رواية علي ضفة قلبك ظمآن الفصل التاسع والعشرين 29 بقلم سعاد محمد
الفصل التاسع والعشرون
(إلى أشلاء)
ألقى نظرة سريعة على ساعة هاتفه وهو يدخل فورًا إلى غرفتهما مُتوقعًا أن يجدها تغط في نوم عميق، لكن عينيه وقعت عليها تجلس على أحد المقاعد بمواجهة الفراش، شاردة، جامدة.. كما كانت بجواره ليلة الأمس!
أعاد هاتفه إلى جيب بنطاله واقترب منها في حذر ثم بادرها مُتعجبًا:
_إيلاف! أنتِ مستيقظة بالفعل! لقد اتصلت بكِ كثيرًا حتى تأتين إليّ بالمحل ولم تُجيبي!
ثم تابع بنبرة بَذَر بها بعض الحماس علَّ جمودها يستحي ويرحل:
_لقد استطعت ترتيب ظروفي حتى نتناول الإفطار بالخارج حسب اتفاقنا الأول، هيا ضعي حجابكِ كي نستطيع حجز طاولة! ذلك المطعم يُشغَل عن آخره بدءً من العصر.
_لن أذهب!
في اقتضاب حازم نطقت، فتوقف بمكانه مُتسائلًا في توجس:
_لماذا؟
ونظرت إليه؛
أخيرًا نظرت إليه؛
ليرى هذا الأنين الذي تصرخ به عيناها!
أنين تمتمت به تاليًا وتعارض مع هذه البسمة التي يبدو أنها تؤلمها:
_لأنني حمقاء، هذا هو دوري الأزلي الذي أستمتع بالقيام به طوال الوقت كي لا أُخَيب آمالكم جميعًا!
دفع أنامله بلحيته وقد تضافر التوتر مع الحزن في إضافة المزيد من الإنهاك به، ثم رمى بجسده على الفراش قبالتها وسألها في حيرة:
_ماذا هناك؟
رمقته صامتة وهي تتخيله حيث يجلس.. لكن ليس بمفرده؛
بين ذراعي أخرى ذات جمال يراه الأعمى وفتنة تستشعرها قبل السعي خلفها؛
أخرى أغلقت بابها بوجهها سريعًا في ارتباك منذ ساعات بعد أن افتعلت هي طرقه بالخطأ!
_إيلاف! خبريني ماذا بكِ؟
كرر سؤاله فثبتت نظرتها المُترقرقة عليه وعلَّقت بصوت مبحوح:
_بي..
شهقة تدخلت فطفرت عيناها الدموع قبل أن تتابع في حسرة:
_بي ألم.
ثم وقفت وقد بدأت بفقد سيطرتها على مآقيها واستأنفت بهسيس تمرَّغ في شكوى صارخة:
_بي ألم قاتل، يخترق جلدي، خلاياي، عظامي، ويتوقف هنا..
وأشارت إلى موضع قلبها ثم انفجرت في بكاء حار تابعت من خلاله:
_يتوقف لا لأنه انتهى، بل لأنه يشحذ كل قوته ليقضي عليّ!
كان يحدق بها ذاهلًا وشاعرًا بأنه ارتكب جريمة ما لا يدري كنهها، لكن حالتها المنهارة شلَّت تفكيره وأخرسته فاستطردت في استنكار:
_لماذا يتكرر معي الأمر؟
ثم مسحت وجهها بعنف وهزت رأسها نفيًا لتستدرك بين شهقاتها:
_لا، لا يتكرر، ما.. يحدث الآن جديد تمامًا، لا يتشابه إطلاقًا مع أي ألم سابق!
اتجه إليها بعدما تخلص من تجمده ووقف أمامها قائلًا في تلهف:
_إيلاف! اهدئي وخبريني من قام بإزعاجكِ إلى هذا الحد!
ثم احتدت ملامحه بغتة ليسألها في حذر قبل أن ترد:
_أهي شقيقة هارون؟
ثانيًة هزت رأسها نفيًا في قوة فتساقطت دموعها على صدرها وبعض منها على كفه التي تمسك بذراعها، لتقول في صوت متحشرج:
_لا، لم تكن هي، اليوم لم تكن هي، اليوم أشعر وكأنني قطعة من زجاج تتفتت إلى شظايا فلا ينزف سواها، اليوم أشعر وكأنما ذُبِحت فتقطعت روحي إلى أشلاء، هُنا.. قصمة، قُصِم قلبي يا ناهل، قُصِم بيدك أنت!
في اعتذار لم يفهم سببه بعد نظر لها مُستعدًا بأن يُقر بالمزيد منه حتى تتخلص من هذه الحالة، إلا أنها سرعان ما هتفت في غضب:
_من هي؟ هل تحبها؟ هل..
وبترت سؤالها لتتسع عيناها في صدمة ثم تابعت رغم عدم تمكنها من ترتيب كلماتها جيدًا:
_يا إلهي! أمن الممكن أن تكون.. هل هي زوجتك؟
في دهشة ظل يتفحصها بملامحه ولا يفهم أي مما تقول، لكنها فجأة صرخت به في جنون:
_خبرني الحقيقة يا ناهل! وخبرني كيف واتتك الجرأة لتكذب عليّ! كيف استطعت أن تضحك معي بينما هناك من تسخر مني بسببك؟! كيف ضممتني بالأمس فقط لتستيقظ بعد ساعات فترتمي بين ذراعيها؟ كيف..
سدت غصة مريرة طريق كلماتها فتراجعت إلى الخلف وجسدها بأكمله يرتجف ثم واصلت في خفوت رغم بكاءها الذي يشتد:
_كيف ارتضيت أن تهفو إلى أخرى؟! تسكن إلى أخرى؟! تتطلع بعشق إلى أخرى؟! وكيف أتيت بها إلى بيتي أيضًا؟!
وسؤالها الأخير الذي صرخت به تزامن مع إشهارها حمرة الشفاة أمام وجهه الذي صار مُصمت الملامح كليًّا، وقبل أن يتفوه بكلمة ارتفعت ضحكاتها الهستيرية لتضيف في نظرة محذرة، مقهورة:
_لقد وجدته أسفل الفراش.. أسفل فراشنا يا ناهل!
ثم أضافت بامتعاض:
_وإياك أن تحاول إقناعي بأن هذا يعود إليّ!
وعندما كان يُحدق بما تمسك بلا فهم اختتمت بألم:
_خبرتك قبلًا أنني لا أتقن وضعه، فخبرتني أنت أنني لا أحتاجه، أنني أجمل دونه..
ثم ألقته بأقصى قوتها ليرتطم بالمنضدة الجانبية أثناء صراخها:
_حينما قلت أنك قد اخترتني.. لماذا كذبت؟ ولماذا خنت؟
لم ترف جفونه للحظة، ولم يُزِح عيناه عنها حتى مع صوت الارتطام، لكنه أخيرًا أشار بيده تجاهه قائلًا في حيرة:
_هذا.. لا أعلم عنه شيئًا، لم أره من قبل.
عادت تضحك عاليًا ثم قالت في استهزاء:
_ربما أنت بهذا صادق، إنها إحدى حيل النساء الشهيرة، ربما تركته هي عمدًا حتى تخبرني بعلاقتك بها!
ثم ابتسمت في إعجاب رغم سيل الدموع وقالت:
_اختيارك رائع يا ناهل، أهنئك، لقد رأيتها وإنها حقًا باهرة الجمال، إلى الحد الذي يحملك على إهمال حرصك وزيارتها في وضح النهار، وأنت صائم أيضًا.
رحلت الحيرة مع الإشفاق رفقة الاعتذار سريعًا، ووجمت ملامحه كلها ما إن فهم أخيرًا ما يحدث..
للأسف فهم ما يحدث!
_إذن فقد راقبتِني!
نطق في اقتضاب فأجابته بالمثل:
_نعم فعلت!
_وماذا رأيتِ؟
هزت كتفيها ثم قالت في بساطة:
_رأيتك تنقل الأثاث لشقتكما، رأيت سعادتك بعد انتهائك، رأيتك تلقي بعض التعليمات على الحارس بالتأكيد حول الاهتمام بها، و..رأيتها!
تقطعت كلمتها الأخيرة ثم تابعت في همس باكِ:
_حسناء وهي بالفعل حسناء، مُبارك! لقد أجدت الاختيار هذه المرة، أجدته إلى الحد الذي منعني من مواجهتها أو الشجار معها كي لا أُعرض نفسي للإهانة.
انكتم لسانه تمامًا فيما راحت عيناه تتجول على محياها..
لماذا لا يبدو له الأمر مُفاجئًا؟!
لماذا لا يحاول الدفاع عن نفسه؟!
مهلاً.. لقد فعل كثيرًا من قبل بلا أية نتيجة!
_لكن هناك أسئلة لا تنفك تدور في عقلي، مِثل.. لماذا كنت تلتقي بها ببيتنا ثم اشتريت لها مكانًا خاصًا؟! تُرى هل حدث ما أفسد خططك؟! هل كنت تعتبرها نزوة عابرة لكنها فاجئتك بـما يقيدك بها إلى الأبـ..
_اصمتي يا إيلاف! أنتِ تقذفين امرأة أخرى بتهمة أخلاقية! دعكِ من زوجكِ اللعوب المُدنس الذي يرتكب الكبائر مع كل شهيق يدخل صدره، لكنها امرأة مثلكِ تمامًا، لا تنسي أنكِ صائمة وكلماتك هذه كفيلة بإفساده!
لم تعِ من كلماته الصائحة إلا حمائيته، وغضبه، وزجره إياها.. لأجل أخرى!
_أنت تدافع عنها!
في ذهول تمتمت، فأكد لها هاتفًا في صرامة:
_وسأدافع عن أية امرأة تُتهم في شرفها، ألن تفعلي أنتِ؟!
تقهقرت إلى الخلف فيما تعلقت نظراتها الذاهلة به وتحس أن جسدها سيخذلها، تقهقرت كما استسلم قلبها للقادم، وقاد عقلها قرارها لتنطق في خفوت رغم الصلابة التي كافحت لرسمها:
_أنا.. لم أعد أريد هذا، سئمت الشك، سئمت الغدر، لن أتحمل المزيد من الخيانة،أنا.. أريد الطلاق يا ناهل!
لم يتحرك قيد أنملة، بقى مكانه يمنحها فرصة لسحب ما قالت على وعد غير منطوق بأنه سيتظاهر بعدم سماعه، لكنها لم تفعل، بل بدا له أن صلابتها تستفحل شيئًا فشيئًا حتى صارت حقيقية على عكس افتعالها بالبداية..
لماذا لا يزال يقرأ انفعالاتها بسهولة؟!
ولماذا تدفعه دفعًا إلى الاختيار بين قلبه وكبريائه؟!
_ألم أحذركِ من قبل أنني لن أسمح لكِ بوسمي بالخيانة مرة أخرى؟!
سألها في نذير فرمقته بانفعال لم يمنحها الفرصة للبوح به عندما تابع في هدوء:
_أتعلمين؟! لتوي لاحظت أنني لم أتوقف عن التأكيد لكِ بأنني أثق بكِ، أثق بكِ أكثر من نفسي في الواقع، إلا أنكِ لم تخبريني لمرة واحدة أنكِ تفعلين المثل،أتدرين لماذا؟
اضطربت لوهلة فأكمل بابتسامة حملت حسرة بَينة:
_لأنكِ لا تستطيعين الكذب ولا النفاق يا إيلاف، في الماضي كنتِ تمنحينني ثقتكِ كلها ولم أكن إلا ناهل الموظف بمصنع عائلتكِ، لكن مرتبة الزواج تحتاج إلى قدر أكبر من الثقة، قدر لا تتحملين منحه الآن وقد سلب من سبقني كل فرصة ممكنة لاستعادته!
شحب وجهها وأشاحت بنظراتها عنه ليغمغم في نبرة تقريرية:
_أنتِ لم تثقي بي يومًا واحدًا منذ زواجنا، لا زلتِ مسجونة حيث زج بكِ هو، ولا زلتِ تولين ظهركِ لكل دعواي لكِ بالتحرر!
