📁 آخر الروايات

رواية علي ضفة قلبك ظمآن الفصل الثامن والعشرين 28 بقلم سعاد محمد

رواية علي ضفة قلبك ظمآن الفصل الثامن والعشرين 28 بقلم سعاد محمد


الفصل الثامن والعشرون
(مِن خلف ستار)
استندت غفران إلى أحد أعمدة القاعة بمفردها بعد أن غابت لين للحاق بزوجها الذي اضطر للرحيل فور أن تم عقد القران الثاني لأن هناك ثالثًا يخص شقيقته بانتظاره، تمامًا بعد أن ألقت كل من إيلاف وزوجها عليها تحية وانصرفا.
لاحت لها ذكرى آخر زفاف حضرته، زفاف لين حين التقت بنضال ثانية وتبدد تحفزها تجاهه للمرة الأولى، ابتسمت في حنين ربما تستحي الدموع التي لم تدعها وشأنها لليال متتالية وتتراجع الآن فلا تفضح اشتياقها له!
إلا أن ذكرى أخرى هجمت على ذهنها فمحت كل أثر للحنين وقتلت الاشتياق في مهده، حينما كادت تجن غيظًا بزفاف إيلاف ظَنًّا منها أن سدن هي من تقوم بابتزازها.. لتصلها في الوقت نفسه رسالة من المجرم الحقيقي.. من مهند!
لماذا كان هو بخلاف الجميع مبتزها؟
أو..
لماذا كان نضال بخلاف الآخرين حبيبها؟
لماذا يتوجب عليها التضحية بقلبها انتصارًا لكرامتها؟
أو.. العكس؟
أليست تتعرض لأكثر الاختبارات ظلمًا وإجحافًا؟!
ومتى ستتعود على تمدد هذا الجرح الذي لا ينفك يؤلمها كلما واجهت نفسها بأنها لن تغدو زوجته ولن يصبح شريكها؟!
"لقد جُن ياسر تمامًا، أليس كذلك؟!"
التفتت إلى لؤي الذي جاورها ليتابع متهكمًا:
_انظري إلى اللون الغريب لرابطة عنقه! لم أكن أعلم بأنهم يصدرونه بالأصل؟ ألا يخجل من هيئته؟! ألا يكفيه أنه أول من يعقد قرانه مع أمه بالليلة ذاتها؟!
ثم ضرب كفًّا بالأخرى ليغمغم في تعجب:
_لم أعهده مُتعلقًا بها إلى هذه الدرجة، أم ربما هي الغيرة؟!
لم تستطع حتى رسم ابتسامة كاذبة تتظاهر بها بمبادلته الحوار الذي حاول به التخفيف عن وجعها الواضح، وبقى صوتها غائبًا في إعياء جراء مواجهتها الأخيرة مع خاطبها.. سابقًا!
_ألن تخبريني؟
سألها ممعنًا النظر بها، فتغلبت على رغبتها بالخرس لتستوضح في اقتضاب:
_عمَّ؟
_عن سبب فسخ الخطبة.
كانت تعرف أنه لن يرضى بتهربها من إجابة مقنعة عن قرارها المفاجئ، على النقيض من جدها الذي ثار _كما توقعت_، وصرخ بها مُعترضًا وواصفًا إياها بالهذيان لانفصالها عن رجل بأخلاق نضال، لكنه تقبل الأمر فجأة في سماحة مثيرة للارتياب بعدما استدعاه ولم يخبرها بما دار بينهما عقب رحيله!
_لا أرغب بالتحدث عن الأمر يا لؤي.
في اختصار ردت تصطنع متابعة عمتها التي يهمس لها زوجها بشيء ما فأطرقت بوجهها في خِفر غافلين كليهما عن ابنها الذي يناظرهما بامتعاض وعروسه التي تحاول جذب انتباهه لها علَّه يدع عمها وزوجته وشأنهما!
لم يهتم لؤي برغبتها في مواصلة الكتمان وقال في نبرة عاتبة:
_كنتِ معتادة على البوح لي بما يزعجكِ، لكن بعدما تحسنت علاقتكِ مع لين وإيلاف بِتِّ تخفين عني كل أسراركِ.
نظرت له في اعتذار فرفع كفيه ليردف في دفاع:
_لست مُنزعجًا بالطبع، بل بالعكس، تمنيت لو أن صلتكن قد توطدت منذ وقت طويل، لكن لا مانع أن تشركنني معكن، أنا أخوكن الوحيد وباستطاعتي الاعتناء بكن جيدًا.
أرغمت ثغرها على افتعال ابتسامة أرهقتها كثيرًا، وعلقت في تأكيد:
_بالطبع يا لؤي أنت كذلك.
ثم نزعت عينيها عنه حتى لا تستسلم للصوت الذي يدفعها أحيانًا لإخباره بكل شيء، وواصلت في صرامة:
_لكن.. لست أملك ما أخبرك به سوى ما قلته للجميع.
وحينما طال تحديقه المتشكك بها أضافت ما لقنت نفسها به:
_ظهرت بعض الاختلافات بين طرق تفكيرنا ومعاييرنا للأمور، كلانا ناضجين كي نتوقع أن الوضع سيستفحل مُستقبلًا، لذا لم نرغب بأن يتضرر أطفال من عدم التفاهم الذي سيعكر حياتنا وارتأينا الانفصال بكل احترام دون أن تتأثر علاقتك بـ..
أشواك من حقد وخزت لسانها فتوقف عن نطق الاسم الذي لا تزال إلى الآن في محاولة بليدة بالبحث له عن تبرئة، إلا أنها أردفت في جمود:
_بمهند.
_هراء!
في غيظ هتف لؤي فضاع صوته بين أصوات الحضور، حملقت به دَهِشَة ليؤكد لها بثبات:
_كل ما قلتِه لتوِكِ هراء لا معنى له ولم أقتنع به لوهلة، كذلك لم يفعل جدكِ لكنني لا أفهم لماذا يوافقكِ عليه!
هذا هو أيضًا ما لا تفهمه، لكنها منهكة في هذه الآونة إلى الحد الذي لا تقوى معه على التفكير والتقصي، وجاءها صوت لؤي مُستطردًا بلا رضا:
_أحياناً أشعر أنه يحاول تعويض إهمال والدي لكن بتدليلكن الزائد، وأنا على ثقة أن هذا محض خطأ.
أشاحت بوجهها عنه مستجيبة لنداء الصمت الذي سيُجنبها الكثير، فتابع برفق:
_نضال رجل مميز يا غفران، أنا أعرفه منذ سنوات وأؤكد لكِ أنه نعم الزوج.
ابتسمت في حزن صار ملازمًا إياها لترد في نبرة مليئة بالخيبة:
_أعلم أنه مميز.
سكتت فظن أنها انتهت وترغب بمواصلة الانفراد بنفسها فأوشك على الرحيل حتى حين، لكنها تابعت في صوت انبثق منه الشوق كما فعل العشق بنظراتها الشاردة:
_لقد مر الرجال جميعهم أمام عيني كأشباح خاوية مُموهة، وحده هو من سطع إشراقه كروح انبعثت لتلاطفني وحدي، لتهدئ غضب روحي، لتعلمني أن نِضال المرء من أجل راحته لا يعني بالضرورة الانتقام ممن آذوه، لتؤكد لي أننا جميعًا بحاجة الغفران مهما تظاهرنا بالزُهد فيه.
_لا تتحدثي عن أي رجل مهما كان بهذا الهيام يا بنت! أنا شقيقكِ أم نسيتِ؟!
نظرت إلى لؤي الذي خرج صوته مُحذرًا مُغتاظًا فبتر استغراقها في ماض انتهى بلا رجعة لكنها لا تمانع أن تدفع نفسها إلى المزيد منه، ابتسمت في بؤس ورفعت كتفيها معلنة انهزامها، رمقها بإشفاق ثم قال لها في نزق:
_جِدا فرصة ثانية يا غفران! كافحا لأجل مستقبل يجمعكما سويًا!
وأردف في سخرية:
_هذا إن صحت حجتكِ عن عدم التفاهم بينكما.
كتفت ساعديها فتراجع إلى الخلف ليعود أدراجه إلى ياسر الذي يشير إليه، فأسندت رأسها إلى العمود ثانية.. لتسبح في أعماق ذكرياتها المتناقضة بكل ترحيب..
وهذا هو الحق الذي لن يستطيع أحد حرمانها منه!
"غفران المتمردة العزيزة، آسف للغاية بشأن فسخ خطبتكِ!"
والصوت المُقيت الذي اقتحم خلوتها بذهنها لم تكن في حاجة للالتفات إليه كي تعلم هوية صاحبه، فردت على الفور دون أن تعره نظرة واحدة:
_هل أنت آسف حقًا يا عمرو؟
قُبالتها وقف كي يجبرها على النظر إليه، وفي صراحة أجاب:
_لم أفعل للحظة!
توارى ضعفها مُتوجسًا لترتفع ذبذبات تحديها عالية، فحدقت به تستدعي ابتسامة به مستهزئة:
_لو أني لا أعرفك تمام المعرفة وعلى يقين أن دور قلبك يقتصر على استمرار حياتك لابتلائنا بك لقلت أنك تحبني وتعذبت لارتباطي بآخر لذا أنت سعيد لحريتي التي نلتها من جديد!
ضحك في تسلية ثم قال ببساطة:
_هذا أيضًا لم أفعله للحظة، لم أحبكِ يومًا، ولا أحفل بتلك البلاهات على الإطلاق!
وفي الثانية التالية انقلبت ملامحه إلى الاشمئزاز مع البغض الوفير وهو يستطرد في حرقة لا تُشعلها سواها:
_بل أكرهكِ يا غفران، أكرهكِ كالجحيم، جحيم أتمناه لكِ وحدكِ تتقدين به فلا تجدين منقذًا سواي، وأظن أنكِ تخمنين ماذا سأفعل حينئذ!
لم تستطع تمالك دهشتها لترمقه بحيرة طالت لثوان، ثم سألته في فضول:
_ألم يختلط الأمر عليك ولو لمرة؟! أعني.. أنا من يجب عليّ المبادرة بكل هذه الكراهية تجاهك، لكنك حقير متبجح لا تألو جهدًا لإظهار رغبتك في تكدير عينيَ برؤيتك وفي المجاهرة ببغضي كأنني أنا من آذيتك، ألم يصح ضميرك فجأة؟! ألم يجتاحك الذنب تجاهي قَط؟!
بآخر عبارتها كانت قد تخلصت من كل آثار ضعف قلبها نتيجة مصابه، وشرست ملامحها بالفطرة مع وعيها أنها تواجه المعتدي..
المعتدي الذي يستفز وجهه كفها لتصفعه، لكنها لا تستطيع المُغامرة بهذا الارتجاف الذي يستحكم بها منذ سنوات؛
المعتدي الذي بقى صامتًا لوهلة قبل أن يجيبها في صراحة لا تعلم كيف أدركت أنه قد يتصف بها أبدًا:
_ بل حدث لمرة واحدة، في تلك الليلة!
تلقائيًا شحب وجهها وهي تعود معه إلى مشاهد تخص تلك الليلة، ليلة انتهاك لا زالت آثاره في نفسها باقية لأنها لم تستمتع يومًا برؤية الندم على هذا الوجه الذي اكفهر وصاحبه يتابع في غضب مكتوم على العكس من شرارات تُفرقع بدوي وحدها تسمعه:
_تلك الليلة البعيدة حينما شعرت بالذنب، عندما أدركت أنني أخطأت أثناء غياب جزء كبير من وعيي إلا ذلك الرمق الأخير الذي احتفظ بسخريتكِ من عرضي الزواج عليكِ في الآن ذاته حينما تكالبت علي رغباتي لأول مرة فلم أجد متنفس لها سواكِ أنتِ!
وابتسم فجأة ليضيف:
_لكن الليالي التالية التي قضيتها بشقة والدتي مذعورًا من أن تفشي السر بددت شعوري بالذنب رويدًا رويدًا وأكسبتني بدلًا منه نقمة لا حد لها.
تجولت عيناها على ملامحه في وجل فتابع بهسيس مرتجف لكنها سمعته في وضوح:
_ثم الأسابيع التالية حين بقيت أتساءل عن إمكانية فضحي أمام جدي وإخوتكِ وخالتي وابنها أجهزت تمامًا على إحساسي بالندم.
ازدردت لعابها مع مرأى السخط يموج بنظراته قبل أن يردف:
_والسنوات التي مرت منذ تلك الليلة حتى هذه اللحظة قلبت كل إحساس بالرهبة إلى آخر باشتهاء الانتقام!
