رواية علي ضفة قلبك ظمآن الفصل الرابع 4 بقلم سعاد محمد
الفصل الرابع
(حُرية)
نزل من السيارة يمسح حديقة البيت بنظراته في شوق وهو يحاول تهدئة انفعالات ستجعل من مظهره أضحوكة إن رآه أحدهم!
وما إن حطت عيناه على الدرجات الخارجية حتى ابتسم مُتحسرًا وهو يرى نفسه هناك، طفلًا جالسًا يحاول إخفاء عبراته بعد أن تلقى لتوه تعنيفًا مُبالغًا به على خطأ لم يرتكبه بالأصل..
منذ ثمانية عشر عامًا
"توقف عن البكاء يا ياسر! لم يعاقبك أبي إلا لأنك قد أخطأت."
قالتها إيلاف ذات الثمانية أعوام وهي تجلس إلى جواره على أعلى الدرجات وتمد يدها له بلوح الشوكولاتة خاصتها، بينما لم يهتم به وهو يخفض رأسه محاولًا مداراة دموعه، ومُكتفيًا بالرد في حنق:
_لم أفعل.
رمقته بإشفاق وهي لا تملك إلا أن تربت على كتفه في تعاطف تلقائي، فهي خير من يعرف كيف يكون والدها قاسيًا.
_ألم تتسبب في سقوط لؤي من فوق الفراش؟
سألته لين التي تقف قبالتهما بينما تلتمع جديلتاها الذهبيتان بأشعة شمس الحديقة، فرفع عينيه المُبللتين إليها قائلًا في غضب:
_لم أفعل يا لين، أقسم أنني لم أفعل.
ربتة أخرى من إيلاف رافقت قولها في رقة:
_لا عليك، ربما لم تتعمد أن..
انتفض واقفًا ليصرخ في سخط أثار فزعها:
_أقسمت أنني لم أفعل، كنت ألعب بأقصى الحجرة فكيف أقوم بإسقاطه من فراشه؟!
نظرت له الاثنتان في أسى بينما الموقف بذاته يتكرر ، دون أي إنذار يجد نفسه مُعاقبًا لخطأ لا يتوقف عن القسم أنه لا يدري عنه شيئًا، ورغم أن جدهما يرى أن تلك الحوادث البسيطة ما هي إلا أفعال صبيانية دارجة لا تستحق الالتفات لها فإن والدهما يرى النقيض تمامًا، فلا ينفك يتدخل كل مرة مُعبرًا عن قلقه من نزعة عنيفة تتملك من الصبي الذي فقد والده منذ عامين ويبدد حرمانه عن طريق إيذاء أترابه!
وقفت إيلاف تنفض ثوبها وهمَّت بالتحدث حينما اندفعت إلى جوارها شقيقتها الصغرى كقذيفة تخرج من البيت لتلقي بجسدها بجوار إحدى الأشجار وهي تفرك ثوبها النظيف بتراب الأرض!
_لماذا تهرولين؟ وماذا تفعلين بنفسكِ؟!
سألتها إيلاف في دهشة تشاركتها مع لين وياسر الذين حافظا على صمتهما، فأجابتها غفران بكلمات متسارعة وهي تواصل فعلتها في انهماك:
_ستخرج عمتي عزة الآن، لو سألت عني لتخبريها أنني ألعب بالحديقة منذ وقت طويل ولم أغب عن نظراتكما إطلاقًا!
اتجهت إيلاف التي تكبرها بعام واحد وسألتها وهي تلاحظ أنها تنثر التراب على شعرها الأسود الناعم أيضًا:
_لماذا؟ ماذا فعلتِ بالداخل؟
_سأخبركِ فيما بعـ..
"غفران!"
التفت الثلاثة في ذعر إلى حيث ظهرت عزة تهبط الدرجات في سرعة زادها الغضب وهي لا تحيد عن هدفها المتمثل في الطفلة الصغيرة!
_هل أنتِ من سكبتِ الصابون أمام غرفة عمرو؟
هتفت بها فلم تجد إلا ابتسامة متلاعبة على شفتي ابنة شقيقها لطالما كانت بها تثير غيظ ولديها في مقالبها المُتبادلة!
ولما لم تنطق غفران مدت عزة أناملها لتقرص إحدى أذنيها وهي تصيح بها بعد أن أجج ألم طفلها الأصغر غضبها:
_أجيبيني!
حاولت إيلاف تلقائيًا جذب عمتها بعيدًا عن شقيقتها التي أخذت تتأوه دون النجاح في التخلص من قبضتها، لكن عزة تركتها حينما صدح صوت شقيقها من النافذة الطويلة المنخفضة المُطلة على الحديقة:
_ماذا هناك يا عزة؟
استدارت إليه لتصيح على الفور:
_لقد سكبت ابنتك الصابون أمام غرفة عمرو وسقط على ظهره، ألم تسمع صراخه؟!
_هل فعلتِ ذلك حقًّا يا بنت؟
كانت غفران تفرك أذنها التي احمرت بشدة عندما هتف والدها منتظرًا إجابتها، لكنها لم ترد عليه مكتفية بخفض رأسها أرضًا في إقرار صريح بالذنب.
رفعت عزة إحدى حاجبيها وكتفت ساعديها وهي تنظر لشقيقها في غيظ، فكرر بنبرة أشد سخطًا:
_هل ..
_غفران تلعب بالحديقة يا أبي حتى أن ملابسها اتسخت تمامًا، ونحن جميعًا هنا نحاول التخفيف عن ياسر بعدما عنفته.
رَفَعَت غفران رأسها في حدة إلى لين التي أنقذتها من توبيخ والدها القادم، لكنها سرعان ما التفتت بعيدًا حتى لا يلاحظ هو دهشتها.
اجتاح ذنب طفيف تعبير جلال لكنه استدار ليختفي بالغرفة دون كلمة إضافية بعدما ألقى نظرة منزعجة إلى شقيقته..
شقيقته التي نقلت نظراتها بين الأربعة في حنق جعلها بأعينهم أصغر منهم عمرًا، ثم بخطوات غاضبة عادت إلى داخل البيت تستقبلها نظرات زوجة شقيقها في شماتة!
"هل سكبتِ الصابون حقًّا؟"
سألتها إيلاف ما إن تأكدت من اختفاء عمتها، فأجابتها غفران بلا اكتراث:
_نعم.
عبست إيلاف وهي ترمقها في لوم فسارعت تهتف بنبرة دفاعية وهي تشير إلى ياسر الذي ينظر لها في ابتسامة ممتنة:
_لقد أسقط لؤي أرضًا ثم ادعى هو وهاني أن ياسر من فعل ليتلقى العقاب بدلًا منه، يستحق أن يتوجع قليلًا.
ثم التفتت إلى ياسر لتتابع في قوة لا تليق بطفلة في السابعة:
_خذ حقك ولا تدع لهما الفرصة لإيذاءك ولا تكتفي بالبكاء كالحمقى!
أومأ رأسه لها متظاهرًا بعدم الاكتراث فيما عادت هي إلى الشجرة كي تلعب بالفعل هذه المرة، لحقتها إيلاف بينما تراجعت لين إلى الخلف في انتظار أن يدعوها ياسر لمشاركتها أي نشاط..
فهو الوحيد بهذا البيت الذي لا يورثها إحساسًا بأنها.. ضيفة!
عودة إلى الوقت الحالي:
"إذن عُدت كالحمقى !"
بهذه العبارة صدح صوتها الساخر فاستدار ليبتسم لها رغم محاولته إظهار الضيق، لكنها تمادت لتقول وهي تترك مقعدها الذي يقع ببقعة مظلمة في الحديقة لتتجه إليه تتلاعب بطرف حجابها:
_الأحمق وحده هو من يخرج من هذا البيت ليعود إليه ملء إرادته، لم تستطع التمسك بموقفك أكثر من هذا، أليس كذلك؟!
ترك حقيبته أرضًا ليرد في غيظ:
_لسنا جميعنا متمردين غلاظ القلوب مثلكِ يا آنسة غفران!
تعلقت عيناها بالحقيبة الضخمة ثم قالت في تهكم:
_يبدو أنها إقامة دائمة!
مط شفتيه ليرد مازحًا:
_ستتقافزين فرحًا بالطبع!
_أستطيع تحملك أكثر من الآخرين بكل تأكيد!
وتعليقها الذي يفتقر إلى اللياقة لم يُدهشه، بل هو مدرك تمامًا أنها سعيدة بعودته بصدق، لطالما كان من القلائل الذين تتخلى عن بوتقتها من أجل مشاركتهم أي نشاط يدل على أنها لا زالت حاضرة!
رغمًا عنها ابتسمت في صفاء وهي تتخطاه في تؤدة متمتمة بهمس سمعه:
_مرحبًا بك سجينًا آخر بالزنزانة الضخمة!
كاد يثير استفزازها برد لاذع كما اعتاد أن يشاكسها، لولا ذلك الضوء الذي نبهه إلى أن هناك زائرًا قادمًا..
على عتبة البيت استدارت غفران في فضول تستطلع الضيف القادم، فإذا هي.. ضيفة!
بخطوات مهرولة اتجه ياسر إلى سيارة الأجرة التي هبطت منها لين تحمل طفلها النائم وتتعارك مع حزام حقيبتها الذي علق بخاصة طفلها، لولا أن جاءها الإنقاذ من ابن عمتها فسأل السائق عن أجرته لينقده إياها..
"حمدًا لله على سلامتك يا ياسر!"
بادرته في ابتسامة مرتجفة فور أن رحلت السيارة، فسألها دَهِشًا:
_هل أنتِ بمفردكِ؟
أومأت برأسها إيجابًا فسألها مُجددًا:
_وأين زوجكِ؟
حانت منها نظرة تجاه غفران التي لم تتحرك من مكانها فيما حافظت على نظراتها المُترقبة تجاههما، ترددت قليلًا وهي تعي أن لا تغيير وقع.. أو سيقع؛
ها هي قد اضطرت بآخر الأمر للعودة إلى ما هربت منه تحت جناح رجل لم يمنحها من الظل أقله.. أو من الأمان أدناه؛
ها هي ستحوز الكثير من الاهتمام الذي تحبه وتكرهه.. تحتاجه وتعافه؛
تتجرعه في لهفة لينتشر كالسم في أعماقها!
والإجابة التي لم تنطق بها بعد بينما ياسر ينتظر قرأتها غفران في بساطة؛
في ذهول، وفي.. رفض!
_سأحصل على الطلاق.
باستياء أخذ عمرو يكرر اتصاله وهو يسير ذهابًا وإيابًا في غرفته بينما يضع هاتفه على أذنه مُستمعًا في غيظ إلى الرنين الرتيب على الطرف الآخر..
_ماذا هناك يا عمرو؟ لماذا تـ..
_لقد عاد ابن خالتك إلى البيت.