كثيرًا ما رأته غاضبًا في العمل، وكثيرًا ما ألقت عليه باللوم أحيانًا لجفائه حينما يعبر الحدود، لكنها لم تكن يومًا عُرضة لأن تروح ضحيته؛
تعرف قدرته على القسوة، تعرف إلى أي مدى يمكن أن يرتحل إن نفد صبره؛
ها هو يُعري جراحها بلا إنذار، ها هو يقتحم ذلك السجن الذي فقدت خارطة تُرشدها لِهروبها منه..
هناك هي؛
بعمق الظلام، بصقيع الوحدة، وبِطي النسيان!
ولمَّا كانت قد قررت الالتجاء بالفعل إلى أسوار تقيها إيذاءً من آخر مَن توقعت منعها ليسألها بهدوء:
_هل أحببتِني حقًّا يا إيلاف؟
عادت تنظر له في صمت فصرخ بها فجأة:
_انطقي! هل أحببتني أبدًا؟
ورغم إجفالها فقد سارعت تهتف باستنكار:
_بالطبع أحببتك! لِمَ تظن خيبتي بك إذن؟!
_من أحببتِ بالضبط؟
سألها في شراسة وقد ظهر أنه تشبث بالفرصة ساكبًا المزيد من الغِلظة مُزيحًا رفق لم يعد له فائدة، فأطبقت شفتيها بينما سيطر الاضطراب عليها ونظرت له بتوتر، ليقترب منها مُتسائلًا في تحفز:
_هل أحببتِ ناهل العامل الطموح بمصنع جدكِ؟ أم ناهل المكافح صاحب محل المُرطبات؟ أم ناهل ... رد السجون؟
عقدت حاجبيها مع تشديده على عبارته الأخيرة فابتسم في سخرية وقال:
_سأجيبكِ أنا، أنتِ لم تحبي أحدهم، إنما أحببتِ اشتراكهم كلهم في الاهتمام بكِ رغم اختلافاتهم، أحببتِ ثباتكِ وسط فوضى عالمي، أحببتِ تمسكي بكِ رغم استعدادي للتخلي عن كل ما عداكِ، أحببتِ... امتلاكي!
ظهرت الدهشة رفقة الاعتراض على ملامحها فتابع مؤكدًا:
_أنتِ لا تغارين حُبًا، بل هَوسًا!
ثم أضاف بنبرة مقهورة لم تسمعها منه إلا حينما كان يقص عليها إحدى ذكرياته مع والدته:
_لا يزال هو هناك في الظل، ظل يمتد ليحول بيننا، ظل تخافين حد الرعب من أن أكون أنا صورة مُكررة له، حد.. إيذاء كل شعور صادق تشاطرناه سويًا!
أطرقت برأسها في تأكيد صامت على قوله، فهي _كما قال لتوه_ لا تستطيع الكذب!
_يبدو أن اللحظة التي انتظرتِها كثيرًا قد حانت، ويبدو أن استمرار تشبثي بكِ رغمًا عن إرادتكِ سيُعد ظُلمًا بحقكِ وإهانًة بحقي أنا!
نظرت له في خوف فتابع دون إبداء أية لمحة تأثر:
_هذه المرة سأُطلقكِ كما تشائين يا إيلاف.
**********
"هل الطعام مُريع إلى هذا الحد يا أمي؟!"
سألها نضال في مرح كان افتعاله شديد الصعوبة عندما وقفت في بطء بعد أن مسحت يديها بقطعة قماش مُبللة ومُعطرة جهزها لها، فرغم أنها أعربت عن عدم رغبتها في الخروج من غرفتها لمشاركة ولديها المائدة كما دأبت طيلة الأيام الماضية فقد انصاعت لإلحاح الأكبر، لكن ما إن انتهت من تناول الإفطار حتى انعزلت بغرفتها تصلي وتقرأ القرآن ولم تخرج منها إلا منذ دقائق لتناول السحور.
_سُلمت يداك يا حبيبي، كان ألذ ما ذُقت من طعام.
قالتها في تعب واضح وربتت على إحدى كفيه متجاهلة النظرات المتألمة لابنها الأصغر الذي لم توجه له كلمة واحدة منذ خلعت خطيبة شقيقه حلقته عقابًا له هو!
أطرق مهند برأسه وترك اللقيمة التي كاد يضعها في فمه، إلا أن دوران رأس والدته جعله يهب لنجدتها قبل أن تسقط أرضًا، وبينما أسلمت هي إحدى ذراعيها إلى نضال الذي تلقفها سريعًا فقد هتفت قدر ما استطاعت من غضب به:
_ابق مكانك وإياك أن تقترب مني!
تسمر مهند بمكانه وازدرد لعابه فيما كانت نظرته المُعذبة تتبعهما حيث اختفيا خلف باب غرفتها قبل أن تصفقه عمدًا أمام وجهه، ليجلس مُجددًا بمقعده عازفًا عن وجبة مُغايرة.. وجبة مُرَّة بطعم النبذ!
نبذ غَصَّت به روحه قبل حلقه، نبذ استشعره من كل ما يحيط به، وكأن الجمادات حوله إياه تزدري، منه تنفر، به تصرخ في اشمئزاز:
"أنت مُثير للقرف يا مُهند!"
"أنت تستحق العزل يا مُهند!"
"التوبة لم تتلقفك بعد يا مُهند!"
...
"لقد قسوتِ عليه يا أمي، هو بالفعل نادم!"
بِلَوم بادر نضال والدته التي اضطجعت في فراشها عابسة الوجه، دامعة العينين، مُنهكة الروح ضعيفة الجسد..
لم ترد عليه من فورها، إنما ظَلَّت صامتة لوهلة ثم صاحت فجأة بأقصى سخطها:
_وبماذا يفيدنا ذلك الندم الآن بعد فعلته الشنيعة بحق فتاة آمنته وأهلها على وجوده ببيتهم؟! وبحق صديقه الذي غدر به؟! وبحق شقيقه الذي تحطم قلبه؟!
تنهد نضال مُتغاضيًا عن ألمه الخاص ومُفضلًا محاولة التخفيف من آثار المصيبة التي يعانون جميعًا بسببها منذ فترة، فجلس قبالتها على الفراش وقال في هدوء:
_أنتِ امرأة مؤمنة يا أمي، تعلمين أن الله يغفر الذنب ما دام عكف العبد عنه إلى الأبد ولاذ بالتوبة.
في حسرة تطلعت إليه ليصلها ذلك الشعور الدائم بالأسف، أسف كتمته طيلة الأشهر الماضية حينما تصورت أن الحكم في الجريمة قد سقط فلا داعِ للنبش فيه، وأسف استمر في وخزها على حال ولديها معًا فكانت تستسلم له صاغرة.
وبكل ذلك الأسف ابتسمت وعقبت في أسى:
_الله يغفر، البشر لا يفعلون يا ولدي!
وكأنها بعبارتها البسيطة مدت يدها لتعتصر صدره بلا رحمة، فيما تعالى أنين قلبه المشتاق، المتعب، بعدما بدأ يفقد الأمل في الـغُفران!
_وأنا أيضًا بشر يا نضال، ما فعله لا أسامحه عليه البتة، سأموت غاضبة عليه وأوصيك بألا يحضر جنازتي ودفني!
نزعته من خاطره المتوجع هاتفة بأكثر القرارات إجحافًا، فسارع بالقول بصوت خفيض رغم الفزع الذي هجم على نظراته لئلا يسمع شقيقه بالخارج:
_حفظكِ الله لنا يا أمي! أرجوكِ لا داعِ لقولكِ هذا، كما أنني لم أعهدكِ قاسية بهذا الشكل، لقد أخطأ بالطبع لكننا لن ننبذه بكل تأكيد، امنحيه بعض الوقت! امنحيه فرصة للعودة!
هزت رأسها رفضًا ثم ترقرقت عيناها بالدموع أكثر لتصيح في تأكيد:
_ذلك الخطأ أنا شاركت به أيضًا، دومًا كنت أنظر له ولا أرى إلا الطفل الصغير الذي مات والده دون أن يتمتع بعطفه، أفرطت في تدليله فأنشأت مجرمًا مُبتزًا يخترق خصوصيات الناس ولا يراعي الحرمات!
في توتر نقل نظراته إلى الباب الذي يفصلهما عن مهند داعيًا أن يكون قد خرج من الشقة بأكملها، ثم عاد ليُكرر عتابه عليها، لكن مع مرأى علامات التعب تتزايد على محياها أحجم عن نيته وقَبَّل رأسها هامسًا في رجاء:
_حسنًا! سآتيكِ بمصحفكِ الآن كي تقرئي القرآن حتى أذان الفجر.
أومأت برأسها ومسحت عبراتها بينما نشيجها يتعالى بالفعل، وضع الكتاب الكريم بين يديها وهو يُتابع مُتوسلًا:
_ادعي له بالهداية أمي! وادعي لنا جميعًا بالغفران!
ثم تقهقر إلى الخلف ليخرج من الغرفة مُبتهلًا بألا يلتقي شقيقه، لكنه ما إن فتح الباب حتى وجده أمامه بملامح مُثيرة للقلق بدلًا من الإشفاق.
_هل كنت تتنصت على حديثنا؟
سأله في توتر مُتمنيًا أن يجيبه بالنفي، لكن ابتسامة ساخرة سبقت إجابته فقتلت أمله بالمهد:
_تعرفني، التنصت وتتبع الأسرار هوايتي!
أشاح نضال برأسه بعيدًا فاشلًا في إيجاد ما يلائم من ردود، وللحظة تمنى لو اختفى من حيث يقف بمعجزة..
بعيدًا عن النظرة المتحسرة بعيني أمه؛
بعيدًا عن النظرة الضائعة بعيني شقيقه؛
و.. بعيدًا عن نظرة العشق المؤود بعيني حبيبته حين رآها للمرة الأخيرة!
فإلى الآن لم يستوعب عقله بعد أنها كانت الأخيرة حقًّا، ربما لن يراها مُجددًا، ربما لن يتوتر في حضرتها وهو يكبت مشاعره بصعوبة بالغة إلى حين تمسي حلاله، وربما لن يزجرها وهو يعي محاولاتها المفضوحة لإثارة غيظه كي تتطلع في تشفِ مُشوب بالاستمتاع جراء تورد وجنتيه!
_لم أكن أفعل، لم أكن أحتاج في الواقع، كان صوت أمي عاليًا إلى حد سمح لي بسماع أنفاسها التي تلعنني وتحذرك من أن يحضر جنازتها ابن ربما تندم على إنجابه!
بهذه العبارة انتُزِع ثانية من خيالاته المتأسفة، وبهذه العبارة زادت القبضة حول صدره إيلامًا وعذابًا..
هذا الضغط كثير عليه؛
كثير جدًّا جدًّا عليه؛
يحتاج لمُتنفس، يحتاج لإجازة، يحتاج لنضال الآخر الذي وُلِد معها وحدها!
_أنت على دراية تامَة بأمك يا مهند، لن تستمر بغضبها طويلًا، تحدث معها بالغد عسى أن تستمع إليك هذه المرة!
قالها نضال في نفاد صبر حقيقي بعد أن أعياه دور الوسيط بينهما بالفترة الأخيرة دون أي نجاح يُذكَر، قالها وتخطاه إلى الحمام عازمًا على الوضوء كي يُلقي بأعبائه أرضًا مع جبهته على سجادة الصلاة.
قالها ولم يلمح النظرة التي احتلت عيني شقيقه، لم تكن ضائعة، بل كانت.. قانطة!
**********
بعد أسبوع:
بغرفة مكتبه جلس يُحدق في الأوراق التي جلبها ياسر بالأمس كي يُراجعها بنفسه رغم محاولته التملص، فمزاجه لم يعد رائقًا كما كان من قبل كي يُدقق في كل أمور المصنع، ولماذا يفعل وياسر هو من يتولاها الآن؟!
زفر مطولًا واحتل تعبير مهموم عينيه، مُفكرًا في حكمة ربه لما آل إليه حال عائلته..
فما إن اطمئن على ابنته الصغرى بصحبة رجل دمث الأخلاق أنبأه حدسه أنه سيكون لها نِعمَ العوض، وابنها الذي عقد قرانه على فتاة لم يكن يتمنى له أفضل منها حتى تلقى ضربتين مُتتاليتين بحفيدتيه..
