📁 آخر الروايات

رواية علي ضفة قلبك ظمآن الفصل السادس والعشرين 26 بقلم سعاد محمد

رواية علي ضفة قلبك ظمآن الفصل السادس والعشرين 26 بقلم سعاد محمد


الفصل السادس والعشرون
(مِطرقة الحقيقة)
لَطَمها الدخان فكاد جلد بشرتها يذوب لكنها كانت كالمُغَيَّبة فأخذت تقفز هنا وهناك صارخة باسمه دون مُجيب بينما الخالة إكرام تجذبها في قوة إلى الخلف مُبتهلة إلى الله في توسل أن يُخرجه سالمًا، حتى تملصت في عنف منها وهي ترى الدِلاء التي يحملها بعض أصحاب المحلات تلقي بمياهها كي تُطفئ لهيب الحريق..
حريق..
نشب في قلبها واحتمالات تأذيه تتعاقب على ذهنها بلا أية إشارة على نيتها بلجمها؛
اندلع في عقلها وهي ترفض تخيل ما قد يطاله من سوء خلف لهيب يكويها قبل أن يمسه؛
حريق يضطرم بأضلعها التي منعت أنفاسها من الخروج عن نِطاقها حتى يشملها ربها بفضله ويحرس لها رفيق روحها.
لا تعلم هل فقدت قدرتها على التمييز بعدما اقتحمت التهيؤات عقلها أم ها هو بالفعل يخرج أمامها جاذبًا زوجة والده خلفه قبل أن تستطيل النيران أكثر؛
لا تعلم هل يقف أمامها بهذه اللحظة حَيًّا، سليمًا، لا ضرر حاق به سوى احتراق مُقدمة قميصه القطني بالكامل أم أنها مجرد أمنية مستحيلة!
"إيلاف! إيلاف! هل أنتِ مجنونة؟!"
هتف بها دَهِشًا ثم أخذ يسعل ويدفعها دفعًا إلى الخلف بعيدًا عن الوهج، والدخان المسموم، والصراخات التي كان بعضها تهنئة بسلامته والأخرى إثناءً على شجاعته!
_إيلاف تكلمي! هل أصابكِ سوء؟
صاح بها قلقًا واعيًا لصدمتها وهو يُفتش بعينيه ويديه على جذعها فيما راحت نظراتها هي إلى تلك المرأة التي انطبع الذهول على وجهها فاحتضنت نفسها في فزع وانزوت بأحد المحلات التي قدم لها صاحبها مقعدًا كي ترتاح قليلًا!
_أنت سالم!
بلا تصديق همست والدموع تهطل من عينيها دون سابق إنذار، ثم حطت نظراتها على ذراعه فوضعت إحدى كفيها على شفتيها لتصرخ في هلع:
_أنت لست سالمًا، ساعدك تأذَّى! يا إلهي! ساعدك..
في إشفاق جذبها ليرحلا عن الزحام رادًّا بصوت لم يتخلص بعد من رجفته:
_إنه حرق بسيط، الأمر لا يستدعي هذا الذعر.
وحينما تخاذلت ساقاها أحاط كتفيها بذراعيه ثم جذبها بقوة أكبر قائلًا:
_تعالي!
لكنها توقفت ليبدو عليها أنها بدأت تحاول تمالك زمام نفسها، وقالت في خوف بينما عيناها تحاولان التقاط أي أثر غاب عنها لأول وهلة:
_خبرني بالحقيقة يا ناهل! ألم تطل النيران أي جزء آخر بجسدك؟
ورغم تباين شعوره بين الفرحة لِصدق خوفها عليه والإشفاق على حالة الفزع التي تلبستها فقد ذهب حيث التهكم ليسألها:
_أتحبين أن أخلع ملابسي وسط الحي كي تتأكدي؟!
أطلقت زفيرًا طويلًا حارًّا مُغلفًا بسخونة الدخان الذي لا تزال تستنشقه رئتاها، ثم منحته كفها التي تجمدت في استسلام ليتجها إلى بيتهما بعيدًا عن الصخب..
وبعيدًا عن صراخات سهام التي ما إن اطمئن زوجها إلى سلامة علا _جسديًا على الأقل_ حتى بدأ بعقابها أمام جميع من بالحي!
...
"لِمَ البكاء؟!"
في ضجر سألها وهي تتمخط في محرمة ورقية لتهتف به بغضب من بين دمعاتها الغزيرة:
_ولِمَ التهور؟! أيُلقي أحدهم بنفسه في النيران دون تفكير؟!
مط شفتيه ليُكرر الإجابة ذاتها التي ما انفك ترديدها طوال الطريق حتى وصلا إلى الشقة:
_أنتِ كدتِ تفعلينها خلفي منذ دقائق!
تلقائيًا عقَّب فاتسعت عيناها في إنذار، ليختار السلامة ويتابع قبل أن تواصل صراخها به:
_حينما فعلت أنا لم تكن قد انتشرت بذلك الشكل.
أثار هدوئه أعصابها التي لم تتخلص من توترها بعد، فَهبَّت واقفة وصاحت في استنكار:
_لقد آذتك تلك اللعينة كثيرًا، كيف تفعل هذا لأجلها؟!
نفخ في غيظ ثم أطرق برأسه أرضًا ليقول في تردد:
_لم أفعلها لأجلها، إنما.. لأجل محل والدتي.
_لا تكذب عليّ يا ناهل! لقد دفعتك الشهامة كالعادة إلى التصرف دون تخطيط فكدت تلقى حتفك!
في تحذير صارم علَّقت، فرفع رأسه إليها وردَّ في جدية زائفة:
_حسنًا! لقد تصرفت تلقائيًا اليوم، أعدكِ بالمرة القادمة حينما تحاول صديقتها إشعال النار بها سأمدها بالمزيد من الوقود وسأقطع المياه عن الحي بأكمله، هل انتهينا؟
أغاظها باستهزائه فحملت المحارم المُستخدمة ودخلت إلى المطبخ لتلقيها بسلة المهملات، لكنها لم تلبث إلا أن هتفت بنزق وهي تضرب الباب الداخلي المفتوح كالعادة بإحدى قدميها:
_لا تنقصني إلا الفئران السخيفة أيضًا!
_أتعلمين فيمَ أفكر الآن؟!
استدارت لتراه واقفًا خلفها وقد تخلى عن قميصه الذي لم يعد ذات فائدة، فأجاب بنفسه في براءة لم تمنحها أي اهتمام:
_في كيفية العلاج.
رفعت أحد حاجبيها وابتسمت في سخرية، ثم خاطبته مُتهكمة:
_لا تقل لي أنه يتضمن قُبلة أيضًا كعلاج ارتجاج رأسك السابق! أتُعالِج كل إصاباتك بالقبلات فقط؟! ألم تجرب ذات يوم ****ًا ما من الصيدلية على سبيل التغيير؟
سايرها في سخريتها، واقترب منها قائلًا في مكر:
_بالطبع لا! الوضع الآن أكثر خطورة، إنه حرق لن تؤثر به القُبلة كثيرًا، أنا أكيد بأنه سيحتاج إلى المزيد من الجهد.. والإبداع!
ثم اصطنع التركيز فعبس قليلًا قبل أن يُتمتم في نبرة جادة:
_ربما حان الوقت للحصول على جلسة تدليك، ماذا كان اسمها؟
سكت مُتظاهرًا بالنسيان ثم طرقع بإصبعيه مُبتسمًا في انتصار وقال:
_vip!
اقتربت منه لتمسك بذراعه في عنف بعض الشيء متجاهلة تأوهه، وبلا اكتراث قلبت ساعده بين يديها لتقول في برود رغم انتفاضة قلبها وهي تتطلع مُجددًا إلى جلد المُصاب:
_إنه مجرد حرق بسيط أتعرض له كثيرًا في المطبخ، لا تبدأ في النواح كالأطفال!
تظاهر بالأسى ليرد معترضًا:
_وماذا عن حالتي النفسية؟! لقد خضت الأهوال منذ دقائق، ألا أستحق بعض الدعم المعنوي؟!
ابتسامة صفراء أخرى منحتها له أثناء اتجاهها صوب الثلاجة لتفتحها، تناولت منها حوض بلاستيكي مستطيل الشكل صغير مُقسم ورفعته أمامه قائلة في نبرة عمدت بها إلى إثارة استفزازه:
_سأُمرر على موضع الحرق مُكعب ثلج.
في غيظ أخذ الحوض منها ليعيده إلى موضعه ويغلق الثلاجة بقوة، ثم نظر إليها هاتفًا باستنكار:
_يا امرأة لقد كدتِ تفقدين زوجكِ مُتفحمًا منذ قليل وكل ما ستفعلينه بعد أن رده الله إليكِ سالمًا وضع مكعب ثلج؟!
أدارت ظهرها لتخفي عبرات فرح لا زالت تنهمر في إصرار، تظاهرت بأنها ترتب بعض الأواني كي لا يلاحظ رجفة جسدها، إلا أنها شعرت بساعديه يُحيطان بجذعها فتنهدت في استسلام واستندت بظهرها على صدره لتتلمس بأناملها موضع الحرق في حنو..
حطت شفتاه على جانب عنقها ولم يرفعها ليستمع إلى نهنهاتها الأخيرة رفقة همساتها الشاكرة بلا توقف، اتسعت ابتسامته وشدد من احتضانها فكادت دقات قلبيها تتمازجان فلا يعرف أحدهما أيهما تخصه!
ربما أدرك تعلقها الشديد به، وثق تمامًا بحبها إياه، لكنه لم يتوقع مُطلقًا بأن تلقي بنفسها خلفه بين ألسنة النيران..
_كيف تملك منكِ الجنون وفعلتِها؟!
في عِتاب هامس سألها، فنظرت إليه بجانبي عينيها لتُجيبه بابتسامة نُثِر الغرام بعذب روائه على حروفها:
_أنت فعلتها من أجل عدو، أتستنكر عليّ فعلها من أجل زوجي وحبيبي الوحيد؟!
حسنًا! حتمًا دقات قلبه هي الأسرع والأكثر صخبًا الآن!
تطلع إليها بتعبير عاشق لا يمل، لا يخون، لن يرحل..
وتطلع إليها لثوان في صمت قبل أن يرد بنبرة احتلها خوف لم يعد يملك القدرة على إخفائه:
_الذعر الذي عايشته أنا حينما وجدتكِ على أعتاب المحل أثناء اشتعاله لا يُقارن بأي شيء آخر، إياكِ أن تُكررينها مرة ثانية!
أسدلت أهدابها وَزَمَّت شفتيها بضجر، ليتابع هو مُوبخًا:
_منذ متى أنهاكِ عن رعونتكِ يا إيلاف؟
ابتعدت عنه لتتخصر وقد بدأت تستعيد استقرار أعصابها أخيرًا، لترد وهي تبتسم عامدة إلى إغاظته:
_منذ ثمانية أعوام، ولم أرتدع لمرة واحدة، لماذا إذن تواصل تحذيري رغم عدم ظهور نتيجة تُرجَى؟!
كاد يتجهم لولا ضحكتها المُرتفعة التي انطلقت بمثابة حمد وشكر بعد ثوانِ عصيبة لم تمضِ مُطلقًا كثوانِ، ولمَّا انتبه إلى أنه قد شرد في بسمتها التي تُربكه كل مرة رغم أنها قد صارت زوجته بالفعل منذ أشهر ابتسم بالمثل ليُعقب على مهل:
_هو خطئي أنا إذن!
هزت كتفيها في دلال فاقترب ثانيًة منها ليُتابع بجدية:
_حسنًا! فيما بعد نحسم أمر عدم طاعتكِ، الآن لنركز على الأهم!
مطت شفتيها ثم غمغمت بتعبير مُتبرم ما، لتسأله وهي تتلمس آخر قدر لديها من الصبر:
_ماذا تريد إذن؟
على الفور اتسعت ابتسامته المُتلاعبة التي لا يراها أحد سواها، ليجذبها إليه بقوة قائلًا في خفوت بينما عيناه مسلطتان على شفتيها:
_حدثيني ثانيًة عن سلسال الخصر ذاك فقد شغل عقلي بالفعل!
**********

باليوم التالي:
بأدب جلست واضعة كفيها فوق فخذيها بينما عمها يروح ويجئ في غرفتها دون راحة، ينفخ، يتأفف، يحوقل، ثم يرميها بنظرة غاضبة سرعان ما تتهرب هي منها إلى الأرض أو السقف!
"كيف تفعلين هذا؟! كيف تُخططين وتتصرفين دون استشارتي بأمر يخصني؟! هل اعتبرتِني فاقد الأهلية؟!"
