رواية علي ضفة قلبك ظمآن الفصل الثلاثون 30 بقلم سعاد محمد
الفصل الثلاثون
(وَجَدَب القلب)
في توتر أخذ ياسر يروح ويجئ بغرفة مكتب جده بينما عيناه تحيد من آن لآخر إلى هاتفه كي يستطلع الوقت، ثم ترحل دون قصد إلى حيث تجلس هي على الأريكة تتابعه بعينيها في توجس..
بالأمس فقط تأكد أن ما ظل عسيرًا على فهمه بشأنها لوقت طويل قد بات واضحًا، صريحًا، بسيطًا إلى حد لم يتوقعه قبلًا..
بالأمس فقط أدرك بحاجته لها، وبحاجتها إليه، بالضبط كما أدرك أنه يؤثر بها كما صارت تفعل دون صعوبة..
لقد أرشده مُعلمه حينما زاره صبيحة زواجه إلى جوهر سلام؛
حنونة، ذكية، تتحمل المسؤولية، وبإمكانها اتخاذ أية خطوة مهما كانت متعثرة من أجل من تهتم لأمرهم..
حسنًا.. لقد خبرته بنفسها من قبل عن كل مميزاتها فظن بها غرورًا، لكنه الآن أصبح يرى بها ما هو أكثر.. وأجمل!
"ماذا هناك يا ياسر؟"
انتزعته من أفكاره الحالمة والتي تدور حولها لتُلقي به في لُجَّة واسعة من القلق لم يستطع التخلص منها منذ اليوم السابق..
_لا أعلم، ليتني أعلم!
في حيرة تمتم فزوت ما بين حاجبيها لتسأله بلا اكتراث:
_أكل هذا الاضطراب لأن "جدو فؤاد" يرغب بمحادثتي فقط؟!
هز رأسه نفيًا ثم رمى بجسده على الأريكة التي تجلس عليها وبدأ يبحث عن حجة مقنعة لا يظهر بها هو الشخص المُتشكك..
فنبرة جده الآمرة بالهاتف أثارت تعجبه، لكنه عزى الأمر لحزنه بسبب إيلاف التي لحقت بشقيقتها الصغرى من حيث العزلة وآثار الانفصال..
إلا أنه عندما عاد إلى البيت وعلم بشأن زيارة ابن خالته لجده ثم غضب ذلك الأخير الواضح عقبها أدرك أن هناك سببًا آخر.. سببًا يُثير التوتر!
لاحظ أنها تنظر إليه في استفهام فقال دون حماس:
_لا، لاحظت أنه أعجب بشخصكِ كثيرًا، لكن منذ الأمس وحاله مثير للارتياب.
_ألم تقل أن ابنة خالك الصغرى قد أنهت خطوبتها رغم حُسن أخلاق خاطبها؟!
سألته في ضجر فأجابها فورًا:
_بلى.
_ألم تقل أن ابنة خالك الوسطى غاضبة منذ أيام وتصر على الطلاق؟!
تابعت في تأثر فتنهد مُطولًا ثم كرر ثانية:
_بلى.
اعتدلت لتوليه كل انتباهها وسألته في إشفاق:
_ألا تظن أنه قد يتأثر بكل هذه الأحداث؟
تأفف في سأم ثم تمتم بحنق:
_لن تفهمي يا سلام..
وبتر عبارته عازمًا على الكتم، لكنه فجأة وقف ليقول في سخط:
_لا علاقة لكل ما حدث بطلبه إحضاركِ إليه على عجالة، أظن أن هناك...
"اخرج ودعنا يا ياسر!"
والعبارة التي ارتفعت في نبرة آمرة لدى الباب جعلتها تقف أيضًا لتتطلع بابتسامة في الحاج فؤاد الذي لم يُبادلها الابتسام على غير عادته، بينما تحفز ياسر إلى جوارها مُتسائلًا:
_لماذا يا جدي؟
اتجه إليهما وعيناه تسبر أغوارها وحدها، ورَدَّ في جدية:
_أريد التحدث مع سلام بمفردنا.
نقلت نظراتها بينه وبين ياسر وتأكدت من صواب ظنه، فالرجل الذي اعتادت تعبير البشاشة منه ما إن يراها يحدق فيها الآن باختبار لا يمنحها راحة!
_عذرًا يا جدي فأنا مهتم بمعرفة كل ما قد يخص سلام.
بعد تردد قصير تحدث ياسر فرمقه جده بلا تعبير ثم اتجه إلى المقعد المواجه للأريكة مُتجاهلًا إياه تمامًا وموجهًا سؤاله لها دون مُقدمات:
_هل التقيتِ قبلًا بأحد ابني خالته؟
عقدت حاجبيها في دهشة وأجابته:
_نعم، لقد رأيتهما بحفل عقد القران.
_فقط؟
وتعقيبه المتسائل في اقتضاب أكد لياسر ما شك به، شك تحول إلى قلق ما إن تابع جده:
_ألم تقابلي أحدهما قبل الحفل؟
بذكاء لا يحتاج إليه الكثيرون أدركت أن حفيده الذي دار بينها وبينه حوار من قبل ربما قد ضرب ضربة ليست بشريفة..
لِذا أجابت في ارتباك:
_قابلت.. عمرو.
اتسعت عيناه في دهشة وغمغم:
_إذن هاني لا يكذب!
_ماذا قال لك ذلك الجبان يا جدي؟
واندفاع ياسر لم يؤثر في هدوء جده حين ردَّ وهو لا ينزع نظراته المستكشفة عنها:
_قال أن سلام بصفتها من لجنة فحص الضرائب قد عرضت على عمرو مساعدته ضدي مقابل رشوة.
وبينما فغر ياسر شفتيه ذاهلًا علقت سلام في هدوء مستفهمة:
_ثم؟
هز الحاج فؤاد كتفيه ليرد بنبرة لا تخلو من استهزاء واضح:
_ثم رفض هو بالطبع.
ورفع كفيه ليستند بهما على عصاه أثناء جلوسه، ثم أردف:
_والآن أنتِ تحاولين الاستفادة عن طريق ياسر، تستغلينه كي تحصلي على ما هو أكثر من مجرد رشوة بسيطة.
كاد ياسر يستشيط غضبًا وهو ينقل نظراته بين جده الذي ألقى اتهاماته في لا مبالاة مُغيظة وبين سلام التي تستمع لكل ما يُقال في حقها وكأنه لا يعنيها، لذلك هتف في استنكار:
_ما هذا الهراء؟! إنه كاذب لعين يا جدي ولا أدري كيف سمحت له أن يتفوه بحق سلام بمثل هذه الاتهامات الشنيعة!
_هل هو كاذب حقًّا يا سلام؟
بهدوء، وبصبر سألها الحاج فؤاد فاكتفت هي بالصمت، ليندفع ياسر صائحًا:
_هل تصدقه يا جدي؟! بعد كل ما فعله معك ومع إيلاف هل صدقته؟
كانت لا تزال تحت آثار الرفض والاستنكار، فلم تستطع إيجاد تفسير واحد لإيذائها من قِبَل شخص لم تتبادل كلمة واحدة معه من قبل..
لكنها ببعض التركيز وجدت تفسيرًا آخر لعبارة قالها لها ياسر باليوم السابق، عبارة واحدة عنت أن هناك من يكرهه بهذا البيت إلى الحد الذي يحمله على الهرب إلى مكان خاص به دون رفقة!
وهكذا لا يتطلب الأمر الكثير من الاستبعاد حتى تدرك أن إيذائها ما هو إلا انتقامًا من زوجها!
اشمئزاز تسلل على ملامحها فلم تحاول إخفائه، والسؤال ذاته دار مُجددًا في ذهنها دون العثور على إجابة..: كيف يستطيع المرء إيذاء أي من أفراد عائلته بهذه الخسة؟!
وبدا أنها سافرت بعيدًا عنهما فرفعت عينيها إلى ياسر الذي انتفخت أوداجه ليستشري بها شعور عارم بالندم وهي تتذكر جفائها معه فيما سبق ظَنًّا منها أنه قد يتشابه مع ابن خالته.
لم يُلقِ جده له بالًا وهو يدرس الانفعالات التي تتعاقب على وجهها، وتابع في تصميم:
_أجيبيني يا سلام!
أوشك ياسر على الاشتعال سخطًا فأمسك بإحدى يديها في حدة وهتف مُتوعدًا:
_هيا بنا يا سلام لأعيدكِ إلى البيت ثم لأذهب لذلك الحقير وألقنه درسا لا يُنسى!
وما إن صارا أمام الباب بالفعل حتى صاح جده:
_ابق مكانك يا ولد!
واستدار ياسر على الفور صائحًا بالمثل:
_أنت تهين زوجتي يا جدي!
اتسعت عيناها دهشة مع إدراكها أن كل هذه الثورة يقوم بها لأجلها، ووقف جده قبالتهما قائلًا في حزم:
_أولًا: إياك أن تصرخ بهذا الأسلوب! ثانيًا:أنا لم أهن أحدًا، سألت سؤالًا مُحددًا ولا زلت أنتظر إجابته.
أطرق ياسر برأسه أرضًا ثم نطق في انفعال تحكم قليلًا بحدته:
_السؤال بحد ذاته إهانة صارخة! لقد جاءت إليّ سلام منذ أشهر حتى تحذرك منهما لكنك لم تكن بالمصنع فخبرتني بالحقيقة.
مُجددًا تجاهله جده ليسألها هي في رفق:
_وما هي الحقيقة يا سلام؟
باعتداد تعلقت نظراتها به مع سؤالها المستهجن:
_هل ستصدقني أنا وتكذب حفيدك؟!
شد ياسر على يدها في عنف غير مقصود وهتف:
_لستِ بحاجة للـ..
_اخرس قليلًا يا ولد!
