📁 آخر الروايات

رواية علي ضفة قلبك ظمآن الفصل الثالث 3 بقلم سعاد محمد

رواية علي ضفة قلبك ظمآن الفصل الثالث 3 بقلم سعاد محمد


الفصل الثالث

*سجون اختيارية*
"اطلبي الطلاق منه! وبانتهاء عدتكِ ستصبحين زوجتي أنا، ستشعرين بمعنى أن تكوني زوجة لرجل حقيقي يُحبكِ ولا يسمح لأي آخر بمُجرد نظرة خاطفة إليكِ."

_أنت مخبول تمامًا!

همست بذهول بعد دقيقة كاملة من الصمت غير المُصدِّق، بينما كان هو يظن أنها تفكر بعرضه!
_أتطلب مني أن أتطلق من زوجي لأتزوجك؟! كيف تجرؤ على التفكير في الأمر؟!

وهبَّت تنتزع حقيبتها المُعلقة على المقعد، ثم حملت يزن الذي يلهو بطعامه من مقعده لتضعه في عربته..
ونظرة أخيرة مُحملَّة بقدر وافر من الاشمئزاز صاحبت قولها الحاسم:
_لو أتيت إلى بيتي أو رأيتك مُصادفًة بأي مكان سأخبر عماد بعرضك القذر هذا، إنه وعد!

ودون تردد ألقت ورقة نقدية على سطح الطاولة وابتعدت وكأن الوحوش تطاردها، بينما تابعها هو ببصره..
مُتألم؛
غاضب؛
و.. عازم على تنفيذ عهد لطالما ردده على نفسه كل ليلة!

بصعوبة تملَّص فؤاد من ذراعي أماني وهو يبتسم بحنان بينما الأخيرة تواصل تقبيل جبهته ويديه متمتمة بكل ما تفقه من عبارات الاشتياق والاعتذار معًا، فيما وقفت هالة إلى جوارها تضحك باستمتاع وهي تخفي دمعات تأثر تصمم على فضحها.

_أعتذر يا أبي، سامحني! أعلم أنني لم آتِ لزيارتك منذ وقت ليس بالقصير، لكن..
قاطعها متسائلًا وهو يُدقق النظر بها:
_أين ياسر يا أماني؟
تهربت من نظراته لتقول بارتباك:
_إنه.. لقد طرأ أمر مفاجئ دعاه لأن يـ..
_توقفي عن محاولة الكذب! أعلم أنه يتحجج حتى لا يأتي.

_أنت تعلم أن..
همست في تردد وهي تختلس النظر إلى شقيقتها وابنها الأصغر الجالسين على مقربة، فبترت عبارتها وهي تلاحظ ترصدهما إياها.
_ألا يزال مُصممًا على ألا تخطو قدماه البيت حتى بعدما رحل عنه من تسببا في الشقاق؟

والحزن الذي تغضنت به ملامح والدها وتكسَّرت به كلماته جعلها تقول بسرعة:
_أنت تعلم أن ياسر يحبك يا أبي، لكنه.. لا يريد أن يتعرض للحرج أو يتسبب في شقاق مرة أخرى.

وفهم ما ترمي إليه رغم رغبتها الواضحة بتجاهل الأمر، لِذا التفت إلى حيث تجلس عزة وعمرو ليقول بنبرة ذات مغزى:
_لا يتجرأ أحد على إحراج حفيدي بداخل بيتي، أما عن ذلك الشقاق فالجميع يعلم من أشعله، وإن كان أحدهم قد استغل فترة مرضي فيما مضى وفعلها فلن يستطيع تكرارها الآن.

والسكون الذي حط على رؤوسهم جميعًا عقب عبارته الصارمة جعل عمرو يبادر قائلًا بابتسامة هادئة:
_لقد اشتقنا إلى رفقة ياسر المرحة يا خالتي، لِمَ لا تهاتفيه وتؤكدي عليه صدق دعوتنا إياه بالحضور؟

حدَّقت أماني بابن أختها مليًا بدهشة؛
تعلم هي أنه وشقيقه لا يتحملان التعامل مع ابنها الوحيد، منذ الصغر اعتادا على إثارة المشكلات معه ثم استدراجه كي يظن الجميع أنه من يفتعلها فيتلقى العقوبة بدلًا منهما، لكن رويدًا رويدًا ظهرت الحقيقة، فقد بات خبثهما أكبر وأعظم من إخفائه طويلًا!

ولكم حذرت شقيقتها وزوجها من أسلوب التربية الذي يتبعانه مع ولديهما فلم يصغِ إليها أحدهما.
_أشكرك يا عمرو، لكن..
قالتها على مضض فقاطعها والدها ليرد عنها:
_ألم تستمع إلى ما قلت لتوي يا عمرو؟! ياسر لا يحتاج إلى دعوة لدخول بيته، هو ابن ابنتي مثلك أنت وشقيقك، لكن ذلك الأخير لا يستحق إلا النبذ.

أومأ عمرو برأسه مُجبرًا نفسه بصعوبة على ابتلاع ما يود الرد به، واضعًا مصير شقيقه أمام عينيه، لن يكون أحمق مثله ليجد نفسه بين ليلة وضحاها خارج البيت يتلقى مصاريفه الشخصية من والديه بينما هو له نصيب كبير في الإرث والمصنع.. ولن يتنازل عن أي منهما!
_أعتذر يا جدي.

قالها مُتظاهرًا بالأسف فمنحه جده نظرة مليئة بالخيبة ولم يُعلق وهو يلتفت إلى زوجة ابنه الراحل:
_هالة! أعطِني ذلك الهاتف!

وما هي إلا ثوانِ حتى صدح صوته في الطرف الآخر دون تحية:
_أنت أيها المُتخلف! أمنحك يومين كي تتدبر أمورك لتعود إلى البيت، وإلا ستجدني عندك لأهشم رأسك بعصاي هذه!

وبين النوم واليقظة انتفض ياسر من فراشه ليسقط أرضًا بعد أن التف الغطاء حول إحدى ساقيه وهو يحاول استيعاب أن جده قد نفد صبره أخيرًا واستبدل لهجته اللينة بتلك الأخرى التي ترتعد لها فرائصه!
_اعتبرني عُدت يا جدي!

قالها بصوت متوتر خشن حينما لم تتسنى له الفرصة لإجلاء حنجرته..
قالها وهو يحاول التغلب على ذلك الاضطراب الذي يعتريه، اضطراب استحال إلى بهجةأخذت تتضاعف تدريجيًا وهو يعي أنه عائد إلى البيت الذي لطالما أحب كل رُكن به رغم المحاولات الحثيثة للبعض بأن ينتزعون منه ذلك السلام البسيط الذي يتمتع به بين جدرانه.
**

منذ عشرين عامًا:
"ها هو ابن المزواج قد ظهر، هيا لنمرح قليلًا!"
بهذه العبارة استقبله بعض الصبية بالحي في عادة يومية لا يملونها.. ولا ينتظر منهم أن يفعلوا!

حافظ على رأسه مُطرقًا وهو يتشبث بحقيبة كتبه مُتصورًا بذهنه أنه يضربهم جميعًا بلا رحمة..
تمسك بالصبر رغمًا عن رغبته القوية، ليبدأ بحساب الخطوات التي تفصله عن المحل، فهناك فقط حينما يلمح ابتسامتها ستخرس أصواتهم عن التنمر عليه!

ومن مكانه لمحها تتحدث مع الخالة إكرام زوجة صاحب المخبز،كاد يهرول إليها لولا ذلك الظل الذي ظهر يسبق صاحبه في تدخل لم يستسغه.. وأورثه تحفزًا عظيمًا..

"سمعنا أن والدك تزوج مرة ثانية!"

ضغطة أشد على حقيبته كبت بها نية قبضته في لكمه وهو يتخطاه مُتابعًا طريقه، لكن الصبي الذي يكبره بعام واحد كان شديد الإصرار على استفزازه فهتف خلفه:
_أعني سادسة أو سابعة... كم صار عدد زيجاته؟

ازدرد ناهل لعابه وهو يحث قدميه على الإسراع فيما واصل الصبي ساخرًا:
_الشيخ يقول أن ذلك النوع من الزواج مُحرَّم، هل يعلم والدك أم لا؟

استدار ناهل بعد أن فقد سيطرته على نفسه لينطلق إليه في قفزة سريعة، ولم يستطع الصبي إلا أن يستسلم له، ورغم أن فارق العمر لصالحه فالقوة كانت لصالح ناهل الذي اعتاد على الأعمال البدنية الشاقَّة منذ أدرك أنه سيشغل مكانة الرجل الذي ستعتمد عليه أمه بعدما غاب عنها من تنتمي له في الأوراق الرسمية!

كان يضربه في غل دون توقف حتى شعر بأحدهم يرفعه عنه بقوة ليجده صاحب المخبز الكبير في الحي، والذي نصَّب نفسه مُدافعًا عنه منذ رحل والده الحقيقي..

ذلك الأخير الذي لا يحفظ ملامحه إلا من خلال صورة مُلقاه بأحد الجوارير، كان منذ سنوات يتأملها مليًّا في فضول طفل يبحث عن أية معلومة أب يُنادَى باسمه يوميًا، وتدريجيًا فقد اهتمامه به حتى أخفاها بنفسه بعدما لم يعد يطيق أن يلمحها!

"أتشاجرت مرة ثانية يا ناهل؟!"

في لوم استقبلته أمه وهي تقلب ذراعيه بين يديها بخوف قبل أن تدفعه برفق إلى داخل المحل الذي لا تمارس به أي نشاط تجاري، حيث اعتادت أن تثرثر مع الخالة إكرام جارتها وزوجة صاحب المخبز لأنها الوحيدة التي لم تنظر لها في ارتياب ولم تتهمها بأنها ستختطف زوجها!
_بمَ نعتوك هذه المرة؟

بادرته في إشفاق فصاح غاضبًا:
_بـ"ابن المزو..."..