جحظت عيناها لتتراجع خطوة نبهتها أنها بالفعل تلتصق بالعمود، طال تحديقها المتوجس فيه وهي تختلس النظر لتستطلع من بإمكانه مساعدتها إن تهور وأتى بما لا يتوقعه أحد، لكنه ابتسم في غموض وابتعد مساحة بسيطة عنها ليواصل في برود:
_لِذا إن كنتِ تظنين أنني مدين لكِ فتأكدي أنكِ من تفعلين!
نضح التساؤل من عينيها فمنحها أشد الابتسامات إرهابًا قبل أن تتصاعد إجابته من الخفوت حتى الوضوح في تدريج مُنظم وكأنه مُوزع موسيقي ركب الإلهام فوق كتفيه فتلبسه حتى استعبده ويُظهر كل ترحيب.. باللـحن:
_أنتِ مدينة لي بعشر سنوات من الخوف الخالص، والعذاب الخالص، والعَيْش فوق صفيح ساخن، عشر سنوات من الخضوع تماما لرحمتِكِ!
لا تدري كيف تسلل خوفه إليها، ولا تفهم كيف يقلب الأدوار بهذه الوقاحة!
يلومها لأنها هددته بعد شروعه في الاعتداء عليها!
أهي مزحة ما؟!
تغلبت على اهتزازها الوليد نتيجة حالتها النفسية مؤخرًا وافتعلت بعض القوة التي بالتأكيد لا تزال مختبئة هنا أو هناك، لتنظر بعينيه في جرأة متسائلة باستخفاف:
_ألا تخشى أن أقوم الآن بتلك الخطوة التي جبنت عنها حينذاك؟
أظلمت عيناه مع استيعابه بأنها تفعلها مُجددًا..
تحفر قبرها بيديها في حماس لا مثيل له، تقف أمامه مُتحدية إياه.. وتتوعده!
_انظر! ها هو جدي يتابعنا باهتمام منذ دقائق، ماذا يمنعني من فضحك لديه في التو؟
سألته بعد أن نجحت في استجماع ابتسامة هاربة، ابتسامة لطالما واجهته بها فور أن أنهت جلسات تعافيها نفسيًا لدى الأخصائية، ابتسامة صامتة تثرثر بالكثير، تفخر بالكثير، وتتوعد بما قد يقلب حياته رأسًا على عقب!
لكنه بادلها بواحدة أقوى منها، وأشد شماتة..
_لن تفعليها يا غفران! لن تجرؤي على الاعتراف له بصراحة أنكِ كتمتِ الأمر عنه وأشركتِه به دون علمه أيضًا!
اهتز التعبير الواثق على محياها فتابع مُنتصرًا:
_أليس هذا ما يمنعكِ؟
في شجاعة منعت نفسها من إظهار أية بادرة تشي بخسارتها، لكنه لم يسمح لها ليقول في سخرية:
_لا أحد يفهمكِ بقدري يا غفران! ترين أننا لولا ذلك الحادث البعيد ولولا إصراركِ على الرفض إلى الآن لصرنا زوجين مثاليين، لكن يبدو أن العداء هو قدرنا المحتوم، وأنا _بكل صدق_ به أستمتع!
تحفزت خلاياها في توتر ورأسها يتلفت دون هدف حتى وقعت عيناها على جدها الذي جلس مستقيم الظهر بأحد المقاعد مُتمسكًا بعصاه.. ومُحدقًا فيهما وحدهما دون سواهما!
تواصلت نظراتها مع جدها الذي يُخاصمها منذ انفصالها عن نضال، ودت لو تهرول إليه الآن لتخبره بالحكاية المظلمة السوداء منذ بدايتها، لكنها تسمرت بمكانها في استسلام رَوَّضه الخزي.
وإلى جوارها انتقل هو _وبالأحرى خلف كتفها_ ليختتم حديثهما الذي تمناه طويلًا، مُضيفًا في نبرة خافتة فاضت بلمحة سادية لطالما رأتها بنظراته والآن لم يعد بإمكانها أن تغفل عنها بكلماته:
_الترهيب المتواصل يا غاليتي هو العلاج الأمثل والأكثر فاعلية للخوف، وأنا تشبعت بترهيبكِ لسنوات دون إجازة يومًا واحدًا، تُرى أي وحش تتوقعين أنكِ قد واظبتِ على تغذيته؟! وتُرى ماذا بإمكانه أن يفعل إن واتته الفرصة.. للنهش؟!
دب الخوف قلبها دون سبب واضح، فأطلق ضحكة متسلية ثم أردف وهو يبتعد بخطواته:
_سأدع الأمر لإبداع خيالكِ!
راقبته في خوف تَفاقم بلا إخطار وشعورها بالتفاجؤ لم يكن خالصًا تمامًا، جزء بعقلها كان على يقين أنه سيبقى لها مُتحفزًا، مُستعدًا للإجهاز عليها حين يحصل على الفرصة الذهبية..
دومًا كان يتبعها، أبد الدهر سيظل يرصدها.. مِن خلف سِتار!
**********

خارج القاعة وقف يراقب استقلال والدته السيارة بغية الرحيل مع زوجها فيما أخذ يحاول إقناع عقله الذي لا يزال يهمس باعتراضات ضعيفة عن الوضع الجديد رغم يقينه التام من صحته وربما.. ضرورته.
وفي أوج صراعه الداخلي حطت عيناه على مشهد خلب لبه قبل أن يعي..
كان الأستاذ ضياء يضم بنات شقيقه إليه ويتحدث معهن بحوار لم يسمعه أحد، إلا أن ثلاثتهن كن يتناوبن على تقبيل يديه ورأسه بينما تطفر الدموع من أعينهن.
ربما لو رأى أمرًا مماثلًا قبل بضعة أشهر لكان استغرق في نوبة ضحك ساخرًا منهم جميعًا، إلا أنه الآن يعترف لنفسه بأنه يتمنى لو كان بإمكانه مشاركتهم!
ابتسم رغمًا عنه وهو يُنحي صورة زوج الأم جانبًا ليعود الأستاذ ضياء الحنون الطيب.. "الأب" بكل قوته!
يغبطهن؛
يود لو يقف الآن معهن؛
ولو قام هو بمناداته في التو للبى دون إبطاء!
لذا لَمَّا كان من المثير للسخرية أن يقحم نفسه بوسط هذا الجمع الأسري الحميم قادته خطواته إلى أهم أفراد أسرته هو منذ البداية..
لحظات وكان يميل على نافذة السيارة التي ستقوم بتوصيل والدته إلى بيتها الجديد، نظرت له في توتر ممزوج بالخجل فدفع رأسه إلى الداخل كي يستطيع تقبيل جبهتها، ثم التقط كفها الباردة ليفعل المثل، وحدق بها مليًا ثم قال:
_كوني سعيدة يا أمي! لا تحفلي بأحد! ولا يشغلنكِ ما سيقوله بعض الــ..
وبتر عبارته ليضحك ثم تابع وقد أيقن أن جده كان مُصيبًا بشأنه دائمًا:
_بعض المتخلفين أمثالي!
ربتت على وجنته لتقول بنبرة متحشرجة تنبئ عن بكاء قادم لا محالة:
_حفظك الله لي يا ولدي! نِعم الابن كنت ودومًا ستكون، عسى الله أن يبعث بالرضا والفرح في قلبك!
قبلة أخرى أنهى بها حواره القصير مع أمه قبل أن يصبح مظهره هو مُثيرًا للسخرية، واستقام ليستدير فوجد نفسه قبالة.. زوجها!
"مبارك لك يا ياسر!"
بادره الأستاذ ضياء في حنو فعقد حاجبيه بلا فهم ثم أدرك أنه يُهنئه بعقد قرانه على ابنة شقيقه أيضًا!
علت الدهشة عينيه واستوعب أنه طوال الساعات الماضية كان يلقي بكامل تركيزه مع زواج والدته مُتناسيًا زواجه هو! نظرة فضولية حانت منه إلى حيث تقف العروس التي بادلته تجاهله غير المقصود بزواجهما وشاطرته كل الاهتمام بزواج عمها، تمددت الدهشة إلى داخله وهو يتطلع فيها بنظرة تقيمية مُدققة احتلها الاستحسان سريعًا مُعترفًا في صدق أنها تمتلك جاذبية لم يلحظها من قبل في غمار استغراقه برد الصاع صاعين لها!
ربما هي زينة وجهها البسيطة؛
ربما هي العواطف التي تفضحها عيناها تجاه عمها وشقيقتيها؛
أو.. ربما هو لون ثوبها الذي _على عكس تنبؤه وتعليقات الجميع_ يراه رائعًا خلابًا!
تحسست أنامله رابطة عنقه وشعر بفرحة صبيانية بأنه شاركها شيئًا آخر خاصًا بهما وحدهما دون الاهتمام بآراء الغير، الغير الذين حاولوا النيل من هدوءه الليلة بتعليقاتهم عديمة اللباقة على لونها مثل ناهل، أو بنظرة دهشة صامتة مُمتعضة باحت بالكثير مثل هارون، أو بخطوة عملية بعرض رابطات أخرى بـألوان أقل جذبًا للنظر مثل لؤي!
_ألن ترد عليّ؟!
في حدة انتزع عينيه عن سلام ليرمق عمها بتساؤل، تملك منه الحرج فتنحنح واستعاد ملامح عدائية كاذبة ثم قال:
_أتنتظر مني أن أناديك بـ..."أبي" أم بـ.. "زوج أمي"؟!
ابتسم الأستاذ ضياء في تهكم ثم أجابه:
_من خبرك أنني أريدك أن تفعل؟! لتوي تزوجت وبالطبع لا حاجة لي بِمن يفوقني طولًا أن يمنحني إيحاءً بعمر أكبر بينما أنا لا زلت في أوج شبابي!
اتسعت عيناه في غيظ وهم بالرد لولا أن الجدية عادت إلى تعبير وجه مُعلمه وهو يُتابع:
_سلام أمانة أقدمها لك وأنا على يقين أنك ستشكرني لاحقًا عليها يا ياسر.
ازدرد ياسر لعابه وعيناه رغمًا عنه تعود إليها حيث تقف مع شقيقتيها، وبدا له أنها قد عدَّلت من مزاجهما في سرعة، رآها ضاحكة تضبط وشاح أمان، ورآها بكامل تركيزها تنفض شيئًا من على ثوب وئام، ثم رآها متوترة خائفة وهي تضم كل منهما بإحدى ذراعيها في آن واحد!
رآها شقيقًة كُبرى بكامل حنانها، ورآها أُمًا عطوف بجل عطائها!
اضطرب ثباته بينما تأكد أنه ينجرف إليها كطفل يلعب لعبة الحبل يتكون فريقه منه هو وحده بجسد ضعيف وقلب محتاج وروح تبحث عن نصف آخر بينما احتشد فريقها بقوتها وشجاعتها وسعيها لسعادة من تحبهم مهما كلَّفها الأمر..
جميعها أسلحة لا قِبَل له بمواجتها.. فكيف بالتغلب عليها؟!
"سلام أمانة لدينا جميعًا يا أستاذ ضياء، لا تحمل همها! لقد صارت بمكانة لين وأختيها تمامًا."
صدح صوت الحاج فؤاد مُطمئنًا صهره بعدما استمع إلى عبارته فأومأ الأخير برأسه وتجاوز ياسر إلى السيارة، لكنه عاد ومال على أذنه هامسًا أثناء تربيته على صدره:
_سأسدي لك نصيحة، لا تنصاع لاقتراحات سلام المجنونة بشأن اختيار ألوان أي مما يتعلق بملابسك مُجددًا! لا تدري إلام سيشطح اختيارها بالمرة القادمة.
أجلى ياسر حنجرته وتوترت نظرته في حرج ثم تمتم بارتباك:
_لقد.. أعجبني اللون لا أكثر، لا شأن لسلام باختياري، تأكد أن لديّ شخصية صارمة فيما يتعلق بأموري كلها، ولا تستطيع قوة على الأرض إقناعي بالتزعزع عن آرائي!
إيماءة بسيطة مُحملة بسخرية واضحة كانت كل تعليق مُعلمه قبل أن يستقل السيارة، فارتحلت عينا ياسر في سخط إلى سلام التي تتقدم منه وجده بينما بقت شقيقتاها تنتظرانها..
سخط استحال إلى إشفاق ما إن لمح بريق الدموع في عينيها؛
وإشفاق تكاتف مع حنين أججته رغبة مُريبة بمسح جفونها بأنامله!
"سوف نرحل الآن يا جدو فؤاد."