فالصغرى والتي خُطِبَت لشاب ملتزم حريص كل الحرص على اتباع الحدود والآداب أعلنت دون تمهيد أنها لن تكمل الارتباط..؛
والوسطى.. الوسطى التي سعى بنفسه منذ أكثر من عام مضى لِجمعها بمن أرادها حقًّا وأحبها صدقًا لسنوات لا تتراجع عن طلب الطلاق وها هي منذ أسبوع تكاد لا تخرج من غرفتها..!
استغفر مرة واثنتين وعشر، استغفر مُستعيذًا من أي خاطر يدفعه إلى الاعتراض على قضاء ربه، فهو أكثر من تجلَّت له حكمته حتى بعد آن.
"أبي! هاني بالخارج يريد لقاءك."
في حدة نظر إلى عزة التي تقف بباب الغرفة، لم يُعلق وهو يلاحظ ابتسامتها التي لا تقوى على ردعها، ابتسامة التصقت بثغرها منذ عادت إيلاف إلى البيت مُصممة على الانفصال عن ناهل!
والآن.. ها هو ابنها بعد غياب طويل يعود للصورة!
وقف في تؤدة والهموم تورثه سنونًا أكثر، وبداخله أقسم أن يطردهم مُجددًا لو حاولت جمع إيلاف بهاني في جملة واحدة!
_فليدخل!
في نبرة آمرة هتف، فاختفت سريعًا من أمام ناظريه لكن ليس قبل أن يلحظ اتقاد حماسها..
بخيبة ويأس فكر في أنها لن تتغير مهما طال بها الأمد، ثم احتدت ملامحه مع دخول حفيده الطريد إلى الغرفة..
_كيف حالك يا جدي؟
بادره بسؤال اعتيادي لا يحمل أية رغبة بالاهتمام، فأجابه بنبرة جافة:
_بخير، ماذا هناك؟ ألم أؤكد على ألا تدخل هذا البيت؟! خبرتني أنك نادم ولم أقتنع، لكنني سامحتك، إلا أنني لن أسمح لك بالعودة إلى هنا على الإطلاق!
ضحك هاني وجلس على أحد المقاعد أمام المكتب، وفي وقاحة رفع ساقًا فوق الأخرى وقال بلا اكتراث:
_لست هنا كي أطلب العودة إلى البيت يا جدي، فأنا أشعر براحة كبيرة في شقة والدتي.
رمقه جده في ارتياب فتابع متظاهرًا بالتعجب:
_لكن يتملكني الفضول.. لماذا سمحت لعمرو بالعودة ولم تفعل المثل معي؟!
ارتفت شفتا جده في اشمئزاز صريح ثم رد:
_لأنني أستطيع أن أسامح في حقي فتغاضيت عن فعلته التي شاركته أنت بها بشأن ذلك البلاغ، أما أنت فقد خضت بشرف ابنة خالك! خضت بشرف فتاة كانت ستصبح زوجتك ولم تر منها يومًا إلا كل خير فخنتها، وهذا بعد أن كدت تفضحنا بالمصنع وتدمر سُمعتنا وعملنا إلى الأبد!
رفع هاني كتفيه وأومأ برأسه ليقول في ابتسامة:
_ربما أنت محق بهذا يا جدي، لكن ها هي إيلاف قد تزوجت من مجرم قضى ستة أشهر بالسجن واستقرت بشقته في ذلك الحي، فلا أظن أن عودتي قد تضر أحدًا!
أمعن جده النظر به مليًّا في صمت امتد لِثوانِ وهو يحاول سبر أغواره وفهم سبب مجيئه، ثم لما وصلته رائحة الشماتة التي تفوح من كلماته علَّق في جمود:
_ذلك المجرم _كما تقول_ كان صديقك، كان يساعدك بدراستك، كان يُعينك في الإلمام بما يفوتك أثناء انشغالك باللهو يوميًا، أليس كذلك؟!
وجمت ملامح هاني واعيًا لأنه يُكرر ما دأب على فعله من قبل..
يضعه في مقارنة مع أحد العاملين ثم بلا اكتراث له ينصر ذلك الأخير عليه!
وعندما اكتفى بتحديق صامت فيه بينما أفكاره تتصارع في غضب تابع جده:
_أنت من عرفتنا إليه، أنت من أحضرته للمصنع، وأنت من قدمته إليّ وإلى خالك حتى كان تقريبًا هو من يدير كل شؤونه بينما أنت تتسكع هنا وهناك بلا منفعة.
وسكت لوهلة ثم أضاف بابتسامة:
_وربما هذه هي الحسنة الوحيدة التي فعلتها، ولم تكن عن عمد بالطبع!
وأخيرًا تخلص هاني من سكوته ليتجاوز سخريته ثم تابع مُفتعلًا الاهتمام:
_وأين هو؟ سمعت أن إيلاف قد عادت منذ أسبوع بمفردها، هل _لا سمح الله_ قام بإغضابها؟
على الفور اشتدت ملامح جده وقال في تحذير:
_خلاف طبيعي يقع بين أي زوجين لا لأحد أن يتدخل به، ولا حتى أنا إلا إن احتمدت الأمور، لِذا لا تَسل عما لا يعنيك!
أدرك أنه قد نال منه فرفع حاجبيه ثم قال متهكمًا:
_لتوك قلت يا جدي أنها ابنة خالي، كيف لا يعنيني أمرها؟! ربما اكتشفت أنها تسرعت بزواجها من شخص دون مستواها وتود إصلاح خطئها!
حينئذٍ فقد جده كل قدرته على إحكام سيطرته على غضبه، فهَبَّ واقفًا ليهتف به في سخط:
_جئت تظهر شماتتك بها، أليس كذلك؟!
بمكانه ظل جالسًا كما هو لم يتأثر، وأخذ ينظر له مُطولًا في صمت أدرك أنه يزيد من ثورته، ثم تكلم أخيرًا في تلكؤ متعمد:
_لا، لا أفعل، بل جئت كي أؤكد لك أنك أنت من تسرعت حينما أقصيتني وعمرو من المصنع ظنًّا منك أننا سنتلوى حسرًة وأسفًا تحت قدميك، وتسرعت مُجددًا عندما اعتقدت أن الأرض التي أعطيتنا إياها سترى فشلنا بها ذريعًا، فها هي قد حققت نجاحًا كاسحًا في بضعة أشهر لم تحققه أنت بنفسك طيلة سنوات!
ومن حقيبة جلدية صغيرة كان قد وضعها على المنضدة القريبة ما إن دخل أخرج رزمة مالية ألقاها في صفاقة على سطح المكتب قائلًا:
_هاك إيراد الشهر السابق فقط!
انحسرت نظرات جده منه إلى المال القابع تحت عينيه، فأردف في تشفي:
_ربما.. بآخر الأمر سيضيع المصنع من حفيدك الأصغر وأخواته، وسيفقد حفيدك المُدلل هذا البيت الذي تقدره كثيرًا على يدي عروسه!
بحدة ارتحلت نظراته إليه، نظرات قلِقة، نظرات تشي بأنه قد نجح في إكسابه هَمَّا جديدًا!
اتسعت عينا هاني مُصطنعًا دهشة وأردف:
_لا تقل لي أنك لا تعلم بأن ابنة شقيق صهرك والكَنَّة الجديدة قد طلبت رشوة من عمرو في السابق حتى تستطيع العبث بالوثائق وتثبت تهرب صاحب المصنع من تسديد الضرائب!
أنهى عبارته المسمومة الأخيرة وبقى يُحدق في نتيجتها على صفحة وجهه، لكنه لم ير ما كان يطمح إليه، فعِوضًا عن ذلك هبط جده بنظراته إلى سطح المكتب ثم رفعها إليه مُتمتمًا في ازدراء:
_خذ هذا المال الذي لا أعرف مصدره وارحل من هنا على الفور!
لم يُفاجأ هاني بردِّه، فرغم رغبته برؤية ثقته تهتز قليلًا فقد توقع ألا يُجاهر بارتكابه خطأ حين طرده، لكن على أي حال فقد أدى المهمة التي أتى من أجلها.. إثبات انتصاره حتى وإن لم يعترف به الطرف الآخر!
في بطء استقام، أعاد المال إلى الحقيبة ثم تحرك تجاه الباب بخطى مختالة متبخترة..
_هاني!
استدار إليه في فضول، فعاجله جده برفق شابه إشفاق رغم كل شيء:
_حسابات ربك لا فرصة للأخطاء بها، ثق تمامًا بأن كل خطوة في اتجاه خاطئ مردودة حتمًا لا مفر!
...
"هل أعطيته المال؟ ماذا قال لك؟"
بادرته أمه ما إن خرج من غرفة مكتب جده، فتخطاها وهو يُجيبها بلا اهتمام:
_لم يكترث، لكنني أكيد بأنه يتعجب كثيرًا دون مجاهرة، وربما قريبًا سيُقر بندمه.
لحقت به تسأله في استنكار:
_أسترحل الآن؟
التفت إليها مبتسمًا في سخرية:
_بالتأكيد سمعتِه يطردني مُجددًا يا أمي!
زمت شفتيها في ضيق تبدل إلى حماس فوري فقالت:
_انتظر في الحديقة وسأطلب من إيلاف أن توافيني إلى هناك بأية حجة!
_ما لي وإيلاف؟!
في تعجب حقيقي سألها فاحتدت نظرتها قبل أن تتكلم في تحذير:
_ما لك وإيلاف؟! الفتاة على وشك الحصول على الطلاق، إنها فرصة لم تكن لتتمناها خاصًة مع تشبث زوجها بها سابقًا!
عبأ صدره بنفس عميق وابتعد بنظراته عنها ثم زفره في قوة وحدَّق بها مُعلقًا في تشديد:
_إنها فرصتكِ أنتِ، لكني لم أرغب بها يومًا!
اتسعت عيناها في استنكار ثم هتفت به وهي تهرول خلفه بعدما تركها وخرج من البوابة الداخلية:
_حقًّا؟! ومن الذي سارع بالإلحاح على خاله بتزويجه ابنته قبل أن يفعل ذلك السقا؟! ألم تكن أنت؟! ربما قد حاولت إقناع جلال _رحمه الله_ بتزويج إيلاف منك بعدما رفضت غفران الزواج بشقيقك مرارًا، لكنه لم يوافق عليك إلا حينما توسلته أنت بنفسك بعدما أثرت قلقه من موافقة إيلاف على عامل بالمصنع!
تملك السأم منه فقال من بين شفتيه بعدما لاحظ أن غفران نفسها تجلس بمفردها وتعبث بهاتفها على أحد المقاعد بالحديقة:
_فعلت يا أمي، لكنني أيقنت أنني تسرعت، لم أعد أريدها منذ وقت طويل!
ومُجددًا نطقت عيناها بتحذير صريح وسألته:
_أتعني أنك لن تحاول استعادتها وقد باتت حرة الآن؟
_لا لن أفعل..
في حزم أجابها، ثم تابع متهكمًا لمرأى ملامح الرفض الصارخ على وجهها:
_غفران أيضًا صارت حرة، لِمَ لا تحاولين مع عمرو كي يحقق نصف أحلامكِ على الأقل؟! أفضل من لا شيء، أليس كذلك؟!
فغرت شفتيها وهي تعي جديته وقبل أن تصرخ به في محاولة لإنذاره من تنفيذ ما يفكر به شعرت بحركة لدى البوابة تبعها الصياح الصارم:
"عزة!"
أجفلت واستدارت لتجد والدها يقف على العتبة الداخلية، فقالت في توتر:
_نعم يا أبي!
نقل نظراته بينها وبين هاني الذي أخذ يرمقه في تحدي، ثم قال بلا أي انفعال ظاهري:
_لا أقبل بالجواسيس في بيتي، إن نقلتِ كلمة واحدة قيلت هنا إلى ابنكِ ستخرجين لتلحقين به بلا عودة هذه المرة!
ودون إضافة استدار ليختفي بالداخل، وما إن استوعبت تحذيره الجاد حتى التفتت لتواصل تقريع ابنها لكنها وجدته يستقل سيارته ويرحل بالفعل!
