًا خـرج الطبيب بعد ساعتـان تقريبـًا من غرفـة العمليـات، كان طبيب يبدو عليه كبر السـن، ركضوا يقفوا امامه بسرعة وامامهم شهد، ليبعد الطبيب الكمامة عن وجهه وقد بدى عليه الإرهـاق، لتهتف شهد بلهفة :
_ طمنى يا دكتور
اغمض عينيـه بقوة، ثم قال مهدئـًا اياه :
_ انتِ تقربي له اية ؟
اجابته شهد مسرعـة :
_ انا مراتـه، هو عامل اية دلوقتي ؟
تـابع " مسعد " متساءلاً بجـدية :
_ خير يا داكتور اية الي حُصل
نظـر الطبيب لشهد بهدوء، ثم قال بغموض :
_ اهدى يا مدام، وكونى قوية وارضي بقضاء ربنا دايمًا
نظـرت له بطرف عينيهـا، وهرب الدم من وجهها، وبدأت تتراجع للخلف بخوف رهيب، ثم عادت تسأله بهلـع :
_ عمر حصله اية يا دكتور ؟؟؟؟

***********

يتبـع


التاسع والخمسون من هنا 

تعليقات