📁 آخر الروايات

رواية علي ضفة قلبك ظمآن الفصل التاسع عشر 19 بقلم سعاد محمد

رواية علي ضفة قلبك ظمآن الفصل التاسع عشر 19 بقلم سعاد محمد



الفصل التاسع عشر
(من فَيْض غرامكِ أرتوي)
***
أطفو على نهركِ قحطان .. أبحث عن نبضكِ يُبقيني
أغفو بلا رغبة في الصحوة .. أهفو إلى كل ما يُضنيني
تنقشع الذكرى كدخان .. فما عاد فراقكِ يجديني
من أجلكِ يغمرني السيل .. وضد التيار ستأتيني
على ضِفَّة قلبكِ ظمآن .. ودفقات وصالكِ ترويني
**********

بعد ثلاثة أيام:
"أنا.. لا أفهم شيئًا يا سمير، ما شأني أنا بهذه الأمور؟!"
في حيرة نطقت عزة بعدما انتهت مكالمتها مع الموظف الذي كان والدها قد عينه لمتابعة الأرض الزراعية التي يمتلكها في البلدة، والذي كان لتوه يطلب منها أن تقوم بالسفر إليه حتى يستطيع إطلاعها على كل ما يخص ملكيتها الجديدة!
جلس إلى جوارها على الأريكة التي تتصدر صالة الاستقبال بالشقة وأخذ يراقب ملامح الرفض على وجهها منذ استقبلت المُكالمة، ليرد في غيظ:
_وهذا بالضبط ما أراده والدِك، إنه يُعاقبنا بنفينا من البيت ومنحنا أرضًا لا نفقه بأمر إدارتها شيئًا، ربما تمنى بداخله أيضًا أن نتوسله المُساعدة.
التفتت إليه تُعلق في تردد:
_لم.. لم يطردنا يا سمير، بل رحلنا برغبتنا.
مالت زاوية فمه في ابتسامة ساخرة قبل أن يقول في حنق:
_أنتِ ساذجة كثيرًا يا حبيبتي، والدكِ يرسم لنا جميعًا أدوارنا ورَدَّات أفعالنا، حتى وإن شعرنا بالنصر بعض الأحايين وانتابنا الأمل بالفوز يُراقبنا هو في اللحظة ذاتها مُستهزئًا بنا لأن كل خطوة نقوم بها هي جزء من خطته!
طأطأت رأسها أسفل وهي تدرك في قرارة نفسها بأنه مُحق، لقد تغير كثيرًا والدها منذ شجاره الأخير مع شقيقها قبيل وفاته، وحتى مع نجاح جلال في تنفيذ اتفاقه معها وعقد قران إيلاف على هاني رغمًا عن والدهما فإن هذا الأخير لم يعد يكتفي بإسداء النصائح والحل بالأساليب الودية، بل بات يتدخل مُفسدًا كل آمالهم ومانعًا تحقيق رغباتهم...
كان يعلم أنها تريد تزويج ولديها لابنتي جلال لكنه لطالما نصحه بألا يوافق، إلا أن شقيقها استطاع الحصول على رضا إيلاف بارتباطها بهاني، على النقيض من غفران التي حذرت الجميع من محاولة تكرار الطلب، بل.. هددتها!
الفتاة الصغيرة التي كانت تُعامَل على أنها الأميرة الجميلة، الصغيرة المُدللة، التي تجتذب الاهتمام من الجميع تحولت بين ليلة وضحاها إلى مصدر ذُعر لن يتوانى عن تخريب حياتها وحياة ابنها بكلمة واحدة تنطقها!
لا تتمكن من نسيان النظرات التي اعتادت أن ترميها بها من حين لآخر..
ساخرة؛ مُتشفية؛
وأحيانًا مُتوعدة!
"لم نخسر كل شيء بعد، عسى فكرة اعتذارنا له بعد فترة ستُربِكه ليُعيد تقييم حساباته."
وما أنقذها من توتر أفكارها عمرو الذي يشاركهما الجلسة صامتًا منذ بداية المكالمة، فنظرت له في تساؤل ما لبثت أن نطقت به على الفور:
_ماذا تقصد؟ ماذا ينبغي علينا أن نفعل الآن؟ هل نسافر إلى البلدة؟
وقبل أن يُجيبها هَبَّ والده واقفًا في استنكار ليصيح بها:
_أجُننتِ يا عزة؟! مالنا والبلدة؟! دعي أي موظف يُدير الأمر!
بدا أنها ستذعن لأمره لولا أن قال عمرو في هدوء:
_بل من الأفضل أن نديرها نحن بالفعل، ليس من الصواب أن نواصل عصيانه الآن، بضعة أشهر لن تضيرنا.
ارتسم السخط بعيني والده فهتف مُعترضًا:
_لم تطأ قدمي البلدة منذ سنوات، كيف سأذهب هناك الآن؟
زفر عمرو مُطولًا ثم نظر له مُعلقًا في جمود:
_لم يطلب منك أحد أن تذهب يا أبي،هاني سيفعل.
رمقه الاثنان في استنكار سارعت والدته بالتعبير عنه في عبارتها التالية:
_محال أن يقبل هاني، إنه لا يُطيقها، لم يكن يتحمل زيارتها مع جدك كل عام حتى امتنع تمامًا.
اشتد سواد مقلتيه وهو ينظر لهما واجمًا، ثم ردَّ في اقتضاب:
_دعي أمره لي أنا يا أمي!
ثم ارتخت تعبيراته ليبتسم فجأة ويقول:
_لكن لنعين موظفًا آخر بدلًا من الذي قام جدي بتعيينه، لا أستبعد أن يكون جاسوسًا ينقل كل أخبارنا له، سأصرفه وسأختار واحدًا!
نقلت نظراتها بينهما في تردد ما لبثت أن تخلصت منه حالما واجهت هذه الثقة بعيني ابنهاـ ثم اكتسبت عيناها بعض العزم بالتدريج حتى قالت في قوة:
_أتعلم؟ أنت على حق يا عمرو، هناك إحدى صديقاتي عادت منذ شهور إلى البلدة واستقرت هناك لتتابع إرثها، سأطلب منها أن ترشح لي موظفًّا مضمونًا، لن أسمح لأحد أن يشمت بنا، وسيُدرك أبي أنه قد أخطأ كثيرًا بذلك التوزيع!
أومأ لها ابنها في استحسان لم يشاركه به والده، فيما راح ذهنها يُهيئ لها وقع أخبار نجاحها على سمع والدها في الوقت ذاته حين يظن أنه غلبها!
**********

"توقفي عن هز ساقكِ يا غفران! لا داعِ لتوترك، تعلمين أنها مُسالمة تمامًا وإن كان الافتراس مُتوقع من إحدانا ستكون أنتِ!"
في خفوت مالت إيلاف على أذنها تردد كلماتها الحانقة حينما غابت لين بالداخل كي تساعد يزن على النوم، وبحدة ردَّت غفران:
_لست متوترة!
ثم تابعت في قلق:
_أتظنين أنها لا ترغب بوجودي؟ ربما أرادت التحدث معكِ بحرية وأنا أُزعجكما بـ...
بترت كلامها حينما اعتلت الدهشة نظرة إيلاف، فسألتها:
_لماذا تنظرين إليّ هكذا؟!
مطت إيلاف شفتيها ثم قالت في تعجب:
_أراكِ مراعية للآخرين على غير العادة، هل تشعرين بتوعك؟
ضغطت غفران على أسنانها في غيظ ثم أشاحت بوجهها عنها وكتفت ساعديها، عادت لين التي إلى الآن لا تصدق أنها حينما فتحت الباب منذ نصف ساعة قابلتها غفران بصحبة إيلاف، كانت على اقتناع تام بأنها لن تقوم بزيارتها يومًا، حتى أنها لم تطمع لأن تتأمل منها أية خطوة تدل على النقيض.
"لم ترغب إيلاف أن تأتي لزيارتكِ بمفردها، شَعَرت بالحرج."
بادرت غفران في جفاء تلقائي، وتجاهلت عمدًا نظرة إيلاف الذاهلة، فالكذبة التي تسلحت بها لم تكن مُتفقًا عليها بينهما!
_و.. لؤي منشغل تمامًا في المشروع الذي يرغب بـ..
تابعت غفران في ارتباك مفضوح فيما ابتلعت إيلاف تعليقًا لاذعًا كي ترى إلام ستصل، ابتسمت لين ثم قالت في بساطة:
_أعلم، خبرني هارون صباحًا، سيلتقيان الليلة لأنه سيرشده إلى شقة أخرى كي يُفاضل بينها وبين السابقة.
أومأت غفران برأسها ثم حانت منها التفاتة إلى إيلاف لتجدها تراقبها في توجس، فعادت تنظر إلى لين وابتسمت بلا داع ثم قالت:
_عمتكِ أماني تبدو كمخبري الشرطة هذه الأيام، تلاحق ياسر وقد انتابها هاجس بأن أخلاقه ستنفلت مؤخرًا، لِذا أتيت بصحبة إيلاف حتى لا...
_غفران!
أوقفتها لين حينما زاد توترها عن حده، فسكتت على الفور ونظرت لها في ترقب، لتتابع لين في رفق:
_باستطاعتك المجيء وقتما شئتِ، أنتِ أختي ويسعدني بشدة أن تزورينني، لستِ ضيفة، بيتي هو بيتكِ أيضًا.
هدأ انفعال غفران فورًا وهي تستشعر صدق أختها فابتسمت في امتنان حينما أضافت لين:
_ولا أعني للتهنئة في المناسبات، بل أعني في كل وقت وبلا أسباب.
عم الصمت بين ثلاثتهن بعد عبارة لين، ثم اختلست كل منهما النظر إلى الأخرى في ترقب حتى نطقت غفران في هدوء:
_تبدين مرتاحة.
شردت عينا لين قليلًا ثم ابتسمت وأطلقت زفرة حارة طويلة لتقول:
_نعم، أصبتِ، هذا هو شعوري، مرتاحة كثيرًا.
في استحسان علَّقت غفران:
_إذن لم تفلح شقيقة هارون في مسعاها، جيد.
اعتدلت إيلاف في جلستها شبه المُضطجعة، ونقلت نظراتها بينهما في تدقيق ثم وجهت سؤالها الفضولي إلى غفران:
_ماذا تقصدين؟
ثم رنت ببصرها إلى لين لتسألها:
_ماذا فعلت شقيقة هارون؟
...
"الخبيثة الـ...، لكم أود تمزيق شعرها، وركلها، أريد أن ألقي بها أرضًا ثم أجلس فوقها وأُكيل لها الصفعات دون حساب، أكرهها ويحق له أن يكرهها!"
هتفت إيلاف في هياج وهي تروح وتجئ في صالة الاستقبال، ثم توقفت فجأة لتتابع بأقصى سخطها:
_إنها تفسد حياتي، إنها حيثما ذهبت، صوتها لا ينفك يتردد في أذني، نظرتها الشامتة طُبِعت في ذهني ولا تدعني أسعد ليوم واحد.