*********
"لقد تعبت يا سدن، تعبت بشدة هذه الفترة، كلما بدأت أعتاد الألم وجدت المزيد منه وكأنه يختبر قوتي في ضراوة، وأنا لا زلت لا أدري هل بإمكاني مواصلة التحمل أم لا!
إلا أن هناك خبرًا جيدًا: لقد تحسنت علاقتي بأختيّ كثيرًا، أتتذكرين كم حاولتِ إقناعي بمبادرة التقرب منهما؟
ربما لم أفعل تمامًا، لكنني تمنيت، وحقق الله أمنيتي فَفَعَلت لين..
أعلم أن الدهشة تنتابكِ الآن، لكنني مضطرة لمتابعة اعترافي إلى آخره، أنا أخطأت بحقها، هي ليست بتلك الأنانية، لم تكن يومًا لي عدوًا ولم تسلبني مكانة ظننت أن لا يشغلها سوى واحدة منا فقط.
بَيد أن هناك آخر سيئًا: لقد نشب شجار هائل فيما يبدو بين إيلاف وزوجها، وقد جاءت إلى البيت على أثره مصممة على الطلاق ورافضة كل محاولات جدي أو أمي للتدخل..
ربما.. لو كنتِ معي، لو أجبتِ رسائلي لأرشدتِني إلى كيفية مساعدتها!)
ألقت ما بمكنوناتها إلى قلب صديقتها وضغطت أيقونة الإرسال.. وانتظرت؛
حين تكتب كل رسالة تكون على يقين بأن لا رد قادم، لكنها لا يسعها إلا الانتظار في شغف وصولها إليها، ثم فتحها، ثم مشاركتها قراءة ما كتبته بنفسها حين تتأكد أنها تفعل في الوقت ذاته!
ابتسمت في ألم حالما استقبلت علامة فتح سدن الرسالة، ولم ينفك السؤال يتردد بنفسها..
هل.. ستجيبها؟ هل ستعلق بأي شيء لا تحفل بكنهه؟ هل.. ستفتح لها أبواب صداقتها من جديد؟
"أنا قادم في الحال!"
استدارت مع سماعها صوت لؤي الذي يهرول على الدرجات الخارجية في لهفة ملحوظة، فاستقامت من المقعد الذي أحجم جدها عن الجلوس إلى جوارها عليه كل ليلة واتجهت إليه تسأله في قلق:
_ماذا هناك يا لؤي؟
_لا.. لا شيء.
أجابها وهو ينطلق صوب سيارة العائلة، لكنها لحقت به في إصرار:
_خبرني ماذا حدث! إلى أين أنت ذاهب؟
عم الارتباك تعبير وجهه فشحب وجهها هي أثناء سؤالها إياه في خوف:
_هل أصاب مكروه لين؟
هز رأسه نفيًا وسارع بالقول:
_لا، إنها.. إنها والدة مهند.
جمدت ملامحها بغتة، لكنها أخفت انفعالها وسألته في اقتضاب:
_ماذا بها؟
_مريضة للغاية، تم حجزها بالمشفى منذ أيام ولم أعلم إلا الآن.
استعادت بذاكرتها الملامح المتغضنة للمرأة والتي لم يفتها ملاحظة الحزن بها بالمرات القليلة التي رأتها خلالها، واستعادت أيضا تلك المرة الأخيرة حينما صفعت ابنها الأصغر أمامها ثم رفضت رجاء الأكبر تحت سماعها!
_هل ستذهب إليها؟
جاء صوتها بائسًا لائمًا، فنظر لها لؤي باعتذار لم يمنعه من الرد في حسم:
_آسف يا غفران! رغم انفصالكِ عن نضال فمهند لا يزال صديقي، ومن المحال ألا أدعمهما في ظرف كهذا!
أطرقت برأسها أرضًا وتنهدت في استسلام، ثم استدارت لتعود إلى البيت وهي تغمغم في أسى:
_افعل ما تراه مناسبًا يا لؤي!
شعور بالذنب اجتاحه وهو يمعن النظر بمشيتها التي توحي بمدى انكسارها، وعزم بنفسه على أن يطلب مساعدة مهند في إعادتها إلى نضال..
وهذه المرة سيكون حريصًا بنفسه على أن يتم عقد القران دون تأجيل!
******
في صمت مُرتبك كانت تراقب الطريق الذي تنهبه السيارة بينما مُجاورها يختلس لها النظرات بين الحين وللآخر..
وكيف علمت أنه يفعل؟
ببساطة لأنها يبدو أنها مرته الأولى!
مُبتدئًا، بريئًا، مُرتبكًا، على عكس ما يحاول التظاهر به من حنكة!
ولن تنكر أن هذا يعجبها على النقيض من نسبة من الفتيات اللاتي يفضلن زوجًا لديه أي نوع من الخبرة..
"كدنا نصل لا تقلقي!"
قالها في خشونة غير مُتعمدة لكن صوته كان غائبًا في إجازة منذ استقلا السيارة بعدما رفض في تهذيب أن يبقى لتناول طعام الإفطار مع خالتها وشقيقتيها رغم إلحاحهن.
_لم نبلغ نصف المسافة بعد!
في تبرم جاء تعليقها فرد في غيظ:
_كنت أحاول طمأنتكِ فحسب!
ابتسمت في سخرية ثم قالت تتظاهر بالتفكير:
_تُرى ذنب من هذا؟! لقد انصرفنا من بيت خالتي قبيل الظهر يا ياسر، عادةً ما أصل إلى البيت خلال ثلاث ساعات لا أكثر.
خرجت كلماتها الأخيرة مغتاظة بلا شك وهي تشيح بكفيها إلى الطريق حولهما، وعلى الفور فهم هو تلميحها ليقول في اعتداد:
_أنا أحب اتباع قوانين القيادة بحذافيرها، لست ممن يسوقون برعونة غير عابئين بالأرواح التي تتعلق بهم.
زفرت مطولًا فلم يهتم، كررتها ثانية فمط شفتيه لا مبال، ثم تمتمت في أسى:
_الأرواح تكاد تُزهق تعبًا وضجرًا، لقد تيبست عظامي وأوشك أذان المغرب على الارتفاع، ماذا سنفعل إن لم نجد أي مطعم بطريقنا؟
_وإن وجدنا، ماذا عندئذٍ؟
تعليقه اللا مكترث جعلها تنظر له في تعجب، فأكد حازمًا:
_لن يحدث هذا، أنا لا أتناول الطعام بمطاعم مغمورة بالشارع!
وحينما لاحظ أنها اعتدلت بجذعها وكتفت ذراعيها لتبقي على نظراتها الممعنة سألها متوجسًا:
_لماذا تنظرين إلي هكذا؟!
_هل أنت بخيل؟
_عفوًا!
وكما سألته بغتة علق دهشًا، لكنها تابعت في إصرار:
_أجب عن سؤالي! هل أنت بخيل؟ ألا تعود أهمية فترة الخطبة هذه إلى دراسة شخصيتينا واكتشاف العيوب التي قد لا يطيق طرف أن يتحملها بالآخر؟! تأكد تمامًا أنني لا أتحمل الرجل البخيل ولا أرضاه لأطفالي!
في بلاهة رمقها لثوان، ثم انتبه إلى أنه بدأ بالفعل يخالف قوانين القيادة فصف السيارة إلى جانب الطريق واعتدل ليواجهها في صمت قصير أنهاه حينما قال في هدوء:
_أولًا: أحب أن أُذكرِكِ أننا لسنا مخطوبين، بل قد انعقد قراننا، مما يعني أنكِ شرعًا وقانونًا زوجتي، وهذا ما يُتيح لي فعل هذا..
وقبل أن تفهم كان قد أطبق بإبهامه وسبابته على إحدى أذنيها من فوق حجابها، فيما حاولت التملص منه وهي تتأوه وتزجره:
_دع أذني يا ياسر!
رفع أصابعه عنها وراقبها تفرك موضع أذنها كابتًا رغبة بالضحك ستضر جديته كثيرًا إن لم يتحكم بها الآن، فأردف في سخرية:
_ثانيًا: أتعتقدين أن البخيل سيجيب بالإثبات ما إن يسأله أحدهم؟! ألا تودين أيضا أن يحمل لافتة مكتوب عليها "أنا بخيل فلا تتزوجي مني حِرصًا على أطفالكِ!"؟
أشاحت بوجهها عنه دون رد فتسلل إليه شعور بالندم، أجلى حنجرته ثم سألها في رفق:
_هل غضبتِ مني؟
هزت رأسها نفيًا دون أن تنظر إليه فأمسك بإحدى يديها في خطوة اندفع إليها دون أن يحسبها، وتابع:
_هل آلمتكِ؟
ارتجفت كفها الناعمة بين أصابعه فارتجفت دقات قلبه تشجيعًا لها، حاولت سحب يدها لكنه لم يسمح لها فسكنت ثم سألته بصوت مُتحشرج نوعًا:
_إذن.. لماذا لا نتناول الطعام بالخارج؟ لن نصل إلى البيت إلا بعد صلاة العشاء.
أدرك أنه يُرحب كثيرًا بالبقاء على هذا الوضع لِمدة فترك يدها على مضض واعتدل ليواصل القيادة قائلًا:
_لأنني لا آكل إلا طعامًا منزليًا.
بتردد نظرت له لتراقبه في صمت وهي تمسح ملامح وجهه بعينيها، ثم قالت في محاولة للتغلب على هذا الشعور الغريب الذي لا ينفك يقتحهما كلما تطلعت إليه مؤخرًا:
_لا يمنع هذا أن تجرب طعام الشارع!
هز رأسه رفضًا فزوت ما بين حاجبيها لتنطق في شك:
_أنت لا تعني أنك لم تفعلها يومًا، أليس كذلك؟!
لم يرد فهتفت به في تعجب:
_يا إلهي! لقد فاتتك متعة كبيرة!
ثم استدركت في فضول حينما لاحظت نظراته الممتعضة:
_مهلًا! ماذا كنت تتناول بالجامعة إذن؟
دون أن يحرك رأسه نظر لها بجانبي عينيه في توجس، فتابعت آمرة:
_أجبني!
عبس وقال في اقتضاب:
_لا أريد.
لكنها ألحَّت:
_أرجوك يا ياسر أجبني!
تملك منه الحرج فخرج تعليقه حانقًا:
_لا أرغب بهذا، لن تجبريني!
عندئذٍ نظرت له في رجاء وكررت بنبرة مُدللة لم تتعمدها:
_لأجلي يا ياسر خبرني!
تنحنح في خشونة ثم أخذ يتخير كلماته في عناية ورغم ذلك تكلم في ارتباك:
_كانت.. كانت أمي تجهز لي بعض الشطائـ...
وضحكتها المرتفعة جعلته يبتر عبارته، فالتفت إليها هاتفًا في انزعاج:
_علام تضحكين؟
والانزعاج كله ذهب هباءً وعيناه تجولان على وجهها في تمعن..
هذه الضحكة الصافية لماذا تُسعده هو؟!
وهاتان العينان الواسعتان كيف تشدانه بلا مقاومة؟!
حتى مظلتها التي تحتضنها بين يديها بدأ يرتاح لمرآها!
_لا أتصور أن شابًا ببنيتك قد يحمل الشطائر معه بالجامعة ليتناولها كطلاب المدارس!
بنبرة مستمتعة قالتها فتجهم وجهه وأحجم عن النظر إليها مُوليًا انتباهه للطريق، لتُسارع في نبرة معتذرة:
_لا تغضب! الأمر أنني لم أتخيلك مُتشددًا.
_لست مُتشددًا!
بنزق علَّق فعاجلته وهي ترميه بنظرة ماكرة:
_أتعني أنك ستشاركني الطعام من أول مطعم قادم؟
ارتسم تعبير مُشمئز على محياه قبل أن يهتف قاطعًا في استهجان:
_بالطبع لا، سأموت في فراشي قبل أن تفعل بي وجبة سامة بالطرقات!
...
"شطيرة أخرى من فضلك!"
صاح ياسر بصاحب المحل البسيط الذي يقدم خدمات بسيطة للمسافرين على الطريق، مضغ آخر قطعة بقت بحوزته ثم عقد حاجبيه مُفكرًا ليهتف مُستدركًا بسرعة:
_اثنتين، أريد اثنتين!