وأخيرًا هتف بعدما ساد الصمت بينهما لدقائق عدة مُوترة، فبالليلة الماضية سمع أطراف حديثها مع شقيقتيها حين كانت تحتفل معهما باستشعارها حصولها على موافقة الحاج فؤاد بزواج عمها من ابنته، لكنها كانت تودع احتفالاتها فجأة وهي تتذكر القرار الخاص بها، والذي ينتظر عمها ردها بشأنه..
من حُسن حظها أنه لم يفهم إلا ذلك الجزء الخاص بزيارتها السابقة لبيت عائلة الكردي، لتعترف هي له بالأمر منذ البداية، وها هو منذ الليلة الماضية يواظب على توبيخها وزجرها كما لم يفعل يومًا!
_أعتذر يا عمي! صدقني لم أكن أهدف إلا لسعادتك وأدركت أنك لن تُقدِم على طلبها حرصًا على علاقتك بابنها.
بِعُذر أقبح من ذنب تكلمت، فاتسعت عيناه استنكارًا قبل أن يصرخ بها:
_لِذا اتخذتِ قراركِ وخطبتِ لعمكِ الغِر الذي لا يستطيع طلب المرأة التي يرغب بمشاركتها حياته بنفسه!
وقفت كي يتوقف عن ذهابه وإيابه، وهجم الأسى على ملامحها لتقول في حرج:
_أعلم أنني أخطأت، لكنني سئمت من الأخذ فقط يا عمي، سئمت من تضحيتك التي لا تنتهي، أشعر بأنانية لا حد لها!
حوقلة أخرى بصوت أعلى نطق بها وهو يضرب كفًّا بالأخرى، تواترت الردود على لسانه لكنه أدرك أن كلها ستزعجها فأخرسها، ليهتف بغيظ:
_ألم تفكري في ظن الرجل بي؟! كيف تعتقدين الصورة التي كونها عن رجل يخجل من التقدم لطلب الزواج من امرأة فيقوم بإرسال ابنة شقيقه نيابًة عنه؟!
في سرعة هزت رأسها نفيًا وردت بحماس:
_لا ينشغل بالك بهذا الأمر يا عمي! ولا تظن أن عقله مُغلق على أعراف مُعينة! لقد تفهم الأمر كاملًا ولم يُبدِ أي اعتراض، وما علينا الآن إلا أن نتخذ الخطوة التالية.
في سخرية حملق بها واعيًا أن الجزء المندفع بها قد استيقظ من سباته ولن يعود إلى النوم إلا بعدما يؤدي غرضه، ليسألها محاولًا إبداء بعض الهدوء رغم آثار الانفعال التي يتأرجح بها صوته:
_وماذا ستكون هذه الخطوة بالضبط يا ولي أمري؟
تجاوزت سخريته الساطعة ثم بحماس مضاعف أجابته دون تردد:
_سنذهب إلى بيتها ونطلبها من والدها!
أومأ برأسه في تتابع مُتظاهرًا بمُسايرتها، ثم مط شفتيه وسألها:
_وماذا عن ابنها؟! ألن نطلبها منه أيضًا؟!
تبدلت ملامحها خلال ثانية واحدة، ليعتريها التحدي وتهتف بإصرار:
_ما لنا وما له؟! لا شأن لنا به، طالما والدها على قيد الحياة لا يجب أن نُلقِ بالًا لذلك المتعجرف!
في دهشة نظر لها وأبقى تركيزه كله على آخر كلماتها ثم علَّق في تساؤل:
_المتعجرف الذي ينتظر ردًّا منكِ على الزواج به؟!
للمرة المائة ينفلت لسانها حينما يُذكر أمامها.. ربما يجب عليها التدرب على تحمل سيرته على الأقل!
تنحنحت وأجبرت نفسها على رسم تعبير بالخفر وهي تبتعد بنظراتها عنه لتقول في نبرة منخفضة تفيض بالرقة مع الارتباك:
_متعجرف لكننا لا نستطيع إنكار جاذبيته يا عمي! لقد رأيته في المصنع وصدقني لم يكن بشخصيته نفسها التي يتعامل بها معك! صارم، عملي، يستطيع تسيير شؤون العاملين كلهم بمفرده، لِذا يبدو أن له سمات مُختلفة مُتعددة لا تتضح للرائي من الوهلة الأولى!
أنهت عبارتها لتختلس النظر له ببسمة مُتسعة للغاية عساها تساعدها في إقناعه، ورغم أن الدهشة اعترته لهدوئها المُباغِت فقد اقترب منها ليسألها في حيرة:
_سلام! هل لطلب ياسر الزواج بكِ علاقة برغبتي بالزواج من والدته؟!
اتسعت عيناها في توجس ثم أطلقت ضحكة خرقاء مُفتعلة قبل أن تتظاهر بالاستنكار وتقول:
_بالطبع لا! أتظن أن هناك عاقلًا يفعل ذلك؟! إنه..
والكذبة التي على وشك النطق بها تعثرت لبعض الوقت في الخروج، لكنها دفعتها دفعًا فتابعت بنبرة لا تقنعها هي ذاتها:
_تعلم أننا التقينا بالمصنع بضع مرات ويبدو أنه قد أُعجِب بي أو ما شابه قبل أن يعرف أنك عمي، إنها مجرد مُصادفة، القدر يُفاجئنا أحيانًا كما ترى!
ضاقت عيناه وأمعن النظر بها في امتحان سترسب به قبل أن تكتب اسمها، فسارعت بسؤاله في لهفة:
_ماذا قلت يا عمي؟ هل سنذهب إلى الحاج فؤاد؟
تلاعب بأعصابها لثوان إضافية ثم نطق أخيرًا في صرامة:
_سألتقي به بمفردي، وأقسم يا سلام إن خطت قدماكِ ذلك البيت دون إذني سأقاطعكِ إلى الأبد!
صيحة سعادة أطلقتها وهي تتعلق بعنقه قبل أن تُمطر وجنتيه بوابل من قبلات شكر وامتنان بينما تنهمر دموع لا سبب لها من عينيها انهمارًا، ليحيط هو جذعها بذراعيه يبادلها الامتنان ذاته، أو ربما أكثر!
**********

"حمدًا لله على سلامتكِ يا علا!"
قالتها لين في تهذيب وهي تنظر لشقيقة زوجها التي يبدو وكأن ملامح الصدمة باتت جزءً لا يتجزأ من وجهها، عدا عن عينيها المُنتفختين من البكاء وبشرتها الشاحبة.
رمقتها علا في دهشة وكأنها لتوها انتبهت لوجودها، فيما طال الحرج لين فعادت للصمت ثانية داعية في سرها أن يظهر زوجها دون المزيد من الإصابات.
فما إن وصلهما الخبر حتى انطلق مذعورًا على شقيقته رغم تأكيد بعض الجيران أنها بخير تمامًا ولم تُصبها النيران، ورغم أنه حاول إقناعها أن تبقى بالبيت فإنها صممت على مرافقته للاطمئنان على حالها، ألقى عليها نظرة سريعة ثم خرج بحثًا عن تلك المرأة وزوجها كي يفرغ فيهما غضبه!
_ألستِ شامتة؟!
سألتها علا وهي ترمي عليها بنظرة تسبر أغوارها، فردت لين في استنكار:
_معاذ الله! لا يضمن أحد سلامته للثانية التالية!
_لماذا تزوجتِ من هارون؟
فاجئتها مُتسائلة في حقد بدا لها مُبالَغًا به، فأجابتها ببساطة:
_إنه القدر!
لاحت على شفتي علا بسمة فوز وعَلَّقَت دون تباطؤ:
_لم تحبيه إذن.
أمعنت لين النظر بها مليًّا في حيرة، ثم قالت في صراحة:
_بالكاد كنت أعرفه حين تزوجته، كيف تتوقعين مني القول بأنني أحببته حينذاك؟! لكنني الآن بعدما عاشرته لا أستطيع ألا أفعل.
ولمَّا فتحت علا فيها كي توجه لها سؤالًا آخر عاجلتها في تهكم:
_خبريني أهناك مكيدة تحاولين تدبيرها لي؟ هل يستمع إلى حوارنا؟ أو هل تُسجلين لي كي تُفرقي بيننا؟
مبارزة نظرات دارت بينهما عقب انتهاء لين من الكلام، لتستأنف ثانية في ثقة:
_هارون يعلم سبب زواجي به، كما يعلم أنني الآن أحبه بكل جوارحي، ولن يفرق بيننا مخلوق.
لكن علا تطلعت إليها بتعبير امرأة لا تستسلم ببساطة، امرأة اعتادت على أن تثابر حتى تصل إلى أهدافها مهما حاول الطرف الآخر التملص منها، لِذا حدَّقت بها في ترقب وسألتها:
_وماذا عن زوجكِ السابق؟
دهشة جليَّة نالت من لين وهي ترد بلا فهم:
_ماذا عنه؟
هزت علا كتفيها بلا معنى ثم قالت مُستفهمة في مكر:
_ألن يحاول استعادة طفله بعد زواجكِ؟
ارتحلت الثقة من تعبير لين لِتقع فريسة لقلق لا تتمكن مُطلقًا من مواراته ما إن يلوح ذلك الاحتمال المُقيت في الأفق..
احتمال تعلم هي تمامًا أنه لن يحدث إلا أن أراد عماد إيذائها مثلاً!
لكنها سرعان ما تستبعده في الغالب، لأنها أكثر من يدرك أنه ممتن كثيرًا لتخلصه من مسؤوليتيهما!
عند هذه النقطة وجمت ملامحها لترمقها في ثبات قائلة:
_أظن أن ذلك الأمر لا يخصكِ على الإطلاق!
ومطت علا شفتيها ثم ردت في إصرار بعدما أمسكت بوسيلة التلاعب بها:
_وكيف لا؟! ألن يتأثر شقيقي إذا ما تركتِه فجأة وأنتِ تختارين ابنكِ لتولينه ظهركِ؟
كبحت لين جماح غضبها لتخاطبها في هدوء بذلت من أجله جهدًا عظيمًا:
_شقيقكِ ليس بقاصر يا علا، وعلاقتنا نحن فقط من ندرك أبعادها وتقع مسؤولية الحفاظ عليها علينا وحدنا.
وقبل أن تتفوه بالمزيد مما يخرجها عن طورها وقفت تتابع في سخرية:
_لقد جئت كي أطمئن على سلامة شقيقة زوجي ويبدو أنها بأفضل حال، أستأذنكِ!
واستدارت تجاه الباب ثم توقفت لتقول بمكر وقد انتابتها رغبة طفولية بإثارة انزعاجها:
_بالمناسبة، هل هنأتِ شقيقكِ الذي تخافين عليه كثيرًا من المرأة الخبيثة التي تزوجها؟
عقدت علا حاجبيها في تعجب وسألتها بفضول:
_علام أهنئه؟
اتسعت ابتسامة لين ونظرت لها قائلة في دلال:
_ربما أراد أن يُفاجئكِ، لكن يبدو أنني سأسبقه!
سيطر التحفز على خلجات علا فيما استطردت لين موضحة:
_ستصبحين عمَّة قريبًا جدًا، لِذا مبارك لكِ أيضًا!
وقبل أن تغلق الباب خلفها استمتعت كثيرًا بمرأى الذهول على وجه علا، وعلى الدرجات التقت بزوجها الذي بادرها مُتسائلًا في توجس حالما لاحظ انفعالها الذي تحاول تخبئته:
_أين ستذهبين؟
تمالكت زمام نفسها ثم ربتت على كتفه وأجابته في حنو:
_إلى إيلاف، سأطمئن على ناهل، ابق مع شقيقتك كما تشاء!
تمسك هو بكفها وتفحصها بنظراته ليسألها في حذَر:
_ هل أزعجتكِ علا؟ هل أنتِ بخير؟
كادت تقص عليه كل حرف بحوارهما، لكنها لما تطلعت إلى الخطوط المحفورة بشدة أسفل عينيه جراء ما حدث أشفقت إليه وتراجعت، لِذا هزت رأسها سريعًا وردَّت وهي تنصرف بالفعل:
_اطمئن يا حبيبي، إلى اللقاء!
...
تركت مجال الحرية مفتوحًا أمام حنقها ما إن انصرفت زوجة شقيقها بعدما ألقت عليها خبرًا شحذ المزيد من رفضها.. وتصميمها على تصحيح ذلك الوضع!
وضع شقيقها الذي يتصرف فيما يخص زوجته وكأنه مسحور لا عقل يوجهه!