رمقت لين غفران في استفهام لترفع الأخيرة كتفيها معبرة عن جهلها، فاستقامت الأولى بمواجهة إيلاف تخاطبها في مهادنة:
_ماذا فعلت بكِ؟
ارتسم تعبير مُحمَّل بالقهر على وجه إيلاف وهي تُجيبها:
_لقد.. لقد علمت منها سبب زواج ناهل بي، وبينما أنا أوعزت السبب إلى طلب جدي منه وحسب، قالت هي أن هناك دافعًا آخر!
وحينما نظرت لها الاثنتان في ترقب تابعت وهي تتهرب بنظراتها منهما في خزي:
_ربما.. تزوج بي انتقامًا من هاني، وهذا هو التفسير الوحيد لحديثهما الغامض يوم أن أعادني ناهل إلى البيت عقب خروجه من السجن.
ندت عن لين شهقة مُستنكرة، بينما قالت غفران في تهكم صريح:
_إذن هل يواصل ضربكِ وتعذيبكِ وحرقكِ بالسجائر؟! أيُجبركِ على بيع المحارم الورقية في إشارات المرور ثم يقبض الثمن مقابل إيوائكِ؟!
تأففت إيلاف في نزق ولم ترد، فتابعت غفران بلا اكتراث:
_طالما تزوج بكِ من أجل الانتقام من هاني، هل فعل؟! هل يُسئ معاملتِكِ؟! هل يؤذيكِ؟!
أفلتت منها تنهيدة طويلة وهي تواجه أسئلة شقيقتها ثم جلست أرضًا، رَفَعت ركبتيها لتستند بذقنها عليهما ولاحت على شفتيها ابتسامة امتزج بها الاشتياق مع الألم، ثم قالت في نبرة مُشوبة بالحنين:
_لا، إنه.. كعادته، ليس لطيفًا تمامًا، لكنه على أفضل نسخة منه.
أزاحت غفران وسادة الأريكة التي كانت تضعها على فخذيها جانبًا، ثم هبطت لتجلس أمام شقيقتها وقالت في مقت صريح:
_خذيها قاعدة يا إيلاف واعملي عقلكِ في الاتجاه الصحيح! طالما أحد ابني عمتكِ عزة في المعادلة فالطرف الآخر هو المظلوم دومًا.
رمقتها إيلاف مليًّا في صمت، ثم نقلت نظراتها بينهما في حيرة وقالت:
_إذن أتستطيع إحداكما تفسير سبب انقلاب صداقتهما إلى حد أن يتزوج أحدهما طليقة الآخر؟
_لم يكن صديقه يا إيلاف، بل كان هاني يستغله قدر ما استطاع مُدركًا أن ناهل سيفعل كل ما يُطلَب منه حتى يظهر امتنانه لتسببه في حصوله على وظيفته بالمصنع في الوقت نفسه حين اشتد مرض والدته.
تدخلت لين وهي تستقر بالمثل أرضًا، ثم أضافت حينما نظرت لها إيلاف في حيرة:
_أعني.. أنا كنت أعمل بالمصنع حينذاك وشهدت أسلوب تعامله معه بنفسي، وصدقيني لم يكن ناهل يستحق ذلك على الإطلاق، كان يعمل بِكِد أكثر من الجميع ولا فضل لأحد منا عليه.
تغضن جبين إيلاف بالألم وهي تدفع بكفيها في شعرها لتهمس بسؤال لم تنفك تُردده طيلة الأيام السابقة دون تلقي إجابة واضحة:
_إذن لماذا تزوجني؟
_ربما لأنه قد أَحبكِ مثلًا؟!
نطقت بها غفران في ترقب فأطلقت إيلاف ضحكة قصدتها ساخرة، إلا أنها خرجت مُفعمة بالمرارة، ثم أومأت برأسها لتقول في تهكم:
_بالطبع، لم يستطع مقاومة جمالي، أو ذكائي، ولا جاذبيتي المُفرطة التي يسقط فريستها الجميع!
"ومن قد يُحبكِ؟!"
والعبارة التي لطمها بها هاني يوم أن ضبطته بالمصنع يراود إحدى العاملات عن نفسها عادت مرة أخرى، بل هي دومًا هناك بعقلها تخزها كورم خبيث كلما تظاهرت بنسيانه ذَكَّرها بوجوده بأكثر الطرق إيلامًا!
أغمضت عينيها عن نظرته المُهينة لتنزعه نزعًا من ذاكرة بصرها مُستدعية صورة أخرى، أو.. صورًا أخرى.. لآخر!
بواحدة يمسك بكفها ليحثها على السير مُلبيًا رغبتها بالعودة إلى البيت مشيًا على الأقدام مرورًا بالنهر في منتصف الليل؛
في ثانية يجلس إلى جوارها على أرض المطبخ المُبتلة، يُبطِل كل اتهامات الجميع بسذاجتها ويؤكد لها أنها أول من أفشى لها بأدق أسراره؛
ثم في أخرى.. يضمها إلى صدره في حنو بدا دخيلًا على طباعه، وبعدها يستدرجها إلى طريقة لتخفيف وجع رأسه اخترعها كي..
لماذا؟ لماذا بادر بالتقرب منها؟
ولماذا يتحد الغموض مع الوضوح بكل نظراته؟!
في تعب تنهدت بينما هاجمها الضياع بأقصى قوته، ثم تمتمت في استسلام:
_أنا.. فعلتها ثانية!
تطلعت إلى التساؤل بعيني أختيها فتابعت تُجيب في ابتسامة كللها الألم:
_رغم أنني أحاول الإنكار، أحاول منذ فترة ألا أنصاع تجاه حماقة لا تتوقف عن استعمار قلبي، لكنني أضعف كثيرًا من المقاومة..
وبترت عبارتها لتشحذ أنفاسها ثم أتمتها في خفوت:
_أنا أُحبه!
_أتحبين زوجكِ؟! كيف تجاسرتِ؟! وكيف سنواري هذه الفضيحة؟!
نظرت إلى غفران التي بدأ الاستهجان يرتسم على ملامحها فأوضحت:
_سابقًا اخترت الشخص الخطأ كي أمنحه مشاعري فعوقبت، وحاليًا تجرأت على التطلع عاليًا، بعيدًا.. كثيرًا!
همَّت غفران بجذبها إلى صدرها لكنها خشيت أن تُفسر رغبتها إشفاقًا منها، فتدخَّلت لين على الفور تقول في هدوء وهي تبتسم:
_ذات شتاء مرضتِ أنتِ بشدة، غبتِ عن العمل لأيام مُتصلة، ورغم أن ناهل كان قد علم من جدي بمرضكِ وأنه أمر اعتيادي فقد استمر بسؤالي عنكِ يوميًا.
نظرت لها إيلاف بالبسمة المتحسرة ذاتها، ثم عقبت في همس:
_هو.. يُجيد الاهتمام ببراعة، رغم أنه يتنصل منه كتُهمة!
_لم أقصد هذا.
نطقت لين في حزم، ولمَّا قابلتها إيلاف بتساؤل أضافت بحماس:
_كان مُنزعجًا، قلقًا، مُتلهفًا، وقد شعرت أنا بالحرج لأنه كان ينتظر مني إجابات تُطمئنه على حالك بينما علاقتنا ليست طبيعية، حينذاك خمنت أنه ربما يحبكِ، وبصراحة تمنيت أن يتم الأمر بينكما بدلًا من هاني الذي كنا جميعًا نعلم بحبكِ إياه وأمنيتكِ بأن يتزوج بكِ!
لم تلحظ تشنج ملامح غفران التي أشاحت بوجهها بعيدًا حتى ضحكت إيلاف طويلًا قبل أن تقول:
_أظننتِ أن ناهل قد يحبني أنا؟! مُحال!
وسكين الذنب شج قلب لين وهي ترى إلى أي حد أثر إهمال خالتها بأختها حتى الآن، فيما تابعت إيلاف مُصطنعة عدم الاكتراث:
_كان مسؤولًا عني، كنت إحدى مهام عمله التي يُتقنها جميعها لا أكثر، وبصرف النظر عن كل عيوبي فلن يحب رجل فتاة شهد إهانة والدها لها بضع مرات وصفعه إياها بمقر العمل!
_توقفي يا إيلاف!
همست بها غفران وهي تلهث، فسارعت لين بوضع يدها على رأسها في قلق بينما تطلعت إيلاف إلى وجهها الشاحب تسألها بدهشة:
_هل أنتِ بخير؟
تماسكت غفران بالتدريج لتستعيد قوتها وربتت على كفها ثم ابتسمت لهما بلا معنى..
ساد الصمت بينهن لفترة قصيرة، حتى نطقت إيلاف في تردد:
_أتعلمان أنني قد تمنيت هذا كثيرًا؟!
قرأت التساؤل المُتماثل بأعينهما، فابتسمت في توتر ثم وضحت:
_أعني أن.. نجتمع ثلاثتنا معًا، لا لشيء محدد، نثرثر، نطهو، نتسوق، أي نشاط عشوائي، أو.. نهدم الجدران الفاصلة بين غرفنا فتصير واحدة كبيرة تضم ثلاثتنا فقط ونحتمي بداخلها ببعض من أي إيذاء.
حل الحرج ضيفًا على أختيها، بينما لجم الصمت ألسنتهن..
لين.. يتراقص قلبها ترقبًا لأمنية رددها كثيرًا دون أن تجسر على النطق بها؛
غفران.. تتهاوى شكوكها تجاه أختها الكبرى تباعًا وهي ترمق هذا التوسل بتعبير عينيها؛
أما إيلاف.. كادت تلقي بنفسها بين أذرعهن وهي تستقبل بشائر إنبات أواصر لم يُشجعها الدم.. إنما أزكتها الفطرة!
وابتسامات ثلاث تولدت، مُتحمسة، خَجِلَة، تخفي كل واحدة في جبعتها رغبة في الصياح بالفوز..!
*********

تجاهلت سهام التثاؤب المُفتعل الذي كررته علا للمرة الثانية، فقد جاءت اليوم وكلها إصرار على حصارها بحيث لا تجد منها مهربًا كما داومت طيلة الفترة الماضية.
قامت بثني إحدى ساقيها أسفل فخذها ورمقتها في نظرة مُمعنة، ثم قالت بتهكم:
_إذن لقد ترككِ شقيقكِ لتعيشين بمفردكِ! كيف يفعل هذا بعد تشدقه بالقلق على أحوالكِ فَور وفاة زوجكِ؟ أم هي العروس من أمرته فأطاع على الفور؟
احتدت ملامح علا في عبوس واضح وهي تتلمس الاستنكار بنبرة صديقتها..
فماذا لو أخبرتها أن شقيقها يُقاطعها تقريبًا منذ اليوم السابق لزفافه بعد علمه بأنها أوصلت معلومة شديدة الأهمية لعروسه؟!
ربما توقعت أن يغضب منها بالطبع لكنها توقعت أيضًا ألا يستغرق الأمر طويلًا كعادته!
وما يُثير دهشتها أن العروس لم تقم بتأجيل الزفاف أو تُلغيه تمامًا كما خمنت أنها ستفعل بالطبع!