أطبق شفتيه رغمًا عنه عندما طالته لكزه خفيفة بالعصا في ساقه، تنفست سلام بعمق وحدقت بعيني الحاج فؤاد لتقول في ثبات:
_لقد قام عمرو بزيارتي بالمنزل أثناء فترة فحص الوثائق الخاصة بمصنعك يا حاج فؤاد، ولقد عرض أن يكافئني إن أدليت له بأية معلومة عن مسار الفحص أو إن استطعت التلاعب بالوثائق كي أُثبت تورط المصنع.
طعنات جديدة؛
غادرة تمامًا كطعنة اتهام حفيدته كذبًا؛
وطعنة دعوى الحجر التي كادوا يرفعونها؛
وطعنة لا يزال جاهلًا بشأنها، لكنه يعلم أنها هناك، حتى الصميم نافذة، حالما ينتبه لها سيلفظ أنفاسه الأخيرة دون انتظار!
_ماذا قلتِ؟
في انشداه سألها ياسر، وحالما رأى علامات التوتر تطفو على وجهها تابع هاتفًا في ذهول:
_سلام! أنتِ قلتِ لي أنه قام بزيارتكِ كي يستكشف مسار الفحص فقط، لم تذكري أي شيء بشأن رشوة!
_إنه ابن خالتك!
في استسلام عَلَّقت بينما ينقل الجد نظراته بينهما في اهتمام، ثم تنهدت لتتابع مُوضحة:
_حينها جئت لتحذيرك من ضرر مستقبلي قد يلحق بكم بسببه، لكنني لم أكن لأتسبب في إفساد علاقاتكم عسى انتابه الندم ذات يوم وأدرك فداحة ما اقترفه بأهله!
ولمَّا حل الاستنكار على تعبير ياسر التمعت عينا جده بإعجاب، ثم سألها طاردًا خوفه من مستقبل قريب لم يعد يستطيع الاختباء من وشوك وصوله:
_وماذا فعلتِ حينذاك؟
نظرت له واعتلى عينيها تعبير تحدي تزامن مع قولها في فخر:
_طردته مع علبة الشوكولاتة التي أحضرها خارج بيتنا!
في بطء ارتسمت ابتسامة إثناء على ثغره قرنها بقوله وهو يربت على كتفها:
_أحسنتِ يا بنت!
قفزت الدهشة على وجهيهما بينما تابع في هدوء:
_أنا لم أشك فيكِ للحظة يا سلام، لكنني أيقنت أن هاني لن يخلق كذبة من العدم فرغبت بمعرفة ما دار حقًا دون علمي من شخص أثق به.
ابتسمت سلام في حبور فيما عبس فورًا وهو يرمق ياسر بامتعاض هاتفًا في غيظ:
_لم يكن من داع لثورتك هذه، لم أبدأ بخلع أظافرها!
لكن ياسر لم يتردد ليرد في جدية:
_إنها زوجتي يا جدي! أتظن أنني سأقف هادئ بارد الدم مع معرفة أن هناك من يحاول تشويه صورتها؟!
ورغم تعجبه واستحسانه فقد أمعن به النظر ليسأله في ترقب:
_ولنفترض أنني قد صدقته وأمرتك بألا تواصل هذه الزيجة؟ أكنت ستعصاني يا ياسر بك؟
_سأطيعك بأي أمر يا جدي، لكن لن يمنعني أي شخص من إتمام زواجي بسلام.
التفتت سلام إليه في حدة والانبهار يحتل تعبيرها بينما بدا أنه قال ما قيل دون ترتيب، فقد اضطرب لوهلة مع بسمة جده الماكرة..
_أستأذنكما!
قالتها وهي تهم بالرحيل قبل أن يجعلها خجلها تتصرف في خرق، فأوقفها الحاج بعبارته الحازمة:
_إنها المرة الأخيرة حيث سأسمح لكِ بأن تناديني بأي لقب غير "جدو فؤاد"!
أومأت برأسها في طاعة وابتسمت تلقائيًا ثم فَرَّت دون تردد تتبعها عينا ياسر الذي تلقى لكزة أخرى تأوه لها ليلتفت إلى جده مُستنكرًا، إلا أن هذا الأخير أشار بذقنه إلى الخارج قائلًا في مكر:
_هيا اذهب خلفها وبإمكانك شُكري لاحقًا!
اتسعت عيناه في ذهول ثم قال بكلمات مُتلجلجة:
_هل كنت.. أنت تعمدت أن..
بنظرة ناعسة أسكته جده، فما كان منه إلا أن مال على إحدى وجنتيه يُقبله في عنف هاتفًا:
_أقسم أنني أحبك حُبًّا جَمًّا!
باشمئزاز مسح جده على وجنته وهو يغلق الباب خلفه، تنهد في راحة بعد أن اطمئن لحال أحد أحفاده ثم رويدًا رويدًا عاد الهَم إليه في هجوم بشأن الآخرين!
الصيام عن الطعام والشراب مَشَقَّة تصعب على البعض رغم إدراكهم بمرور الوقت في سرعة لإشباع جوعهم وإرواء ظمئهم..
ماذا عن صيام بلا إفطار؟
عطش دون سقيا؟
حرمان دائم دون أمل بالإشباع، والأكثر قسوة أنه بموعد معلوم؟
...
في اليوم التالي:
بضعة أيام..
فقط بضعة أيام تفصله عن انفصاله عنها؛
بضعة أيام تمر على الصائمين حوله في تمهل.. لكنها في ميقاته تهرول دون رحمة بقلبه الذي جَدَب فعليًا قبل انقطاع الغيث.. ما لم تقع معجزة!
ولماذا اختار أن يشغل عقله عَمَّا هو قادم هنا تحديدًا؟
منذ شهر كانت زيارته الأخيرة مُحَمَّلة بوعود مُتحمسة، ها هو لم يخلفها، ها هو قد بذل جهودًا مُضنية كي يُنفذها بإتقان..
لكن.. في هذا السبيل فقد من لم يتمن سواها ما إن أدرك قلبه معنى الحب وذاقت روحه لذة الاقتران!
رَفَع عينيه المُتعبتين إلى صديقه الممنوع من الحرية، ليسترعى انتباهه هزاله، ضياعه، وانطفائه!
"هل يعذبونك بالداخل؟!"
بادره ناهل مذهولًا ما إن وقعت عيناه على ذبوله المُبالَغ به، والذعر الموشوم على تعبيره إلى جوار الندبة التي سكنت صدغه، مع الاستسلام التام الذي لا يدري سببه..
وبسمة متهكمة لم يرها على وجه حازم قبلًا سبقت رده الساخر:
_من تقصد تحديدًا؟
عظام وجهه بارزة أكثر من المعتاد؛
نظراته شاردة في تيه وذعر؛
والزُرقة التي كانت تمنح عينيه صفاءً ملحوظًا وكأنه طفل صغير حلَّ عليها ظلام.. مُخيف!
القانون يختزل مُدة الحبس إلى النصف.. لماذا تضاعف عمره هو أضعافًا وأضعاف؟!
_أين مُحاميك يا حازم؟
سأله في قلق امتزج به الحزم، فضحك بلا داع ثم أجابه:
_لا أعلم، ولا أظن أن بإمكانه فعل شيء، إن حالفني الحظ مثلك سأخرج بعد إتمام نصف المدة، أي بعد..
وبتر عبارته كي يتم الحسبة.. لكنه فقد اهتمامه فسكت!
_سبعة أشهر.
قالها ناهل في إشفاق فابتسم حازم ومط شفتيه ثم علَّق لا مُباليًا في خفوت:
_سبعة أشهر، أصبت!
وفجأة بدا الاهتمام وكأنه قد وجد طريقه إليه، فسأله في ترقب:
_هل وجدتها؟
تبدَّلت الأدوار فتظاهر ناهل بالتحديق بالجدران التي لم يكره بقدرها، ثم أجابه:
_نعم.
_كيف هي؟ وكيف طفلها؟ ولد أم بنت؟ أربعة أشهر يجب أن يكون عمره الآن، أليس كذلك؟!
حماس، اشتياق، ولهفة..
كان ناهل ليفرح وهو يلاحظ أنه لا يزال يستطيع التعبير بهم بين سجنه، لكن أنَّى له أن يفعل وهو على وشك سلبه إياهم ببضع كلمات لا غير؟!
جابت عينا حازم كل اختلاجاته ليتضاءل اندفاعه تدريجيًا ويشحب وجهه دون تردد، وفي نبرة مبحوحة بتر قوتها الهلع سأله:
_لِمَ لا ترد يا ناهل؟ ماذا حل بحسناء؟
زفر ناهل في قهر ثم قال دون أن ينظر له:
_لقد.. لم يُكتب النصيب لطفلها.
خدر مُقبض بدأ ينتشر بأوصال حازم وهو يحملق به في ذهول حتى تابع ناهل مُحاولًا طمأنته بأي شيء:
_لقد أجهضت، إلا أنها بخير الآن.
كان قلبه قد بدأ يطرق في قوة وعقله يجذبه جذبًا إلى اتجاه واحد لا سواه، لكن رغمًا عنه سأله:
_هل وقعت؟ هل كان الحمل به..
وحينما أطرق ناهل برأسه أرضًا بتر حازم سؤاله ليستبدله بآخر:
_ضربها، أليس كذلك؟!
إيماءة ضعيفة أجاب بها ناهل فهمس حازم في قهر:
_اللعين!
ثم صرخ فجأة مُكررًا:
_اللعين! الـ *** اللعين!
"اخفض صوتك!"
والأمر الصارم الذي صاح به أحد العساكر أتبعه ناهل بأن أمسك بإحدى يديه هامسًا في حزم:
_اهدأ قليلًا يا حازم!
لكن حازم احتدم الغضب بعينيه فبدأ اللون الأحمر يطغى عليها، ارتفاع صدره وهبوطه المتسارع أيضًا بات لا يُنبئ بأي خير..