وجهت عبارتها إلى جده متجاهلة وجوده تمامًا فزوى ما بين حاجبيه في غيظ بالوقت نفسه حينما سألها الحاج فؤاد في دهشة:
_إلى أين؟!
أشارت بإحدى كفيها إلى سيارة تقف على مقربة منهم وأجابته:
_مع العم فوزي، تركنا حقيبة أغراضنا ببيته وسنمر لنأخذها ثم سنسافر إلى خالتنا.
_الآن؟!
والاستنكار الذي هتف به العجوز أربكها قليلًا لترد مُوضحة بابتسامة:
_نعم، الحافلة تنطلق بعد ساعتين بالضبط.
تجهم وجه الحاج فؤاد وتلبست الصرامة ملامحه وصوته حين قال:
_لن يحدث هذا! سوف تبيتين أنتِ وشقيقتاكِ معنا بالبيت!
توترت واستدارت نصف استدارة سريعة إلى الخلف حيث شقيقتيها ثم عادت تقول له في اضطراب:
_لا يصح يا جدي، سوف..
لكنه قاطعها هادرًا في حزم:
_لقد قلتها وانتهى الأمر، كما أن زوجكِ لن يوافق على سفركن بهذه الساعة دون رفقة.
قالها ثم التفت إلى زوجها يُحذره بعينيه وقال من بين أسنانه:
_أليس كذلك ياسر؟!
رمقه بلا فهم لثوان ورد تلقائيًا:
_بالطبع..
ثم افتعل الكثير من الشِدة ليستدرك في حنق:
_بالطبع لن أوافق ، من تظنيني كي أسمح لكِ بالسفر بهذا الليل؟! ألست رجلًا كفاية بنظركِ؟!
حدَّقت به في تعجب وهي لا تفهم سبب هذا الانفعال المُبالَغ به، همس له جده حتى لا تسمعه هي:
_هدئ من روعك يا بطل!
ثم لانت ملامح الجد وتابع يخاطبها في حسم:
_اصطحبي شقيقتيكِ يا بنيتي وبإمكانكما اختيار الغرف التي ترغبن بها!
وأضاف ليمنحها المزيد من الطمأنينة:
_أما زوجكِ وحفيديّ الآخرين سيبيتون بخارج البيت كله فلا ينتابكن القلق!
لم يهتم بنظرة ياسر المستنكرة له واهبًا كل اهتمامه لها وحدها، فقالت في محاولة أخيرة:
_لا داعِ لكل هذا! لنبيت لدى خالتنا فقد خبرتها أننا سنفعـ..
إلا أنها بترت عبارتها فور أن لمحت النظرة المُحذرة التي رماها بها فتنهدت في استسلام لتقول:
_حسنًا يا جدو! سوف.. سوف نبيت ثلاثتنا بغرفة واحدة.
في استنكار سألها رغم ارتياحه لطاعتها:
_ولماذا يا بنيتي؟! هناك غُرفًا شاغرة كثيرة بالبيت، لتحصلن على نوم مريح وغدًا سيصحبكن ياسر إلى خالتكِ!
حانت منها نظرة حنونة إلى شقيقتيها ثم عادت تتطلع فيه وردَّت مبتسمة:
_نحن نحب البقاء معًا بغرفة واحدة.
أحجم عن الإلحاح وهو يستشعر التعلق الشديد بينهن، وتلقائيًا همس داعيًا لولده بالمغفرة والرحمة لحرمان بناته من آصرة متينة مثل هذه!
ثم ابتعد بخطواته قائلًا:
_كما تشائين يا سلام! ياسر يرغب بالتحدث معكِ قليلًا، سأترككما.
فغر ياسر شفتيه في ذهول ونظر لجده باستياء لكنه أعطاه نظرة مُوبخة قبل أن ينضم إلى هالة التي وقفت تتجاذب أطراف الحديث مع وئام وأمان، بدأ بنقل قدميه في تتابع وانطبعت الحيرة على وجهه وهو يبحث عن بداية.. أية بداية يستهل بها حديثه مع.. زوجته!
"أشكرك لأنك لم تتزمت برأيك حول اللون، لقد رأيت بعض الصور التي التُقِطت لنا وكانت رائعة بالفعل!"
رفع رأسه في دهشة حالما ساعدته هي، طالع فرحتها الحيية فاقتسمها قلبه معها دون تمهيد، ليبتسم ويعلق في فخر ممزوج بالمزاح:
_أنا لست مُتزمتًا، بل ستجدينني مُتحاورًا ديموقراطيًا مَرِنًا كما لم ترين رجلًا من قبل!
ضحكة رقيقة انفلتت من شفتيها المطليتين بلون وردي بعيد كل البعد عن الإغراء لكنه قريب بما يكفي ليبعث به إرباكًا غير مفهوم خاصًة مع اقترانه ببقايا بسمة عالقة لم تمنعها من السؤال في اهتمام:
_أتعني أنك ارتديت رابطة العنق هذه لأجلي؟
مليًا مسحت عيناه وجهها في إعجاب قبل أن يُجيب في صراحة غير مُبال بما تحمله إجابته من معانِ مطمورة لكنها في الآن ذاته مُنيرة حد السطوع:
_ومن أجل من سأجعل من مظهري مدعاة للسخرية إن لم يكن لأجلكِ أنتِ يا سلام؟
ثم أصابه الحرج فحاول التراجع ليستدرك:
_أعني..
_لا تُضِف شيئًا! لا تُفسد ما نطقت به تلقائيًا أرجوك! فلتبدد بكلماتك اختلاط شعوري حول زواج عمي.
قاطعته في أسف فابتلع كلمات كاذبة لم يعد يبالي بالتخفي ورائها، وسألها في عطف:
_أتفتقدينه؟
_ألا تفتقد أنت والدتك؟
سألته فأومأ برأسه ولاذا سويًا بالصمت حتى قطعته هي بحنين:
_ذكرياتي عن والديّ مُشوشة لا أستعيد منها الكثير، لكن ذكرياتي عن عمي مطبوعة بذهني وبوجداني، هناك حيث هو أب وأم وشقيق، وأحيانًا.. ابن.
تفضي إليه هو الآن، ويكسبه هذا فرحًا لا يفهم له سببًا، ورغبًة بالمزيد لا يريد منها نهايًة، يصغى بكل انتباهه، ويتفاعل صامتًا قدر استطاعته.
_ربما سنعود بعد أسبوع إلى البيت، لكنني أشتاق إليه بدءً من هذه اللحظة، لا أدري كيف ستمر هذه الأيام.
أضافت في أسى لم يتعارض مع سعادتها، وتلك الأخيرة هي بالذات ما يشعر بالتوق لمُضاعفتها، لِذا قال دون تردد:
_باستطاعتي أن أُشغِلكِ.
في فضول تفحصته بنظراتها وابتسامة مُشاكسة ازدان بها ثغرها لتسأله:
_وكيف ستفعل؟
مط شفتيه وافتعل تعبيرًا غامضًا استرق انتباهها رافق رده:
_فيما بعد سأخبركِ.
تطلعت إليه في تدقيق ليتأجج هذا الشعور بالذنب تجاهه، تود الاعتذار له لأنه مُضطر إلى الاقتران بآخر فتاة يتمناها ربما..
إلا أن النتيجة تستحق التضحية بكبريائها قليلًا، نتيجة رأتها اليوم على وجه عمها..
سعيد،
شاب؛
لم يعد وحيدًا؛
مُبتهج وكأنه لتوه عرف معنى هذا الشعور..
لكن إن كانت هي تُقدم التضحية بكل إقدام لا يعني هذا أن يفعل هو أيضًا!
ربما الآن يُحاورها في أدب، لا يُبدي منها انزعاجًا بالتأكيد يملأه، يرميها بنظرات مُطَمْئِنة تتقبلها في لهفة لأنها لا تملك إلا أن تفعل، إلا أن السؤال لا ينفك يهتف بها لائمًا.. ما ذنبه هو؟!
وحينما ضبطها تُحدق به توترت وسارعت بالقول وهي تتراجع:
_لقد نال التعب من أمان ووئام، أستأذنك.
إلا أنه مد كفه اليمنى تجاهها فنظرت لها في تساؤل ثم له في استنكار، لكن الإدراك ضرب عقلها بعد أن أزاح تفكيرها المُركز بعمها ليستولي على جزء منه..
جزء ليس بهين في الواقع!
هذا الشاب الذي أثار غضبها في اللقاء الأول ثم شكوكها في اللقاء الثاني أمسى زوجها؛
هذا الشاب الذي تحوم الشبهات حول قلة قليلة من أفراد عائلته صار رفيقها؛
هذا الشاب هو ياسر، ابن زوجة عمها ومن تراه الآن _ولا تفهم الكيفية_ بصورة مختلفة قليلًا عما أقحمتها بعقلها!
على استحياء وفي خجل أثار بجسده هو انفعالًا غير مسبوق وضعت كفها الرقيقة في يده، فقبض عليها فورًا دون تخطيط..
ودون تخطيط أيضًا تحسس إبهامه باطن كفها؛
وبالطبع بلا ذرة من تخطيط رفعها لفمه ولثمها وهو يرنو إليها ببصره في حِصار!
شهقتها التي ندت عن شفتيها كادت تدفعه إلى ما هو أكثر، فتراجعت بخطوات سريعة إلى الخلف وبقى يلاحقها بنظراته..
نظرات شاردة، نوعًا ما مُعجَبة صاحبتها حتى ارتبكت على الفور حالما وقعت على جده الذي يحدق به في مزيج من الذهول و..الاستحسان!
**********

تقدمته إلى داخل الشقة بقدمين تكافح حتى لا تنثني أسفلها، ثم ألقت بجسدها على الأريكة التي تتوسط صالة الاستقبال تحاول لململة شتات نفسها بعد الصاعقة التي أصابت رأسها وحده منذ ساعة أو أكثر بعدما فقدت القدرة على حساب الوقت فور أن رأته!
منذ أشهر ظنت أنها قد تخلصت من المُلاحِق الذي كدر حياتها بعدما وصله بالتأكيد نبأ أنها صارت تنتمي كليًا لرجل آخر فضاعت عنه آثارها، وها هو الليلة قد أثبت لها أنها منذ البداية كانت تحتفل بهروبها.. في حدود ملعبه، وأنها لمَّا ظَنَّت أنها قد اختبأت من البيت المُظلم الذي يبث فيها الرُعب إلى الآخر الذي بعث بالنور في قلبها وبالأمان بكل أيامها كان الأول في انتظارها، يترقبها، يتأهب لها.. مِن خلف ستار!
كوب من العصير وجدته أمام عينيها فبترت أفكارها في هلع وهي تحملق بهارون الذي لم ينفك يرميها بنظرات قلقة منذ هرولت إلى حمام السيدات المُلحق بالقاعة بعد أن زاغت نظراتها وغلبها الغثيان قبل أن تُقدم تهنئتها لزوج شقيقته.
شكرته في توتر وشربت العصير دفعة واحدة ثم عادت تحدق في البساط.
"لنرسل رسالة نصية إلى الطبيبة ونحجز موعدًا بالغد يا لين."
قالها في قلق وهو يمسح بكفه على وجنتيها الباردتين بالتتابع، فهزت رأسها رفضًا وافتر ثغرها في صعوبة شديدة عن ابتسامة لترد في نبرة هادئة قدر ما أسعفها صوتها:
_لا تخف يا هارون! أنا.. بخير، سأغفو قليلًا وأحصل على بعض الراحة.
أومأ برأسه رغم تعبير عدم الارتياح الذي ظل عالقًا بملامحه، فوقفت سريعًا قبل أن يسألها أي سؤال من شأنه أن يوقع بها بينما هي لا تزال تكافح حتى تملك زمام عقلها.
لكن ما إن ابتعدت مسافة قليلة باتجاه غرفة النوم حتى استدارت تبادره في تردد:
_ذلك اليوم.. خَبرتني إيلاف أن صديقة علا التي ساعدتها في الشهادة ضد ناهل قامت باتهامها بأنها ستتزوج من زوجها أمام الحي كله.
رمقها باستفهام فأوضحت في كلمات متقطعة:
_العريس الذي رأيته الليلة.. ليس هو نفسه ذلك الشخص.
اعترت الدهشة عينيه وهو يعي مقصدها، ليقول في استنكار:
_أظننتِ أنني قد أضع يدي بيد ذلك الرجل الذي ساهم في دخول ناهل إلى السجن؟!
أمر أرادت لَومه عليه ذات مرة في استنكار لِفعل شيء لا يتماشى مع طباعه، لكن حينما رأت ثورته كتمت اعتراضها.. ليتها ما فعلت!