زمت شفتيها في امتعاض، تأففت علانية، ثم كتفت ذراعيها لترد في بسمة مُتكلفة:
_لم يفعل، أنا من اتخذت قراري وأصررت على تنفيذه، بالطبع لن أعيش بمكان واحد معها.
ثم أضافت في تمهل وهي تتحسس الخطوط التي بدأت تزداد عمقًا حول زاوية إحدى عينيها:
_كما أنني لا أنوي أن أبقى طويلًا وحيدة، كفاني ما أهدرت من عمر مع ذلك العجوز، في حال ظهور شخص مناسب لن أتردد باقتناص سعادتي.
جمدت ملامح سهام تمامًا وأخذ قلبها يقرع في رعب، لكنها دارت انفعالها لتعلق في نبرة ذات مغزى:
_لم يكن هَمَّام عجوزًا تمامًا حينما تزوجتِه، أتذكر سعادتكِ الشديدة بملاحقته إياكِ، وأتذكر كل تلك الأحلام التي تصورتِ تنفيذها بالأموال الطائلة التي اكتسبها جراء عمله لسنوات بالخارج!
برقت عينا علا وأطبقت شفتيها دون رد، وعندما ارتسم الحنق على تعبير وجهها، عاجلتها سهام لتمحو الشماتة التي تسيدت آخر عبارتها ثم ابتسمت بافتعال:
_لا تؤاخذيني يا علا! فأعصابي على المحك هذه الأيام لِذا لا أتحكم في حديثي.
وبلا رغبة حقيقية في معرفة الإجابة سألتها حتى تمنعها من الاستفاضة فيما يخصها.. ويُثير ندمها:
_ماذا هناك؟
دنت سهام منها أكثر، وحدقت فيها بتركيز، ثم قالت بانفعال حاولت الحد من ذروته:
_أشعر أن زوجي على علاقة بإحداهن، بات متوترًا هائمًا، يعود إلى البيت مبكرًا على غير العادة لكنه ينفرد بنفسه في غرفة الأطفال، ويقوم بمكالمات هامسة بالساعات.
وسكتت عن عمد ثم أردفت ترمقها في ترقب:
_حتى أنه قام بالأمس بصباغة شعره!
تراجعت علا إلى الخلف بضع سنتيمترات حينما لفحتها أنفاسها، وأشاحت بنظراتها بعيدًا عنها لترد في لا مُبالاة:
_الرجال لا يُحبون التقييد، امنحيه مساحته الخاصة يا سهام ربما تكتشفين أنكِ تتوهمين!
أمعنت النظر به مليًّا كأنها تضعها تحت عدسة مجهر، وفي بساطة رددت:
_ربما.
ثم أضافت بابتسامة نال منها الوعيد غزيرًا وفيرًا، وبعينيها باحت بتهديد لا مزاح به:
_لكنني عندما أتأكد لن ألتزم الصمت، سأفضحها وسأجعلها تندم على محاولتها مُشاركتي زوجي وتخريب حياتي، وربما على لقائها به في الأصل!
**********

أرضًا جلست تؤرجح صغيرها على الكرسي الهزاز وتُدندن بأغنية يُحبها كثيرًا، كانت تتطلع إليه في سعادة تفيض بالرضا، حتى شعرت بذراعين تُقيدان خصرها فاتسعت ابتسامتها وهي تستريح تلقائيًا بجذعها على صدره.
"كفاكِ أرجحة به! لقد نام بالفعل."
همس في أذنها بعد أن أمطر رأسها ببعض قبلاته الحنونة، فابتسمت ليُتابع مازحًا:
_طالما ينام بسهولة في هذا الكرسي لماذا تُعذبينه على الفراش كل ليلة؟!
أجابته في همس مماثل حتى لا يستيقظ طفلها:
_لقد نسيت إحضاره معي، لكن غفران جلبته اليوم من البيت، لأنه لا ينام طويلًا إلا فيه رغم صغر مساحته، أحيانًا كنت أقضي الليالي أتطلع إليه وهو يتأرجح أثناء نومه وأتمنى أن أشعر بالمثل.
_خبريني ما سبب هذه السعادة!
في فضول قال مُستفهمًا وهو يراقب تغيرًا ملحوظًا عليها منذ عاد من المكتب، فضحكت ثم ردَّت:
_لقد قضيت اليوم مع إيلاف وغفران، لم نتوقف عن الثرثرة، وشاركتاني إعداد الطعام، حتى يزن كان سعيدًا بوجودهما للغاية.
_وما الغريب في الأمر؟
سألها مُتعجبًا فشردت لِثوانِ ثم أجابت في خجل:
_إنها المرة الأولى.
ابتعد قليلًا ينظر لها في دهشة شعرت بها دون أن تُبادله النظر، فتابعت بتردد:
_نحن.. لسنا مقربات.
أوشك على التعليق لكن عينيها التي شردت أخبرته أنها ستواصل، فلاذ بالصمت وتكلمت:
_توفيت والدتي بعد ولادتي بأشهر ،وحتى لا تقوم بتربيتي زوجة أب غريبة تزوج أبي من خالتي، كانت شديدة الحرص على ألا أشعر بالحرمان من الأم فأغدقت عليّ بعاطفة لا مثيل لها.
احتوت كفاه خاصتيها فلم تنتبه وأضافت عاقدة حاجبيها في ألم:
_لكن.. لكل دواء أعراض جانبية.
رمقته في صمت وقد فكرت بالاكتفاء بما قالت إلى الآن، لكن رغبة دفينة دفعتها لأن تسترسل دونما تخطيط وقد اغرورقت عيناها بالدموع:
_تسببت مُعاملة الجميع لي بتدليل في التفرقة بيني وبينهما، أُهمِلت إيلاف كثيرًا ظُلمًا، كما أنني أجزم بأن غفران كانت لا تحبني منذ الصغر لهذا السبب حتى صارت تكرهني بشدة منذ سنوات.
مسح على جفونها في رفق، ثم سألها بهدوء مُحاولًا ألا يُظهر لها تعبيرًا بالانزعاج لا تحتاجه:
_ألم تنتابكِ السعادة لاهتمام الجميع بكِ؟
هزت إحدى كتفيها وابتسمت، ثم ردت:
_كنت أفضل المساواة بيني وبينهما، ليس أسوأ من أن تشعر أنك ظالم رغمًا عنك، حصلت على حقوق غيرك دون سؤالك أو سؤاله، وأن هناك من تحبه بشدة، تتمنى قربه طيلة العمر، إلا أنك لا تقوى على المُطالبة لأنه يتأذى بسببك أنت في صمت.
إلى هذا الحد لم تستطع السيطرة على نفسها أكثر، ليغلبها بُكاؤها فتنخرط فيه باستسلام، لم يحاول هو منعها، بل ضمها إليه ليُربت عليها، وبين الحين والآخر كان يُشدد من احتضانها أكثر حتى بدأت في الهدوء تدريجيًا.
_ألهذا كان أحد شرطيكِ عدم التفرقة بين يزن وإخوته المُستقبليين؟
سألها في حنان، فأجابته بعد صمت قصير:
_نعم، أرغب بأن يسود بينهم حب لم أشعر كم أنا في حاجة إليه مثلما شعرت اليوم، أتمنى أن يبادر كل منهم بالحنو على الآخر كما رأيت بعينيّ أُختيّ خلال الساعات الماضية.
_كل ما تتمنينه سيحدث يا حبيبتي، سأعمل على تنفيذ كل أحلامِكِ.
حدَّقت فيه بدهشة لم يفهم سببها، ثم سألته رغبًة بالتأكد:
_حبيبتك؟!
عقد حاجبيه واعيًا أنه نطقها دون تخطيط، ثم ابتسم في بساطة مُكررًا سؤاله المُتحفز الذي يواجهها به منذ يوم الزفاف كلما لاقى منها دهشًة لأي من تصرفاته التلقائية:
_نعم، حبيبتي، ألديكِ ما يمنع؟!
ومع تأكيده تحولت دهشتها إلى توتر، ثم حياء، ثم فرحة، وبينما استأنف هو تقبيل رأسها استسلمت هي لِمزيج من مشاعر مُتباينة، وبالوقت ذاته مُتلاحمة..
الأول اكتفاء لم تكن تدري كيف كانت تحتاج إليه؛
والثاني احتواء لطالما كان لها مُعجزة يصعب تحقيقها؛
أما الثالث لا تستطيع إلى الآن تحديد كُنهه، لكنها على يقين من أنها قريبًا ستصرخ به جهرًا!
**********

في اليوم التالي:
أنهت سلام مكالمتها مع أمان التي تقيم مع شقيقتهما لدى خالتهن، فكان هذا هو الحل الأمثل حتى تستطيعان الالتحاق بالكلية التي رغبتا بها في محافظة أخرى.
تطلعت إلى ساعة هاتفها في ضيق وهي تكظم غيظها بصعوبة، لقد حل المساء وعمها لم يعُد بعد، بل اكتفى بأن هاتفها لمدة لا تتعدى دقيقة واحدة أخبرها خلالها أنه قد أنهى مراقبته بإحدى لجان الامتحانات وسيرافق ياسر لمشاهدة مباراة القمة!
طفح كيلها!
بالفعل طفح كيلها!
منذ ظهر ذلك السخيف صار عمها يأتي بتصرفات ليست من طباعه، وحينما أفشت للعم فوزي عن مخاوفها سخر منها ثم طمأنها بأن الشاب مهذب للغاية ويحترم عمها.
ارتفع رنين جرس الباب فعقدت حاجبيها في تعجب، ثم التقطت حجابًا عشوائيًا لتلفه حول رأسها، لكن حينما فتحت الباب طالعها وجه جميل لامرأة لم ترها قبلًا، فابتسمت في ترحيب:
_هل من خدمة؟
في توتر حدقت بها، ثم قالت:
_أنا والدة ياسر البحيري، أهو هنا؟
...
وضعت سلام صينية تحمل كوبًا زجاجيًا يحوي عصيرًا طازجًا وآخر به ماء، ثم جلست قبالتها تحاول إخفاء فضولها، إلى أن ابتسمت المرأة بارتباك وعاجلتها مُتسائلة:
_ألم يخبركِ عمكِ إلى أين اصطحب ابني؟
ودون تردد كتفت سلام ساعديها لترد في نبرة دفاعية:
_ابنكِ هو من ذهب إلى مدرسته واصطحبه، وهذه ليست المرة الأولى.
لم تهتم أماني بالحنق الذي كان يرتع بانفعالات الفتاة، فشبكت أصابعها وسألتها في قلق:
_هل ترين الأمر طبيعيًا؟ أعني صداقة شاب كابني برجل بعمر عمكِ؟!
اتسعت عينا سلام في استنكار ثم هتفت:
_عمي لم تتمكن منه الشيخوخة بعد، بالأسبوع الماضي احتفلنا بعيد مولده الخمسين، لا يزال شابًّا بالمناسبة، كما أنه يمارس الرياضة بانتظام.
ثم افتعلت ابتسامة صفراء وهي تُضيف عن عمد:
_باستطاعتكِ التأكد من ابنكِ، فقد ذهبا سويًا إلى صالة النادي الرياضي أمس الأول!