كما أن ارتجاف كفيه الذي لاحظه فور وصوله صار اهتزازًا عبر إلى صوته وهو يسأله في هياج اضطر لكتمه:
_وأين هي الآن؟ أين شقيقتي الآن يا ناهل؟ ألا زالت معه؟
دون تردد سارع قائلًا:
_لا تقلق! لقد استأجَرَت شقة بسيطة بحي شعبي نوعًا لكن البناية بها حارس لا يسمح بدخول أي شخص غريب، كما أنني أطمئن على أحوالها من آن لآخر، والخالة إكرام أيضًا تقوم بزيارتها يوميًا وتبقى معها طويلًا.
في ارتياب ظل حازم مُحدقًا به لا يثق إطلاقًا بما سمع، لكن ناهل أضاف مؤكدًا:
_شقيقتك في أمان تام يا حازم، وما إن تنهي مدة عقوبتك حتى تطمئن عليها بنفسك، لكنها..
قاطعه حازم مذعورًا وهو يكاد ينتفض:
_لكنها ماذا؟
اختلس ناهل نظرة خاطفة إلى العسكري الذي يوزع نظراته الشزرة على الجميع بلا سبب، ثم ردَّ في نبرة أقرب إلى الهمس:
_لا تستطيع زيارتك الآن، نخشى أن يكون ذلك الحقير طليقها على علم بموعد الزيارة فيصل إلى مكانها عن طريقك أنت.
كلمة واحدة جذبت انتباهه فسأله بلا تصديق:
_طليقها؟ هل طلقها؟
اكتفى ناهل بإيماءة أخرى فحاصره بتصميم:
_ما الذي لا تصارحني به؟ ماذا فعل بشقيقتي بالضبط حتى طلقها؟! لقد حاولت إجباره على تطليقها مرارًا فكان شديد الرفض، كيف فعلها بعد أن صارت وحيدة تمامًا بسجني؟!
مسح ناهل بكفيه على وجهه في تعب ثم نطق مُستسلمًا ومُحذرًا إياه بنظراته:
_سأخبرك لكن أحب أن أذكرك بأنها في هذه اللحظة تنعم بالأمان فلا تبدأ بالهلع والصياح فيقومون بإنهاء الزيارة!
**********
بِكتفين تخاذلت بعض الشيء كان يسير تجاه غرفتها، مُستندًا على عصاه كي يخفي ضعفه بصلابتها، مُرددًا دعوات لا تتوقف بالصبر يرطب بها جفاء حلقه أثر الصيام، ويشغل بها قلبه الملتاع الذي لم يكد يتأقلم على حال حفيدته الصغرى حتى ضاعفت الوسطى من همومه.
على بابها طرق مرتين قبل أن يصدر نحنحة خشنة أعقبها بأن فتحه فور سماعه سماح والدتها بالدخول.
على الحال نفسه كانت، كَلَوْحة صامتة جامدة لا يتغير موضعها، غير أنها تزداد انطفاءً يومًا بعد يوم!
تطلع إليها تجلس بفراشها فحرر زفيرًا غارقًا بالهَم، تحاول إغماض عينيها بالقوة لتجبرها على النوم، بينما يبدو أن جسدها يرفض، عقلها يقاوم، فيما لا يكف قلبها عن إيقاظها تحت قوة شوق غاشمة لا تبدي اعتبارًا لأعذارها.
"اخرجي لتتأكدي من إعداد طعام الإفطار يا هالة لأنني سأذهب لتقديم واجب العزاء لنضال!"
دون أن يبعد نظراته عنها وَجَّه أمره لوالدتها، والتي نقلت نظراتها بينهما في حيرة قبل أن تقف لتبتعد بِخُطى ضعيفة لا يعلم أحد أهي اكتسبتها مُؤخرًا عقوبًة لها على ذنبها أم هي مُجرد صفة تُلازمها منذ البداية!
على مهل جلس إلى جوارها، ورغم أنها اضطرت لتفريق أهدابها كأقل بادرة احترام لحضوره وكأقصى حركة يساعدها بها جسدها فقد عَمَّ الصمت بينهما لوقت ليس بقصير حتى سألها بلا مُقدمات:
_هل السبب.. امرأة أخرى؟
قشعريرة اجتاحت جسدها وهي تستعيد تلقائيًا حسناء الاسم والوجه، حسناء كان يفصل بينهما ستار شفاف، باب من خشب، أشواك من غدر، وفوهة خيانة يبدو أنها تختارها عن عمد كل مرة!
حسناء فتحت لها الباب في بطء، تطلعت إليها في خوف لم تفهم سببه حتى تَحَول إلى حذر مع تحرير أنفاس يبدو أنها كتمتها لثوانِ مُتواصلة قبل أن تُغلق الباب فورًا وكأنها تريد منع دخول الهواء ذاته إلى حدودها!
ألا يُفترض بمن ترتكب خطئًا أن ينطبع عليها نظرة ذنب بدلًا من ذلك الفزع؟! أم ربما هو ذلك الخوف الذي يعقب انكشاف الأسرار؟!
ولمَّا غابت طويلًا مع غريمتها تَسلَّم جدها الإجابة فتابع:
_هل رأيتِ بنفسكِ؟ هل هناك دليلًا على تلك الوساوس؟
أتستطيع قص ما رأت عليه؟
أتستطيع الإسهاب في مميزات أخرى، وجمالها، وضعفها البادي من زرقة عينيها؟
أتستطيع إيلام قلبها الذي لا يزال واقعًا تحت وطأة استئصال جزء مهم به.. أو غالبيته؟!
وهل ستتمكن من وصف هذا الشعور بالخواء الذي يتمدد وينبسط بروحها حتى أوشك على تعبئتها.. بالفراغ؟!
هزت رأسها رفضًا، وخوفًا، وضعفًا، ثم قالت لِتنفصل بكل عزم عن هذا الهزال النفسي:
_لو كانت وساوس بالفعل فلأتخلص منها بشكل حاسم!
لم يلقِ بالًا لإجابتها الغامضة، فكرر في إصرار:
_هل رأيتِ دليلًا يا إيلاف؟
_رأيت ما يكفيني يا جدي!
وغضب اكتنفه فأشاح بوجهه عنها مُستغفِرًا..
لقد توقع أن هذا سيحدث منذ وقت، توقعه ولم يملك إلا أن يتمنى خيبة ظنه فتجد حفيدته فرصة الشفاء قبل أن تقوم برحلة لا عودة منها؛
وتوقعه ناويًا على أن ينحي إشفاقه عليها جانبًا ويترك الدفة للحزم كي ينقذها من الاستغراق في غمار اليأس أكثر.
الآن لا يستطيع تنفيذ ما عزم عليه، وكيف يفعل والطرف الآخر يلتزم الصمت منذ قرارهما ولا يبدي أية نية للصلح؟!
أمن المعقول أن ذاك العاشق المخلص قد طاله اليأس ولم يعد يلوي على شيء؟
وعند هذه النقطة احتدم صراع آخر بداخله..
لقد كان مُستعدًا للنقاش معه حالما يلتقيا، للبحث عن حلول، لحسم هذا الوضع المزري الذي سيستفحل مُستقبلًا لو لم ينته الآن..
لكن كيف يبادر مرة أخرى؟!
كيف يهرول إليه ثانيًة ليعرض عليه حفيدته بينما لا يُظهر أي رغبة بالتراجع؟!
ربما الحال قد اختلف الآن بالفعل كونها زوجته، لكنه لا يقوى على المقامرة بإيذاء كرامتها مُجددًا!
_أنا لم أكن أنتظر شيئًا من أي شخص، كنت راضية مقتنعة بانعدام أهميتي، لكن كلما اعتدت صغر قيمتي ظهر أمل مخادع من حيث لا أدري ليمنحني سعادة مؤقتة قبل أن يحيطني بعذاب أبدي.
بعبارات بسيطة خافتة قتلت أفكاره في مهدها، بصدق شعورها أكدت له أن آماله ما هي إلا محض أوهام..
ثم رَفَعت كفيها تعيد غرتها التي انسدلت على جبهتها إلى الخلف، لتضيف في شرود:
_تلك الوحدة التي لطالما بغضتها ودومًا ما تمنيت أن أتخلص منها تبدو لي الآن الحل الأمثل.
واليأس الذي نشب أجنحته بوجهها كخفاش جاء ينقل لها عدوى ظلامه أثار تحفزه، فاعتدل ليواجهها وقال في قلق:
_خبريني ماذا فعل! هل وجه لكِ أية إهانة؟
_لم يفعل مُطلقًا.
بلا تردد أجابته وهي تهز رأسها نفيًا في ضعف، ثم دعمت قولها بأن أردفت بحسرة:
_أنا من فعلت يا جدي، أنا من أهنت نفسي حينما رفعت رأسي إلى طموح ليس من حقي..
عقد حاجبيه متوجسًا فالتفتت إليه أخيرًا، تطلعت إليه في توسل سبق أسئلتها التي أخفض القهر من نبرتها:
_لماذا نحاول التعلق ببرج عال بينما الأرض تجذبنا جذبًا حتى باطنها؟ لماذا نتوق إلى مرافئ لم نكن يومًا لنستطيع الإبحار إليها؟! تلك المنارة المُضيئة كيف سمحنا للوهم بالتملك مِنَّا حتى ظننا أنها تُرشدنا بالأخص بينما هناك من هو أكثر قيمة وهو الأجدر بالإنقاذ؟
راعته هذه الحالة من احتقار الذات التي لم تصل إليها من قبل في أضعف أوقاتها، فَمَد إحدى يديه ليمسك بخاصتها وهتف في استنكار:
_لا تتحدثي عن نفسكِ بهذا الاستصغار يا بنت!
ثم أضاف بصرامة وهو يحملق في هذا الهوان الذي يتشبث بنظراتها:
_ناهل رجل جيد، أمين، خلوق، لكنكِ إيلاف الكردي، حفيدتي، يتشرف أي رجل أن تكوني أنتِ بالذات زوجته.
