📁 آخر الروايات

رواية علي ضفة قلبك ظمآن الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم سعاد محمد

رواية علي ضفة قلبك ظمآن الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم سعاد محمد


دالفصل الرابع والعشرون
(عَدّْ تنازلي)
وقف بِمكانه دون أن يرد وهو ينظر لصديقة زوجة أبيه، وشريكتها في كل خطواتها، بدءًا من تجهيز غرفة نوم العروسين بشقة والدته لها بينما تلك الأخيرة تبكي في ألم فتظاهرت بعدم الاستماع، حتى إحداث بعض الإصابات الغائرة بصديقتها ثم تأجير شهود زور يقسمون أنه من فعلها بينما هو لم يكن بالحي كله تلك الليلة..
فور أن انصرف مهرولًا من سطح المنزل بعد أن تراشق بالألفاظ مع علا ليتوعدها بأنه سيخبر والده عن طلبها من زوج صديقتها إقناعه ببيع المحل له.. مُقابل منفعة مادية لها بالطبع!
لكنه أخطأ فدفعها كي تبتعد عن طريقه، سقطت أرضًا تتأوه، ثم صرخت تستغيث ببعض الجيران الذين رأوا لمحة عابرة مما حدث، ليختار هو الابتعاد قدر ما استطاع..
سار حتى تورَّمت قدماه وصعد الألم حتى رأسه، توقف بمنتصف الشارع الهادئ الذي لم يدر كيف وصل إليه، كاد يرمي بثقل جسده على مقعد محطة الحافلات لكن نظرة عابرة منه إلى الجانب الآخر جعلته يتحمل قليلًا حتى قطع الطريق في إرهاق، في وجع، وفي.. شوق!
أمام النهر جلس يتابع صفحة المياه الرقراقة فقفزت صورتها إلى ذهنه على الفور..
أيُهاتفها الآن؟
أيُخبرها أنه بحاجة لها؟
أيعترف لها بأنه عشقها منذ سنوات، وبأنه يقتنع تمام الاقتناع أن عودتها لتكون زوجته هو دون سواه هي مكافأة من ربه لابتعاده عن كل ما يخصها دون أن يفصح للجميع عن غدر صديقه به؟
ابتسم في تهكم مُستعيدًا وجهة نظرهها في زواجهما الذي تراه ليس أكثر من وسيلة لرد إحسان عائلتها تجاهه..
من المُفترض أنهما أقرب ما يكون؛
لكنهما شتيتان..
كلاهما على جانب يبتعد عن الآخر بمسافة لا حصر لها؛
وكأنه على هذه الضِفَّة يحاول الوصول إليها.. بينما هي على الأخرى توليه ظهرها كما لو أنه غير مرئي!
لكن ربما.. لا زالت الفرصة قائمة، سيطلب من الحاج فؤاد إعلان عقد قرانهما، وسيتزوجها دون تأخير حتى لو قرر الاستدانة لتجهيز ما ينقصه، وحالما يختلي بها سيُقر أمامها بالحكاية من وجهة قلبه هو!
والآن ها هو يبتسم في سخرية من حسن ظنونه فهذه المرأة الآتية تجاهه كانت أحد أسباب تأجيل أحلامه لمدة ليست بالقصيرة!
وصلت سهام إليه لتبادره في توتر بعد أن اعتقدت أنه يبتسم مُرحِبًا بها:
_لقد هاتفتك كثيرًا خلال الأيام السابقة فلم تجبني، يبدو أنك قد غيرت رقم هاتفك.
جمدت ملامحه فجأة ليرد في خشونة ودون أي ندم:
_لا لم أغيره، كنت أعلم أنكِ أنتِ من تتصلين بي وتجاهلت اتصالاتكِ عمدًا!
أخفضت رأسها خجلًا ثم قالت سريعًا بنبرة آسِفة:
_يحق لك الغضب مني، أعلم أنني أخطأت بحقك و..
وارتعد جسدها حينما قاطعها هاتفًا في استخفاف:
_أخطأتِ بحقي؟! لقد ساهمت شهادتكِ الزور أنتِ وزوجكِ ومن استأجرتموهم في سجني لأشهر كادت تصل لعام كامل، ولماذا؟! لأنكِ تريدين مجاملة صديقتكِ اللعينة!
دمعت عيناها وحاولت الوصول إلى كفيه لتُقبلهما فأبعدهما عنها وتراجع إلى الخلف راسمًا تعبير حاقد لم يتعمده لكنه أيضًا لم يحاول الحد من قوته، فيما قالت هي بِمذلة:
_سامحني يا ناهل! أرجوك أن تسامحني! لقد انتقم لك الله مني، سيُخرب بيتي وسيتشردون أولادي، ساعدني أتوسل إليك!
عقد حاجبيه لا يفهم شيئًا، فمسحت وجهها بسرعة لتتابع في كلمات مُتلاحقة:
_أنا على أتم الاستعداد لأن أخبر جميع من بالحي أنك ظُلمت، وأنك لم تُصبها بتلك الإصابات التي أدت إلى علاجها.
ورغم دهشته من تبدُل موقفها فقد رد مُدافعًا عن نفسه:
_لم يصدقكم أحد بالحي في الأصل، الجميع يعلم أنني لو كنت أريد إيذائها لكنت قتلتها يوم أن ماتت والدتي فور ظهورها بحياتنا، لكنها رغبت بأن تُقصيني عن طريقها حتى تستولي على حقها.
ثم أردف في ابتسامة شامتة:
_عسى أن تستطيع تحمل مسؤوليته!
تضاعف خوفها مع إدراكها بأن مهمتها على قدر من الصعوبة أكبر مما ظنت عندما ظلت تحاول الاستغاثة به طيلة الأيام السابقة، فعادت تذرف الدموع مرة ثانية، في غزارة، وفي قهر، وقالت:
_أنت على حق يا ناهل، أنا مذنبة، أسأت لك وشاركت في ظلمك وأستحق العقاب، لكن أولادي لا ذنب لهم، أنت لن تقبل أن يدفعوا ثمن خطئي أنا.
اتسعت عيناه دهشًة وهتف بها:
_ما شأني بأولادكِ أنا؟! لا علاقة لي بهم!
دون تردد أجابته بين شهقات بكاءها التي لا تتوقف:
_سيتشردون، سيتزوجها عليّ رغم أنه يكبرها بالكثير، سأموت بحسرتي وهو ينفق عليها ما ادخرته أنا لسنوات، لم يعد ينام ببيته ولا يتحدث إليّ إلا لمامًا، بالأمس هددني بالطلاق لأنه لم يعد يتحملني، سيُطلقني لأجلها فأنا متأكدة أنها ستُقنعه بفعلها، لقد قالتها لي قبلًا، قالت أنها تعلمت من خطئها مع والدك ولن تكرره، أقسمت أنها إن أرادت الزواج برجل سيكون لها وحدها ولن توافق بالمشاركة ثانية.
مع كل عبارة كان هناك تغريدًا عذبًا يُطرب أذنيه؛
رِفقة كل دمعة كانت هناك ندفات من جليد مُنعش تُنثَر على ستار غضبه، وتُطفئ ذلك التوهج الذي ما انفك يتقد بروحه؛
وبمقابل إعلان كل هزيمة رَفَع هو مئات رايات الانتصار!
ولم تنتبه هي لصمته لتحاول ثانية أن تُقبل يديه فتفشل فتابعت في خنوع:
_أتوسل إليك أن تفعل شيئًا، أخاف أن أستنجد بشقيقها فتنتقم مني فأنا أعلم تمامًا ماذا بإمكانها أن تفعل، أنت وحدك من تستطيع التصدي لها، إنها تخشاك كثيرًا حتى وإن أظهرت صمودها.
وبِنهاية عباراتها توقفت عن محاولة مسح دموعها لتترك لها العنان، فخرجت في أنَّات مقهورة، أغمضت عينيها لثوان ثم فتحتهما تترقب رده.. فهالها اتساع ابتسامته!
حبست أنفاسها وهي ترى الرفض بأم عينيه قبل أن تسمعه، لكنه كان كريمًا إلى حد أكد لها اعتقادها فقال في تشديد على كلماته:
_لم تتوقعي أن تلتقي بملاك حين قصدتِني أليس كذلك؟! أنتِ حضرتِ زفافها على أبي بينما أمي تتوسله ألا يجعلها تشاركها بيتها، أنتِ رتبتِ ملابسها الجديدة في خزانة أمي، صفقتِ، زغردتِ، رقصتِ وشجعتِ، لم تنصحيها لمرة واحدة ألا تقترن برجل يظن أن التعدد فرض والعدل سنة غير مؤكدة!
واحمر وجهه بفعل الغضب الذي صاحب أسوأ ذكرياته، ليُردف بقسوة:
_لا أهتم إطلاقًا بذعركِ أو بندمكِ، فلتذوقي المُر ذاته ولتعاني الانكسار نفسه!
ثم رَفَع ذراعيه بينهما ليُضيف في عذاب:
_فهكذا شعرت أمي قبل أن تستسلم تمامًا بين ذراعي هاتين!
واختتم حديثة بنظرة حملت ما استطاع إظهاره من كراهية، وبلا تردد استدار ليُتابع طريقه إلى المحل.