_ربما لم أستطع إنقاذ ناهل من قبل حين اتهمته شقيقتي ظُلمًا، لكنني بالطبع لن أُصاهر من شهد ضده زورًا وأستقبله ببيتي وكأنه من أفراد عائلتي في سلاسة!
ثم تنهد مُطولًا واسترخى على الأريكة مُجيبًا عن تساؤلها الذي تسبب إرهاقها في عدم نطقه بأسلوب واضح:
_ لا أخفيكِ سرًا أن علا قد صارحتني بطلب هاشم ذاك الزواج بها بالفعل فور انتهاء عدتها لكنها رفضته، لذا لا أستبعد أن أمر زواجه بأخرى كان على سبيل المكيدة والانتقام لا أكثر!
بموضعها بقت وهي تشعر أنه لا يتحدث العربية، أو ربما هي من أغلق عقلها أبوابه بعد العُقدة التي صار بصددها منذ قليل، لكن هارون ضحك في تهكم ثم تابع مُستنكرًا:
_تخيلي أنه قد تزوج اليوم بالوقت نفسه بأخرى تصغره في السن كثيرًا! لا أدري لِمَ يتلبس الجنون الجميع!
حسنًا.. الآن تفهم أن ظنها وظن أختها بزواج علا من زوج صديقتها كانا في غير محلهما، إلا أن هناك ما يشغل بالها أكثر بالطبع!
_كما أن أسامة تدخل واستطاع إقناع علا بألا تشكو صديقتها حتى لا يتضرر أولادها، لذا أحس أنني ربما تسرعت في الحكم عليه وربما ينبغي عليّ منحه فرصة لإثبات حسن نواياه تجاهها.
والاسم وحده يُثير بها أعتى المخاوف، يُثير بها اشمئزازًا ونفورًا، يُثير بها ذعرًا لا حد له!
فبينما اعتقد هارون أن رغبتها بالتقيؤ كانت طبيعية بسبب الحمل.. وحدها تعرف أن عالمها بدأ بالانهيار بعد أن جرَّبت معنى الاستقرار، وحدها ستُعيد المعاناة منذ البداية بسبب ابتسامة شيطانية ظنت أنها خلَّفتها منذ وقت لتراها الليلة بأبشع صورة ممكنة..
ابتسامة صائد!
كادت الأرض أن تميد بها ثانية فتظاهرت بالتمسك بظهر أقرب مقعد لتقول في توتر:
_بخصوص أُسـ.. أعني.. زوج شقيقتك، أنت خبرتني قبلًا أن من ستتزوجه متزوج بالفعل ويكبرها بالسن!
تجهم وجهه ورد سريعًا في سخط:
_ وقلت أنه سينفصل عن زوجته وربما بسبب علا رغم إنكارهما، كان هذا ظني لكنني لم أعد أثق بشيء.
ثم استدرك في دهشة حقيقية وهو يعي الجزء الأخير من عبارتها:
_كما أنني لم أقل أنه يكبرها بالسن، قلت فقط أن هناك فارقًا عمريًا بينهما، وعنيت أنها هي من تكبره.
والنظرة الذاهلة التي ارتسمت على وجهها جعلته يقف ليهتف مُدافعًا اعتقادًا أنها تعترض على طريقة تفكيره:
_ربما تظنينني أتمسك بتقاليد ظالمة لكنني لا أستسيغ فكرة أن تفوق المرأة زوجها سنًّا، هكذا أنا!
لم تعِ ما قال بآخر رده، لم تسمعه ربما، وتركز تفكيرها كله حول أمر واحد سألت عنه بذهول:
_ومتى تَزَوَّج بالضبط؟
تقدم هارون منها بتعبير متوجس بان أثره بإجابته ثم بسؤاله:
_منذ ما يزيد عن العامين، ببلد آخر حيث يدير فرع شركته الرئيسي مع ابن عمه، لماذا تسألين؟
لم تجبه فيما فغرت فاها في صدمة بينة..
منذ عامين!
حينما كان يقضي غالبية وقته ببيتها رفقة زوجها السابق يُلاحقها بنظرات غير بريئة كان مُتزوجًا؛
حينما طالبها في وقاحة بالطلاق من والد طفلها ليتزوجها كان مُتزوجًا؛
وحينما تقدم للزواج بها فرفضته ليهددها بطفلها كان بالفعل مُتزوجًا!
وشحوب وجهها غير المُبشر حفزه للتغاضي عن هذا الحوار الغريب والهروع إليها ما إن رأى عدم اتزانها، لكن ما إن أمسك بساعدها بيد وأحاط جذعها بالأخرى حتى سألته في صوت مبحوح:
_ألم.. تسأل عنه؟
عقد حاجبيه في دهشة وهو يلحظ اهتمامها الغريب بأي مما يخص شقيقته للمرة الأولى، فأجاب باستهجان:
_بالطبع فعلت.
وبدا له أنها لم تكتفِ بتلك الإجابة، فأضاف مُسهِبًا:
_رجل جيد، لا تشوب سمعته شائبة، عمله الأساسي ببلد عربي آخر لكنه أسس فرعًا هنا ليُديره مع ابن عمه وشريكه بالإرث، ويبدو أن المعيشة بالوطن راقت له فقرر الاستقرار به، لكنه لا يستطيع ترك الفرع الأصلي دون متابعة لِذا يسافر دوريًا، وربما يُناسب هذا علا كثيرًا.
كل كلمة يتفوه بها تُصيبها بعجز في الفهم.. لكنها أيضًا تمنحها إيضاحات لم تدركها من قبل، إيضاحات تؤكد لها سذاجتها كما أنها تُنذرها بالعودة ثانية إلى الخطر المُفزع ذاته..
خطر لم تستطع محاربته من قبل حتى لا يتأذى أحد أفراد عائلتها، والآن ربما تطال الأذية.. هارون!
وعند حدوده يسقط الخوف كله، تختفي المحاذير بلا رجعة، لقد كتمت الأمر عن الجميع من قبل حمايًة لطفلها والآن لها عائلة تحبها ولن تتردد في احتوائها، يضمها رجل رائع تحت كنفه، تنتظر سعادة لا شك بها بعد أشهر لتحصل على أسرتها المثالية.. فكيف بها أن تُخاطر بكل هذا؟!
وذهنها المُشوش أخذ يُرتب الصيغة التي سيُبلغه بها، لولا أن سبقها هو وقال عقب تنهيدة عميقة:
_لولاه لِما قامت بزيارتي ولا بادرت بالسؤال عني!
وعندما طالع الاستفهام بنظراتها تابع مُوضحًا رغم الحرج الذي يطغى على مشاعره جمعاء:
_تتذكرين أنها لم تدخل بيتنا إلا بعد ثلاثة أشهر من زواجنا، لم تكن لتزورني لو لم يُقنعها هو بأن تصل ما انقطع بيننا.
ومع مرأى الحسرة بعينيه رغم محاولته إخفائها نالت منها الشفقة وترددت لتسأله في اهتمام حاولت الكبح من حدة نبرته:
_كيف التقى بها بالأصل؟
نظر لها ليزفر في قوة ثم أجابها مُستعيدًا القصة التي تلاها الاثنان عليه من قبل:
_كان يسأل عن عنوان بالحي بعدما فقد طريقه فَسَاعَدَته، يبدو أنه قد أُعجِب بها لِذا لم يتوانى عن طلب الزواج بها.
هي تؤمن بترتيبات القدر بالطبع، لقاؤها هي بهارون كان قدرًا، لو لم تهرع خلف ياسر ذلك اليوم تلمسًا لأي خبر عن أختها لِمَا التقت به، لِما أحبته، ولِما احتفظت ببطاقة أعماله بحقيبتها لأسابيع وهي تنسى اسم صاحبها بالفعل..
لكن ما يحدث الآن ليس بمصادفة، بل ربما يكون كارثة!
_وأنت.. متى التقيت به بالضبط؟
سألته في محاولة لِربط الأمور.. أو حلها؛
سألته وهي تبحث خلف معلومة لا تدرك كنهها، لكنها تتمنى لو كانت ظنونها خائبة فتكتشف أن ذلك المهووس قد ملَّ منها ولم يعد يُشكل خطرًا عليها؛
وبالوقت مثله تتمنى لو أنها صائبة فتصرخ لِفضحه رغم جهلها بِردة فعل زوجها المُتوقَعَة!
_بعد زيارتها لنا بالبيت بأيام، حينها كنت على وشك ضرب رغبتها بعرض الحائط ورفضه على الفور!
_ولماذا لم تفعل؟
سألته في لَوم لم ينتبه له بينما يستغرق أكثر في صور شقيقته هذه الليلة.. وكأنه يراها للمرة الأولى!
_لأجلها.
في خفوت جاءت إجابته، ودون أن يلتفت لها أوضح بنبرة نفذ إليها الهم كالخطاف:
_علا لم تحب همام يومًا، لم يجذب قلبها للحظة، لم يصل أحد إلى المرأة الكامنة بها، لم تستشعر إطلاقًا دفء شريك آخر حقيقي، بينما أنا..
وتوقف فجأة مُترددًا قبل أن يحسم أمره ويسترسل في صدق:
_أنا أحببت من قبل وها أنا غارق معكِ الآن، لذلك سأكون ظالمًا لو حرمتها مشاعر تتنعم بها للمرة الأولى بحياتها.
انعقد لسانها وهي تتطلع إلى ما لم يقله صراحًة، وخَفَت عزمها مع حساب الخسائر لو كان هو مُحقًا، وبصوت مُتحشرج نطقت في استفهام امتزج به عدم تصديق كلمات بسيطة تتفوه بها:
_أتعني.. أنها تُحبه؟
_بالطبع، لماذا تظنينها جازفت بما قد يُقال عن فارق السن بينهما وأصرَّت على الزواج به؟!
بلا تردد أجابها وهو يلتفت إليها، ثم مسح بكفيه على وجهه في إرهاق ليُردف في رجاء:
_كل ما أتمناه أن أراها سعيدة، راضية، لها حياتها الخاصة المستقرة، ويبدو أن أسامة سيُحقق لها هذا كله.
تلقائيًا تجعد جبينها في نفور، ووقف ذهنها حائرًا بين المُضي قدمًا في مقصدها حتى نهايته أو الانتظار والترقب لئلا تقلب حياة شقيقته وبالتبعية هو رأسًا على عقب!
_ومتى.. موعد الزفاف؟
سألته وهي تزمع على أن يكون سؤالها الأخير بذلك الشأن، علَّها تستطيع تخمين صحة ما سمعت أو عدمها!
_لقد حاولت إقناعهما أن يؤجلا عقد القران نفسه إلى عيد الفطر لكنهما لم يرغبا بإضاعة الوقت حتى يستطيع هو ترتيب أموره لاصطحابها معه، لِذا أذعنت لهما واتفقنا على استمرار عقد القران أربعة أشهر على الأقل حتى يتمكنا من دراسة بعضهما البعض.
أجابها في تعب وهو يقودها إلى غرفتهما حيث جلست على الفراش شاردة تحمل تعبيرًا مُبهمًا، وتأوه هو أثناء جلوسه إلى جوارها قائلًا في مكر:
_إذن أين ما وعدتِني به يا أم "العيال"؟
ألزمت شفتيها على الابتسام كعادتها كلما قام بمناداتها بهذا اللقب منذ معرفته بأمر حملها، ونظرت له في أسف فطبع قبلة عميقة على ثغرها المشدود ختمها بأن قال هامسًا:
_هيا اضطجعي بين ذراعيّ يا حبيبتي! أنا أيضًا مُتعب وأرغب بالاستكانة إلى جواركِ.
في امتنان تطلعت فيه ثم نفذت طلبه دون أن تبدل ملابسها، فمزاجها العاطفي الذي كان مُلتهبًا منذ ساعتين قد أخمدته طلقة..
طلقة صائد!
**********

أيقظها رنين منبه هاتفها فانتفضت تحدق حولها بلا فهم حتى أدركت أنها قد غفت على المقعد، أخذت تفرك مؤخرة عنقها حيث الألم جراء وضعها الذي ظلت عليه لمدة لا تعلمها بعد، ثم أمسكت بالهاتف تستطلع الوقت لتكتشف أنها بمكانها منذ ساعتين كاملتين!
تدريجيًا استعاد عقلها ما حدث لتطلق زفرة حارة طويلة.. خائبة!
فما أن دلفت مع زوجها إلى الشقة حتى جاءه اتصال هاتفي ليعتذر منها في عجالة ويخرج بحجة لقاء هام..
لقاء هام بمنتصف الليل وتنصحها لين بألا ترتاب به!