عقدت أماني حاجبيها في توجس واحمرَّ وجهها حرجًا، ثم علَّقت في حذر:
_عذرًا يا بنيتي، لم أعنِ شيئًا مُسيئًا، لكن...
بترت عبارتها مع صوت الضوضاء الذي أخذ يتزايد، ثم ارتفع رنين الجرس مرتين متتاليتين فتأكدت سلام من إحكام الوشاح حول رأسها وخرجت من الغرفة، لينفتح الباب فيظهر عمها مُنكس الرأس في ضيق وخلفه ذلك الـ..
"ألم أخبرك أننا سنفوز؟! لماذا تبدو مُتفاجئًا يا أستاذ؟! من المُفترض أنك قد اعتدت الأمر!"
هتف ياسر ثم أعقب عبارته بأن ضحك عاليًا، لكن سلام انطلقت إلى عمها الذي يبدو مُنزعجًا كما لم يكن منذ وقت طويل، فتمسكت بذراعه وسألته في قلق:
_عمي! ماذا بك؟
وقبل أن يُجيبها رفعت نظراتها إلى ياسر ثم صاحت في غضب مُشوب بالغيظ:
_ماذا فعلت بعمي؟
فأجابها بلا اكتراث:
_لقد خسر فريقه المُفضل كالعادة، فأصررت على أن أقوم بإقلاله إلى البيت.
ثم تابع ساخرًا وهو ينظر إليه:
_لكنني أشعر أنه يتظاهر بالتعب حتى لا أبدأ بإلقاء الدعابات حول فريقه و...
ووكزة الأستاذ ضياء في صدره جعلته يبتلع بقية عبارته، ثم هتف الأول في نزق:
_توقف يا ولد! ألم يكفِك أنني اضطررت للجلوس في مدرجات الفريق المنافس حتى لا أدعك بمفردك؟! لقد أرهقني هذا نفسيًا بشدة، ينتابني شعور بأنني خائن لفريقي!
أخذت سلام ترفرف بأهدابها وهي تحملق في عمها بدهشة، بينما تراجع ياسر إلى الخلف يرمقه في استنكار، ثم هتف باعتراض:
_ماذا تقول يا أستاذ؟! أيعني هذا أنك لن ترافقني في الرحلة البحرية التي عقدنا العزم عليها للصيد؟
تأفف الأستاذ ضياء، لكن قبل أن يجيبه تدخلت سلام في ارتياب امتزج به الغضب:
_ما قصتك يا رجل؟! أليس لديك أصدقاء بمثل عمرك أو ما شابه؟! لماذا تحتكر عمي وتجبره على اصطحابك إلى كل مكان؟! أصبحت لا أجد الوقت لأتبادل بضع كلمات معه بسببك!
تخصر ياسر ونظر إليها في تسلية، رغبة عارمة بالضحك اكتنفته أثناء تطلعه إلى أمارات الغيظ الممتزجة بالقلق على وجهها لكنه كتمها مُكتفيًا بتأملها لوهلة قبل أن يستعيد روح المشاكسة التي لم تُشعلها هي بداخله دون قصد وقال:
_لا أجبره، هو من ضاق ذرعًا بالبيت ويتحين كل الفرص لعدم العودة إليه إلا في موعد النوم.
ثم حك جبهته بأنامله وراحت عيناه تطوف بالأعلى مُتظاهرًا بالتفكير ليتمتم بصوت مسموع:
_تُرى ما الذي يجعله لا يطيق البيت؟
أطلقت سلام صوت أشبه بالزمجرة ثم صرخت:
_اسمعــ...
"ما هذا يا ياسر؟! ما الذي ترتديه؟!"
انتفض مع صوت والدته التي خرجت من غرفة الاستقبال الجانبية فاغرة شفتيها بعد أن هتفت بذهول ما إن رأت ابنها الذي ودعته صباحًا مُرتديًا بدلة أنيقة، إلا أنه الآن قد عاد فتى مراهقًا، بينما ندت عنه شهقة وهو يضم ذراعيه إلى صدره تلقائيًا في محاولة لإخفاء القميص الرياضي مُتسائلًا في ذعر:
_أمي! ماذا تفعلين هنا؟!
...
"ألن نتخلص من هذه العائلة؟! كلما فتحنا الباب وجدنا واحدًا منهم خلفه!"
همست سلام في غيظ بأذن عمها، عمها الذي يُحاول السيطرة على عينيه التي تهرب من حين لآخر إلى المرأة قبالته!
ياسر يُخفض رأسه أرضًا بعدما تلقى بعض النظرات المؤنبة من والدته كبداية قبل أن يعودا إلى البيت فتشرع بالإسهاب؛
وأماني التي تُجبر نفسها على التظاهر بالهدوء بينما عيناها تختبر ذلك الرجل رغبًة منها في معرفة سر تمسكه برفقة ابنها؛
أما سلام لا تبخل في إظهار الغيظ من هذا الشاب الذي يُثير حنقها، ولولا بعض من تهذيب لطردته على الفور!
"ربما من الأفضل أن تتوقف هذه الصداقة عند هذا الحد!"
افتتحت أماني الحوار فرَفع ياسر رأسه لها في استنكار، لكن قبل أن يُعلق سارعت سلام بالتعليق في تشجيع:
_أنا أيضًا أُشارككِ الرأي نفسه.
تدريجيًا احمر وجه ياسر بفعل الغضب، وحينما لاحت علامات الرفض بعينيه وهَمَّ أن يُعبر عنها بلسانه تدخَّل الأستاذ ضياء في هدوء:
_أرى أن والدتك على حق يا بني.
على الفور وجم وجه ياسر وهو يُحدق في أستاذه الذي ابتعد بعينيه عنه عن عمد، شعر ببرودة مُفاجئة تسري في دمائه مُستوعبًا حقيقة الوضع؛
طوال الفترة الماضية كانت والدته تُحذره وتعلن اعتراضها على صلته الغريبة بمُعلمه وهي تردد بلا ملل أن هناك شيئًا غير عادي يلوح في الأجواء، لكنه لم يجد الجرأة ليُصرح لها بالحقيقة التي انتبه لها من وقت قريب.. فكيف يُصرح لها بما يخجل هو منه؟!
لقد دأب خاله على تذكيره بأن الرجل لا ينبغي له أن تؤثر به العواطف كثيرًا، وغير مسموح له أن يُعبر عنها إطلاقًا، وبالطبع إعلان حاجته للبعض منها أمر غير وارد!
لكن نفسه تجيش بالعواطف، وحاجته إليها دومًا ما أرقته!
ربما لم ينتبه إلى مدى تلك الحاجة إلا بعد أن لاحظ علاقة خاله بلؤي، ولكم تمنى لو حصل على قبس منها!
لكنه كتم كل أمنياته مُدركًا استحالة تحقيقها، وأدها، أخمدها، تناساها؛
حتى ظهر الأستاذ ضياء فعادت معه كلها!
اعتاد الدفاع عن علاقتهما تحت قناع الصداقة لأنه لم يجد الشجاعة كي يُقر بأنه قَلَّدَه منصبًا يتوق إليه.. منصب الأب!
لكن يبدو أنه قد حان وقت النهاية، فقد انتبه الآن إلى ما فاته، إن كان هو يرى به الوالد الذي فقده، فأستاذه لا يفتقد نعمة الأبوة!
ازدرد لُعابه واعيًا للحرج الذي يتسيد موقفه، فابتسم بارتجاف ثم وقف قائلًا بصوت حاول إلباسه بعض القوة:
_سوف نرحل الآن، شكرًا يا أستاذ ضياء على تذاكر المبارة، لقد قضيت وقتًا مُمتعًا.
ثم منحه نظرة مودعة لم يرها لكنها أثارت توجس سلام وهي تنتبه إلى تبدل مرحه المُثير للاستفزاز إلى ضيق حقيقي، وحينما انصرف بالفعل لحقته والدته بعد أن ألقت عليهما التحية في توتر!
تأكدت سلام من إغلاق الباب جيدًا ثم استدارت عائدة إلى عمها، لكنه رفع كفيه ليمنعها من التحدث قبل أن تفعل، وبخطوات بطيئة مُتعبة اتجه إلى غرفته ليبقى بمفرده..
خطوة ثقيلة يتقدم بها رفقة ألم؛
خطوة أشد ثقلًا يبتعد بها وتؤكد له أن ما حدث منذ قليل هو الصواب..
كيف له أن يفصل بين أبوة بدأت تكتنفه تجاه ذلك الشاب وبين حاجة طبيعية تجاهلها لأعوام لتهاجمه ما إن رأى تلك المرأة ثانية؟!
لم يكن هناك سوى حَلَّين.. إما أن يتجاهل شعوره ويمضي عمره على حاله، أو يُصارح ياسر بما يريد فيقع تحت وطأة اتهام ظالم بأنه كان يتخذه وسيلة للوصول لمآربه لا أكثر!
لكن ها هي والدته قد حسمت الأمر وأنهته دون تردد..
ولولا تلك النظرة الأخيرة التي تلبست وجهه فأثارت به وجعًا لقال أن ما حدث هو نهاية مثالية دون خسائر فادحة.
**********

حامدًا ربه على عدم ذهابه بسيارته إلى العمل اليوم جلس في المقعد الأمامي بالحافلة، شاردًا بعد أن نال منه الضيق بسبب الازدحام المروري بساعة الذروة، مُنصتًا بلا اهتمام حقيقي لِشكوى السائق من إغلاق الطريق المُعتاد ليضطر السائقون لتغيير مسارهم إلى آخر أكثر طولًا، ورغم ذلك يعترض الركاب على زيادة الأجرة.
حدجه نضال بنظرة جانبية وكاد يُدافع عن الركاب الذين يكدحون ليلًا نهارًا بلا زيادات في الرواتب، لكنه آثر الصمت عسى أن ينال الضجر من الرجل فيسكت.
ولما يأس من تحقيق أمنيته تظاهر بالاستسلام إلى غفوة قصيرة حتى تنحل عُقدة الطريق.
لكن بعد ما يقرب من دقيقة اعتدل وهو يلتفت إلى أحد الشوارع الجانبية، ثم هتف بالسائق دون تفكير:
_سأنزل هنا.
نظر له السائق في تعجب ثم سأله:
_ألم تقل أنك سـ..
قاطعه نضال قائلًا:
_نعم، لكنني سأبتاع شيئًا، صف على اليمين لو سمحت!
...
دخل إلى الصيدلية يحاول طرد ذكرى الزيارة الوحيدة التي قام بها إليها من قبل، بحث بعينيه عنها حتى رآها تُساعد امرأة على هندمة ملابس طفلتها الصغيرة التي تبكي من وخزة الإبرة.
رحلت المرأة بعد أن شكرتها بلطف، وهمَّت غفران أن تعود إلى الداخل فارتفع صوته:
_أريد حبوب *** للضغط لو سمحت.
كادت تثب بمكانها، لكنها حدَّقت فيه بدهشة وهتفت:
_نضال!