**********

"جدي!"
في تعجب نطق ياسر بصوت ناعس ما إن فتح باب غرفته بعدما انتزعته القرعات من قيلولة قصيرة حاول الحصول عليها فور عودته من المصنع، أزاحه جده عن طريقه بلا مبالاة حتى يدخل، وفي تمهل جلس على مقعد وأخذ ينظر إليه في صمت لثوان ثم قال آمرًا:
_اغسل وجهك وتعال!
حدَّق ياسر به مندهشًا وقد بدأت آثار النوم في التلاشي، ثم في طاعة اتجه إلى الحمام المُلحق لينفذ أمره المُقتضب، بعدئذٍ عاد ليتخذ من الأريكة المُقابلة مجلسًا، ينظر له مُترقبًا ويصغي السمع في اهتمام فائق..
_أراضٍ أنت عن أسلوب معاملتك لأمك؟!
بلا مُقدمات بادره مُتسائلًا فانكمش ياسر قليلًا وقد نال منه الخزي، خزي لم يشفع له لدى جده الذي تابع في حنق:
_أتدري أنها ربما تنام باكية كل ليلة بسببك؟
أطرق ياسر برأسه أرضًا لا يجد عذرًا يُقدمه، وكيف يفعل وهو لا يسامح نفسه بالأصل؟!
_فهمنا جميعًا أنك غاضب من تحكمها ومراقبتها وخوفها عليك، نعلم أنها تبالغ وقد باتت مهووسة لكنك لا تساعدها بخصامك هذا!
تملكه حنق نادرًا ما يسمح له بالظهور أمام جده فهتف:
_أيخاصم المرء أمه؟! أنا لست سعيدًا، لست راضيًا، ولست أشعر بالراحة!
في هدوء علَّق جده:
_لكنك تعاقبها!
وفي نزق صاح مُستنكرًا:
_ومن أنا لأعاقبها؟!
ثم انتبه إلى وقاحته فبان الندم بعينيه قبل أن يستدرك في خفوت:
_أنا غاضب فحسب.
زم الحاج فؤاد شفتيه مُفكرًا في صمت، أخذ يراقبه في تدقيق ثم سأله:
_ألهذه الدرجة يهمك ذلك المعلم؟ إلى حد أن تبقى ناقمًا على والدتك من أجله؟!
في تردد قال ياسر:
_الأمر.. ليس على هذه الصورة يا جدي.
_إذن كيف هو؟
سأله جده في سخط، فرفع رأسه يُجيبه بحيرة جليَّة:
_لن تفهمني، لم يفهمني أحد من قبل ولم يفعل خالي حين ظننت أنه قد يصبح والـ..
بتر عبارته في مزيد من الحيرة، فتنهد جده ليقول في استفهام:
_ماذا تتذكر عن والدك ياسر؟
_القليل.
رد دون تلكؤ، ثم تابع يُزيده كاشفًا ما يختبئ بعقله على استحياء:
_أتذكر عنه القليل، لكنني رسمت بذهني الكثير!
حدَّق به قلِقًا ومُتسائلًا في جدية:
_ماذا تعني؟
بادله ياسر النظر بثبات، ثبات انتقل إلى صوته وهو يسرد إجابته السريعة الجامدة كحال فحواها:
_أعني أنه كان يحب عمله، كان مُستغرقًا به، كنا نتناول الطعام سويًا يوم العطلة فقط، فيما اقتصرت علاقتنا على تحية فاترة كل ليلة قبل نومي، هذا كل ما أتذكره.
ثم نال منه الشرود وأشار إلى رأسه مُردِفًا:
_لكن.. هنا..
أجلى حنجرته ولم يلحظ نظرات جده التي صُبِغَت بالشفقة، ثم طفق يتحدث مُبتسمًا وسبابته لا تزال مُلتصقة بجبينه:
_هنا سبحنا في البحر بالعطلة الصيفية، جلسنا في صبر ننتظر أن تبتلع بعض الأسماك الطُعم وعدنا لأمي مُهللين، هنا.. هنا ذهبنا إلى الملعب لنشاهد المباراة في حماس، ثم عدنا الطريق سيرًا نتناقش بشأن الفرص الضائعة والظلم الذي تعرض له فريقنا المفضل!
هجمت الدهشة على ملامح جده بينما سرى الألم وحده في عروقه مع استيعاب المعنى الذي ظهر واضحًا خلف عباراته..
لقد صنع مُخيلة أخرى يُحقق بها ما افتقد، مُخيلة حلَّت محل أب راحل، خال بالكاد يستطيع أن يهتم ببناته، و.. جد ظن أنه يلم بجميع شؤون أحفاده فاكتشف أنه لا يفقه منها إلا أقلها أهمية!
_صُدمت بحفيدك بالطبع!
سأله في حرج غطاه بالسخرية بعد أن طال سكوت جده، ثم تابع مُستهزئًا ما فضح به نفسه بعد طول كتمان:
_تقول الآن ها هو من اعتمدت عليه طويلًا وظننته صلبًا مُتزنًا اتضح أن لديه جانب تفكير عاطفي أنثوي، أليس كذلك؟!
لم يرد جده من فوره فأشاح ياسر برأسه بعيدًا نادمًا على البوح..
البوح.. إثم يُطبقه المُجتمع على الصبي إن شكى الحاجة، وعلى الرجل إذا بكى الفقد؛
الإشهار.. حق يمنحه المُجتمع للفتاة إن أرادت التعبير عن عواطف تختلجها، وللمرأة إن صرَّحت بخواطر تعتريها؛
ولا تناقض هنا، فالذكر ممنوع من الجهر ومحروم من الإفشاء، بينما الأنثى مُتاح لها إبراز مشاعرها كيفما تشاء ليتم استهجانها فيما بعد، ومعايرتها بها أبد الدهر!
_قرصني أبي بذراعي ذات مرة لأنني أشفقت على السمكة التي نجحنا في صيدها بعد عناء وألقيتها في البحيرة مرة أخرى!
بهذه العبارة استعاد الحاج فؤاد ياسر إليه، فالتفت له مُندهشًا، لكنه تابع مُبتسمًا في حنين بَيِّن وهو يرفع أصابع ثلاث:
_لكن بالمرة التالية استطعت بمفردي صيد ثلاث بضعف حجمها، وأثناء عودتنا إلى دارنا كان يخبر كل من نمر به في فخر بأن ابنه من اصطاد تلك السمكات!
حدَّق به متوجسًا ليستمع إلى إضافته المُتعجبة:
_أتعلم أنني لا زلت أشعر بطعمها حتى الآن؟
لم يستطع ياسر التعليق، فيما بدا جده وكأنه أيضًا كان يتوق للـ..بوح! فأردف ونظرة شوق تعتلي عينيه:
_كانت أسماك رخيصة الثمن منتشرة بكل مكان، نتناولها كثيرًا كما الجميع، لكن أبي _رحمه الله_ ظل يُردد أنها ألذ أسماك ذاقها بحياته كلها لأنني من قمت بصيدها.
وسكت هُنيهة ثم تابع مُبتسمًا:
_كان يتحين الفُرص حتى يُظهر ثقته بي وبشقيقي رحمه الله، كثيرًا ما حذره بعض أقاربنا من أن أسلوبه في تربيتنا سيخلق منَّا شابين خنوعين لا يستطيعان تحمل المسؤولية، ونصحوه بأن يعتمد بعض الخشونة إلى أن يشتد عودينا ونصبح رجلين قويين، حتى أنني أتذكر سخرية أحدهم من والدي حين ذكر أنه لم يُعاقبنا بالضرب مرة واحدة، فكان هذا نادرًا في زمني، لكنه لم يأبه لأي منهم ولم تتغير معاملته لنا حتى وفاته.
ثم نظر إليه ليُضيف في فخر:
_لم يكن أبي حاصلًا على شهادة تعليمية رفيعة المستوى، بل كان رجلًا بسيطًا يعمل بالفِلاحة حتى امتلك أرضًا صغيرة، ويحفظ القرآن حتى أتمه، ويتقي ربه في جميع خلقه مهما كانت الفرصة مواتية ليُمارس عليهم نفوذه وسلطاته!
واكتنفه الألم ليتابع:
_يوم وفاته بكيت فور دفنه حتى ظن أقاربنا أنني لن أعود حيًّا إلى داري، بات قبره هو أكثر الأماكن أمانًا لي، وصارت ذكرياتنا المُشتركة دليلًا استعنت به في تربية أولادي ثم أحفادي.
ساد بينهما الصمت حينما استسلم كلاهما للشرود، فالجد سافر عبر سنين طويلة يسترجع فيها ذكرياته مع والده، وياسر أخذ يفكر في مغزى هذا الحديث الذي فاجئه بجانب جديد تمامًا من جوانب شخصية جده، حتى صدح صوت ذلك الأخير في الغرفة وقد عاد جادًّا مُتحفزًا حانقًا:
_إذن.. هل يبدو تفكيري لك أنثويًا يا ولد؟ وهل تظن أنك طالما صرت بحجم الباب فلم تعد تحتاج إلى أب؟
هز ياسر رأسه بلا معنى وكلله الخجل حتى وصله صوت جده حائرًا، حزينًا.. آسفًا:
_لماذا لم تتحدث معي صراحًة من قبل؟! لماذا لم تقص عليّ ما يشغل تفكيرك؟! لماذا تتصرفون جميعًا وكأنني ظللت بعيدًا عنكم بينما أنا اعتقدت طيلة هذه السنوات أنني أقرب إليكم من آبائكم وأمهاتكم؟!