قالها ما إن أجابه، فسكت هاني لوهلة قبل أن يسأله في قلق:
_أنت تمزح بالطبع، من أعاده؟
تأفف عمرو ليقول في استهجان:
_ومن سيفعلها برأيك؟
عض هاني على شفته السُفلى في حنق ليركل المنضدة القريبة مُفرغًا وقع المفاجأة.. غير السارَّة للأسف، فتابع عمرو دون انتظار:
_الآن ستجده إيلاف معها طيلة الوقت، وجدك بالطبع في صفه، ربما خلال بضعة أشهر ستستطيع نسيانك تمامًا لتتزوج به!
اندفع هاني يهب من حيث كان يجلس بشقته يتصفح أحد مواقع التواصل الاجتماعي في كسل، ليهتف بنزق:
_ماذا أفعل؟ أنت رأيت بنفسك..
في هدوء، بلا أدنى قدر من الغضب قاطعه شقيقه الذي يصغره بعام واحد:
_لا أهتم البتة بما رأيت يا هاني، أنت ستفعل كل ما بوسعك حتى تسبقه، هذه المرة ليست كسابقتها، هذه المرة المُنافسة حامية وخالك ليس حاضرًا لتعتمد عليه.
وسكت هنيهة ثم أضاف في نبرة خافتة لطالما قامت بحمايته من ملاحظة الجميع حقيقة انفعالاته الداخلية:
_هذه المرة هي تحتمي خلف ظهر العجوز وأنا لا آمن مكره!
تنهيدة طويلة حائرة وصلته من شقيقه الذي عاد يجلس وسأله في ضياع:
_ماذا أفعل؟
لم يأت رد من عمرو لعدة ثوان متصلة فصاح هاني في توتر:
_لماذا لا تُجيب؟
ومُجددًا لم يسمع إجابة فحدق في الهاتف باستطلاع ليجد أن المكالمة لم تنقطع..
إنما الطرف الآخر بنفسه!
فصل عمرو نفسه تمامًا عن شقيقه ولم يأبه لصوت الارتباك الذي اعتراه، بل قام بتشغيل المُكبر ثم سار بخطوات مُتمهلة تجاه مُشغل الصوت ليعبث بجهاز التحكم عن بُعد في تركيز، وما لبثت أن تعالت موسيقي هادئة بأنحاء الغرفة ليعود هو إلى معقده، أراح ظهره وأغمض عينيه شابكًا أصابع يديه خلف رأسه مُستمتعًا بانسياب النغمات إلى عقله، ثم في رد متأخر بعض الشيء تمتم بخفوت:
_أُفكر.
عقد هاني حاجبيه مُترقبًا بينما لم يعد يستطيع الانتظار من فيض القلق، إلى أن جاءه صوت زفير شقيقه والذي سبق استطراده الهادئ المتأني كقائد جوقة لِتوه أنهى استعداده ليواجه جماعته مُتأهبًا لإبهار الحضور خلفه:
_آآآه إيلاف.. إيلاف لا يزال التحكم بها سهلًا، لكنك ستبذل المزيد من الجهد هذه المرة، وينبغي أن تبتعد تمامًا عن طريق جدها لأنه سيفعل أقصى ما بوسعه كي يمنحها لياسر، فاستمع إليّ جيدًا وستجدها زوجتك قبل أن تستوعب!
أرهف هاني السمع إلى عمرو الذي لم تخب نصائحه يومًا..
بل لم يفشل هاني إلا حينما تصرف من تلقاء نفسه!
ثم بدأت المعزوفة بفرض قوتها على الآذان، فأضاف مُترنمًا بثقة من وصلت إليه همسات تُثني على أدائه من أرفع متذوقي الفنون:
_فتاة مثلها، بحاجتها الدائمة للاهتمام، بوعيها بإهمال الجميع لها، بشعورها بأنها الأقل بين الكل ستنبهر ما إن تؤكد لها أنك بها مُتيمًا، لها عاشقًا، وعلى فعلتك الشنيعة معها نادمًا.
في طاعة أومأ هاني برأسه دون تعليق، فزاده عمرو بنبرة الـ"مايسترو" الذي وصل بالسيمفونية إلى الذروة فاحتبست أنفاس المستمعين:
_إذن.. بضع باقات من الورود ترسلها إليها بالمصنع تحت مرأى ياسر، رسالة يومية تعبر بها عن أسفك واشتياقك واكتشافك أنك قد بعت الغالي بالبخس، وبأن قلبك يعاني منذ انفصلتما، ربما بعض الهدايا المصنوعة خصيصًا باسمها أيضًا ستشفع لك عندها.
قام هاني بتشغيل مكبر الصوت حتى يستطيع تدوين ما قال عمرو دون أن يفقد ملحوظة واحدة، وتابع ذلك الأخير وهو لا يزال يغمض عينيه بينما يفرك جبهته بسبابته وإبهامه في انتشاء تام بالهمهمات الصادرة خلفه جراء اللحن الخاطف الذي استعبد العقول:
_الفتيات مثلها تحب ذلك الهراء، ابن خالتك لا يفهم بتلك الأمور على الإطلاق وهذه نقطة لصالحك، إن كنت حذرًا وتوقفت عن التهور قليلًا ستقتنع هي بإصرارك ولن تستغرق وقتًا طويلًا حتى تمنحك فرصة ثانية.
في لهفة راجع هاني بعينيه ما أملاه شقيقه، والذي سأله في اختبار:
_وماذا ستفعل أنت حينئذ؟
بنهم، وبحماس، وعن ثقة أجابه هاني:
_لن أُفلتها.
أومأ عمرو برأسه في استحسان بينما صور النقاد قبل الجماهير تقف احترامًا لعذب ألحانه في مُخيلته..
ثم فتح عينيه فجأة ضامًّا كفيه معًا ليكرر في خفوت مؤديًا بنفسه.. لنفسه تصفيق الختام:
_لن تُفلتها.
بعد أيام
خرج نضال من غرفة مكتب المدير والابتسامة على وجهه طاغية، كان يسير في الممر المؤدي إلى المصعد وهو يتلقى التهنئات من زملائه بعد انتشار خبر حصوله على الترقية بينهم جميعًا، وفي ذهنه يفكر _حامدًا ربه_ بقُرب حدوث انفراجة في مُعدَّل إنفاق أسرته.
ربما بنهاية الأسبوع سيقوم بدعوة والدته وشقيقه لتناول طعام الغداء بأحد المطاعم الفاخرة، ثم سيبتاع لكل منهما هدية قيمة.
ارتفع رنين هاتفه في اللحظة ذاتها حين كاد يستوقف فيها الحافلة حتى يعود إلى البيت بعد أن قام بتأجيل خطوة إصلاح سيارته البسيطة، وعندما تطلع إلى الاسم دق القلق بابه خوفًا..
"كيف حالك لؤي؟"
بادره متوجسًا فسارع يُطمئنه قبل أن يسكت بلا داعِ، لكن نضال استشعر أن هناك ما يتردد في قوله فاستحثه بذعر:
_هل حدث شيء ما لمهند؟
_لا يا نضال، لا تقلق! هو بخير تمامًا، لكنني أردت أن أخبرك بشيء هام.
والتلكؤ الذي تخلل عبارته زاد في قلق نضال الذي قال بنفاد صبر:
_تكلم!
تنهيدة طويلة وصلت إلى سمعه قبل أن يقول لؤي:
_لا أعلم إن كان ما أفعله صائبًا أم لا، ولقد تراجعت أكثر من مرة لكنني أخاف أن أندم إن خرج الأمر عن السيطرة، سأخبرك لكن عِدني ألا تنفلت سيطرتك!
تحفزت خلاياه بينما يسلم أذنه إليه في صمت.. وغضب!
...
كاد مهند أن يُنهي طعامه بعدما ساد الصمت بين ثلاثتهم فلم يحاول شقيقه جره إلى حديث يُملي به أوامره عليه كعادته، بل كان شاردًا واجمًا، ولِمرة أو اثنتين شعر هوأنه يُحدق به بتدقيق ثم يتظاهر وكأنه لا يفعل.
وقفت والدته بعدما أنهت طعامها فهبَّ نضال لمساعدتها حتى غسلت يديها وعادت إلى غرفتها، وعندما هَمَّ مهند بالذهاب إلى غرفته أيضًا عاد شقيقه بوجهه الجاد، بلحيته القصيرة المُشذبة دومًا، بأنفه الحاد، ونظرته الصارمة طوال الوقت.
_هل ستنام الآن؟
ألقى السؤال الغريب على مهند فنظر له الأخير بتساؤل وهو يومئ برأسه إيجابًا، ابتسم نضال مُجبَرًا وهو يجمع الصحون قائلًا:
_لقد تمت تريقتي إلى منصب مدير مبيعات، وسوف يزيد راتبي بدايًة من الشهر القادم بإذن الله.
_مبارك.
قالها مهند في اقتضاب فتابع نضال بحماس:
_سوف أبتاع لك هدية، أخبرني ماذا تريد؟
أولاه مهند ظهره وهو يتجه إلى الحَمَّام مُغمغمًا في تهكم بصوت واضح:
_ولماذا هذا الكرم المُفاجئ؟!
على باب الحَمَّام الذي لم يُغلقه مهند توقف نضال وكأنه تلقى لطمة، اتسعت عيناه في دهشة وهو يعي كيف يفكر شقيقه تجاهه ليقول بلا تصديق:
_وهل بخلت عليك من قبل؟
جفف مهند يديه واكتفى بالصمت ردًا أنبأ شقيقه بحقيقة صورته؛
أصدق الأقوال هو ما انطلق بلا تخطيط؛
وهو الآن يُدرك أن أخاه لا يُقدر الجُهد الذي يبذله في سبيل إشباع احتياجاته المادية مع والدتهما، ويرى تأجيله لبعض الرفاهيات ليس إلا بُخلًا!
لكن.. ليتجاهل الآن هذا الشعور بالحسرة ولينتقل إلى الأهم الذي يثير قلقه منذ الصباح..
_لقد علمت شيئًا وأرغب بالتأكد من صحته.
رمقه مهند بلا اكتراث فتابع بنظرات ثابتة وسؤال واضح:
_هل تتحصل على الأموال عن طريق اللعب مع أصدقائك؟
وكأن اللطمة حَلَّت الآن على وجه مهند؛
فالعبارة التي خرجت في هيئة استفهامية كانت تحمل اتهامًا صريحًا؛
اتهام لا يجد مهند ما يُنكره به والدليل ساطع على ملامحه المذهولة، الخائفة، المُذنِبة!
لكنه ارتأى المماطلة حتى يعثر ذهنه الغبي عن طريقة تنقذه من هذا الاستجواب المُفاجئ!
_ماذا.. تعني؟
سأله بتردد بينما هو عن عينيه يبتعد بإصرار، نفس الإصرار الذي شدد به نضال على كلماته وهو يصمم على مواجهته:
_أعني.. هل تمارسون الألعاب الإلكترونية بشرط أن يحوز الفائز الأموال من الخاسرين؟
تفصد جبيه بالعرق، ونازعته رغبة في الصراخ إيجابًا قبل أن يختم بعبارة على غرار:
"وما شأنك أنت؟"
أو..