وبتر عبارته كي لا يُزيد إلى آلامها، ثم طأطأ رأسه وأجابها كاذبًا وهو ينظر في غيظ لثلاجة المياه التي يتوقف أمامها بين الفينة والأخرى أحد المارة ليشرب:
_كالعادة.. بالـ.."سَقَّا"!

ابتسمت سهير في سماحة وقالت وهي تربت على كفه التي احمرت سلامياتها جراء لكماته للصبي منذ قليل:
_وإن يكن؟! أتعلم ما ثواب من يروي ظمأ الناس عند الله؟

تجاهل سبب غضبه الرئيسي ليعقد حاجبيه ويرد في حنق:
_أعلم.. لكنه.. قديم، أشعر وكأنهم يسخرون مني، وكأنني أعيش بإحدى حكايا العصور القديمة، أغلقي هذا المحل يا أمي أو تخلصي من تلك الثلاجة!

عبارته الأخيرة خرجت متوسلة من فم صبي تعددت أسباب سخرية أترابه منه فتمنى لو يتحرر من أحدها، لكنها نظرت له في استنكار عبرت عنه بتعليقها دون تردد:
_وأتسبب بحرمان كلينا من الثواب؟

تأفف وهو يشيح برأسه بعيدًا، لكن صوتها الهادئ رن بسمعه بعد ثوانِ:
_انظر!
_إلام؟
في اقتضاب سألها، فلكزته بذراعه وهي تهمس في حماس:
_راقب معي تلك المرأة!

بفضول أطاعها وصَوَّب نظراته إلى سيدة عجوز وقفت أمام الثلاجة في إعياء واضح، وضعت حاجياتها أرضًا ثم بيد مرتجفة تناولت الكوب الذي تم ربطه بحبل إلى الصنبور، وبلهفة ملأته.. ثم بلهفة أكبر جرعت ما به مرة واحدة..
وكررتها؛
ثم كررتها؛
حتى ظن ناهل أنها لم تشرب منذ أيام، وما إن كاد يسألها حتى انتهت هي لتعيد الكوب إلى مكانه ثم تبدأ في سيل دعوات لوالدته.. وله.
"ليرزقكِ الله الصحة!"
_آمين!
"ليحفظ الله لكِ ولدكِ!"
_آمين!
"ليحميه من شر كل مَن يريد به أذى!"
_آمين.. آمين.. آمين!

تعلقت عيناه بوالدته التي وضعت كفها على صدرها تؤمن على الدعوات، بجمالها الهادئ، وبسمتها الطيبة، تطلع إليها وهي تقبض الثمن الوحيد الذي تحصل عليه في رضا وكأنها جمعت الدنيا بأكملها بين راحتيها!

_لقد اقترحت عليّ خالتك إكرام فكرة، لكنني خبرتها أن عليّ استشارتك أنت أولًا، فأنت رجل البيت.
باهتمام رمقها وقد غذت رجولته الوليدة في يُسر بعدما كان يراقب رحيل المرأة ، فتابعت بحماس:
_ما رأيك أن نقوم بعصر الفاكهة الموسمية بالبيت ثم نعبئها بزجاجات بلاستيكية ونبيعها هنا؟

بان التفكير العميق على ملامح وجهه التي لا تزال تنتقل من الطفولة إلى المُراهقة، فأضافت بثقة:
_لن يكلفنا هذا المشروع الكثير ولن نحتاج لإجراء أية تجديدات على المحل، وبالوقت ذاته نحافظ على الثلاجة التي يرزقنا الله بسببها.
وحينما لاحظت اقتناعه قبل أن ينطق به أردفت في قوة:
_حينها إن ناداك أحدهم بذلك اللقب ستكون شديد الفخر به.
...

عودة إلى الوقت الحالي:
لكن باللحظة التالية منح ناهل الجميع ما ينتظرون، فقبل أن تمس الشفرة عنقه انقض على صاحبها الذي يُبدي زعامة اكتسبها بالقوة يمسكه من تلابيبه ويدفعه إلى الحائط المتسخ..

ركلة بالمعدة منه رافقت تأوهًا من النزيل، أتبعها باختطافه الشفرة من يده ليُلصقها بإحدى وجنتيه التي امتلئت بالشحوم، ثم حدَّق بعينيه المُرتعبة هاتفًا بابتسامة شخص لا يمتلك أي قدر من التعقل:
_أتفضل أن أشق بها وجهك أم..
وبتر عبارته لتهبط عيناه على جسده حتى الأسفل في بطء تعمده، ثم صعد مُجددًا ليتمها في همس مُتوعد:
_أم.. مكانًا آخر؟!

ذعر.. ذعر صارخ قفز من عيني الرجل وهو يدرك صدق تهديده جنبًا إلى جنب مع الجنون الذي يتراقص بمُقلتيه، جنون سال في غزارة مع كلماته المُتابِعة:
_نادِني بالـ"سَقَّا" مرة ثانية وستكون آخر كلمة تتلفظ بها إلى الأبد!

حاول الرجل أن يزدرد لعابه فلم ينجح، فيما صار تنفسه بذاته يماثل تحرره الآن من هذا السجن في الصعوبة!

لكنه.. أومأ بضعف سمح له به ناهل، وبعينيه اعتذر، وبنظرته أقسم أنه تعلم الدرس!
على مضض تركه ناهل وهو يرفع يده بالشفرة كإشارة مُبطنة بالتحذير قبل أن يُخبئها بثنية بنطاله، ثم عاد إلى حيث كان يجلس تتبعه عينا حازم بامتنان شابته الدهشة، فيما تفرَّق الجمع أسفًا على الشجار المبتور!

أمام المرآة وقفت تطالع صورتها المعكوسة بانبهار لِدقائق؛
تستدير لتراقب كل أثر لِفعلتها التي مازالت تراها جنونية، لكنها كادت تموت مللًا منذ الصباح حيث يوم عطلتها واعتيادها انفرادها بنفسها إلى أن يحل اليوم التالي حاملًا حريتها من جدران البيت الخانقة.

والفكرة التي اقتحمت رأسها نفذتها فورًا دون تردد، فتأكدت من إغلاق باب غرفتها بالمفتاح وتناولت ما تُخبئه من ملابس تخص العرائس والتي واظبت على شراءها طوال الأيام السابقة وهي تُمثل دور العروس المُرتقبة!

وها هي تقف منذ ساعة، ترتدي ذلك وتخلعه لِتبدله بِذاك، مُتطلعة إلى غفران أخرى غير تلك المعروف عنها انعدام ذوقها في الملابس والزينة حتى صار حجابها الواجب ذريعة لِتندر البعض لأنها لا تُغري الناظرين بالأصل وبالرغم من ذلك فإنها حريصة كل الحرص على إخفاء معالم أنوثتها.
معالم تتمعن بها الآن بفخر؛
ثوب فضي يُؤذي بريقه الأعين؛
زينة وجه صارخة تليق بالملاهي الليلية؛
شعرها الأسود الناعم مُنسدلًا ليُغطي نصف ظهرها المكشوف؛
حذاء بشرائط طويلة منحها ما يقرب من العشر سنتيمترات طولًا إضافيًا!

لو فتحت الباب الآن وخرجت لن تتعرفها والدتها نفسها، هي التي طالما عبرت عن انزعاجها من إصرارها على ارتداء ملابس رديئة أكثر من المُحتمل وكأنها تُصر على مضايقتها فَحَسْب!

انطلق رنين هاتفها فأدركت أنها صديقتها الوحيدة، ابتسمت بمكر ثم انصاعت لفكرة أشد جنونًا..!

"يا إلهي! أين غفران؟!"

وهتاف سدن الذاهل أرضى غرورها كثيرًا، فقد حدث ما توقعت والاختلاف بات ملحوظًا بشدة.
_أنا غفران يا حمقاء، ما رأيكِ؟
قالتها ضاحكة وهي تدور دورة كاملة تستعرض فيها جسدها، لتُعلق سدن في ذهول:
_عارضة أزياء، لو قررتِ فعلها لاعتزلن المهنة جميعًا!

ثم تابعت بمرح:
_أخبريني! هل أجريتِ جراحة تجميل أو شيئًا من هذا القبيل؟
مطت غفران شفتيها ثم أجابتها باستخفاف:
_إنه حذاء عالي الكعب مع بعض الزينة الصارخة وثوب من محل تجهيز العرائس.

_لماذا؟
وسؤال سدن الجاد محى كل أثر للسعادة أو الاستخفاف، لتسكت قليلًا قبل أن تُجيبها بخفوت:
_ربما فضول، أو رغبة برؤية غفران أخرى كان حظها ليصير أفضل من أن تكون سليلة هذه العائلة.

_عن طريق هذا؟!

أشارت سدن إلى هيئتها الغريبة لتبتسم غفران بتهكم مُعلقة بلا اكتراث:
_كمُخدر، أتناسى هويتي وأتظاهر بأنني أخرى، ألا تعتقدين أنه كل ما أملك فعله؟

هزَّت سدن كتفيها قبل أن تقول مفتعلة السخرية:
_أنا أعتقد أنكِ قاربتِ على الجنون يا حبيبتي.
ثم تابعت بفضول:
_لكن _كي أكون صادقة_ اكتشفت أنكِ مذهلة الجمال، لماذا تتعمدين الإهمال بمظهركِ إذن؟

ألقت سؤالها وانتظرت الإجابة؛
وحارت غفران كيف تخبرها الإجابة!
ألأنها تكره هويتها؟
أم لأنها تكره نفسها؟
أم لأنها تكره كل ما ينتظرونه منها؟
أو _ببساطة_ لأنها تخاف!