وتضاعفت الحيرة وهو يُضيف عاتبًا:
_كل واحد منكم يخفي الأسرار في حرص، أو ينأى بما يقض مضجعه عني رغم أنني لطالما خبرتكم أنني عائلكم، أنني أحبكم، أنني سأفعل كل ما بوسعي حتى يجد كل منكم سعادته، هل رددت أحدكم من قبل؟! هل سددت أذناي عن أي منكم؟!
والأسف انتقل إلى ياسر الذي سارع بالانتفاض من مكانه لينحني مُقبلًا إحدى كفَّي جده قائلًا في نفي:
_مُطلقًا يا جدي، أنت.. أنت كنت دومًا حاضرًا لأجلنا ولم تبخل على أي منا معنويًا أو ماديًا.
نزع يده ببطء ليضعها على رأسه، رَبَّت عليه في حنو فلم يتحرك ياسر شاكرًا نعمة وجود هذا الرجل الذي لولاه لَعَمَّت الفوضى بهذا البيت.. وبحياتهم أيضًا!
نهض في بطء فوقف ياسر أمامه باحثًا عن علامة سماح لألم لم يدرِ أنه تسبب به حتى رأى الأسى بعينيه وسمعه في صوته، ابتسم له جده في رفق وقال وهو يعدل من عبائته:
_لا تترك أمك حزينة يا ياسر! قص عليها كل ما تشعر به! هي أقرب إليك من أي شخص، أنت كل ما تهتم به وأول ما يشغل عقلها وقلبها.
أومأ برأسه في طاعة، وقال واعدًا، ومُشتاقًا:
_سأفعل يا جدي.
رَبَّت على كتفه وتخطاه إلى الباب فتابعه ياسر بنظراته في امتنان وحب دائمًا حملهما له، إلا أنه توقف ليستدير قائلًا وقد عادت نبرته الصارمة:
_بمناسبة الأستاذ ضياء، سوف نقوم بزيارة إليه، لنقل مثلا..
سكت مُتظاهرًا بالتفكير ليترك له الفرصة للاستيعاب قبل أن يكمل في بساطة:
_بالغد!
ارتفع حاجبا ياسر ثم سأله في بوادر ابتسامة مُتعجبة:
_من سيقوم بالزيارة؟
بلا أي انفعال أجابه:
_أنا وأنت، وسنصطحب والدتك أيضًا.
فغر ياسر شفتيه ليهتف في دهشة:
_لماذا؟! وماذا قالت لك سلام حينما أتت بالأمس؟
لمعة انتباه عبرت عيني جده قبل أن يُمعن النظر به في اختبار، ثم عَلَّق مُتمهلًا:
_آآآه.. سلام، خبرني ما رأيك بها؟
ودون تردد صاح ياسر مُغتاظًا وقد استجلبت سيرتها كل انفعالات السخط بداخله:
_إنها غير مؤهلة عقليًا!
قبض جده على مسند عصاه بقبضتيه وهو يمط شفتيه ثم ابتسم وعلَّق:
_هكذا إذن! يبدو أن إيلاف على حق!
ضاقت عينا ياسر وهمَّ بسؤاله عمَّا يعني ، إلا أن جده عاجله أثناء استدارته ليفتح الباب مُلقيًا أمره في صرامة:
_ارتدي ملابس أنيقة ولا تتحدث إلا عندما أطلب منك!
تعاظمت حيرة ياسر إثر رحيل جده بعد حديثه الغامض، ثم اكتنفته الدهشة وهو يراه قد عاد مرة أخرى قائلًا في تحذير:
_ارتدي ملابس أنيقة ولا تتحدث إطلاقًا!
_لا أفهم!
هكذا نطق ياسر في تعجب مُحاولًا تفسير نظرات جده المُثيرة للقلق..
_لن يُشكل هذا فارقًا!
وهكذا عقَّب جده في استخفاف وهو يغادر الغرفة!

بالمحل الذي صار شاغرًا بعد أن عافته أقدام الزبائن مؤخرًا جلس يرمقها في حيرة بعدما خبرته عن سبب إصرارها على لقائه بعيدًا عن بيته حينما كانت بزيارته منذ ثلاثة أيام، ورغم أنه توقع هذه الخطوة فإنه استغرب توقيتها قليلًا، فزوجها قد تُوفي منذ ستة أشهر ونصف فقط، صحيح أنها لم تذرف دمعة واحدة من أجله لكنه ظن أنها لن تخوض التجربة مرة ثانيًة بهذه السرعة!
"ألا تظنين أن فارق السن بينكما سيُشكل عقبة؟"
بادرها متسائلًا في قلق فسارعت في لهفة:
_لا أظن يا هارون، بل أنا متأكدة بأنه من سيعُوضني عن سنوات زواجي بهمام.
تطلع إليها بنظرة غير مرتاحة، فما يراه الآن هو نفسه ما كان منذ ما يقرب من عشرة أعوام حينما بَلَّغته بموافقتها على زواجها من همام..
كان هو أصغر منها سنًّا، وكان مُقيدًا بتضحيتها من أجله، لكن لم يمنعه ذلك من إبداء اعتراضه على اختيارها ونصيحته إياها بأن تتريث، إلا أن اعتراضه كان ضعيفًا وصوته كان مُنخفضًا!
_إذن هل سبق له الزواج؟
سألها مُفتعلًا بعض الحيادية، فهو يهتم كثيرًا بالتوافق العمري بين الرجل وزوجته مهما نُعِت بالتخلف والرجعية!
لكن التوجس الذي داهم عينيها أثار التحفز بنفسه فاعتدل في الكرسي الخشبي عندما وقفت هي متظاهرة بتنظيم الأكواب الزجاجية لتُجيبه في ارتباك وهي توليه ظهرها:
_هو متزوج بالفعل، لكنه سيطلق زوجته.
_ماذا؟!
هتف في عدم تصديق وهو ينزل إحدى ساقيه من فوق الأخرى، وهبَّ واقفًا يُتابع في استنكار:
_مُجددًا يا علا؟! ألا تتعلمين؟! ألا تشعرين بالآخرين؟! أستخربين استقرارًا آخر بكل بساطة؟ ألا..
استدارت إليه في سرعة توقفه عن إكمال هتافه الغاضب، ورَفَعت صوتها فوق صوته لتقول رغبًة منها في طمأنته:
_اهدأ يا هارون! هذه المرة لا شأن لي إطلاقًا بتخريب استقرار أحد، هو ينوي تطليقها بالفعل منذ فترة، وصدقني أنا لن أُكرر ما حدث من قبل!
ورغم الثقة التي زينت كلامها وبيان استفادتها من زيجتها السابقة فإن رفضه لم يتزحزح فقال في تصميم:
_لست مرتاحًا، لا أستسيغ الأمر، لتنتظري شخصًا آخر يُناسبكِ!
كتفت ساعديها وواجهته في تحدِ ثم ردت بابتسامة مُتهكمة:
_لماذا؟ أنا مطلقة بآخر عقدي الرابع يا هارون، لو ستقترح أن أنتظر شابًا لم يسبق له الزواج فسأموت وحيدة!
ضغط على أسنانه وأشاح بوجهه بعيدًا في سخط، فتابعت بنبرة مُستهزئة:
_لا تهتم أليس كذلك؟! أنت ستبدي رفضك الآن وستعمل بكل جهدك على أن تُبرز لي عواقب هذا الزواج، حتى لو التقيت به ووافقت من أجلي ستُسئ مُعاملته كما كنت تفعل مع همام، ستظل تردد أنك غير راض ولست مقتنعًا، ستظهر امتعاضك وتعلن غضبك، ستدعني أبكي قهرًا لتردد على مسامعي بعض الهراء بشأن حبك لي واهتمامك بمستقبلي وفوائد انتقاء شريك الحياة المُناسب ثم ستعود جريًا إلى بيتك الدافئ لتلقي بكل ما يخص شقيقتك خلف ظهرك وترتمي بين ذراعي زوجتك لتتنعمان بحبكما وسعادتكما كما تشاءان!
في صدمة حدَّق بها، وفي خرس فشل لسانه في التعليق كما يجب..
كيف يُعدل لها من نظرتها إليه؟!
وكيف يتخلص إلى الأبد من تقريعها بتمننها عليه؟!
لا فائدة!
هكذا اهتدى إلى النتيجة التي ستؤول إليها الأمور إن حاول هو نصيحتها بالعدول عمَّا يضرها ويضر غيرها..
ستبقى دومًا هي الشقيقة الكُبرى التي عطلت حياتها لأجله؛
وسيبقى هو الشقيق الأصغر الذي يُفكر بأنانية دون الاهتمام بشعورها!