وضعت سلام إحدى كفيها على فمها تحاول مواراة ابتسامتها التي لم ينتبه لها في خضم تلذذه بطعامه، إلا أنه مال تجاهها وقال في خفوت:
_هل أخبركِ سرًا على ألا تخبري أمي؟
وضعت ما تبقى من شطيرتها على مؤخرة السيارة حيث قرر هو استخدامها كطاولة بعدما رفض الجلوس إلى تلك التي قدمها له صاحب المحل بحجة عدم نظافتها، أومأت برأسها في سرعة فتابع في سعادة بالغة:
_بحياتي لم أذق شطيرة سُجُق بهذه اللذة!
ضحكت وانتابها إحساس قوي بأنها على استعداد لأن تبقى برفقته وقتًا أطول رغم قلقها من حلول الظلام، ثم قالت في بساطة:
_السر يكمن في التوابل، يضعون الكثير منها حتى يخفون احتمالية فساد...
لاحظت انتباهه فبترت عبارتها لتستدرك في حذر:
_يضعون الكثير منها حتى تكون النكهة غنية.
أمامه وضع الرجل صحنًا يحمل شطيرتين كما طلب منه ذلك الزبون الذي بدأ بإملاء طلبه فور ارتفاع أذان المغرب ممتعضًا مُجبرًا، ثم رحل إلى داخل المحل وهو يفكر أنه لن ينصرف إلا قبل أن ينهي ما لديه من مخزون!
اختطف ياسر إحدى الشطيرتين وهو يرمق أصابع الجزر المُخللة في نهم، وقال بخفوت:
_لكن هناك ما يثير بنفسي التساؤلات..
في بسمة لم تنتبه أنها ترسمها حدقت به فتابع مُهتمًا:
_اللحم غال الثمن الآن، فكيف يستطيع صاحب المحل الإنفاق على العمال والإيجار والكسب أيضا بينما أسعاره زهيدة بهذا الشكل؟!
دارت عيناها إلى حيث عاد الرجل يتقدم منهما حاملًا كوبين من البلاستيك الأبيض، وقالت مفتعلة بعض اللا مُبالاة:
_آآآ... قنوع، يرضى بالقليل!
غمغمت بعبارة شاكرة لصاحب المحل قبل أن يبتعد، فسألها ياسر بتعجب وهو يحملق في الكوب الذي وُضِع أمامه:
_ما هذا؟
ضغطت على أسنانها في غيظ ثم قالت بنبرة رنَّ بها الاستهزاء:
_بالمناسبة يا ياسر، لقد تحدثت مع "جدو فؤاد" مُطولًا وحكى لي الكثير عن معيشته بالريف وأنه حتى بعد استقراره بالعاصمة لا يزال مُواظبًا على زيارة سنوية إلى بلدته وأحيانًا يصحبكما أنت وابن خالك معه.
بلا فهم نظر إليها وقال:
_نعم نفعل، لست أفهم ما علاقة هذا بالـ..
قاطعته في سخرية:
_أعني لا تمارس دور ابن الباشاوات يا ياسر وتتظاهر بأنك لا تعرف شطائر عربات الشارع ولا مشروب "التمر الهندي"، ألم تتناوله من قبل؟!
عض على شفته السفلى في حنق ثم قال وهو يرسم ابتسامة صفراء:
_تناولته بالطبع، كانت أمي تعده لي لكن لونه لم يكن حالكًا إلى هذه الدرجة! كما أنها كانت تصبه لي في كوب زجاجي لامع برَّاق لا يشبه كوب التحاليل هذا بشيء!
عوجت شفتيها وبدأت تغمغم شيئًا ما حول الدلال ومن يربون أبنائهم عليه، ثم عادت تقول له في مُهادنة:
_هذا مُختلف قليلًا، ذُقه سيعجبك!
نظراته المرتابة ارتحلت بين الكوب وبينها، ثم قال في تردد:
_هل أنتِ متأكدة؟ أخشى أن يكون مغشوشًا!
انفلتت ضحكة متهكمة منها قبل أن تبترها لتقول في استخفاف:
_تخشى؟! لقد تناولت لتوك نصف دستة من شطائر السُجُق ثمن كل واحدة منها سبعة جنيهات فقط وتخشى أن يكون هذا المشروب مغشوشًا؟! اشرب يا رجل ولا تبحث خلف تفاصيل ستسد شهيتك!
في اقتناع سريع لا زالت لم تستوعبه بعد تناول الكوب وجرعه كاملًا، ثم مصمص شفتيه وعلَّق وهو لا يزال مُحدقًا به:
_مذاقه طيب بالفعل، حُلو أكثر من المعتاد ولا يشبه ما تعده لي أمي بأي شيء!
استدارت لتستند على السيارة واختارت الصمت حتى ينتهي من طعامه.. أو تنتهي هي من أفكارها التي تتداخل وتتضافر حتى باتت لا تستطيع تفسيرها..
فمنذ تقدم جده لطلب زواجها منه بالوقت ذاته حين صَبَّت هي كل اهتمامها على زواج عمها ولم تجد فرصة لترتيب أمورها هي؛
وكلما حاول عقلها جذبها إلى مستقبلها دفعته بعيدًا وهرعت للتركيز بمستقبل عمها..
حتى تم عقد القران فنفدت كل حيلها للتهرب، وقد أكد لها الأسبوع الماضي الذي قضته مع خالتها وشقيقتيها أن زواجها من ياسر ليس بالأمر الذي ستعتاده بحياتها كما لو أنه ليس ذات أهمية!
منذ فترة المراهقة وهي تدع الزواج بآخر قائمة أولوياتها حتى كادت تُقصيه، وبالفعل كان الرفض هو الإجابة الوحيدة المُدمغة على كل طلب زواج تقدم به أحدهم، صحيح أنها لم تكن تتوقع أن تتابع حياتها وحيدة، لكنها خجلت من فكرة أن تستقر هي وشقيقتيها مع شركاء بينما يقضي عمها حياته بمفرده..
ولهذا لم تفكر يومًا بفارس الأحلام، لم ترسم له هيئة ولم تُدون صفات لا غنى عنها به..
وكان هذا حتى أسبوع مضى؛
"لا! لا تخدعين نفسكِ يا سلام!"
منذ لقائهما حين ذهبت إليه بالمصنع لتستكشف رأيه بزواج عمها من أمه وقد تغيرت نظرتها له، لم تعد تراه مُستفزًا عصبي المزاج، بل _يومئذٍ فقط_ رأت به جانبًا آخر لم يتضح لها بلقائاتهما الأولى..
رأت به طفلًا يتوق للعطف، ورأت به رجلًا إن مُنِح الفرصة سيهب مَن حوله الكثير منه!
وتبددت الصورة لتظهر الحقيقة، وراح التحفز المُسيطر عليها تجاهه ليتحكم بها الحنان الذي _تعترف الآن_ أن لا مانع لديها من أن تبذله لأجله!
_كنت.. كنت أنوي أن تكون أول دعوة لتناول الطعام معًا مختلفة بعض الشيء.
اقتحم أفكارها التي بدأ تخبطها يزول لتتراص في نظام أثار توترها، فجنحت إلى المشاكسة وعلَّقت بتهكم مُفتعل:
_أنت من تقود سيارتك وكأنها ناقة بقلب الصحراء!
ثم أردفت وهي تلاحظ أنه لم يبادلها سخريتها مكتفيًا بابتسامة صادقة:
_كما أن "جدو فؤاد" قد دعاني بالفعل مع عمي والسيدة والدتك بالأسبوع المُقبل.
هز رأسه نفيًا ومسح فمه بمحرمة ومُعطرة ثم قال:
_لا شأن لي بدعوة "جدو فؤاد" وعمكِ وأمي، أنا أتحدث عن إفطار يخصنا بمفردنا.
في سلاسة دغدغ أنوثة لم تهتم لها منذ وقت طويل.. ربما لم تهتم بها يومًا، فجذبت منديل رأسها الذي تراجع كعادته إلى الأمام وسألته في رقة:
_أين كنت ستدعوني ما دُمت لا تأكل الطعام بالخارج؟!
مط شفتيه وأجابها وهو يمعن النظر بها مليًّا وكأنه يبحث فيها عن شيء ما:
_كنت سأطلب من خالتي هالة أن تعد لنا بعض الأصناف ونذهب أنا وأنتِ إلى مكان أحبه كثيرًا.
احتلها الفضول تمامًا فكررت سؤالها:
_وأين هو؟
حافظ على صمته لثوانِ ثم شرد بعينيه بعيدًا وأجاب في هدوء:
_منطقة منعزلة نوعًا ما، هناك أسمع صوت الهواء وهو يحرك ذرات الغبار، صوت الطيور بأنغامها الصادحة، صوت السكون والدفء.
تلقائيًا بدأ ذهنها يتصور ما يقول، فزادها في حنين:
_أشعر هناك بأنني أحكم العالم ولست بحاجة له إطلاقًا في الوقت نفسه.
ابتسمت كما فعل، فأردف في خفوت:
_أزهد في كل ما يتنازع الناس حوله من مكاسب، يفرمل أمامي قطار الزمن الذي اعتاد أن يهرول دون توقف ويحتل الامتنان كياني على ما لديّ من نعم، أتخلص من آثار المعارك التي تدور بالعائلة، هناك ما إن أُدير ظهري لِنزاعات البشر حتى يستقبلني الـ..
بتر عبارته فجأة ونظر لها فنطقت في تساؤل واضح الاهتمام:
_ماذا؟
_السَّلام.
أجابها بنبرة هامسة لكنها كانت على سمعها أنغامًا، تكلل محياها بالفخر والحبور، كما أن خافقها بدأ ينفعل في عدم انتظام فأطرقت برأسها حياءً، ولم يمنعه هذا من أن يواصل تحديقه فيها.. أليست زوجته؟!
_مع من اعتدت الذهاب؟
دون أن ترفع رأسها سألته في فضول لم تستطع تجاهله، فأجابها بلا انتظار:
_وحدي.
تزاحمت أنفاسها بصدرها وقد بدا أن الكلام المسكوت عنه يعبر أكثر من ذلك الذي قيل، فتغلبت على ترددها لتنطق في خفر:
_أحب أن.. أحب أن أرافقك بالمرة القادمة، علَّني أشاركك الشعور ذاته، في حال لم يُزعجك اصطحابي بالفعل.
ورغم انتباهه لأمارات حيائها وانتشائه بها فقد جذبت اهتمامه عبارتها الأخيرة..
ليسألها مُتعجبًا:
_ماذا تعنين؟
تعاظم ارتباكها فأمسكت لا إراديًّا بمظلتها التي وضعتها إلى جوار الطبق الفارغ، ثم أجابته دون أن تنظر تجاهه فيما بدأت تُجدل بأصابعها بعض الخيوط التي تتدلى من المظلة:
_أعني أن.. لا أريد أن أُقحم نفسي بمكانك السري، يكفيك أن..
_ماذا تريدين أن تقولي؟
في نفاد صبر سألها فور أن بترت عبارتها وقد صار ترددها أكبر من أن يدعي عدم ملاحظته، فأشاحت بوجهها بعيدًا تتوسل كرامتها أن تسكت قليلًا عن الصراخ بها في نهي، لتلقي كلماتها وكأنها ترميها رميًا:
_يكفيك أن اضطررت للزواج بي.
في بلاهة حملق بها محاولًا فهم عبارتها البسيطة، وفي دهشة ارتفع حاجباه ببطء وهو يعي أخيرًا تلك المعركة التي يبدو أنها تدور بعقلها، وفي غيظ عَلَّق وشعوره بالانزعاج يتفاقم لأجل حرجها:
_منذ اللقاء الأول استشعرت جنونكِ، لكن مؤخرًا تعاظم لدي الأمل بأنني أخطئت!