_ماذا فعلت معهما؟
بادرته في غضب لم تحدد سببه على الأخص، فأجابها بأسى:
_المرأة فقدت عقلها بسببكِ يا علا، كما أن زوجها قد انتقم لكِ منها قبل أن أصل، معالم وجهها اختفت بسبب ما فعله بها!
زمجرة مخيفة انفلتت من شفتيها ثم هتفت ثائرة:
_تستحق القتل، لقد كادت اللعينة أن تحرقني حية!
تنهد هارون وضغط بأصابعه على جبهته في إرهاق ثم سألها في تعجب:
_ألم تكن صديقتكِ المُقربة لسنوات؟! متى اندلع العداء بينكما إلى هذه الدرجة؟!
ضحكت علا بلا سرور ثم اكفهر وجهها فجأة لتهتف:
_كانت تتظاهر بأنها صديقتي، لكنها لطالما تملكتها الغيرة مني، كنت أعي نظرات الكراهية في عينيها لكنني لم ألقِ لها بالًا، لم أظن مُطلقًا أن الجنون قد يتمكن منها وأن يتطرف عقلها إلى ذلك الحد!
ارتمى على أقرب مقعد وهو يُمسد بأنامله على جبينه بتعب واضح، ليستمع إليها تُتابع مُتسائلة في قلق:
_ماذا عن المحل؟! هل الأضرار بليغة؟
فتح عينيه ليرنو إليها بنظره مُطولة حملت مشاعر سخط واضحة، ثم قال في تهكم:
_أنتِ لم تسألي عن الرجل الذي غامر بحياته حرفيًا لإنقاذكِ!
تهربت عيناها منه وهو يضغط على ما تتظاهر بعدم وقوعه بالفعل..
لغز؛
بل أعقد الألغاز؛
ربما ثوانِ معدودة فقط قضتها حبيسة بالمحل بينما يرتفع اللهب كسور لا يجرؤ أحد على عبوره، لكنها لم تستطع إلا تمني انطفاء النيران بمعجزة قبل أن تلقى هي مصرعها بأكثر الوسائل إيلامًا وتعذيبًا، ومن بين كل من شهدوا الفضيحة لم تتوقع إطلاقًا أن يكون ابن زوجها الراحل هو من يبادر لإخراجها من النيران..
ألم تكن الفرصة مواتية له كي يتخلص منها؟
لماذا لم يفعل؟
عقدت حاجبيها وقد وقف عقلها على أعتاب تفسير غامض لم تصل إليه بعد، فبالتأكيد هناك واحدًا..
ربما أراد إحراجها على مشهد من جميع مَن اتهمته أمامهم بأذيتها قبلًا!
ولِمَ لا؟
فتاريخهما الملئ بالكراهية لا يقبل إلا بهذا الاحتمال وحده!
انتبهت إلى نظرة شقيقها المُحدقة فنفضت رأسها ورمقته بإصرار، ليقول مُشددًا على كلماته في برود لم يُخفِ الشماتة المُستترة به:
_بالنسبة لِمحل والدة ناهل _رحمها الله_ فقد تفحم تمامًا، ربما لا يبدو الوقت مناسبًا ولا أحاول إثبات أنني مُحق على الدوام، لكنني أحب أن أُذكركِ أن ما جاء بالخديعة والاحتيال كان الهَباء هو مصيره ومأواه!
مُجددًا يضغط على تماسكها..
ما بال الجميع منذ الأمس يصرون على إثارة غضبها؟!
ما بالهم يؤلمونها وكأنهم اتفقوا جميعًا على تكدير حياتها؟!
لكنها ليست بضعيفة، ولا ترتضي بأن تتلقى هجومهم دون رد!
_زوجتك خبرتني أنها حامل.
قالتها في هدوء فنظر لها صامتًا في ترقب، لتتابع بلا اكتراث لما سيؤول إليه هذا الثبات ما إن تفصح عن رأيها:
_ألم تتسرع قليلًا؟َ ألم تتمكن من الانتظار حتى تتأكد أنها تستحق أن تكون أم أطفالك؟
زفير بطئ سحبه وهو يستميت كي لا يخرج عن سيطرته، ثم قال مُبتسمًا بلا معنى:
_علا! أظن أنني لا تعجبني غالبية أفعالكِ ورغم ذلك تقومين بها مع أنها تؤذي الغير، أتستكثرين عليّ إنشاء أسرة مع المرأة التي أحب؟!
بعناد لا ينفصم عنها علَّقت في غير رضا:
_لديها طفل، هل ستنفق على ابن رجل غيرك ووالده لا يزال على قيد الحياة؟!
أمسك بمسندي المقعد الذي يجلس عليه في قوة وقال بنبرة خافتة مُثيرة للتوجس:
_أولًا: هذا الأمر لا يخصكِ على الإطلاق، ثانيًا: أنا أحب يزن كما لو أنه بالفعل ابني، وطفلي القادم سيكون أخاه، لِذا سيجب عليكِ التحلي ببعض الاحترام حينما تتحدثين عنه أو عن والدته!
حريق من نوع آخر اتقد بصدرها مع رؤيتها هذا الدفاع المُستميت عن امرأة لم يكن يعرفها قبل بضعة أشهر..
وانبثق بقلبها سؤال_ربما رغبة_ بأن يُدافع أحدهم عنها مثلما يفعل؛
أن يحترمها في غيابها كما حضورها مثلما يفعل؛
أن يُظلل الحب نظراته كلما حطت عيناه عليها مثلما يفعل؛
هي جميلة، هي قوية، هي ذكية.. هي الأجدر بامتلاك رجل دون أية مشاركة!
كبحت مشاعرها جميعها بثبات ليس عليها بجديد، وأفلتت ضحكة ساخرة مُشبعة بالاستهزاء ثم مطت شفتيها لتُتمتم:
_بالتأكيد يا هارون تدرك مغبة أفعالك، أنت حر، فلتفعل ما تشاء!
عندئذٍ فقد آخر علامات تماسكه لينتفض واقفًا وصاح بها في هياج:
_بالطبع أنا حر! لن أسألكِ المشورة قبل أن أتخذ قراراتي، لن أسألكِ أنتِ تحديدًا يا علا لأن نتائج تفكيركِ واضحة للعيان! وأتمنى بالفعل أن تدركي أنتِ مغبة أفعالكِ!
ثم أمسك بإحدى ذراعيها في عنف نادرًا ما يسمح له بالظهور وتابع:
_إياكِ أن تتخيلي أنني سأدعكِ تُكررين تصرفاتكِ مع لينة _رحمها الله_! وثقي بأنني قد أوشكت على معاملتكِ بالمثل، بل أسوأ، سأتناسى أنكِ شقيقتي ولن أعتبركِ إلا امرأة أنانية جاحدة تكره رؤية سعادة غيرها فتكثف جهودها لأجل إتعاسهم!
ولمَّا لاحظ شحوب وجهها دفعها عنه في قوة فارتدت خائفة، ليواصل هو صارخًا في سخط:
_إن أردتِ وجودي بحياتكِ في دور ظاهري كشقيق من أجل أية اعتبارات اجتماعية فأنا دومًا هنا، لكن إياكِ أن تذكري اسم لين! أو تتحدثي بشأنها! ابتعدي عن محاولة هدم استقرار بيتي يا علا! ولا تحاولي إزعاج زوجتي.. وأولادي!
نست أن تتنفس وهي تراقبه على هذه الهيئة التي لم تلتقِ بها إلا لمامًا، إلى أن هدأت انفعالاته بالتدريج ليستعيد هدوء ملامحه اللطيفة، فأجلت حنجرتها وقالت مُبدلة اتجاه الحوار:
_لا تنس لقاءنا بالغد!
ابتسم ملء فيه ثم هتف ساخرًا:
_بالتأكيد لن أنسى، خطيبكِ المتشوق للزواج دون انتظار، اليوم خبرني أنه بدأ بتجهيز الشقة حتى لا تستمر فترة عقد القران طويلًا، عسى أن تنشغلي بحياتكِ عن إيذاء الآخرين!
تجاهلت عبارته الأخيرة عن عمد، لتهتف أيضًا عن عمد:
_لو أردت ألا تقع مُشكلات مع زوجتك الحبيبة فلا تحضرها معك!
تطلع إليها في تحذير فاضطربت لوهلة قبل أن تواصل في تصميم:
_لن تستطيع إجباري على التقرب منها ومعاملتها كزوجة شقيقي بينما هي تجلس أسبوعيًا مع ابن همام على المائدة!
جمدت ملامحه وكاد ينفجر بها مرة أخرى، لكنه بآخر لحظة تراجع ليرد في حدة:
_ألم تستمعي إلى ما قلت لتوي؟! أنا لا أريدكِ أن تجتمعي معها بمكان واحد بالأصل! لِذا لن أحضرها بالطبع، لقد أكدت الطبيبة على ضرورة راحتها لكنها من أصرت أن أصطحبها كي تطمئن على حالتكِ رغم محاولاتي إثنائها عن ذلك لأنني على دراية تامَّة بكيفية استقبالكِ!
ثم أردف في وعد:
_خطأ لن أسمح لها بتكراره!
تنهدت في ضيق وهي تحسب شجارًا آخر نشب بينهما بسبب زوجته، لكنها انتبهت على استطراده مُبتسمًا:
_بالمناسبة! أنا أيضًا أجلس مع "ابن همام" أسبوعيًا على المائدة نفسها، بل نتناول الطعام من الصحن ذاته!
وبلا تحية انصرف صافعًا الباب خلفه، لتدور عيناها على الجدران حولها بلا إرادة..
وحيدة، منبوذة، لا يتعاطى معها الكثيرون..
شعور مُستحدث عليها كُليًّا بدأ يكتنفها، شعور.. بالغربة!
لكن سرعان ما عاد التصميم إلى عينيها.. فعمَّا قريب لن تبقى وحيدة، أو غريبة..
ربما آن لها أخيرًا أن تنال ما تستحق من سعادة.. وحب!
**********

باليوم التالي:
ابتسمت في مُوافقة على ملحوظة اتفقت عليها كل من والدتها وحماتها اللتين تقفان بالمطبخ الفارغ في شقتها المُستقبلية، تلك الأخيرة استقبلتها اليوم بترحيب مختلف عَمَّا استشعرته منها بحفل الخطبة أو خلال الفترة التي سبقت إعلانها.
وها هي تنسجم مع والدتها وتتشاركان إبداء الاقتراحات حول الشقة التي ستسكنها مع خاطبها بعد شهرين كما أكد لها أنها المدة التي سيستغرقها من أجل التجهيزات.
وعلى ذِكر خاطبها عقدت حاجبيها في توجس حينما انتبهت إلى غيابه رغم عودته من الصلاة بالمسجد منذ دقائق..
اعتذرت منهما وتراجعت إلى الخارج لتبحث عنه بكل الغرف الفارغة فلم تجده، وأخيرًا دفعها قلبها إلى.. الشرفة!
"هل سنعيش هنا أم ماذا؟!"
ألقت سؤالها فجأة فرفع رأسه إليها بحدة بينما كان يسير على البلاط المُغبر بخطوات واسعة، نظر إليها مُستفهمًا فتابعت في تهكم:
_منذ عدت من المسجد انطلقت إلى هنا من فورك، لم تلقِ نظرة على غرفة الاستقبال، ولا غرفة النوم، وها أنت تقف بالشرفة منذ دقائق تعد البلاط وتحسب المساحة وكأنك ستشيد بها ملعبًا!
تنهد في ضيق وهو يدفع بخصلته الشاردة كالعادة والتي لم تجف بعد من ماء الوضوء، ابتسمت لا إراديًّا كدأبها كلما سرقت نظراتها فلم يلحظ وهو يُجيب في نبرة غلبت عليها الحيرة:
_أحاول تحديد مكان مناسب لأُصُص الزرع.
_أي أُصُص زرع؟!
سألته في تعجب فرد مُنزعجًا بلا شك:
_هل نسيتِها؟! حدثتكِ عنها قبلًا، لدي الكثير منها بالبيت!
عادت ابتسامتها وهي تتذكر ما قال حينما عرض عليها الزواج، فتقدمت منه تشاركه تفكيره بإخلاص، وسألته باهتمام:
_وهل ستنقلها إلى هنا؟
ثانيًة تنهد وبقى صامتًا لبعض الوقت، ثم غمغم بمزيد من الحيرة:
_هذا ما لم أستقر عليه بعد.