_أتعلمين؟ سأرسل لكِ صورتين آخرتين التقطتهما لنفسي لتخبريني أيها أجمل، لكن انتظري حتى أحفظها على الحاسب أولًا لأن هذا الهاتف صار يتعطل أكثر مما يعمل.
وهكذا تملَّصت منها لتلتقط الهاتف وتنفذ ما قالت، وفور أن انتهت سارعت إلى استعادة مظهرها الطبيعي وخبأت ملابسها بداخل الخزانة.

"لماذا لم نتلاقى خارجًا يا مهند؟"
هتف لؤي فور أن دخل إلى بيت صديقه المُقرَّب، لكنه لمح ملامحه المهمومة فتراجع عن استكمال توبيخه ليسأله بقلق:
_ماذا بك؟ هل والدتك بخير؟
_بخير، لكننا تشاجرنا هذا الصباح وليس لدي ما يكفي من النقود، لهذا لم أستطع الخروج.
أجابه وهو يرتمي إلى الأريكة التي تتوسط صالة الشقة البسيطة، فجلس لؤي قبالته ليتابع باهتمام:
_ولِمَ الشجار؟ أليست مريضة؟
نظر إليه مهند وهو يهتف بتبرم:
_بلى! لكن أعصابها انفلتت ما إن خبرتها أنني سأطلب من نضال زيادة بمصروفي الشخصي، فمنعتني بحجة أنه قد أنفق هذا الشهر على سد الديون والعلاج ما يزيد عن استطاعته.

تطلع لؤي مليَّا إلى صديقه الذي يأكل الانفعال خلجاته أكلًا ولم يندهش، فقد اعتاد سخطه الدائم على وضع أسرته الصغيرة بعد وفاة والده منذ سنوات وتولِّي شقيقه الأكبر أمورهما وخاصًة المالية منها، تارًة يتهمه بالبُخل وتارًة يظن أنه يتعمد إذلاله!

_أظن أنها على حق يا مهند، شقيقك يكد كثيرًا في عمله من أجلكما، يجب أن تترفق به بعض الشيء.
وهذا هو ما لن يقتنع به مهند مُطلقًا، فهو مُقتنع تمامًا بأن شقيقه يدِّخر كل الراتب لنفسه ويبخل عليه بما يريد!

_وما ذنبي أنا؟ لا أطلب الكثير على أي حال.
هتف بحنق دون مبالاة بأن تسمع والدته اعتراضاته، فردد لؤي بِحذر:
_باستطاعتي أن...
_اسكت يا لؤي! لن أتسوَّل مصاريفي منك.
هبَّ مهند واقفًا وهو يصيح قبل أن يتم لؤي عرضه المُكرر، فسارع الأخير مُستدركًا:
_أي تسول يا أخرق؟! ألست صديقك المُقرب وبمثابة شقيقك؟

وبكفه أشاح مهند موليًّا إياه ظهره وهو يقول حانقًا:
_شقيقي نفسه يضني عليّ، كيف أستدين منك أنت؟!

عند هذا الحد شعر لؤي بالغيظ، والظلم!
فوقف أمامه ليواجهه قائلًا بصدق:
_أتعلم أنني أعتبر نضال مثلي الأعلى؟ وأتمنى أن أكون مثله يومًا، يعتمد عليّ أفراد عائلتي وأكون دومًا حاضرًا لمساعدتهم.

ولمَّا كانت البسمة الساخرة هي كل تعليق مهند على ما قال، اختار لؤي التخلص من هذا الموضوع الشائك ليقول بنبرة مازحة:
_وماذا تعني بأنك ستتسول مني؟! ألن توافق على أن أقلك بسيارتي إلى حيث تشاء بعد التخرج؟!

بان الاهتمام على وجه مهند وهو يتساءل بلا فهم:
_أية سيارة؟
ضربة قوية نوعًا ما تلقاها مهند من لؤي على كتفه وهو يستمع لإجابته الحماسية:
_هذا ما أردت ملاقاتك كي أخبرك عنه، لقد ابتاع لي جدي السيارة التي وعدني بها في حال حصولي على تقدير جيد هذا العام، لكنه لن يسمح لي بقيادتها إلا بعد ظهور النتيجة.

ازدرد مهند لعابه ووجمت ملامحه وهو يتطلع إلى السعادة الجمَّة التي يرفل بها صديقه..
وأنَّى له ألا يَسعد؟!
أليس كل ما يطلب يجد دون جهد؟!
أليست أحلامه كلها معجزات تتحقق فور تمنيها؟!
يحق له التباهي ويجوز له الرقص طربًا لو شاء؛
أما عنه فسيبقى إلى الأبد واقفًا في طابور منتظرًا التصريح بتنفيذ أدنى مطالبه!

اليوم سيارة؛
غدًا منصب هام بالمصنع؛
وما إن تقع عيناه على أول فتاة تعجبه سيقترن بها دون دقيقة واحدة من تفكير مهموم وحسابات مُستقبلية مُعقدة!
_مبارك يا لؤي، أنا أغبطك على عائلتك كثيرًا.
غمغم بها محاولًا التظاهر بالسعادة من أجله قدر ما استطاع، لكن غيمة السخط على من يحرمه من مثيلتها حلَّت بالأفق.. وها هي تُنذِر بالويل!
**

بعد يومين:
"لقد انتهى الأمر يا آنسة إيلاف، واعتذرت كل منهما إلى الأخرى بعد أن شَهد السيد ياسر ما حدث وحذرهما من تكراره."
استمعت إيلاف إلى تأكيد إحدى العاملات بالمصنع على حل إحدى المشكلات التي نشبت بين عاملتين منذ قليل، لكن ما لفت انتباهها حقًا هو الجزء الأخير من عبارتها..
_وهل وصل ياسر؟

سألتها بدهشة امتزج بها الحماس بوضوح، فأومأت العاملة إيجابًا وهي تجيبها سريعًا:
_نعم، لكن الحاج فؤاد هاتفه وأرسل في طلبه ويستعد للانصراف الآن.
_سينصرف إلى البيت؟!

سألتها بلا تصديق فأومأت العاملة برأسها إيجابًا مُتعجبة، لكن الشرود الذي لازم صمت إيلاف جعلها تتنحنح في حرج بعد أن انتظرت أكثر من اللازم:
_أتريدين شيئًا آخر آنستي؟
_لا، أشكرك.

ابتسمت العاملة وهي تتراجع حتى خرجت من غرفة المكتب الأنيقة رغم صغر مساحتها، وقفت لتدور في ارتباك وهي توقن أن المواجهة التي تهربت منها طيلة الأيام السابقة قد حان موعدها..

اليوم لا بد لها أن تقدم اعتذارها إلى ياسر عن إخفاقها في نصرته بسبب أنانيتها عندما ارتأت الصمت وهي تستمع لإهانات هاني له حتى لا تهدد سعادتها المرتقبة..

ابتسمت في سخرية من نفسها، فها هو ياسر كان مُحقًّا.. وها هي لم تذق للسعادة أي طعم!

انتبهت لنفسها ترثي حالها كالعادة فتنهدت بعمق والتحذير الصارم يندفع من نقطة ما بعقلها حازمًا، ناهيًا..:
"توقفي عن كونكِ حمقاء يا إيلاف!"

توقفت أمام المكتب لتتناول بعض الأوراق التي تتعلق بمهام وظيفتها الإدارية لتطالعها بالتركيز..
إذن.. أين هو التركيز؟
لماذا تتراقص الأرقام أمامها؟
ولماذا تختلط الأحرف جميعها لتتخلى عن معناها المفهوم لتعود وتتجانس مُكونة.. اسمًا واحدًا!

ثم تتمادى وتُشكل عبارات انطلقت بصوت عملي ليشرح لها شيئًا، أو يُنبهها إلى خطأ وقعت به، أو يحاول عن طريقها التحلي بروح المرح.. فيفشل!
"افهمي إيلاف!"
"تخلصي من شرودكِ!"
"تحملي مسؤوليتكِ!"
"باستطاعتكِ إخراس كل من يشكك في قدراتكِ يا إيلاف!"

كان ينصحها بإخلاص، ويأمرها بصرامة
يشرح لها بصبر، ويساعدها باستماتة؛
لكن.. هل أحبها؟
ولماذا تهتم لمعرفة حقيقة شعوره تجاهها؟

"انفضي عنكِ رداء الضعف يا إيلاف!"
والآن تنفذ نصيحته التي عكف على إسدائها إياها مرارًا وتكرارًا على مدار سنوات!

نفضت رأسها وأحاطته بكفيها وهي تجبر عينيها على إعادة الحروف إلى أصل كلماتها، بعيدًا كل البُعد عن أي ما يمُت له بصلة..
وخواطر خبيثة هجمت كالظلام على سطوع أفكارها قاطعها صوت طرق الباب فابتسمت وهي تسمح للطارق بالدخول..
تلك الابتسامة التي سرعان ما انمحت وهي تُحدق بوجه عمرو بدلًا من ياسر كما توقعت..

"هل لي ببضع دقائق معك يا إيلاف؟"
_ماذا هناك؟
حاولت التحكم في ملامح السخط التي تناضل للظهور على وجهها فجاء سؤالها مُقتضبًا، مفتقرًا إلى التهذيب، لكنه لم يكن مثل شقيقه سريع الغضب، بل كان يقف على الحافة بين الهدوء.. وأسوأ درجات الخُبث!

ابتسم ببطء قائلًا:
_أود التحدث معكِ قليلًا، لكن بغرفة مكتبي.
_لماذا؟ ألا تُلائم غرفتي مقامك يا عمرو؟

ولا تفهم لماذا تواصل استفزازه، ألأنها تود تفريغ حنقها من شقيقه عن طريقه هو؟ أو أنها دومًا ما استشعرت منه خطرًا لا تدري كنهه!
_لم أعنِ هذا، ولا حاجة لِعدائِك إياي يا إيلاف، الخلاف الذي وقع بينكِ وبين شقيقي لن يؤثر في علاقتي بكِ كابنة خالي الوحيد _رحمه الله_.