ياحظ اهتزاز الهيئة الشجاعة الواثقة التي كانت تتسلح بها في لقاءاتهما الأخيرة فابتسم، ثم سألها بنظرة مستمتعة:
_كيف حالكِ يا دكتورة؟
أوشكت على الرد بأي رد يُزعجه، لكنها _لا إراديًا_ أجابته في تهذيب، ثم غابت لِثوان كي تُحضر طلبه، وحينما قدمته له سألته في فضول:
_أهذه الحبوب لك أنت؟
أومأ برأسه إيجابًا فقالت بهدوء:
_شفاك الله وعافاك!
رمقها في مكر وعلَّق رغبة منه بِمد الحوار:
_أتشمتين بي؟!
ارتفع حاجباها في تعجب ثم خاطبته في استنكار:
_أيشمت أحدهم بالمرض؟!
ابتسم في تسلية ولم يرد، لتجد نفسها مرة أخرى تتوتر في حضرته، وفي بسمته، وفي حضوره الطاغي والذي رغم بساطته فإنه بطريقة ما يقمع تحفزها، لكنها انتبهت إلى بداية ملحوظة لاحتقان بوجهه فسألته بنبرة مهنية:
_هل تشعر بتعب؟
كاد ينفي تلقائيًا لولا أن احتياجًا قويًّا للاسترسال داهمه، فتنهد قبل أن يُجيب في استسلام:
_بإنهاك.. أشعر بإنهاك شديد يا غفران، أتظنين أنني سأنال استراحة؟ أو.. أتظنين أنني يحق لي طلبها؟
رنت ببصرها إليه في إمعان ليتكرر شعورها بـ..الأسر!
ألم تكره القيود دومًا؟!
ألا يقض مضجعها إحساسها بالقهر، بالضعف؟!
ما لهذه السطوة التي يُلقي بشباكها حولها لا تُخيفها؟! لا تُزعجها؟!
بل تناديها وتجذبها وهي قطعًا لا ترغب بأن توليها ظهرها!
تظاهرت بترتيب بعض الملصقات الإعلانية لأحد المقويات فوق الخزانة، ثم أجابته حينما طال انتظاره:
_نعم!
وابتسمت تستعيد ذلك الدفء الذي وجدته مع أختيها باليوم السابق، دفء كان ليُبدد خوفها لليالي طويلة متتالية لو أنها بادرت بطلبه.
عادت تنظر إليه لتردف بنبرة وديعة بعثت باضطراب كاسح في أوردته ليغض بصره عنها ثانية:
_لا تبق وحدك! احصل على الدعم من عائلتك ستتغلب على متاعبك كلها.
ثم تلاعبت به بقصد أو دونه لا يدري، وابتسمت وهي تُضيف:
_اعتبرها نصيحة إنسانية مجانية!
اختلس نظرة سريعة لها سرقتها عيناه رغمًا عن محاولته منعها، وعلَّق في تهذيب:
_سآخذ بها!
لكنها استطردت بنبرة أخرى طغى عليها بعض التسلط:
_وكنصيحة طبية.. شمر كم كنزتك!
عقد حاجبيه ونظر لها في تساؤل فيما تناولت هي جهازًا ابتاع مثله مؤخرًا، إلا أنه رغبًة منه بالتأكد تمتم في توجس:
_ماذا؟
نظرت له بتعجب ثم قالت:
_ارفعه! سأقيس لك الضغط!
تلقائيًا قبضت كفه اليمنى على ذراعه اليسرى ليتراجع خطوة إلى الخلف وجابت عيناه أنحاء الصيدلية ثم تساءل في توتر:
_حسنًا! لكن.. أنا.. ألم يكن هناك أحد زملائكِ بالمرة السابقة؟ أين هو؟
تركت الجهاز على الخزانة لتعبس على الفور وهي تكتف ساعديها ثم قالت في استنكار صارخ:
_وما الفارق يا سيد نضال؟! أتظن أن الرجال فقط من ينجحون في قياس الضغط؟! النساء الآن تستطيع فعل كل شيء، أدق الجراحات بإمكاننا إجرائها وتظن أنت أنني لن أعرف كيفية قياس الضغط؟! لم أعتقد أنك تفكر بهذه الطريقة الـ..
وحينما رفع حاجبيه متحفزًا ابتلعت كلمتها الأخيرة في توجس فاستحثها في تحذير:
_الـ.. ماذا؟!
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه في نزق فاستدرك برفق:
_العفو يا دكتورة! أعلم أنكِ أفضل من تقيسين الضغط في الوطن العربي، لكنني أُحبذ أن يساعدني طبيب!
ألقته بنظرة مليئة بالسخط وقالت في تهكم:
_لتنتظر إذن حتى يعود زميلي من استراحة غدائه، لا نعلم كيف ستكون حالتك حينها، فاحتقان وجهك لا يبشر بالخير! ربما تفقد وعيك ولا نجد طبيبًا يُنقذك، وبالطبع لا أفقه أنا شيئًا بالإسعافات الأولية التي يتقنها الرجال فقـ..
وهذه المرة لم تتابع عبارتها حينما نبهها عقلها أخيرًا إلى السبب، ورغم عدم تصديقها ذلك التخمين فقد سألته بعينين متسعتين وبنبرة دَهِشَة:
_هل.. هل تستحي أن أفعلها أنا؟!
والإجابة كانت تنهيدة مستسلمة، صامتة لكنها صريحة على وجهه الذي أوشك على الانفجار، فما كان منها إلا أن وضعت إحدى كفيها على فمها ثم استدارت فورًا تفتح جارورًا ما بلا وعي وهي تستسلم لضحكات مكتومة ذاهلة وتهمس:
_يا إلهي! من أي نوع هذا الرجل؟!
زفر في غيظ وأشاح بوجهه إلى الخارج عَلَّ بعض الهواء البارد يلفحه فيُحسن من موقفه قليلًا، لكن عندما كانت هي تستغرق في الضحك قال بنزق:
_أنا أسمعكِ، وأستطيع أن ألاحظ ضحكاتكِ!
على مضض استدارت تطرق برأسها أرضًا لئلا يلحظ عينيها الدامعتين من فرط الضحك، ودون أن ترفعه مدت الجهاز أمامه لتقول في تهذيب:
_باستطاعتك مساعدة نفسك، سأكتفي أنا بالسمع والقراءة عن بُعد.
وكادت تسكت عند هذا الحد، إلا أن روحًا طفولية مُشاغبة نهضت من سباتها الطويل لتجتاحها فتابعت في مكر:
_أم أن سماعي وقراءتي أيضًا سيُخجلانك؟! أتشعر بالتوتر إن اطَّلعت فتاة على قياس ضغط دمائك؟!
ورغم أنه لا يريدها أن تستمع لصوت خفقاته بالفعل فقد تماسك وضغط على أسنانه ثم اختطف الجهاز منها ،شمر كم كنزته في حدة دون أن يحيد بعينيه الحانقتين الصارمتين عنها، فأرغمت نفسها على وضع السماعة في أذنيها ومن ثَمَّ التركيز مع المؤشر حتى قالت بعد ثوان:
_يبدو أن ضغطك مُنتظم، ليس هو السبب إذن!
أومأ برأسه دون رد وهو يتخلص من الرباط المنتفخ حول ذراعه، فأشاحت بنظرها بعيدًا متظاهرة العبث في آلة الحساب وسألته:
_رقم هاتفك؟
أملاها رقمه ووضع ورقة مالية على سطح الخزانة وهو يراقب أناملها الرفيعة تعبث على الأزرار، لكنه رَفَع عينيه إليها حينما جاءه سؤالها العملي:
_إذن ماذا تريد؟
عقد حاجبيه في دهشة ثم رفع علبة الدواء كإجابة عملية كافية، فسألته في استهجان وقد عادت إليها جرأتها وشعرت ببعض الانتصار:
_أليست هناك صيدليات بحيكم؟ هل جئت إلى هنا من أجل شراء الحبوب فقط؟
اعتدل في وقفته وهجم عليه حرج مختلف بلا استئذان، ليس من السهل إفحام هذه الفتاة على ما يبدو، ما إن يظن أنه أحرز نقطة في مرماها حتى تردها إليه أضعافًا فتفوز هي.. ويحتفل هو!
_بالطبع لا! هناك إصلاحات بخط عودتي، فمرت الحافلة من هنا لكنني اخترت المسير بدلًا من ثرثرة السائق لأجد نفسي فجأة أمام هذه الصيدلية وأدخل دون تفكير.
لم تُعلق مُكتفية بتأمل علامات ارتباكه، فتابع مدافعًا كمحام حديث التخرج أجبرته الظروف أن يترافع في أول قضاياه بلا استعداد:
_صدقيني لم أنتبه إلى أنها الصيدلية التي تعملين بها إلا حينما رأيتِكِ أمامي!
اتسعت ابتسامتها وقالت في تهكم:
_أنت تكذب.
بلا تأنِ رد نادمًا حانقًا:
_أستغفر الله العظيم! وكيف عرفتِ؟
ورغم الحياء الذي زار ملامحها أخيرًا فقد أشارت بسبابتها إليه وقالت:
_تبدو مُتوترًا بشدة.
زفر في حرارة بينما راحت عيناه ترتحل على ملامحها في تمهل؛
للمرة الأولى!
كل ما يتعلق بها يحدث معه للمرة الأولى؛
لم تُثِر إحداهن غضبه مثلما فعلت؛
لم تُشعره إحداهن بالذنب سواها؛
ولم.. لم تُسبب له إحداهن هذا التوتر، وهذا الانفعال، وهذا الحماس بداخله؛
حتى أنه لم يُطِل النظر بفتاة قبلها.. ولا يظن أنه قد يفعل مع غيرها!
_لا أعلم على وجه التحديد لماذا جئت، ربما استدعتني نَدَّاهة ما!
رمقته في توجس فتابع في خفوت أزجاه عبث رأته قبلًا خارج قاعة الزفاف فخطفها دون أي إشارة للاعتراض من قِبلها:
_نَدَّاهة سوداء!
ضحكت تستعيد ما جرى على لسانها باليوم ذاته وهي تعمد إلى هزيمته بلسانها، وتطلع هو إلى احمرار وجنتيها الذي عبث بالبقية المتبقية من هدوءه، ثم تأمل كل شيء بالمكان فيما عداها وأضاف بلا تروي _أيضًا للمرة الأولى_:
_بما أنني هنا _قدرًا_ ما رأيكِ بأن نقيم دعوة على الطعام بالشقة التي سيتخذها مهند ولؤي وزميلتهم لتشجيعهم من أجل مشروعهم؟
ازدردت لعابها وشاع التردد على محياها، ورغم ذلك رسمت ابتسامة ضعيفة قالت من خلالها:
_إنها.. فكرة جيدة.
تنهد في ارتياح وكأنه دنا من خط النهاية بمسابقة لم يسع إليها، لكنه بات مُتلهفًا بكل جوارحه للظفر بها، ثم في شوق لم يفهم له سببًا سألها:
_إذن.. نلتقي بالأسبوع القادم؟
وسرعان ما أومأت برأسها لتؤكد رغمًا عن حبها الدائم للتأني:
_نلتقي بالأسبوع القادم.