أخفضت رأسها أرضًا تواري عنه تعبير الاستهزاء الذي بالتأكيد تنضح نظراتها به، فتابع في رفق واضعًا كفه الحُرة من عصاه على شعرها:
_من تمتلك حنانكِ يا إيلاف؟ من تتشبع بنقائكِ؟ من رُزِقت بجمالكِ؟ من تتسم ببساطتكِ؟ أنتِ هبة يشكر أي رجل ربه على منحه إياها.
ومع هذه المبالغة انفلتت منها ضحكة مُغَلَّفَة بالسخرية، فتجهم وجهه لوهلة قبل أن يقول في عتاب:
_أتضحكين استخفافًا بكلام جدكِ العجوز يا بنت؟! أتظنينني أُخرف بلا معنى كي أخفف من حزنكِ وحسب؟
التمعت عيناها على الفور بغلالة من دموع عاث بها الضياع فسادًا فتابع في لين:
_لستِ تحتاجين أحدًا، جميعنا لن نستطيع مُساعدتكِ إن لم تفعلي بنفسكِ لنفسكِ، لا ناهل، لا والدتكِ، لا إخوتكِ، ولا حتى أنا.
في استجداء رفعت رأسها لتنظر له فأخذ يمسح على شعرها وأضاف في أسف تغلغلت به نبرة تشجيع لم تستطع إلا أن تستمع إليها:
_تظنين أنتِ أن قيمتكِ معدومة، تعتقدين أن الهامش فقط هو ما يليق بكِ، لكنكِ تجهلين أنكِ بالنسبة للكثير منبع الضوء، أنتِ كافية، بل أكثر من كافية، إن أردتِ الحصول على تلك القوة ربما ينبغي أن تُمدي غيركِ بها أولًا!
ولَمَّا شردت بكلماته بنظرة متوسلة لاحت ابتسامة فخر على ثغره قبل أن يواصل في خفوت:
_لا تحتاجين أية منارة، لا واحدة يشع ضوئها أكثر منكِ!
أخفضت رأسها أرضًا في حيرة فرفعه ليلزمها بالنظر إليه وأضاف بكل صدق:
_أنسيتِ أنكِ أكثر من كنتِ تحرصين على وِدِّي؟! لين دومًا ما انتحت جانبًا لشعورها الأحمق بالذنب، وغفران أيضًا عمدت إلى الانطواء فجأة لسنوات، لكنكِ لم تتركيني مُطلقًا، أينما استدرت كنت أجدكِ، أنتِ لست ضعيفة أو مُهَمَشة يا إيلاف، أنتِ غالية، أنتِ عالية، أنتِ مرفأ آمن في قلب موجة عاتية.
اغرورقت عيناها بالعبرات فأبعدت نظراتها عنه، ليأتيها صوته مُترددًا بعض الشيء في سابقة نادرة:
_ما رأيكِ أن.. أؤجل أمر حضور المأذون بأية حجة، ربما بعض الوقت سيفيدكما و..
_لا يا جدي، لا تؤجل شيئًا!
قاطعته في حزم فرمقها مُشفقًا، لتستسلم تمامًا أمام دموعها وتنظر له وتهمس في رجاء:
_أنا.. أرغب بالنوم، دعني أنام يا جدي! دعني أنام ولا يوقظني أحد.
في أسى أومأ لها برأسه، فواصلت متوسلة:
_ألا تقرأ القرآن على سمعي كما تفعل مع غفران؟
آلمه فؤاده وهو يُشاركها هذا التخبط الذي تعانيه، فأسند عصاه على المنضدة الجانبية وعاد يعتدل فاتحًا ذراعيه مُتمتمًا في عطف:
_تعالي يا حبيبتي!
وانصاعت بلا مقاومة.. بالأصل لم تعد تملك أي منها!
لكن بعد ثوان من استشعار ضربات قلبه تحت رأسها أبعدته عنه ورمقته بإمعان ثم همست في قلق:
_لست.. لست أُثقل عليك، أليس كذلك؟!
عندئذٍ حطت إحدى كفيه على وجنتها بينما الأخرى تمسد شعرها، لتنساب كلماته في أذنيها صادقة معطاءة حانية كأول قطرة من علاج في اللحظة ذاتها حين اعترفت أخيرًا بحاجتها له:
_سعيدًا، مُمتنًا سأحملكِ فوق رأسي حتى إن فقدت قدرتي على السير إلى الأبد يا إيلاف، أنتِ الوسطى، تسكنين مقام هذا القلب، تسيطرين على مركز هذا العقل، على الرحب ستجدينني أنتظركِ متى أردتِ وكيفما شئتِ.
**********
إن تسبب المرء في جرح غيره ينتابه شعور بالذنب ربما يزول بمرور الوقت؛
أما أن يكون العقاب على الإيذاء هو تذوق مرارة الفقد إلى الأبد دون أمل بالعودة فليس الكُل بقادر على التحمل؛
وإذا رحل عنه المتأذي مُتحسرًا، غاضبًا ساخطًا، فكيف به أن يعتذر؟! كيف به أن يجد طريقًا للتوبة؟!
أو كيف يمنع نفسه من الرغبة المتقدة التي تستفحل به دون مانع.. رغبة تصرخ بالأسف توازي أخرى تتلظى بالانتقام!
...
مُتشحة بالأسود من رأسها حتى أخمص قدميها وكذلك عيناها المُظللة بنظارات شمسية ضخمة تخفي انتفاخها وقفت غفران خلف جمع من النسوة اللاتي كدن يتبعن الفقيدة حتى مثواها الأخير مولولين لولا صياح نضال الناهي بألا يفعلن..
ومن موقعها على بُعد مسافة استندت على جدار متهدم تستمع إلى ما وصل لأذنيها من عِظة يُلقيها شيخ كبير أتبعها بأدعية للمغفور لها بينما يؤمنون جميعًا على دعائه كما تفعل هي من بين شهقات بكائها..
في إرهاق صمتت طاعًة للسكون الذي حل فجأة بالمكان رغم الازدحام، ثم في حذر اعتدلت لتراقب البعض يرحلون تِباعًا فيما راحت عيناها تبحث عنه في لهفة.
"ماذا تفعلين هنا؟!"
والسؤال الذي طرق سمعها كقذيفة نارية استشعرت الكراهية به قبل أن تستدير لصاحبه..
صاحبه الذي كان كشقيقها، ثم اعتبرته فردًا من عائلتها المُستقبلية، إلى أن تحول بين ليلة وضحاها إلى أَلد أعدائها!
لكن لماذا تجتاحها الشفقة تجاهه بهذه اللحظة بدلًا من الحقد؟!
ولماذا عجز لسانها السليط في الغالب عن منحه ما يستحق من إهانة؟!
تنحنحت في توتر ثم قالت بنبرة متحشرجة:
_جئت كي.. أقدم العزاء لنضـ..
_حقًّا؟! أم جئتِ تستمتعين بمشاهدة انتقامكِ مني حتى الرمق الأخير؟
قاطعها في غضب فحدَّقت به في انشداه، ثم تمتمت دون وضوح:
_أنا لم..
_لقد ماتت غاضبة عليّ، لقد واراها الثرى منذ دقائق دون أن أستطيع إلقاء نظرة أخيرة عليها، لقد حمل جسدها غرباء مع شقيقي لأنني مطرود من رضاها منبوذ من قلبها ممنوع من مسها.. بسببكِ أنتِ يا غفران!
والحرقة، مع البغض، مع الندم أحكموا قيودهم على كلماته ونظراته ليُصيبها بحيرة وتخبط بين رغبتها في صفعه مرة أخرى أو.. التربيت عليه كأنه طفل صغير لتعده بأن كل شيء سيكون على ما يُرام قريبًا!
لكنه في إصرار تخلص من حرقته مع ندمه ليحتفظ بالبغض ويضاعفه قائلًا في خفوت لم يخل من التحذير وهو يرفع ذراعه تجاه القبر البعيد يضم أقرب من كان يملك:
_لقد دفعت ثمن خطئي بحقكِ وسأبقى أدفعه حتى أموت كلما استعاد ذهني صراخ والدتي الآمر بألا أحضر جنازتها وألا أساعد في دفنها!
ثم أردف عندما لاحظ شحوب وجهها:
_ابتعدي عنَّا! ابتعدي عن شقيقي فكفاه ما يعانيه الآن! وأعدكِ أن أقطع كل صلة لي بلؤي أيضًا.
أهذا هو مهند حقًّا؟!
أهذا هو الصبي الذي كان رفيقًا لشقيقها لأعوام؟!
كيف له أن يتبدل إلى هذا المخلوق الغريب.. المُنفِّر، القادر على القيام بما هو غير مُتوقَّع؟!
"البقاء لله يا مهند!"
التفت كلاهما إلى رجل يبدو عليه التأثر واضحًا فأخفض مهند رأسه في أسى ورد، لكن نظراتها حطَّت على نضال الذي كان يرافقه ولم ترحل..
وضع الرجل إحدى كفيه على كتف مهند ليسيرا بضع خطوات فيما بقت هي بمواجهته صامتة، مُتألمة، ابيضَّ ذهنها من الكلمات كحال وجهها من الدماء..
بانكسار تطلع إليها، الرجل الذي دأبت وسامته على اختطاف لُبها كلما رمقته بدا لها وكأنه شاخ سنينًا خلال عدة ساعات!
"أعتذر يا نضال!"
نظر لها في تساؤل ظنَّا منها أن رهبة الحدث والمكان أورثتها ارتباكًا فلم تعد تدري ما يجب قوله، لكنها تابعت في أسف:
_ربما.. أنا من تسببت بـ..