كادت تضحك في تهكم، لكن عضلات وجهها قد أقسمت ألا تطاوعها في إبداء أي مظهر للسرور.. حتى لو كان مُفتعلًا!
_أرجوكِ رافقيني لأنني أحتاج رأيكِ بأمر ضروري.
والنبرة الراجية التي تحدث بها جعلتها تقف لترافقه، رغبًة منها في إخراسه والتخلص من وجوده الذي يُثير بنفسها عدم الراحة بلا سبب واضح!

ما إن دلف إلى غرفته وتبعته هي حتى تسمرت قدماها كما عيناها التي حدقت في شقيقه بحقد!
_هل أنتما مراهقان كي تقومان باستدراجي بهذا الأسلوب السخيف؟!

هتافها الغاضب الذي يُنبئ عن غيظها لم يؤثر في هاني الذي واتته فرصته أخيرًا، ولا بشقيقه الذي اختار لعب دور المُصلِح، فتراجع إلى الخلف ليقول قبل أن يتركهما بمفردهما:
_يجب أن ينتهي الخصام بينكما يا إيلاف، هو شقيقي وأنتِ زوجته وينبغي أن...
قاطعته صائحة بامتعاض عَنته تمامًا:
_كنت زوجته، وحمدًا لله أنني تخلصت من تلك العلاقة المسمومة في الوقت المناسب بالضبط.

زم عمرو شفتيه وهو ينظر لشقيقه مدركًا صعوبة مهمته، لكنه قد أدى الجزء الخاص به فخرج وأغلق الباب.
وما إن فعلها حتى عادت هي إلى الباب لتفتحه قبل أن تلتفت إلى هاني بترقب؛
لتستمع إليه وتتخلص منه إلى الأبد؛
لتنتهي من إصراره الغريب على مواجهتها، وإن كانت لا تثق بقدرتها على الصمت!
لطالما كان الصمت هو هوايتها المُفضلة؛
لا تحتاج لبذل أي جهد من أجل الالتزام به، ولن يستطيع أحدهم تصيد الأخطاء لها إن واظبت عليه؛
لكنه اليوم أشد أدوارها صعوبة!

وإن كان لسانها قد قام به في كفاءة.. فإن عقلها قد عاندها ليرتج صارخًا بقسوة الذكرى!
منذ عشرة أشهر:
خارج باب غرفته وقفت تضبط حجابها تلقائيًا، وحالما رفعت إحدى قبضتيها لتطرق الباب خرقت عبارته سمعها!

"اسمعيني واصمتي! لا تخافي! لن يعرف أحد بالأمر!"

فغرت شفتيها دهشًة تعاظمت ما إن استمعت إلى نبرة أنثوية مذعورة:
_ابتعد عني يا سيد هاني أرجوك!

_سأعطيكِ مالًا، بل.. سأحرص على ترقيتكِ!

جف حلقها وهي تتأكد مما يطرق أذنيها من صدمة بلسان خطيبها والذي عُقد قرانها عليه، ولولا وفاة والدها منذ ستة أشهر لتم زفافهما بموعده!

_لا داع للتظاهر! أنتِ تعجبينني وأنا سأ..

_يا إلهي!

عند هذا الحد لم تتحمل أكثر فاندفعت تفتح الباب في عنف، ندت عن الفتاة التي تعمل حديثًا بالمصنع شهقة عالية مرتجفة، وبنظراتها أقسمت على أنها ليست مُذنبة..
لم توجه لها هي أي اتهام، حتى عندما هرولت خارجًا لم تلقِ عليها نظرة واحدة..

"ماذا تفعل؟"
سألته بصوت متحشرج وهي تعي حماقة سؤالها، إلا أنه كان أكثر منها حماقًة ليقول في توتر:
_كانت.. كانت تحاول إقناعي بأن أمنحها وظيفة أعلى لقاء..
_كاذب!

صاحت بها تزامنًا مع اندفاع الدموع من مقلتيها، ثم تابعت حينما أطبق شفتيه:
_لقد.. رأيتك، ولقد سمعتك.
سكتت ثم أردفت بهمس متألم:
_أنا أقف هنا منذ دقائق، ولقد رأيتك وسمعتك!

أشاح بوجهه بعيدًا غير قادر على إيجاد عذر، فاستطردت في خيبة:
_لم.. تحبني!
التفت إليها مُحذرًا إياها بعينيه ليؤكد لها بكلماته:
_لا تقومي بتهويل الأمر! مجرد تسلية لتمضية الوقت، فلا داع لافتعال المشاكل!

لم تحفل بما قال وهزت رأسها رفضًا، ثم عادت تسأله في رجاء:
_لم تحبني، أليس كذلك؟
نفخ في غيظ وضرب كفًّا بالأخرى وهو يهتف رامقًا إياها بضجر:
_لن تمرريها أعلم وستبدئين بالنحيب حتى الغد!

عندئذٍ صاحت ملء خيبتها:
_لم تحبني، قلها!
ليصيح بها وهو يشير إلى الباب الذي تقف أمامه بعد أن فقد قدرته على الكتمان:
_ومن قد يُحبكِ؟! خبريني من قد يفعل؟! تلك الفتاة المُعدَمة التي خرجت لتوها بملابسها الرثة ورائحة الفقر المُدقِع التي تفوح منها تفوقكِ جاذبيًة وذكاءً.

اتسعت عيناها ذهولًا لم يلحظه هو أثناء إضافته الساخطة:
_بل أية فتاة بالمصنع لهي ملكة جمال مُقارنًة بكِ!

ضربة بعد ضربة، صفعة تخلف الأخرى، يُسددها لها وكأنها عدو يكرهه، ليست ابنة خاله التي ستكون زوجته خلال أشهر!

_لكنكِ زوجتي، فلتحمدي ربكِ أنكِ زوجتي، ولتُقدري معنى أنني اخترتكِ أنتِ دون سواكِ!
قالها في صوت أكثر هدوءً.. وأعظم غرورًا، فسألته في إمعان رغم الضعف الذي استشرى بكيانها:
_وهل اخترتني حقًّا؟

والسؤال الذي لا تستغرق إجابته وقتًا أو تفكيرًا وقف أمامها عاجزًا؛
والإدراك انطلق تلقائيًا صوب قلبها!

عودة إلى الوقت الحالي:
"أنتِ لا تجيبين اتصالاتي، بل وقمتِ بحظر رقمي أيضًا، وجدي يحرسك ويمنع أي طريقة للتواصل بيننا، كيف أتحدث معكِ؟!
يتظاهر بالاهتمام.. ويفشل؛
يصطنع العتاب.. ويفشل؛
لترافقه إذن حيث يريد!
_ألم تفهم عندئِذ أنني أرفض أي اتصال بك؟
صاح بها نزقًا:
_توقفي عن كونِكِ طفلة حمقاء تنصاع لكل ما يبثه ذلك العجوز الخَرِف في أذنها غافلة عن أهدافه الخاصة.

إلا جدها!
هو حاميها، هو مُنقذها، وهو أكثر من تثق به؛
لن تدعه يؤثر بأفكاره أو أفكار والدته في صورة جدها التي تحبها وتطمئن لها.
_وما هي أهدافه الخاصة؟
وبرغم أن سؤالها كان بغرض مجاراته لا أكثر دون أية نية بالتصديق فإنه اندفع يُجيبها بحماس اتحد معه الحقد بوضوح:
_ألم تفهمي بعد؟! إنه يريد منح المصنع كاملًا لحفيده المُدلل، وقد بات ذلك سهلًا بعد وفاة والدكِ.

كتفت ساعديها ولم تُعلق، فتابع هو:
_لؤي لايزال صغيرًا وقد خدعه بالسيارة التي اشتراها له، لين انشغلت مع طفلها ولم تطأ قدماها المصنع منذ وضعته، أما غفران لا تُبدي اهتمامًا بشؤونه، وأنتِ سهلة الانقياد، لِذا لا عائق أمامه سواي أنا وعمرو، ولن تصيبني دهشة إن وجد طريقة ما ليتخلص منه أيضًا فتخلو الساحة لياسر بك وحده!

لم ينتبه إلى جرحه إياها أثناء محاولته إقناعها بما يقتنع هو به؛
أو ربما انتبه ولم يأبه.. كما اعتاد الكثيرون أن يفعلوا؛
سهلة الانقياد.. هكذا يراها، وهي الساذجة التي هامت به يومًا!

أمعنت النظر به بينما ينتظر تعليقها، لتقول بهدوء لم تتخل عنه أبدًا في أحلك لحظاتها وأكثرها ظُلمة:
_ذلك العجوز الخرف هو من تولى مسؤوليتنا جميعًا منذ صغرنا أكثر من آبائنا، وهو أيضًا من يهب لنجدة أحدنا إن وضع نفسه في مأزق.

ثم أضافت في تساؤل:
_أخبرني يا هاني! من أنفق على دراستك وسُفراتك وملابسك؟ من كان يُغدق عليك مع شقيقك بالهدايا دون مناسبات؟ من كان يُلبي كل ما تطلب دون تأخير؟
توترت عيناه فتابعت بلا اكتراث:
_أخبرني يا هاني! مَن _بالرغم من معارضته الأمر_ تمنى لنا حياة سعيدة لم تستحقها أنت لأنك خائن ولم أستحقها أنا لأنني لم أفكر مرتين حينما وجب عليّ رفضك بلا تردد؟!
احتدت عيناه واعيًا للإهانة التي تلقاها لتوه، لكنها واصلت ببسمة متحسرة:
_وبالنسبة لياسر الذي تحقد عليه كألد أعدائك فهو الوحيد الذي بح صوته مُحذرًا من زواجي بك لكنني كنت صماء عمياء غبية فلم آخذ تحذيره بعين الاعتبار.