_سأنتظركِ.
قالها واعدًا ومُطالبًا وبالوقت نفسه لا يستطيع التحكم بأمارات خجله الظاهرة، فترددت لتقول في خوف فرض سيطرته على ملامحها:
_ربما.. أتأخر، دومًا تنال مني العقبات فأتعطل.
أسدل جفنيه وهو يتمنى لو استطاع أن يسدل ستارًا على قلبه الذي يتصرف بعشوائية لم يعهدها عليه من قبل، ثم عاد وفرقهما ليُعلِّق في تأكيد:
_لا بأس، سأنتظركِ.
توترت عيناها واكتسبت نظرتها بعض الألم، فأشاحت بوجهها بعيدًا وخاطبته في حسرة:
_سوف.. سوف تسأم من الصبر، لن تجد نتيجة تستحق وستضطر إلى الرحيل في النهاية.
عندئذٍ خالفت عيناه رزانة قواعده وتفحصت جمالها الشجي كما يَجِب أو كما.. بات يُحب، فَهز رأسه نفيًا وكرر في ثبات:
_لا أظن ذلك، سأنتظركِ.
عادت تنظر إليه في رجاء وتمتمت:
_نضال! لا تـ..
ألجمتها نظرته وكبلتها؛
نظرة ترفع عن قلبها هي بعض الغشاوة التي حاولت مُقاومتها منذ زمن حتى اختارت الاستسلام لها.. بطريقتها!
نظرة تعدها بأن هناك من يهتم، ومن يرغب باحتوائها؛
وكضربة صاعقة انطلق السؤال بذهنها وعينيها معًا:
"أيستطيع أحدهم الاهتمام بها ومن ثَمَّ احتوائها؟!"
_سأنتظركِ غفران، تجاهلي كل العقبات وتعالي إليّ!
شاب عبارته رجاء شعرت به يتخلل كيانها فلم تجد بدًا من أن تبتسم وهي تعده بالتنفيذ دون رد، فسحب الكيس البلاستيكي الذي يحوي الدواء وودعها متأملًا إياها في تردد صامت، ثم انصرف.
ظلت ابتسامتها عالقة على شفتيها حتى رحل تمامًا عن ناظريها، أعادت الجهاز إلى مكانه وهي تحاول استيعاب طباعه الغريبة كُليًّا عنها، وتتساءل أيضًا في فضول عن نوع الأمان الذي يوفره رجل بخلقه الواضح على من يهتم لأمورهم؛
أو.. نوع المشاعر التي تكتنفه في حال وهب امرأة ما عاطفته!
ربما.. بآخر الأمر ستضطر للاعتراف بأن وجهة نظر شقيقها تجاهه صائبة!
استرعى سمعها صوت رسالة نصية ففتحها لتجد شقيقها بنفسه يُلح عليها بتنفيذ وعدها..
انمحت ابتسامتها ليعود الهم إلى ملامحها، ورغم التوتر الذي أخذ يستولي على قلبها فقد تمنت لو يمر الوقت سريعًا حتى ترحل.. للمواجهة!
**********

"ارحلي يا أماني! لقد سئمت تشاؤمكِ المُبالَغ به وكأنه يُصادق تاجر أعضاء!"
هتف الحاج فؤاد في حنق حينما ارتفعت طرقات على باب غرفته بعد أن نشب بينه وبين ابنته الصغرى شجار حاد لَمَّا حاولت جره إلى حديث يُخرسها فيه كل مرة، لكن يبدو أنها تود استئنافه لعدم اقتناعها برأيه بتهويلها في خوفها من علاقة ابنها بمُعلمه السابق..
فهو يُدرك ما لم يتفوه به ياسر علنًا، ويُدرك أنه ربما وجد بذلك الرجل والدًا لم يتنعم بصحبته..
انفتح الباب فاعتدل في مقعده أمام النافذة تعربد أمارات الغضب على وجهه، لكنه تجمد تمامًا وهو يحدق فيمن لم تطأ قدماها الغرفة منذ سنوات..
لدى الباب وقفت بعد أن أغلقته، تحدق به في تركيز، في اتهام؛
فيما سكن هو تمامًا يُبادلها النظر، بتساؤلات، باعتذارات لا يدري سببها!
"لقد جئت من أجل لؤي."
بصوتها القوي بادرته، ثم تابعت عندما لم تحصل على رد:
_لا يرغب بأن يقضي عمره بمصنعك، يتمنى لو يفتتح مكتبًا هندسيًا مع زملائه.
_مصنعي؟!
في استهجان علَّق، ثم تابع:
_ألم تعلمي بأنه بات مصنعكم أنتم؟!
لم تأبه بالرد، فأردف ساخرًا:
_هل أرسلكِ كي تتوسطين لديّ من أجله؟ هل ناله الجبن أن يتحدث معي مباشرًة؟
احتدت نظرتها أكثر ثم هتفت في حمائية:
_لا! شقيقي ليس بجبان، بل أنا من تطوعت.
أولاها ظهره ليعود إلى وضعه الأول، وقال في صرامة:
_قولي له:"تعال لتخبر جدك بما تريد بنفسك، كن رجلًا ولا تتخفى خلف النساء!"
اجتاحها القلق من ردة فعله غير المُتوقعة، ثم في شك سألته:
_إذن لن تمانع رغبته؟
فأجابها دون تردد:
_لم أجبر أحدكم على قرار منذ صغركم مهما بدا به من حماقة وتهور، فلماذا سأُلزمه هو بما لا يريد؟
وأضاف بلا اكتراث:
_ياسر يتولى أمور المصنع لأنه يحب العمل به، ولو لم يكن يفعل لبحثت عن موظف يديره، لستم عبيدًا وأنا لست لكم بِسجَّان!
همدت قوتها تمامًا وزال تحفزها دون أثر، إلا أن الغيظ استعمر كيانها حالما أدركت أن المعركة التي استعدت لخوضها قد انتهت قبل أن تبدأ، فراهنت على سلاح الاستفزاز لتهتف فجأة بتهكم:
_تحب العدل وتطبقه دومًا، أليس كذلك؟!
لم تأتها الإجابة فورًا فظنت أنها انتصرت، لكن بعد قليل سألها في هدوء:
_هل ظلمتِكِ يومًا يا غفران؟
_جميعكم فعلتم.
هتفت بها بلا انتظار، فعقد كفيه على عصاه وقال بثبات:
_خبريني فيم ظلمتكِ كي أكفر عن خطئي!
_أتتظاهر بأنك لا تعلم؟
وسؤالها الأخير خرج بنبرة ساخرة في صوت عالِ، فانتفض واقفًا يرفع عصاه تجاهها صائحًا في غضب:
_أولًا: لتلتزمي بأدبكِ أثناء مخاطبتِكِ جدكِ يا بنت! ثانيًا: فلتتحدثي مُباشرةً بكلمات صريحة مُحددة أو لترحلي إلى جدران السجن الذي تحبسين به نفسكِ!
نظراتها العنيفة أججت غيظه، فتابع هادرًا:
_منذ سنوات وأنا أسألكِ عن سبب تحولكِ إلى هذه الإنسانة الحقودة التي تكره الجميع فتكتفين بابتسامة مُقيتة وإيحاءات لا معنى لها، لِذا لا حق لكِ لديّ يا غفران! لا حق لكِ لدي حتى تُطالبي به علانية!
في امتعاض، وفي كراهية لا أمل بالحد منها سألته بكلمات خافتة لكنها له مسموعة:
_أتستكثر عليّ أن أشعر تجاهكم بالبغض بعدما دعستموني بأقدامكم جميعًا؟!
عقد حاجبيه في دهشة فارتسم الألم بعينيها بينما كان صداع رأسها يستيقظ في إصرار مُصطحبًا مشاهد ماضية.. مُخزية!
"إياكِ أن تتفوهي بكلمة! الفضائح ستنالكِ وحدكِ إن فعلتِ!"
هزت رأسها في عناد، وتابعت بصوت مهتز:
_أنت، وابنك، وابنتك، و.. وحفيدك.
ومرة ثانية خرج قيح ذكرياتها لينسال إلى حاضرها..
"كانت حماقة منه لا أكثر، هو يحبكِ ويرغب بالزواج منكِ!"
"وأنا أكرهه!"
بدأ جسدها بالارتجاف انفعالًا، لكن جدها تقدم منها يسألها في نظرة قَلِقَة:
_ماذا تعنين يا غفران؟ من أساء إليكِ بهذا البيت؟ ماذا فعلت عزة؟ وأي حفيد تقصدين؟
انعقد لسانها وهي تتطلع إلى الصدق بعينيه، صدق لا مجال له ولا يُعقل أنه حقيقي!
تضافر الشك مع الخوف بنظرتها، وقبل أن تصرخ به في استنكار تحدثت متوجسة:
_أنت تتظاهر بأنك لا تفهم ما أعنيه، أليس كذلك؟!
ومُجددًا نال منها الاشمئزاز حالما اقتحم مشهد الذروة عقلها فأغمضت عينيها في قوة!
"لا طريقة لإصلاح الخطأ سوى واحدة بعينها!"
"أنا لم أُخطئ!"
"جدكِ هو من أصدر الأمر، ستتزوجان!"
"أي عدل هذا؟! جدي سيُزوِج المُعتدي من المجني عليها؟!"
_غفران!
نداء جدها القريب أجبرها على العودة، فنظرت له في ذعر بينما كان هو يقول في صرامة مُكللة بحنانه المعهود:
_عمرو أم هاني؟ من منهما أساء إليكِ؟ فأنا أكيد بأن ياسر لن يفعل، خبريني من منهما قام بإيذائكِ وسأحضره في التو لِيتوسلكِ كي تتقبلي اعتذاره.
اتسعت عيناها في ذهول وتراجعت إلى الخلف، ندت عنها شهقة باكية فكتمت فمها بكفيها، ثم تمتمت في رجاء:
_أرجوك خبرني أنك تتظاهر! لقد قالوا أن الأمر صدر عنك أنت، أليس كذلك؟!
ارتفع حاجباه في دهشة وهو يعي مقصدها..
هناك وشاية، هناك وقيعة، هناك إجابة مُحددة طالبها بها لسنوات فحجبتها عنه ظَنًّا منها أنها لديه، وأنه من سطرها منذ البداية!
_أي أمر يا بنيتي؟ ماذا خبروكِ عني؟
سألها بنبرة فائضة بالألم، ألم تحصَّلت هي على بحور منه فقالت في تردد زاده الذهول:
_لقد.. لقد..
ماذا تقول؟
لو أنه صادق ماذا ينبغي عليها أن تقول؟
أن هناك جريمة وقعت تحت سقف بيته، في غيابه؟
أن هناك أكثر من مُتستر، على رأسهم والدها.. ابنه الراحل؟
وأن.. أن والدتها شاهدة، صامتة، راضية بظلم ابنتها.. وبالتالي بظلمه هو؟
لا!
لا!
لتتأكد أولًا، أو.. لتمنحه نصف إجابة حاليًا!
_لقد خبرني أبي أنك وافقت على تزويجي بعمرو.