اختلست نظرة سريعة إليه ثم عادت تحدق في الطريق الذي حلَّ عليه الظلام بالفعل، لتسمعه يُردِف في نزق:
_كيف ظننتِ أنني قد أتزوجكِ مُضطرًا؟! لا نجبر الفتيات بعائلتنا على الزواج فكيف بالرجال؟
وبلا تمهل التفتت إليه لتواجهه بعد أن اتخذت قرارها بالتخلص من هذا العتاب الذي تُلقيه بنفسها على نفسها كلما سنحت لها الفرصة، فقالت وهي توزع نظراتها في كل الاتجاهات عدا مرمى عينيه التي تُراقبها في إصرار وتُربكها بلا رحمة:
_ذلك اليوم حينما جئت رفقة جدك ووالدتك إلى بيتنا، أنت لم تكن راغبًا بالزواج بي حينها، هو سوء فهم حدث بسببي فظن جدك أنني تقدمت للزواج بك بينما أردت أنا أن أستنبط رأيه بزواج عمي من السيدة والدتك!
بلا تفسير للسبب وجد نفسه يفهم ما لم تستطع قوله..
وبلا بحث خلف الدافع أراد أن يمحو عن عقلها هذه القناعة؛
ومِثل مُسَيَّر بكامل اختياره طفق يتأملها كما يتفحص الرحاَّل واحة مُنعزلة يوشك على أن يستقر فيها بعد طول تجوال!
_لو لم توافق رغبة جدي رغبتي أنا لم أكن لأتزوجكِ يا سلام، لست طفلًا حتى يتخذ عني الغير قراراتي، كما أن جدي أحيانًا يدفعني دفعًا إلى ما أريده ولا أجد الطريقة كي أُطالب به.
في ذهول حدقت به لتبدو عليها المفاجأة كما لم تكن قبلًا، وعلى مهل كانت تُفند معنى عباراته باحثًة عن أية نية منه بالمُجاملة لرفع الحرج، لتتسع ابتسامته وهو يُضيف في مكر قاتلًا شكوكها قبل أن تنمو أكثر:
_يبدو أنكِ نسيتِ أنني حاولت التعرف عليكِ حينما جئتِ لتحذرينني بشأن البلاغ في المصنع، أنتِ من صددتِني حينذاك.
دقات قلبها انفلتت في تخبط تزامنًا مع تطلعه فيها من هذا القرب، لقد أرادت يومًا أن تتهرب من ارتياب عمها بشأن سبب طلب ياسر الزواج منها فذكرت شيئًا بشأن جاذبيته بلا اقتناع حقيقي..
والآن لا يسعها إلا أن تتأكد من تلك الجاذبية إلى جانب قوة أخرى تُثير بداخلها مشاعر حائرة جديدة كُليًّا على طباعها!
اجتاحتها حرارة لا سبب لها، مع توتر بلا داع، ثم علقت في مرح مُفتعل كي تتجنب هذا التخبط الوليد:
_كنت أظنك لعوبًا تحاول مُغازلتي!
ضحكة عالية أطلقها أحالت تخبطها إلى اهتزاز، وحرارتها إلى سخونة، وتوترها إلى إحساس غريب بِلَذة لِتوها تستشعرها فقط.. معه!
_ثقي بي يا سلام! في أمر المغازلة سأُجرب حظي معكِ للمرة الأولى، زوجة عمكِ كانت شديدة الحرص على الحفاظ على ابنها الوحيد من أية أنثى تحوم حوله.
في قلق _جديد كُليًّا بالمثل_ حاصرته بنظراتها، ثم سألته بنبرة تحذير:
_هل هناك كثيرات كُنَّ يحمن حولك؟
بلا تردد، وبِكل فخر جائتها إجابته:
_ولا واحدة!
زفير راحة حررته ثم اختتمته بابتسامة واسعة، منحته نظرة سريعة رافقت سؤالًا صدحت به رَنَّة السرور:
_أتعني أنك لست مُنزعجًا من وضعنا هذا؟
مال مُستندًا بأحد كوعيه على السيارة وقال في صدق وهو يمد يده ليمسك بإحدى يديها في عادة تأكد لتوه أنها تورثه شعورًا رائعًا:
_بل شديد الترحيب، شديد الامتنان لجدي، ومُضطر لأن أقول بأنني مدين لإيلاف أيضًا!
عقدت حاجبيها في تعجب وهَمَّت بسؤاله عن معنى عبارته الأخيرة لولا أن سارع ليُضيف وهو يرمقها في تدقيق:
_لِذا أنا أترقب مشاركتكِ إياي مكاني السري يا سلام.
تجمدت ثانية في خجل، لكنها بدأت تعتاد ملمس باطن كفه على خاصتها، لذا استرخى جسدها الذي توتر لأول وهلة ثم سألته كي تُشتت انتباهه عن انفعالاتها:
_أيبعد كثيرًا عن البيت؟
_لا، ليس كثيرًا، بل الجبل هو أقرب لِبيت عمكِ من بيتنا نحن.
ردَّ في بساطة وهو يعي أنها ستتوقف عن مقاومته، بل ربما تمنحه فرصة أيضًا للتقرب منها كما يتمنى، لكنها سألته مُجددًا في دهشة:
_أي جبل؟
_جبل المقطم!
غير عابئ أجابها فانتزعت يدها منه بحركة حادة أجفلته وهتفت بصوت مكتوم حتى لا يسمعها صاحب المحل:
_أتريد اصطحابي إلى جبل المقطم يا ياسر؟! ألست مُتعجلًا بعض الشيء؟! لم يمضِ على عقد قراننا أكثر من أسبوع!
لم يفهم من فوره مقصدها، لكن تعبير الغضب المُشوب بالامتعاض الذي رسمته باقتدار على ملامحها وضح له ما تعني، كاد يلكمها في رغبة لا تُثيرها به سواها، لكنه أحجم عنها ليقول في سخط:
_أنتِ زوجتي الآن فلا تستخدمي عقلكِ الذي يحمل أفكارًا ليست لائقة، لو أردت تجاوز حدودي لن أقود كل هذه المسافة كي أفعل!
همَّت بالرد لولا رنين هاتفه الذي ارتفع بينهما فجأة، وعلى الرغم من عدم اقتناعها بما قال فقد سكتت حتى ينهي مكالمته..
"مرحبًا يا جدي!"
هتف فور أن أجاب فعاجله جده على الطرف الآخر في جمود:
_هل سلام معك الآن؟
توتر ولا يدري لِمَ، وأجاب وهو يعتدل ليتجه إلى صاحب المحل كي يدفع الحساب:
_نعم، توقفنا لتناول الإفطار وسأقوم بتوصيلها إلى منزل الأستاذ ضياء.
لكن عبارة جده الصارمة أوقفته بمكانه، قبل أن يواصل في حدَّة:
_أعدها إلى البيت في الحال وبالصباح الباكر أحضرها إلى عندي!
**********
بيدين مُهتزتين وضعت لين صينية تحمل أطباقًا للحلوى الشرقية المتنوعة، ثم تمتمت بصوت متحشرج دون أن تنظر لضيفيها:
_تفضلوا!
وكالفأر المذعور جلست إلى المقعد المجاور لزوجها، تتمنى لو تستطيع الالتصاق به، أو الاختباء فيه، لكنه لم يلحظ تخبطها بينما كان حريصًا على إطعام يزن الذي يجلس على فخذيه بعض من حلواه.
"لا يُشبهك ابنك كثيرًا يا هارون!"
في نبرة اعتيادية لا تحمل أي تعبير خبيث تدرك هي أن نفسه تفيض به وجَّه تعليقه إلى زوجها، رَفَعت رأسها ورمته بنظرة احتقار لم تقع عيناه عليها، لكن الرعب الذي دبَّ بقلبها جعلها تطرق برأسها وتترقب رد هارون..
_لكنه سيرث طباعي.
لم تكن تدري بأنها كتمت أنفاسها حتى تحررت رغمًا عنها فور سماعها ما قال، ودَّت لو تهمس له بعبارة شكر لكنها ليست متيقنة من قدرتها على استجماع شتات نفسها في وجود هذا اللعين معها بالغرفة ذاتها!
_ألا تعلم يا هارون أن والدة أسامة _رحمها الله_ أوروبية، ربما نُرزق بأطفال شقر!
تدخلت علا بمرح كي تنهي التوتر السائد فضحك أسامة عاليًا ثم نظر إليها قائلًا:
_لا تعولي على هذا الاحتمال كثيرًا يا حبيبتي! فها أنا نفسي أمتلك ملامح عربية خالصة حتى أن كل من يعلم بأن والدتي من أوروبا تتملكه الدهشة.
أومأت علا برأسها فيما أخذ هارون يرمقها مُتعجبًا..
هناك تغيرًا ملحوظًا بشأن شقيقته لا يفهم كيف وقع بهذه السرعة، هل كان مُخطئًا حينما لم يشعر براحة فورية تجاه زوجها؟
ربما، ويبدو أن الأيام كفيلة بإثبات هذا الخطأ، وربما أيضًا يجب عليه الشعور براحة الضمير تجاهها، فها هو قد حقق لها ما أرادت، عسى أن تتغير مثالبها الأخرى!
وبينما كانت لين _رغمًا عنها_ تحت تأثير هذه المعلومة التي لم تنتبه لها قبلًا سأله هارون في اهتمام:
_وكيف اجتَمَعَت بوالدك؟
وضع أسامة الطبق الذي لم يُنهيه بالكامل هامسًا في تهذيب:
_سلمت يداكِ سيدتي!
في دهشة رمقته لين بينما بدأ خوفها يتراجع تدريجيًا وخاطر غريب يفرض نفسه على أفكارها..
منذ رفضته وتزوجت بهارون لم يعترض طريقها بعكس ما اعتاد أثناء زواجها من عماد، وهي على يقين تام بأنه يستطيع الوصول إليها أينما ذهبت، فلِمَ لا ترجح احتمال أنه ضجر من اللهاث خلفها وسَلَّم باستحالة وجود أية علاقة بينهما؟!
لِمَ لا يكون لقاؤه بعلا مُصادفة بالفعل؟!
ولِمَ لا يكون قد أحب تلك الأخيرة حَقًّا ولا يستطيع التخلي عنها بعد أن فوجئ بعلاقتهما في حفل عقد القران؟!
كلها احتمالات تبث في نفسها الراحة، لكنها لا تقوى على التعلق بها كُليًا!
_كانت تدرس بجامعة الأزهر، التقى بها أبي وأحبها من النظرة الأولى وأقسم أن يتزوجها ما إن رآها، كل اعتراضات عائلته لم تزعزعه عن رغبته مطلقا.
اعتدلت علا تثني إحدى ركبتيها أسفلها على المقعد وسألته في اهتمام:
_ولماذا اعترضوا؟
مط شفتيه ثم أجابها بلا اكتراث:
_لم يحبذوا فكرة زواجه من فتاة من بلد آخر، خاصة وإن كان غير عربي أيضا، كما أن حينذاك كانت العنصرية ببلد والدتي تبشر بعدم الاستقرار، وهو ما حدث بالفعل.
وسكت ثم تابع في ابتسامة واسعة:
_لكن والدي كان يعشق تحدي الصعاب، كلما زادت العراقيل كلما تضاعف حماسه ليتحدى، فيبقى يكافحها.. حتى يُحقق ما يصبو إليه.
رجفة تحكمت بيديها ففركتهما معًا ما إن نطق عبارته التي تبدو بسيطة للسامعين.. لكنها لم تكن كذلك لها هي!
إلا أن الحيرة عادت تهجم عليها بلا رحمة حينما أردف وهو ينظر لعلا في تعبير رجل مُحِب:
_وأظن أنني قد ورثت عنه تلك السمة!
تصارعت الاحتمالات كلها جمعاء أمام عينيها؛
هذا الرجل ربما لا يدع للمصادفة من تخطيطاته نصيب؛
أو هذا الرجل ربما تجاوزها بالفعل ووجد من تستطيع مُبادلته مشاعره؛
هو هنا تحديدًا بصفته زوج شقيقة زوجها.. لأجلها؛
أو.. هو هنا تحديدًا حسب القدر لا أكثر!
وهناك احتمالًا لا تستطيع تجاهله أكثر حينما يعود إليها هذا الشعور الكريه بالذنب لخطأ آخر ظنت أنها تفعل الصواب حين ارتكبته..
الآن أعليها أن تُصححه بقص كل ما حدث من قبل على جدها وعليها أن تتحمل النتائج لو أنه يضمر لها السوء؟
أم أعليها أن تصمت وتتظاهر كما يتظاهر بعدم معرفتها فتستقر زيجة شقيقة زوجها وتبقى هي بهذا الحال من الخوف والتشتت حتى يتم الزفاف ويرحلان من البلد بأكملها؟!
"هل أنتِ بخير يا لين؟"
سألها هارون في خفوت عندما انتيه إلى ازدياد شحوب وجهها فحملقت به بلا فهم لثوان ثم اغتصبت ابتسامة وردَّت في هدوء:
_نعم، لا تقلق!
لكنه كان قلقًا للغاية، لأيام متتالية وحالة إرهاقها تزداد حتى كادت تحجم عن تناول الطعام الذي لا يبقى بمعدتها طويلًا، كما أن ابتسامتها الحنونة غابت، شرودها المهموم بات مقيمًا دائمًا، ونظراتها تائهة خائفة ولا يفهم لها سببًا مُحددًا.
سبب أرجعه هو للخصام الذي وقع بين أختها وزوجها إلا أنه لا يستطيع التظاهر بعدم ملاحظته أن حالتها ابتدأت أولًا!
_لِمَ لا تدلفين إلى الغرفة وتحصلين على بعض الراحة؟! سنهتم نحن بيزن.
كادت توافقه شاكرة، إلا أن "نحن" التي قالها في بساطة زلزلت أجراس الإنذار بعقلها..
حتى لو حاولت التمسك بحُسن الظن لا تستطيع أن تُجازف ببقاء طفلها معه بغرفة واحدة، ذلك الذعر الذي دفعها إلى كتم الأسرار واحدًا تلو الآخر كان لأجل طفلها بالمقام الأول!
هزت رأسها نفيًا في سرعة وهمست:
_لا، لا يصح إطلاقًا، سأكون بخير لا تحمل همي!
لكنه كان أكثر منها إصرارًا فساعد يزن على النزول من فوق فخذيه لينطلق الصغير مبتعدًا، ثم وقف وجذبها في رفق لتفعل المثل.
_ماذا هناك يا هارون؟
سألته شقيقته وهي تنقل نظراتها بينهما في ارتياب فابتسم باعتذار ونظر إلى أسامة قائلًا:
_أعتذر يا أسامة! سأعود بعد دقائق، "أم يزن" تشعر ببعض التعب لذا سترتاح قليلًا بالداخل.
وجمت ملامح أسامة وهو يلحظ إحجامه عن ذكر اسمها أمامه وكأنها عنه غريبة، لا يعلم بأنه رآها قبله، وأثارت انتباهه قبله، ووقع ضحية هواها قبله!
_البيت بيتكم بالطبع!
نظر إلى هارون الذي تابع أثناء مساعدته إياها على الاستقامة، ازدرد لعابه بينما بدأ غضبه يتصاعد وهو يحدق بها تستسلم تمامًا لإمساك زوجها بها، ثم وقف فجأة ليقول متهكمًا دون قصد:
_أعتذر يا "أم يزن"! يبدو أنكِ بذلتِ جهدًا كبيرًا لأجلنا، سأرحل أنا الآن.
وبينما بدأت تكرر حمدًا لله في همس، التفت إليه هارون قائلًا بابتسامة سمحة:
_لا عليك يا أسامة، إنه تعب أشهر الحمل الأولى لا غير.
وكأنه ألقى بلوح من الثلج فوق رأسه، ثم رماه ببحيرة جليد يتفتت ليستقبله هو..
حامل؟!
مرة ثانية؟!
حامل مرة ثانية من رجل آخر سواه؟!
ألن يكف عن تلقي العقاب لتأخره؟!
لا.. هذه المرة هو من سيُعاقِب..
وهذه المرة لا طفل أو عشرة سيحولون بينه.. وبينها!
تدور رُحى الحرب فتحتدم حتى توشك على حرق الأخضر واليابس، لا يُدرك الباغي أنه تمادى في ظلمه وأفرط في اعتدائه إلا حينما يبدأ بِتَكَبُّد الخسائر..
فهناك جرائم تسقط بالتقادُم، وهناك آثام تمحوها نعمة النسيان؛
أوزار يغفرها الرب حين إقلاع العبد عن ذنبه؛
وجرائر يحملها المرء وحده قدر ما عاش حَمْلًا على عاتقيه، كسيوف حادَّة تُمَزِّقه إلى.. أشلاء!
...
في اليوم التالي:
"سأنتطركِ، سأنتظركِ.. سأنتظركِ!"
يومًا ما قالها بلا تحديد موعد أو مكان أو سبب، كانت هي أول من طالبته بإثبات صدقه ففعل وأظهر لها من الشجاعة ما لم تترقبه مُطلقًا، والآن حان دورها لتؤكد له أنها لا تقل عنه جسارًة.. ولا شوقًا!
حان وقتها لتبرهن له أنه حقًّا لا يهون كما عليه رددت.
كانت تسير في الممر النظيف وتمسك بحقيبة يدها في قوة لم تتعمدها، بينما قدماها تسارع حتى قاربت على الهرولة في منافسة مع قلبها الذي أخذ يقرع حماسًا و..خوفًا.
اشتاقته كثيرًا؛
اشتاقته بعنف؛
ليته يأخذها بعيدًا بعيدًا.. أبعد من مسافات الألم التي تردعهما عن الاجتماع ببعضهما البعض!
توقفت قدماها عن المسير حالما وقعت عيناها عليه، أمام إحدى الغرف يجلس، مُكتفًا ذراعيه، على الحائط خلفه يسند رأسه، ويُعكر هَم العالم صفاء عينيه..
وسامته خاطفة؛
حتى حُزنه أخَّاذ؛
وحتمًا لم يكن يومًا بحاجة إلى تكرار عباراته ثلاثًا حتى يأسر اهتمامها!
"غفران يا غفران! لقد تجاهلتِ كل العقبات وأتيتِ إليّ!"
قالها فجأة بنظرة مُتعبة،ظل يرمقها مُبتسمًا في إنهاك زادته اللهفة، فاتجهت إليه لتجلس على المقعد المجاور وحدقت به في شوق لترد في خفوت:
_ألم تؤكد عليّ من قبل أنك ستنتظرني؟
بعينيه مسح وجهها في شوق مماثل، ثم مال ليستند بكوعيه على فخذيه ورد واعدًا:
_منذ ذلك الحين وأنا أفعل، وإلى الأبد.
حانت منها نظرة إلى عينيه التي تحكي قصة عذاب تشاطره إياه منذ الافتراق، فسألته في إشفاق:
_ كيف حال والدتك الآن؟
تنهد في أسى ثم أطرق برأسه أرضًا وقال:
_ليست مستقرة بعد.
وتابع بنظرة شاردة:
_منذ سنوات حُجِزَت بالمشفى أيضًا لكنها قضت بضعة أيام فقط وتحسنت حالتها لتخرج بصحبتنا تسير على قدميها.
ثم أضاف بصوت مَكروب:
_أما هذه المرة يتملكني خوف لا أدري سببه.
ارتعشت أصابعها وهي تتمنى لو باستطاعتها التربيت عليه، مؤازرته، النطق بوعد يؤكد له أنها ستبقى إلى جواره،لكنها ذكرت نفسها باستحالة أي من ذلك فعلَّقت في حنو:
_ستخرج أيضًا بإذن الله يا نضال، لم أعهدك يائسًا هكذا!
هز رأسه نافيًا في قوة ثم قال بنبرة صارمة رغم هدوئها:
_معاذ الله! لست يائسًا ولا جزوعًا على الإطلاق، لكن ألمها هو ما يعذبني، إلا أن الله يتغمدني بالسلوى حينما أتيقن أنه سيمحو سيئة عنها أو يرفعها درجة.
لم تشعر بأنها تنظر إليه في حب تجاوز حدود قلبها، ها هو الآن لا يتوقف عن تعليمها درسًا آخر في الصبر بأعظم محنة قد تُصيب الرجل..
_بالأمس هاتفني صاحب ورشة النجارة كي يخبرني ببدئه في صنع غرفة النوم.
قالها في كآبة من نوع آخر لا لحالة والدته صلة بها، فرفعت حاجبيها في دهشة وسألته بلا تصديق:
_ألم.. ألم تقم بإلغاء الاتفاق معه عندما.. انفصلنا؟
وكلمتها الأخيرة نطقتها فكانت كسكين ذات نصلين اخترق كل منهما قلبًا، لكنه تجاوز الألم ليُجيبها:
_لا، لم أقم بإلغاء أي من تجهيزاتنا، كل شيء يتم حسبما تصورنا.. وتمنينا.
إلا شيء واحد!
هكذا نطقت عيناه لتحكي لها عن تَوقه وأسفه، فأشاحت هي بوجهها عنه واعية للضعف الذي لم يشتد بها تجاه أحد من قبل إلاه..
_يجب عليك أن تفعل يا نضال، وَفِّر مالك لشيء أكثر أهمية! بالتأكيد تحتاجه من أجل مصروفات المشفى.
بخفوت تحدثت في محاولة لإثنائه عن انتظارها، فرد حازمًا:
_ربما تخليتِ أنتِ عن خطبتنا، لكنني لن أتخلى عن الأمل باستعادتكِ يا غفران.
والثقة التي يقطر بها صوته أثارت بها فرحًة وأسى بالوقت ذاته، فبقدر ما يسعدها تمسكه بها وتتمنى لو انصاعت له فإن الحاجز الذي ارتفع بينهما لا يمكنها تسلقه، ولا السماح له بفعل المثل!
تنهدت في ألم ثم عادت تنظر إليه لتقول في توسل:
_أنت لا تفهم..
قاطعها في جدية:
_بل أفهم، أفهم جيدًا أن شقيقي قد ارتكب معصية بحق ربه أولًا، وارتكب إثمًا عظيمًا بحقكِ وبحق لؤي وبحق نفسه، لكن لا يمنعني هذا من الدعاء مع كل فجر وكل مغرب بأن تكوني زوجتي عمَّا قريب.
بحيرة رمقته فتابع راجيًا:
_امنحيني فرصة ثانية! هل خذلتكِ من قبل؟
بلا تردد أجابته:
_أبدًا لم تفعل.
فسارع مؤكدًا:
_ولن أفعل، هناك الكثير أرغب بالبوح لكِ به، لكنني سأصبر حتى تخرج والدتي من المشفى سالمة، وحتى يوافق جدكِ على عقد القران..
ابتسمت لحماسه، ولإصراره ، وابتسمت أكثر حينما أردف في وعد:
_بل سيكون زفافًا لم أفكر به إلا حينما تخيلتكِ أنتِ عروسي.
تفاعل قلبها مع وعده وود لو باستطاعته الانفصال عنها واتباعه، لكنها زجرته لتتمتم في رجاء:
_نضال أرجوك لا تبدأ بـ...
بترت عبارتها حينما انفتح باب الغرفة فجأة لتظهر ممرضة وجهت حديثها إليه في هدوء:
_والدتك تريدك!
هبَّ واقفًا على الفور وقد نفض عنه هذا الضعف، إلا أنه لدى الباب استدار إليها مُتسائلًا في رجاء صامت:
_أتريدين لقائها؟
في تمهل استقامت قدر ما ساعدتها أعصابها الخائرة نوعًا، وبلا جهد قرأت طلبه بعدم لَومها والدته على ذنب ابنها، فما كان منها إلا أن ابتسمت في حنان ووضعت حقيبتها على كتفها ثم قالت أثناء تقدمها تجاهه:
_بالطبع، لقد أتيت للاطمئنان على حالها في المقام الأول.
بسمة ضعيفة مُغَلَّفَة بالامتنان حطت على ثغره وهو يسبقها إلى داخل الغرفة، ولما لحقته أغلق الباب لتقترب من فراش والدته وهي بالكاد تمنع شهقتها من الانفلات..
اجتاحها القلق رفقة الإشفاق ما إن تطلعت إلى المرأة التي كانت لتصبح جدة أطفالها مُستقبلًا لو أن الزواج قد تم، فحينما خبرها لؤي بحالتها الصحية السيئة لم تكن تظن أنها تدهورت إلى هذه الدرجة..