نظرت له بلا فهم فتابع حانقًا:
_هل أجلبها وأترك شرفة بيتنا فارغة بعدما بدَّلت منظرها تمامًا من شرفة لا غرض لها إلا نشر الملابس لتجف إلى مساحة خضراء باتت أقرب إلى مُنتزه؟ أم أتركها هناك وأبتاع غيرها فأشعر وكأنني...
بتر عبارته في حرج فأتمتها عنه مُتوجسة:
_وكأنك تخونها!
زفر ونظر لها مُحذِّرًا لكنها لم تنصع لنهيه الصامت فضحكت ملء قلبها، ولما تجاهلها ليستكمل حساب البلاط علقت في دهشة:
_حينما ذكرت لي أمرها من قبل لم أظنك مُتعلقًا بها إلى هذا الحد!
تطلع إليها في استنكار وكأنما تفوهت بالممنوع، ثم قال في صرامة لا تتلائم مع ما عنته عبارته من رعاية وحنان:
_وكيف لي ألا أفعل؟! حين اشتريتها كانت مجرد بذور صغيرة للغاية، والآن صارت أزهارًا جميلة تنشر رائحة رائعة بالبيت كله!
افتعلت اعتذارًا بعينيها وكتمت ما تبقى من رغبة بالضحك، حتى شرد لوهلة قبل أن يتمتم في خفوت مُشيرًا إلى الأسفل حيث الساحة الخالية التي تفصل باب البناية الداخلي عن البوابة الخارجية:
_هُنا.. بَيْلَسان!
_من بَيْلَسان هذه؟!
وسؤالها جاء سريعًا شديد التحذير، فاستدار إليها مُتعجبًا لترفع سبابتها وتردف:
_اسمعني جيدًا! أنا لست كما أبدو على الإطلاق، إن كان لك ماضِ فلتخبرني عنه الآن! لا أحب أن تظهر أخرى فجأة ذات يوم وأنا جاهلة بوجودها.
رفع حاجبيه في دهشة شاطرته إياها وهي تدرك استحالة ما قالت لتوها، لكنه سرعان ما ابتسم ليعلق بفضول:
_وماذا إن كانت هناك أخرى؟
كتفت ساعديها لتعود إلى صالة الاستقبال وأجابته في ترفع:
_سأترك لها الساحة.
لحق بها حاملًا ابتسامة مُتسلية، ثم قال مُصطنعًا اللوم:
_ظننتكِ سوف تقولين سأُقاتلها حتى تبقى لي وحدي!
رمته بنظرة بها لمحة من غرور تخفي بها شعورًا بالاحتراق أشعله التخيل فحسب، ثم قالت بجمود:
_لديّ من الكبرياء ما يمنعني من التنافس مع أية امرأة!
وقف على مسافة حيادية منها، لا هي بالبعيدة تسلبه مِنَّة مُراقبة حقيقة انفعالاتها، ولا هي بالقريبة تهدد احتماله، ثم نطق بشبه ابتسامة لاحت على ثغره فأكدت لها صدق حديث ارتقى لعينيه قبل أن يكافئها به لسانه:
_أنتِ فوق أية منافسة يا غفران، أنتِ تظفرين دومًا حتى لو لم تصل لسمعكِ أخبار المعركة!
تنهدت في امتنان وهي تتنعم بحب ينبثق من نظراته الحيية بعدما صار أقوى من كل محاولات ردع ظهوره، ولما رفع نظراته عنها قالت في جدية:
_حسنًا! الآن لتخبرني جِديًّا من تكون بَيْلَسان!
أطلق ضحكة رنانة تراقصت على أنغامها دقات قلبها، ثم أجابها مُستسلمًا:
_ألستِ صيدلانية؟! البَيْلَسان نوع من الأشجار أيتها المُتذاكية، مُبهجة المنظر، طيبة الرائحة، تُستخدم في العلاج كثيرًا كما أنهم يصنعون منها العطور، لكن هناك بعض المعوقات..
تملك منها الحرج مع اكتشافها تسرعها الذي دفعها إلى ظنها بأنه يقصد امرأة مُتناسية أمر تلك النبتة التي قرأت عنها من قبل، ونالت منها هوايته فنبتت بداخلها رغبة في التعمق معه أكثر، لذا استحثته في فضول:
_مثل..؟
_الحصول عليها ليس بيسير، زراعتها تحتاج لظروف خاصة، كما أن لها وقت معين للإزهار، وإن لم يتم التعامل معها بحرص قد تسبب مشكلات صحية!
_ولماذا المُخاطرة؟!
في استهجان سألته فنظر لها واحتبست كلماته..
لماذا المُخاطرة؟!
سؤال ألقاه عليه عقله مئات المرات ما إن صمَّ أذنيه عنه ليفتح لها الباب مُتجاهلًا اعتراضاته؛
لماذا المُجازفة في حرب شعواء بين تَلَهُّف قلبه وسَحْب ضميره؟!
حيث بأي فوز هو خاسر، وبإزاء عبارات الاستحسان يجب أن يستمع لِبعض القدْح، وأسفل الدرع الذهبي اللامع يتوارى الصدأ!
لماذا المُغامرة بشعوره البِكر مع أقصى اختيار، وأخطر اختيار، و.. أجمل اختيار؟!
_أحيانًا لا نملك رفاهية الاختيار!
قالها في وجع رغم بقايا البسمة العالقة على شفتيه، إلى أن رحلت آثارها كلها وظل الوجع يمد عروشه، يضرب بجذوره، ويُثبت أوتاده، فتابع شاكيًا دون شكوى:
_كحصان يجر عربة خشبية، ينبغي عليه الارتحال في طريق الصواب تحت إرشاد الألم، إلا أنه يستدير حيث الخطأ بالاتجاه المعاكس، يسير، ينطلق، ثم يهرول مُبصرًا سعادته تفتح له ذراعيها بلهفة أم، ليصل إليها بفرحة يتيم، داعيًا ألا يفقدها يومًا فيقع تحت وطأة عذاب من فاز بهدية لم يكن في انتظارها لينتزعونها من يديه وهو يهم بضمها إلى حيث قلبه لا ينفك يهتف باسمها!
وكلماته المُبهمة أثارت بها شعورًا غير مفهوم بالخوف، خوف كان يعربد بعينيه رفقة عذاب لتوه جرى على لسانه ويبدو أنه نسى سبيل الرحيل!
_أكُل هذه الحيرة بسبب شجرة؟!
سألته وهي تجبر شفتيها على الابتسام، وعقلها على عدم البحث في مكامن ربما لن تفيدها..
_إنها.. بَيْلَسان!
أجابها في اختصار وهو يرنو إليها بتعبير متوله أطال مدته إلى استطراده الذي تزامن مع إيماءة مؤكدة من رأسه:
_إنها تستحق!
شبكت أصابعها واكتنفها بعض الارتباك جراء نظرته التي تفصح بالكثير، اجتاحها إحساس نادر بأنها متوترة، مضطربة، خفيفة كورقة شجر، تمتلئ بالبهجة وتود نشرها بالعالم أجمع كإحدى زهراته!
_يا لحظ نباتاتك بحُبك يا نضال!
نطقت أخيرًا وهي تختلس له نظرة متفحصة، فضحك ليعلق بلا إبطاء:
_ويا لمكركِ وأنتِ تتلاعبين بي عن عمد يا غفران!
ثم سارع يتابع في رجاء:
_اسمعي! إن لم يوافق جدكِ على عقد القران ربما سأرتكب جريمة، ارأفي بحالي! سيقتلني هذا الكبت لا محالة وأنا أتحسس كلامي وكأنني جاسوس سيذيع أهم الأسرار دون أن يُطلب منه!
وبنهاية عبارته عقد حاجبيه في تعجب ما لبث أن عبر عنه متسائلًا أثناء حملقته فيها بإمعان:
_علام تبتسمين؟!
_أنت أطلت النظر بي لدقائق متصلة بينما وجنتاك لم تتورد لِثانية واحدة!
اتسعت عيناه في دهشة وتراجع إلى الخلف مُشيحًا بوجهه عنها في ارتباك عارم، وحينما وصل إلى أذنيه صوت ضحكتها المُستمتعة عاد يرمقها في غيظ ليقول حريصًا على عدم النظر تجاهها مُباشرًة:
_ها قد بدأت أخلاقي تتبدل بسببكِ وسأفقد شعوري بالندم أيضًا! لنعقد القران قبل أن تجدينني قد تحولت إلى شخص آخر فتُغيرين رأيكِ بالزواج بي!
عبأت صدرها بشهيق عميق عُمق سرعة احتلاله قلبها، عُمق صدق مشاعره الواضح، وعُمق رغبتها المُلِحة في الاقتران به..
_لا أظن أنني قد أغير رأيي بالزواج بك مُطلقًا يا نضال، أنا على استعداد لفعل أي شيء كي أتزوج بك، أنا أُ..
وبترت عبارتها حينما أغمض عينيه في قوة فيما وصلتها حرارة زفيره..
والاعتراف الذي كادت تسبقه إليه منعها هو من إتمامه قائلًا في حنان فيما طرقات فؤاده تهدر في احتفال سيضطر لكتمانه حتى يصيح به فور أن تُزال الحدود كلها:
_ليس الآن يا غفران، حينما تمسين زوجتي سأسمعكِ، سأُطالبكِ، وسأقول الكثير، الكثير جدًّا جدًّا!
أومأت برأسها في طاعة لم تورثها أية لمحة من نقمة، فاستطرد في هدوء:
_سامحكِ الله! سامحكِ الله على هذه الحال التي تضعينني بها على سبيل تمضية الوقت، لكن لأجلكِ يهون أي شيء.
_إلَّاك!
تلقائيًا نطقت بها، ثم تابعت حينما عبرت لمعة تأثر عينيه:
_أنت لا تهون إطلاقًا يا نضال، دائمًا عزيزًا، أبدًا مُنتصرًا، وحتى النهاية شامخًا!
ظل يرمقها مليًّا في امتنان، امتنان هجم عليه توتر ملحوظ سبق سؤاله المُتردد غير الواضح:
_ما رأيكِ بأن.. نزور طبيبتكِ معًا؟
_أية طبيبة؟!
سألته في دهشة فأجاب وهو يتمسك بواجهة بعيدة عن كل انفعالاته المتصارعة:
_تلك التي قمت بزيارتها عقب الـ..
وانفعال الغضب هو ما انتصر فبتر عبارته مُستعيذًا من الرچيم قبل أن يتمها بصيغة أخرى مُقتضبة:
_منذ سنوات.
_لا!
بلا اندفاع، بلا تراجع، بلا أية علامة للخوف أو التردد أجابته، ثم أضافت حين لاحظت رجائه الصامت:
_لا داع لهذا، أنا.. أنا بخير، عقب ما حدث انتظمت بالفعل في الجلسات، ربما في البداية لم أكن أحرز نتيجة مُبَشرة، لكن.. بعد فترة أظنني قد استفدت منها كثيرًا.
في شك حدق فيها مانعًا نفسه في صعوبة من التأكيد لها بأن ذلك الأمر لا تستطيع البت بشأنه إلا بالتجربة مهما شعرت بأنها قد تخلصت من آثاره، لكنه اختار التوقف عند هذا الحد حتى حين مُناسب أكثر، ثم تعلقت عيناه بباب الشرفة ليقول:
_كنت أتمنى لو استطعت الانتهاء قبل شهر رمضان، لتناولنا طعام السحور بها كل يوم.
مَدَّت بصرها حيث شرد، فابتسمت تُشاركه الحُلم ذاته لِتضع لمستها الخاصة على أجنحته..
طاولة مُنخفضة تعلوها صحون طعام السحور البسيط، أفرع زينة مُلونة يتجمل بها السقف، مصابيح مُعلقة على الجدران، وربما طفلة وطفل يلهوان حولهما حاملين فانوسين من اختياريهما وهما يُدندنان بنشيد استقبال الشهر الكريم، وبجميع الأركان تحيط بهم أُصُصه الحبيبة تُكسِبهم أنفاسًا برائحة الرياض!
_أحببت هذه الفكرة، بل.. إنها تحتل رأسي كله الآن.
عَقَّبت في بهجة وتكاد تحتضن حلمها بذراعيها، نظر لها في شوق ما لبث أن أزاحه الغيظ ليتمتم وهو يغلق باب الشرفة بعد أن استقر على قراره:
_لو كنتِ استمعتِ لي وعقدنا القران فورًا لكنت استطعت دعوتكِ على طعام الإفطار بمُفردنا خارجًا على الأقل!
_ألم أخبرك بعد؟!