"أنت لست وصيًا على أفعالي!"
أو..
"لا تبدأ بالتحدث عن الحلال والحرام فأنا لست طفلًا!"
لكنه تراجع عما يرغب، واختار أقصر الطرق..
_لا.. بالطبع لا.
يكذب، ونضال يعلم أنه يكذب؛
لكنه يأمل بأنه لا يفعل!
لِذا أخفض نضال رأسه وهو يفسح له مجالًا كي يمر قائلًا بكلمات بها من التحذير ما يفوق النُصح:
_جيد، أنت تعلم أن شيء مثل ذلك هو مقامرة صريحة، وأنت لن تقبل بارتكاب هكذا ذنب.
وبتسارع أومأ مهند، غير مُصدق أن شقيقه قد اشترى كذبته دون تشكك، ليسأله بارتباك:
_بالطبع أعلم، لكن.. من أخبرك بهذا؟
حدَّق نضال بعينيه في حسرة لم يلحظها، ثم قال بهدوء:
_إنه شخص ما أراد الوقيعة بيننا وهز ثقتي بك، لكنني قلت له أنك من المُحال أن تفعل ذلك.
ولا يزال شحوب وجه مهند يؤلِمه؛
يؤكد له أنه إلى الآن لم يستطع كسب ثقته؛
إلى الآن لا يقدر على ممارسة دوره كراعي للأسرة التي فقدت عائلها منذ سنوات ليتولى هو المسؤولية..
كان يظن أن الأعباء المادية هي ما ستكون أصعب مهامه، لكنه اكتشف أن تربية شقيقه هي ما ستُثقِل كاهله لفترة طويلة، وإلى هذه اللحظة لا يجد الأسلوب الصحيح الذي يجتذبه إليه عن طريقه.
لكنه زفر باستسلام وهو يقول في رفق:
_سوف يزداد مصروفك بدءً من الشهر القادم، وإذا كنت في حاجة لأي شيء اطلبه مني بلا تردد!
والسعادة التي نبتت بعيني أخيه لم يستطع مشاركته إياها، فالخوف من معاصي بدأت تحل على بيته انتزع منه كل رغبة في الراحة، أو قدرة على الفرح.
وما إن عاد إلى غرفته حتى تناول هاتفه، وبعد التحيات تحدث قائلًا:
_كنت على حق، لا تقلق فأنا لم أذكر اسمك ولم أتشاجر معه! قال أنه لا يفعل وادعيت أنني أصدقه، أريدك أن تخبرني إن فعلها مرة أخرى حتى أتدخل يا لؤي.
هَمَّ حازم بتناول ما تبقى من طعامه قبل أن يفسد بفعل الحرارة الشديدة داخل العنبر، وقبل أن يفعل أزاح ناهل يده قائلًا:
_لا تُعبئ معدتك خشية أن يفسد وأنت لا تتحمل رائحته! لديّ ما هو أكثر شهية.
وقدَّم له صحنًا من الورق المقوى مملوءًا بما لذ وطاب مما نسيه منذ أن أُلقي بالسجن، فاختطفه منه هاتفًا بحبور:
_يا إلهي! لقد نسيت كم تأتي الزيارة المعتادة لك بثمارها الوفيرة عليّ أنا.
أخذ يلتهم الطعام ثم توقف وهو ينظر له مازحًا:
_لِمَ لا تأكل معي؟ أهناك مكيدة؟!
هز رأسه نفيًا وهو يراقبه يواصل الطعام وتمتم:
_لست جائعًا.
أخذ حازم يلوك ما في فمه باستمتاع ثم قال بحنين:
_سُلمت يداها، إن طعامها يمتلك المذاق ذاته لطعام والدتي رحمها الله.
لم يُعلق ناهل فأمعن به النظر لقليل ثم تساءل بتعجب:
_لماذا هذا الشرود؟ لقد اقترب موعد تحررك يا رجل، ألا تُظهر بعض السرور؟!
وعندما مط ناهل شفتيه بلا رد لكزه في ذراعه هامسًا بمكر:
_إذن.. شجار زوجي، أليس كذلك؟!
ولدهشته قهقه ناهل ضاحكًا دون تعليق، فعاد حازم إلى الصحن مرة أخرى وهو يتمتم تلقائيًا بصوت مسموع:
_لقد اعتقدت أن فارق العمر بينكما يجعل حياتكما لا تُطاق، حتى وإن كانت ثرية بعض الشيء، ثمة مرحلة لا يطيق الرجل منا...
وبتر عبارته حينما أدرك أنه استرسل إلى حد غير مسموح، فرفع عينيه إلى ناهل ليجده يتطلع إليه ذاهلًا والغضب يتراقص على وجهه وهو يهتف به:
_ما الذي تهذي به؟!
وضع حازم الصحن على الأرض لِيُغمغم:
_أعتذر يا ناهل.
ارتفع صدر ناهل وهبط في تنفس غاضب كادت حرارته أن تلفح وجه حازم الذي واصل بندم:
_سامحني! لقد.. لقد سمعت بعضهم ممن رأى زوجتك أثناء الزيارة، قالوا أنها تكبرك عمرًا بالكثير وأنك حتمًا تزوجتها من أجل أموالها و..
ثم بتر عبارته مستدركًا بسرعة وهو يلاحظ الاستنكار الذي يتضاعف على تعبيراته:
_لكنني وبختهم وأخبرتهم أنني موقن بأنك لست على تلك الشاكلة.
ولما لم يحصل على إجابة سوى الصمت استطرد مُعتذرًا:
_أعتذر مُجددًا يا ناهل، لن أتدخل فيما يخصك ثانية.
لكن ناهل حدَّق بعينيه قائلًا بصرامة:
_ليست زوجتي! كما أنني دخلت السجن دفاعًا عن الحق الذي سُلِب من والدتي _رحمها الله_، ثق بأنني لن أطمع فيما يمتلكه غيري! وبالتأكيد لن أتزوج من امرأة رغبًة بأموالها.
أومأ حازم برأسه في تتابع سريع، ثم تساءل باهتمام قاصدًا تشتيت غضبه:
_ماذا تقصد بأنك دخلت السجن دفاعًا عن حق والدتك؟
وعادت السخرية إلى ملامحه مرة أخرى، لكنها اصطحبت بعض الألم..
ألم نزف من كلمات لم تستطع الاختباء خلف صورة اللا مُبالاة أكثر:
_القصة المعتادة، الزوج يسافر منذ أنهى دراسته المتوسطة ولم يتحمل الاستقرار حتى بعد زواجه، فور مولدي اكتفى بأن أسماني تيمنًا بأحد أصدقائه بالدولة التي يعمل بها وإلى ذلك الحد انتهت علاقته بي! فمنذ بدأت أتكلم وأعي وأسأل علمت أنه لا يرغب بالعودة، ولا يوافق على اصطحابنا، والزوجة باعت كل ما كانت تملك من ميراث كي تساعده في السفر، فكانت مكافأتها أن تصلها أخبار زيجاته مرارًا وتكرارًا طوال سنوات.
زم حازم شفتيه ولم يتحدث فواصل ناهل مُتهكمًا:
_لكنه كان حريصًا بشدة، ولولا مشيئة الله لكان لي إخوة بعدد يفوق أصابعي الآن!
وبدا أنه سيعود إلى عزلته الآن فعاجله حازم:
_ووالدتك، كيف كان رد فعلها؟
هز ناهل كتفيه ثم قال بهدوء:
_لم تفعل شيئًا، مع الزواج الأول والثاني طالبت بالطلاق فقام أهلها بردها لأنها في الأصل تزوجت دون إرادتهم، وبدءً من الثالث أشفقت عليّ وتحملت من أجلي، وعلى عكس الكبت الذي يولد الانفجار فكان خاصتها معقلًا للمرارة والعذاب الدفين، لمَّا اشتدت وطأة الأمر عليها اقتحمتها بضعة أمراض في وقت واحد، ثم عافت نفسها العلاج حتى باتت وكأنها تشتاق للموت اشتياقًا.
عبس حازم ولم ينتبه لعلامات الامتعاض التي ارتسمت على وجهه، بينما أردف ناهل بحقد:
_ولم يرحمها، توقف وقد شعر بالسأم من تنقله من امرأة لأخرى فعاد باحثًا عن الاستقرار متوقعًا زوجته وابنه في استقباله بين أحضانهما، لكنه اكتشف أن الزوجة لم تعُد تقدر على خدمة نفسها، بالإضافة إلى كراهيتها إياه، أما الابن فكان يبتعد عنه كما يتهرب السليم من بيئة غارقة بالطاعون.
والحقد تجلَّى أكثر فأكثر وهو يواصل من بين أسنانه شاردًا في البعيد:
_لم يحاول الإصلاح، لم يحاول طلب السماح، لأنه لم يظن نفسه مُخطئًا، بل قرر منح نفسه فرصة أخرى لتجديد شبابه، وتزوج من فتاة تصغره بعشرين عامًا!
ارتفع حاجبا حازم بدهشة، فنظر له ناهل متابعًا بابتسامة كارهة:
_نسيت أن أذكر أنه عاد خالي الوفاض بعد أن أنفق كل ما كسب على زيجاته، فلم يستطع شراء مسكن آخر للعروس، لِذا قرر أن نعيش أربعتنا بنفس الشقة كأسرة صغيرة سعيدة.
ورحلت السخرية كلها خاسرة ليبقى الألم وحده مستعمرًا تحت سطوة غضب يؤذي الأعين وهو يقول:
_تحملت أمي غيابه عنا لسنوات، تحملت خياناته، تحملت استيلائه على ميراثها بالخداع، لكنها لم تتحمل مشاركة المرأة الجديدة بيتها، بيتها وحسْب، فهي قد لفظت زوجها ولم تعد لها حاجة به منذ أمد.
وبعينين تلمعان بالقهر استطرد:
_وبعد أسبوعين فقط من زواجه رحلت عن الظلم والخيانة والغدر، ولم يُظهر هو أية علامة للحزن، وكيف سيحزن؟! هو لم يُعاشرها إلا عام وبضعة أشهر فحَسْب!
وطال الصمت عقب عبارته، وهو يستعيد هيئتها الأخيرة، ضعيفة، هزيلة، تفيض بالمرارة وهو إلى جوارها يُقبل كفها معتذرًا عن ذنب ارتكبه غيره، نادمًا على مظلمة لا يستطيع أن يعدها بمعاقبة من أوقعوها عليها، حتى لفظت آخر أنفاسها على صدره.
_ألهذا ضربت زوجة والدك؟!
كاد يشكر حازم لانتزاعه إياه من أكثر ذكرياته إيلامًا، لكنه عندما انتبه إلى السؤال تملك الحقد منه ثانية وهو يقول:
_لقد ماتت والدتي منذ ثمانية أعوام يا حازم، تمنيت حينها لو أزهقت أنفاس تلك الدخيلة، لكن لماذا أُلقي عليها اللوم وحدها بينما الشريك الأكبر لا يشعر بأي ندم؟!
ثم واصل بشرود:
_تلك المرأة لطالما أرادت التخلص مني، ولطالما وددت لو قتلتها، لكنني اضطررت للصمت، تظاهرت بأنني أعيش ضيفًا بينهما حفاظًا على المحل والشقة وهما ما تبقى من حق والدتي.
والتفت إليه ثانية مُستدركًا بلا اكتراث:
_لم أخبرك أنه حين تزوج من والدتي كانت تمتلك محلًا يستخدمه المارَّة كمقلب للقمامة، مهجورًا، عَطِن الرائحة ومرتعًا للحيوانات الضالَّة، حتى بدأت هي بإعداد العصائر وبيعها به إلى أن عادت الحياة إليه في غضون أسابيع فصار أشهر محل للمرطبات بمنطقة حيوية مزدحمة على مدار الساعة، لم نكن نجد الوقت للراحة من طلبات الزبائن.
والتقمه الحقد ثانية وهو يضيف:
_لكنه عاد بعدما لم يستطع تجديد إقامته ذات مرة وقرر الاستقرار ليطلب منها أن تبيعه إياه لأنه لا يستطيع النظر إلى نفسه باحترام وهو يعمل بأملاك زوجته، فأطاعته!
ثم أردف في غضب مكتوم:
_ وجاءته فرصة أخرى فسافر مُجددًا بعد أن أخذ منها ما تبقى من ميراثها، فكان جزاؤها أن أنفقه على زيجات المتعة التي أدمنها!
وبفيض من إصرار أردف:
_لِذا أنت تفهم أن من واجبي الحفاظ على ذلك المحل قبل أن تسرقه زوجته.
وسكت قليلًا ثم أضاف بثبات:
_سأدافع عن حقي وحق والدتي به، ربما استطاعت الخبيثة أن تُبعدني عن مراقبتها بعض الوقت، لكن ما إن أخرج سأجعلها تفقد الأمل به نهائيًا.
ورغم الإشفاق الذي نال منه تجاهه فهتف حازم به في استنكار:
_ولماذا اعتديت عليها مع علمك بأنها ستستغل الفرصة للتخلص منك؟!
تأفف ناهل وهو يُجيبه بحرج:
_لقد.. لقد نشب شجار بيني وبينها، فقدت التحكم في غضبي للحظة فدفعتها كي تبتعد عن طريقي فسقطت أرضًا وبدأت بالصراخ وجمع الناس رغم أنني لم أُصبها بأي أذى، لم أقضِ تلك الليلة بالشقة وباليوم التالي تم إلقاء القبض عليّ بينما هي تقف باكية وتنزف من أماكن عدة حاملة تقرير طبي يُثبت أنني ضربتها كقاطع طريق.
عند هذه النقطة كان ذهول حازم قد بلغ أقصاه، فهتف دون انتظار:
_ووالدك أين هو؟ وكيف لم يجبرها على التنازل عن المحضر؟
أسند ناهل رأسه على الحائط وردَّ بتمهل يواري حسرةً:
_والدي طريح الفراش منذ مدة كما كانت والدتي قبل وفاتها، والأفعى الرقطاء هي من تتحكم بكل شيء، لِذا في سبيل ضمان خدمتها إياه يستطيع التضحية بأي شيء.. حتى ابنه!
والسؤال الذي يتغلغل بذهن حازم ألقاه إلى لسانه على الفور:
_وعلام تنوي؟ عندما تنال حريتك ماذا ستفعل؟
هبط ناهل بعينيه عن السقف لينظر إلى حازم مبتسمًا..
ابتسامة حملت وعيدًا صارمًا، ووعدًا سيتم الإيفاء به.. مهما كان الثمن!
**
"ولماذا لا تصحبني معك يا ياسر؟"
صاح لؤي بابن عمته الذي وقف بغرفة جدهما يستمع لتعليمات ذلك الأخير ويتأهب للخروج، فَرمقه بلا اكتراث بينما يتقافز غضبًا منذ عدة دقائق، فيما كان الحاج فؤاد يراقب ما يحدث صامتًا، مُكتفيًا بين الحين والآخر بإلقاء نظرة على حفيدته التي تُحدق بهم جميعًا في خوف ممتزج بالأسف..
_وهل أنا في طريقي لمُعسكر تخييم؟! الأمر لن يستغرق ساعة أو أقل وسننتهي.
والهدوء الذي تحدث به ياسر أشعل غضب لؤي أكثر وهو يندفع تجاه الباب صائحًا:
_لكنها أختي التي تركها ذلك الحقير لتعود بمفردها ليلًا ولم يحاول التواصل معنا منذ ما يزيد عن الأسبوع، أتنتظر مني أن أبقى ساكنًا؟!
سارع ياسر باللحاق به قبل أن يخرج هاتفًا بصرامة:
_يا بني سوف أتحدث معه وسيندم أشد الندم الآن على أسلوب حياته الغريب.
والشياطين ظلت تتقافز على وجه لؤي فتابع ياسر بنبرة أكثر هدوءً:
_لا نرغب بأن يتسبب تهورك هذا في تعقيد الأمور أكثر، ربما إن تشاجرت أنت معه يتملكه العناد ويرفض الإصلاح أو الطلاق دون مماطلة، ونحن لا نرغب بوقوع مشكلات من أجل يزن.
بالتدريج خضع غضب لؤي مع إدراكه أن ياسر على حق، فعندما لجأت لين إليهم وطلبت مساندتهم في الطلاق عارضها الجميع حتى باحت بالسبب..
السبب الذي جن جنون جده عندما علم به وكاد أن يذهب إلى زوجها الجبان بنفسه لأجل تأديبه، لولا أن سارع ياسر بالتطوع!
فالحاج فؤاد الذي يقدس التقاليد لا يستوعب فكرة أن يستضيف الرجل أصدقاؤه في بيته طيلة الوقت مُتغاضيًا عن احتمالية تجاوز أحدهم الحدود مع زوجته!
ربما لم تذكر لين أن أحدهم قد فعل، لكنه لن ينتظر حتى يحدث!
لِذا سرعان ما تحولت الأقوال المنادية إياها بالتريث وتحمل أي نقيصة من أجل طفلها إلى داعية بضرورة التخلص من رجل لا يستحق صفته، ولا اسمه..!
فلا هو برجل يطمئن بوجوده أفراد أسرته؛
ولا هو بالركيزة التي توفر أي نوع من أنواع الأمان!
_أتعتقد أنه سيوافق على التنفيذ في سهولة؟
سأله لؤي مُرتابًا، مُتوجسًا، وأجاب الجد دون تردد:
_سيوافق، سيوافق كي لا أسحبه إلى أروقة المحاكم، حتى وإن كان يفتقد الرجولة لن يحب أن يعلم الجميع بهذا!
على مضض أومأ لؤي برأسه، لكنه ما لبث أن ردد مُتخوفًا حينما لاحظ أمارات التفكير على ملامح ياسر:
_ماذا إذن؟
_لست آبه به، هو مجرد خرقة بالية لا أكثر وبالرغم من ذلك فسوف نسترجع حقوقها جميعها منه دون إغفال أبسطها، لكن ما يثير القلق بي لأقصى درجة احتمالية أن يُهددنا بيزن.
_أنا لن أسمح لأحد بأن يأخذ طفلي مني يا جدي.
تحدثت لين، تحدثت أخيرًا بعدما استمعت في احترام إلى النقاش الغاضب الدائر من جهة ياسر ولؤي، والهادئ من جهة جدها.. وهو ما أخافها..
لِوهلة طرأت فكرة مُفزعة على عقلها.. ماذا لو قرر جدها أن يُعاقب زوجها عن طريق ترك يزن له؟!
ماذا لو أراد لها أن تبدأ حياتها مُجددًا، دون طفلها؟!
ستموت.. ستموت قبل أن تسمح لأحدهم بأن ينزعه من بين أحضانها!
لكنها ما لبثت أن استعاذت من وسوسة نالت من محاولتها الحثيثة للاتزان، وبداخلها نبت يقين بأن جدها لن يقسو عليها أو على طفلها حتى وإن أراد الانتقام لكرامتها!
ربما عليها أن تُثني على نفسها لأنها لم تُخبرهم بقصة الصديق الغادر كاملة، واكتفت بأن أبدت عدم قدرتها على التأقلم مع مشاركة صديقيه حياتها، وقد راهنت على تمسك جدها الشديد بعاداته الريفية الأصيلة، وهو ما يُهدد كفة سلوك زوجها ويُحيله كجريمة نكراء إلى محكمة يرأسها الحاج فؤاد الكردي وحده!
انتفض لؤي إلى الباب وقد عاد غضبه إليه دفعة واحدة صائحًا بهياج:
_لنذهب إليه إذن ونحذره من محاولة ابتزازنا بيزن!
ضرب ياسر كفًا بكف وهو يصيح به بدوره:
_لقد فُتِحَت شهيتك على أدوار رؤساء العصابات، أليس كذلك؟! ترغب بالشجار والضرب وإسالة الدماء لأيٍ كان!
فما كان من لؤي إلا أن صرخ:
_لقد أرغم أختي على القبول بذلك الوضع الشاذ لعامين! أتفهم معنى أن يتخذ رجلان غريبان من بيتها مرتعًا دائمًا؟!
_وسنتخلص منه يا لؤي، لكن دون إثارة المزيد من التعقيدات، لسنا نعيش بالغابة، سنتبع الأساليب المُتحضرة كأناس على خُلُق وتربية،يجب أن نتريث من أجل لين ويزن، انظر إليها!
التفت لؤي إلى أخته الكبرى، الحنونة، الناعمة، والتي دومًا ما كللها الخجل!
ليس خجلًا طبيعيًا، لكنه نابع من إحساسها الدائم بأنها تُكلفهم الكثير.. وكأنها ليست منهم!
زفر لؤي في استياء ثم أطرق برأسه على مضض في استسلام مُدركًا أن ابن عمته مُحق، ومؤجلًا فكرة القصاص حتى تتحرر أخته من زوجها.
...
"ياسر!"
استدار وهو يفتح باب سيارته إلى لين التي كانت تهرع خلفه، وقبل أن يسألها قالت في رجاء:
_لا أريد العودة إليه، أرجوك لا تحاول إعادتي إليه!
نظر لها في دهشة ثم سألها مُتشككًا:
_أهناك شيئًا آخر لم تخبرينا عنه يا لين؟
كادت تجيبه بكل صراحة بما صدر عن أسامة، ثم بما كان من عماد من رد، لكنها أيقنت أن الأمر حينها لن يمر مرور الكرام وسيندفع جدها نفسه مع شقيقها بالانتقام لها..