ولمَّا لاحظت نظراته المُتألمة استطردت بتوسل:
_أقسم لك يا هارون هذه المرة كان ينوي تطليقها بالفعل، حتى لو لم يتزوج بي سيُطلقها، لقد استحالت الحياة بينهما منذ مدة، أرجوك يا هارون لا تحرمني من دعمك!
اعترته دهشة واضحة وهو يلحظ تلك اللهفة التي تسيدت رجائها، لهفة امتدت إلى كفها التي أمسكت بيده في حنو ربما لم تقدمه له فور وفاة والديهما!
_ومتى فعلت يا علا؟!
لم تفتها الحسرة التي تقاطرت من حروفه، ثم أطلق تنهيدة حارَّة، خائبة، مُستسلمة، ليقول في خفوت مُخفيًا الجرح الذي ألمَّ به:
_كما تريدين، افعلي ما تريدين! تزوجي ممن ترغبين وما عليّ إلا أن أظهر كصورة رمزية لرجل يكون وليكِ أثناء عقد القران!
ثم رفع سبابته مُحذرًا في عناد:
_لكن إن اكتشفتِ أنه كان يخدعكِ وأنه كي يتزوجكِ ظلم آخرين كما فعل همام مع زوجته وابنه إياكِ أن تأتين إليّ باكية! إياكِ أن تُطالبيني بذلك الدعم حينما تتحقق دعوات من ستتسببين في تخريب حياتهم ونزع استقرارهم! فالإمهال لا يعني الإهمال بالضرورة، وما قدمتِه قبلًا سيعود إليكِ مُضاعفًا فيما بعد.. بلا تقصير!
رجفة نفذت إلى أعماقها رغمًا عنها حالما استوعبت المعنى المُثير للرهبة الذي نطقت به كلماته، لكنها سرعان ما تخلصت منها لتحتفل بالنتيجة..
ستتزوج بعد أن صارت أكثر خبرة، لن تدع أحدهم يأخذ منها دون أن يُعطي أولًا، لن تخسر مرة ثانية.. أو.. لن تخسر مُطلقًا!
_أعطِه رقم هاتفي ليتواصل معي! وخبريني بالضبط ما عليّ قوله، طلباتكِ، تخوفاتكِ، أية ضمانات تريدينها!
أعادها إليه من حالة الشرود التي امتزج بها الفرح، نظرت إليه في ترقب فأضاف مبتسمًا في سخرية:
_فما أنا إلا آلة ناطقة بما يدور في خُلدكِ، وينبغي عليّ أن أشكركِ لأنكِ لم تُقصيني عن هذا الدور واستعنتِ بي رغم عدم احتياجِك لي بالأصل!
وبلا مزيد من اللَوم رحل ليتركها تُقلب كلماته في ذهنها..
وقفت وحدها بالمحل بعد أن استطاعت في سهولة لمس العتاب واليأس الذي اخترق صوته، لكنها تخيرت اصطناع عدم الملاحظة للوقت الحالي، فيما بعد عندما يدرك صواب قرارها سيُثني عليها لأنها لم تنصاع لتحذيره، وسيُشاركها سعادتها باختيارها!
**********

تلكأت خطواته إلى المطبخ واسع المساحة بالبيت، وبعينيه بحث سريعًا عن أي من العاملات فلم يجد إحداهن، زفر في راحة ثم تعلقت نظراته بها تقف شاردة أمام موقد الغاز، ويبدو أنها قد شعرت به فاستدارت لترمقه بتساؤل قبل أن يفتر ثغرها عن ابتسامة تلقائية حانية هزمها التردد فتركت ملامحها مهزوزة حائرة!
اتجه إليها باعتذار يفيض من خلجاته، وسألها وهو ينقل نظراته بينها وبين الكوب الزجاجي حيث تضع به ملعقة من العسل:
_ماذا تفعلين الآن يا أمي، لماذا لم تنامي بعد؟
ورغم تعجبها من اهتمامه المُفاجئ فإنها رفعت إحدى كفيها تربت على وجنته في حنو وهي تُجيبه:
_أعد مشروبًا دافئًا لجدك، أتريد شيئًا يا حبيبي؟
زم شفتيه في أسف وهو يُطالع هذا الحنان الذي لم يتأثر يومًا، ثم أمسك بكفها ليطبع عليها قُبلة طويلة قبل أن ينظر لها قائلًا:
_أريد الاعتذار لكِ.
ثم تابع مُستغلًا الدهشة التي طافت بنظراتها:
_يؤسفني أنكِ أنجبتِ ولدًا وقحًا عديم التربية ظل يتسبب طوال صغره في قلقكِ، وعندما صار شابًّا لم يقدر خوفكِ وظل يشكوه كالطفل المُزعج.
همَّت بالتحدث لكنه ضمها بين ذراعيه ليُضيف في ندم:
_أنا آسف، أقسم أنني آسف، تماديت كثيرًا ولا مبرر لي يشفع، لكنكِ دومًا ما سامحتِ زلاتي وعفوتِ عن أخطائي، ألا تفعلين هذه المرة أيضًا؟
ترقرقت عيناها بالدموع وأجهشت بالبكاء وهي ترد باستنكار:
_حبيبي! أوتظن أنني قد أغضب منك أبدًا؟! أنت وحيدي، كنزي وأهم ما حباني به ربي من نِعَم.
وحاولت الاستطالة على أطراف أصابعها فأحنى هو جبهته لتُقبلها مرارًا، ثم استقرت ثانية لتُردِف في تبرير:
_أعلم بأنني قد بالغت كثيرًا، لكنني خشيت أن يكون ذلك الأستاذ يخفي ما يضرك، يجب على الإنسان الحذر من أقرب أقربائه، فما بالك بغريب لم..
شيء ما منعها من تتمة عبارتها، ربما هو الألم بعيني صغيرها، أو.. ربما هو الاحتياج!
احتياج أغمضت عينيها عنه مرارًا واكتفت بأن تحاول سد فجوته، لكن يبدو أنها لم تستطع!
_لم يكن غريبًا كليًا أمي، كان.. كان صديقًا.
وتعليق ابنها المُفعم بالمرارة جرحها فقالت في ندم:
_وأنا من أفسدت كل شيء، أليس كذلك؟!
وقبل أن ينفي عاجلته في حماس:
_لا عليكِ يا بني، أظن أن جدك سيقوم بزيارته بالغد من أجل إعادة علاقتكما كما كانت، وأعدك بألا أتدخل هذه المرة.
راقبت تعبير السعادة الذي فشل في كتمانه فابتسمت في حبور، ثم اتسعت عيناها في تحذير لتمسك بإحدى ذراعيه بقوة وتتابع:
_لكن احذر يا ياسر! إن أحسست أنه يجرك إلى معرفة أشخاص مشبـوهـ..
قاطعتها ضحكاته التي اشتاقتها فابتسمت في امتنان وبقت تتطلع إليه في شوق لا ينضب من أم لصغيرها مهما كان عمره أو طوله!
وبعد ثوانِ أردفت تضحك في استدراك:
_لا أظن أنه قد يفعل، الرجل بآخر أيامه وبالطبع يحرص على ادخار الحسنات من أجل آخرته!
رمقها في دهشة ثم ما لبث أن قهقه في استمتاع، وقال لها في مكر بعد أن هدأ قليلًا:
_ليس إلى هذه الدرجة أمي، إنه يكبركِ بعامين لا أكثر! هل تعنين أنكِ أيضًا ودعتِ شبابكِ؟!
على الذراع نفسها التي كانت لتوها تربت عليها ضربته بينما عقدت حاجبيها غضبًا وأولته ظهرها تصب مشروب والدها وتهتف في حنق:
_احترم نفسك يا ولد! لقد ظننته بالستين مثلًا، لكن أنا لا زلت في أوج شبابي!
ثم استدارت بجذعها لتتابع قاصدة إغاظته:
_لقد هاتفتني الحاجَّة نعمة الشناوي بالأمس وخبرتني أن شقيقها قادم من البلدة ويرغب في زيارة جدك.
اكفهر وجهه على الفور واستقام هاتفًا في حنق:
_ليأتي! ليفعلها وليأتي حتى أستقبله استقبالًا حافلًا لم يلقَ له مثيلًا من قبل!
كبتت ضحكتها فواصل بتبرم:
_لا ينقصنا سوى ناجي الشناوي أيضًا، الرجل أراد الزواج بكل أنثى في البلدة وفشل، لماذا لا يستسلم معكِ؟!
ضحكت بانتصار ثم التفتت إليه لتعلق في تشجيع:
_إذن اشغلني أنت قبل أن أتهور وأفكر بالأمر! جدك بالفعل يبحث منذ فترة عن فتاة تناسبك، توقف عن العناد وتزوج كي تُنجب أطفالًا أستعيد بهم ذكرياتي معك!
مرة أخرى انتبه إلى أن غالبية ذكرياتها تقتصر عليه، تتعلق به، تدور كلها حوله وحده؛
هذه المرأة لم يشغلها عنه أي شيء يومًا.. وصدق جده!
وقف يحدق بها في حُب خالص، حُب لا يملك أحدهم بقلبه بقدره، لكن كما العادة تسلل إليه شعور خبيث بالندم جراء تحذيرها..
فشبابها كله وهبته إياه، ورغم جمالها الذي كان طاغيًا ولا زال جزءً كبيرًا من آثاره واضحًا حتى الآن فإنه لا ينفك يتمنى لو أنها لم تقدم له تضحية كهذه!
ربما لو امتلكت ذكريات سعيدة مع والده لم يكن ليُفكر بهذا الأسلوب، إلا أنه علم أن حياتها مع والده لم تكن أكثر من جحيم بارد لا يجد للمودة أو الرحمة سبيلًا!
لهذا قام بدعم لين وقت طلاقها؛
ولهذا حاول بكل جهده إثناء إيلاف عن زواجها من ابن خالته؛
فهو لا يرضى بأماني أخرى تتحمل من أجل طفلها فلا تجد راحة ويشب ذلك الطفل مخنوقًا بفكرة أن نشأته في أسرة مُستقرة ظاهريًا نجحت بعد أن قدم أحدهم سعادته قربانًا!
زفر مُطولًا ثم طبع قبلة أخرى على كتفها قبل أن يعود إلى غرفته تُشيعه دعواتها براحة البال.. والاستقرار!
**********

باليوم التالي:
في تقييم شامل نقلت نظراتها بين شقيقتيها بعد أن أتمت الاثنتان ارتداء ملابسهما استعدادًا لاستقبال الضيوف الذين سيصلون بين دقيقة وأخرى.
بينما كانت الاثنتان ترمقان شقيقتهما الكبرى بِحَذر وهما تحافظان على صمتهما في مقابل هذا التوتر الشديد الذي اجتاحها منذ الأمس، تحديدًا منذ خبرهن عمهن أن الحاج فؤاد الكردي سيقوم بزيارتهم الليلة.
في الواقع لم يكن هذا هو سبب توتر سلام، فلقد أقرَّت بالخطوة المجنونة التي اتخذتها منذ يومين، وحينما وصلتا هما باليوم السابق أعادت عليهما ما دار بينها وبين الرجل أكثر من مرة، لِذا انتظرن ثلاثتهن أن يتواصل مع عمهن كي يزوره حسبما قال، لكنهن لم يتوقعن أن يصطحب العروس وابنها أيضًا!
ولهذا شقيقتهما منذ الصباح لا تبقى بمكان، تنظف الشقة كثيرًا، تغسل الأواني النظيفة بالفعل كثيرًا، تُعد أصناف الحلوى بكميات تكفي البناية كلها، تختار لهما بعض الملابس ثم تعبر عن عدم اقتناعها بها بعد دقائق، ولا تنفك تسألهما في قلق:
"أتظنان أن الأمر سيتم في سلاسة؟!"
حينها تتبادل الاثنتان نظرات حَذِرَة، ثم تتفقان على أن يمنحانها طمأنينة لا تملك إحداهما منها ذَرَّة:
_بالطبع! سيتم بمُنتهى السلاسة.
تبادر أمان في تربيتة حانية، بينما تلوي وئام شفتيها بلا رضا!
"هل أنتِ بخير يا سلام؟"
انطلق صوت عمها بباب الغرفة فاستدارت بتعبير يعترف بفعلته دون الحاجة للتعذيب!
_نعم يا عمي.. أنا .. أنا في أفضل حال.
أجابته بكلمات متقطعة، فقال وهو يوليها ظهره:
_حسنًا! ارتدي حجابكِ إذن لأن الحاج فؤاد هاتفني للتو وخبرني أنهم بطريقهم إلينا.
تسمرت بمكانها في ذعر وهي تعي أن لا مجال للتراجع، لقد أتى قرارها بثماره، وها هو الرجل قادم بالفعل..
حدقت في إثر عمها بمزيج من القلق والحب واللهفة، تصورت شعوره حينما يدرك الليلة أن فرصة البداية التي يأس منها قد جاءت إليه بنفسها..
لكن خاطر خبيث ساخر صور لها ردة فعله لو علم بتصرفها الأرعن، فنفضته عن رأسها.
"أقترح أن تخبريه الآن بما فعلتِ، ربما يزل لسان الرجل ويذكر زيارتكِ فيكون موقفًا شديد الإحراج لعمي."
أغمضت عينيها في غيظ وهي تتفق مع كلمات شقيقتها، لكنها التفتت لها تقول في توبيخ:
_وئام! ما حدث قد حدث وانتهى الأمر، توقفي عن إثارة توتري!
ثم أضافت وهي تُعدل من حجاب أمان للمرة الخامسة خلال دقائق:
_كما أنني لا أعتقد أنه قد يذكر شيئًا، الرجل يبدو حازمًا وقورًا وقد وعدني بأن يبقى الأمر سرًّا بيننا.
_لكنكِ جنحتِ بعيدًا هذه المرة.
في تأكيد ردَّت وئام، وفي استسلام علَّقت هي:
_أعلم.
ثم هزت كتفيها وأضافت بحنو:
_لكنه.. يستحق.
ربتت أمان على يدها في تشجيع فتراجعت إلى الخلف لتقول في حزم:
_اسمعا! عمي يظن أنهم قادمين من أجل حل سوء التفاهم الذي تم حين زارتنا ابنة الحاج فؤاد، لكن إن _لا قدر الله_ عَلِم بشأن زيارتي للرجل ستتظاهران أنتما الاثنتان بأنكما لا تعلمان شيئًا على الإطلاق.
زفرت وئام في ملل مع ذلك التحذير الذي كررته عليهما مرات ومرات منذ الليلة السابقة، وتدخلت أمان في حيرة مُشوبة بنبرة مُتشككة:
_أنا لا زلت لم أفهم بعد كيف وافقكِ على هذا التهور! أهناك من لا يزال يُفكر بهذا الأسلوب؟!
تعلقت نظرات سلام بها في اضطراب فأشعلته أمان أكثر مع استكمالها القَلِق:
_كيف سيُحضِر ابنته إلى بيت الرجل الذي يرغب بالزواج بها؟! هناك شيئًا غير معقول بالأمر!
جلست سلام على الفراش تنظر لهما في ارتباك، في خوف، وفي حيرة كانت لديها أضعافًا مُضاعَفة..
_أنا أيضًا لم أستوعب بعد كل هذا القدر من المرونة، لكنه أكد لي أنه يُقدر الشجاعة وأنه قام بخطوة مماثلة ذات مرة، لم أسأله عن مقصده طالما سيُعاوننا في النهاية.
أجابت بكل رغبتها على عدم الاستسلام لليأس، وبكل توقها لذلك الأمل الذي لازمها منذ كانت بغرفة مكتبه..
ثم عادت تسألهما مُجددًا في رجاء:
_أتظنان أن الأمر سيتم في سلاسة؟
اقتربت منها أمان لتجلس إلى جوارها وهي تُشير لتوأمتها فهرعت إليهما، لتضم الأولى نفسها إلى صدر سلام وتؤكد بنبرة مُطمئنة بينما التصقت وئام بها من الناحية الأخرى:
_أنا أظن أنه سيتم، أنتِ قلتِ أن الرجل يبدو عليه أنه يحترم كلماته، لِذا أفكر في خطوة ربما لم تنتبهي لها.
عقدت سلام حاجبيها لتسألها في انتباه:
_أية خطوة؟
تبادلت أمان مع وئام نظرة تشاركتا فيها القلق، ثم قالت الأولى بعد تردد:
_العام الدراسي على وشك الانتهاء، إن.. تم الأمر وتزوج عمي، أين سنعيش؟
ولمَّا لم يأت رد سلام سريعًا نطقت وئام في اندفاع خبأت فيه توسلها:
_سنبقى هنا بالطبع! أليس كذلك؟
_قطعًا لا!
والنفي الحاسم أجج خوفهما، وزاد من شعورهما الذي رافقهما منذ ساعات، فتابعت سلام بنبرة رقيقة رغم ما بها من صرامة:
_أعني منذ خمسة عشر عامًا ونحن نعيش معه، نلقي عليه بمسؤوليتنا ويلغي من أجلنا احتياجاته، أتعتقدان أن من العدل استمرارنا معه وهو يتزوج بالخمسين؟
التمعت عينا أمان بالدموع وأطرقت وئام برأسها أرضًا في امتثال، فعادت سلام تضمهما إليها في قوة، ثم قالت بعد برهة:
_إن لم تنزعج خالتي سنعيش معها، سأبحث عن عمل هناك، وإن وجدنا أننا سنُثقِل عليها سنتدبر أمورنا، وربما.. نأتي لزيارة عمي من آن لآخر.
شعور بالوحشة هجم على ثلاثتهن وهن يستوعبن أن هناك احتمالًا يلوح بالفراق، واحتمالًا كاسحًا باليُتم للمرة الثانية؛
شعور أعاد لهن ذكرى ذلك اليوم البعيد حينما كانت تضمهما بقوة مثلما تفعل الآن، تبث فيهما الطمأنينة كما تحاول الآن، وتعدهما بأنها ستتصرف كما تؤكد لهما الآن؛
وشعور بائس اتحد في عجب مع آخر بالارتياح لإدراكها أنها ربما قد بدأت بنفسها عدًّا تنازليًا ينتهي بتوديع عم ظل لهن دومًا أعظم مُعلم، أجَلّ مرشد، وأَحن الآباء.
اعتصرتهما أكثر إلى صدرها لتخفي عبرات ترقرقت بأعينهن في غزارة، ابتسمت في إشراق وهَبَّت لتتم تجهزها، ثم هتفت في حماس:
_أزيلا هذا الهم من على وجيهكما! لتستعدان لإطلاق الزغاريد، اليوم _وأخيرًا_ سيحصل عمنا على أقل جزء مما يستحق، عسى الله أن يرزقه السعادة!
وعندما رأت السعادة بالفعل قد انطبعت على وجيهما معًا استدارت إلى خزانتها تتمتم في تفكير:
_والآن أين ذهب وشاحي المُفضل ذي لون صلصة الخردل؟!
وها هما نظرتان امتعاض مُتماثلتين، مُتطابقتين، حلَّت محل تلك السعادة على شفتي التوأمتين!
**********

"سلمت يداكِ!"
تمتم بها في خفوت بعدما أخذ منها كوب الشاي ليرتشف بعضه، ثم وضعه على المنضدة القريبة التي يجلس على الأريكة أمامها، وما لبث أن عاد إلى شروده الذي لم ينفصم عنه منذ اليوم السابق..
شرود يُثير قلقها، وتحفزها، ويُلقي ببضعة احتمالات حول أسبابه.. كل واحد منهم أسوأ من الآخر!
أخفضت صوت التلفاز الذي لم يحصل على اهتمام أيهما وجلست قبالته، فلم ينتبه هو إلا حينما بادرته في حذر:
_أنت لم تخبرني إلى أين ذهبت بالأمس.
استغرق منه فهم مقصدها عدة ثوانِ بقى يُحدق خلالها بها في تساؤل، ثم أعاد مرمى بصره إلى البرنامج الإخباري الذي كُتِم صوته وردَّ في لا مُبالاة افتعلها بمهارة:
_خبرتكِ أنني سألتقي بأحد التجار يا إيلاف.
_فقط؟
باتهام سألته فنظر لها يسألها بلا فهم:
_ماذا تعني؟
هنا ألقت بكل نواياها بالتريث والهدوء خلف ظهرها ليرتفع صوتها اطراديًا مع حلول الغضب بعينيها وهي تُوضح ضاغطة في غيظ على كل حرف:
_أعني ألم تلتقِ سوى بذلك التاجر فقط؟!
تأفف وأمسك بأعلى عظمة أنفه في إرهاق ثم حجب نظراته المُنزعجة عنها..
إذن لقد علمت بشأن الزيارة التي حذرته منها رغم أنه حاول إخفاء الأمر عنها، والآن لم يعد هناك مجالًا للإنكار..
اعتدل بساقين متربعتين واستند بساعديه على فخذيه ثم تكلم بنبرة دفاعية:
_إيلاف! حازم شاب مُهذب للغاية، سُجِن بعد دفاعه عن شقيقته التي يقهرها زوجها دون اعتبار لأنها تحمل طفله، سُجِن لأنه لم يسمح لمعدوم رجولة مثله بأن يتجبر على امرأة ضعيفة تدرك أن لا ملجأ آخر لها سوى برفقته، سُجِن لأنه حاول الدفاع عنها قبل أن يستيقظ ذات يوم ليجدها جثة هامدة قتلها زوجها في مشاجرة لا تكافؤ بين طرفيها!
وتابع في غضب:
_بحق الله يا إيلاف! لو كانت لدي شقيقة عوملت بالمثل لكنت أحدثت به ما هو أسوأ من عاهة مُستديمة!
وحينما وجد عينيها ذاهلتين، شفتيها مفغورتين، وجسدها مُتصلبًا تنهد في بطء ثم استطرد محاولًا التحكم في انفعالاته:
_بالتأكيد لا أدافع عن أسلوب حازم لكنه ليس بشخص سيء، لقد تصرف دون تفكير وهو الآن مُقيد، ليس من الصحيح أن أتجاهل طلبه بأن أزوره!
لوقت قصير بقت على تحديقها الدَهِش به، إلى أن استطاعت التحدث أخيرًا فخرج صوتها مُتحشرجًا ونظرتها مُتوجسة:
_هل.. ذهبت إلى السجن بالأمس لزيارة زميلك ذلك؟! هل عدت للتواصل مع أرباب السجون والمجرمين؟!
وانتقلت الدهشة إليه وهو يعي أنها لم تكن تعلم، وأنه _في سذاجة_ قد اعترف بما سيُنغص عليه مزاجه لفترة لا بأس بها!
لكن.. ماذا كانت تقصد إذن؟!
_يا إلهي! أنا لم أكن أعرف، لم أكن أقصد لقاءك به، كنت أعني حديثك مع صديقة زوجة والدك، ألم تفعل؟!
أجابت سؤاله الذي لم يجد الفرصة للنطق به، لكن إجابتها جعلته ينتبه إلى أن موقفه أسوأ!
لكنه _كأي رجل أصيل_ اختار أن يقلب السحر عليها، فانتفض واقفًا يهتف في حنق:
_هل تراقبينني يا إيلاف؟!
وأمامه قفزت تجابهه بلا تردد:
_لا أراقبك يا ناهل، لكن اليوم ذكر أحدهم عرضًا أنه رآك تقف معها بالقرب من محطة الأنفاق، انتظرت أن تقص عليّ بنفسك منذ عدت لكنك لم تفعل، ويبدو أنك لم تكن تنوي أن تفعل!
ورغم السخرية التي نطقت بها عبارتها الأخيرة فإنه حاول التملص من المُشكلة الرئيسية ليطارد فرعًا ربما يُرشده إلى وسيلة النجاة من غضبها الهائج، فقال في توعد:
_عبد الله، أليس كذلك؟!
لكنها حاصرته في تصميم وسألته في ارتياب:
_ماذا أرادت منك؟ هل.. هل تتواصلان منذ وقت طويـ..
قاطعها سريعًا قبل أن يسافر عقلها في رحلة مُعتمة بإمكانها أن تكدر حياتهما:
_كانت تتصل بي منذ أيام ولم أكن أجيب اتصالاتها.
ابيض وجهها تدريجيًا وعاد إليها ذلك الشعور الكريه بالخوف، بالاضطراب، فسألته على مهل:
_ماذا يدور بينكما يا ناهل؟
وكلماتها التي غمرها الشك أكدت له أنه فشل في جذبها بعيدًا عن قيود الظنون السيئة، وأنه _بات لزامًا عليه_ أن يسارع بإصلاح موقفه!
_إيلاف! لا داع لظنونكِ الخرقاء الآن!
قالها مُحذرًا في صرامة لكن تعبير وجهها كان مُصمتًا، مُتهِمًا، فتابع في نزق وهو يتجاوزها:
_أتعلمين؟ سأذهب إلى المحل!
لكنها بجسدها الضئيل مُقارنًة به وقفت أمامه تسد طريقه وصاحت في هياج:
_أنت لن تذهب إلى أي مكان حتى تخبرني بطبيعة علاقتك بها، وعلام تنويان بالضبط؟
فغر فاه ذاهلًا ثم هتف في استنكار:
_هل جننتِ؟! إنها امرأة متزوجة ولديها أطفال!
بابتسامة صفراء ساخرة ردَّت قبل أن تُضيف في تهكم:
_سمعت أم إيهاب بالأمس تقول أن زوجها سيتزوج بأخرى وربما يُطلقها!
بقى مُحدقًا فيها فاقدًا الطريقة المُثلى لإيجاد كلمات تُنقذ موقفه دون ذِكر ما تم باليوم السابق حتى لا يضطر لِذِكر رده بالتالي، لكنها لم تنتظر وأضافت صائحة في سخرية:
_كما أنها أيضًا صديقة زوجة أبيك وأنت خبرتني أنها من ساعدتها بكل خطواتها، هل ينبغي عليّ أن أتوقع منها حسن الأخلاق؟!
اكتسح العتاب نظرته وعلق دون تردد:
_بل ينبغي عليكِ أن تثقي بزوجكِ يا إيلاف!
طلَّ الألم من عينيها أثناء قولها المُتحسر:
_ولماذا أفعل؟! أنت رجل، لن تكتفي بي وستخونني بآخر المطاف ما إن تسأمني مع أول امرأة تلتقي بها.
تضافرت الردود اللاذعة منها واللينة على لسانه، لكن..
لو ظل يقسم بأنه لن يلتفت لأخرى حتى مماته لن تصدقه، أو.. ستواصل بالكيفية ذاتها.. تتظاهر بأنها تمنحه الثقة رغم أنها بقرارة نفسها لا زالت مُتشككة.. وأيضًا لا زالت تضعه تحت العقوبة الشاملة بعد أن ارتكب الجرم سواه!
أي سبيل عليه أن يسلك حتى يحظى ببعض من إيمانها بحبه؟
لقد استسلم بالفعل، هُزِم في سعة صدره أمام عنفوانه أكثر من مرة كي يؤكد لها أنها باستطاعتها النوم ليلًا بين ذراعيه نومًا هنيئًا دون أن تتسلل للتفتيش بهاتفه، أو للبحث عن آثار أخرى بملابسه، أو تدقيق النظر به في محاولة مُستميتة لضبطه مُتلبسًا!
هز رأسه في تعب مُعترفًا لنفسه أن طريقه لا يزال طويلًا، عسيرًا، يُنذر بالسوء!
ثم ضرب كفًّا بالأخرى بعد أن تمكن اليأس منه واستدعى تعبير الحنق المُلازم له ليهتف وهو في طريقه إلى الخارج:
_صدقيني يا إيلاف لن أفعل، لن أقوم بخيانتكِ أبدًا، لن أفكر بامرأة أخرى حتى تتركني آخر أنفاسي، أوتعلمين السبب؟
رمقته في توجس فأجاب تساؤله صائحًا:
_لأنني لن أكرر الخطأ ذاته مرتين!
ثم أضاف وهو يحملق بها بمزيج من الألم والعتاب والسخط:
_وبالمناسبة! إن كنتِ قد نسيتِ فأنا أيضًا من أرباب السجون الذين تشمئزين من سيرتهم ولا تتوقفين عن الازدراء منهم كلما ذُكِروا!
وصفعة الباب كانت الختام، ختام كان بمثابة مُقدمة لليلة طويلة وحيدة لا يُسليها خلالها سوى.. نفسها!
**********

بعنجهية تليق به كثيرًا جلس الحاج فؤاد بغرفة استقبال شقة الأستاذ ضياء مُستمتعًا بالدفء السائد رغم بساطة الأثاث، مُتجاهلًا النحنحة التي يُصدرها ياسر من حين لآخر في طلب غير منطوق بوجوب التحدث، ومُتجاهلًا أيضًا نظرات سلام التي تتعجله بالتحدث!
"عجبًا لفتيات هذه الأيام!"
رغمًا عن إعجابه بشجاعتها فلم يقو على منع استهجانه هذه الجرأة، ولا دهشته من سعيها خلف ياسر بالذات، فهي الفتاة نفسها التي أساءت مُعاملة عمرو وهو من يفوقه حضورًا وحنكًة حسبما خبره حفيده نقلًا عن مُعلمه!
حانت منه نظرة ممتعضة إلى حفيده الذي يجلس إلى جواره شابكًا كفيه بين ركبتيه في توتر و مُطرقًا رأسه أرضًا في توتر، لينتقل إلى سلام التي تجلس قبالتهما تمعن النظر بهما في إصرار!
"ألهذه الدرجة مُدلهة بحبه؟!"
تردد السؤال الدهِش في عقله لكنه كتمه ليتجول بين وجه الرجل وابنتي شقيقه الراحل الأخرتين..
عندما سأل ياسر عن عائلة مُعلمه أثناء قدومهما خبره أنه من قام بتربية البنات الثلاث، سلام هي الكبرى ثم أمان ووئام التوأم، ظن أنه سيجد فتاتين مُتماثلتين في الشكل والهيئة إلا أنه رأى اثنتين لا تتشابهان إطلاقًا، بل إنهما لا يشبهان شقيقتهما الكُبرى بالأصل، في حين أن كلا منهما آية في الجمال الهادئ ومثال للملامح التي تبث الراحة في الرائي!
لكن أربعتهم يشتركون في البشاشة، فقد أحسنوا استقبالهم ورحبوا بهم في سرور، سرور لم ينمحِ إلا من على وجه سلام وحدها حينما تلتقي عيناها بعيني ياسر فقط!
"يبدو أن إيلاف بالفعل على حق!"
أومأ برأسه موافقًا تخمين حفيدته، ما دام الاثنان يتظاهران بتبادل النفور.. إذن فهما عاشقان حد الثمالة لا ريب!
"جدي! هل أتينا حتى نتأمل السجاد والجدران؟ إذا كنت تتحرج من المبادرة فلأتحدث أنا!"
التفت إلى ياسر الذي همس في نفاد صبر، فابتسم بغير ود ثم رد ساخرًا:
_انظروا من رفع رأسه وبات يتكلم كالرجال!
أشاح ياسر بوجهه بعيدًا ليستمع له يواصل هامسًا في نزق مُشوب بالاستهزاء:
_هل ستتحدث وأنا هنا؟ فلأعود إلى البيت إذن طالما لا داع لوجودي!
تنحنح مرة أخرى ثم تمتم وهو يرفع كفه معتذرًا:
_عفوًا يا جدي! تحدث أنت!
اعتدل الحاج فؤاد بمقعده وهمَّ بالتحدث إلا أن ياسر سارع يقول في خفوت:
_خبره أن والدتي لم تكن تقصد اتهامه!
أومأ برأسه وفتح فاه ليتحدث فتابع ياسر مُجددًا:
_وأنها لم تنزعج من صداقتنا كما عبرت!
رمقه بدهشة فأضاف ياسر في تشديد:
_وأنها أكيدة من أنه ليس مروجًا للمخدرات!
عقد جده حاجبيه متوجسًا لكنه لم يُبالِ وأردف في خزي:
_وأنني أعتذر له عن..
_هل تظن أننا قد جئنا إلى هنا لأجل هذه التفاهة؟!
قاطعه جده هامسًا في غضب، ثم أضاف ساخطًا:
_وعندما أقول أنك متخلف تبكي أمك وتلومني وتتهمني بأنني أترصدك وأتعمد إزعاجك!
"أعتذر لمقاطعتي حواركما الهام يا حاج فؤاد، لكن نحن ننتظر منذ دقائق، ألا نبدأ الآن؟!"
نظر الاثنان إلى سلام التي وقفت أمامهما تحمل صينية عليها كوبين من العصير فيما أخذت تنظر للحاج فؤاد بنظرة ذات مغزى!
بعينين نصف مغمضتين رمقها الجد ثم قال بصرامة:
_عودي إلى مقعدكِ واستحي قليلًا يا بنت!
فغرت شفتيها بدهشة بينما هتف ياسر في انتصار بعد أن قَبَّل رأس جده:
_لا فض فوك يا جدي!
تراجعت إلى الخلف في بطء تنظر لياسر بغيظ، فيما اعتدل الحاج فؤاد ليوجه حديثه إلى الأستاذ ضياء الذي التزم بالصمت احترامًا بعد تبادل عبارات ترحيبية اعتيادية..
حملقت الفتيات الثلاث بعمهن ترقبًا لِوقع ما سيحدث الآن عليه؛
تأهبت أماني للاعتذار الذي سيصوغه والدها نيابًة عنها لأفعالها المتهورة؛
وتنفس ياسر في راحة وهو يرسم بمخيلته الأنشطة التي سيستأنفها مع مُعلمه، مع صديقه، ومع.. من اتخذه والدًا بديلًا!
"يُشرفنا يا أستاذ ضياء أن نطلب كريمتكم الآنسة سلام للزواج من حفيدي ياسر."
أعقب العبارة صمت أشبه بصمم جماعي أصاب الكل؛
ولما تغلب الأستاذ ضياء على أثر المفاجأة التي أخذته قليلًا ابتسم، فبادله الحاج فؤاد واحدة فخورة واثقة، بينما حَلَّت الصدمة على وجوه الآخرين جميعهم دون تمييز!
**********

بشرود كانت تركل حصاة قابلت قدميها أثناء تحدثها ببسمة واسعة في الهاتف معه، ورغم أن السكوت شَكَّل النصيب الأكبر من هذه المكالمة فإن أحدهما لم يستطع إنهائها!
فهي.. كانت سعيدة بفكرة أنه يشاركها هذا الصمت، وترغب بالمزيد منه.. طالما معه؛
وهو.. كان يتخبط باحثًا عن أي موضوع يفتتحه كي ينشغل به عن دقات قلبه المتلاحقة والتي يكاد أن يقسم أنها تنافسه فيها!
"والدتي تُلقي عليكِ التحية!"
قالها في ارتباك بعد أن ظن أنها نامت على الطرف الآخر..
ولِمَ لا تفعل؟!
أليست بمنتصف أكثر المكالمات الهاتفية غرابًة بين مخطوبين جُدد؟!
وصلته ضحكتها الرائقة التي تشي بإدراكها بما يعتمل بصدره، توتره، تردده، وكبحه لسانه بضع مرات ليلجأ إلى الصمت حتى لا يفضح لسانه ما يؤجله!
_أبلغها سلامي!
قالتها ثم ما لبثت أن عقدت حاجبيها لتستدرك سريعًا:
_لماذا كان يبدو عليها الأسى أثناء حفل الخطبة يا نضال؟
في سرعة جهز ردًّا ألقاه عليها محاولًا إضفاء بعض الثقة على نبرته:
_إنها مريضة قلب، كما أنها ليست معتادة على الخروج من البيت ولهذا تتوتر في الاجتماعات.
والحجة التي لا تقنع صغيرًا أقنعتها بلمح البصر رغم أن القلق يتلاعب بصدرها منذ ليلة الخطبة، فتمتمت بدعاء بشفائها ثم واصلت في ارتياب:
_ومهند؟
ازدرد لعابه وبقى ساكتًا لوهلة، ثم في جمود سألها:
_ماذا به؟
ترددت قليلًا قبل أن تُجيبه بما يُثير انتباهها منذ فترة، لكنها تابعت وأجابته بترقب:
_لاحظت أنه لم يكن سعيدًا بخطبتنا على النقيض من لؤي، بل أجزم أنه كان يتمنى ألا يتم الأمر، فهل يتوتر من الاجتماعات أيضًا؟
لو كانت تراه!
لو كانت تراه الآن لقرأت الحقيقة المخزية على وجهه المُعبر؛
لشاهدت الفضيحة، والخزي، والذنب.. والأسف!
لكن حمدًا لله أنها لا تفعل، وعليه أن يتدرب أكثر حتى لا يكشفه اضطرابه الملحوظ إن اجتمع ثلاثتهم بمكان واحد!
لِذا استجمع بعض الثبات ورد:
_ربما.. لا يزال مرتبكًا بسبب ظني السابق وحسب، سيعتاد الأمر سريعًا لا تقلقي!
_الولد محق، ظن أبلـ..
بترت هتافها التلقائي ليقول هو في هدوء امتزجت به الصرامة:
_قاعدة أولى يا غفران: فكري بكلامكِ قبل نطقه!
سكتت لوهلة ثم سألته بتوجس:
_هل ستبدأ بآداء دور الزوج المُتسلط بدءً من الآن؟
ليُجيبها واعدًا في غموض راق لها:
_للأسف لم أصبح زوجكِ بعد، لكنني أعدكِ أن ألتزم به ما إن يتم عقد قراننا!
وتبعت رغبتها الدفينة في مُشاكسته، لتسأله مُجددًا في ترقب:
_أهناك قواعد أخرى؟
لم يرد من فوره، ثم قال في اقتضاب:
_هناك الكثير، لم يحن وقتها بعد!
لكنها أصرت في رقة:
_أعطني نبذة!
وصلها صوت استعاذته الهامس من الرجيم فضحكت في تسلية، ضحكة مرتاحة لم يبترها إلا كلماته الحانقة:
_أنتِ تجرينني بمكركِ يا غفران!
لم تتوقف عن الضحك فاستطرد في نزق:
_كنت أتمنى لو استخدمتِ هذا المكر الذي تتفاخرين به كي تُقنعي جدكِ بأن يُعجل بعقد قراننا بدلًا من تعمدكِ إغاظتي!
تلكأت الكلمات على شفتيها وهي تتمتم في عبث:
_وإن استطعت إقناعه، بماذا تعدني؟
وفي نُدرة انفلت تحكمه ليُجيبها بنبرة حملت إيحاءات لا حصر لها:
_أعدكِ بأن أرص لكِ القواعد كلها، واحدة بواحدة!
جحظت عيناها في دهشة ثم انفجرت تقهقه بلا سيطرة حتى صاح بها ساخطًا:
_أنهي المكالمة يا غفران! ومن الأفضل ألا نتحدث إلا في عقد قراننا.. بعده لو شئتِ الدقة.
في صعوبة كتمت صوتها بينما دمعت عيناها لِوصلة الضحك السابقة، ثم تنحنحت تصطنع بعض الجدية وسارعت تقول في رجاء:
_انتظر يا نضال لا تغلق! هيا نتحدث بشيء آخر حتى يعود جدي وسأستخدم كل قدرتي على الدلال كي أقنعه!
تلقائيًا سألها بانتباه:
_تستطيعين التدلل أيضًا!
فعادت إليها روح المداعبة دون تباطؤ لتُعلق في مكر:
_أستطيع الكثير!
تنحنح في قوة وأجلى حنجرته وهو يقوم بتشغيل المروحة القريبة بينما ضحكاتها تصله لتؤجج غيظه أكثر وأكثر..
ظل صامتًا لثوانِ ثم سألها بصوت متحشرج مُحاولًا صرف ذهنه عن تأثيرها:
_وأين هو جدكِ الآن؟
أطلقت ضحكة رقيقة ثم قالت لِتمسك بفرصة الثرثرة أخيرًا:
_خرج منذ ساعة، وقد اصطحب ياسر وعمتي بزيارة ما لم يخبر أحدًا عنها، مُرتديًا العباءة ذات اللون الجملي.
انتشى قلبه برنة صوتها، رنة تنفذ إلى فؤاده دون عثرات، فابتسم في تعجب ليسألها:
_وما المثير للانتباه بتلك العباءة؟
_إنها المخصصة للقاءاته المهمة.
أجابته ثم أضافت في شرود:
_أراهن أنه يدبر أمرًا لأجل أحدهما!
أشعة إضاءة اقتحمت الحديقة لتُقاطع حديثهما، فاستدارت تتطلع إلى البوابة الضخمة وقالت:
_هناك سيارة قادمة، يبدو أنهم قد عادوا أخيرًا وسأثبت لك أنني محقة.
لكن السيارة التي ولجت إلى الحديقة لم تكن هي المُتوقعة، لم تكن منشودة، بل كانت.. مُثيرة لرعبها!
مرت ثوانِ وقد فقدت كل أثر لمزاجها الهادئ المُستمتع بمكالمة خاطبها واستدعت ذلك المزاج الآخر المُتحفز، الحاقد، المُستعد لهدم كل ما بطريقه!
_ألا زلتِ معي؟
سألها نضال بعد أن غاب صوتها عنه، فأجابته في نبرة جامدة:
_نعم..
ظن أنها تنتظره ليستأنف الحديث فاكتنفته الحيرة، حيرة لم تشعر بها لأن كيانها كله وقع بأسر الغضب..
ها هي عمتها تخرج، يتبعها زوجها، ثم..
ابنهما الأصغر والأكثر خبثًا، وعدوها الأزلي!
دلفت عمتها وزوجها إلى البيت في لهفة واضحة دون أن يريانها، أما عنه فقد لمحها وما لبث أن غير اتجاهه.. إليها!
تراه قادمًا تجاهها مُوليًّا ظهره للضوء فيلف الظلام جسده.. مثلما كان في تلك الليلة البعيدة؛
مُتشحًا بابتسامة ثعلب يقول بها الكثير دون صوت.. مثلما كان يبتسم في تلك الليلة البعيدة؛
تراه وبيده ساعة رملية كلما أوشكت إحدى حجرتيها على النفاذ قلبها رأسًا على عقب ليبدأ دورة تعذيبها مُجددًا، يستهل بها عدًّا تنازليًا لطمأنينتها، وتصاعديًا لِخوفها.. وسرمديًا لِقهرها!
وتراه يقف قبالتها..
شامخًا رغم أنه ينبغي عليه الخنوع؛
مُستقيمًا مع أن المَيْل يجب أن يكون رادعه؛
سعيدًا، مُتزنًا، مرتاح البال بعد أن سلبها كل تلك النِعَم!
"كيف حالكِ بعد خطبتكِ يا غفران؟"
سألها بابتسامة تلعنها كل يوم، فجاءها صوت نضال قَلِقًا قبل أن تنطق:
_من يُحدثكِ يا غفران؟
ازدردت لعابها لتُجيبه وعيناها مُتعلقتان برمز الخسة والنذالة:
_إنه.. ابن عمتي.
تحفزت خلايا جسد نضال مُخمنًا أنه ليس بياسر، فهو يعرف صوته، وقد تأكد عندما سمع سؤاله التالي:
_أهذا خطيبكِ؟
والابتسامة المُقيتة التي لم يتخل عنها عمرو تزامنت مع سؤال نضال المتوتر أثناء اعتداله في فراشه:
_أيهما؟
تسمرت نظراتها عليه، وقبل أن ترد قال عمرو بتهكم لا يصل للمستمع، لكنه يعمي الرائي:
_بلغيه تهنئتي فلم أستطع تقديمها له بالحفل!
والإجابة علمها نضال دون مساعدة، فهتف بها مشدود الأعصاب تزامنًا مع قفزه واقفًا:
_اتركيه وارحلي على الفور!
_هل قاطعت حديث العشاق أم ماذا؟
تسارعت أنفاسها كما نضال الذي كان يضع قدميه في خُفيه وهو يصرخ بها:
_عودي إلى غرفتكِ يا غفران وأوصدي بابها!
والثعلب كان يرهف السمع، وقد أيقن أن الغضب نال المتحدث على الطرف الآخر فقد وصلت إليه ذبذباته، فأضاف مُتظاهرًا بالأسف:
_عذرًا لوقاحتي، لكني لاحظت وجودكِ في طريقي إلى داخل البيت، ولم يكن من اللائق ألا أمر لإلقاء التحية.
توقفت يد نضال الذي خلع قميصه القطني ليرتدي آخر خاص بالخروج ليسألها في حذر:
_لماذا سيدخل البيت؟
وتوقفت دقات قلبها لِوهلة مع استيعابها السؤال فكررته في هلع:
_لماذا ستدخل البيت؟
ارتفع حاجبا عمرو مُفتعلًا دهشة يستمتع بها كثيرًا وهو يسألها:
_ألم يخبركِ جدكِ بعد؟
ثم عادا إلى وضعهما الطبيعي ليُلقي بقنبلته مزدوجة الأثر مُجيبًا سؤال الاثنين في انتقام لا إنكار له:
_بالأمس أكد لوالدتي أنه قد عفا عنا، واليوم قررنا أن نُعد له مفاجأة فعُدنا إلى بيتنا لنعيش معًا، كعائلة كبيرة مترابطة!
*****نهاية الفصل الرابع والعشرين*****


تعليقات