واستطردت بندم:
_ليتني فعلت!

ثم تراجعت إلى الخلف لترفع سبابتها المُرتجفة أمامه، تقول زاعمة قوة لا تملكها:
_إياك أن تدعوه بالخرف مرة ثانية! وبدلًا من ادعاء التعرض للظلم ربما يجب عليك التفكير مليًّا إلى أي مستوى انحططت!

_إيلاف!

نظرته الحادة، مع تحذير صوته أخافاها، لكنها اختارت التجاهل وهي تتمتم في إصرار:
_لن تُرهبني كعادتك يا هاني، لن أعتذر لك حينما تُخطئ، لن أظل كما قلت "سهلة الانقياد" ولن أسمح لك بعودتك إلى حياتي مُجددًا!

كانت _بلا قصد_ تُثير حنقه، تُثير سخطه، وتستدرج الغضب الذي أقسم لنفسه أنه لن يدعه يتحكم به حتى يستميلها إليه ثانية..
لِذا هدر بها في غيظ:
_لقد كان مُجرد خطأ بسيط، نزوة عادية، لا تجعلي من الأمر وكأنكِ ضبطتني بفراش إحداهن!

والبساطة التي يتعامل بها مع فِعلته كانت تستفز حنقها أكثر فهتفت في اشمئزاز:
_ألا ترى في إشاعتك القذرة عني، _أنا ابنة خالك_ ما يمنعك من التجاسر على طلب النسيان؟! ألا ترى في مراودتك إحدى العاملات عن نفسها أمرًا جللًا؟!

ثم أخفضت نبرتها كي لا يسمعهما أحد الموظفين وتابعت:
_احمد ربك أنها لم تقم بفضحك أو مساومتك، ولتدعو لِجدك الذي احتواها سريعًا قبل أن تُشهر بك، أقسم أنني لو كنت مكانها لم أكن لأتوقف حتى أخبر الجميع حقيقتك.
ثم أضافت في قهر:
_بل أنني فكرت بالفعل في الانتقام منك واتباع نفس أسلوبك لِما روجته عني، لكن جدك نفسه من منعني.
هنا اختار طريق المُهادنة، ساكبًا كل ما استطاع من أسف على كلماته:
_لم.. لم أجد طريقة أخرى كي أستعيدكِ بها.
_ولماذا هذا التمسك الشديد بي؟

سألته بدهشة حقيقية، ثم استطردت بعينين دامعتين:
_أعني، أنا من كنت أحاول الحصول على انتباهك، كنت أتلعثم وأرتبك إن ألقيت عليّ تحية الصباح فحسب، وأنت كنت دومًا تنظر لي من علوّ، أتذكر جيدًا أنك واظبت على مناداتي بالبليدة الحمقاء، لِذا أنا أدرك جيدًا حدودي وأنظر أسفل قدمي كي لا أتعثر، لست جميلة، أو جذابة، لست خارقة الذكاء أو مُثيرة للانتباه بأي حال.

وبحسرة أشد تابعت:
_لماذا صِرت فجأة حلمًا لك سعيت بأقصى قدرتك كي تحققه؟! ألن تخبرني ؟ ألن تعترف؟

باستهزاء دون إبداء اهتمام مزيف بدمعاتها التي توالت على وجنتيها هتف:
_بِمَ أعترف؟
وبهمس حمل ألمًا صارخًا أجابت:
_بأنك ما تزوجتني إلا لهدف ما في نفسك لا علاقة لي أنا به، لإرث أبي على سبيل المثال.

جمدت ملامحه وهو يقول من بين أسنانه:
_تزوجتكِ لأنني أحببتكِ يا إيلاف.
كبتت كل اللعنات التي احتشدت على لسانها لتصبها على رأسه، ومسحت دمعاتها بأنامل مرتجفة، ثم بكل تأكيد قالت:
_وأنا أكرهك يا هاني!

أدرك من نظرتها أن الأمر يفوق قدرته هذه المرة، وفهم أن إعادتها إليه باتت تتطلب معجزة..
يبدو أن اللُعبة التي دائمًا ضمن وجودها ليلهو بها وقتما يشاء قد تعطلت، خربت، صارت حطام لا فائدة تُرجى منها!

تجاوزته لترحل قائلة بصرامة أثارت دهشته:
_أرجو أن تطلب من والدتك وشقيقك ألا يُحاولان التوسط للإصلاح بيننا ثانية، لأن هذا الأمر أصبح مُستحيلًا بكل ما تعنيه الكلمة يا هاني، أنا لن أكون زوجتك يومًا!
**

ظهيرة حارَّة ببداية أسبوع العمل ككل أيام أغسطس، يتنافس المارَّة مع البائعين الذين يفترشون بضائعهم بمختلف أنواعها على عربات خشبية مُتهالكة، الأصوات تتعالى وكلٌ يُحاول جذب الزبائن الذين يخرجون من محطة قطار الأنفاق بعد أن عادوا من وظائفهم.
البعض منهم يبدو عليه الاهتمام فيقف أمام أحد البائعين ليشتري ما يحتاج، والبعض يلتقط إحدى المعروضات فينطلق في مساومة لا تنتهي دون نية حقيقية للشراء، والبعض الآخر لا يتوقف للحظة مُكتفيًا برمي نظرة عابرة وهو يُسرع في طريقه إلى منزله حيث المروحة التي ستُهون عليه هذا القيظ.
اثنان من الشباب يقف أحدهما على أعلى درجات السلم الخشبي لينتزع اللافتة العريضة التي تحمل عنوان:
"عصائر ومُرطبات السَقَّا
إدارة
ناهل حجازي"

والشاب الآخر يتمسك بالسلم جيدًا كي لا يسقط زميله.
وبداخل محل العصائر الأشهر بهذا الحي الشعبي جلست علا وصديقتها ترتشفان عصير المانجو الطازج بينما تتابعانهما باهتمام.
بطرف عينيها نظرت سهام إلى علا التي يتقافز السرور بنظراتها قفزًا مع بعض التشفي!

"وهل وافق زوجكِ على هذا؟"

ألقت سؤالها الذي لم تستطع كتمانه أكثر وهي تشير إلى واجهة المحل، فأجابتها علا دون أن تبعد عينيها عن اللافتة التي بدأت تتخلَّى عن المسامير المُثبتة:
_وهل يملك حق الرفض؟! هذا المحل صار ملكي وبإمكاني فِعل ما يحلو لي به.

الثقة التي أجابتها بها جعلتها ترغب في إثارة قلقها، فسألتها بتهكم:
_وماذا تفعلين بعدما يخرج ابنه من السجن؟
أدركت سهام أنها نجحت في مسعاها حينما التفتت إليها علا بِحدة متسائلة:
_ماذا تعنين؟
مطت شفتيها بتعجب ثم قالت بدهشة:
_ألا تخافين يا علا؟! أتتوقعين أن يتقبل الأمر دون رد فعل؟! لقد صار من ذوي السوابق وبإمكانه أذيتكِ حقًّا هذه المرة!

ازدردت علا لعابها وأشاحت بوجهها متظاهرة بمتابعة ما يحدث لتقول بلا اقتناع:
_لن يستطيع فعل شيء، بل سيصبح أكثر حرصًا على سلامتي لأنه إن حدث لي أي مكروه سيكون أول من يسحبونه إلى الشرطة.
ثم التفتت إليها مرة ثانية مُردِفة بحزم:
_توقفي عن إخافتي يا سهام! لايزال هناك وقتًا طويلًا حتى يخرج، دعيني أتمتع الآن بحصولي على حقي من هذه الزيجة وعندما تنقضي مدة عقوبته سأقلق كثيرًا.

...
"عصائر ومرطبات علا
إدارة:
علا عطية"

تطلعت إلى اللافتة الجديدة التي انتهى العاملين من تعليقها أعلى واجهة المحل..
دهشة؛
انتصار؛
وسعادة عارمة!

ثم انحدرت عيناها إلى حيث اللافتة القديمة التي زينت المحل لسنوات مُلقاة أرضًا بانتظار التخلص منها، واكتسبت عيناها سعادة أكبر فيما فوزها بانتقامها صار واضحًا للعيان.
_لا أريد هذه الثلاجة أيضًا!

أمر آخر ألقته في امتعاض بعدما حاولت لسنوات إقناع زوجها بأن يخلصها من تلك الثلاجة التي لا تتناسب مع المحل، بل وتجلب لها المارَّة الذين يروون عطشهم بالماء المجاني ويرحلون دون أن تستفيد منهم، لكن ابنه كان شديد التمسك بها وكأن فيها نجاته!

ثم عادت طويلًا تحدِّق _مع صديقتها_ في اللافتة حتى صدح الصوت القوي خلفها:
"مبارك تحقيقكِ ما سعيتِ إليه بِجِد يا علا!"
استدارت فورًا لتشهق بخفوت، ثم تمتمت بدهشة:
_هارون!

وابتسمت بتردد وهي تهتف بترحيب مُبالَغ به:
_كيف حالك؟ لقد اشتقت إليك كثيرًا، لِمَ لا تُجيب اتصالاتي؟ ولماذا لم تطلب أن آتي إليك أنا بدلًا من أن تضطر للحضور بهذا الطقس الحار؟
تخطاها إلى داخل المحل وهو يُمعن النظر بكل ركن به قائلًا بسخرية:
_جئت كي أشاهد بنفسي فوزكِ بمعركتكِ وأهنئكِ، ألا تظنين أن من واجبي مشاركتكِ فرحتكِ؟!