تناست غضبها، دعست عتابها، ومنها اقتربت لتربت على كفها في عطف لم تصطنعه بتاتًا، فتحت المرأة عينيها لتحدق فيها بدهشة تحولت إلى ابتسامة شاكرة رافقت قولها في صوت ضعيف أقرب إلى الهمس:
_أتدرين أنني قمت بندائه كي أهاتفكِ لأطلب حضوركِ الآن؟
اعترتها دهشة حقيقية مع مرأى الصدق بنظراتها، فتقدمت أكثر لتجلس على حافة الفراش وهي لا تزال تمسك بكفها، ثم قالت في رقة:
_أنا.. هنا يا خالة.
ابتسمت أكثر رغم صعوبة تنفسها، ثم أشارت إلى ابنها كي يتقدم منها ففعل، وما إن جلس على المقعد المُلاصق للفراش حتى وضعت كفها الأخرى بين يديه..
إنذار صدح في عقله فلم يُفسره، تنبيه وخزه به قلبه ففقد القدرة على إدراكه، وحواسه كلها وهبها إلى والدته وهو يرى بعينيها نظرة لم تزرها طيلة الأيام السابقة حينما كان تعبها أشد!
_ألا زلتِ تحبينه؟
في حدة رمق والدته مُتعجبًا سؤالها بينما يقتات عليه الخوف لأجل حالتها، فيما حارت غفران في كيفية الرد فصمت لسانها..
إلا أن والدته لم تقبل بهذا الصمت، فشددت من قبضتها على راحتها لتُكرر في رجاء:
_أجيبيني يا غفران! ألا زلتِ تحبينه؟
التمعت عينا غفران بعبرات لم تقو على كبحها طويلًا، فأومأت برأسها إيجابًا في قوة لم يتسلل إليها التردد أكثر، لتزفر والدته في ارتياح وتبتسم ملء فيها قبل أن تقول في ثبات رغم الخور الذي يزداد بجسدها:
_إذن تزوجيه! تابعا حياتيكما معًا كما تمنيتُما، لا ذنب له بما فعل شقيقه.
انعقد لسان غفران وعقلها يطرقه تنبؤ أثار ذعرها فالتفتت تهم بنداء الطبيب لولا أن تمسكت هي بها لتعيدها إلى موضعها أثناء توجيه حديثها لابنها:
_عِدني أنك لن تستسلم يا نضال! ستتزوج بها، ستواصل ترتيب خطواتك بموعدها، لن تلغي أي من تخطيطاتكما مهما حدث.
طرقات طرقات؛
طرقات ربما هي نعمة أو ابتلاء؛
حينما يكون على وشك التعرض لحادث جلل يسعى قلبه عن طريقها بتنبيهه قبل حلوله!
شيء أنبأه أنها النهاية، ربما هي النظرة المُستسلمة، أو الابتسامة الراضية، ربما الاثنتان..
شيء ذَكَّره بلحظات احتضار والده، كان رغم ألمه يبدو بلحظاته الأخيرة يهفو في شوق للقاء ربه.
هز رأسه رفضًا لهذا الفزع الذي يتسلل في خبث إلى صدره، وافتعل ابتسامة حلَّ عليها انطباع بالذعر رغمًا عن إرادته ثم قال بصوت مبحوح:
_أعدكِ يا أمي أنني سأفعل، تعرفينني لحوحًا! وأنتِ ستشهدين فرحتي بنفسكِ، ستُمارسين دور الحماة الذي أردتِه كثيرًا، سوف تتمتعين برؤية أولئك الأحفاد الذين تمنيتِهم..
واختنق صوته تمامًا فبتر عبارته ليستنفر كل ما تبقى من قوته، ثم استكمل في توسل:
_لم أتأخر كثيرًا كي أُحقق أُمنيتكِ، لم يفت الأوان بعد يا أمي، لم.. لم أتقاعس عن مطلبكِ، تلك الفرحة ستحصلين عليها قريبًا، أليس كذلك؟!
_فرحتي أشعر بها الآن بالفعل يا نضال.
في رضا تام نطقت، رضا استفز ذكرى بعينها في ذهنه لكن حينما رَفَعَت كفها لتحط على مُقدمة شعره الذي زحف اللون الرمادي إلى بعض منها أخرس عقله وإليها أرهف السمع..
_لطالما كنت بارًّا مُطيعًا تضعنا بأولوياتك قبل أي شيء، لو أردت أن تنفذ رغبتي وتمنحني فرحة أخيرة فلا تؤجل موعد زواجك، اعتبرها وصيتي! استعدها! هي تحبك، وأنت لم تحب سواها، حتى لو تَدَلَّلَت قليلًا لا تتركها!
هطلت دمعات غفران وهي تحتضن كفها الوهنة بيديها حين كادت تنفلت، فيما نطق هو في نبرة مُزجاة بالعذاب:
_أمي! لا تتحدثي بهذا اليأس، سوف.. سوف تشفين و..
_لقد شُفيت يا نضال!
في عزم جاء تعليقها فشحب وجهه، ثم أضافت وهي تتحسس يده قبل أن تجذبها إليها لتطبع عليها قبلة امتنان مرتجفة رغم محاولته منعها، لتُضيف في ارتياح تسيد نظرتها جنبًا إلى جنب مع صوتها:
_كما أنني لست يائسة يا ولدي، بل أنا الآن في أتم حال من الرضا، وكيف لا أفعل وأنا على يقين بأن هناك ولدًا صالحًا لن أغيب عن عقله وسيبقى يدعو لي دائمًا؟!
والعبرات صارت من نصيبه فلم يحاول منعها من الجريان على وجنتيه، وعندما هَبَّ واقفًا وصاح مُناديًا الطبيب جذبته هي في ضعف كي تُتم حديثها:
_عدني يا نضال!
_سأفعل، لن أتركها!
في صدق مُشوب بالخوف قالها، فنقلت نظراتها إلى غفران التي لم تعد بقادرة على إخفاء شهقاتها الباكية أكثر وابتسمت لتقول:
_وافقي على عقد القران يا بنيتي! دعيه يضع الحلقة بنفسه هذه المرة في يدكِ حتى يفعل ما رغب بالقيام به آنذاك ولم يستطع.
مسحت غفران على عينيها بباطن كفها ثم سألتها باهتمام لا تعرف دقة سببه:
_وما هو؟
ضحكة خافتة مُتقطعة أطلقتها والدته وهي تتشبث بكفه أثناء قولها:
_أنت لم تخبرها!
ولم تنتظر منه ردًّا لتُجيبها دون إبطاء:
_كان يتمنى أن يُقبل كفكِ ويخبركِ كم يحبكِ، لكنه آثر الانتظار حتى تصبحين له حلالًا، ترين أن ربما يشفع لي ابني الأكبر عَمَّا اقترفه الأصغر، فاغفري لي صمتي عن حقكِ!
تعالى نشيج غفران ووقفت بالفعل لتضم رأسها إلى صدرها وتطبع عليها قبلات مُتعاقبة أثناء همهمتها بما لا تدري معناه بالأصل، وحينما تراجعت بضع خطوات كي لا تُرهق أنفاسها تابعت في مرح وهي تتطلع في نضال الذي فقد القدرة على كبت بكاءه الأخرس:
_لكن إياك أن تستحي بالمرة القادمة! لن أكون معك كي أحجب عنك نظرات الدهشة!
شهيق شديد الصعوبة شحذته شحذًا إلى صدرها فانمحت بسمتها لتردف في جدية وهي تتطلع إلى نزاعات الرفض والأسى والتوسل رفقة العذاب على وجهه:
_هناك أمرًا آخر أود قوله لك يا نضال.
_سأُحضر الطبيب أولًا ثم..
قالها أثناء فتحه الباب فأوقفته في حسم:
_الآن يا نضال، لم يعد هناك من الوقت مُتسع!
ازدرد لعابه وتسمر بموضعه حتى انطلقت غفران إلى الخارج لتقوم بالمهمة فيما عاد هو جريًا إلى والدته..
ثوانِ؛
دقيقة؛
ربما وقت طويل لم تحسبه..
وحالما أغلق الطبيب باب الغرفة قبالتها بعد أن صاح نضال رافضًا الخروج بدأ لسانها بالتخلص من تخشبه ليبتهل داعيًا بنجاتها..
ثم هرج ومرج حلَّ من حيث لا تدري، طبيب آخر ومُمرضتين اندفعوا إلى الداخل فحثت هي قدميها المُتيبستين على اللحاق بهم، لكنها بباب الغرفة تسمرت..
كان يُكافح ليميل بأذنه على شفتي أمه بينما يتحرك الطبيبان بالغرفة محاولين بأقصى قدراتهما ألا يفقدونها فيما فشلت كلتا الممرضتين في إقناعه بالخروج..
وهو يرهف السمع في لهفة ودموعه تهطل من عينيه دون توقف!
_نضال! ماذا بها أمي؟!
والهتاف الذاهل المذعور الذي انطلق إلى جوارها صاحبته دفعة لم يتعمدها صاحبها أثناء اقتحامه الغرفة، وكان رد شقيقه عليه المزيد من الدموع التي لم يدرِ قبلًا أن بإمكانه إظهارها!
وسرعان ما هتف نضال باكيًا:
_أمي! انطقي الشهادتين!
جف حلقها وشحب وجهها؛
مهند يقف على مسافة منها جامدًا؛
ونضال يُقبل يدي أمه مُكررًا طلبه في توسل:
_هيا يا أمي انطقيها أرجوكِ!
كان يومئ لها برأسه بينما عيناها تزوغ وكأنها لم تعد تراه، بل لم تعد ترى أي مما يحيط بها فيما يُقحم هو نفسه إقحامًا بمجال بصرها..
ومهند الذي لم يستطع التقدم من فراشها حينما تحولت كوابيسه إلى واقع..
كان يتطلع في جمود إلى ذراعيها التي تُحيط بشقيقه بينما هو منها محروم..
ذراعان لطالما نادته لتجذبه إلى صدر حنون فكان يُظهر لها وقاحًة وعقوقًا؛
ذراعان ظن أنها حينما تتقبله بينها سيجد في رحبها دليلًا على التوبة!
وفي ذهنه حَطَّت كف والده وهو مُسجى بفراش مُماثل على رأسه، آنذاك تألم قدر ما سمحت له عواطفه الناشئة؛
كان صبيًا لم يشارك الإثم بعمره، ولم يشترِ الجرم أسهمًا بتلوث روحه؛
سَيفًا، حاسمًا، بَتًّارا في الصواب كما دأب والده على تلقينه؛
كان مُهند أحمد الزمر النقي الصالح، لا يحمل أوزارًا وأوزارًا على كتفيه؛
ولا ترافقه لعنات أم تسلم روحها إلى بارئها هذه اللحظة دون أن يمتلك الحق بالبكاء على صدرها كما يفعل شقيقه الآن!
نقلت غفران نظراتها بين نضال ومهند فاعتصر الألم قلبها عليهما معًا، وانهمرت الدموع من عينيها أيضًا وهي تضع إحدى كفيها على فمها حينما سمعت الأول يتوسل مُجددًا:
_كرري خلفي يا أمي! أشهد أن لا إله إلا الله، وأن مُحمدًا رسول الله!
وبهمس لم تسمعه لكنها استطاعت تبينه من حركة شفتيها أطاعت الأم ابنها الأكبر قبل أن يرتخي جسدها وتفيض روحها إلى خالقها..
ورغم أنه كان يتوقع منذ استدعته إلى الغرفة، وتأكد من النظرات المتوترة الآسفة على وجوه الأطباء، فقد هتف نضال وهو يجلس على ركبتيه بينما يمسك بكفها الضعيفة:
_أمي! أمي! لا إله إلا الله، إنا لله وإنا إليه راچعون.
تراجعت غفران بخطى متباطئة إلى الخلف، وكان آخر ما رأته قبل أن تخرج تمامًا هو انهيار حبيبها الذي لم تتخيله، ونظرة مهند التي وجهها خِصيصًا لها؛
نظرة امتزجت فيها معاني اللَّوم والغضب.. والموت!
*****نهاية الفصل التاسع والعشرين*****