كان قد أحكم غلق المزلاج حينما جاءه سؤالها، فاستدار إليها لتتابع في تلكؤ داعبه الاستمتاع:
_بالليلة الماضية تناقشت مع جدي حول هذا الأمر، ويبدو أنه.. يبدو أنه لم يعد رافضًا!
ران بينهما الصمت عقب عبارتها وبدا أن عقله لم يعد يعمل بالكفاءة ذاتها أو أن المفاجأة كانت أشد قوة من سرعة استيعابها، إلى أن أجلى حنجرته ليُعلق مُحذرًا:
_أنتِ لا تمازحينني، أليس كذلك؟!
هزت رأسها نفيًا فانشرحت ملامحه بغتة واعيًا أنها لا تتسلى به، وأنها قريبًا جدًّا ستُصبح زوجته!
ولمَّا اقتحمت هذه الفكرة عقله الذي عاثت الدهشة به فسادًا لهذه السهولة التي تتم بها الأمور على عكس تنبؤاته غمغم هو ثانية في تأثر:
_غفران! أنتِ لا..
اقتربت منه على مهل فبتر عبارته مُتمنيًا لو جذبها دون تفكير بين ذراعيه، لكنه ضم قبضتيه إلى جانبيه مُتمسكًا بآخر قدر من صبره، ليستمع إليها تقول في تأمل اكتنفه الرجاء:
_نضال يا نضال! هل أنت مستعد لأن أصبح زوجتك؟! هل سترحب بأن تلازمني بكل ما بي من تعقيدات وشروخ؟ هل ستواصل تمسكك بي رغم أية صعوبات؟ أم تشعر أنك تسرعت وترغب بالعدول عن الأمر؟!
أمعن النظر بها في لوم، في نفي، في توق، وببقايا دهشة لا زالت تفرض نفسها فرضًا على ذهنه رغم انهماك قلبه في ترديد هتافات النصر..
إلا أنه تغلب على انفعالاته كلها ليتنهد، ثم قال في تعبير عابث بدأ يُظهر تفوقًا على حيائه فرحًة بقرب الإفراج عنه:
_ذكريني أن أشرح لكِ القاعدة التالية ما إن يرحل المأذون! ربما قبل أن يفعل!
**********

رغم أنها تطرق بوجهها أرضًا فلم يفُت والدها تورده، حدق بها مليًا في صمت محاولًا استنتاج ردة فعلها على الخبر الذي ألقاه عليها لتوه لكنه لم ينجح بعد.
لقد دخل إلى غرفتها فظنت هو أنه يرغب بالنقاش معها حول أمر زواج ابنها الذي فاجأهما به معًا، ليفاجئها الآن أيضًا بأمر أكثر غرابة وأشد وقعًا عليها!
"ماذا قلتِ يا أماني؟"
سألها بعد دقائق كاملة قضتها ساكنة تفرك كفيها معًا وتعبث بمُقدمة عبائتها بلا داعِ!
تملمت في مقعدها ثم ردَّت بخفوت:
_لا أعلم يا أبي، لم أستوعب الأمر بعد، أعني.. أنا في الثامنة والأربعين من عمري، لقد كبـ..
_إياك أن تتميها يا أماني! أنتِ لا زلت برَيعان أنوثتكِ، ألم تنجب ابنة الحاج عبد العليم بالعام الماضي وهي تكبركِ بعام؟
قاطعها مُحذرًا فنظرت إليه بحسرة لم تتعمدها ولم تخفى عليه وعلقت:
_الإنجاب أمر آخر يا أبي، هي متزوجة بالفعل منذ كانت في السابعة عشر، وبارك الله لها في أبنائها لديها ستة منهم، حالتي مُختلفة عنها كثيرًا، نحن نتحدث عن زواج، ما يعني بداية بهذا العمر!
تأفف والتفت برأسه بعيدًا بينما قبض بكفيه على عصاه، وغمغم في غيظ:
_ستقول بهذا العمر مرة أخرى!
ثم عاد ينظر إليها ليسألها في رفق:
_يا بُنيتي هل حرم الله الزواج للمرأة بهذا العمر؟
هزت رأسها نفيًا فتابع بهدوء:
_إذن ماذا يحدث إن تزوجتِ الآن؟! لا يوجب الشرع أن تقضي حياتكِ دون ونيس، ولا يحدد الزواج بسن مُعينة.
ورغم موافقتها الضمنية لما يقول، وذلك المَيل الغريب لاتباعه علَّقت بتردد:
_ياسر..
دق الأرض بعصاه فورًا فابتلعت عبارتها، وهتف هو في صرامة:
_سيتزوج ياسر، سيؤسس أسرة ورويدًا رويدًا لن يبقى وقته كاملًا لكِ، وأنا بعقدي الثامن ولن أظل معكِ طويلًا، ربما مدَّ الله في عمري حتى أطمئن عليكِ أنتِ يا أماني.
كعادتها هبت إليه تقبل كفيه تدعو له بطول العمر ووفرة الصحة، ربَّت هو على رأسها فجلست إلى جواره تقلب الأمر في ذهنها فلا تجد سوى الحيرة..
_هل تعترضين على شخص الأستاذ ضياء؟
سألها بنبرة لينة فتملكها الخجل وأجابته بعد طول تفكير:
_أنا.. لا أعترض عليه ولا أوافق، لا أعلم عنه شيئًا سوى أنه كان مُعلمًا لياسر فيما مضى ويحبه كثيرًا.
لمح هو تلك اللمعة التي عبرت عينيها رغم أنها تحاول قدر إمكانها أن تبتعد عنه بهما، فقال في مزيج من المزاح والتحذير:
_وحماه، لا تنسي! ولا تدعي ابنكِ ينسى!
نظرت له بلا فهم وسألته متوجسة:
_ماذا تعني يا أبي؟
وقف في تؤدة يعدل من عبائته ويقول بنبرة لا جدال بها:
_لا أعني شيئًا، الرجل سيأتي لزيارتنا بعد الغد، لتقلبي الأمر في ذهنكِ حتى ذلك الحين! أرغب منكِ بأن تتحدثي معه وتستمعي إلى ما يقول، وليفعل الله ما فيه الخير!
في قلق حملقت به ثم قالت باستجداء:
_وياسر، ماذا تظن رأيه سيكون؟
اتسعت عينا والدها باستنكار ثم صاح بها:
_ما لنا وياسر ذلك؟! هل سيتحكم ذلك الصبي بقراراتنا؟! ألا يكفيكِ رأي والدكِ يا بنت؟!
تمتمت باعتذارات متعددة لم يسمعها وهو يخرج مُغمغمًا في سخط:
_جميع من بهذا البيت يحتاجون إلى تربية من البداية!
وحالما خرج سقطت هي على الأريكة تتكالب عليها الحيرة مع التوتر..
حانت منها التفاتة إلى المرآة التي تتوسط الغرفة فاتجهت إليها تتأمل ملامحها، تعلم جيدًا أنها لا زالت جميلة بعد أن كان جمالها يومًا فتنة مُركزة؛
لم تهزمها السنون كثيرًا ربما لأن حياتها الزوجية كانت قصيرة فلم ترزح تحت ثقل البؤس طويلًا؛
طيلة الأعوام السابقة تردد الخطاب على باب والدها يطلبونها فكانت تردهم دون تفكير، اكتفت بابنها وحيدها وكثفت اهتمامها عليه وحده..
إلا أن فترة توتر علاقتهما السابقة نبهتها إلى أنها بحاجة إلى من يتحدث إلى أماني..
أماني المرأة.. لا الأم فقط!
ألن يرفض ابنها؟!
ألن يستهجن الجميع خطوة كهذه؟!
تُرى أيحق لها؟ أيحق لها أن تتجاهل اللمزات التي ستُقال عنها؟! ألن توسَم باللَوُثَة؟!
وهل.. يحق لها أن تحصل على ونيس بهذه المرحلة؟!
أعليها التشبث بالرفض؟ أم أن الصواب هو المسير بلا تردد نحو نداء الرفقة؟ والتخلي عن النفق الذي قبعت فيه لسنوات إلى ذلك الـ..ضياء؟!
**********

انتهى لقاؤه بأستاذه بعد أن استطاع أخيرًا الحصول على عدة دقائق يستطلع خلالها رأيه فيما وصل إليه فريقه بشأن مشروع التخرج، ورغم الإشادة التي علَّق بها والثناء الذي لا يحصل عليه الكثيرين من الأستاذ صعب المراس فإنه لم يُبد أية بادرة للفخر أو السرور!
صار كئيبًا أكثر من اللازم، وبات مكبوتًا لا يجد فرصة لتفريغ غضبه، ولا الحق كي يفعل!
بالأمس فقط دخل إلى غرفة شقيقه فوجده يهاتف خطيبته، ضحوكًا؛
متورد الوجه؛
سعيدًا؛
مُرتبكًا كمن لم يتبادل حديثًا مُطولًا مع امرأة من قبل..!
حسنًا! نضال بالفعل لم يتبادل حديثًا مُطولًا مع امرأة من قبل، ولطالما سخر منه هو لذلك السبب وأبدت والدته إشفاقها على من ستتزوجه مُستقبلًا، فكلاهما رسم له الصورة النمطية للرجل الذي سيتزوج وهو يتعلق بآخر عقده الرابع بأية فتاة هادئة، مُطيعة، ربة منزل باقتدار، ستقبله هو تحديدًا لأنه طرق بابها أثناء توقعها لأي عابر سبيل قرر إنشاء أسرة وأوصله النصيب إليها..
لكن النصيب قُدِّر بطريق آخر؛
وكُتِب باسم فتاة أخرى!
أخرى لا يقوى على النظر إليها أو إلقاء تحية بسيطة عليها؛
أخرى يخشى من ذِكر حروف اسمها؛
حروف تتلوى كالثعابين لتخنقه، تتضافر كأسلاك حديدية كي تُصفده فلا يستطيع منها فكاكًا حتى الممات!
"أهلًا بالهارب!"
وأخرى.. أخرى هذه المرة؛
يتهرب منها منذ أشهر، يتنصل من زمالة كُبِّل كلاهما إليها، ولا يتخلص من الندم لشدِّها معه إلى قاع الخيانة حيث بات مقر إقامته ومَعقَل حُكمه!
_كيف حالكِ يا علياء؟
بادرها مُفتعلًا ثبات كاذب في وضوح، فتقدمت منه تبتسم في وِد يتناقض تمامًا عمَّا يعتري عينيها من رغبة بصب لعناتها عليه:
_لا جديد كما أحسبك ترى، شجار آخر مع شقيقي وزوجته، دَيْن لدروس شقيقتي سأعمل على سداده، وبضع مُضايقات من صاحب المحل اضطررت لأن أسكت عنها حتى لا يطردني بهذه الفترة الحرجة.
والسخرية التي بانت في كلماتها على استحياء ضاعفت منها حالما قتلت بسمتها المُزيفة لتترك الحرية لكل المقت الذي يتسيد شعورها وأردفت:
_لِذا، أنا بأفضل ما يكون.
غض بصره وعقله عمَّا تصرخ به نظراتها، وراح رأسه يجوب يمينًا ويسارًا بلا هدف كما ينقل قدميه في توتر قبل أن يسألها بعد تردد:
_لماذا لا تأتين للعمل بالمكتب ما إن ينتهي هذا العام؟
اقتربت منه أكثر لتتمتم في تعجب مُصطنع:
_أتقصد بالمكتب الذي يُشارك به لؤي؟
جف حلقه وتثبتت قدماه أرضًا عندما أضافت بصوت خفيض شق أذنيه شقًّا:
_شقيق غفران؟
لتُزيده في تساؤل ماكر تلاعبت عن طريقه بالبقية الباقية من تماسكه الضعيف:
_خطيبة شقيقك؟
ارتد إلى الخلف ونزع عينيه عنها ليقول في آخر مُحاولاته للهرب:
_شقيقي أيضًا شريك به، لِذا لا داعِ لِحرجكِ.
احتضنت دفتر محاضراتها وتظاهرت بالتفكير مع الاهتمام لتنطق مُستفهمة:
_أتعني أنني سأعمل بواسطة منك أنت وشقيقك، أليس كذلك؟!
لم تمهله للرد المناسب فعاجلته في ترقب:
_وما المُقابل هذه المرة؟
زوى ما بين حاجبيه ليسألها بلا فهم:
_ماذا تعنين؟
ابتسامة ماكرة لم ير مثيلتها على وجهها ذي الملامح البريئة من قبل قارنت إيضاحها الذي ألقى بالرعب في قلبه:
_أعني هل سيكون لي نصيب بما ستحصلون عليه بعدما تحولت علاقة الصداقة إلى نسب؟
ولمَّا أخذ يُحدق بها مُتسمرًا تابعت هي في هدوء:
_لا أخفيك سرًّا، لقد أخذت أُحلل الأمر منذ علمت بأمر الخطبة كثيرًا حتى وصلت إلى احتمالين أعجبانني بشدة.