انتبه ذهنها إلى الرنين الذي لم تخرسه بعد، وهالها معناه الذي انشغلت عنه للوهلة الأولى، فهو يوقظها لصلاة الفجر!
أي أن ناهل غاب بالخارج لما يزيد عن الساعات الثلاث..
وتنصحها لين بألا تترك للشكوك الفرصة للنيل من استقرارها!
زفرت مجددًا والتقطته لتسكته ثم سارعت بالاتصال به..
رنين لا يُجاب لكنه يفعل بها الأفاعيل؛
رنين يُكرر ومعه يزداد خوفها على زوجها.. ومنه!
"عذرًا يا إيلاف لقد التهيت عن الاتصال بكِ، لماذا لا زلتِ مستيقظة حتى الآن؟!"
بادرها بكلمات متسارعة كتلك التي ألقاها عليها في أسف وهو يرحل، فظلت صامتة لِثوان ثم قالت بلوم لا جدال به:
_لقد انتظرت اتصالك طويلًا يا ناهل، ألهذه الدرجة مشغول أنت؟!
أنفاسه المتوترة وصلتها دون مواراة، كما وصلها صوت ازدراد لعابه قبل أن يقول في خفوت:
_لا تحزني يا إيلاف! نامي الآن وبالغد سنتحدث.
_عم سنتحدث؟
سألته في حنق فأجابها مُرتبكًا:
_عن.. عن خطوة هامة من أجلنا.
تأجج الغضب بصدرها وهي تكشف تلاعبه بها دون أن تحتاج لرؤيته، لكنها رغبت بمنحه فرصة أخيرة وتمنت بأن يتشبث بها، فقالت في رجاء:
_أنت لا تكذب علي يا ناهل، أليس كذلك؟!
لم يُجبها من فوره، وحينما فعل جاء صوته جامدًا وهو يقول في اقتضاب:
_بلى!
حاولت مُجددًا فأصرَّت في رجاء:
_سأعرف إن فعلت.
تحشرجت نبرته وأكد بلا قوة:
_بالطبع!
حينها تعلقت عيناها بالخلخال الذي يُزين كاحلها منذ ساعات انتظارًا لعودته ثم همست في توسل ضرب قلبه بمقتل:
_أنت تحبني أنا، تحب إيلاف فقط، أنت تخلص لها وحدها بكل كيانك، لن.. تكون هناك سواها!
_ماذا بكِ يا إيلاف؟
في حيرة، في يأس، وفي ألم سألها.. فأجابته متوجعة:
_خائفة!
_إياكِ يا إيلاف! تثقين تمامًا بحبي لكِ، توقنين بأنني بكِ أغفل عن الجميع، تدركين كيف تسيطرين على حصن قلبي كملكة لا يهدد حكمها عدوان باطش!
ترقب تعليقها لِثوانِ، فأكثر.. وأكثر، فلم يسمعه، لِذا سألها وقد انتقل التوسل إلى صوته وهو يسألها:
_أليس كذلك؟!
وبالمثل انتقل التوتر إليها هي، لم تستطع إجابته بالنفي أو بالإيجاب لأنها لا تزال تائهة بينهما، فأجلت حنجرتها وقالت بجفاء:
_سأصلي وأنام.
_لِمَ لا تنتظريني ريثما أعود؟
في حماس أقرب إلى الرجاء سألها، فتنهدت ثم علَّقت بأسى:
_مُنهكة، لم أعد أملك القدرة على البقاء يَقظة أكثر، النوم أكثر راحة لي.
شملت الخيبة زفيره الذي أطلقه قبل أن يخاطبها في تردد:
_حسنًا! نامي يا إيلاف وسأوقظكِ حالما أعود، لن أتأخر أكثـ..
_إلى اللقاء يا ناهل!
قاطعته بصوت مبحوح بينما نظراتها مُتسمرة حيث نقطة محددة أسفل الفراش..
سمعته يتمتم بكلمات مبهمة، أو ربما كان يطالبها بعدم إنهاء المكالمة؛
لكن كل هذا لم يمثل لها أية أهمية مقابل ما لمحته عيناها!
لا تعلم كيف تمكنت من الوقوف ومن ثَم السير تجاه الفراش، ولا كيف جَثت أرضًا على ركبتيها، ولا كيف أطاعتها إحدى يديها المرتجفتين لتمتد، ولتلتقط..
تلتقط دليلًا يثبت أن الجنون كان بعيدًا كل البُعد عن عقلها رغم اتهامات الجميع، وأن ارتيابها وخوفها وشكوكها لم يكونا بلا سبب، كما أن شكوكها ربما ستصبح ذات يقين!
**********

في اليوم التالي:
بشفتين مزمومتين وأسنان تكاد تطحن بعضها البعض جلس ياسر بغرفة استقبال شقة الأستاذ ضياء والتي صارت لِوالدته أيضًا، مادًّا ساقيه أمامه على الأرض بلا أدنى درجة من اللياقة ومُكتفًا ساعديه على صدره يُراقب هذه "المهزلة" التي بدأت قبل أن يحضر وربما لن تنتهي مُطلقًا!
نفث نيرانًا على هيئة أنفاس من فمه والتفت برأسه بعيدًا مُتأففًا في سخط بينما يجلس أمامه مُعلمه سابقًا وزوج أمه حاليًا ثم سبب مرضه مُستقبلًا يطالع صور عقد القران التي تعرضها عليه أمان في حماس بينما تحشر كل من سلام ووئام رأسيهما كي يُشاهدانها، فيما تجلس العروس _أمه بالمناسبة_ إلى جوار زوجها الذي يظن نفسه صبيًا ربما وهو يلف إحدى ذراعيه حول كتفها.. وكأنها ستختفي!
"الصبر يا رب!"
همس بها بعدما عاندته عيناه وعادت تتطلع بهما في غيظ فأبعدها عنهما إجبارًا ليغمغم ثانية:
_ألهمني الصبر يا رب!
_لماذا لا تشرب العصير يا ياسر؟!
سأله الأستاذ ضياء وهو يبتسم بلا مُبالاة فأجابه في اقتضاب:
_شارب حتى الثمالة!
رمقته أمه في قلق لتسأله بحنو:
_هل تناولت طعام الإفطار يا حبيبي؟
مط شفتيه ثم أطرق برأسه راسمًا ملامح بؤس ورد في خفوت:
_وكيف سأتناوله وقد رحلتِ عن البيت يا أمي؟! سأعتاد الأمر لا تشغلي بالكِ!
شهقت في استنكار وهَبَّت واقفة وهي تزيح ذراع زوجها بسرعة دون أن تلاحظ فابتسم ياسر في فوز لم يخف على معلمه، نظرات تحدي وتوعد تبادلاها في صراحة لم يبترها إلا صوت سلام المستهجن:
_لقد تناول طعامًا يكفي عشرة أشخاص أمام عينيّ!
في حدة التفت إليها وقد نسى أنها كانت تجلس إلى مائدة الإفطار ذاتها، وهذا وحده هو ما شاركته به!
فقد استغرقت في وصلة ثرثرة مع جده الذي لا يخفي إعجابه بها ولا يتوقف عن الإثناء عليها، وفور أن أنهوا الطعام تابعا حوارهما وحدهما في غرفة مكتبه!
_قولي ما شاء الله يا سلام! الولد يكد ويتعب وينبغي أن يتغذى جيدًا!
قالتها أماني أثناء اتجاهها إلى المطبخ عازمة على إعداد شطيرة بسيطة لولدها، فهتف ضياء بها في مكر وهو ينظر له:
_أنا أيضًا ينبغي أن أتغذى جيدًا يا أماني، لا تنسينني!
احتدت عينا ياسر وقبض على أصابعه في عنف بينما أخذ يرميه بنظرات غاضبة لم يأبه بها ضياء إطلاقًا، فوقف يوجه حديثه إلى سلام وشقيقتيها:
_هيا يا فتيات حتى لا نتأخر!
وقفن الثلاثة في تكاسل ليودعن عمهن بنظراتهن، لكنه قال له في جدية وهو يتجاوزه إلى الخارج:
_تعال يا ياسر!
أطاعه مُضطرًا حتى ولج خلفه إلى غرفة بدت أشبه بالمكتبة، أرفف كثيرة تعلوها كتب عن النحو والصرف والبلاغة فاستعاد ذهنه تلقائيًا هيئة الأستاذ ضياء الصارم في المدرسة..
اتجه ضياء إلى خزانة صغيرة وفتحها قائلًا دون أن يستدير:
_أتتذكر "عزيزة"؟
وتلقائيًا أيضًا بان الذعر واضحًا على وجه ياسر الذي شحب فورًا وتوترت نظراته ليجيب مرتبكًا:
_لا.. لا أتذكر أحدًا بهذا الاسم.
واستدار ضياء حاملًا على وجهه ابتسامة شريرة في وضوح، وحاملًا في إحدى يديه.. عزيزة!
تثبتت نظرات ياسر المرتعبة على العصا الرفيعة الطويلة التي لطالما كان أستاذه يحملها بين كتبه، ولطالما كان يُهدد بها طلابه المشاغبون في حال خروجهم عن الحدود..
ربما لم يُعاقَب هو عن طريقها إلا مرة واحدة، لكنه لا إراديًا مد كفه يفرك به فخذه الأيمن مُستعيدًا ألم "اللسعة"!
وبينما كان يتأوه هو سرًّا لضربة تلقاها منذ أعوام حينما وجد أستاذه يستقبله بترحيب أسفل سور المدرسة بعد مرور حصتين فقط من بداية اليوم الدراسي كان ضياء يحدق في "عزيزة" بحب صادق ثم قال:
_ مساعدتي ورفيقتي، لا أظن أن أحدًا من طلابي قد ينساها أبدًا.
"وكيف تُنسى هذه؟!"
تردد السؤال بعقل ياسر وهو لا يزال يحملق بها في خوف مُشوب بالاحترام، احترام انتقل إلى وقفته فاعتدل كالعادة مُتخذًا وضع طالب نجيب مهذب يعقد كفيه خلف ظهره ويصغى لمعلمه بكل توقير!
_أنا ووالدتك بحاجة إلى بعضنا البعض يا ياسر، يجب أن تتخلى عن هذا التحفز تجاه زواجنا وتتمنى السعادة لها هي.
تخصر على الفور وألقى بالطالب بعيدًا ليعيد الولد المغتاظ هاتفًا:
_فهمت.. فهمت، واقتنعت، هي تستحق هذا وربما تستحقه أنت أيضًا، لكن بحق الله يا أستاذ ضياء توقفا عن آداء دور المراهقين هذا أمامي على الأقل، لست أتحمل كل هذا التدلل بينكما والنظرات الهائمة وتربيتات هنا وهناك بلا داعي..
رفع الأستاذ ضياء حاجبيه دهشًة فتابع ياسر موضحًا.. ومُمتعضًا:
_لقد انتفضت لتحمل عنها صينيه عليها أكواب من العصير كأنها ترفع جبلًا فوق رأسها يا أستاذ وأحاول منذ نصف ساعة تفسير السبب فلا أفلح.
ضحك الأستاذ في تسلية فأضاف ياسر في حنق وهو يهز كفيه بسرعة:
_بالمناسبة زوجتك كانت تذبح الطيور بيديها العاريتين دون أن يرتجف لها جفن واحد، كما أنها ذات مرة أخضعت جِديًا لتذبحه أيضًا دون مساعدة فلا تبالغ كثيرًا وخاصًة في حضوري لأنني مُعرض لجلطة بسببكما في القريب العاجل!
_أنت تغار يا ولد!
نطق ضياء في تحدي فصاح ياسر بنزق:
_لِتوك استنتجت هذا؟! ألم أوضح هذا بما يكفي حتى الآن؟!
هز ضياء رأسه نفيًا ثم قال مؤكدًا وهو يرمقه في مكر:
_أنت لا تغار على أمك، بل تغار مني أنا!
توترت ملامح ياسر وتقهقرت حدتها فيما واصل أستاذه في ثقة أصابها فخر واضح:
_لأنك يا صاحب الحادية والثلاثين لا تتمكن من فعل ما يقوم به ذو الخمسين دون مجهود!
ثم أردف رافعًا كفيه ورمقه في تهكم:
_إذن بدلًا من كل هذا القدر من الحقد والحسد اطلب مني أن أُعلمك!
أجلى ياسر حنجرته وعيناه تبتعد عن النظر إليه في اضطراب، ليقول متظاهرًا بالغباء:
_أنا لست.. عمَّ تتكلم؟!