في تمهل هز رأسه نافيًا، ثم جاءت كلماته بصوت يسيل منه الحزن أنهارًا جنبًا إلى جنب مع الرضا:
_إنه قضاء الله يا غفران، لا نملك سوى القبول به والثقة في فضله.
أطرقت برأسها أرضًا فأضاف بنبرة تحشرجت بآخر عباراته:
_كما أنكِ لست مُلامة بأي حال، كانت مريضة بالفعل منذ سنوات.
أجفلت وهي تتطلع إليه، أو بالأحرى إلى عينيه اللامعة قبل أن تخونه تمامًا لتترقرق بدموع لم تستطع رغم غزارتها أن تعبر أهدابه لِتخدش هالة صلابته..
وفي همس راوده البكاء قالت:
_أنت تبكي!
رفع كتفيه في ضعف وكأنها تحمل من الهموم أطنانًا، ثم رد في اقتضاب كان أكثر تعبيرًا وبلاغًة من كل كلمات اللغة:
_إنها.. أمي!
ازدردت لعابها وشبكت أصابعها معًا في عنف لئلا تفقد سيطرتها وتبادر بمسك يديه، ثم قالت في صدق:
_فليُلهمك الله الصبر يا نضال!
أومأ برأسه دون تعقيب ومسحت هي وجنتيها حينما لمحت شقيقها قادمًا تجاههما قائلًا في جدية:
_هيا بنا يا غفران!
أطاعته رغمًا عن قدميها التي تشبثت بالأرض في إقرار صريح برغبتها بالبقاء حيث هو، حتى وإن لم تجد ما تقوله للتخفيف عنه، حتى وإن تبادلا الصمت المُكلل بآلام الفقد..
وحتى.. مع رغبتها القوية المفاجئة بأن تصرخ بحبه، وبموافقته على طلب توسلها إياه باليوم السابق في مواراة..
هي الآن غفران التي أحبت نضال ومنحته ثقتها؛
وهي أيضًا غفران التي على أتم الاستعداد بأن تتغاضى عن الماضي وتُجيب ندائه رغمًا عن أنوف الحواجز جميعها!
_سأُعيدها إلى البيت ثم سألحق بكما للعزاء.
مُجددًا أومأ نضال برأسه رَدَّا على لؤي الذي لحق بشقيقته، ثم استدار عفويًا كي يبقى نظره أسيرًا لقبر والدته، ولسانه يلهج بالدعاء لها.
*********
shezo, duaa.jabar, NH_1927 and 4 others like this.
بعد أسبوع:
إنه شهر مايو..
الطقس دافئ إلى حد الاختناق، وها هو يجلس بالصالة الفسيحة ببيت عائلة الكردي حيث يتجهم وجه الرجل الأكبر بينما تفيض كل من تعبيرات ياسر ولؤي بالأسف.. وربما الإشفاق.
ولسانه الذي لم يخذله يومًا في قيادة الدفة كي يواري حقيقة مشاعره المضطربة في حال غضبها، رفضها، أو اشتياقها.. يبدو أنه قرر خصامه أيضا فسكن مخروسًا مخافة أن يتفوه بما يهين كرامته.
في تمهل رفع رأسه ما إن تناهى إلى سمعه الصوت..
خطوات بطيئة؛ خطوات ضعيفة؛
خطوات لطالما راقته مراقبتها آتية كانت أم.. راحلة!
قبضة باردة غير مرئية أحاطت بعنقه وهو يتطلع إليها قادمة صوبهم في شرود، ربما يجب عليه إدراك أن الموعد قد حان.. موعد سلبه سعادة استمرت لأكثر من عام.. بالضبط منذ ردد كلمات خلف شيخ ليعلنهما زوجًا وزوجة؛
وها هو الآن يجلس إلى جوار شيخ آخر، وسيردد كلمات أخرى ليعلن أنهما لن يظلا زوجًا وزوجة!
"أرغب بالتحدث مع زوجتي لدقائق قبلًا!"
لا يعلم سبب طلبه، فهو لم يتبادل معها كلمة واحدة منذ رحلت، لكن ما إن رآها تجلس قبالته تخفض رأسها في ألم وتتهرب من لقاء عينيه حتى انطلق لسانه دون إذن.
في حنق نظر إليه الحاج فؤاد فلم يهتم؛
في أسى رمقه لؤي فلم يهتم؛
وفي تعاطف حدق به ياسر وبالطبع لم يهتم!
عيناه.. عيناه عادت تواصل مهمتها القديمة..مهمة تتمثل في مُراقبة كل اختلاجة تنبت على صفحة وجهها الذي يعشق، والذي لا يزال لا يصدق بعد أنه لن يتنعم بالنظر إليه كل صباح!
"اذهبي مع زوجكِ إلى الداخل يا بنيتي!"
في حنو أمرها جدها فرفعت رأسها تجاهه ترغب بالرفض، لكن الضعف الذي استحكم بها منذ أيام منعها من المقاومة فاستقامت في تثاقل تتقدمه إلى غرفة مكتب جدها..
إلى غرفة شهدت تأثره بها دون أن تشعر.
أغلق الباب واستدار ليجدها تقف على مسافة بعيدة منه، تكتف ساعديها وتنظر إلى الفراغ حولها..
وبالنسبة لها كان هذا الفراغ أفضل كثيرًا من أن تلتقي بعينيه فتُلقي بنفسها بين ذراعيه طواعية، أليس كذلك؟!
"ألا زلتِ تُصممين يا إيلاف؟"
بادرها مُتسائلًا يحاول كبت رنة الرجاء بصوته، فقالت بنبرة طالها التهكم ليخفي الحسرة:
_الآن تسأل يا ناهل؟ ألم تتأخر بما يكفي؟
ولم تنتظر منه إجابة لتتابع وهي تفتعل هدوءً كان شديد الصعوبة مع العاصفة التي يقبع تحتها قلبها:
_نعم، هذا هو أفضل حل.
وما تابعته نظراتها في صمت دوى بسمعه فكاد يعطله..
"لا فائدة إذن"
_لا داع لبقائكِ هنا! لتظلين بالشقة.
قالها وأيضًا لا يدري السبب، ربما كان يرغب بأن يؤهل نفسه تدريجيًا لانفصالهما، لكنها نظرت إليه أخيًرا تسأله في تعجب:
_وأنت؟ لو عدت أنا إلى الشقة أين ستذهب أنت؟
تنهد مهمومًا ثم رد في بساطة:
_سأدبر مكانًا آخر، أما الشقة فهي بيتكِ.
أمعنت النظر به تحاول فهم المغزى، ثم علقت في حيرة:
_إنها بيت والدتك يا ناهل.
_لكنها الآن بيتكِ.
بلا اكتراث أصر، فقالت بصوت بدأ يستسلم لحقيقة الوجع الذي تعانيه:
_لا، ليست ببيتي، أو.. حالما تنقضي العدة لن تكون بيتي، لست.. لست أحتضن أطفالًا.
وعبارتها الأخيرة بان بها الحزن دون شك، فرمقها مُتأملًا لثوانِ ثم عقب في حسرة:
_للأسف!
نظرت إليه في استكشاف ثم اقتربت منه قبل أن تنتبه لِتسأله في فضول رغم ارتجاف صوتها:
_هل.. تتمنى لو كان لدينا أطفال؟
لم يتردد لوهلة فابتسم في ألم قائلًا في استهجان:
_أتسألين بالفعل يا إيلاف؟! ومن الأحمق الذي لا يتمنى أن تكوني أنتِ أم أولاده؟!
انفصلت تمامًا عن واقعها وصعوبة ما هما مقبلان عليه بعد قليل، وتبعته حيث جذبها دون قصد فسألته بنبرة حيية:
_وهل فكرت بـ.. أسماء مُعينة من قبل؟
ولِدهشتها لم يتردد ليومئ برأسه إيجابًا، ثم ابتسم قائلًا في حنين:
_لو كنا رُزِقنا بصبي لَكان ريان، ما رأيكِ؟
ارتجفت أهدابها وتسارعت نبضاتها أثناء نطقها ببطء في استحسان:
_ريان ناهل حجازي، اسم لديه وقع مميز جدًا على السمع.
ارتعشت دقاته ما إن سمع اسم طفلهما من شفتيها، تذوقه معها، حمله معها، وبلا تنبيه انتثر الحلم فجأة ليُذكره بأنه مُجرد.. حلم!
ازدرد لُعابه وكتم انفعاله ليميل رأسه في لمحة فخر فعاجلته في فضول أكبر:
_و لو كانت بنت؟
مُجددًا لم يتمهل وأجابها ضاحكًا:
_رواء، لا أستطيع الابتعاد كثيرًا عن مجال عملي كما ترين!
لمعت عيناها بالدموع وضحكت مثله، ثم عادت تسأله في اهتمام:
_هل كنت ستُدللها؟
_كما لم أحلم يومًا.
أجابها بتعبير مُحمل بالتمني، ثم أضاف وهو يشير إليها مُغيظًا:
_كنتِ ستغارين منها!
أفلتت ضحكة أخرى من شفتيها حيث ارتكزت عبراتها ثم هزت كتفيها تلقائيًا وتعلق:
_بالطبع كنت سأفعل!
طافت نظراته بكل جزء بوجهها شاكرًا هذه الفسحة القصيرة من الخيال حيث هو وهي مع طفلين يثبتان كم أنه ظل وفيًا لها ولحبها رغم كل الشكوك.
"هيا يا ناهل، الشيخ بانتظاركما!"
ونداء ياسر خارج الغرفة هو ما شدهما معًا ليلقي بهما إلى عذاب الواقع الذي يتجاهلانه بلا احترام!
والرجاء لم يعد بقادر على الاختباء أكثر، فاحتل صوته ليهتف دون أن يحيد بعينيه عنها:
_بضع دقائق فقط يا ياسر!