أثار تعبيرها المُتوعد تحفزه، كما أثارت نبرتها المُتشحة بالبغض توجسه، فأجابت هي عمَّا لم يجرؤ على السؤال عنه:
_ربما لي يد بهذه الزيجة، أتذكر جيدًا أنني من خبرت شقيقك عن غفران، عن ابتزازنا إياها، وعن تلك القصة المُستَهلَكَة التي حكيت أنت لي عنها كي أساعدك في إرسال صورها إليها، لذلك الاحتمال الأول حالمي نوعًا ما، لقد التقى بها شقيقك بعدما أفشيت أنا سر فعلتنا إليه فوقع في هواها وطلب الزواج بها.
ورفعت حاجبيها معًا ثم ضحكت لتُعقب:
_أتمنى حقًا أن يكون هذا ما حدث.
كاد يُصدق على أن هذا ما حدث، ربما بشكل مختلف، لكنه ما حدث، إلا أنها تابعت في صوت مُحمَّل بقدر ليس بقليل من الاشمئزاز:
_الثاني.. والذي صرت لا أستبعده بعدما تكشفت لي أفعالك الدنيئة أن كل هذا ما هو إلا اتفاق مع شقيقك كي يتزوج هو منها ويتنعم بثروة عائلتها، الكثير والكثير من العشرة آلاف من الجنيهات!
ارتد إلى الخلف بفعل الصدمة، ليس بسبب ظنها به فهو مُعترف بأن راية تمرده قد غطت عينيه فلم ير الطريق الصائب ويستحق أسوأ الظنون، لكن ما استنكره هو اتهامها شقيقه، شقيقه المُلتزم حد تنمر الكثيرين منه.. هو أولهم!
_ورغم أنني أتمنى ألا تكون هذه حقيقة ما جرى فإنني لن أتوانى عن الاستفادة.
طرقت عبارتها ذهنه فمنحها تركيزه تامًّا بلا ادِّخار، وفي حيرة نظر لها ليسألها:
_أية استفادة؟
وإجابتها ألقتها على سمعه في تصميم لم يكن من سماتها قبلًا:
_أي مما ستقبضونه سأشارككم به!
تعثرت قدماه حينما ارتد إلى الخلف مُحملقًا فيها بذهول قابلته هي بلا اكتراث، بل.. بفخر!
وحالما أدرك معنى ما قالت همس بلا تصديق:
_أتقومين بابتزازي يا علياء؟
هزت كتفيها وردَّت بلا مُبالاة:
_ماذا إذن يا مهند إن كنت أبتزك؟ ألست أنت من علمتني تلك اللعبة؟! أيؤلمك الشعور؟!
كان لا يزال يرمقها بمزيج من الاستنكار والحرج حينما تقدمت منه مرة أخرى وخلعت قناعها لتسأله بصوت بح أثر كتم البكاء:
_وهل تألمت أو ندمت وأنت تخدعها وتستغلها، وتخدعني، وتستغلني، وتخدع لؤي، و...
_أندم.. أندم، أندم!
صرخ بها تزامنًا مع استدارته ليدب الأرض، ويركل مجموعة عُشب تزين إحدى حدائق الكلية حيث يقفان، وعاد إليها ثانية بعينين دامعتين ووجه قانِ مُستطردًا في وهن وهو يلصق سبابته برأسه في عنف:
_لا يدعني الندم حلمًا ولا يقظة، لا يتركني لحظة واحدة يا علياء، الرسائل التي كتبتها بيدي محفورة هنا!
ثم تهدلت كتفاه ليواصل في حيرة:
_لكن ماذا أفعل؟ هل تقترحين أن أعلن الحقيقة الآن؟ هل تعتقدين أن بإمكاني جرح شقيقي؟
وأشار بذراعه إلى الأفق ليهتف في تحسر:
_هو يحبها، رغم ما تظنينه فهو حقًّا يحبها، ولم يطلب الزواج إلا منها وحدها.
وفي ضعف، خوفًا من أن يسقط أرضًا ألقى بجسده على الرصيف الذي يقف بمحاذاته، تطلعت إليه في إمعان وهي تتذكر أن ردة فعل شقيقه كانت مُماثلة حينما خبرته هي بالحقيقة من قبل، وأخيرًا أردف في يأس مُستغلًّا فرصة أنها الإنسان الوحيد الذي يستطيع أمامه ذِكر تفاصيل جرمه وإبداء الندم عليه:
_ماذا أفعل؟ ربما هذه هي الطريقة التي اختار بها الله أن يعاقبني، أن أتعذب كلما وقعت عيناي عليها، ألا يبارح ما ارتكبته ذهني، ألا تكون هناك فرصة لثوانِ من الراحة أنسى خلالها أنني أذنبت بحق شقيقة صديقي وزوجة شقيقي!
واختتم في توسل:
_أما من رجوع؟ أليست هناك وسيلة للتطهر؟! ألا تستقبلني أذرع التوبة!
كاد العطف ينال منها تجاهه فردَّته سريعًا مُستعينة بحقيقة ما فعلت تحت توجيهاته، فعلَّقَت في تهكم:
_هل تتوقع مني أن أصدق أمر توبتك هذا؟!
نظر لها في جمود مُرجحًا الإجابة فهزت رأسها نفيًا لتواصل في أسف:
_لا يا مهند، لقد صدقتك من قبل حينما أقنعتني أن شقيقة لؤي ستتعرض للأذى ويجب علينا إنقاذها عن طريق الخداع، صدقتك وانصعت خلف خطتك الشيطانية حتى أحلنا حياتها إلى جحيم، جحيم يليق بنا وحسب!
أومأ برأسه موافقًا فأضافت بنبرة مُتقطعة مزقها البكاء الذي بدأ يتحرر:
_أنا أيضًا أتعذب، أنا أيضًا يأكلني الندم، ولأسباب لن يستوعبها عقلك الغبي!
وفي عنف مسحت وجنتيها لتُضيف في توعد:
_وأنا أيضًا أرغب بالتكفير عن خطيئتي، وسأفعل!
ورغم النظرة الصامتة الحَذِرة التي حدثها بها فقد قابلتها بتعبير غريب قبل أن توليه ظهرها وترحل، تاركة إياه مُستغرقًا في جلد ذاته!
**********

بعد يومين:
"لقد خبرتني سلام عن زيارتها لك يا حاج فؤاد، أعتذر بشدة عما فعلت، صدقني لو كنت أعلم لكنت منعتها!"
بهذه العبارة استهل الأستاذ ضياء حديثه بعدما انتهى مُضيفه من عبارات الترحاب وبقى ينتظر مُبادرته.
نظر له الحاج فؤاد في تعجب ثم ضاقت عيناه ليسأله في تحفز:
_أتعني أنك لم تخبرها بأنك تريد الزواج من ابنتي؟
اعتدل الأستاذ بجلسته على الفور وسارع بالإيضاح في لهفة:
_بالعكس! أنا أتمنى الزواج بها!
ثم اكتنفه الحرج فتنحنح وقال:
_عذرًا، لم أرتب كلماتي جيدًا.
أومأ الحاج فؤاد برأسه مرتين ثم خاطبه في جدية:
_أنت رجل صريح يا أستاذ ضياء، وأنا أحب التحدث بصراحة، ما فعلته سلام تراه أنت خطئًا جسيمًا بينما أناقضك أنا الرأي، فلتنساه ولتخبرني عما تريد بنفسك!
والنظرة التي اعتلت وجهه بعثت ببعض السكينة بنفس الأستاذ ضياء، فقال في هدوء تحلى بقوة بينة:
_في الواقع لقد أعجبتني أخلاق ابنتك كثيرًا منذ التقيت بها بضع مرات حين كان ياسر لا يزال طالبًا بالمدرسة، لكن بنهاية الدراسة تفرقت طرقنا ولم تكن هناك فرصة للتعارف، ظننت أنا أنه إعجاب عابر سيزول بمرور الوقت، وهو ما حدث بالفعل لولا ظهورها مرة أخرى، و..
تبددت شجاعته قليلًا بنهاية عبارته فبترها ثم قال بتعبير مُكلل بالأمل:
_أتوافق على أن أتزوج ابنتك يا حاج فؤاد؟ أنا معلم أول لغة عربية، وأملك شقة أعيش بها مع بنات شقيقي الراحل، لم يسبق لي الزواج من قبل ويُشرفني أن تكون ابنتك هي رفيقتي مُستقبلًا، حالتي المادية ميسورة وأستـطيع _بفضل الله_ أن أؤمن لها مُتطلباتها.
عند هذا الحد سكت وانتظر في ترقب، الآن بات يحس بشعور أولئك الطلبة الذين يتسلى بإثارة توترهم قبل إعلانه درجاتهم!
_وإن وافقت على زواجك بابنتي في شقتك، أين ستعيش بنات شقيقك؟
فاجأه الحاج فؤاد بسؤاله بملامح مُصمتة، ونبرة تختصر الكثير، فاعترى القلق خلجاته وسأله مُستوضحًا:
_ماذا تعني يا حاج؟
مط الحاج فؤاد شفتيه ثم قال في بساطة:
_أعني أن سلام ستعيش هنا ببيت زوجها بإذن الله، لكن ماذا عن شقيقتيها؟
هز كتفيه يجيبه تلقائيًا:
_ابنتا شقيقي تعيشان معي، ببيتي، لكنهما تقيمان لدى خالتهما بمحافظة أخرى أثناء الدراسة لأن الجامعة التي تدرسان بها قريبة منها كثيرًا.
_وفي العطلات؟
_بالتأكيد تعودان إلى بيتهما!
مال الحاج فؤاد بظهره إلى الأمام قليلًا وأرخى عصاه ليستند بكفيه على مقبضها، ثم نطق في جمود:
_إذن أنت تريد أن تترك ابنتي بيت والدها كي تشارك ابنتي شقيقك بيتك؟
تحفز جسد الأستاذ ضياء وانحسر شعور الأمل عنه تدريجيًا ليسأله في استنكار:
_أليس هذا هو الطبيعي يا حاج؟!
راقب الحاج فؤاد انفعالاته الواضحة في صمت مُثير للانزعاج، قبل أن يقول وهو يدير نظره بأرجاء صالة الاستقبال الفسيحة:
_ولماذا لا تأتِ أنت وابنتا شقيقك لتعيشون هنا؟ البيت يسع الجميع!
اكفهر وجهه حالما فطن إلى ما يقصده، ليقف فجأة قائلًا بصرامة نافست خاصته:
_لأن البيت مسؤولية الرجل يا حاج، أظنك أكثر دراية مني بالأصول!
كتم الحاج فؤاد ابتسامة ماكرة على أعتاب ثغره وهو يُقارن بين الرجل الماثل أمامه وبين ابن شقيقه الذي يُقيم بالبيت منذ الأزل بلا منفعة حقيقية، ثم هتف في بعض الحدة:
_تريث يا رجل واجلس! ما بالك مُندفعًا هكذا؟!
وتابع مُتمتمًا في تعجب:
_بالتأكيد لم ترث سلام مهارة التفاوض منك أنت!
ثم سأله تلقائيًا:
_لماذا لم تأتِ معك؟
عبس مُستسلمًا لذلك الإحساس المُقيت بالذنب بسبب جفائه معها منذ إقرارها بما فعلت، فقال في حنق:
_لأنني نهرتها بسبب..
_لا ينهرها أحد! لا يزعجها أحد! لا أنت، ولا ياسر، لا أحد على الإطلاق!
دُهش ضياء للغضب الذي تسيد عبارة الرجل وكأنه ضايق أحد أفراد عائلته هو، وللسخرية كاد يعتذر له، إلا أن استعادة العجوز هدوء ملامحه مرة ثانية جعلته يقول في تهور:
_هل.. هل بإمكاني التحدث مع والدة ياسر قليلًا؟
لم يستطع الحاج فؤاد منع نظرة الغيظ التي رمقه بها، ولا التهكم الذي تراشق مع كلماته:
_يا رجل! العرق يتساقط منك منذ دقائق ولا تستطيع التحدث لنصف دقيقة متواصلة من فرط التوتر، والآن حلَّت عليك الجرأة لتتحدث مع ابنتي فقط؟!