ربما حينئذ ستنال تعاطفًا أكبر، وحنانًا أكثر، وبالتالي كراهيةً من البعض!
وهكذا هزت رأسها نفيًا لتقول في خفوت:
_لا.. لقد.. لقد أهانني وحسب.
احتدت نظرة ياسر وهتف في غضب:
_كيف فعل؟
تراجعت إلى الخلف وأطرقت برأسها لترد في حرج:
_اعذرني يا ياسر!
ثم تابعت في توسل:
_اطلب منه أن يلتقي بكم حتى نرتب أمر الطلاق وحسب دون المساس بيزن! لا تتشاجر معه!
زفر في تعب وهو يرغم نفسه على رسم ابتسامة مُطمئنة، ليستقل سيارته مُغمغمًا في رفق:
_متى تشاجرت مع أحد يا لين؟! لقتلتني عمتكِ قبل أن أفكر بالأمر ، كما أنني لن أستطيع حتى إن أردت أن أفعل، أعهدتني بلطجيًا؟!
**
أغلق باب الشقة بالمفتاح ثم فتحه مجددًا على سبيل تجربة القفل الجديد الذي قام العامل بتركيبه للتو، تأكد من جودته ليوصد الباب جيدًا ويعود إلى الداخل بابتسامة منتشية.
لقد صار مُرهقًا إلى حد كبير، فبعد مواجهتهما الأخيرة منذ عشرة أيام استيقظ ليجدها قد نفذت تهديدها واصطحبت ابنهما إلى بيت أهلها مُصممة على الطلاق، وبالرغم من عدم نيته في تنفيذ مطلبها فإنه سيعاقبها على فِعلتها بكل إصرار.
لكن ما أنهكه حقًا كان الشجار الذي نشب بينه وبين أسامة للمرة الأولى، فبعد أن ذهب إليه في بيته مُلقيًا عليه اتهامات زوجته ومتوقعًا إنكارًا وجد الإثبات لديه مُرحبًا!
فأسامة لم ينفِ أنه حاول التقرب منها، لكن لسبب مُخالِف لِما ادعت هي؛
قال أنه استلم منها إشارات إعجاب لا شك بها، وأنه شعر بالغضب من أجل صديقه لِذا تظاهر بمسايرتها حتى ترتدع!
وصدقه عماد.. بل أيقن أن زوجته الخرقاء اختلقت هذه التمثيلية حتى يقع صديقه في الفخ لِيقطع هو علاقته به.. فوقعت هي!
صحيح أنه وبخ أسامة بشدة، لكن غضبه منها هي كان أشد؛
ولهذا السبب سيُلقنها درسًا لن تنساه، وستفهم رغمًا عنها أن وجود صديقيه بحياته لا نقاش به، بل _عندما يسمح لها بالعودة إلى بيتهما أخيرًا_ ستستقبلهما بحفاوة!
لكن قبل أن يحدث ذلك يجب أن تجرب شعور الإهمال بعض الشيء، وإنه _بدءً مِن الآن_ يتصور ردة فعلها عندما تدرك حماقتها وتندم فتعود لتكتشف أنه قد غير قفل الباب تنفيذًا لرغبتها!
ابتسم، ثم ضحك بحماس، ثم...
انطلق رنين جرس الباب!
"أبهذه السُرعة انتابكِ الندم؟!"
قالها في انتصار وهو يقف ليتجه بتباطؤ مُتعمد إلى الباب علَّ خوفها يتمكن منها أكثر؛
وما إن فتحه حتى انحسرت ابتسامته فيما ضاقت عيناه بتركيز في الزائر.
"كيف حالك يا سيد عماد؟ هل أقاطع جلسة مُسلية أو شيئًا من هذا القبيل؟"
والزائر هو من بادره بابتسامة واسعة أكثر من اللازم وهو يتقدم إلى الداخل دون دعوة، وبينما كان يحاول هو تذكر الوجه الذي يُضمر ما يُسبب له الحذر خلف هذه البشاشة، تابع مُفتعلًا الود:
_أنسيتني؟! أعلم أن الفرصة لم تسنح لنا للتقارب من قبل، لكننا بصدد التعارف الجاد الآن.
رآه من قبل، يعلم أنه رآه من قبل، لكنه لا يتذكر!
_أنا لم أخبرك عن الوجه الآخر لياسر البحيري، إنه ذلك الوجه الذي يُسارِع بالظهور ما إن تتعرض إحدى بنات خاله للأذى.
وتذكر؛
إنه ذلك المُهرج، وحيد أمه، والذي التقى به في مناسبات تخص عائلة زوجته بضع مرات قليلة وكان النفور بينهما متبادلًا، حتى اختفى تمامًا..
_ماذا تريد؟
ألقى سؤاله بارتياب مع مرأى ياسر قد أغلق الباب وهو يجول بنظراته في الشقة دون لباقة، والارتياب تحول إلى وجل وهو يراقبه يطوي كمي قميصه الأنيق إلى الأعلى دون أن يهتم بالرد..
إلا أنه عندما انتهى تخصر.. ثم _بابتسامة تحمل غلًا وتوعدًا_ رد:
_أولًا: لا أستطيع التظاهر بما لا أشعر، وإن كنت من قبل لم أعبر لك عن إحساسي تجاهك فكان ذلك لعلاقتك بابنة خالي، حمدًا لله أن هذه العلاقة على وشك الانتهاء، لذا _بكل وضوح_ أنا لم أستسغك يومًا يا رجل!
تراجع عماد إلى الخلف وهو ينظر حوله باحثًا عن شيء لا يدري كنهه، فيما استطرد ياسر:
_ثانيًا: فتيات عائلة الكردي غير مسموح بإيذائهن، لكنك بالفعل قد أهنت لين، ولم تفكر بالاعتذار لها أو اللجوء لأهلها..
ثم رفع سبابته مُستأنفًا في خفوت:
_هذه نقيصة بحقك أنت بالمناسبة!
_أنا لا...
في توتر نطق عماد فقاطعه ياسر وهو يبتسم ملء فمه قبل أن يتابع:
_ثالثًا: أمُستعد أنت لأن أعاتبك الآن؟!
وفور أن عادت عينا عماد تنظر له بتساؤل.. انغلقت بفعل قبضة ياسر التي كادت تفقأها!
بعد ثمانية أيام
تردد طويلًا، وتراجع كثيرًا، وبآخر المطاف حسم ضميره الأمر لصالح إخباره بنفسه قبل أن يُصدم ما إن يتحرر بعد شهر.
كان ينتظر صامًّا أذنيه عن الضوضاء المحيطة به، فالدويّ بعقله منعه عن الالتفات لغيره، إلا أن صوت خطوات اخترق كل الأصوات، وكاد يفعل المثل مع روحه، حتى وقف قبالته مُتجهمًا..
"لقد كثُرت زياراتك لي سيد هارون، أرجو ألا تأمل منها أن أسامح شقيقتك على زجها بي هنا!"
جلس يقولها ساخرًا، وخلف سخريته يوشك الفتيل على الاشتعال..
_صدقني لست من هواة تمضية وقتي بالسجون! ولا أجد راحتي هنا، لكن هناك ما يُحتم عليّ ألا أتركك دون زيارة.
_لست وحدك من تزورني.
سارع مُعلقًا بجفاء، فرد هارون ببساطة:
_أعرف.
حلَّ الصمت بينهما قليلًا ثم توترت ملامح ناهل قبل أن يُتمتم دون أن ينظر إليه:
_هل..
لكنه تراجع بلا سبب، فيما أجاب هارون سؤاله المبتور:
_لقد راقبتها.
رَفَع ناهل عينيه الحادة إليه هاتفًا باعتراض مع تحذير قوي:
_وهل سألتك أن تفعل؟! لقد طلبت أن تخبرني بأحوالها عن بُعد، إياك أن تحاول تبادل كلمة واحدة معها! ثِق بأنني أستطيع أن أكون مُجرمًا عن حق!
ضغط هارون على أسنانه ثم قال باستهجان:
_لا تُهدر طاقتك عليّ! لقد تقصيت أخبارها واطمئننت على أحوالها لا أكثر.
"وكيف هي أحوالها؟"
"أتراها تفكر بي؟"
"هل.. عَلِمت بالحقيقة؟"
تتدافع الأسئلة من تلقاء نفسها على صفحة وجهه، تود الاقتران مع إجابات بعينها، لكنه نهرها سريعًا بعبوس شديد مع زفير قوي وهو يتلبَّس اللا مُبالاة قائلًا:
_لننتقل إلى الأمر الهام والذي من أجله أتيت أنت.
نظر إليه هارون متوجسًا فتابع ناهل بنبرة ذات مغزى:
_وحدك، أتيت وحدك دون المحامي، تُرى لماذا؟
مسح هارون على وجهه بكفيه ثم نطق بصوت مهموم:
_تأكد أنني بصفك! وبأنني سأساندك ما دُمت لن تتخذ العنف منهجًا! الحق معك وأنا إلى جانب الحق أينما يكون.
تحفزت عينا ناهل وهو يُمعن النظر به ليقول بتهكم:
_لا داعِ لهذه المقدمة الجوفاء يا سيد هارون، أخبرني ماذا فعلت شقيقتك! هل استأجرت أحد شهود الزور لإلصاق تهمة أخرى بي؟ كم سأمكث هذه المرة؟!
_لقد باعها أبوك المحل.
ألقى هارون العبارة مُتخلصًا من ثقلها، الثقل الذي عاد إليه مُضاعفًا وهو يُطالع تجمد نظرته إليه قبل أن يتساءل مُستوضحًا في هسيس:
_أي محل؟!
عَلِم هارون أنه لا ينتظر منه إجابة حقيقية.. بل يرغب بفرصة تساعده على التأكد، لِذا لم يرد حتى حينما مال ناهل على الطاولة مُستفهمًا بِحَذَر:
_أتعني محل والدتي؟
وأنارت أول معالم الإدراك وجهه بظُلمة خبيثة، حين استطرد بالتعبير نفسه مع لمحة غضب غير عابرة:
_ذلك الذي كان المقابل نظير صبرها؟ الفُتات الذي اقتنصه منها بعدما امتص سعادتها وصحتها وعمرها؟
وضع هارون إصبعيه على جفنيه مُستسلمًا لكل ما سيفيض به، وهو ما لم يتأخر به ناهل:
_لقد فازت شقيقتك، كانت الأذكى والأسرع والأكثر خُبثًا، وحينما بقيت أنا أتقيد بالقوانين استدارت هي خلفي وسددت طعنة نجلاء.
ثم استطرد بحسرة:
_لو كانت الطعنة من نصيبي أنا لم أكن لأهتم، لكنها تمادت وتلبسها الغرور مع الغباء بحيث سلبتني آخر ذكرى من والدتي.
وأضاف بتوعُّد:
_وأنا لن أسامح فيما يخص والدتي.