ثم فاق التوسل كل حدود ثباته ففتح ذراعيه مُطالبًا في خفوت:
_هل.. هل أضمكِ بين ذراعي مرة أخيرة؟
رحلت ضحكتها وظلت دموعها، فيما أخذت نظراتها تتنقل بين ذراعيه المفتوحتين..
دومًا مفتوحتين!
إن لم يكن بالقول.. فَبِالأفعال كلها!
تضاعف ألمها ورفعت عينيها إليه تسأله بصوت خفيض:
_أسيجعل الأمر سهلًا؟
هز رأسه نفيًا وهو على حاله، ثم أجابها في تحسر:
_لا شيء سيجعله سهلًا يا إيلاف، بل ينبغي علينا أن نُهيئ نفسينا لأيام عسيرة مقبلة.
ثم أضاف مُفتعلًا مزاح لا يشعر بِذَرَّة منه وهو يرى قُرب استسلامها المؤقت:
_لكن.. ذراعاي تتحرقان شوقًا، اعتبريني محكومًا بالإعدام يطلب أمنيته الأخيرة، بالتأكيد تملكين قدرًا بسيطًا من الرحمة حتى لا ترفـ...
وباللحظة التالية وقبل أن يتم عبارته ألقت بجسدها بين ذراعيه ليعتقلها بلا أمل في منحها الحرية، بكت على صدره كما أحبت أن تفعل مِرارًا لتجد لديه من الاستقبال أحسنه، ومن الحنان أوفره..
بكت وهي تطرد حقيقة أنها ربما المرة الأخيرة التي ستستطيع فعلها؛
لكنه هذه المرة لم يكتفِ بالعطاء؛
لمرة أخيرة يحق له الأخذ!
اندفع يُقَبِّلها في جنون، ينهل من حبها في جنون، يستقبل تجاوبها مع حاجتها له في جنون..
وحين احتاج كل منهما للتنفس همس لها أيضًا في جنون:
_نستطيع التراجع يا إيلاف، لنطلب من الشيخ أن يرحل، لآخذكِ ونهرب!
تطلعت إليه بعينين حمراوتين بكاءً تعلو وجنتيها الحمراوتين خجلًا فتابع وهو يشير خلفها:
_تلك النافذة التي تطل على الحديقة مُنخفضة، اعتدت الوقوف بمحاذاتها للتظاهر بالتدقيق في الأوراق التي أحضرها لجدكِ بينما كنت أختلس النظرات إليكِ وأنتِ بالخارج، لا تفعلين شيئًا سوى الجلوس والصمت العابس بينما تصرخ عيناي بحُبكِ فلا تسمعين!
ابتسمت كما اعتادت أن تفعل كلما كشف لها عن ذكرى هيامه بها في الماضي دون أي إدراك منها، لكن الآن لا تنتشي أنوثتها كما العادة ولا ينتابها الفخر..
الآن تتعذب؛
الآن تُنحر!
_هيا يا إيلاف! هيا نهرب من خلالها!
كادت تتبعه، أوشكت على طاعته، لكن صوت جدها مع الشيخ بالخارج كان لها بالمرصاد كدوامة جذبتها لتتلاعب بها؛
كي تذكرها أنها غرقت مرة أخرى في عمق التيه!
تراجعت إلى الخلف ففهم أن الغفوة التي حصلا عليها لدقائق قليلة قد انتهت، وهو ما أكدته بنفسها حين قالت في أنين:
_لم يتغير شيء لنتراجع يا ناهل، لا زلت أتألم، لا زال قلبي يئن، لا زالت صور خيانتـ..
والكلمة الأخيرة لم تستطع تكملتها فشهقت وتأوهت ثم تابعت في خفوت:
_لا زلت لا أفهم!
عبأ صدره بشهيق عميق ثم قال في جدية:
_إن خبرتكِ بالحقيقة كلها هل ستصدقينني؟
لم تُجبه فتابع:
_إن خبرتكِ أنني لم أخنكِ حتى بعقلي مع أية امرأة منذ أحببتكِ هل ستصدقينني؟
ثم أضاف بنبرة تحذير لم تُخطئها:
_إن أقسمت أن ما وجدته أسفل الفراش لا أعلم عنه شيئًا ولم أره إلا معكِ هل ستتغاضين عن ظنونكِ الخرقاء وتصدقينني؟
كانت تستطيع إجابته بـ.."نعم" على أسئلته جمعاء، لكنها لا تقدر على الوعد بما لا تملك..
وقد رأى هو أفكارها بعينيها، فمن سواه يعرف بأمر فشلها بالكذب؟!
أطرق برأسه أرضًا وبدأ العدالتنازلي للنهاية، فقال في أسف:
_حسنًا! هيا نخرج حتى لا يتعاظم الأمل في قلوب أهلكِ أكثر من ذلك!
ثم أردف وهو يفتح الباب:
_فبالنهاية.. لا أمل على الإطلاق!
لكن قبل أن يخرج استدار ليقول بنبرة امتزج بها العشق بالحسرة:
_لم أكذب حينما قلت أنني اخترتكِ منذ زمن، ولن أكون مُدعيًا عندما أؤكد لكِ أنني أكثر من سيُحبكِ بهذا العالم، حتى لو كنتِ قَصِيَّة، مهما أصبحتِ عَصِيَّة، ستبقين ضِفَّة لا أجد راحة إلا عند الوصول إليها!
...
عزفت عن سماع كلمات الشيخ الناصحة التي كان يحاول بها إثنائهما عن قرارهما، وقررت أن تُقصي أي حديث آخر فيما عدا العبارة الأخيرة التي نطقها بغرفة جدها في صدق يثير المزيد من حيرتها.. وتَمَزُّقها!
تتلذذ بطعم كلماته رغم حشوها بالعلقم؛
تقتنصها وتحبسها بداخل ذهنها قبل أن ترتفع بينهما الحدود؛
رأت شفتيه تتحرك وهو يحملق فيها وحدها أثناء إنصاته السمع إلى ما يلقنه الشيخ دون أن يرف له جفن وكأنه يريد التشبع بلحظاتهما الأخيرة..
"أنتِ حُرَّة!"
"أنتِ لا تنتمين إليّ!"
"أنتِ طالق!"
لم تنتبه بالضبط إلى اللفظ الذي تفوه به كي يُحررها من قيد زواجهما.. طويل التأجيل.. قصير الأمد!
وإلى هنا انتهت حكايتهما.. حكاية رجل أحب في صمت.. وأخلص في صخب؛
حكاية امرأة سقطت طريحة فراش الغدر.. وفقدت كل قدرتها على المقاومة!
لم يعد زوجها.. ولم تعد حبيبته!
وبغرفتها التي كانت تنتظرها بكآبتها وظلامها ألقت بجسدها على الفراش تبكي بلا توقف حتى آلمها قلبها حقًّا هذه المرة..
لمرتين أو ثلاث ألغت مُكالمة من أختها الكبرى التي بالتأكيد علمت من والدتها بوقوع الطلاق، ويبدو أنها استسلمت في النهاية فعاد هاتفها إلى صمته على الفور، وأثناء بكائها المرير تمنت أن يتشتت عقلها بعيدًا عن حوارهما الأخير..
ولو أنها أولت اهتمامًا لهاتفها الذي صرخ بوصول ثلاث رسائل للدقة لحصلت على مبتغاها..
تشتت أرادته.. لكنها بالطبع لم تنشد فحواه!
**********
مسحت وجنتيها اللتين بللتهما الدموع بغزارة فور أن علمت من خالتها بطلاق إيلاف الذي تم للتو، بينما الذنب الذي تعايشت معه منذ صغرها تجاه أختها عاد ليوشك على ابتلاعها بين فكيه في الحال.
لماذا اكتفت بإسداء النصائح لها مرة أو اثنتين ولم تحاول معرفة ما آلت إليه أمورها بعد ذلك؟
لقد استغرقت هي بالمأزق الذي وجدت نفسها مُكبَّلَة به دون إنذار فلم تلحظ فداحة ما يحل بأختها.
ربتت على يزن الذي خلد إلى النوم بعد جولة لعب مُنهكة ودست نفسها إلى جواره تبحث عن غيبوبة قصيرة بعدما رفضت إيلاف إجابة مكالماتها ورسائلها..
ورنين جرس الباب ما حرمها من أمنيتها فاعتدلت بتثاقل وانتشلت إسدالها من المشجب لتخرج من الغرفة مُتسللة كي لا يستيقظ صغيرها رغم تهديد اهتزاز الهاتف الذي بدأ في إصرار وكأنه يعاندها!
وقبل أن تفكر بدهشة في هوية الطارق فتحت الباب لتشهق في ذعر..
فهناك.. بالباب.. كان المأزق بنفسه يتطلع إليها..
بابتسامة بريئة مُناقضة للخبيثة التي اعتادتها فيما قبل؛
وبنظرة مُهذبة مُغايرة للشهوانية التي كانت تواجهها؛
وتلقائيًا تحسست رأسها بكفيها خشية أن تكون مكشوفة أمامه هذه المرة كما السابقة، لكنه سرعان ما بادرها قائلًا بنبرة رغم أنها طبيعية فإن قلبها رجف لها:
_أعددنا لكِ مفاجأة يا أم يزن، ألن تدعينا ندخل؟!
فتحت فمها لتطلق صرخة مدوية فلم تدع لها علا الفرصة وهي تظهر من وراء زوجها ترمقها في دهشة امتزجت ببسمة تشفِ لم تنتبه لها لين، ثم هتفت وهي تدلف إلى الداخل:
_أتمنى ألا تكوني قد أعددتِ حلوى، لقد جلبنا بعضًا منها!
وقبل أن ترد كان هو يدخل بالفعل، ويغلق الباب في هدوء، ليتجاوزها مُطرق الرأس كضيف يحفظ آداب الزيارة!
...
بوجه مُغلق التعابير وملامح مُصمتة جلس هارون يستمع إلى حديث صهره دون اهتمام حقيقي بينما شقيقته تتفاعل معه في حماس وكأنه قاص من العصور القديمة!