زفر الأستاذ ضياء في غيظ ثم أعاد عزيزته إلى الخزانة وأغلقها، استدار إليه وقال بنبرة سطعت بها المؤامرة صافية النية:
_باستطاعتي إرشادك إلى مفاتيح قلب سلام، ستكسبه خلال أيام.
فغر ياسر شفتيه ثم علَّق في دهشة:
_مفاتيح؟! أهم كُثُر؟!
تأفف الأستاذ ضياء ثم دفعه برفق تجاه أحد المقعدين بجوار الخزانة، وحينما جلس ياسر قال هو :
_أرأيت أنك انشغلت في الغيظ مني وتناسيت مهامك أنت؟!
استبد القلق بياسر ما إن لمح الجدية بتعبيراته، فيما تأهبت حواسه كلها وقد كثفت اهتمامها حول خطيبته، وبالأحرى.. زوجته!
لِذا تنحنح وأسند ساعديه على ركبتيه ليمعن النظر به قائلًا في انتباه:
_أسمعك!
...
"تعالي يا أماني!"
ناداها زوجها فأنهت مكالمتها القصيرة مع هالة حيث اعتذرت تلك الأخيرة منها لعدم حضورها لزيارتها بسبب مبيت يزن معها وعدم استطاعتها تركه بالبيت أو اصطحابه معها، بينما خبرتها هي عن التحول المفاجئ بحال ياسر من الغضب والانزعاج ما إن أتى إلى الهدوء واللباقة وهو يرحل مع سلام وشقيقتيها كي يقلهن إلى بيت خالتهن!
"ماذا تفعل بالأعلى؟"
سألته وهي ترفع رأسها إليه في دهشة فيما وقف على السُلم الخشبي المتنقل، نظر إليها مبتسمًا في حنو وأشار بيده حيث طاولة مُكدسة بأغراض لتوها رأتها، وقال:
_أعطني هذا الفرع!
اتجهت في فضول إلى حيث طلب منها، ودون أن تنتبه افتر ثغرها عن ابتسامة اتسعت تدريجيًا وهي تُقلب بعض فروع الزينة بين يديها، ضحكت في سرور ثم سألته:
_هل أنت معتاد على تعليقها كل عام؟
بدأ في تثبيت طرف الخيط بماسورة إحدى الستائر وأجابها:
_كنت مُعتادًا، لكن ما إن بدأت السمات المتسلطة لسلام بالظهور توقفت عن ذلك، لأنها تتدخل في كل صغيرة وكبيرة بينما أحب أنا تعليقها كما يحلو لي.
أخذت تساعده فيما كان يتنقل بالسلم من ركن إلى آخر وتتبعه حاملة أكياس الزينة في حماس تقافزت له دقات قلبها..
حماس جديد على روحها كُليًا؛
وقلب يبدأ الآن فقط في تنشق أنفاس دافئة كان قد فقد الأمل بها لسنوات..
كلما انتهى من غرفة كانت تبتعد إلى الخلف بضع خطوات لتقيمها في تركيز، وهو بالأعلى يُقيمها هي بتركيز مماثل..
كيف خبروه أنها بعقدها الخامس؟! فيم تختلف عن فتيات الثلاثين إذن؟!
فاتنة؛
نقية؛
تفوح منها رائحة الحنو ولا يغفل الناظر إليها عن الرقة التي تطفو على كيانها!
_إذن ما رأيكِ؟
سألها أثناء نزوله بعد أن انتظر انطباعها طويلًا، فأجابته بصوت أرجفته العاطفة:
_رائعة.
ثم ترددت لوهلة لتتابع متسائلة:
_و..لماذا استأنفت عادتك هذا العام بالتحديد؟
تقدم منها مُحدقًا بعينيها دون أن يتخلى عن ابتسامته ليُجيبها:
_لأنني أشعر ببهجة لم تطرق قلبي قبلًا.
ضحكت في خفة وهي تفهم مقصده من نظراته، فَعلَّقت في دلال كان من طبيعتها منذ صغرها لكنه اختفى قبل أن تلاحظ:
_أنت.. تبالغ.
أمسك بكفيها وأمال رأسه جانبًا ليتساءل في مكر:
_أحقًا تظنين أنني أبالغ؟!
ضحكت في حياء فاحتوى كفيها بين كفيه وقال في رفق:
_تمنيت أن أتزوج في شبابي، تمنيت أن أُرزق بصبي يكون لي عونًا، تمنيت أن أؤسس أسرة كبيرة، ولم يشأ الله أن أحقق أي من ذلك طيلة السنوات الفائتة.
حملقت به في تعجب فتنهد ثم استطرد بتأثر:
_أمنية، خلف أمنية، خلف أمنية، وبآخر المطاف حصلت على جميع الأماني التي كان الله يدخرها لي لحكمة لم أدركها قبل أن ألتقي بكِ، فكيف ألَّا أُعبر عن بهجتي وامتناني لأفضاله إذن؟!
تزاحمت الكلمات على لسانها لكنها لم تستطع التفوه بأي منها خاصًة وقد غلبتها الدموع التي انهمرت من حيث لا تدري، إلا أنه حينما جذبها في رفق إلى صدره وبدأ يربت على ظهرها استسلمت تمامًا وقد تحرر لسانها أخيرًا يهمس بالشكر دون توقف.
**********

تقدمته إلى خارج أحد فروع المطاعم الشهيرة بنمطها الراقي وبروادها من أبناء الطبقة رفيعة المستوى، اختلست نظرة سريعة إليه حين نقد الشاب الذي انحنى أمامهما في احترام بضع ورقات مالية ربما تمثل ربع راتب موظف شهري دون أن يبد عليه أية علامة للتردد.
جلست بالسيارة فجاورها ليقود دون أن يتفوه بكلمة لدقائق حتى جاءته مكالمة هامة همس لها بالتزام الصمت حتى يأمرها بالعكس!
تملكتها الدهشة وهجمت عليها الشكوك وهي تتوقع صوت امرأة يخشى هو أن تشعر بوجودها معه!
"مرحبًا يا مراد!"
هتف أسامة في حماس وصل إلى مُحدثه على الطرف الآخر سريعًا بينما زفرت في راحة أعقبها تعبير مُتعجب، فيما تبادل هو عبارات رسمية مع الآخر قبل أن ينتقلا إلى حديث مُمل عن العمل.
إذن هذا هو ابن عمه الذي ذكر اسمه أمام شقيقها حينما خبره عن ظروفه كلها بلقائه الأول به، والذي يباشر شركتهما بالخارج بعد وفاة والديهما، لكن لماذا يخفي أمرها عنه؟! أبسبب فارق السن؟ أم بسبب.. الزوجة الأخرى؟!
_ربما يجب عليك أن تهنئني يا مراد، لقد تزوجت بالأمس!
التفتت إليه في ترقب فور أن صدحت عبارته بعد دقائق من حوار لم تفهم منه شيئًا سوى ملايين هنا وهناك يتحدثان عنها كأنها بضع جنيهات، وتحفز سمعها وهي تنتظر تعليق ذلك الذي بانت الجدية أكثر مما يجب في صوته..
_أنت تمزح بالطبع!
اقتضاب؛
ذهول؛
مع الكثير من الاعتراض!
عبارة من ثلاث كلمات لا تعني الكثير في ظاهرها، لكن الباطن رنَّ بعقلها دون مواربة!
_أويمزح المرء بمثل هذا الشأن؟!
بلا مُبالاة كانت أول ما انتبهت إليه به من خصال جاء رده، ليلاحقه ابن عمه في نبرة حملت توعدًا لم تجد له دافعًا:
_ممن تزوجت يا أسامة؟
وبالنقيض هذه المرة فقد توترت ملامحه للحظات ثم ضحك في مُبالغة ليسأله مازحًا:
_هل تعرف كل النساء هنا يا مراد؟
والطرف الآخر لم يستجب، بل شعرت وكأنه مرتبكًا، متوجسًا،.. غاضبًا!
ليهتف به بأسئلة تلاحقت.. وحاصرت:
_أجبني! ممن تزوجت؟ ما اسم زوجتك؟ هل...
_امرأة التقيت بها مصادفة، تُدعى علا.
في حزم قاطعه أسامة سريعًا ومُجيبًا إياه قبل أن يسترسل بأسئلة نضح منها الشك بوفرة لتحتفظ هي بالكثير منه، ثم تابع حينما لم يسمع أي تعليق سوى تنهيدة طويلة لم تدرِ هي هل تحمل معنى الغضب أم.. الراحة:
_باستطاعتك تهنئتها أيضا، فهي تسمعنا الآن!
_مبارك!
في اقتضاب مُكرر أو عدم لياقة هنئها، فارتبكت لوهلة قبل أن يشتد ثغرها بابتسامة جامدة ثم ردَّت:
_بارك الله بك.
_سأنهي المكالمة الآن يا أسامة، لدي عدة أمور ينبغي متابعتها حتى تعود.
دون أن يعبأ بتبادل أية كلمة إضافية معها وجه عبارته لأسامة، ثم أردف مُتسائلًا:
_بالمناسبة.. متى ستعود بالضبط؟
نظر أسامة إلى علا التي ترقبت إجابته في اهتمام فمنحها ابتسامة واثقة قبل أن يقول:
_عذرًا يا مراد، ستضطر لتحمل أعباء المجموعة بمفردك هذه الفترة حتى أنتهي من أمر الزواج.
_ماذا تقصد؟
_أقصد حتى أرتب وضعي الجديد، لم أعد بمفردي إن لم تلاحظ بعد!
دون ارتباك أجاب أسامة، فسكت مراد لِثوانِ ثم قال:
_حسنًا! سأنتظر منك مكالمة مطولة الليلة.
وبلا تحية، أو استطراد من أي نوع أنهى المكالمة ليعيد أسامة تركيزه مع القيادة متجاهلًا نظراتها له، لكنها لم تكن لتصمت أكثر فسألته في حذر:
_ماذا به ابن عمك؟
_ماذا به؟
هزت كتفيها دون معنى وعادت تسأله:
_لماذا يبدو أنه مشدود الأعصاب كثيرًا؟
مط شفتيه ثم أجابها:
_طباعه جافة نوعًا، ربما هو على خلاف معتاد مع خطيبته بسبب انشغاله بالعمل.
_هل سيتزوج؟
سألته تلقائيًا فاختلس إليها نظرة مُستهجنة عبر عنها بتعليقه:
_بما أنه خاطب بالتأكيد سيتزوج.
_وأين سيُقيم؟
والفضول الذي نطقت به ردَّه إليها مُستنكرًا:
_لماذا تسألين؟
التفتت عنه لتنظر إلى الطريق أمامها وقالت في ضيق:
_كنت أحاول الثرثرة بأي شيء لا أكثر كي أُبدد انزعاجي.
_ومِم أنتِ منزعجة؟
عوجت شفتيها ثم عقبت في تبرم:
_ألم تكن حاضرًا بالأمس؟! ألم تر شقيقي كيف تبدلت حالته ما إن ظهرت زوجته؟
لاذ بالصمت فورًا ووهبها انتباهه كاملًا، فيما واصلت بحنق:
_لقد تعمدت أن يتم عقد القران بالأمس تحديدًا ورفضت كل محاولا هارون لتغييره حتى لا تستطيع هي الحضور لانشغالها مع حفل عائلتها فإذا بها تنبثق أمامي دون إنذار لتفسد اليوم!
ثم أضافت في غضب مكتوم:
_بدأت أيأس في التخلص منها!
لم تر لمعة عينيه؛
لم تشعر بأعصابه التي اشتعلت؛
وفاتها حتمًا هذا البريق الذي سطع بنظرته قبل أن يكبته ليعلق في هدوء وهو يكافح لإخفاء حقيقة مشاعر تم إحياء الأمل بها من جديد منذ ساعات فقط:
_لم يفسد تمامًا، لقد تم عقد القران بالفعل قبل أن تصل، كما أننا الآن معًا، ماذا تريدين أكثر؟
لاحت ابتسامة ضعيفة على ثغرها أخفتها سريعًا قبل أن يلحظها.. لكنه فعل!
إلا أنه بدَّل مجرى الحوار كي لا يُفضَح هو أيضًا فقال مُفتعِلًا بعض الاهتمام:
_لقد لاحظت أن المدعوين من طرفكم كانوا قليلي العدد، لم يُقدمني هارون إلا لبعض معارفه من العمل، تُرى لِمَ؟
_أقارب والديّ ببلدة أخرى، لم يسعهم الحضور.
قالتها بلا اكتراث ثم ومضت عيناها في خبث وأضافت مبتسمة:
_كما أن معظم أهل الحي كانوا بعرس آخر، تم بالموعد ذاته.