أخفضت رأسها أرضًا مُدركة أنه سيبدأ بتقريعها، بينما أخذت سهام تنقل نظراتها بينهما بفضول، لينظر هو إليها قائلًا بنبرة جافة لا أثر للتهذيب بها:
_إن سمحتِ يا سيدتي هل لي أن أتحدث على انفراد مع شقيقتي؟!
**
انتبهت من شرودها لتجد نفسها أمام غرفتها فضاقت عيناها بتعجب لتستوعب أنها وصلت إلى البيت وصعدت دون أن تنتبه، تمتمت باستغفار وهي تطلق تنهيدة طويلة أثناء تخطيها العتبة، لكنها ما لبثت أن توقفت وهي تتراجع خطوتين إلى الخلف لتنظر إلى الغرفة المجاورة.

ترددت لِثوان ثم حسمت أمرها وهي تغلق بابها مرة أخرى لتتجه بعزم إلى باب غرفة شقيقتها.
وبدلًا من أن تسمع سماحها بالدخول جاءها الأمر الصارم بالانتظار، ثم بعد بضع دقائق وجدتها تفتح الباب بتساؤل مُرتبِك:
_إيلاف!
وكأنها تسكن ببلد آخر! فدهشة غفران كانت حقيقية بينما توتر إيلاف وصل إلى ذروته وهي تسألها:
_كيف حالكِ يا غفران؟
_بخير.
الرد المُقتضب جعلها تفكر بالعودة إلى غرفتها والتراجع عن هذه الرغبة المُفاجِئة التي انتابتها بتبادل حوار مع شقيقتها، ثم تجاهلتها وسألت بتردد:
_هل.. هل أستطيع الثرثرة معك قليلًا؟

ضاقت عينا غفران الواسعة بارتياب، ثم أفسحت لها المجال كي تدخل إلى الغرفة.
تجولت إيلاف بنظراتها في أرجاء المكان باهتمام، ثم تطلعت إلى شقيقتها لتقول ببسمة:
_أتعلمين أنني لا أتذكر متى كانت المرة الأخيرة حين دخلت غرفتكِ؟
عقدت غفران ذراعيها وهي تُعلق بلا اكتراث:
_وفيم تحتاجينها؟ نحن نتناول طعام الغداء سويًا كل يوم.

جلست إيلاف على المقعد المواجه لطاولة الزينة، وبدت في عينيها حسرة تلقائية كلما تأملت العلاقة الشاذة التي تربط ثلاثتهن..
لين.. الكبرى التي فقدت والدتها قبل أن تخطو أولى خطواتها، ليحكم الجد على ابنه بأن يسارع بالزواج من شقيقتها حتى يضمن أمًا حنونة لابنته، وقد حدث ما تمنى فأغدقت الخالة على الطفلة اليتيمة بعطفها حتى أنها لم تهتم بأمر الحمل كي تعني بالصغيرة..

لكن إرادة الله لا تخضع لخطط العباد، فاكتشفت أنها تحمل بين أحشائها أختًا غير شقيقة، حتى وصلت هي..
إيلاف.. الابنة الكبرى لهالة، والثانية في الترتيب بين إخوتها، والأخيرة من حيث الاهتمام؛
فعندما كان الجميع يتوقع تفرقة من هالة بين لين ابنة شقيقتها المتوفاة وإيلاف ابنتها هي، حدث ما توقعوه بالفعل لكن.. في الاتجاه المعاكس!

أظهرت هالة خوفًا على لين، ولِهذا بالغت في الاهتمام بها ناسية الصغيرة التي تحتاجها أيضًا!
سنوات قليلة والوضع كما هو، الأم تحب الاثنتين.. لكنها تؤمن بأن لين تستحق عنايتها أكثر، وإن استشعرت من نفسها ظُلمًا تجاه ابنتها أخبرها الجميع أنها تفعل الصواب وأن لين تحتاجها أكثر، لتُقنع هي نفسها بأنها ستركز اهتمامها على إيلاف عندما تكبر أختها، وهكذا تمنح ضميرها بعضًا من راحة!

ولم تتعلم من الخطط؛
فذات يوم اكتشفت أنها تحمل جنينًا آخر، شهور مرت حتى وصلت..
غفران.. الصغرى الجميلة التي وقع الجميع في حبها ما إن رأوها، وهكذا وجدت هالة نفسها مضطرة لأن توجه حبها ورعايتها لها حتى أنجبت لؤي والذي بطبيعة الحال نال حب والده وحاز كل اهتمامه!

وهكذا صاروا أربعة إخوة، يمارسون لعبة الكراسي الموسيقية، لكنها لم تنتبه لحقيقة ما يجري إلا حينما سارع كل منهم بشغل واحد بينما تنزوي بمفردها في إقرار بالخسران؛
تآلَفَت هي مع حياتها، وآلَفَت عدم المُطالبة بحقوقها؛
تقبع في ذيل قائمة اهتمام الجميع، وربما ذاكراتهم أيضًا!

كثيرًا ما زارها شعور بالغيرة من أختها الكبرى فكتمته بداخلها، لكنه بقى هناك يتغذى على نظرتها للحياة، ثم نظرتها لنفسها!

اكتفت بعلاقتها الوطيدة مع غفران، تلك العلاقة التي أجهز عليها الجفاء منذ بضع سنوات دون تفسير واضح..
وقد استنفذت كل طاقتها، وآمنت أن _يومًا ما_ ستفطن إحداهن إلى التباعد غير المُبرر بينهن وتبادر للاقتراب..
لكن.. يبدو أنها من ستفعل أيضًا!

_أتظنين أن هذا كافِ؟ أتعتقدين أن وضعنا كأخوات طبيعي؟
اقتربت إيلاف من غفران لتسألها بنبرة آسفة، بها من الانزعاج ما استطاعت شقيقتها استشعاره و.. عدم الاهتمام به، لتُجيبها في استخفاف:
_لا شيء طبيعي بهذا البيت يا إيلاف.

تغاضت عن مرأى اللا مُبالاة بعينيها لتقول بنبرة راجية:
_لِمَ لا نجعله إذن؟! لماذا لا نحاول التخلص من العقبات التي تحول بيننا جميعًا بلا سبب؟!
ابتسمت غفران..
ابتسمت بسخرية، وبمقت، وبرفض، ثم أجابتها بامتعاض:
_هناك أسبابًا كثيرة بالفعل، لن يجعل تجاهلنا إياها غير حقيقية.

والأسئلة التي دارت بعقل إيلاف صدتها غفران قبل أن تهجم عليها وهي تقول بكل ما استطاعت من سخرية:
_لماذا جئتِ إليّْ يا إيلاف؟ هل أرسلِك جدك في محاولة أخرى لاستقطابي إلى حيث يريد؟
هزت رأسها نفيًا لكن غفران لم تمنحها الفرصة وهي تتابع بنفس الامتعاض:
_إذن أخبريه أنني أجدد رفضي، إن بنى لي صيدلية من ذهب لن أوافق على تملكها، وأخبريه أيضًا أنني سعيدة بعملي في الصيدلية المتواضعة، وبأنني راضية تمامًا بالراتب القليل الذي أحصل عليه كل شهر، وبأنني _لولا مخافة الإشاعات_ لكنت رحلت عن هذا البيت منذ سنوات.

_لماذا هذه الكراهية العميقة تجاهنا يا غفران؟
والسؤال الذي لا ينفك يتردد بذهنها جعل غفران تضحك، ثم غمغمت ساخرة:
_أرأيتِ؟! "تجاهكم"!
وتراجعت إلى الخلف تستطرد بكراهية:
_لأنني لست منكم، بل كنت أتمنى لو أنني لست منكم، لو أنني لا أحمل تلك الكُنية، ولا أضطر لأن أعيش معكم.

أطبقت إيلاف شفتيها عالمة أنها لن تفصح أكثر..
غفران تثور وتصرخ وتندد؛
غفران تلوم وتهين وتشجب؛
غفران.. لا تغفر!

إذن ما هو الذنب؟
ومن هو مرتكبه؟
ولماذا تعاقبهم جميعًا؟

لا تعلم، لا أحد يعلم، ولن يفعل أحد إلا حينما تقرر صاحبة الشأن بنفسها أن تفصح عنه!

_لماذا أتيتِ؟
سألتها بنبرة أقل عنفًا عندما أدركت أنها صبت جام غضبها على الشخص الخطأ، فما كان منها إلا أن أجابتها بخفوت متحسر:
_كنت أرغب باستشارتكِ _كشقيقتي_ بأمر يخصني، ورغم أن رأيكِ مهما كان لن يُغير من واقعي شيئًا فقد تمنيت ولو لِمرة أن أشعر برابطة تجمعنا.

ولما تجاوزتها إلى الباب اختطف بصرها بريق متسلل من شق باب الخزانة الذي لم تغلقه شقيقتها جيدًا، ولم يحتاج الأمر منها إلى الكثير من الذكاء كي تدرك ماهيته..
سيطرت عليها الدهشة لثوان ثم تلكأت قبل أن تخرج لتتأكد من ظنونها، وهي تقول بهدوء:
_في حال انتابكِ اهتمام أو فضول، فإن هاني وعمتي يرغبان بعودتي إليه.
...

كانت تسير عشوائيًا بغرفتها حائرة، متوترة، خائفة..
هناك شيئًا ما يحدث مع شقيقتها، وحتى تعترف هي لها به عليها أن تستطيع الرسم على الماء أولًا!

أتخبر جدها أم والدتها؟
إن فعلت فلن تستبعد من غفران أي رد فعل كارثي!
أتحاول استدراجها؟
ضحكت!
فتاة وحيدة بغرفتها ضحكت حتى دمعت عيناها..
هي، بحماقتها، بعقلها بطئ الفهم _كما يردد البعض على سمعها_ تنجح في استخراج معلومة من غفران أكثرهن ذكاءًا!

مسحت عينيها بحركة حادة ثم أجبرت نفسها على تجاهل الأمر، ربما عليها أن تراقبها دون أن تشعر حتى تتأكد من شكوكها ثم تخبر عمتها أماني فهي الأقرب لهن جميعًا.