أما عنه فلا يفقه كلمة واحدة، يعلم أنه يتكلم لكن مرجل الغضب الذي يغلي بعقله يمنعه من الاستماع..
"عذرًا لمقاطعتك يا أسامة لكنني أرغب بالتحدث معك قليلًا!"
قاطعه بلا لياقة ما إن نفد صبره، فأطبق أسامة شفتيه ليتطلع إليه في تساؤل فيما نظر هو إلى شقيقته قائلًا في هدوء:
_من فضلكِ يا علا دعينا بمفردنا لدقائق!
_لماذا؟
في تحفز سألته، إلا أنه بنظرة حازمة أسكتها وأجابها، نظرة خبرتها أنها إن جهرت بأي اعتراض سينفجر كما لم يفعل من قبل..
وكما لا تحب هي أن تراه يفعل وخاصًة أمام زوجها!
ببطء استقامت لتحمل الصينية التي رصت عليها ثلاثة أطباق فرغ منها اثنان فيما بقى واحد لم يمسه صاحبه الذي يبدو أنه فضل تناول غضبه على الحلوى، وهذا بعد غياب سيدة المنزل بغرفتها بأمر من زوجها الذي وصل إلى بيته بعد وصولهما بربع ساعة.
وحالما تأكد هارون أن شقيقته قد اختفت بالمطبخ التفت إلى أسامة الذي ينظر إليه في ترقب، وبادره بتهذيب لم يُبدد من جديته:
_أنا أتفهم جيدًا أننا صرنا جميعًا عائلة واحدة يا أسامة، لكن هناك بعض الحدود التي ربما يجب أن نراعيها فيما بيننا حتى يدوم الود.
ورغم تأهب حواس أسامة فقد أظهر بعض الغباء وسأله في براءة:
_عمَّ تتحدث يا هارون؟
شبك هارون أصابع كفيه معًا واستند بكوعيه على مسندي مقعده، ثم قال في صرامة:
_ما حدث منذ قليل، أعني بمجيئك إلى بيتي دون إخباري أولًا، ألا تعتقد أنه أمر لا يصح؟!
شهقة عالية لم يستغربها سبقت اقتحام شقيقته الغرفة مُجددًا ثم هتفت باستنكار:
_هل بات عليّ الاستئذان قبل زيارتي لبيت شقيقي الوحيد؟!
نفس عميق مُتمهل استنشقه هارون وهو يتشبث بآخر قدر لديه من الصبر، ثم التفت إليها قائلًا في صرامة:
_لم أوجه لكِ حديثًا يا علا، أنتِ مُرحب بكِ بأي وقت، لكنكِ بالتأكيد تعلمين أنني لست موجودًا بالبيت كثيرًا هذه الأيام مع تجهيز المكتب الجديد، لِذا كان لزامًا عليكِ أن تخبريني باصطحابكِ زوجكِ معكِ.
غاضت الدماء من وجهها وهي ترى أثر الإحراج الذي سببه لها شقيقها على محيا زوجها، ذلك الأخير_لوهلة_ اختفت وسامته لتحل محلها ملامح أخرى مُثيرة للرهبة!
_هل تطردني من بيتك يا هارون؟! لقد ظننتك مضيافًا تقيم وزنًا للعلاقات الاجتماعية أكثر من هذا!
مُتظاهرًا بالتعجب المُشوب بالاستياء خاطبه أسامة عاملًا على أن يورثه ندمًا يُفضي به إلى اعتذار..
لقد استخدم هذه الوسيلة مع زوجها السابق من قبل حين خبرته بأنه قد طاردها، لكنه في مهارة استطاع إنهاء الأمر بالحصول على أسف مُتكرر من عماد مع تأكيد بأنه من فسر الأمر بطريقة غير صائبة!
إلا أن البسمة المُستخفة التي تولدت الآن أمام عينيه على شفتي زوجها الحالي أقلقته، خلخلت ثقته، نبهته إلى أن مُهمتة هذه المرة لن تكون بالسلاسة السابقة!
_أسامة! أنا نشأت بحي شعبي، وأسست عملي بحي شعبي، والدي كان محصل تذاكر بهيئة النقل العام وترقى حتى صار موظفًا بها، أما والدتي كانت ربة منزل بسيطة حرصت على غرس القيم بنا منذ صغرنا..
زوى أسامة ما بين حاجبيه في توجس فتابع هارون ماحيًا البسمة ليستبدلها بتعبير صارم أرسله إلى كلماته أيضًا وهو يتابع مُوضحًا:
_وإحدى تلك القيم كانت إن تعارضت الحدود السماوية مع العلاقات الاجتماعية فسيجب عليّ حينئذٍ أن أدعس هذه الأخيرة بقدمي دون تردد!
والمبارزة بدأت نتيجتها تُحسَم ضده دون شك، وقبل أن يعثر على فرصة للالتفاف تدخلت علا صائحة في حنق:
_أكل هذا لأنني أردت أن نسهر معًا حتى موعد السحور؟! أنا من اقترحت عليه بالمناسبة.
وهارون لم يمنحها من الاهتمام أقله، فواصل حواره مع أسامة قائلًا:
_أظنك لن تتقبل زيارة رجل أجنبي لبيتك دون وجودك في سهولة.
حدَّق به أسامة دون تعبير.. بينما بداخله تمنى لو بإمكانه أن يشويه شيًّا!
ورغم هذا فقد رسم ابتسامة مزيفة ورد في هدوء:
_أرى أنك قد بالغت بالأمر كثيرًا، لم أفكر بهذه الطريقة حين أتيت بصحبة شقيقتك.
فما كان من هارون إلا أن ابتسم مُعلِّقًا:
_أدرك بالطبع حسن نيتك، لذا اكتفيت بالكلام وحسب، فللبيوت حرمات يا أسامة، وأنا لا أحب ترك المداخل مفتوحة للشيطان!
والشيطان كان يُحدق به في تحدي.. بل توعد، لكن مُعاوِنته تدخلت هاتفة في سخط:
_هارون! لا تتحدث مع زوجي بهذا الأسلوب! كيف تُهينه في بيتك؟!
رفع نظراته إليها قائلًا في هدوء:
_لم أهن أحدًا يا علا، أتحدث عن القواعد التي يتناساها البعض لا أكثر.
ثم أضاف وهو يقف قبالتها منتهزًا الفرصة للنقاش حول ما يزعجه مؤخرًا:
_وبالمناسبة، أقترح أنا أيضًا أن تُقللا من لقاءاتكما اليومية هذه، لو استغل زوجكِ هذا الوقت للتجهيز لزفافكما لكان أفضل.
اقتربت منه في ثقة، وواجهته بصرامة تهز رأسها نهيًا:
_إلى هذا الحد لن أسمح لك بالتدخل يا هارون! زفافي أنا وأنا من سأهتم بموعده، حياتي أنا وأنا من سأنظمها كيفما أشاء، لست بطفلة صغيرة كي تُسدي لي النصائح، أنا الآن زوجه لرجل آخر ووحده من عليّ الامتثال لِأوامره.
أمعن النظر بها دون أن يبدي غضبًا أو دهشة، ولم يزح بصره عنها حين تدخل أسامة بينهما مُتحدثًا بنبرة مُحذرة:
_حبيبتي! لا ينبغي أن تـ..
لكنها قاطعته في حزم تتابع كلامها لشقيقها:
_لا ينبغي أن ننسى من الأكبر فيما بيننا، احترامي لك مع استشارتك بأمر زواجي لا يعنيان أنني لا أستطيع اتخاذ قراراتي بنفسي أو أنني قد أوافقك على التحكم بي!
باقيًا على نظراته التي تدرسها وقف، مُستسلمًا للصمت الذي سيكون أكثر الحلول منطقية بهذه اللحظة.. وأقلها جلبًا للأضرار..
أضرار تُغريه بإبداء رَدَّة فعل همجية نوعًا عَلَّها تُشوش على هذا الأنين المُتحسر الذي سكن عينيه رغمًا عن إرادته؛
وأضرار لم تهتم شقيقته بها حينما أردفت في قوة:
_لِذا ما إن تدرك عِظَم خطئك بحق شقيقتك وزوجها نستطيع استئناف علاقتنا كما كانت.
واستدارت دون تباطؤ لتحمل حقيبة يدها واتجهت إلى الباب هاتفة بمن يقف كاتمًا غضبه وناعيًا خطته التي انعطفت عن مسارها:
_هيا بنا يا أسامة لتقلني إلى بيتي!
تبعتها عينا شقيقها في نظرة خائبة، خاسرة، فاشلة، لم يقو على السيطرة عليها أكثر، لكنه ابتلعها مع تربيت أسامة على كتفه متمتمًا في إشفاق:
_لا تغضب منها يا هارون! سوف تهدأ انفعالاتها عمَّا قريب وباستطاعتكما إصلاح الأمور فيما بينكما حينئذٍ.
أومأ برأسه دون رد فرحل أسامة سريعًا كي يلحق بها..
ظاهريًا لتهدئتها؛
وفي الواقع.. لصب جام غضبه فوق رأسها!
...
أمام البناية وقفت تنتظره ترغي وتزبد وهي تطرق بأناملها على سقف سيارته، لكنها فجأة استدارت إلى الخلف بفعل جذبه إياها هاتفًا بصوت مكتوم:
_ماذا فعلتِ بالأعلى؟! لم يكن هذا اتفاقنا!
فغرت فاها دهشًة لثانية ثم نزعت ذراعها من قبضته قائلة باستنكار:
_أتلومني لأنني جذبت انتباهه بعيدًا عنك؟! أقسم لك يا أسامة أنني لو لم أفعل لكان شعر بخطب ما قبل أن نرحل، هو ليس بغبي ولا بأعمى حتى لا يربط الأحداث معًا فيصل إلى نتيجة واحدة لا غيرها!