قالتها في اختبار نتيجته أيًّا كانت ستؤلمها؛
لو كانت بالإيجاب.. لن يتغير شيء، لن تخسر شيئًا، لكنه سيبقى في نظرها أكثر من قام بخذلانها!
ولو كانت بالنفي..
سيتغير الكثير، ستكون قد خسرت بالفعل، خسرت عشر سنوات من حرمان لم تتعافى منه.. حرمان من حنان هذا الرجل!
_أي هراء هذا؟!
اللعنة! اللعنة!
رددها عقلها حينما انخرس لسانها لثوان أدركت هي خلالها الحقيقة التي لم يُلِم هو بجوانبها كلها بعد.
_أنت.. لم تفعل؟
سألته في صوت متقطع وهي تتبع تعبير مصدوم على ملامحه، فأجابها صائحًا:
_قطعًا لا! لقد رفضت طلبه ووالدته أكثر من مرة بالفعل، لماذا سأُبدل رأيي؟!
غلبتها دموعها لتُغنيها عند التحدث، فسارع بتناول محرمته الخاصة ومسح بها وجهها ليسألها في عطف طغى على حنقه:
_ولماذا لم تسأليني؟! لماذا لم تواجهيني؟ أنا لم أحاول عرض الأمر عليكِ لأنني لم أكن لأرضاه لكِ زوجًا مُطلقًا!
هزت رأسها بقوة وتراجعت أكثر، يلزمها وقت أطول كي تستوعب، كي تفهم..
كي تُقر أن تهمة الظلم التي ظلت ترميه بها لسنوات.. بالمثل تتلبسها هي!
_تعالي يا غفران!
قالها مُطالبًا بالمزيد من الشرح، شرح لا تملكه بهذه اللحظة، فرمقته في اعتذار ثم فتحت الباب لتهرول إلى الخارج.
**********

بملامح مُتجهمة تفوقت على خاصته تقدمته إلى الداخل ما إن فتح الباب، لكنها توقفت مكانها بغتة لتمشط الصالة بعينيها، ثم بخطوات مكتومة تسللت إلى المطبخ تحت نظراته المُتوجسة..
"أسمعت هذا الصوت؟!"
سألته في همس حالما عادت ثانية، وبِداخله شَكَر مصدر الصوت المجهول الذي جعلها تتحدث إليه بعدما قضت الساعات معه في المحل نفسه دون توجيه نظرة واحدة حيث يكون.. لأربعة أيام متواصلة!
_أي صوت؟
بلا اكتراث مُفتعل بجدارة أجابها مُتسائلًا، فيما راحت عيناه تأكل ملامحها بنهم يُهدد بإنهاء العقاب الذي أوقعه عليها دون أن تدري ولم يتأذى بسببه بقدره هو!
_هناك صوتًا.. إنها ليست المرة الأولى حيث أسمعه عندما نعود إلى البيت.
في همس مُكرر نطقت بينما بدأ الشحوب ينتشر على محياها المتورد بسبب البرد، فتظاهر بالجدية وعلق في اهتمام:
_أتظنين أن شقتنا باتت مسكونة؟
ارتفع حاجباها واتسعت عيناها ذُعرًا وفقد لسانها كل التعبيرات، فمط شفتيه وأولاها ظهره ليتابع مُصطنعًا الأسف:
_عسى أن يكون حظ القاطنين الآخرين أفضل من حظنا!
_أين ستذهب؟!
سألته وهي تتشبث بملابسه من الخلف فأغمض عينيه وتنهد في تعب..
ماذا يحدث إن استدار ليضمها في عناق طويل يتضمن عتابًا ما.. واعتذارات لا حصر لها؟! ماذا يحدث إن أسقطا ذلك اليوم من ذاكرتيهما معًا وأقرَّ بكل ما أعده يوم زفاف أختها وتغاضيا عما سمعت، ثم ما اتهمته به، ثم ما دافع به عن كرامته؟!
ثانيًة تنهد وكتم ابتسامة حطت على وجهه إجباريًا وهو يتصور وجهها المذعور من الأشباح المزعومة، ثم استدار إليها قائلًا:
_إلى غرفتي، أتودين مشاركتي؟
على الفور تخلت عنه فضحك في تسلية، ثم تابع طريقه قائلًا بلا اكتراث:
_إنها أصوات الفئران التي تتسلل من حين لآخر من باب المطبخ الداخلي المُطل على المسقط، إذا تركتِها وشأنها لن تضركِ بشيء، ولو أتيتِ إلى غرفتي لن تلحق بكِ.
ندت عنها شهقة هلع والتفتت صوب المطبخ المُظلم ترمقه في رُعب وكأنه كهف يعج بالوحوش، لكنها تدريجيًا أقنعت نفسها بأنه يتعمد تخويفها حتى يسخر منها كعادته، لِذا في ثبات مُفتعل اتجهت إلى غرفتها بعدما أكد لها الصمت المُطبق أن تلك الفئران قد مضت إلى حال سبيلها.
بقى بمكانه حتى اختفت بالداخل ثم زفر في غيظ وهو يفهم أنها لم تقتنع باقتراحه!
...
خلف باب غرفتها وقف عازمًا على تنفيذ فكرته، سينتهي هذا الخصام اليوم بفضل التجاهل، وسيبدأ مُجددًا بتصحيح ظنونها تجاهه..
"لقد أعددت شطائر جُبن، أترغبين ببعضها؟"
سألها بعدما طرق بابها مرتين في قوة فلم تُجبه على الفور، إلا أن صوتها جاءه بعد قليل خفيضًا مُفعمًا بالألم:
_أنت لست بذلك السوء، ناهل الذي لطالما عرفته لن يحتال، لن ينتقم، ولن.. يخون.
تنهد في تعب واعيًا إلى أن كل محاولاته لتناسي حوارهما السابق والتظاهر بأنه لم يكن لم يُكتب لها النجاح، وبأنها لن تستسلم حتى يُجيبها، بينما حتى يُجيبها سيضطر هو إلى الاعتراف بما يجعلها تشفق عليه..
ولكم يكره الشفقة ومن يرمونه بها!
شعر بها تدنو من الباب فوضع يده تلقائيًا على المقبض يتمسك به بقوة..
حاولت في حيرة؛
ثم في تخبط؛
ثم في إصرار؛
وبآخر الأمر أدركت أنه يقف على الجانب الآخر يتمسك بالمقبض، يُقيدها، يستميت ليمنعها من اقتفاء أثر معلومة قاسية لم تكتشفها إلا بأكثر الطرق فجاجة!
_افتح الباب يا ناهل!
أمرته في ضعف فأغمض عينيه يائسًا..
_دعني أخرج يا ناهل!
طالبته في رجاء فهز رأسه رافضًا..
_خبرني بالحقيقة يا ناهل!
ببطء استند بجبهته على الباب، ودون اتفاق فعلت المثل من الداخل، لكنها بعد ثوانِ سألته في ضياع:
_هل هي محقة؟ هل كان الأمر كما صورته زوجة أبيك؟ ألم.. ألم تفكر بالزواج بي للمرة الأولى حينما طلب منك جدي؟
وقبل أن يتكلم تابعت في قوة رغم صوتها الباكي:
_لا تقل شيئًا! محال أن تكون صادقة، هي تحاول سلب دفء وَجَدْتُه بين جدران بيتك، تحاول الانتقام منك عن طريقي أنا، لكنني لن أسمح لها.
تراخت يده على المقبض ورفع رأسه يحدق في الباب، ومُجددًا فعلت المثل رغم الحاجز الذي يحجب عنها رؤيته!
وقف حائرًا أيشكر الفرصة التي قدمتها له ويسعى لتأكيدها كاذبًا؟
أم يرفضها ليصرخ بالحقيقة في مُقامرة غير محسوبة العاقبة؟
ثم سمع ضحكة قصيرة ساخرة، تلتها عبارة بمثابة طعنة غائرة:
_كيف لي أن أشك؟! كيف ظننت أنك قد فكرت بي بينما لم يخترني أحد يومًا!
تخشب بموضعه لِوهلة، وغاض قلبه في صدره حالما أردفت في نبرة تقريرية موجعة:
_لم يخترني أحد، مُطلقًا لم يخترني أحد.
همَّ بأن يصرخ ناكرًا، لكن حدسه أنبأه بأنها ترغب بالشكوى إليه هو، ألا يمنحها تلك الفرصة؟
_أمي اختارت لين كي تعوضها حرمانها من والدتها، ثم غفران كي تسيطر على غيرتها، وأبي اختار لؤي كي يصبح صورته المصغرة.
وسكتت قليلًا ثم ضحكت في دمعات استشعرها رغم أنه لم يرها، لتُضيف:
_أتعلم ما المثير للسخرية؟! لم تفلح أمي في تعويض لين على الوجه الأمثل، ولا في كبح جماح غضب غفران، وأبي توفي قبل أن يمنح مكانه بالمصنع للؤي، وهكذا فقد تظاهر كلاهما بعدم وجودي ولم يحققا ما سعيا إليه.
_إيلـ..
ونداءه الخفيض باسمها بترته حينما تابعت:
_ربما تظن أنني شامتة، لكنني لا أفعل، أنا لا أرغب سوى بمعرفة لماذا لم يخترني أحد.
تكالبت عليه الحجج ثم تخلت عنه، دومًا عرف أن هذا هو ما يؤرقها وحاول قدر استطاعته صرف تفكيرها عنه، لكن اليوم لا مفر من الاعتراف بفشله!
_أأُخبرَك سرًا؟
أعاد إليها كامل انتباهه حينما استأنفت حديثها في خفوت، وفي اهتمام مأسور بالألم قال:
_أخبريني ما تشائين يا إيلاف، سأسمعكِ إلى ما لا نهاية.
ابتسمت في امتنان عندما لم تفاجئها إجابته، ولم يُدهشها استعداده الدائم للاستماع، للعناية، وللعطاء!
ثم قالت في خجل بينما راحت شفتاها ترتجف دون إرادتها فخرج صوتها ضعيفًا:
_حينما.. بدأ الخطاب يزورون بيتنا جاءوا من أجل لين وغفران، حتى عمتي أماني إلى الآن تُطلب للزواج، بينما لم يتقدم أحدهم لي، لم تنتابني نشوة إدراك أنني مرغوبة، لم أُمنَح مزية الحيرة والتفكير بالموافقة أو بالرفض، لم أُصلِ استخارة يومًا من أجل عريس!
آلمه شعورها رغم جهله بالطريقة المُثلى للمواساة، لكنها أضافت في خزي:
_هاني.. كان هو الوحيد!
أغمض عينيه يرغم نفسه على كتمان انفعاله، وكبت استياءه، إلا أن اللعنات بداخله تعاظمت في اطراد؛
كارهة؛
لائمة؛
نادمة!
حتى تردد صدى صوت كبرياءه التي تكافح كي تحافظ على عنفوانها:
"لا تفعل!"
لكنه فتح عينيه فأخرس الصدى، واللعنات، وكل لمحة من عتاب لا يجد مُستحقه..
ثم في هدوء قال:
_لم يكن الوحيد يا إيلاف.
وأردف في صوت مُتحشرج:
_بل إنه لم يكن الأول!
ثوانِ حالت بينهما أدرك هو خلالها أن التراجع قد بات أسطورة، وأن أي محاولة خرقاء للتشدق بمعنى مغاير للحقيقة فما هو إلا غباء مُتقن، وهو ما أكدته حينما ارتفع صوتها مُتسائلًا في جهل واضح:
_ماذا تعني؟!
وأعقبت سؤالها بأن فتحت الباب فجأة قبل أن ينتبه لتُشدد في استفهام ظلله استجداء لم يفته:
_ماذا تعني بأنه.. لم يكن الوحيد أو الأول؟
إلا أن الذهول عم كل خلجاته وهو يتطلع إليها كأنه يرى امرأة للمرة الأولى، بل..
يرى امرأته هو بهذا الجمال للمرة الأولى!
من الأسفل إلى الأعلى جابت عيناه جسدها في تمهل..
جوارب شتوية سميكة محشوة على هيئة أرنب، بنطال منامة صوفية يُضيف إلى حجمها الحقيقي الكثير، غطاء رأس ينتهي عند حدود جفونها، ووشاح طويل يلتف مرتين حول عنقها..
إلا أن أي من هذا لم يُثِر انتباهه بقدر ما فعلت.. السُترة!
سُترة يبدو أنها قد تلقَّت عناية فائقة حتى لا يبلى قماشها، سُترة يراها الآن بعين خياله معقودة على خصرها ليتخبط قلبه بداخل صدره مع كل خطوة تبتعد بها عنه، بينما البُقع التي لا زالت تفترشها تبدو له الآن أجمل عمل فني وقعت عليه عيناه!
_أنتِ ترتدينها! لا زلتِ تحتفظين بها!
في ذهول تمتم وهو يحملق في وجهها بعينيها اللامعتين وأنفها المُتورد وشفتيها المُنتفختين، فما كان منها إلا أن تمسكت بها في قوة بكلتا يديها لتبتسم وترد دامعة:
_خبرتك قبلًا أنني أرتديها عندما أشعر بالبرد أو بالوحدة، والليلة يتنازعني الشعوران معًا.
اقترب منها حينما بدأت ذراعاه بالمُطالبة بحقوقهما في احتوائها، وسألها في لَوم:
_وأنا؟ أين أنا من وحدتكِ وألمكِ يا إيلاف؟
هطلت دمعاتها وهي تُقر في استسلام:
_ أنت بطلهما الليلة يا ناهل، للمرة الأولى أنت السبب.
حينئذٍ لم يقو على المقاومة، فأحاط وجهها الساخن بكفيه الخشنتين، ليقول في صرامة شابها حنان غزير:
_لست السبب، بل اقتناعكِ التام بصغر قيمتكِ، رغم أن الحقيقة مُناقضة تمامًا.
تأملته في صمت ليُتابع هو:
_يكفيكِ أن تختاري نفسكِ يا إيلاف، لستِ بحاجة لأحد.
ثم ابتسم وأطلق تنهيدة حارَّة، وراح يستطرد في تَوْق لم يعد يحفل بتخبئته:
_كما أنني اخترتكِ منذ زمن، منذ واظبت على انتظار تحيتكِ كل صباح كأول رشفة بعد صيام، منذ أدمنت نظرتكِ المبهورة إليّ وأنا أشرح لكِ بعض الأمور في العمل كأنها الوظيفة الأهم في حياتي، ومنذ سكبتِ عليّ "حمص الشام" ذات مرة فكدتِ تحرقين جلدي لكنكِ لم تنالي مني سوى قلبي وذهني.
تلجلجت الكلمات بحلقها باحثًة عن تفسير، فلم تستطع التفوه سوى بـ:
_مـ.. ماذا تعني؟
تراجع إلى الخلف على غير رغبة منه، ونظر لها في ابتسامة خالصة من كل الجفاء الذي صار جزءً من تعبيراته، ثم قال في هدوء:
_شَرِّعي أبواب عقلكِ وقلبكِ! ربما ما تستهجنين التفكير به هو الحقيقة المُطلقة، هو الأصل وبداية كل شيء، ولا تخافيني! فأنا آخر من ينبغي عليكِ الخوف منه وأول من يجب عليكِ الاحتماء بظهره.
وحينما طالت نظراتها المتسعة في ارتياب أكثر من اللازم أردف في بسمة مُتوترة وهو ينطلق إلى غرفته:
_عودي إلى الداخل يا إيلاف! هذا التردد بعينيكِ يغريني بألا أترككِ ترحلين.
تسمرت بمكانها في سكون مُناقض لهذا الارتجاف الذي يعتري قلبها..
تلاحقت أنفاسها وعقلها يلهث خلف احتمال.. مُحال!
أوشكت على البكاء ثانية.. لا حسرًة إنما خوفًا من الاستسلام لحلم مُستحيل ظلت تنهر نفسها طيلة الفترة السابقة ما إن تتجرأ وتتمناه؛
قد.. تخسره كنصف آخر تملك اهتمامه وثقته ودعمه.. لا أكثر!
هي ليست طامعة، حتمًا ليست بطامعة ولن تطالبه بحب لن يختارها هي لا سواها كي يمنحها إياه!
إلا أنها أخرست خوفها وتجرأت لتدفع قدميها تجاه غرفته، ثم بلا تراجع هتفت تطالبه وهي تقتحم حدوده:
_لا تتركني إذن!
تطلعت إليه يقف أمام خزانته، مُوليًا إياها ظهره ويمسك بإحدى يديه.. بورقة!
بقت تحاصره لثوان حتى استدار ليواجهها مُستسلمًا وقد فقد كل رغبة على مواصلة الصبر، فتخشبت مكانها وتكلمت بصوت مرتجف انفعالًا:
_عندما قلت أنه لم يكن الوحيد ولم يكن الأول أنت لم تكن تعني أنك.. أنت..
بترت عبارتها في رهبة، وفي حرج من أن تكون قد تمادت بعيدًا بأمنياتها، فما كان منه إلا أن مد يده إليها بالورقة مُكتفيًا بتأملها بنظرة هزم بها العشق أي تعبير آخر!
ودون تردد تقدمت منه لتتناولها بيدين مهتزتين كحال مشاعرها، وفي صعوبة نزعت عينيها عن عينيه التي تفضح الكثير لتحط على ورقة تُعلنها صراحًة..
"أُحبكِ يا إيلاف!"
"ليتني اعترفت لكِ بما تصرخ به خفقاتي منذ سنوات!"
"طلبت الزواج منكِ من قبل يا إيلاف!"
"ليتني ما آمنته على قلبي!"
"وليتني حذرتِك منه!"
كم مرة أعادت العبارات؟
كم مرة حدقت في التاريخ المُدون أسفل يسار الورقة لتتأكد أنه يعود إلى عشرة أشهر مضت قُبيل سجنه؟
كم مرة اختلط عليها الأمر فظنت أنها تتوهم قراءة كلمات شَكَّلها ذهنها المُضطرب بهذا الحين؟
وكم مرة توسلت نبضاتها ألا تخذلها حتى تستوعب ما تَزينت به هذه الورقة بخط لم يجهله عقلها.. أو قلبها؟
_يا إلهي! يا إلهي!
وكم مرة تمتمت بالكلمة ذاتها لا تجد أكثر منها تعبيرًا عما تتعرض له الآن؟!
هزت رأسها رفضًا، ذرفت دمعاتها خوفًا، تطلعت إليه في استفهام بينما تلك القشعريرة تسيطر على جسدها بأكمله..
وعندما لاحت ابتسامته وهو يزفر في راحة هتفت بصوت عالي في ذهول أثناء دورانها في تيه حول نفسها:
_يا إلهي! ناهل!
ثم توقفت..
يفصل بينهما ما يزيد عن المتر قليلًا؛
بينهما جبال من الصمت والأحاديث، وديان من الثقة والخيانة؛
حب لا مشروط، وانتظار بلا أمل؛
بينهما سهم تفرقة سرت سمومه في العروق لسنوات!
وحالما أيقن أنها استنتجت ما غاب عنها لِوقت طال أكثر من المُحتمل ردد في خفوت:
_ناهل يجوب ظمآن منذ زمن بحثًا عن واحدة، وحيدة، لم تسبقها إحداهن، ولن تفعل حتى يحين الأجل، تآلف قلبه مع روحها ما إن رآها، وأقسم على إخلاصه لها إلى الأبد.
اختلطت الكلمات بصوته مع صفير دقات قلبها، وسالت الدموع من عينيها أكثر وكأنها تهرب في عشوائية، فلم تستطع إلا أن تُكرر في صوت لا يزال غير مُصدق رغم تشبعها بكل اليقين:
_يا إلهي! كيف..؟ ناهل! أنت.. وأنا؟! أنا بالذات؟! منذ متى؟! مُحال! مُحال! مُحال!
والمسافة التي تُقدر بالكثير اختُصِرت في غمضة عين قبل أن تُدرك عندما أدركها هو؛
وأمام بشرتها زفر في نفاد صبر ثم أحاط رأسها بكفيه مرة أخرى، ولما فشل في البحث عن كلمات يؤكد بها ما تستبعده مال ليتذوق شفتيها على مهل مُجبرًا إياها على إيقاف هز رأسها إنكارًا مع ترديد كلمتها الأخيرة بلا تعب، وبعد ثوان همس:
_ناهل أنهكه الجفاف، يموت إن لم يرتوِ من غيثِكِ يا إيلاف!
وباللحظة التالية نقلها إلى عالم آخر غابت فيه؛
اجتاحها خوف؛ تحول إلى تردد؛
ثم إلى استسلام؛
إلى أن تجاهلت ذراعاها إذنها لتلتف حول عنقه وتتقبل هي كل ما يُرشِدها إليه!
كقطع الأحجية التي حارت لسنوات في تنظيمها.. والآن ها هي كل واحدة منها تتخذ مكانها لتتضح الصورة الحقيقية، فتفهم كم كانت غائبة الوعي!
وبعد قليل رفع رأسه عنها ليرمقها بنظرة عاشقة حارَّة لم تتصور أنه قد يتطلع بها إليها أبدًا، ثم قال في صوت مبحوح وأصابعه تمتد إلى سحاب سترته على جذعها:
_أريد استعادة سُترتي لو سمحتِ، سأقوم أنا بوظيفتها أفضل مما تتخيلين!
كانت تحملق فيه فاقدة القدرة على النطق وتكافح لئلا يغشى عليها أثناء محاولتها إقحام اعترافه المكتوب بعقلها، ولم تنتبه إلا لقبلته التالية المُتملكة قبل أن يبتعد قليلًا ليتمتم في مكر بصوت متحشرج:
_بالمناسبة! ما أنا على وشك القيام به الآن لن أكون آسفًا عليه!
ضحكت في رقة رغمًا عن استمرار هطول دمعاتها ورغمًا عن خجل فطري بدأ يعلن عن حضوره، إلا أنها هزت كتفيها لتهمس في استسلام:
_ولا أنا!


تعليقات