التقط أفكارها سريعًا فعلَّق مُدققًا بتعبيراتها:
_أتعنين زفاف زوج تلك المرأة المجنونة التي تشاجرت معكِ وأشعلت النيران بالمحل؟
ورغم دهشتها باستنتاجه السريع فقد أومأت إيجابًا في ابتسامة لمعت بالتشفي، حدق بها مليًّا ثم سألها:
_ومتى صححتِ لها اعتقادها وخبرتِها أنه لا يرغب بالزواج بكِ؟
استغرقت في ضحك مُطول ثم هدأت قليلًا لتقول بشماتة:
_ولِمَ تظن أنني سأفعل؟ لقد كادت اللعينة تحرقني حية، أقل عقاب لها أن تبقى بين نيرانها طويلًا حتى تدرك كم أنها كانت حمقاء بظنها بي!
أنهت عبارتها وظلت الابتسامة عالقة على شفتيها وتتوهج بها عيناها، استعادت تلك الفترة حينما بدأ أسلوب تعامل سهام يتبدَّل معها تدريجيًا خاصًة بعد انقضاء عدتها..
كثيرًا ما ألمحت لها بشكوكها حول نية زوجها بالزواج بأخرى.. وأدركت علا في سهولة أنها تعنيها هي بتلك الأخرى، لكنها تظاهرت بالجهل لأنها تعرف صديقتها تمام المعرفة، فلو أنكرت علا أن لا صلة بينها وبين زوجها لأثبتت التهمة عليها أكثر..
ربما للوهلة الأولى لم تجد هي فكرة الزواج منه مرفوضة تمامًا، لكنها أرادت تجربة شعور أن تكون هي المرأة الوحيدة بحياة الرجل الذي تريد، لِذا لم تقبل بالزواج من هاشم.. ولم تصده في حزم، أبقته منتظرًا آملًا حتى إذا أُغلِقت الأبواب جميعها في وجهها فتح هو لها أحدها..
وقد كاد اليأس يتملك منها بعد تدهور أحوال المحل بسبب منافسها اللدود، عندئذٍ ظهرأسامة..
أسامة اليماني، رجل الأعمال فاحش الثراء، يعيش ببلد عربي آخر أكثر من معيشته بوطنه الأم..
أسامة اليماني النصف مصري بعكس ملامحه التي تحتفظ بشرقيتها كاملة، وسامته غامضة، يطغى النذير على حضوره، مذ وقعت عيناها عليه وقد أيقنت أن لقائهما لن يكون عارضًا..
لولا الكثير والكثير من الأسئلة التي تحوم حوله لكنها لم تملك الجرأة بعد لإلقائها عليه علانيًة!
_أتعنين أنكِ لم تكوني لتتزوجي بزوجها؟
سألها فأخرست ذهنها الفضولي لتبادله بآخر مُستهجن:
_ولِماذا سأكرر الخطأ عَينه؟
رمقها في استفهام فأجابته بصراحة:
_أنا لست غبية يا أسامة، ولولا تأكيدك أن مستقبلك مع زوجتك الأولى منتهي بالفعل لم يكن ردي عليك ليختلف، ربما أُسئ الاختيار في بعض الأحيان لكنني بالمرة التالية أستطيع تحسينه كثيرًا، ألا تعتقد هذا؟
ولم تحاول إخفاء إعجابها الواضح به في سؤالها الأخير، كذلك فعلت نظراتها التي صرحت بما هو أكثر، إلا أنه لم يُجبها ليلقي بما تبقى من اهتمامه على القيادة، وبقرارة نفسه اعترف بأن تلك المرأة التي تجاوره وقد أضحت منذ ساعات زوجته ليس التعامل معها يسيرًا على الإطلاق..
واعتراف آخر باح لنفسه من خلاله أنها تعجبه على صعيدٍ ما..
لكم يكره المرأة الضعيفة الخانعة!
ولكم ينفر ممن تظهر له حاجتها إليه!
لكن قلبه قد تم شغله وانتهى الأمر، فلا مجال به لأخرى حتى وإن كانت زوجته..
زوجة ما هي إلا وسيلة كي يستعيد.. حبيبته!
**********

بعد ثلاثة أيام:
على مقعد خشبي بالمطبخ الكبير ببيت عائلتها جلست لين تنقل أصناف من الكُنافة في أطباق خزفية ناصعة البياض.. في شرود؛
وعلى مسافة قصيرة منها وقفت غفران تغسل الأواني التي استخدموها في طعام الإفطار.. في شرود؛
وإلى جوارها كانت إيلاف تتنقل لتضع كل شيء بمكانه.. في صمت، وأيضًا في شرود!
الثلاثة تناولن إفطار اليوم الأول من رمضان بين أفراد عائلتهن، لكن كل منهن كانت في وادِ آخر رفقة الخوف والألم والخذلان!
فور انتهاء الجميع من تناول الطعام طلبت لين في تهذيب من العاملة أن ترتاح من مشقة ترتيب البيت بالأيام السابقة وأنها مع شقيقتيها سيتكفلن بترتيب المطبخ..
ورغم أنهن منذ دخلن وبقين بمفردهن لِما يزيد عن ربع الساعة فإن واحدة منهن لم تتبادل كلمة واحدة مع الأخرى..
فهالة الخوف التي أحاطت بحياة لين على حين غرة انبثقت من العدم لتصفعها بعد أن تذوقت طعم الأمان لأشهر بصحبة زوجها.. والذي بات حبيبها دون جهد عظيم؛
ومرارة الألم التي استفحلت بقلب غفران كانت من القسوة بحيث تركت غصة تتعاظم يومًا بعد يوم؛
أما عن لطمة الخذلان التي نالت إيلاف للمرة الثانية فلا يزال وجعها يجزرها وطنينها يصم أذنيها!
صوت نحنحة رجولية خشنة انطلق أجفلت له ثلاثتهن، وبينما سارعت كل من لين وغفران بالتأكد من ضبط حجابهن فقد أشاحت إيلاف برأسها بعيدًا وقطبت حاجبيها فيما اعتصر الوجع قلبها أكثر..
"إيلاف! تعالي!"
هتف ناهل خارج المطبخ فتركت ما تمسك يديها واتجهت بخطى متباطئة إليه حيث ينتظر في الممر، رآها قادمة لا تنظر إليه، ضعيفة، هناك ما كُسِر بها، خائفة كما قالت بمكالمتهما الأخيرة منذ ثلاثة أيام..
ومنذ ذلك الحين لم يتبادلا إلا كلمات عابرة، دومًا هو بالخارج وفور أن يعود تخلد إلى النوم..
أو.. تتظاهر هي بأنها تخلد إلى النوم، ويتظاهر هو بأنه يصدقها!
ولماذا يفعل؟
لماذا لا يواجهها؟
لماذا لا يخبرها بالحقيقة؟
تزاحمت الأسئلة في عقله غاضبة محتدة، وأجاب هو عنها يائسًا بأنه إن فعل لن تتقبل الأمر في بساطة وربما سيفقدها إلى الأبد..
سخر من نفسه وهو يعي إلى أي مدى تبدلت أحواله..
ثم سخر ثانية وهو يهز رأسه نفيًا لاتهامات باطلة أطلقها عقله الحانق..
أحواله لم تتبدل يومًا، لا يزال هو ناهل الذي لا يخشى أحدًا إلا خالقه مهما كانت هويته..
إلا أنه لا ينكر أيضًا أنه يخشى فقدانها، فقدان الحبيبة الوحيدة التي تمناها قلبه منذ أعوام ولا يجازف بها!
رمقها تحدق في الهاتف الذي أنارت شاشته في يده، ألقى نظرة سريعة عليها وألغى المكالمة ثم قال:
_إنه الـ..حاج بيومي، كنت أتحدث معه منذ قليل ويبدو أنه تذكر أمرًا ما.
رفعت عينيها إليه تتطلع به في جمود لم تتعمده، بل لقد اعتكف بنفسها منذ انحنت إلى أسفل الفراش فسقط هناك قلبها.. والجزء المتبقي من ثقتها!
_لم أسألك.
في اقتضاب تفوهت بها، فاقترب منها قائلًا بنبرة آسفة:
_أعتذر منكِ يا إيلاف، لن نستطيع تناول الإفطار خارجًا بالغد كما اتفقنا.
وعد نطق به اليوم أثناء تناولهما طعام السحور في صمت فلم تعلق هي عليه، لكنها لا تنكر أن هناك بها ما تحمس له!
وها هو الآن يقوم بإلغائه، بالضبط كما خرج وتركها ليلة عقد قران عمتها وابنها!
_طرأ أمر هام فجأة وسأضطر للخروج باكرًا، لا أعلم متى سأنتهي.
العبارة ذاتها، والعذر ذاته..
عذر لم تصدقه للحظة، لكن يبدو أنها توحي بالغباء الشديد بحيث لا ينفك يكرره كل مرة موقنًا أنها به ستقتنع!
_مع.. الحاج بيومي؟
علَّقت في تهكم لاح بنظراتها، فأومأ برأسه إيجابًا دون رد لتمط شفتيها وتسأله بلا اكتراث:
_أترغب بأن أبيت الليلة هنا حتى تكون حرًا تمامًا؟
نظر لها في دهشة ثم قال سريعًا:
_لا، سأصلي القيام مع الرجال بالخارج ثم سنعود أنا وأنتِ إلى البيت معًا.
هزت رأسها بلا معنى وعلقت بلا مبالاة وهي توليه ظهرها:
_كما تشاء.
_إيلاف!
ناداها فتوقفت لكنها لم تقو على الاستدارة إليه، حدق في ظهرها بارتباك نال منه الندم، ثم اتجه ليقف أمامها وقال في خفوت:
_اشتقت إليكِ كثيرًا يا إيلاف، ما إن تبتعدين عني حتى ينتشر الجدب بروحي، يصرخ قلبي متألمًا بشظف فقدكِ، ولا تعود الحياة إليّ إلا بقربكِ وحدكِ.
كان يعتذر لها في إبهام، ينفي ظنونها في غموض، لكنه _مع الأسف_ أكد لها شكوكها بكل برهان!
رفعت رأسها تبتسم في أسى، وقالت في حسرة:
_أنا.. لم أبتعد بعد يا ناهل.
أفلتت إحدى نبضاته من نظامها، واقتحم الخوف فؤاده وهو يفهم ما خلف عبارتها البسيطة، فاحتدت ملامحه لينطق في قوة رغم انخفاض نبرته:
_ولن تفعلي.
ثم زفر في بطء واستطرد بصوت ليَن:
_يومان فقط.. يومان وسأصحبكِ لتناول الإفطار في مطعم سينال إعجابكِ، وبعد العيد بإذن الله سنسافر سويًا إلى أية محافظة ساحلية، ما رأيكِ؟
ارتجفت شفتاها وحافظت على ابتسامتها التي لا تحمل أي مظاهر فرح، ثم تمتمت في استسلام أورثه اضطرابًا لا حد له:
_لا نعلم ماذا سيحدث بالغد يا ناهل، لندع أمر هذه الخطط لِما بعد!
ثم تجاوزته لتعود إلى المطبخ، وبقى هو مكانه مُترددًا حتى أنارت شاشة هاتفه مرة أخرى فتخلص من ارتباكه وأجاب.
...
"تعلمين أن فرصتكِ لا زالت سانحة."
هتفت لين بعد أن اكتفت من مراقبة أختها الصغرى التي انتهت لتوها من مهمتها، فاستدارت إليها تسألها:
_إلام؟
وقفت لين واتجهت صوبها تجيبها في حنو:
_للعودة إلى نضال.
أغمضت غفران عينيها كي تخفي تأثرها باسمه، إلا أن ملامح وجهها عاندتها فأظهرت اشتياقها، ورغم ذلك قالت في نبرة حاسمة:
_لا فرص هناك، ولا مجال للعودة.
_مُخطئة أنتِ يا غفران.
في حسرة علقت لين، ثم أردفت وقد عادت أختها تنظر لها في ترقب:
_انظري إلى حالكِ قبل لقاءه، وبعده، والآن!
بلا تعبير ظلت غفران ترمقها، حتى تابعت لين في ابتسامة مُشجعة:
_لقد استعدتِ تلك الطفلة الصغيرة المُدللة، القوية، الـ..نابضة.
وسكتت لثانية ثم أردفت في رجاء:
_أيًا كان الخطأ الذي قام به، طالما ليس بفادح فلتحاولـ..
_لم يتعمد ارتكاب أي خطأ بحقي، نضال كان.. أشبه بمخلوق خيالي خرج لتوه من حكايا فتيان الأحلام النموذجيين!