ثم أضافت بنبرة أقل حنقًا:
_وصدقني إن شك هارون بوجود معرفة سابقة بينك وبين زوجته سترى منه شخصًا آخر غير ذلك المهذب!
كز على أسنانه واستدار إلى الخلف كي لا ينفلت غضبه، ثم عاد إليها قائلًا في نزق:
_كان باستطاعتي الاكتفاء بإبداء الانزعاج ومن ثَم الانصراف قبل أن يطول الحديث، وكنت سأعتذر منه بعد يومين مُقرًّا أنه محق وسننسى كل ما قيل، لكن بثورتكِ منعتنا من المجئ مُجددًا!
رمقته مليًّا في تدقيق تستشعر أن هناك ما يفوتها، ثم علَّقت بترقب:
_وإن يكن؟
سألها بلا فهم:
_ماذا تعنين؟
كتفت ساعديها وأجابته ببطء:
_لن يُشكل مجيئنا من عدمه فارقًا، ربما يجب أن ننهي هذا الوضع ونخبره بحقيقتها قبل أن يتورط معها أكثر.
ولم يفكر لِيضحك في استهجان يخفي قهره ثم علَّق ساخرًا:
_أكثر مِمَّ؟ هي تحمل طفله بالفعل!
مطت شفتيها ثم ردَّت بلا مبالاة:
_ها أنت قلتها، هو طفل شقيقي وما إن نفضحها سنأخذه منها، بالتأكيد لن يسمح هارون بأن تربي ابنه امرأة لعوب كانت تراود أصدقاء زوجها السابق عن أنفسهم!
أطلق زفيرًا بطيئًا ولم يتحدث لتراقب انفعالاته في اختبار بعد أن رددت على مسامعه ما خبرها به من قبل..
فمنذ التقت به وقد بدا لها أنه التعويض الأمثل على صبرها وتحملها زوجها الراحل المزعج وابنه الذي لطالما نظر إليها وكأنها لصة سلبت أمه أحد حقوقها!
أسامة جذاب، ثري، لديه حضور طاغ لم يتوانَ عن اختطاف اهتمامها؛
أسامة أبدى لها إعجابه، وأعرب عن رغبته بالزواج منها مؤكدًا أن فارق السن بينهما لا يُمثل مُعضلة؛
أسامة خبرها بأنه متزوج _لحاجته كرجل_ ببلد عربي آخر حيث مقر عمل عائلته الرئيسي، لكن دب الشقاق بينه وبين زوجته وينويان الانفصال، ولما رآها هي لم يملك إلا أن يُعجب بها ويُصر على الارتباط بها؛
وأسامة ما إن رأى _مُصادفًة_ صورة تجمعها بشقيقها وعروسه في زفافه حتى شحب وجهه وتوتر بشكل ملحوظ ليُلقي على مسامعها فضيحة تنال من سُمعة زوجته!
لِذا طلبت مساعدته بأن يُخبر هارون عما يعلم، ويؤكد له أنه للأسف قد ترك النساء جميعهن ليختار امرأة طلقها زوجها عندما ضبطها تحاول إغراء صديقه وتسببت لذلك الأخير بمشاكل لا حصر لها في عمله!
تفحصته بنظراتها فتمالك نفسه ليقول في نبرة لا مجال لأن تخطئ التحذير بها:
_علا! أنا من خبرتكِ بحقيقتها، وأنا من سيُحدد متى علينا إبلاغه وكيف سنفعل، إياكِ أن تتصرفي دون علمي!
يبدو أن هدفه يحتمي بحصن أكثر مناعة من السابق؛
لكن أي حصن قد يصمد أمامه؟!
ستكون له حتى لو اختبأت بأعالي التبت، ولا مجال لها سوى أن تستسلم لحبه.. بأية وسيلة مُمكنة!
**********
أخيرًا استطاعت التقاط أنفاسها بعد ما يقرب من ساعتين قضتهما مع جحيم الخوف..
خوف من تكرار ما تحملته لعامين من قبل ولا قدرة لديها على التعرض له ثانية!
لكن.. من بين قضبان الخوف تسلل مصباح الأمان..
حماية مُتمثلة في هذا الرجل الذي يُثبت لها يومًا تلو الآخر أن بطاقة اسمه التي قبعت بحقيبتها ما كانت سوى منحة من ربها..
الليلة تأكدت أنها أجادت الاختيار؛
الليلة دمعت عيناها تأثرًا حينما استمعت له يحميها من شر ربما لم يدركه، لكنه يقف مستعدًا كرجل ليمنع اقترابه منها..
تقدمت منه لتجلس على الفراش، داعبت شعره وسألته في حنو بينما يوليها ظهره:
_هل ستنام دون أن تتناول طعام السحور؟
فكر بالتظاهر بالنوم لكنه عدل عن ذلك ليُجيبها بلا تعبير:
_لست جائعًا.
ازدردت لعابها واجتاحها الندم لتقول في أسف:
_أعتذر يا هارون إن تسببت بهلعي فيما حدث، لكنني لم أكن أتوقع أن تؤول الأمور لـ...
إلا أنه قاطعها في جدية دون أن ينظر لها:
_لقد فعلتِ الصواب يا لين، حتى إن كنتِ رفضتِ دخوله بالأصل لم أكن لأنزعج.
امتنان كلل نظراتها فعاودت مداعبة شعره، ثم طبعت قبلة حنونة على رأسه ولم تبتعد تلبيًة للنداء الذي لم ينطق به، لكن بعد قليل حسمت ترددها لتقول في خفوت:
_لست أحاول إلقاء الَلوم عليك، لكن.. لم يكن من المناسب أن تُحرجه أمام شقيقتك..
وعزف لسانها عن التتمة، فمهما حاولت تناسي معرفتها بذلك الدنئ والتعامل معه وكأنه صهر زوجها فقط لا تستطيع.. ليست ملاكًا!
هذا العذاب لابد له أن ينتهي، هذا الذعر لن تقوى على اعتياده طيلة الوقت، لن يُلقي عليها أحد باللوم إن ارتأت السلامة وأقرت بالحكاية منذ بدايتها بغض النظر عما سيعقب اعترافها من آثار..
لن تكون أنانية مرة ثانية وتنال استقرارها على أنقاض خاصة الآخرين، بمُقدمتهم.. هارون!
أغمضت عينيها في تعب وأغلقت سيل أفكارها المتخبطة بين القلق والغضب والرغبة بإزاحة هذا الثقل، تنهدت في ضيق ثم قالت استسلام:
_لا تدع أي خلاف يفرق بينك وبينها! بآخر الأمر هي شقـ..
اعتدل في الفراش يُحدق بها مُتأملًا فبترت عبارتها بتوجس، ثم سألها باهتمام:
_هل هناك ما حدث قبل أن أصل؟
تباطأت دقات قلبها وتمنت لو لم يكن ينظر إليها كي لا يكشفها، فسألته بصوت مبحوح رغمًا عنها:
_ماذا تعني؟
زوى ما بين حاجبيه وشدد على كلماته دون أن يحيد بنظراته عنها:
_أعني هل توتركِ الشديد هذا مع شحوب وجهكِ يعودان فقط لمجيئهما؟ أم أن هناك شيئًا آخر لا تخبريني عنه؟
طقطقت أصابعها دون أن تشعر وقالت بنبرة مُرتجفة:
_لا! أنت تعلم بطلاق إيلاف، كما..أنني فوجئت بحضور زوج شقيقتك معها وانتابني الارتباك لا أكثر!
أطرق برأسه في ضيق ثم غمغم دون اكتراث وهو يعود إلى وضعه الأول مُتهربًا:
_لقد هاتفتكِ كي أُنبهكِ بحضورهما ما إن علمت.
وقفت في بطء تضع كفها على بطنها، وأجبرت نفسها على رسم ابتسامة جوفاء ثم قالت:
_إنه خطئي فقد كتمت صوته كي لا يوقظ يزن.
وتراجعت إلى الخلف لتتناول هاتفها من فوق المنضدة الجانبية:
_سوف.. سوف أهاتف إيلاف بالخارج.
أومأ لها وعاد يضطجع في الفراش مُغمضًا عينيه..
عينيه التي رأت بها عَبَرات ترغب بالتحرر تحسرًا على شقيقة خذلته مرارًا وتكرارًا فلم يتعلم، لكن تلك العبرات لا زالت لا تملك من القوة ما تستطيع به كسر عنفوانه..
ولهذا اختارت كتم رغبتها في احتضانه لتدعه بمفرده لدقائق حتى يتمالك زمام نفسه ثانية..
أغلقت باب الغرفة ومشت ببطء إلى أقرب مقعد لتُلقي بجسدها عليه، ووعدت نفسها بتنظيف غرفة الاستقبال في الصباح الباكر من آثار الضيفين..
ثبتت نظراتها على المقعد الذي كان يشغله ذلك البغيض وهي تتمنى لو تتمكن من التخلص منه بأكمله!
زفرت في إرهاق ونظرت للهاتف في يدها لتدرك أنها لن تستطيع الاتصال بأختها بهذه الساعة، ربما ترسل لها رسالة تسألها خلالها عن أحوالها وتعدها أنها ستكون معها بالغد.. غير أن رسائل أخرى جذبت انتباهها قبل أن تفعل ما عزمت عليه؛
رسائل من رقم مجهول، فتحتها تِباعًا لتنتفض بشهقة مكتومة رغم الدوار الذي يحيط برأسها..
فتاة ممشوقة القوام تضع مستحضرات التجميل في إتقان خلاب؛
صورة بثوب أسود كاشف؛
ثانية بآخر فضي لامع؛
ثالثة بأخضر واصف؛
ورابعة بالأحمر الفاضح!
وجميعها تعود إلى أختها الصغرى..
جميعها تعود إلى.. غُفران!
*****نهاية الفصل الثلاثين*****
الحادي والثلاثون من هنا