ارتفعت دقات على باب غرفتها فسمحت للطارق بالدخول معتقدة أنه جدها لتجد غفران أمامها، تقف على عتبة الغرفة لا تود التقدم أكثر، وقبل أن تسألها إيلاف بدهشة عن سبب حضورها بادرتها بنهي صارخ:
_إياكِ أن تعودي لذلك النذل! لقد خانكِ الحقير ثم ادعى أنكما كنتما على علاقة كاملة دون زواج فكيف تفكرين بمنحه فرصة أخرى؟!

ازدردت لعابها ومنعت ارتجافة يتعرض لها قلبها وهي تستشعر اهتمام شقيقتها للمرة الأولى منذ وقت طويل.
وبصدق قالت وهي تقترب منها:
_أنا لم أقل أنني سأمنحه فرصة يا غفران، لم يعد بإمكاني أن أفعلها حتى إن أردت.

أومأت غفران رأسها في استحسان لم يظهر على وجهها وهي تعلق بمزيج من الراحة والألم:
_أعلم أن جدكِ لن يوافق بالأصل، سيبقى لكِ حاميًا وساعيًا لإنقاذكِ من أي سوء، وأنا أراه على حق هذه المرة.

ثم حل الصمت، وظلت الاثنتان متواجهتان؛
تتمنى إيلاف أن تدخل غفران لتجلس معها قليلًا، وتخشى غفران أن تدعوها لذلك!

وعندما أنبأ الحماس بنظراتها أنها ستفعلها تراجعت غفران إلى الخلف لتقول في ارتباك:
_حسنًا! لقد ارتأيت أن أنصحكِ، ابتعدي عن كل ما يمت لعمتكِ عزة بصلة! وتشبثي بموقفكِ الرافض تجاه ابنها! بالأصل لا توجد فتاة عاقلة تفكر بالزواج من أحد ولديها، إنهما النذالة تمشي على قدمين!

ابتسمت إيلاف وهي توافقها رأيها، ولم تسنح لها الفرصة للتعليق لأن شقيقتها وَلَّت هربًا إلى غرفتها.. حيث سجنها الاختياري!
**

"إن سمحتِ سيدتي هل لي أن أتحدث على انفراد مع شقيقتي؟!"

احتقن وجه سهام قبل أن تمسك بحافظتها القماشية وتقف في تباطؤ قائلة بحرج:
_لقد كنت أنوي الانصراف حالًا لكنني لم أشأ ترك علا بمفردها مع العاملين.
ابتسم هارون بسخرية وهو يعلق دون تردد:
_بالطبع، ألستِ صديقتها المقربة ومعاونتها بكل ما تقوم به؟!

انتقلت علامات الحرج إلى علا وهي تصافح سهام وتدفعها إلى الخارج بملامح معتذرة، بينما الأخيرة تحدج هارون بغيظ فيقابلها بلا مبالاة.
_ماذا تريد يا هارون؟ أولست ناقمًا عليّ ولا تعجبك قراراتي؟ لماذا عدت الآن؟
اقترب منها يناظرها بغضب لم يحاول التخفيف من حدته، وصاح:
_وهل تظنين أن الظلم والكذب وسلب حق الغير قرارات سليمة؟!
_لم أسلب حق أحد.
وكما صاح صاحت هي أيضًا؛
عسى ارتفاع صوتها يُقنعه؛
أو يجعل ادعائها واقعًا يتقبله الجميع دون تشكيك!

_وماذا تسمين هذا؟! ألم تستغلي فرصة تقييد ناهل بالسجن ثم قمتِ بالاستيلاء على محل والدته؟!
سألها وهو يشير بكفيه عشوائيًا لأركان المحل..
_إنه باسم زوجي، ولقد باعني إياه.
بابتسامة منتصرة، وبنظرة غير مكترثة أجابته، لكنها أجفلت عندما سألها باستهزاء:
_وكم دفعتِ؟

احتبست الكلمات بحلقها وهي تواجه التحفز والكثير من الشماتة بعينيه، ثم بقوة ردَّت:
_عمري، دفعت تسع سنوات من عمري في خدمته، وتحملت ما لا أطيق، ألا أستحق العوض؟

_ومن أجبركِ؟ لقد حذرتكِ مرارًا أن فارق السن بينكما ليس بصالحكِ، حاولت تنبيهكِ إلى أنه لا يؤتمن بعد أن ترك زوجته وابنه لسنوات بلا رعاية ليتخذ من الزواج والطلاق لعبة كي يشبع غرائزه ناسيًا امرأة باعته كل ما ملكت ومُتغاضيًا عن حُرمة ما يفعل، ثم عاد ناويًا على تجديد شبابه مع امرأة صغيرة جميلة، لكنكِ لم تهتمي بالمرتبة الدُنيا التي سيضعكِ بها هذا الزواج وأصررتِ على تنفيذ رغبتكِ ظنًا منكِ أنه يمتلك أموالًا لا حصر لها.

أخرسها دون أمر، أخرسها بصدق قوله.. وبحسرة رجل على الطريق الملتوي الذي اتخذته شقيقته..
استعاد أيامًا بعيدة كان يتوسلها ألا توافق على زيجة ترسم لها مصيرًا غير طبيعي، ولِغيرها ظالمًا؛
واستعاد أيامًا اتهمته فيها بأنانيته ورغبته بالاستحواذ على اهتمامها بعد وفاة والديهما؛
كانت تبتزه عاطفيًا وكان يعلم؛
كانت تُعيره بعدم زواجها مُبكرًا حتى ترعاه وكان ذلك يؤلمه!

ثم استعاد تلك الصدمة التي تلقتها حينما اكتشفت أن البلورة السحرية التي تنبأت لها بما سيعود عليها من سفره الطويل انفجرت لتُدميها شظاياها قبل الجميع!

_ثم خدعكِ، أليس كذلك؟!

وسؤاله في هيئة تقريرية أثار غيظها وحنقها، لتهتف وهي تتراجع إلى الخلف:
_وها أنا انتقمت، وها أنا استرددت حقًا بسيطًا من حقوقي، لماذا أنت منزعج؟
فتقدم منها وهو يهتف بها:
_لأنه ليس حقكِ، بل هو حق الشاب الذي ألقيتِه بالسجن بين المجرمين لأنه كان عائقًا أمام إرادتكِ.

عقدت ذراعيها لتقول بلا تردد:
_لم أظلمه، لقد دفعني أمام سهام وزوجها فسقطت و...
لكنه قاطعها مُتسائلًا بهدوء:
_هل هو من أحدث بكِ تلك الإصابات حقًا يا علا؟

سكتت لتبقى مُحدقة به دون إجابة، فعاد ليصرخ:
_أخبريني!
ثم بملامح ساخطة واصل:
_هل هو من آذاكِ بذلك الشكل يوم أن هرولتِ تستنجدين بالشرطة؟ لأنني أكاد أقسم أنه لم يفعل رغم عدم حضوري آنذاك!
_لم ينكر.
علَّقت ببرود حاولت إكسابه بعض الثقة، ليرمقها بدهشة مُتمتمًا:
_وهذا ما يجعلني حائرًا، لماذا لم ينكر مع أنه بالتأكيد لم يفعل؟

ثم ارتخت ملامحه وهو يتابع رافعًا سبابته بتحذير:
_لكنني لو كنت في نفس وضعكِ لتمنيت لو أنكر ثم لاتخذت احتياطاتي، فليس باستطاعتِكِ توقع كيف يُزجي السجن مُخيلة من يرغب بالانتقام، خاصًة عندما يعلم أنه قد فقد آخر ما يملك!

إنه التحذير الثاني من مغبة فعلتها في نفس اليوم!
لماذا لا يمنحونها وقتًا للاحتفال بغنيمتها قبل الاستسلام للخوف من المجهول؟!
مجهول سلبته كل فرصة استغاثة، وتمتعت بدفعه تمامًا إلى حيث أرادت.. وَسَط إعصار الغضب!

تباطأت أنفاسها وازدردت لعابها قبل أن تقول بارتباك:
_لا يزال هناك وقتًا حتى...
بترت عبارتها لا إراديًا وتثاقلت أنفاسها عندما ابتسم هارون ليُعلق بتهكم:
_ألم أخبركِ بعد؟! لقد كان ناهل حسن السير والسلوك لدرجة أنه سيخرج فور انقضاء نصف المدة!
**

"أشكرك!"
رددها حازم بخفوت أثار انتباه ناهل الذي لم يعبس بمواجهته كما المرات السابقة، إنما ربت على الفراش الصلب فجلس حازم دون تكرار الطلب الصامت!

فبعدما تشاجر لأجله منذ يومين لم يحاول إزعاجه ثانيًة خاصًة وقد تأكد أنه متمسك بعزلته، لكن الامتنان الذي يشعر به بات أكبر من أن يكتمه وهو يستشعر أمانًا بسيطًا لأول مرة منذ بدأ بتنفيذ عقوبته، فقد تأكد الجميع أنه يقبع تحت حماية ناهل، وأن هذا الأخير يستطيع الدفاع عن كليهما جيدًا.

_كم تملك من المال؟

انطلق السؤال على لسان ناهل دون تردد، لينظر له حازم بارتياب وهو يُجيبه:
_مائتين جنيهًا، لِمَ تسأل؟
_أتساوي حياتك مائتين من الجنيهات؟! ألا تدرك أنهما كانا على وشك إصابتك أو ما هو أكثر؟!