ثم منحه أكثر ابتسامة مثيرة للقلق وهو يقول:
_أخبرها أنني قد صرت قاب قوسين أو أدنى من الحصول على حريتي! ومعها سأقتلع كل أمنياتها بالراحة أو الهناء، ربما سأجرب اتباع أسلوبها نفسه!
وسحب شهيقًا طويلًا أعقبه بعبارة اكتسبت قدرًا هائلًا من المرارة:
_وأخبره هو أن آخر ما رددت والدتي قبل أن تموت بين ذراعيّ هي دعوة خالصة إلى الله أن ينتقم منه نظير ما فعله بنا، وأن يُجرب مرارة العجز وثقل الأنفاس في الصدر كما عانت هي بسببه!
أصابت العبارة قلبه في مقتل؛
يتخيل هذا الشاب يحتضن والدته التي تحتضر بين ذراعيه بعد أن تلقت ظُلمًا غير مُبرر على يد والده وزوجته الجديدة؛
لكنه هب واقفًا ليهرب وهو يستعيد ذكرى أكثر مرارة لأخرى تحتضر أيضًا.. بين ذراعيه هو!
**
بعد أسبوع:
واجمة جلست إلى جوار عمتها أماني وخالتها التي تُطعم طفلها، بينما فشلت الاثنتان في انتزاعها من صمتها الذي استمر طيلة الأيام الماضية..
تنتظر حدًثا حاسمًا في صمت، وبالوقت ذاته لا يبدو عليها أي تعجل!
إلا أن صوت هاتفها استطاع فعل ما لم تستطعه عمتها أو خالتها، فتناولته سريعًا كي تخرس إزعاجه.. فَطال الخرس ملامحها هي!
لِثوانِ قررت أن تتجاهله، إلا أن حانت منها نظرة تجاه يزن الذي يتطلع إليها في براءة فنفضت خوفها.. وأجابت!
"لماذا تتصل بي يا عماد؟ تواصل مع جدي حتى تـ.."
_لا أهتم بجدكِ على الإطلاق! ولن تُخيفيني بأفراد عائلتكِ، ولولا أن ذلك الحقير ابن عمتكِ قد أخذني على حين غرة لكنت أرسلته إليكِ مُقطعًا إلى أشلاء!
قاطعها سريعًا في غضب لم يتمكن منه بتلك الدرجة يومًا، فاحتدت نبرتها وهي ترد في تحذير:
_تحدث بأدب عن ابن عمتي! كما أنه لم يُقدم على فعلته إلا بعدما خبرتهم بأفعالك أنت أولًا!
في قلق نظرت لها كل من هالة وأماني، بينما انتظرت هي نزالًا كلاميًا يُلاقيها به، لكنه فاجأها حقًّا عندما ضحك في استمتاع ثم قال بلا مُبالاة:
_تبًا لكِ ولابن عمتكِ ولأفراد عائلتكِ التي تتباهين بها يا لين، أوتعلمين شيئًا آخر؟!
اختلست نظرة متوترة إليهما ثم أنصتت السمع، ليواصل في برود بعد صمت قصير:
_لقد سئمت وجودكِ بحياتي ولم أعد أريدكِ، بل أنا منذ مدة طويلة زهدت بكِ بالفعل، لِذا أنتِ طالق!
ندت عنها شهقة تلقائية قبل أن تضع كفها على فمها لئلا تُثير ذعر يزن، وانتفضت خالتها إليها تسألها بهمس عمَّا قال فلم يستطع لسانها الإجابة، فما كان من الأولى إلا أن اختطفت الهاتف وضغطت مُكبر الصوت صائحة:
_ماذا تريد منها يا عماد؟ الأمر الآن صار بين الرجال، تعال وواجههم ولا شأن لك بابنتي حتى نصل إلى حل.
وضحكته تكررت بصوت أعلى، ثم رد في استهزاء:
_لقد وصلنا بالفعل يا أم لؤي، ألم تسمعي؟
عقدت حاجبيها في توجس فتابع مُتسليًا وشعوره بالانتصار يصلهن جميعًا:
_لقد طلقتها، فلتتمتعي برفقتها الكئيبة البائسة!
...
"هل.. هل وقع الطلاق بالفعل؟"
نطقت سؤالها بلا تصديق بعد أن استمرت على وضعها المُتخشب لدقائق متصلة وهي تنقل نظراتها بينهما، وفي حين أن دمعات خالتها بدأت بالانهمار فور أن أنهى المُكالمة من جانبه بدأت أماني بإطلاق الدعوات عليه في كرم!
ربتت عليها خالتها وهي تساعدها على الجلوس، وبإيماءة ضعيفة أجابت سؤالها الدَهِش..
"لين! هل أنتِ بخير؟"
التفتت إلى عمتها التي عادت للاستقرار في البيت مع ابنها إرضاءًا لوالدها، وبدهشة أجابتها:
_نعم يا عمتي، أظن أنني بخير، _للغرابة_ أكثر مما كنت أتوقع!
ارتسم الإشفاق بعيني عمتها وهي تضع إحدى كفيها على صدرها لتترك يزن مع ألعابه أرضًا وتتجه إليها تجذبها إلى أحضانها متمتمة:
_يا إلهي! أتعانين صدمة يا بنيتي؟
وبعد ثوان طويلة ردت لين بِعَدم التصديق ذاته:
_ربما.. ماذا تظنين أن عليّ أن أفعل؟
_لا أدري، بعض البكاء، الذهول، الصراخ لن يضركِ.
ابتعدت لتتطلع إليها في عجز ثم همست بتساؤل حقيقي:
_لماذا لا أريد؟! ولماذا أشعر بالراحة؟!
ثم تابعت بصوت متقطع:
_لقد فكرت باتخاذ هذه الخطوة كثيرًا لكنني كنت أتراجع كل مرة خوفًا من العواقب، والآن لماذا لا تبدو العواقب بذلك السوء الذي ظننته؟!
جذبتها عمتها إلى صدرها ثانية لتُربت عليها بحنو، يصلهما صوت شهقات هالة الباكية فيما استطردت هي بنبرة أكثر ثباتًا:
_كالشَّوْكَة تحت جلدي كنت أتجاهل انتزاعها خشية الألم، أما وقد واتتني الشجاعة أخيرًا وتخلصت منها، فأين هو الألم؟!
وبينما كانت هي تحاول تحليل شعورها حصلت عمتها على انتباهها وهي تبعدها عنها لتهتف في غضب:
_عديم الأصل والنخوة! كيف له أن يُطلقكِ بهذه الطريقة؟! أيتعمد إهانتنا؟!
حدَّقَت بها مليَّا ثم ابتسمت بسخرية وهي تُجيب سؤالها الاستنكاري:
_نعم يا عمتي، يريد أن يخبرني أنه أيضًا لا يتحمل النظر إليّ حتى لإلقاء اليمين!
كزَّت أماني على أسنانها بغيظ وهي تجلس إلى جوار هالة وتقول بقلق:
_إنه غبي! إن أراد يومًا استعادتكِ لن يوافق جدكِ.
وأمامها جلست لين ببطء، ثم بِحزم علَّقَت:
_ولن أوافق أنا يا عمتي، لن أفكر بالعيش على صفيح ساخن خوفًا وامتعاضًا ونفورًا مع رجل لا يمتلك أي شعور بالحمية على زوجته.
_ويزن؟ كيف ستربينه دون أب؟!
باعتراض نطقت أماني، وبلا تردد أجابتها لين:
_سأعتبره يتيمًا، ألا يعيش من يفقدون آبائهم؟! ألم يفعل ياسر؟!
وبلهجة أكثر ثباتًا تابعت:
_أنا أستطيع تربية ابني وحدي، سأعوضه عن والد لم يمنحه يومًا إلا اهتمامًا عابرًا، وسأعوضه أيضًا عن والدة قضت عامين تتجاهل إدراكها بخطأ حياتها لأنها تفكر في خوفها عليه أكثر من أي شيء آخر!
**
كانت تتظاهر بمتابعة العمال وهم يحرصون على إرضاء الزبائن الذين يتوافدون من محطة قطار الأنفاق المقابلة باحثين لديها عما يروي ظمئهم.
لكن ذهنها في الواقع أخذ يجوب بعيدًا، يطوف شريدًا حيث يحسب عدوها الأيام كي يقتص منها، وما هي حقًا إلا أيام قليلة لو صدق تحذير شقيقها!
وصوت الهاتف انطلق معبرًا عن نهاية الاحتمالات، مؤكدًا أو نافيًا ذلك التحذير.
المحامي..!
من المفترض أن هارون قد قام بتوكيله للدفاع عن ابن زوجها؛
ومن الثابت أنه يعمل لصالحه هو في المقام الأول؛
لكنه إغراء المال!
بضع أوراق نقدية من شأنها أن تُيَسِّر لها الكثير، ثم تُعَسِّر على غيرها أكثر!
بضع أوراق باستطاعتها امتلاك ذمم من يلوحون براية الحفاظ على الحقوق!
بيد ثابتة على النقيض من دقات قلبها تناولت الهاتف، وبكلمات مقتضبة مغايرة لما يسبح به عقلها سألت المحامي عما يؤرقها.. لتنحبس أنفاسها مع إجابته:
_تم تحديد موعد الإفراج، إن هي إلا ثلاثة أسابيع وينال حريته.
والذعر احتل عينيها احتلالًا؛
بالطبع كانت تعلم أنه سيخرج لكن ليس بهذه السرعة؛
لم تجد الوقت لتستشعر طعم انتصارها؛
لم تسنح لها الفرصة كي تتمتع بانتقامها؛
وها هو سيعود مصطحبًا التهديد ومُنهيًا استقرارًا قصيرًا كافحت للحصول عليه!
_هناك أمرًا آخر.
والمحامي اجتذبها من سيل أفكارها الناقمة، لتسأله في توجس:
_ماذا هناك أيضًا؟
لم يُجبها من فوره، أو ربما هي من سيطر عليها القلق أكثر من اللازم، فحسبت أنها انتظرت دهرًا حتى أتاها رده:
_السيد هارون جاء إلى مكتبي بالأمس وسألني عن إمكانية رفع دعوى بالطعن.
_أي طعن؟
سألته في دهشة وهي تظن أنه شيء يخص عمله، لكن إجابة المحامي جعلتها تنتفض واقفة:
_لم يخبرني بالتفاصيل كافة، لكنه ذكر شيئًا بالطعن في عقد بيع ملكية.
"المحل!"
المحل لا سواه؛
يريد شقيقها أن يأخذه منها ليمنحه لعدوها!
لا!
_لا!
نطقت بها في تأكيد، وفي توعد، ثم ابتسمت لتقول في إصرار:
_أريدك أن تُجهز لي عقدًا آخر بخصوص نصيب همام في شقة زوجته.
ويبدو أن المحامي نفسه لم يتوقع ذلك الطلب، فقد سألها مُستوضحًا ما سمع فأكدت له دون تردد، ثم أنهت المكالمة وهي تفكر بعمق في الخطوة التي سترد بها..
وبرق الانتصار في عينيها بينما الفكرة تتولد لديها فلا تجد رغبة في إيقافها، كعصفورين ستُرديهما بحجرٍ واحدٍ!
ربما هو يُمني نفسه بمفاجئتها بظهوره أمامها قبل الموعد بستة أشهر كاملة، لكنها من ستُوجه له ضربة سينشغل في لملمة آثارها حتى تُرتب هي أمورها..!
**
"باستطاعتي إقراضكِ!"
"أنتِ أكثر بؤسًا مني!"
محادثة كتابية عبر إحدى وسائل التواصل الاجتماعي بين غفران وصديقتها حين تواصل الأخيرة التذمر بسبب احتياجات الزواج التي لا تنتهي، ثم تبكي وهي تنتبه للفترة القصيرة قبل موعد الزفاف!
"ثم أين ذهب مبدئكِ بعدم الإنفاق من أموال عائلة الكُردي؟"
تابعت سدن الكتابة فلم يتأخر الرد عليها:
"إنها أموالي أنا، ما ادخرته من راتبي منذ بدأت بالعمل، لن آخذ منهم جنيهًا واحدًا."
وقفت غفران على أعلى الدرجات وهي تكاد ترى ملامح صديقتها العابسة المنزعجة، وهو ما تأكدت منه عندما ظهرت العبارة التالية أمامها:
"لن أقبل، لأنني لن أستطيع ردَّهم إليكِ إلا بعد مدة طويلة."
" لست بحاجة لهم يا سدن، فكري في الأمر قليلًا أولًا!"
كتبت ولم تنتظر تعليقًا، وحتى تقوم بإلهائها سارعت:
"والآن سأرسل لكِ صورة لتوي التقطتها لنفسي، وأخبريني كيف ترينني في اللون الأخضر!"
ووصلت الصورة إلى هاتف سدن فيما تتشوق غفران لتعليقاتها المُعبرة عن الانبهار، لكن..
"ألازالت تتمسك برفض محاولة الصلح؟"
رَفَعَت غفران رأسها عن هاتفها وهي تبتسم بعد أن قرأت تعليق سدن الذي توقعته عن هيئتها الأنثوية التي لا يعلم سواها بها، وما إن طالعت وجه عمرو حتى اندلعت الكراهية بغتة فغطت جمال ملامحها وهي تقول:
_من تعني؟
اقترب عمرو قائلًا ببراءة وضح ابتذالها أكثر من اللازم:
_لين، ألازالت مُصممة على قرارها؟ باستطاعتنا التدخل وإعادتها إلى زوجها مع أخذ ضمانات كافية على ألا يغضبها ثانية.
_وما شأنك أنت؟
لم تفكر، أو تتردد قبل النطق، حتى عندما أدركت ما قالت عفويًا لم تحاول تجميله، بينما علا الحرج قسماته وهو يُبرر:
_إنها ابنة خالي، ولست راض عن...
هي شخص ملول كثيرًا، لا تحب الثرثرة، لا تنسجم مع المُجاملات؛
والأهم.. تمقت النفاق كالجحيم!
وهذا الذي يواجهها تفوح منه رائحة النفاق حتى أوشكت على الاختناق بها!
_توقف عن الاصطناع يا عمرو! أنت ترغب بالتأكد من عودتها للعمل في المصنع أم عدمها، لا تليق بك هيئة المُصلح!
وعندما قاطعته كتم ما كان على وشك قوله، ومنحها الفرصة للمواصلة بابتسامة صفراء.. أو وقحة:
_كما أنني لا أعلم، وأنت أيضًا لا يحق لك التدخل فيما لا يعنيك، فلتبتعد أنت وشقيقك عني أنا وإخوتي فيعم الخير علينا جميعًا!
ثم أولته ظهرها لتهبط إلى الأسفل دون زيادة، ولو استدارت للحظة واحدة إلى حيث يقف لارتجفت أوصالها رعبًا من شدة الوعيد الذي أظلم به عيناه!
...
"ألهذا السبب اختفيت مؤخرًا؟"
بإشفاق ألقى مهند سؤاله على صديقه وهو يجلس معه بحديقة منزلهم الواسعة، حيث أخبره عن الوضع الشائك الذي تتعرض له العائلة هذه الأيام بسبب طلاق أخته.
تنهد لؤي وهو ينظر إليه مُوضحًا:
_أنت تعلم أن علاقة إخوتي ببعضهن ليست وثيقة، وأن ثلاثتهن تجتمعن على الثقة به، لِذا أحاول البقاء إلى جوار لين حتى لا تسوء حالتها النفسية.
_ولِمَ هذا الغضب؟
سأله مهند وهو يُحدق في ثورة ملامحه المكبوتة رغمًا عنه فيما يبدو، وقد أكد له هو صدق حدسه عندما أجاب حانقًا:
_لأن جدي وياسر قاما بتكبيلي ومنعاني من إفراغ غضبي بذلك النذل زوجها.
عندئذٍ التقط منه مهند عدوى الحمية ليقول بحماس:
_أخبرني بعنوانه وسأصطحب أصدقائي لنبرحه ضربًا حتى يأتي إلى أختك يعض أصابع الندم ويستعيدها مع وعد بأن يهتم بطفله وألا يقضي أكثر من ساعتين أسبوعيًا مع صديقيه!
كان هذا هو السبب الذي أقره لؤي عن طلاق أخته، فالحقيقة مُهينة، تدعو للحرج..
لكنه صرف ذهنه إلى ما أثار انتباهه، ليتساءل بترقب:
_ألازلت ترافق تلك المجموعة؟
وعُقدة حاجبي مهند أجابت بدلًا منه.. بالطبع لا يزال!
لا يزال يجتمع مع بضع من أقران يُنبئ مستقبلهم عن الكثير من المصائب التي سيستجلبونها إلى عائلاتهم؛
لا يزال يحشر نفسه في دور المُستقل الحُر، والذي يكافح من أجل نيل حقوقه؛
ولا يزال يُغمض عينيه عن مساوئهم، وأيضًا عن حسن نية من يحاول نصيحته!
_لو علم نضال سيغضب كثيرًا.
علَّق لؤي بِحَذر، لكن صديقه دق على مسند مقعده هاتفًا:
_ليس من شأنه أن يُحدد لي من أرافق أو لا، إنها حياتي أنا، ليس لأنه يكبرني بعشرة سنوات سأسمح له بالتحكم بي.
_لكنه على حق بشأنهم يا مهند، إن لم تختر أصدقاءك بعناية ستفسد حياتك، ألم أخبرك بأن صديقا زوج أختي هما السبب في الانفصال؟!
والسؤال الذي لم يكن حقيقيًا لم يجد الفرصة للإجابة عنه، حيث وصل صوت خطوات تقترب منهما فالتزما السكوت معًا، وضعت غفران أغراضها وألقت التحية عليهما وهي تنقل نظراتها بينهما في توجس، ثم طلبت من شقيقها أن يرافقها إلى داخل البيت لتسأله باهتمام عن سبب حنقه..
بينما عاد شيطان الغضب ليقتات على أفكار مهند في جوع، غضب يتولَّد ما إن يستشعر محاولة أحدهم السيطرة على حياته!
**
بعد ثلاثة أسابيع:
خلع عباءته مُتأهبًا للخلود إلى قيلولة تمنح جسده بعض الراحة بعد عناء يوم طويل أصر خلاله ياسر أن يتناقش معه بكل أمور العمل فور أن استطاع أخذ موافقة من لين أن تستعيد وظيفتها ما إن تنقضي عدتها.
وتسأله عزة دومًا في اعتراض لماذا يحب ياسر بشكل خاص وهو الذي يثبت مرارًا وتكرارًا أنه متفاني، مخلص، وعلى أتم الاستعداد بأن يضحي بأي فائدة في سبيل أن يحل السلام نفوس من يهتم لأمرهم.. واضعًا نفسه بالمرتبة الثانية.. أو الأخيرة!
حاول حمل جفونه على أن تنغلق فأبت؛
طلب من عقله التوقف عن الارتحال هنا وهناك فلم يُطعه؛
طرقات متسارعة حاسمة على باب غرفته اقتحمت خلوته فاختار عدم الرد عليها، لكن صاحبتها أيضًا اقتحمت الغرفة بلا انتظار!
عقد حاجبيه مستغربًا والتفت إلى الخلف متسائلًا:
_ماذا هناك يا إيلاف؟!
تقدمت بخطوات ترتجف، وبجسد يختض انفعالًا، ثم بصوت يهتز كالبندول بين رفض التصديق والخوف من التصديق تمتمت:
_ماذا فعلت بي يا جدي؟!
ازدرد لعابه ولم يأتِ بردة فعل، فيما تلاحقت أنفاسها وهي تقترب حتى باتت على بُعد خطوات معدودة وهي تستطرد في ألم:
_هل.. هل بعتني؟
_لم أفعل.
_وبماذا تسمي ما حدث؟
_كنت أنقذكِ!
تحقق معه كمحام ادعاء ويحاول هو دفع التهم.. دون أن يضطر للحلف كذبًا ببراءته مما نُسِب إليه..
_وأنا منحتك الثقة!
همست بها بعينين مترقرقة قبل أن تفيض بدمعات توالت بينما تمد كفيها إليه وهي تردف بذهول شابه ما ثقل على روحها من ألم:
_سلمت لك يدي وأغمضت عيني لأتبعك حيثما أردت توجيهي، كنت موقنة بأنني أستطيع الاحتماء بك، اعتدت أن أقسم بداخلي أنك الوحيد الذي لن يخدعني!
ألقى عباءته بعيدًا واقترب منها؛
مد كفيه أيضًا فألقت خاصتيها إلى جانبيها؛
اعتذرت عيناه فهزت رأسها رفضًا بلا تردد..
_إنها الطريقة الوحيدة، لم أملك حلًا آخر!
أيُبرر؟
أهناك ما يُبرر إلغاء إرادتها؟
التغاضي عن كرامتها؟
أهناك ما يمنحه الحق في أن يوصمها بالخزي ما تبقى من عمرها؟!
_تأكدي أنني لم أظلمكِ، وكوني على يقين بأنني ما فعلت إلا الصواب.
احتدت عيناها مع مرأى الثقة بنظرته وسماعها بكلماته؛
ما ظلمها بحياتها قدر غرور الآخرين!
والدها اغتر بإدراكه بما في صالحها.. فأصر على عقد قرانها على هاني قبل موعد الزواج بفترة رغم اعتراض الجميع وترددها هي؛
هاني اغتر بمشاعرها الحمقاء التي كانت تحملها له.. فأمعن في احتقارها والتقليل من شأنها؛
وها هو جدها نال نصيبه من الغرور فاتخذ قرارًا لا ينبغي له دون سؤالها!
_إن كنت أنت ظننت أنك تفعل ما بصالحي، أنا أيضًا لي الحق بفعل المثل يا جدي، فلنر كيف ستتم البيعة!
بهدوء كما هي عادة حديثها ألقت كلماتها،
بنبرة مهذبة.. لكنها بالكثير من الوعيد تشبعت!
وقبل أن يسألها استفسارًا رمقته مليًّا في صمت.. ثم رحلت!
**
بفراشه الذي أُجبِر على الحبس به لِعامين كان يُحدق في سقف الغرفة منذ وقت لم يهتم بحسابه؛
وحده..
لا يعلم منذ متى وهو وحده؛
فزوجته العزيزة أصرت على الذهاب إلى "محلها" كما صارت تُشدد منذ خط اسمه على ذلك العقد؛
وكلما توسل إليها أن تبقى إلى جواره بعض الوقت نهرته وألقت عليه اتهامات لا تنتهي بالدلال؛
وهو لا يعلم كيف يصف ما يمر به منذ ذلك اليوم الذي فقد به عقله؛
أي يوم يقصد؟
ابتسم بسخرية ثم _برغم أن لا أحد يُصاحبه ببيته سوى الندم والألم_ تساءل بصوت واضح:
_أي يوم تقصد يا همام؟
وكرر:
_متى _بالضبط_ تظن أنك فقدت عقلك؟
وأضاف:
_حينما سلبت سهير ميراثها؟ أم حينما ارتضيت بأن تسافر وتتركها وحيدة بحجة كسب العيش؟
وأردف دامعًا بابتسامة:
_عندما تزوجت تلك المرأة التي طاردتها مرارًا ثم طلقتها ما إن ضجرت منها؟ أم التي تلتها، ثم التي تبعتها، ثم...
بتر عبارته مُحررًا دموعه دونما رادع، ليُضيف بعد هُنيهة:
_حينما اشترطت على كل امرأة تزوجتها ألا تُنجب منك؟ أم عندما شددت على كل واحدة منهن أنك تتزوج من أجل الاستمتاع لا غير بينما زوجتك الحقيقية تقبع في وطنك مع ابنك يتغذيان على الكسرات التي يؤمنها الصبي، ويلتحفان بذراعي بعضهما مُتسائلين عن موعد عودة رب البيت بالمال والأمان والاطمئنان؟!
وبشهقات مرتفعة هتف:
_هل فقدت عقلك عندما رأيت الضحية الجديدة ترفض استخدامها كوسيلة تسلية تحت شعار حلال لم يكن يومًا حلالًا؟
سقطت دموعه على الملاءة التي تُغطي صدره فلم يُبالِ بها، وبحُرقة تابع:
_أم هل فقدته حينما اكتشفت أنها لم تكن ضحية وكانت أكثر منك دهاءً فسلبتك كل ما ملكت بغير الحق؟
وتغضن جبينه المُفصد بالعرق وهو يستطرد بكراهية لِذاته:
_هل فقدته عندما رأيت زوجتك تسقط طريحة الفراش بعدما محوت اشتياقها إليك عن طريق غدرك بها؟ أم حينما طالعت نظرة احتقار بعيني ولدك الوحيد؟
وأومأ برأسه في تكرار سريع ليقول باكيًا بانتباه:
_ربما.. ربما فقدته عندما ماتت أم ولدك وهي تتوعدك برفع مظلمتها إلى ربها.
ثم ضحك فجأة وهو يصرخ بكلمات باكية بينما يشعر بهذا الدفء يتسرب إلى الفراش.. من ملابسه!
دفء يُذكره أنه عاجز؛
عاجز عن الندم، عن الإصلاح؛
فاقد كل حق بالتراجع؛
خلال طريقه الطويل تجاهل كل اللافتات المُحذرة التي تُطالبه بالتمهل؛
وقاد..
قاد بتهور ورعونة؛
بسرعة جنونية داهسًا زوجة منحته ثمن الوقود، وابن كان ليدعس على مكابح ظلمه قبل أن ينقلب.. لو أنه اصطحبهما معه!
تصاعدت شهقاته تدريجيًا حتى غص حلقه، ثم بأعلى صوت صرخ:
_سهير! ها أنا أبكي كما أبكيتكِ، أتألم كما آلمتكِ، كان ولدكِ لا يترككِ وحيدة لحظة، كان يمنحكِ الأمل ويؤكد لكِ قُرب الشفاء، لكن ها أنا وحدي أبكي، أصرخ، أقضي حاجتي كما الرضع بالفراش بعد أن أُلقِي ولدي بالسجن ولم أهب لإنقاذه!
تسلل التعب إليه، ووعى هو لحالة الإنهاك التي تلبسته بعد المجهود المُضني نفسيًا الذي قام به بوقت متأخر كثيرًا..
تهدلت كتفاه، ومال رأسه إلى الجانب الأيمن وهو يهمس:
_سهير! أتراكِ تسامحينني؟ أتراكِ تغفرين لي؟!
ومن الجهة اليسرى دخلت زوجته بوجه قَلِق بعد أن وصلها صوته بكلمات غير واضحة وهي تغلق باب الشقة، وفي توجس هتفت:
_همام! ماذا هناك؟ أتتحدث مع نفسك؟ هل فقدت عقلك؟!
رغم الإهانة ابتسم، ليرد في تهكم:
_ليتني! ليتني فقدته قبل أن أسافر، ليتني فقدته منذ أعوام فاكتسبت رخصة عدم المُحاسبة على ذنوبي بحق زوجتي وولدي.
عقدت حاجبيها بلا فهم ثم هَمَّت بأن تخرج من الغرفة فبادرها وهو ينظر إليها بهدوء:
_الظلم ظلمات يا علا، وأنا الآن أسبح في قعر محيط من الآثام حتى كُف بصري من فرط الذعر، اقترب أجلي وظهري مُثقَل بالكثير، فرطت فيما لم يكن من حقي بالأصل، تكاثرت ذنوبي حتى أشعر بها الآن كقبضة من فولاذ تعتصر صدري، و..
تسارعت أنفاسه أم تباطأت لم يعلم، لكنه كافح من أجل التتمة، فجاءت مبحوحة، مُستسلمة، مذعورة:
_و.. نفد وقتي!
انسحبت الدماء من وجهها؛
أمعنت النظر به بخوف لا تعي مصدره؛
ولمَّا بحثت عن استفهام عاجلها في عويل:
_أخبريه أنني أتمنى لو يستطيع أن يسامحني، وأخبريه أنني لا أظن أنه قد يفعل.
من يقصد؟ هي تعلم من يقصد!
ولماذا يطلب؟
لأن رأسه يستسلم الآن إلى كتفه اليُسرى، ثم تتقابل أجفانه ببطء مُثير للرهبة، وتسقط يده بضعف على الفراش المُبلل؛
ولأن ذلك الطلب كان بمثابة الوصية الأخيرة!
أغلقت الحقيبة بقوة بعد أن تأكدت من وضع حاجياتها الأساسية بداخلها، راقبت ضوء الشمس المُتسلل من نافذة غرفتها وارتسم العزم بعينيها كما لم يفعل من قبل.
بسمة ساخرة احتلت ثغرها وهي تمسك بسترة شتوية رجالية سوداء زاحمت البقع البيضاء لونها الأساسي في هجوم مُثير للضيق، لكنه لم يزعجها هي من قبل.. حتى الآن!
تطلعت إليها في لوم، في غضب، وفي خزي، ثم ما لبثت أن ألقتها بالخزانة، واستدارت لتترك مظروفًا بجوار هاتفها على الفراش.
كان بإمكانها القيام بهذه الخطوة ليلًا وهم نيام، لكنها لا ترتكب خطئًا تختبئ بسببه أو تخجل منه؛
إن كان على أحدهم الاختباء فسيكون نخاسها الذي باعها كالدابَّة بأبخس ثمن!
وهكذا _قبل أن يتملك منها خوف أو يثبط حماسها تردد_ حملت حقيبتها وولَّت هربًا، دون التفات لنظرات العاملة، أو الحارس، ودون إجابة نداء والدتها من أعلى الدرجات.
ثم بداخل سيارة الأجرة قفزت، وللمجهول فتحت أحضانها!
**
ظلل بكفه عينيه التي اصطدمت بضوء الشمس ما إن وطأت قدماه الخارج، ورغم تعذر رؤيته في البداية فإنه استدار مُحدقًا في الأسوار التي شهدت تحوله.
أسوار دخل إليها بلا ذنب يستحق؛
أسوار نبتت بداخلها بذرة وعيده؛
و.. أسوار ربما يعود إليها مُجددًا إن لم يحصل على حقه المسلوب!
سيقتص؛
منها.. وممن دعمها وغض الطرف عن ظلمها..
سيُعاقِب؛
من تمادت في الجور ومن منحها السُلطة غير المحدودة..
سيرتاح؛
حينما يُطالع ذهولها وانكساره، انهزامها وعجزه، غضبها وأسفه!
ولن يقبل..
لكنه.. سيتمتع حد التخمة بالمواجهة!
"حمدًا لله على سلامتك يا ناهل."
استدار ليتطلع إلى شقيقها الذي يبدو مُصممًا على عدم النظر إليه، كما المحامي الذي ألقى كلمات مُبهمة، مع تهنئة واجمة ثم رحل بخطوات متسارعة وكأنه يهرب من الجحيم.
أومأ برأسه دون رد، يعلم أن هارون لا ذنب له بأفعالها أو بأفعال والده هو، لكنه ما إن ينظر إليه حتى يراها بعينيه منه ساخرة!
_أرى أن تتوقف زياراتك عند هذا الحد، وأشكرك على مساعدتك، لكنني لا أعدك بأن أسكت عن حقي مرضاة إياك.
رَفَع هارون عينيه ليواجهه، دون الغضب المُتوقع أو الغيظ المنتظر، أو حتى العداء الذي سيبدو وقحًا..
ثم حل أسف، واضطراب، مع نذر ليس بيسير من الإشفاق!
ازدرد ناهل لعابه وهجم الارتياب عليه دون تحذير، ثم سأله في قلق:
_ماذا حدث؟
_أخشى أنني سأخيب أملك في الانتقام السريع، ربما كان الله بك رحيمًا فاقتص من واحد منهما قبل أن تفعل.
تزايدت ضربات قلبه والمعنى المقصود يقتحم عقله دون استئذان، إلا أنه ارتأى عدم التشاؤم فاستفهم مُستوضحًا في اقتضاب يخفي عظيم الاضطراب:
_من منهما؟
زم هارون شفتيه وهو يحك مُقدمة أنفه، وهكذا قبل أن يُجيب أدرك ناهل الإجابة، إلا أنه أنصت السمع جيدًا فوقعت الكلمات على أذنيه كوقع انفجار على مرجٍ أخضر:
_والدك، لقد توفي والدك منذ ساعات، ونحتاجك من أجل الدفن والجنازة.