قاطعتها غفران دون تردد، ثم أضافت في همس حار وهي تضغط بكفيها على وجنتيها:
_يا إلهي! كم أحبه! كم أشتاق إليه! ليتني وافقت على عقد القران حينما أَلح، ربما لوجدت حجة في عدم استطاعتي الانتقام!
"ممن تنتقمين؟! من نضال؟!"
والسؤال الاستنكاري أطلقته شقيقتها التي عادت إليهما في الحال بعد أن ناداها زوجها منذ دقائق قليلة، التفتت لها غفران في توتر ثم قالت:
_هناك.. هناك ما حدث من قبل، انتهى الآن، لا أرغب بالتحدث عنه، لن يفيد، لكن.. لتعلما جيدًا أن أية واحدة منكما لو كانت بمكاني لفعلت أكثر مما فعلت!
_لست مكانكِ.. أتذكرين؟
تدخلت لين بهذه العبارة، ثم تابعت في حنين:
_بهذا المكان قلتِها أنتِ لي من قبل، نصحتِني بألا أنصاع خلف أي شيء من شأنه أن يجعلني أتردد بشأن قبولي الزواج من هارون بعدما حاولت شقيقته دفعي على التراجع، بذلك الحين لم أكن أحبه بعد، لكني استمعت لنصيحتكِ، عملت بها، وها أنا الآن لم أندم يومًا على الأخذ بها.
لمعت عينا غفران بالدموع وهي تستعيد تلك الذكرى البعيدة، ذكرى محاولتها التغاضي عن حقدها تجاه أختها الكبرى ومساعدتها بأكثر الطرق الممكنة بساطة:
_الظروف لا تتشابه يا لين.
وضعت إيلاف كفها على يدها لتسألها في رقة:
_ماذا حدث إذن؟
نقلت غفران عينيها بينهما في توسل.. ولوهلة كادت تقص عليهما الحكاية كلها، لكنها تراجعت على الفور..
لا يزال مهند شقيق نضال، وإلى الأبد ستحافظ على صورة الأول.. احترامًا لذلك الأخير، وحتى لا يتهور شقيقها!
تراجعت إلى الخلف متخلصة من هذا الحصار الذي يُضعفها في وضوح، وقالت بحنق كي تخبئ اهتزازها:
_خبرتكما أنني لا أريد البوح، لقد تمنيت أن أمسح ذلك الحادث من رأسي وكدت أفعل، يكفيني أنه عاد للسطح الآن بكل قسوة!
_أين صديقتكِ؟
سألتها لين فجأة فشحب وجه غفران تلقائيًا، لتتابع أختها وهي تمعن النظر بها:
_سدن، أين هي؟ كانت معتادة على زيارتكِ، لماذا انقطعت؟ ولماذا لم تحضر حفل خطبتكِ؟
وبينما نال الفضول من إيلاف التي ارتاحت لأن لين نطقت بالأسئلة التي لم تجرؤ هي على إلقائها عليها منذ فترة فقد دمعت عينا شقيقتها وأجابت بتحسر:
_سدن.. فشل آخر، خيبة أخرى، دليل آخر على أن الغفران قَصيّ، عسير، صعب المنال، ودليل آخر على أن غفران الكردي ليست بالذكاء الذي تظنون، ولا يليق بها إلا الوحدة!
اقتربت منها لين لتمسح وجنتيها حتى مع محاولتها الضعيفة لمنعها، وقالت في حب:
_لكنكِ لستِ وحدكِ يا غفران.
ثم أردفت بصوت مبحوح:
_ربما..
وبترت عبارتها لتتراجع عنها، لكنها تشجعت لتتابعها في صراحة:
_ربما أبي _رحمه الله_ قد اتبع طريقة ليست صائبة مع ثلاثتنا، لكننا لسنا بأطفال، بمقدرتنا إصلاح ما فسد، واستعادة ما فُقِد.
أطرقت إيلاف برأسها أرضًا فيما هطلت دموع غفران أكثر، لتستطرد لين:
_أنا.. أحبكما كثيرًا، تمنيت طويلًا أن أجد لي مكانًا بينكما، تمنيت ألا تنظران لي كأنني مُعتدية، لم أرغب إلا بأخوة احتجتها حقًّا.
رفعت إيلاف رأسها تهزه نافية وهتفت:
_أنا.. لم أ..
قاطعتها لين وهي تمد كفها تجاهها:
_أعلم يا إيلاف أنكِ لم تكرهيني، بل رغم أنكِ أكثر من تعرض للظلم بيننا جميعًا فقد بادرتِ بطلب نسيان ما حدث من قبل والبدء معًا من جديد، وأنا أردت تعويضكِ بمحاولة التقارب معكِ لكنني أدركت أنني تأخرت بالفعل.
على الفور أذعنت إيلاف لتتجه إليها فضمتها لين بذراعها اليمنى، ثم أضافت الأخيرة وهي ترمق غفران في توسل:
_ما أخذ يتفشى من حقد وغيرة لأعوام من العسير أن ينحسر في يوم وليلة، إلا إذا حاولنا بكل جهودنا أن نسترد حقوقنا.. جميعنا!
رؤيتها التي شوشتها دمعاتها لم تؤثر في ملاحظة الطلب الصامت بعيني أختها الكبرى، لِذا في تمهل لم تتعمده مالت غفران حيث تشير لين، تلك الأخيرة التي ابتسمت في امتنان وهي تضمها بذراعها اليسرى..
مشهد لطالما حلمت به لين كثيرًا وهي تستبدل النفور بينهن إلى هذا الحب؛
مشهد دومًا ما دعت إيلاف ربها بالحصول عليه يومًا ما؛
ومشهد لم تكن غفران تدرك كم أنها بحاجة إليه حتى جربته الآن وهي تغوص غوصًا بين أحضان أختيها!
**********

تقول الأسطورة أن "باندورا" كانت من الحماقة حيث تجاهلت المحاذير كلها واتبعت حبها للاستطلاع لتفتح صندوقًا نشر الشرور والأمراض بالعالم أجمع..
لم يُثنِها غِطائه رغم مُقاومتها الضعيفة، لم يحُل بين نهمها بالبحث وبين السوء الذي لها يطمره بجعبته..
لَبَّت نداء فضولها، فَغَدَت أول من لطمها الستار!
...
في اليوم التالي:
تحت شمس آخر أبريل الحارقة بثاني أيام الشهر المُبارك وقفت بهذا المكان الذي وصلت إليه دون أن تعرف وِجهتها حينما استقلت سيارة الأجرة منذ ثلث الساعة..
منذ ثلاث وعشرين دقيقة حتى تكون أكثر دقة!
لقد حسبت الثواني نفسها، حسبتها وهي ترفع رأسها عن ساعة يدها إلى السيارة التي تبعتها فور أن استقلها زوجها من أمام أحد معارض الأثاث البسيطة، متوسطة الجودة والسعر!
والآن ها هي تقف مُحدقة في سيارة نصف النقل التي صارت فارغة بعد أن تعاون زوجها مع سائقها تحت مرأى عينيها في نقل الأثاث إلى شقة ما بتلك البناية!
شقة تحمل لها مفاجأة، دليلًا، أو.. نهاية!
أغمضت عينيها كعادتها كلما أرادت الهرب، لتصفعها صور من الليلة السابقة حينما عاد معها إلى بيت عائلتها..
حاول ضمها فاستسلمت في برود، حاول بثها عشقه الجامح فلم تمنحه أية استجابة، كالجثة بين يديه صارت فتجمد قبل أن يقفز خارج فراشهما مبتعدًا، محتارًا، ناقمًا..
ودون أن تنظر إليه شعرت بالسؤال يصرخ بحركته المتوترة بالغرفة؛
سؤال لا يجرؤ على النطق به، لأنه لا يجرؤ على إجابة خاصتها في المقابل!
دقائق وعاد إليها بعد أن اغتسل لتهدأ ثورة جسده الغاضب، انتظرت شجاره واستعدت له، لكنها لم تجد إلا ذراعيه تضمها إليه في قوة رغم محاولاتها الواهنة في الانفلات..
متى خلدت إلى النوم أو متى فعل هو؟
لا تدري..
لكنها استيقظت على صوت تحركاته الهادئة قبل أن يخرج في خفة فخرجت من فراشها وارتدت ملابسها عازمة على اللحاق به إلى المحل..
ولم يبقَ في المحل، رأته يتلقى مكالمة مريبة أخرى، فترقبت، وراقبت، وها هي هنا!
امرأة وحيدة تقف بشارع لا تعرفه، ترمق في خوف بناية لم تلتقِ بأحد من قاطنيها من قبل، تحتوي بين كفيها حُمرة شفاة بريئة الهيئة جذابة اللون، لا مُشين بها سوى أنها وُجدت تحت فراش من لم تبتعها يومًا!
تأهبت واستقامت في وقفتها وهي تراه خارجًا من المدخل، سعيدًا، مسرورًا، يُحيي حارس البناية بعد أن ألقى عليه بضع كلمات لم تسمعها بالطبع، حركت قدميها لتتجه إليه، لكنه كان الأسرع حيث استقل السيارة نفسها كما فعل السائق الذي انطلق بها مبتعدًا بعد أن أدى مهمته!
وجدت نفسها تحدق في أثر السيارة التي انعطفت يمينًا حيث لا تصل عيناها، ثم التفت رأسها حيث مدخل البناية..
لماذا تظنها تنظر إليها ساخرة؟!
ولماذا تشعر بأنها توشك على ابتلاعها؟!
"لو سمحت! أريد الصعود إلى الشقة التي تم شغلها مؤخرًا!"
في صوت متقطع حدثت الحارس الذي رمقها في قلق، لكنه سرعان ما أرجع هيئتها الشاحبة إلى الصيام وهو يسألها:
_أية شقة؟
أجلت حنجرتها لكنها لم تنجلي، وبصوت متحشرج أجابته:
_الشقة التي.. التي تم نقل الأثاث إليها منذ قليل.
ظلت عيناه ضائقتين لثوان قبل أن تنفرج ملامحه في إدراك وهتف في حماس:
_نعم.. تعنين شقة السيدة حسناء؟ بالطابق قبل الأخير.
ثم أردف مُشيرًا إلى المدخل:
_ستضطرين لصعود الدرجات لأن المصعد مُعطل.
أومأت برأسها في طاعة ثم سارت بخطوات مرتجفة إلى حيث أشار، درجات ترتقيها بقدميها لكنها تنهار بقلبها..
حسناء إذن!
غريمتها هي؛
من اختطفت زوجها؛
وهل هو طفل؟!
ربما هو من لاحقها، ربما تودد كثيرًا وتوسل طويلًا، ربما عليه تدللت وبالرفض تمنعت؛
لماذا تعذبها التفاصيل؟ ولماذا يواصل عقلها إيذاء قلبها؟ أو ليسا شريكا جسد واحد؟
جسد سيتهاوى حتمًا بأية لحظة مُقبلة!
وبعد ظلمة الطوابق السفلية سطع نور الشمس أمامها فأدركت أنها وصلت إلى وجهتها، اشرأبت بعنقها باحثة عن طابق آخر يرجئ عثورها على البرهان لكنها أخفضت رأسها وهي تتشبث بالبرهان فعلًا في يديها..
طرقات خفيضة على الباب أعقبتها إجابة كانت سريعة للغاية حيث انفتح في بطء قبل أن تزيح يد بيضاء ستارًا شفافًا يبدو أنه يُضيف بعضًا من الخصوصية لصاحبة الشقة، لتطل من شِق الباب الصغير عينان لم تر أجمل منهما من قبل!
حسناء إذن!
من أطلق عليها اسمها كان سديد النظر، أكان يسميها فحسب أم في دقة تكهن بجمالها المُستقبلي؟!
اتسع الشِق وأُزيح الستار أكثر لتتطلع إلى القامة الأنثوية باقتدار، وتلقائيًا بدء عقلها بنصب المقارنة..
عُذرًا.. فلا مقارنة!
شتان بينهما ببشرتها الحنطية وجسدها الذي لا يلفت مع ثقتها المنعدمة وتخبطها الواضح وبين "أفروديتي" بذاتها!
فارقًا هائلًا هناك بين امرأة بات الهامش مسكنها ومأواها، امرأة خائرة على وشك الانهيار وبين أخرى جميلة تستطيع جذب من أرادت إلى أسرها دون أي اعتبار؛
أخرى حُسنها لا يتوارى حتى لو طَلَّ على استحياء.. مِن خلف ستار!
*****نهاية الفصل الثامن والعشرين*****



تعليقات