ارتبك الأستاذ مرة ثانية، ليشعر _مرة ثانية_ بإحساس الطلاب الذين يقوم بإحراجهم بين الجميع حين يرتكب أحدهم من الأغلاط أبسطها!
همَّ بالرد في اعتذار إلا أن الحاج فؤاد وقف في حنق ليتجه إلى الخارج مُتمتمًا بصوت سمعه جيدًا:
_لا فائدة تُرجى! لا رزين بينكم سوى نضال!
**********

بالشقة التي تركتها منذ بضع أيام مع زوجها وأحد ابنيها جلست على أريكة وثيرة تمسح على وجهها مرارًا علَّ سخونته تهدأ ولو لِدقائق، بينما يربت زوجها على ظهرها ويدفع تجاهها بكوب من عصير الليمون!
"لا أصدق مدى الجنون الذي حلَّ بهم! كُلما قاربنا على إعادة الأمور إلى نِصابها الصحيح ظهرت تعقيدات جديدة من حيث لا ندري!"
هتفت وهي تضرب بيدها الحرة على فخذها، فسحب منها زوجها الكوب وعلَّق في احتجاج:
_بالتأكيد جنت شقيقتكِ! أي امرأة تفكر بالزواج بعد كل هذه السنوات؟! لماذا لم توافق عقب وفاة زوجها؟
تطلعت إليه في حيرة لا تدري كيف تُجيبه لأنها لا تزال غير مستوعبة بعد، فأجج هو نيران غيظها وأضاف في امتعاض:
_ما لا أفهمه إطلاقًا هو عدم استنكار عمي، ظننت أنه سيرفض بلا تردد!
_أنت تعلم أنه لم يُبدِ أية اعتراضات من قبل على زواجها منذ سنوات على النقيض منها هي، لكن حينذاك كان يتقدم بطلبها من يليقون بمصاهرة عائلتنا، لا مُعلم لطلاب الثانوية يتقاضى أجرًا زهيدًا كل شهر!
هتفت في قهر ثم أشاحت بوجهها بعيدًا عنه في خزي، وتابعت بصوت لا محل للثقة به:
_لكن ربما.. ربما لا يزال هناك أملًا، منذ يومين رأيت ياسر يخرج من غرفة أبي غاضبًا وأُخمن أنه بسبب هذا الأمر، أشعر أنه لن يوافق!
ضحكة ساخرة ندت عنه قبل أن يرد في غيظ:
_لكن هذه المرة يبدو عمي مُرحبًا بشدة، بل.. مُصممًا!
وافقته عزة رغمًا عن أنفها، فهذا تحديدًا ما يُثير تخوفها..
والدها يشجع شقيقتها على الزواج، ربما كان يُسدي لها النصائح من قبل ويبقى صامتًا تاركًا لها حرية القرار، إلا أنه هذه المرة يبدو وكأنه يحثها حثًّا على فعلها!
لكن.. ربما لا يزال الرهان مُتمثلًا بآخر!
وقفت لتواجهه وقالت في نبرة منتصرة:
_أماني لن تتخذ خطوة يرفضها ابنها، ثق بهذا!
مط سمير شفتيه واكتفى بهذا ردًّا حتى يثبت العكس، فعاجلته في نزق:
_أين هو ابنك إذن؟ لماذا طلب منا الحضور وهو بالخارج؟!
هز كتفيه بلا معنى ثم قال في تهكم:
_لا أعلم، أخشى أن يتأخر فنعود لِنجدهم يقيمون الأفراح بالبيت!
نال منها الاضطراب أكثر وهمَّت بالتعليق، لكن صوت الباب الذي فُتِح جعلها تصمت وتستدير لتستكشف أي من ولديها قد جاء..
"ماذا بكما؟"
سألهما في توجس ما إن رأى القلق متربصًا بملامحهما فعاجلته والدته في استغاثة:
_ألم تعلم بعد يا هاني؟! خالتك ستتزوج!
ويبدو أنه لم يكن يعلم بالفعل، حيث تنقلت نظراته بينهما في ابتسامة أخذت تنحسر تدريجيًا ليلحقها سؤاله المُرتاب:
_أأنتم لا تمزحون؟!
اكفهرت ملامح والده بسخط بينما تمتمت عزة في تحسر:
_لتوه شقيقك خبرني أن العريس بالبيت الآن كي يتعارف على عروسه!
_لم يعد هناك عاقلًا واحدًا بذاك البيت إذن!
غمغم هاني في استهزاء وهو يمنع الضحك الذي يوشك أن يفجر صدره حتى لا تنهره أمه التي يبدو وكأن أعصابها ستنهار بأية لحظة، ثم تنحنح راسمًا ملامح جادَّة مُناقضة للاستهتار الملازم له، وقال بعد أن ضمن انتباههما:
_لقد التقيت اليوم بالموظف الذي سيتولى شؤون الأرض، اتفقت معه على الأمور كلها، وإن كان جدي قد منحنا الأرض كي نفشل في الحفاظ عليها فسيخيب أمله كثيرًا.
مالت والدته بجذعها وانبثقت اللهفة من تعبيرها أثناء سؤالها:
_هل أنت جاد يا هاني؟
ابتسم في ارتياح وأمأ برأسه، ليؤكد لها:
_اطمئني يا أمي! تلك الأرض التي ألقاها لنا على هيئة إحسان لن يعود له الحق للمُطالبة بها عندما يلاقي ازدهارها إلى حد لم يرسمه بمخيلاته!
ضحكة ساخرة أفلتها والده قبل أن يُعلق:
_وماذا بعد؟ هل بات جل طموحنا الآن إدارة الحقول وتغذية الماشية؟!
_لا يا أبي! إنها البداية وحسب.
دون تردد تحدث هاني، ثم أزاح الإصرار ذلك الارتياح جانبًا ليُضيف في وعد:
_وما إن يتأكد فؤاد الكردي أنني خالفت توقعاته وضاعفت له الأرض التي عاقبنا بها سيعيد إليّ حقي..
ثم أردف في وعيد:
_سيُعيد إليّ المصنع!
**********
ارتفعت وتيرة نبضاتها إلى حد لم يعد بإمكانها تحمله بينما لم يتوقف ذهنها عن إلقاء اللوم عليها لتقبلها هذا الجنون حيث وجدت نفسها تمرح فجأة!
"هل ياسر هنا؟"
أجفلت لسماع صوته وقد ظنت أنه لن يتحدث مُطلقًا، اختطفت نظرة سريعة حيث يجلس قبالتها ثم أجابته في توتر:
_لا، هو بزيارة زوج ابنة خاله.
أومأ الأستاذ ضياء برأسه والشجاعة تجد طريقها إليه بالتدريج فطالت نظرته لها هذه المرة، ابتسامة حلَّت على وجهه عندما لاحظ أن لا اختلافات شديدة طرأت على ملامحها رغم مرور ما يزيد عن السنوات العشر مذ رآها بآخر مرة!
أجلى حنجرته ثم بدأ يُخاطبها في هدوء:
_أعلم أن الموقف مثير للارتباك قليلًا، لكن هل لكِ أن تنصتي إلى ما سأقوله؟
تدافعت نبضاتها والاضطراب يستشري بدمائها أكثر، إلا أنها وافقت بإيماءة سريعة لم يكن ليراها لو أنه لا يُدقق بها!
_وهل لكِ أن ترفعي رأسكِ وتبادلينني الحديث؟
تناهى إلى سمعها ضحكة خافتة بآخر سؤاله، فابتسمت في خفر ورفعت رأسها ببطء ليُعاجلها قبل أن تتراجع:
_أظن أنكِ على علم بظروفي المادية جيدًا لذا لا حاجة لنا بالخوض في ذلك الشأن، لننتقل إلى الأهم!
سكت ليعبئ صدره بشهيق طويل ثم سألها في اهتمام فائق:
_في البدء، هل لديكِ أية اعتراضات على مبدأ الزواج؟
ورغم وشوك ردَّها التلقائي بالإيجاب فإنها قد ترددت لوهلة قبل أن تهز رأسها نافية لتشمل ابتسامة دافئة محياه ويقول مازحًا:
_حُزت أولى الدرجات إذن! بداية مُبشرة للغاية!
تجاسرت أخيرًا فأمعنت النظر به في استكشاف نسائي فضولي بحت، وبلا جهود أدركت أنه يتأرجح بين الارتباك والثقة، يبدو ظريفًا، مُنشرحًا، ملئ بالحيوية!
اختلست النظر إلى حيث يجلس والدها بملحق صالة الاستقبال مُتظاهرًا بمتابعة التلفاز، كما اعتاد أن يفعل بالمرات القليلة التي كان هارون يقوم بزيارة لين قُبيل الزفاف، وكما يواظب الآن أثناء زيارات نضال لغفران.
لاحت ابتسامة حنونة ممتنة على شفتيها ثم انتقلت إلى المُعلم الذي يقوم بدور الطالب المتوتر الآن انتظارًا لاختباره!
_لماذا لم تتزوج حتى الآن؟
خرج السؤال دون تريث أو تخطيط بعد أن تحرر من لجام رقابة فرضتها على لسانها منذ علِمَت بطلبه، فمال رأسه وأجابها دون مراعاة للدهشة التي تتضاعف بعقلها:
_لم يقدر لي الله بَعد.
أيظن أنه بهذه الإجابة قد أنهى تساؤلاتها؟!
أو يظن نفسه شابًّا بمقتبل عمره من الشائع أن يتمسك بعزوبيته؟!
تضافر الارتياب مع الإصرار بنظرتها حتى أضافت إليها نبرتها المُصممة وهي تسأله في شك:
_أتعني أنك لم تفكر بالأمر من قبل؟ هل كنت تنتظر تهيئة نفسك ماديًّا؟!
والسخرية التي لَذَعت سؤالها الثاني لم تزعجه، إنما مسته بنوع من التردد قبل أن يختار الصراحة مسلكًا مُختصرًا ليُجيبها:
_بل كنت على وشك الزواج منذ خمسة عشر عامًا بالفعل، لكن وفاة شقيقي وزوجته _رحمهما الله_ حالت دون ذلك.
_وكيف حالت وفاتهما دون ذلك؟
سألته بانتباه شاركها به والدها الذي أشاح برأسه بعيدًا عن الشاشة إليهما، ليستمع إلى إجابة الرجل الذي اعتمد رأيه به بالفعل منذ قليل..
_كنت خاطبًا حينها، شقيقة أحد زملائي، لكن.. بعدما انتقلن بنات شقيقي إليّ أمسى من الصعب أن أُثقلها بهكذا مسؤولية، خاصًة وقد كانت ببداية عقدها الثالث، كنت لأكون مُجحفًا لو أنني طالبتها بما ليس بمقدورها بعد!
فاتته نظرة التأثر التي رمقته بها ونظرة الاحترام التي طالته من والدها، ليتابع مُبتسمًا في سماحة:
_لِذا افترقنا بكل تهذيب، حتى أن علاقتي بشقيقها لم تتأثر حمدًا لله!
لا يبدو في الخمسين أبدًا كما خبرها والدها، بالتأكيد يمارس الرياضة بانتظام!
إلى هناك سافر عقلها حتى انتبهت إلى سكوته، فعلَّقت بأول ما جال بذهنها:
_أنت شديد التعلق ببنات شقيقك، ألم تشعر بانزعاج لأنك تنازلت عن تكوين أسرتك الخاصة حتى تستطيع رعايتهن؟
هز رأسه نفيًا ليقول في حماس شاركته به دون أن تعرف السبب أثناء إصغائها إليه:
_أحب التفكير في الأمر من منظور آخر.
ثم بدأ يتحدث وهو يشير عشوائيًا بكفيه، مُتخذًا وضعية المعلم الذي يحصل على تركيز طلابه بكل وسائله، وقد حصل بالفعل على كل تركيزها بينما يتابع عن اقتناع غبطته لأجله:
_دعينا نتفق على أنه لم يُكتب لي الزواج بالفعل! حتى لو لم يتوف شقيقي لم أكن لأتزوج، إلا أن الله أراد أن يعوضني بهن، منحني السلوى فيهن، ورغم أنني كنت أتمنى دومًا أن أُرزق بصبي يُعينني في الكبر فإنني لا أستبدلهن بأي شيء!
أنهى عبارته ونظر لها مُترقبًا، ولِوهلة ودعت أماني التي أفنت سنواتها الأخيرة لتستعيد أماني فاتنة عائلة الكردي..
تشعر أنها صغيرة؛
مُشاغبة؛
حرة؛
تشعر أنها _لأول مرة منذ أمد_ تهتم بشيء لا صلة له بابنها!
ولماذا هذا الرجل يا أماني؟
ربما ليس الوقت مناسبًا لأن تلقي على نفسها هذا السؤال بينما هو قبالتها جالسًا فوق مرجل، ووالدها على بُعد مسافة قريبة بدأ يتخلى عن دور الأب الوقور ليسلم الراية للآخر الغيور!
لكنها بالفعل تتمنى أن تفهم، أن تفسر، أن تجد دافعًا واحدًا لهذا الانجذاب الذي لم يتسلل إليها منذ الرؤية الشرعية التي التقت خلالها بزوجها المرحوم!
لقد رفضت الكثير ممن تقدموا للزواج بها، كانت تعلم أن بعضهم يطلبونها لأجلها.. والغالبية لأجل والدها!
لكن النتيجة في الحالتين واحدة، والتصريح ذاته يتكرر كل مرة مع اختلاف طفيف لا يؤثر كثيرًا..:
"لقد وهبت حياتي للاهتمام بابني، لن أتزوج وياسر صبي في الثانية عشر.."
"لن أتزوج وياسر مراهق!"
"لن أتزوج وياسر شاب على وشك الزواج بالفعل!"
أما الآن.. لماذا لا تجرب الانصياع لنصيحة والدها؟!
_السؤال التالي!
قالها الأستاذ ضياء والتوتر يفضح صوته حينما طال صمتها، فسألته وقد تغلبت أماني الأم على أماني.. العروس:
_هل.. هل ستؤثر نتيجة هذا اللقاء على خطبة ابني بابنة شقيقك؟
غشى الاشتياق عيني الرجل بلا مراوغة، وردَّ في حنين لا يخفى على أحد:
_بالطبع لا! أنا.. أحب ياسر حقًّا، أفتقد رفقته، أفتقد نقاؤه وصراحته، حتى مشاكساته حول كرة القدم أفتقدها كثيرًا.
انتابتها راحة لم تتساءل عن مصدرها، حولها هو إلى فخر ما إن أردف وهو يحملق فيها بإعجاب جليّ أكثر من المطلوب:
_هنيئًا لكِ فقد أجدتِ تربيته بالفعل!
وصوت نحنحة والدها المُعترضة بدد تلك الغيمة التي طافت بهما إلى عالم غريب، تملك منها الخجل وعيناها تبرقان في خزي من مراهَقة لم تكن تدرك أنها لا تزال كامنة بها، وأكله القلق ما إن رأى والدها يستقيم ثم يتجه إليهما ليُصافحه قائلًا:
_سوف نتحدث هاتفيًا يا أستاذ ضياء! امنحنا الوقت لصلاة الاستخارة!
وقف في حرج وكذلك فعلت تطرق برأسها أرضًا، تمتم بكلمات غير مفهومة وهو يتبع الرجل إلى الخارج، ذلك الأخير اختلس لها نظرة أخيرة إليها جعلتها تضحك بصوت مكتوم، وما إن عاد والدها حتى هتف بها في حنق بلا مُقدمات:
_ظللتِ تؤكدين لي أنكِ ترفضين المبدأ نفسه، الرجال في عينيكِ سواءً ولا أهمية لهم، لن يؤثر أحد مهما كان في عزوفكِ عن الزواج، وما إن جاء هو يُلقي عليكِ أحد موضوعات التعبير خاصته حتى أخذتِ تُبحلقين فيه بهيام وعُدتِ تلك الصغيرة المُدللة!
اتسعت عيناها في دهشة فتابع في سخرية:
_ألا تصدقينني؟! انظري إلى وجهكِ بالمرآة!
هَمَّت بالرد لكنه عاجلها في غيظ:
_ثم هل هو حقًّا بالخمسين؟! أهذه نظرات رجل ناضج، معلم رصين؟!
زمت شفتيها وفشلت في العثور على رد مناسب، ترددت ابتسامة اطمئنان على شفتيه وهو يدرك أن نتيجة اللقاء أفضل مما تمنى ويستشعر نَيْلها سعادة لم تسع إليها من قبل..
لكنه سرعان ما عقد حاجبيه وأولاها ظهره عائدًا إلى غرفته مُغمغمًا في استياء:
_الآن_بكل أسف_ أدركت أن هارون هو نعمة وفضل من الله!
**********

وقفت مُنهَكَة تتطلع إلى فراشها المُغطَّى بالأكياس التي قضت نهارها في التسوق لشرائها بصحبة لين، حيث أصرت على مرافقتها بحجة خبرتها بالخامات التي تناسب العرائس، وإيلاف التي كانت تبدي اعتراضها على بضع قطع رأتها فاضحة أكثر مما يجب، ووالدتهن التي كانت تكتفي بمراقبة ثلاثتهن في مزيج من عدم تصديق لهذا التناغم الواضح بينهن والامتنان لذلك مع ندم كان ظاهرًا رغم محاولاته إخفائه، وبطريق العودة خبرتهن لين بأمر حملها.
ذكرى سيئة مُقبضة تدخلت بعقلها لتفسد فرحتها، ذكرى عن أكياس أخرى سابقة، أربعة بالتحديد، ظنت أن باستطاعتها عن طريقها الهرب من واقعها البائس ولو لقليل من الوقت فكان أن سقطت تحت سطوة الابتزاز في حينها!
الآن هل ينبغي أن تجرب بعض هذه القطع أم لا؟
أمسكت منامة حريرية زرقاء يحفز ملمسها على الاسترخاء قبل حتى أن تقرر ارتدائها، أغوتها الفكرة لثوان قبل أن يتلبس الحزم ملامحها لِتعيدها إلى الكيس في صرامة..
لن ترتدي أي منها إلا ببيت نضال، له وحده، لترى ردة فعله عندما تصير زوجته..
لكنها عوجت شفتيها وأخذت تنظم بقية الأكياس مُتمتمة في تبرم:
"عسى ألا يواري وجهه خجلًا حينها!"
ظلت ابتسامتها تتأرجح على شفتيها حتى انتهت من تنظيم كل الأغراض التي ابتاعتها في حقيبة كبيرة ودفعتها إلى جوار الخزانة، وما إن همت بتبديل ملابسها حتى ارتفعت طرقات على الباب..
"ادخل!"
هتفت بصوت عال لتسمع المحاولات الفاشلة لفتح الباب من الجهة الأخرى، أعقبها صوت عمتها المغتاظ:
_هل عدتِ لإيصاده بالمفتاح وكأن هناك لصًا يتربص بكِ؟!
زفرت غفران في ضيق وهي تنتبه لأنها بالفعل عادت لاتخاذ اجراءات احترازية كانت قد تخلت عنها لأشهر!
لكن بعودة اللص إلى الدار لا تملك إلا أن تفعل مُجددًا حتى ترحل إلى عش الزوجية الذي بدأ خطيبها بالفعل في تجهيزه على قدم وساق.
_هناك فتاة بالأسفل تطلب لقائكِ، تنتظركِ بالحديقة ولا ترغب بالدخول!
جاءتها نبرة عمتها وهي تبتعد بعد أن أبلغت الرسالة، لتشهق غفران في ذهول ثم تهتف:
_سدن!
_أخيرًا يا سدن!
_غفرتِ لي يا سدن!
في تهور، وارتباك، ولهفة سارعت بلف حجابها، فتحت الباب بنزق وهرولت على الدرجات لتهرع إلى الحديقة تسبقها عيناها التي أخذت تمشط عن صديقتها الوحيدة..
نظرة واحدة اختلستها إلى المرآب فاكتنفها الضيق حالما لم تستطع التأكد من وجود السيارة التي تبغضها كصاحبها أو عدمه؛
ثم نظرة أخرى متشوقة إلى الفتاة التي تنتظرها؛
خيبة أمل.. دهشة؛ ثم حرج!
ابتسمت رغمًا عن خذلان أمنيتها وتقدمت في تساؤل أجابتها عنه الضيفة قبل أن تنطقه:
_اسمي.. علياء!
والاسم بدا لها مألوفًا، وسرعان ما ساعدها ذهنها اليقِظ على الاستنتاج فقالت في ترحيب:
_أنتِ زميلة لؤي، أليس كذلك؟!
حدقت علياء بها وصراعها على أشد ما يمكن..
تتمزق؛ تتردد؛ وبالنهاية:
_لا تتزوجي بشقيق مهند!
ألقت بنصيحتها قبل أن تستسلم لخاطر يتوسلها التراجع والهرولة في هروب، وفورًا وجمت ملامح غفران وسألتها في بلاهة:
_ماذا؟!
انتهت الفرصة ولم يعد للتراجع أي مكان، أمعنت علياء النظر بها في أسف وقالت بنبرة نادمة هجم عليها البكاء:
_لا تتزوجي به! أنتِ ضحية لعبة حقيرة تشاركنا بها أنا ومهند، ولا أستبعد أن يكون هو أيضًا على علم بالأمر كله!
تسلل الحنق إلى غفران وهي تستشعر أن هناك تسلية ما تُمارَس على حسابها، دار رأسها في الحديقة باحثة عن شقيقها فلم تجده، لكن على أي حال لن يتمادى لؤي في مشاكستها إلى حد إشراك زميلته معه!
عادت إليها تتسلح بصرامة شرعت في نقلها إلى توبيخها، لكن علياء تابعت بشفتين مرتجفتين كطفلة تستعد لتلقي العقوبة على حماقة أفعالها:
_أتتذكرين صوركِ الشخصية التي ترتدين بها ملابس خاصة بعض الشيء؟!
شهقة هربت من فم غفران الذي بقى مفتوحًا لثوان حتى جف حلقها، أتبعته بتراجعها بضع خطوات إلى الخلف حتى كادت تصطدم بشجرة ضخمة اعتادت أن تختبئ خلفها في طفولتها أثناء لعبها مع شقيقتها..
الاختباء.. الآن ما أجمله!
_ بمَ تهذرين؟! أية لعبة؟! أي صور؟!
همست، لم تقدر إلا على همس ذاهل بعدما كبَّل الذعر انفعالاتها وشلَّ الفزع أوصالها!
وعمدت إلى مواصلة الهرب حتى الرمق الأخير فادعت الغباء وهي ترسو على احتمال وحيد أرشدها إليه عقلها من قبل..
آنذاك لَمَّا تأكدت أنها لم تفقد هاتفها خارج البيت مُطلقًا أرجحت أن الصور قد سُرِقت من حاسبها النقال عندما دأبت على أخذه معها إلى الصيدلية بضع مرات!
وأخيرًا تحرر لسانها نوعًا وخرجت عبارتها التالية مبحوحة، مذبوحة:
_هل تقصدين الصور التي.. كانت على حاسبي النقال.. كيف تعلمين أنتِ بشأنها؟!
"غبية يا غفران! مهما ادعيتِ العكس!"
نعتتها سدن بهذه العبارة بمكالمتهما الأخيرة بعدما أفسدت هي حياتها، وها هي على وشك التأكد من مصداقيتها!
في خفوت أقرَّت علياء تُنبهها عمَّا غاب عنها:
_كانت على هاتفكِ أيضًا، وكانت.. معي!
شهقة أخرى ندت عنها لكن علياء تابعت لتتخلص من قيد إثمها:
_أنا من أرسلتها إليكِ لأقوم بتهديدكِ عن طريقها!
أسئلة تتناحر بذهنها؛
لماذا؟ كيف؟ متى؟
تجاوزتها غفران عدة خطوات تجاه البيت مُوشكًة على العدو بعيدًا عها فلاحقتها علياء لتمسك بيدها في إصرار وهمست لها خشية أن يسمعها أحد:
_لكن من سرقها في المقام الأول هو مهند.. شقيق خطيبك!
طنين اخترق سمعها جنبًا إلى جنب مع صفعة هوت على قلبها؛
شلل تام امتد من رأسها نزولًا إلى قدميها، ثم عاد مُصطحبًا وجع بنكهة الإدراك، قهر بمذاق المعرفة، إفاقة بواسطة مِطرقة الحقيقة.. مِطرقة ألم نزولها على روحها يترامى كَسَرية نشرت فصائلها لتهاجم أرضًا مُسالِمة؛
لا تُبدي أية مُقاومة؛
لتخر صريعة دون دفاع أو فرصة للمُحاكمة!
وبالنهاية رَنَّ صوته في جنبات عقلها لينشب مخالبه بصدرها..
"ذكية يا غفران! ولَكَم يخفيني هذا الذكاء أحيانًا!"
ومنذ ثلاثة أيام تمتم بها فلم تسأله عن مقصده، والآن فقط حان موعد حصولها على التفسير..
المرير!
*****نهاية الفصل السادس والعشرين*****



تعليقات