ورغم انتباه حازم إلى التوبيخ بنبرة ناهل فإنه هز كتفيه بلا اكتراث ليقول بشرود حاول إخفائه ببعض السخرية:
_لا يزال هناك أكثر من عامين سأقضيها هنا، ألا تعتقد أنه من المبكر جدًا أن أستسلم إلى كل ما يملونه عليّْ بدءً من الآن؟

أدرك ناهل الحزن الدفين خلف ذلك القناع، أدركه.. وأشفق عليه!
خاصًة بعدما لاحظ تنمر البعض عليه لأيام بسبب وسامته الملحوظة، وسامة يعتبرها السجناء تليق بالنساء لِذا يتعاملون معه كواحدة منهن!
_ما هي تهمتك؟

بفضول نادرًا ما يتحكم به سأله ناهل، لينظر حازم إليه قائلًا بحماس:
_سأخبرك إن أخبرتني أنت عن صِدق التهمة المُوجهة إليك، هل أنت مُدان حقًا؟

زم ناهل شفتيه ثم أجابه وهو يُمعِن النظر به:
_نوعًا ما! إن كنت تنتظر أن أبكي صارخًا بالظلم الكامل الذي وقع عليّ سأخيب ظنك للأسف!

لم يندهش حازم للاعتراف اللا مُبالي، فكل من ينظر إليه لن يرى سوى الإدانة الصريحة، لكنه لم يسأل عن المزيد وقال بفخر لا يتفق مع فحوى كلماته:
_لقد أحدثت لأحدهم عاهة مُستديمة!



ارتفع حاجبا ناهل بدهشة فسارع حازم مُتابعًا شماتة:
_لا تنظر لي بهذه الطريقة! صدق أو لا تصدق! بإمكان زجاجة مكسورة فِعل الكثير.
ولمَّا شرد حازم مُجددًا انتزعه ناهل متسائلًا:
_إذن، من هو ضحيتك؟
_زوج شقيقتي، اعتاد ضربها وسلبها المال الذي أرسله إليها خلسة، وبآخر الأمر استطاع جني المال وبات يرغب بالزواج من أخرى بشقتها هي، وعندما قامت بالشكوى إليّ وتدخلت لإصلاح الأمر بينهما أعلن أنه لا يمانع الطلاق بعد أن تتنازل له عن جميع حقوقها!

غضب، وقهر، وحسرة؛
كلما تلفظ حازم بعبارة رافقوه جميعًا، ويكون نصيب ناهل منهم الضِعف!
احتدت عينا الأخير بحقد لا سبب له، لكن حازم نظر له مليَّا ليقول بلهجة دفاعية:
_لا تُلقِ باللوم عليّ! لو كانت شقيقتك لـ...
_لو كانت شقيقتي لكنت لقنته درسًا لا ينساه عندما اعتدى عليها للمرة الأولى!

أجبره ناهل على بتر عبارته، وحدَّق حازم بطاقة العنف التي سادت عينيه دون أن يعي مصدرها أو مصيرها.
انتابه الوجل بعد أن عم الصمت بينهما فسأله بعد دقائق باهتمام:
_هل لديك أشقاء؟
اكتفى ناهل بِهز رأسه نفيًا في صمت، ليتابع حازم:
_ووالداك؟
تحرَّكت عقدة حنجرة ناهل بسرعة ولم يجد الوقت للتظاهر باللا مبالاة، فاستطاع حازم أن يلمح رجفة انتابت أهدابه قبل أن يجيب باقتضاب:
_لا!
_ولا أنا، لكن شقيقتي ستُنجِب طفلًا بمطلع العام القادم، لقد عَلِمْت بالأمر قبل الحادث بيومين، حينما أتحرر سأعوضها وطفلها عن الـ*** زوجها!

علَّق حازم بمرح مُفتعل لم يستجب له ناهل الذي أسند رأسه إلى الحائط، فأضاف بصدق:
_عسى أن تنقضي مُدة عقوبتك ويجمعك الله بعائلتك أيضًا.
وانفلتت من ناهل ابتسامة؛
لم تكن راجية؛
أو حالمة؛
إنما ساخرة!

وضع هاتفه على المنضدة الجانبية عاقدًا حاجبيه بدهشة بعد أن استمع إلى الرسالة التي تخبره باستمرار انغلاق الهاتف للمرة الثانية، حتى مراد لا يعلم أين اختفى ابن عمه فجأة.

_عماد!

التفت إلى زوجته التي تبدَّلت أحوالها منذ يومين من الحنق المعتاد إلى الهدوء الذي قلما تمتعت به بالفترة الأخيرة، وحتى مع انتباهه إلى عزوفها عن النظر إليه بإصرار لم يحاول سؤالها عن السبب شاكرًا إياه أيًّا كان!

لكن.. يبدو أن فترة السلام القصيرة قد انتهت، وها هي ستواصل هجومها غير المُبرر!
_ماذا تريدين يا لين؟
بارتباك أجابته متسائلة:
_هل.. هل تواصلت مع أسامة؟

زفر بضيق وهو يعي صدق ظنونه، والتساؤلات تتطاير بذهنه عن اليوم الذي ستتوقف فيه عن الشكوى بشأن صديقيه..
مط شفتيه ليقول بابتسامة صفراء:
_لا، لا أعلم أين اختفى دون سبب، ومراد أيضًا لا يعرف عنه أي خبر ويرفض الحضور لنتحدث.
ثم تابع بنبرة ذات مغزى:
_ربما قد انزعج أسامة من استقبالكِ السيء له ثم اتهامكِ الأحمق بالمرة الأخيرة واتخذ قرارًا بألا تطأ قدماه بيتنا.

التفتت لتنظر له بحدة فسَّر سببها خطئًا فأردف بغيظ:
_فلتفرحي إذن! لقد تحقق ما أردتِ وأصبحت أنا ووقتي بالكامل تحت أمر سيادتكِ!

_لقد التقيت بأسامة أمس الأول.

ما إن أنهى عبارته حتى نطقت بهدوء لا تعلم كيف اكتسبته، ولا تفهم كيف أرفقته بهكذا عبارة تحمل من المعاني ما تُجتث له الأعناق.
_أين؟ ولماذا؟
بدهشة سألها، فبثبات أجابته:
_كنت أتناول طعام الإفطار في ذلك المقهى، حتى رأيته يجلس على الطاولة نفسها دون استئذان.
_وماذا إذن؟

حدَّقت به بذهول وهي تقر بالحقيقة المرة.. هي زوجة لِديوث لا يخشى على زوجته من الفتنة!
لقد داومت منذ البداية على اتباع الرفق في اختلافها معه، أما الآن وقد أمست الفطرة السليمة على المحك فليذهب الـ.. لين إلى الجحيم، ولتقتبس بعضًا من جمراته تحرقه بها!

_لقد عرض عليّْ أن أطلب منك الطلاق لأتزوج منه على الفور.

وأخيرًا انتفض واقفًا وهو يهتف:
_بِمَ تهذين أنتِ؟

والنيران التي اندلعت بعد طول انتظار أصابتها ببرودة تلبستها كلماتها الصارمة:
_اسأله! لو أنك لا تجد القدرة على تصديق زوجتك، يمكنك أن تسأله!

استطاعت رؤية اهتزاز، وارتياب.. ثم بوادر صدمة أصابتها هي بشعور الراحة، ومن مبدأ الطرق على الحديد وهو ساخن تابعت بأسئلة ساخرة:
_هل يتهرَّب منك صديقك المقرب يا عماد؟ هل يرفض إجابة اتصالاتك بعد أن طلب من زوجتك أن يتزوجها؟

هزَّ رأسه رفضًا لم يصل إلى صوته أو عينيه وهو يقول بخفوت:
_أسامة لن يفعلها.

ضغطت على أسنانها بغيظ ثم قالت بهدوء تناقض مع فحوى كلماتها والحُرقة التي تنبثق منها:
_فعلها يا عماد، وأنت متيقن أنه فعلها، لكنك تخاف الاعتراف، لأن ذلك الاعتراف يُعَد عارًا وخزيًا لرجولتك!



تراجع إلى الخلف ينظر لها مليًّا في صمت، وهي تنتظر..
تعيش أكثر لحظات حياتها الزوجية حرجًا؛
تنتظر حُكمًا، تنتظر فرصًة، أو.. خلاصًا!

_إن كنتِ صادقة وقد عرض عليكِ الزواج حقًّا فلماذا واتته الشجاعة؟
وتابع مُستغلًا صمتها الغريب:
_كيف تجاسر يا لين دون أن يجد لديكِ ما يُشجعه؟!



_ماذا تعني؟
بصوت متحشرج كان هذا كل ما وجدت بنفسها القدرة على التلفظ به، فهز هو كتفيه مُوضحًا مقصده دون تورية:
_أنتِ تفهمين ما أعني، ربما أنتِ من أبديتِ إعجابًا به فقام بمسايرتكِ، هو ليس بناسك حتى يُدير ظهره لدعوة امرأة جميلة!



بحثت في كل المفردات التي تحفظها فلم تجد ما ينبغي عليها الرد به، فقام عقلها باستعراض الأحداث منذ البداية حتى يجد مكمن الخطأ..
لقد تقدم عماد طالبًا الزواج منها بعد أن رآها بضع مرات خلال مناسبات جمعت عائلتيهما معًا، ولم تجد سببًا للاعتراض عليه فاختارت أن تفعل كما الجميع ووافقت.



فترة خطبة عادية مع بعض الخلافات الطفيفة، وهي بنفسها لم تتعرض خلالها إلى ما يُثير قلقها.
الآن.. وبعد عامين أدركت أنها أخطأت!



كان يجب عليها الرحيل عند الإنذار الأول، قبل أن يحمل طفلها معها وزرها!
لكن.. هل زوجها هو مثال الأب الذي سيتشرف به صغيرها؟!
هزَّت رأسها نفيًا تُجيب نفسها بنفسها، ونبت التصميم بعينيها ليتخلل صوتها فتقول:



_أنت لست والدًا يُحتذى به، ولست زوجًا آمن على نفسي معه، لِذا فلتُطلقني يا عماد!



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات