📁 آخر الروايات

رواية علي ضفة قلبك ظمآن الفصل الخامس عشر 15 بقلم سعاد محمد

رواية علي ضفة قلبك ظمآن الفصل الخامس عشر 15 بقلم سعاد محمد


الفصل الخامس عشر
(التئام)
بتؤدة دلف إلى الحي البسيط الذي زاره مرة واحدة من قبل حينما أصر أن يقل معلمه السابق إجلالًا له وإزعاجًا لابنة شقيقه على حد سواء، لا يعلم لماذا ساقته قدماه الآن إلى هذا المكان تحديدًا بدلًا من قمة اعتاد الوقوف فوقها مُستشعرًا صغر قيمة العالم بأكمله بالأسفل.
لكنه لم يجد في نفسه رغبة بمواجهة أحد من أفراد عائلته بعد أن خرج لؤي وناهل من المشفى..
الأول بساق مكسورة مُجبرة، والآخر برباط طبي يلف رأسه الذي تعرض للارتجاج.
وصل إلى المقهى حيث حيا زبائنه معلمه بالمرة السابقة فأخبره أنهم أصدقائه الذين يقضي معهم وقت فراغه، والآن ها هو يجلس بينهم، يلتفون حوله مرهفي السمع في اهتمام بالغ، بينما يبدو أنه يلقي إحدى خطبه المعهودة.
تسلل إليه شعور بالخزي عندما تذكر السخرية التي اعتاد أن يرميه بها خلسة مع زملائه حين كان يبدأ بإسداء النصائح لهم بلا داع، أو نهيهم وردعهم دون أسباب..
"السلام عليكم يا أستاذ ضياء!"
تطلع الجميع إليه في استنكار بعد أن قام بدور الفاصل الإعلاني المُثير للغيظ في غمرة استمتاعهم بالعرض، فيما رمقه الرجل نفسه لثوان بتساؤل قبل أن تنفرج ملامحه كلها بغته وهو يهتف:
_وعليكم السلام يا بني، ياسر، أليس كذلك؟!
طالما رحب به الأستاذ ضياء إذن هو ضيف يُكرم حتى أفضل المراتب!
ابتسم البعض بينما وضع أحدهم خلفه كرسيًا خشبيًا ليجلسه آخر دون استئذان، ثم ظهر صبي المقهى من اللا مكان متسائلًا في ترحاب مبالغ به عما يشرب!
انخرط بينهم ليتناسى شيئًا فشيئًا الهم الذي يعتريه منذ الليلة الماضية، والتعب الذي يمتلك كل إنش بجسده، والندم على نظرة الخذلان التي رآها بعيني جده.
لكن هذه الوجوه الطيبة، الابتسامات الصادقة، الكرم والصراحة والود، كلها معالم افتقدها بعد أن نهشت أنياب الجشع في مُحيطه كل فرصة لوجودها!
بينهم جلس مُستمعًا في أدب، شاردًا في تعب، رويدًا رويدًا رحلوا حتى لم يبق بصحبتهما إلا صديقه السيد فوزي والذي بدا عليه إعياء شديد..
"انزع عنك رداء الهَم يا ولدي! لا زلت في مُقتبل عمرك."
قالها الأستاذ ضياء مُربتًا على فخذ ياسر الذي أطلق تنهيدة حارَّة، فَتَدَّخل صديقه قائلًا في استهجان:
_ما الذي يقض مضجع شاب سليل عائلة كعائلتك؟! يملك الجاه، المال، والسُمعة طيبة.
أطرق ياسر برأسه وابتسم في تهكم قبل أن يرد في نبرة مريرة:
_لا يعلم الناس ماذا يحدث خلف الأبواب المُغلقة، البعض يرى الأحبال المترابطة فيُظنها تُضيف قوة، لكنه لا يدري أن هناك من يتخفى في الظلام بانتظار فَكها لا لشيء إلا كي يرى سقوط الآخر فَحَسْب!
وسكت هنيهة ثم أضاف متمتمًا في قهر:
_وماذا يفعل المرء حين يُجَرَّ رغمًا عن أنفه إلى الحرب وهو بحياته ما كره بقدرها؟! وبعمره ما تمنى سوى السلام؟!
بإشفاق تطلع إليه مُعلمه واعيًا لحالة الغضب التي يحاول مداراتها بلا نجاح يُذكَر، ولقد التقى بنفسه بابن خالته يوم كان ينتوي استخدام سلام في الوصول إلى ما يضر عائلته بعدما كان على وشك تدمير سمعتهم ومصدر عيشهم للأبد، ولكم أثار ذلك تعجبه واستنكاره! فكيف بإنسان أن يُدبر المكائد لأناس يأوى إليهم ويبيت بين جدرانهم كل ليلة بدلًا من أن يشعر بالامتنان لوجودهم كدروع آمنة تهون عليه فواجع القدر!
_إذن هناك من يُعاديك بين أفراد عائلتك ذاتها! لا حول ولا قوة إلا بالله!
قالها السيد فوزي بصوت ضعيف لكنه مُنزعج، فَفطن هو إلى استغراق ياسر في شروده فلم يملك إلا أن يُربت عليه مُغمغمًا بحنان:
_هَوِّن عليك بني!
ثم التفت إلى صديقه الذي يتأفف قائلًا بصرامة:
_وأنت يا فوزي! لا تبدأ بإزعاج الشاب و...
ثم بتر عبارته حالما لاحظ تعرق وجهه بينما حالة الإعياء تنتشر على جسده، فسأله بقلق:
_ماذا بك يا فوزي؟
بدأت يدا الرجل في الارتجاف وازدادت حَبَّات العرق على جبينه، لكنه همس بضعف:
_يبدو أنه السُكري، لقد..
حينها هَبَّ ياسر واقفًا وقد هجم وحش الذعر عليه، ودون المزيد من الأسئلة جذبه ليقف ثم لَفَّ ذراعه حول عنقه ليُجبره على السير إلى سيارته رغم اعتراضاته الواهنة ونداءات معلمه أثناء اتباعهما.
**********

ولجت أماني إلى الغرفة المُظلمة بعدما طال ترددها بعض الشيء، ما بين خوفها على والدها الذي أمر بألا يُزعج أحد وحدته وإدراكها بحاجته للاختلاء بنفسه بعد معرفته بِما كان سيحدث وإصرارها على عدم تركه فريسة للحسرة وخَيبة الأمل.
_هل أنت بخير يا أبي؟
ألقت سؤالها عليه في خفوت وهي تقف بمكانها، لا تعلم لماذا لا تجد القدرة على التقدم إليه، حدس ما أنبأها بأنها لن تحب خدش هالة أحاط بها نفسه ليتوارى في جوفها يلعق جراح الخيانة، يُضمدها بلا أمل حقيقي في المُعافاة!
أومأ لها دون بذل المزيد من الجهود في التكلم، جالسًا على المقعد عاقدًا كفيه على مسند عصاه، مُكتفيًا بمواصلة تحديقه إلى الخارج من النافذة.
_لماذا فعلت هذا؟
سألته متجاهلة إثناءات عقلها عن المُضي قدمًا إليه، حتى هزمتها لتجلس قبالته تُدقق النظر في جانب وجهه الذي عملت العتمة على إخفاء انفعالاته، فأجابها بعد صمت قصير بصوت ناله بعض الاهتزاز:
_أستطيع أن أُعدد لكِ الأسباب يا أماني، لكن أظنكِ قد رأيتِ الليلة تجربة عملية تفسر دوافعي.
أطرقت برأسها أرضًا على دارية تامة بما يُلمح، ثم سألته في ارتباك:
_هل.. هل كنت على علم بـ..
قضمت كلماتها حالما استيقنت من مدى صعوبتها، لكنه استكملها نيابًة عنها في جمود:
_تابعي! بدعوى الحجر التي كانت شقيقتك على وشك إقامتها ضدي؟
ثم التفت إليها ليُجيب في نبرة يسيل منها الأسف:
_لا لم أكن أعلم، لم أكن أظن رغم جشعها الواضح بأن تقدم على تلك الخطوة فتوصم والدها بالجنون لأجل أطماعها، لكن ربما أراد الله أن يحفظ حقوقكم جميعًا، فبعد ذلك البلاغ الذي قدمه ولداها ضد المصنع لم يعد هناك مجالًا للأمل بهم، عزة ما هي إلا تابعة لولديها، ولِهذا لا ينبغي لي أن أستنكر مدى دنائتهم، لو استطاعوا لألقوا بي في دار مسنين وتخلصوا مني!
لطاما ظل والدها العماد الصلب للعائلة، عندما توفيت والدتها والتي كان يهيم بها عشقًا منذ مراهقته ويعلم الجميع مدى انهياره الداخلي لرحيلها بقى وفيًّا لِذكراها رافضًا كل اقتراحات الزواج، توفيت هاجر والدة لين التي قام بتربيتها ورعايتها مثلها وعزة ورغم تأثره فقد ظل متمسكًا بواجهة رب العائلة القوي، حتى فقدت هي زوجها أيضًا.
ولمَّا توفي جلال، ابنه الأكبر والوحيد ظنوا جميعًا أنه سيلحق به، لكنه تحامل على قلبه وضعفه البشري من أجل ابنتيه وأحفاده..
أحفاده.. نقطة الضعف التي لا تتوقف عن إيلامه!
منذ كانوا أطفالًا وهو يتمسك بعقل قوي محاولًا تقويمهم وتوجيههم، نجح مع البعض، عصى عليه البعض، انقلبت عليه واحدة دون أن يعلم السبب، لكن يبقى أمر المتمردين تحت لواء الجشع هو ما يُهدد كل طاقة صبره وتحمله بالنفاد.
أما الآن يبدو أن الضعف قد وجد طريقه إلى قلب شاخ بعدما مَهَّدت الخديعة الطريق، ونال منه الخور وهو يتأكد إلى أي حد نخر السوس دعامات أقامها بالصبر والجَلَد وإيمانه بخالقه.
احترمت صمته وآلامه، حتى تحدث هو في بقايا من صرامة يحتفظ بها:
_لقد منحتهم ما حاولوا التنصل منه دومًا، الحقول التي ينكرون عودة أصولهم لها، أمَّا المصنع الذي حوله جلال بالكد والتعب من معرض لا قيمة عالية له إلى صورته الحالية ينبغي أن يبقى مع أولاده، وهذا البيت الذي طُرِد ابنكِ منه قبلًا لأنه نطق بالحق فقد صار بيتكِ يا أماني، من يبقى به يقيم بعد إذنكِ ومن ينصرف عنه يرحل بكلمة منكِ.
تجلَّى الرفض على ملامحها التي تُبرهِن على أنها امتلكت يومًا جمالًا باهرًا، ثم هَزَّت رأسها في رفض صارخ لتقول دون تردد:
_هذا البيت بنيته أنت بيديك كي تجمعنا به يا أبي، ما حدث اليوم لن يُغير شيئًا، وتلك القسمة لا تعنيني إطلاقًا، أطال الله في عمرك ومتعك بالصحة والعافية.
لم يأتِ بأية ردَّة فعل وعاد إلى شروده، فتنحنحت لتتمتم في توجس:
_أنا على يقين بأن عزة لم تكن لتفعلها، ربما استجابت لضغط ولديها لِبعض الوقت، لكنها بالطبع لم تـ..
وحينما رفع كفه المُتغضنة المُهتزة أمام وجهها أطبقت شفتيها في طاعة، ثم تحدث في صوت خفيض يُلملم ما تبقى من أشلاء أبوته:
_اذهبي كي تساعدي هالة في الحرص على راحة لؤي، ودعيني بمفردي يا أماني!
تنهيدة طويلة أفلتت منها قبل أن تقف في بطء، تُلقي عليه نظرة مُتألمة مُعتذرة عن ذنب ارتكبه غيرها، ثم بتباطؤ خرجت من الغرفة لتتركه وحده بين فَكَّي الحسرة والأسى.
**********

أمام المشفى وقف ياسر يبسط ذراعيه ويحركهما في رغبة لاستعادة بعض النشاط بعدما انتبه إلى أنه لم يحصل على غفوة بسيطة منذ استيقظ بصباح الأمس، ثم اعتدل حينما انتهى الأستاذ ضياء من مساعدة صديقه على الجلوس فوق المقعد الخلفي فسأله في اهتمام:
_كيف حاله الآن؟
استند الأستاذ ضياء على أحد جانبي السيارة يُجيبه في استهجان:
_لو استمعت إليّ لكنت أخبرتك أنه معتاد على هذا التعب حينما يتجاهل تعليمات طبيبه ويتناول السكريات بشراهة! ما عليه فقط إلا الانتظام في العلاج ونظام الأكل الصحي.
اكتنف الحرج ياسر مُدركًا أنه ربما أثار الهلع دون داعِ، فتمتم قائلًا:
_أعتذر، لم أكن..
وضحكة مُعلِّمه أوقفته عن التكلم فنظر إليه في تساؤل ليقول الرجل:
_لو رأيت وجهك حينئٍذ! كنت فزعًا أكثر منه!
لاحت ابتسامة على ثغر ياسر ثم ما لبثت أن تسربت منه تدريجيًا ليقول في كِدر:
_لقد.. تصرفت عفويًا، أعتذر لهذا التوتر.
عَمَّ الصمت بينهما حتى همس الأستاذ ضياء وهو يرمقه في إعجاب:
_بارك الله بك يا بني!
ثم رغب بأن يمحو هذا الحزن الذي اعتلى ملامحه فتابع بنزق مُصطنع:
_لكنك لا تدري أن فوزي سيتدلل علينا بسبب فعلتك هذه، لكل منا علة ولسنا متفرغين له، أنا مثلًا لدي ثلاث فتيات تتنافس كل منهن على من ستُصيبني بذبحة صدرية أولًا!
ضحك ياسر في استمتاع وهو يرفع رأسه، وعلى الفور تصلَّب وجهه مُحدقًا في نقطة خلفه حيث حثت ابنة شقيقه السير تجاههما في لهفة، لكن الرجل لم يشعر بالخطوات التي توقفت خلفه ولا بالاضطراب الذي سيطر على ياسر فواصل قائلًا في مزاح:
_لكم تمنيت أن أتزوج ويرزقني الله بِولد حتى يُعينني في الكبر، لكن ربك شاء أن يتوفي شقيقي وزوجته وابتلاني بثلاث مصائب لا يتوقفن عن اختبار صبري.
ارتبك ياسر في وقفته أكثر وهو يرسم ابتسامة مضطربة وبرقت عيناه في تحذير لم يدركه الرجل، ثم قال في صوت مرتفع بعض الشيء:
_رزق يا أستاذ! جدي دومًا يقول أن الفتيات تجلب الرزق!
مط شفتيه وأومأ برأسه في موافقة، وقال في صدق:
_لا أستطيع النكران، فلقد كنت أتلقى علاوة كلما اقترب موعد ذكرى ميلاد إحداهن.
زفر ياسر نفسًا مرتاحًا وهمَّ بالتحدث، لكن أستاذه يبدو أنه كان مُصممًا على البوح بما لا يتحمل كبته في صدره أكثر، فقال في حنق:
_لكنني أنفقتها جميعها على العلاج الذي وُصِف لي بسبب إزعاجهن!
كتم ياسر ابتسامته بصعوبة فيما استسلم تمامًا بعد أن أرضى ضميره الذي حاول إنقاذه قدر استطاعته، عندئذٍ صدح صوتها في استنكار:
_عمي!
استدار عمها إليها في دهشة، ثم أدرك إلام استمعت، فَرَسَم تعبير بؤس بعينيه ليُبادرها:
_كنا سنفقد عمكِ فوزي إلى الأبد يا سلام!
كتفت سلام ذراعيها وهي تُحدق به بنبرة ذات مغزى، فسارع متسائلًا في صرامة:
_أخبريني هل عادت شقيقتاكِ إلى البيت؟
جزت على أسنانها في غيظ، ثم أجابته بتعبير مُنزعِج:
_لا، وئام فقط، أما أمان فحدثتني لِتوها وهي على وشك الوصول.
وتابعت في مكر قبل أن يتهرب:
_هل أنفق العم فوزي الكثير أيضًا؟
ارتبك عمها كطفل صغير باحثًا عن إجابة تمنع أمه من معاتبته، لكن صديقه بداخل السيارة كان قد استمع للحوار واستمتع به، فتظاهر بالألم الشديد وأطرق بأصابعه على زجاج النافذة مُصطنعًا عدم القدرة على التكلم رغم أنه ظل يُثرثر مع المُمرضة لدقائق متواصلة منذ قليل!
_فوزي يُناديني، ربما تعرض لغيبوبة أخرى من حُسن حظه!
قالها عمها وهو يُزيحها بيده من طريقه ويميل على النافذة ليتحدث مع صديقه، فحدَّقت سلام في ياسر لتقول في جمود:
_أنت مرة أخرى؟!
ابتسم ياسر ملء فيه ليرد راغبًا إثارة استفزازها:
_لقد سعدت بلقائكِ أيضًا.
ثم تابع في تهكم:
_إذن، سلام ووئام وأمان! ألم يُبالغ والداكِ قليلًا؟!
احتدت عيناها لتهتف به في شراسة:
_عمي من أسمانا جميعًا، وإياك والسخرية، وإلا سأخبره أنك تنتقد اختياره!
ثم استدارت إلى النافذة تطرق عليها في ضيق وهي تهتف بعمها وصديقه:
_هيا بنا! سنستقل سيارة أجرة.
لكنه كتف ذراعيه ليقول في ابتسامة لا داع لها:
_أظن أنهما بالفعل بداخل سيارة ستقلهما حتى المنزل، إن كنتِ أنتِ تُفضلين القيام بالرحلات في هذا الوقت المتأخر فلا بأس، باستطاعتكِ الانصراف!
واتسعت عيناها حينما أشار لها بكفه في عجرفة، وقبل أن ترد ركب عمها في المقعد الجانبي قائلًا في إرهاق:
_هيا يا سلام! عمكِ فوزي يرغب بالراحة وياسر _مشكورًا_ قد أصرَّ بالفعل على إقلالنا إلى المنزل.
استطاع ياسر وهو ينظر لها في انتصار أن يلاحظ حركة شفتيها المتتابعة، ربما تسبه، ربما تدعو عليه!
فعيناها التي اتقدت بشرر سببت له القلق نوعًا، لكنها أولته ظهرها واستقلت المقعد الخلفي بينما حدجته بنظرة متوعدة!
...
"أشكرك يا بني، أتمنى ألا تكون قد انزعجت من حديثي!"
قالها السيد فوزي في نبرة مُعتذرة حينما أوشكوا على الوصول إلى حيهم، فهز ياسر رأسه في نفي مُهذب، ثم تدخل أستاذه قائلًا في إشفاق:
_عُد إلى منزلك يا ياسر! لا بد أن جدك يحتاج إليك الآن، ليس أصعب على الرجل من أن يكتشف أن أحفاده يرغبون في اتهامه بانعدام الأهلية لِرفع دعوى حجر وإقصاءه عن ماله!
حينئذٍ فقط ندت عن سلام شهقة عالية وهي تنتفض في مقعدها خلف ياسر بعد أن امتنعت عن مشاركتهم الحديث تمامًا، ثم مالت إلى الأمام وهي تنظر له في المرآة هاتفة في استنكار:
_يا إلهي! فعلها ذاك النذل ابن خالتك أليس كذلك؟! لقد حذرتك منه!
_سلام!
في تحذير ناداها عمها، لكنها لم ترتدع لِتواصل في انزعاج صريح:
_أليس لديك خال يمنعهم من الاستيلاء على حقوق جدك؟
هَمَّ ياسر بإجابتها لكن عينيها اتسعت أكثر وهي تقول في توجس:
_لحظة! وما هو موقف أمك أنت من الأمر؟!
هتف ياسر في غضب:
_بالطبع لم تكن تعلم، لم يعلم أحد بالأمر حتى الأمس، وحمدًا لله أن جدي قد سبقهم ووزع جزءًا من أملاكه كما أراد في حياته.
ارتفع حاجباها في دهشة وهي تخمن قصده ثم سألته:
_ماذا تعني؟ هل وهبكم من ثروته؟
_مع الأسف!
ورغم نبرة الضيق الذي تخللت رده المُقتضب فإنها سألته وهي تُمعن النظر في انعكاس صورته بالمرآة:
_وهل يختلف موقفك عن موقف ابن خالتك؟ وما أدراه أنك أنت أيضًا لست بطامع؟
تدخل عمها مُجددًا في استنكار:
_سلام!
هنا خاطبه ياسر من بين شفتيه مُتسائلًا في غيظ:
_ما بها ابنة شقيقك يا أستاذ ضياء؟ لماذا تعاملني وكأنني ابن ضُرتها؟!
رماها عمها بنظرة أشد تحذيرًا فاضطرت إلى اللوذ بالصمت حتى وصلوا إلى البناية التي يسكنها السيد فوزي بعد أن أرشد ياسر إليها، وحينما دلف الرجل إلى بيته شكر الأستاذ ضياء ياسر مرة أخرى واصطحب سلام ليذهبا إلى بيتهما، لكن تلك الأخيرة استدارت إليه قبل أن يقود سيارته وهتفت:
_اسمع!
في توجس حدق بها، فتابعت في اهتمام يبدو أن ضميرها قد أجبرها عليه:
_ربما لن يتوقف الأمر عند هذا الحد، فلتراقبوه لعله سينتقم من إفساد خططه!
ثم ابتسمت مُفتعلة بعض البراءة لتردف:
_ربما _مثلًا_ يدس لك السُم في الطعام!
وحالما انصرفت مع عمها الذي اعتذر له بنظراته هَمَّ ياسر بقيادة سيارته تجاهها فيدعسها جيئًة وذهابًا مرتين للتأكد، لكنه تذكر هوية عمها فكظم غيظه ليرحل عن الحي والقلق ينتابه من عبارتها الأخيرة!
عبارة اختتمتها هي بابتسامة أخرى لم يرها، بينما يتبادر سؤال مُلِح على ذهنها..
"لماذا يغلب الاستمتاع عليها حين إثارة استفزازه؟!"
**********

بعد أسبوع:
بملامح متجهمة أغلقت باب غرفة أخيها بعدما اطمأنت على حالته فور أن عادت من المصنع، هَمَّت بالاتجاه إلى خاصتها لكن نداء جدها أوقفها فأدركت أن محاولتها الهرب قد باءت بالفشل، صاغرة خرجت إلى صالة الاستقبال حيث يجلس جدها بصحبة.. خطيبها.
هارون الذي جاء للتعرف على بقية أفراد عائلتها وعيادة أخيها في آن واحد، والذي يتبادل أطراف الحديث مع جدها في هذه اللحظة بِوِد انتابها شعور بأنه غير مُصطنع.
"كيف حالكِ يا لين؟"
ارتفع صوته فنظرت إليه بلا استيعاب لتدرك أن جدها يرنو إليها ببصره في امتحان لا شك به، لا تزال هناك أسئلة تحوم في ر أسه حول تبدل موقفها إلى النقيض نحو هذه الزيجة، ولا تزال تكاد تموت ذعرًا حال تصورها معرفته بالأسباب الحقيقية.
أومأت برأسها سريعًا وأجبرت شفتيها على الابتسام وعينيها على التهرب من نظرات جدها، حتى وقف الأخير مُتكئًا على عصاه فلاحظت للتو ضعفه الذي ظهر منذ ذلك اليوم، لاحقته ببصرها حتى جلس في أقصى ركن يتابع شاشة التلفاز العريضة، يمنحهما بعض الحرية دون خلوة كاملة.
"سألتكِ كيف حالك!"
ببساطة قالها دون جفاء أو مودة، فأيقنت هي أنه لا يرغب بالتظاهر بما لا يشعر حقًّا، أو أنه لن يجازف برزانته الملحوظة فيصطنع دور الخاطب المتحمس..
_أنا.. بخير.
أجابته ثم التزمت الصمت، فعاجلها هو:
_لقد أردت زيارتكم منذ أسبوع حالما أجابني جدكِ بالموافقة، لكن حادث أخيكِ جعلني أنتظر قليلًا.
_حقًّا؟! لماذا؟
_لماذا انتظرت أم لماذا أردت الزيارة؟
أدركت حماقة ردها العفوي ولم تنتبه لرغبته في مشاكستها وتخليصها من جمودها، فتنحنحت ثم قالت في خفوت:
_أعني..
لكنه قاطعها ناطقًا في بساطة:
_من أجل الاتفاق على أمور الزواج.
حينئذٍ نظرت إليه في رهبة وسألته بترقب:
_وعلام اتفقت معه؟
اعتدل في جلسته لينظر إليها في تردد، ثم قال:
_ما رأيكِ بأن نتزوج في إجازة نصف العام الدراسي؟
شحب وجهها قليلًا ثم تمتمت في شرود:
_هذا يعني بعد شهر ونصف.
تصاعد توتره ليُعقب على عبارتها في ارتباك:
_أعلم أنها ربما ليست فترة كافية للخطبة، لكن..
_ألا نستطيع الزواج قبل ذلك الموعد؟
قاطعته برجاء أثار دهشته، حملق بها مليًّا في محاولة للتأكد مما سمع، فاكتنفها الحرج لتردف وهي تشيح بوجهها عنه:
_أعني.. أنا لا أُفضل حالة عدم الاستقرار، أرغب بأن يعتاد يزن على وجودك.
حالما سكتت عَّلق هو والصدق في كلماته لا يحتاج لِقَسَم:
_أنا على استعداد للزواج بنهاية هذا الأسبوع إن أردتِ يا لين، لقد ظننت أنكِ أنتِ من لا ترغبين بالتسرع لِذا تخيرت أقرب الأوقات مُلائَمة.
_لقد تسرعت وانتهى الأمر يا سيد هارون!
والرد الذي نطقت به تلقائيًا مُحملًا بالتهكم لم تستطع تداركه، فحينما نظرت إليه لترى نتيجته لاقت عينيه المُحتدة في صدمة صريحة، فسارعت لتقول في أسف:
_أعتذر منك، لم أقصد أن.. لا أدري ماذا أصابني.
ساد الصمت بينهما حتى سيطر هو على الخيبة التي شعر بها، ثم قال في خفوت:
_لا عليكِ، أتفهم توتركِ وارتيابكِ من أجل طفلكِ، لكنني سأُكررها..
وبصرامة امتزج بها التحذير تابع:
_أنتِ ويزن في حمايتي يا لين، إن كان هناك ما يُثير خوفكِ بشأن والده فلتصارحيني الآن!
كيف بها الآن أن تخبره أن لا خطر على الإطلاق من والده؟!
وكيف بها أن تعترف بتربص آخر لن يتردد في تكييل اتهامات فاضحة لها حتى يحصل عليها أو.. لا ينالها غيره؟!
_هل.. هل ستتخلى عنَّا بهذه الحالة يا هارون؟
سألته في استجداء وهي ترهف السمع لصوت خفقات قلبها المُضطربة، غير واعية بتأثير نبرتها على جدية نبرته هو!
استقام من مقعده ليجلس على آخر، أكثر قربًا منها وأشد تأثيرًا به، ثم مال ليرد في وعد لم تر أصدق منه من قبل:
_أنا لن أتخلى عنكما إلى الأبد يا لين!
ودون استئذانها رَسَمت شفتاها أعذب ابتسامة يمكن أن يحظى بها ثغرها، فراقبها على مهل ليزدرد لعابه فيما شعر بقرب تهوره وقال على الفور:
_إذن لا داعِ للانتظار، يستطيع لؤي أن يستند على عكاز ما أثناء عقد القران، أليس كذلك؟!
ما إن رأت اللهفة بعينيه حتى فقدت سيطرتها على خوفها فضحكت في رقة أذابت البقية الباقية من تحكمه، ليضحك بالمثل ثم يُعلق في مكر:
_الآن أرى صواب اقتراحكِ، وحتمًا لم يعد هناك مجالًا للانتظار! ربما أذهب الآن لآتي بالمأذون لو لا تمانعين!
تقافز قلبها في بهجة وهي تحاول قدر ما استطاعت السيطرة على هذا الشعور الناشئ الذي بدأ في النمو سريعًا.. حاولت بجدية لأن نظرة حانت منها إلى جدها لتجده عابس الوجه يرتع السخط على وجهه بلا مكابح!
فما كان منها إلا أن أطرقت برأسها في خفر فاستطرد هو:
_ما رأيكِ لو التقينا بنهاية الأسبوع من أجل شراء الشبكة؟
أومأت برأسها في موافقة فقال بجدية:
_بالمناسبة! سأصطحب أختي.
نظرت له في إمعان وتلاشت ابتسامتها تدريجيًا مع انتباهها إلى ما غاب عنها لبعض الوقت، أخته التي أفسدت حياة زوج أختها ووالدته، والتي تتمتع الآن بما لا يحق لها..
تُرى أستؤثر على حياتها مُستقبلًا؟
والأهم.. أستؤثر على علاقتها الوليدة بأختها هي؟
زوت ما بين حاجبيها وقد تمكن منها القلق، فقالت في وجوم:
_بالطبع! أنا أيضًا سأفعل.
أومأ برأسه مُدركًا ما يدور في ذهنها دون أن تعلم أنه قد عاهد نفسه على ألا يسمح لشقيقته بتهديد استقرار حياته على الإطلاق، ثم وقف وتناول كيس مُخصص للهدايا ليُقدمه لها قائلًا:
_لقد خبرتني خالتكِ أن يزن نائم، أعطِه هذه عندما يستيقظ!
في لهفة وقفت تختطف الكيس وكأنه من أجلها، اختلست النظر إلى داخله لترى طائرة لُعبة فابتسمت في سعادة لتسأله:
_هل سترحل الآن؟
في مكر ابتسم ليسألها بصوت خفيض حينما انتبه إلى تأفف جدها النَزِق الذي لاحظ تناغمهما الواضح:
_أنا _وبكل صراحة_ لا أريد الرحيل إطلاقًا، أتريدينني أنتِ أن أبقى؟
تورد خداها في حياء فانتصبت قامته ثم تجاوزها سريعًا مُتمتمًا في جدية مُفتَعَلة:
_حسنًا! ربما سأرحل لأن جدكِ على وشك طردي بالفعل، تمنياتي بالشفاء العاجل للؤي.
وانصرف بعدما ألقى السلام على جدها الذي حيَّاه بخشونة دون سبب واضح، لكن حينما مرَّت هي إلى جوار ذلك الأخير تحتضن الكيس في فرحة ارتفع صوته في حنق:
_هل ينقص يزن الألعاب؟ غرفته تضج بجميع أنواعها!
نظرت له في تعجب ثم سألته بلا فهم:
_لماذا أنت مُنزعج يا جدي؟ إنها بادرة جيدة حتى يتقارب من يزن.
لم يرد واحتفظ بملامح الاعتراض فجلست إلى جواره تسأله في توجس:
_هل هناك ما علمت عنه يا جدي؟ أبه عيب ما يُهدد سلامة يزن؟ أتظن أنه قد يرفض وجوده مُستقبلًا؟
حدَّق بها في امتعاض ثم زفر في قوة وأجابها بلا رضا:
_الرجل أخلاقه طيبة،سمعته ناصعة البياض وشهد له الكثيرون.
ولمَّا سكت بعد رده ظلت تسأله بنظراتها، فزفر ثانية ثم هتف:
_كنت قاب قوسين أو أدنى من إلقائه بالعصا وهو يحدق فيكِ وكأنكِ فتاة أحلامه منذ الصغر بينما لم يلتقِ بكِ إلا بضع مرات، ظننته أكثر رصانًة من هذا!
ثم أردف في غيظ:
_عجيب أمر شباب هذه الأيام!
أفلتت منها ضحكة عالية وهي تعي غيرة جدها عليها، ثم ما لبثت أن رمت بنفسها على صدره لِتقبل رأسه فنهرها بافتعال قبل أن يضمها بحنو مُرددًا في همس دعوات بسعادتها وطفلها.
**********

"هل جئتِ إلى غرفتي كي تخففي عني آلامي بوجهكِ المكفهر هذا؟! ارحلي عني يا غفران! يكفيني هذا الحبس بهذا الوقت والاختبارات لم يتبق على موعدها سوى القليل!"
هتف لؤي في شقيقته التي تتناول البذور وهي تحافظ على تجهمها مع إلقاء العبارات اللائمة الساخرة عليه من حين لآخر، فصاحت به في انزعاج تام:
_ألم تستطع أن تركله أو تشج رأسه؟! لقد سقطت وكسرت ساقك عبثًا، وكادت إصابة ناهل أن تكون خطيرة، ليتني كنت حاضرة!
تعالت ضحكاته المُتواصلة ثم قال في استهزاء:
_ماذا كنتِ ستفعلين؟! الغضب الممتزج بالحقد رجح كفته، حتى أن ياسر وناهل ببنيتهما العضلية لم يستطيعا التغلب عليه.
رَفَعت كفها في وجهه لترد بغيظ:
_صدقني لكنت فعلت الكثير، لكن للأسف لم تسنح لي الفرصة بعد.
زوى لؤي ما بين حاجبيه وهو يسألها:
_أية فرصة؟
أشاحت بيدها بلا اهتمام ثم سألته في حيرة:
_لا عليك، ماذا ستفعل بشأن محاضراتك؟
هز لؤي كتفيه وهو يُجيبها بلا تردد:
_بالتأكيد سيساعدني مهند.
مطت غفران شفتيها في تفكير ثم قالت:
_حسنًا، خبرني بموعد انتهاء المحاضرات وسأحصل على إذن من عملي لأذهب إلى الجامعة وأنسخ ما فاتك منه.
أومأ برأسه موافقًا حين ارتفعت طرقات على الباب قبل أن تدلف والدته تُبادره:
_هناك من جاء لزيارتك يا لؤي.
رَفَعت غفران حجابها المُتهدل على كتفيها وغطت شعرها وهي تقف قائلة:
_سأتركك الآن يا من أحرجتنا جميعًا!
ثم جمعت طبق البذور الذي صار يحتوي على القشور فقط تتمتم في حنق:
_حقًّا ألم تستطع دفعه من على الدرجات أولًا؟!
تأفف لؤي في غيظ بينما استدارت لتنصرف، لكنها ما إن فعلت حتى أطلقت شهقة مكتومة ويدها تتخلى عما تحمل ليسقط أرضًا مُتكسرًا إلى قطع، فيما حدَّق لؤي بها في دهشة قبل أن يتوجه بحديثه إلى الزائر قائلًا في نبرة مُتعجبة من شقيقته.. مُرحبة به:
_تفضل بالدخول يا نضال!
ويبدو أن المفاجأة كانت من نصيبها وحدها، حيث مرَّ نضال جوارها مُطرقًا رأسه ليتجه من فوره إلى لؤي الذي كان يرقد على الفراش مُبتسمًا له.
سقط فكها السفلي في بلاهة وهي تعي أن ذلك الشخص الذي أثار خوفها بالمرة الوحيدة التي رأته خلالها موجود الآن ببيتهم، بالغرفة ذاتها، يصافح شقيقها في مودة ويُربت على كتفه داعيًا له بتمام الشفاء مما يعني أنه على علاقة وطيدة معه!
_أتريدين شيئًا يا غفران؟
جذبها لؤي من شرودها بسؤاله الدَهِش، بينما ظل نضال مُشيحًا ببصره بعيدًا في أدب، نقلت نظراتها بينهما بلا معنى ثم تراجعت في بطء حتى خرجت شاحبة الوجه يقرع قلبها في صدرها.
...
أنهى نضال زيارته القصيرة للؤي وهو يحث الخطى خارج البيت سريعًا فيما سيطر عليه شعور عارم بالغضب الداخلي بعدما اضطر إلى اختلاق كذبة غير مُقنعة كي يبرر بها عدم حضور مهند لزيارته، هو الذي اعتاد دومًا قول الصدق في أحلك المواقف والتي تمثلت في تركه وظيفته التي كان يحب ذات يوم حتى لا ينطق بكذبة صغيرة، صار الآن يؤلف المزيد حتى لا ينكشف شقيقه!
"انتظر!"
تخشب في مكانه عندما صدح صوتها خلفه بنبرة آمرة لم يستطع تجاهلها، ثم في تثاقل استدار بجسده كي يواجهها ليتسلل إلى عقله خاطر ساخر بأن الموقف ذاته تكرر من قبل، مع انعكاس الأدوار!
اقتربت منه تحدق به في إمعان لم يستطع مبادلتها إياه بحكم طباعه..
_كيف تعرف لؤي؟ وماذا تريد منه؟
حاصرته بنظراتها وألقت سؤالها فأيقن هو أن عليه تأليف كذبة أخرى، لهذا يخشاه، لهذا حاول باستماته تلافيه، كان على دراية تامة بأنه ما إن يُلقي بالأولى لن يستطيع التوقف.
لكن.. ألم تزل هناك فرصة للتراجع حقًّا؟
_هو صديق شقيقي، ما أردت إلا عيادته والاطمئنان على حاله لا أكثر.
أجابها في وجوم، مُبتهلًا دون صوت بأن تتقبل رده وتدعه وشأنه، لكن اتساع عينيها المفاجئ أنبأه أنها لن تفعل..
_ماذا قلت؟! صديق شقيقك؟!
في ذهول تمتمت، ثم تابعت في حقد لا شك به:
_ماذا عنيت إذن بتحذيرك السابق لي، ولماذا تطاردني؟
تعالت نبرة الصمت في صوت ابتهاله بالصمود، وحافظ على صرامته أثناء قوله في لهجة تقريرية:
_لم أعنِ شيئًا، لقد اختلط عليّ الأمر ولم تكوني أنتِ المعنية به، إنه خطأ أعتذر عنه بِصدق، أستأذنكِ.
حالما أولاها ظهره ليرحل كما فهمت أو ليهرب كما تمنى صاحت به مرة أخرى:
_انتظر!
واتجهت إليه لتقف أمامه، على مقربة من البوابة الخارجية، تمنعه من الانصراف، وفي قول آخر.. تسجنه!
ثم بقوة اقتربت أكثر، رفعت رأسها تحدق في عينيه بثبات أثار دهشته، فكيف بالفتاة التي كادت تفقد وعيها بالشارع ذعرًا أن تواجهه بكل هذا العنفوان؟!
_ستجيبني الآن على أسئلتي وإلا أقسم أن أخبر لؤي بزيارتك لي في مقر عملي وستضطر حينها أن تجيبه هو بدلًا مني.
من المفترض أن يثير توعدها عناده أو خوفه، لكنه على العكس بعث بطمأنينة إلى ضميره المُعذب، ليخاطبها مُتسائلًا في استسلام:
_ماذا تريدين أن تعرفي؟
عبرت لمحة انتصار عينيها فسألته دون تردد:
_من هو شقيقك؟
_مهند.
وانمحى الانتصار لتظهر الدهشة أثناء هتافها:
_مهند؟! أنت شقيق مهند الزُمُر؟! كيف بشاب مهذب كمهند أن يمتلك أية صلة مع من هو مثلك؟!
رغم أنها تسبه وتهينه بأسلوب غير مباشر فإنه لم يستطع منع نفسه من الضحك بسخرية طويلًا وهو يدفع أنامله في شعره الغزير قبل أن يعلق مُخبئًا حسرته تحت غطاء من التهكم:
_لا يختار الواحد مِنَّا أشقائه كما تعلمين بالتأكيد يا دكتورة!
أمعنت النظر به بلا فهم، ثم انتقلت إلى السؤال الذي لم تجد إجابة له منذ التقت به للمرة الأولى:
_وماذا عنيت بتحذيرك السابق لي؟
توتر في وقفته وراحت عيناه تطوف بأشجار الحديقة دون تركيز، فتابعت في إلحاح:
_لا زلت لم أسمع إجابة.
هل حان وقت الكذب؟
لا!
ربما بإمكانه تشتيتها عن طريق الاعتراف بنصف الحقيقة فقط!
_لقد.. لقد ظننت أنكِ على علاقة بمهند!
نطق في برود لم يدر كيف تلبسه، وفي تدقيق تابع شحوب وجهها بثلوج الصدمة ثم احمراره بنيران الغضب قبل أن تتمتم في استنكار:
_إذن.. لهذا كنت تراقبني! حينذاك رأيتني..
بترت عبارتها قبل أن يُصوبها وهتفت في استنكار:
_أيها السافل عديم التربية!
لم يتعرض لكل ما يحدث من قبل، اعتاد على احترام الجميع له في حال الخصومة قبل الولاء، رباه والده على ضرورة التمسك بالحميد من الأخلاق فنال المثل، حتى سلبه مهند كل ذرة احترام احتفظ بها لذاته، والآن ها هو يتلقى إهانة من فتاة أوقعها غباءها مع دناءة شقيقه في طريقه..
أيرد بالمثل؟ أيدافع؟ أيوبخ؟
لا.. سيتلقى كل ما يستحق جراء عدم مراقبته شقيقه الذي عاث فسادًا بحياتها!
_هل أنت مجنون؟! إنه.. إنه يصغرني بأربعة أعوام، إنه صديق لؤي أيها الوقح، إنه كشقيقي الصغير!
واصلت في غضب واستمع في أدب، لكن حينما وجد أنها تبحث بعينيها كالمجنونة عن شيء تهشم به رأسه هتف في استياء:
_لقد أدركت ذلك بالفعل فلا حاجة لكِ بكل هذا الغضب!
استطاع لفت انتباهها، مع سخطها، فاستطرد برفق وهو يعي _في فضول_ تلك الشعلة المُتقدة بعينيها والتي تناقضت تمامًا مع الخوف الذي طالعه بالمرتين السابقتين:
_اهدئي يا دكتورة! أنا مُخطئ وأعتذر، أقسم أنني آسف.
تطلعت إليه في انفعال شديد حجب عنها هذا الرجاء الذي شاب عبارته التالية:
_العفو يا دكتورة!
كزت على أسنانها بغيظ حتى شعرت أنها ستتحطم، ثم تمتمت من بينها:
_لا أقبل اعتذارك، ثق بأن لولا صداقة شقيقينا لكنت صعدت الأمر، وإياك أن ألتقي بك مرة أخرى! ستكون سيء الحظ كثيرًا لو حدث هذا.
ألقت كلماتها في وجهه ثم تجاوزته إلى الداخل، فزم شفتيه ووقف قليلًا في ثبات قبل أن يحرك ساقيه إلى الخارج، متمنيًا أن يكون الأمر قد انتهى عند ذلك الحد.
بعد ثلاثة أيام:
بتعبير واجم دلفت إلى الشقة فيما استولى الحنق على ذهنها الغائب مع المُشكلات التي تواجهها منذ بدأ ابن زوجها السابق بمنافستها علنًا مُستغلًا خبرته وشعبيته في الحي..
ندت عنها شهقة عالية وهي تتوقف قبل أن تصطدم بشقيقها الذي ظهر من العدم، فأمسك بساعدها قائلًا في دهشة:
_أُحدثكِ منذ قليل يا علا، ألم تسمعيني؟!
هزت رأسها نفيًا وهي تستعيد اطمئنانها، ثم سألته في تعجب:
_لماذا لم تذهب إلى عملك حتى الآن؟! لقد تعدت الساعة العاشرة.
_لن أذهب اليوم، عليّ ترتيب بعض الأمور.
أجابها وهو يرتمى على أقرب مقعد ويوصل هاتفه بالشاحن الكهربي، ثم أشار إلى المقعد المُقابل وخاطبها في هدوء:
_تعالي يا علا! سأخبركِ بشيء هام.
أطاعته في اهتمام ولم يُطِل هو انتظارها ليقول بلا مُقدمات:
_لقد قررت أن أتزوج قريبًا.
ارتفع حاجباها بدهشة ثم ما لبثت أن قالت في ابتسامة انتصار:
_أخيرًا يا هارون! كنت أعلم أنك ستتخلص سريعًا من دور الأرمل الذي يعيش مع طيف زوجته.
لم تنتبه إلى أثر ما تفوهت إلا حينما حدجها بنظرة قاسية سبقت تعليقه المُستنكر:
_أنتِ لن تحترمي ذكرى لينة مُطلقًا، أليس كذلك؟!
توترت قليلًا ثم ارتأت أن تُبدل مسار الحوار الذي سيتجه _كما العادة_ إلى معاملتها في الماضي مع زوجته المُتوفاة، فتظاهرت بضبط وضع حجابها وقالت في بشاشة:
_إذن أتريدني أن أبحث عن عروس تُناسبك وتـ..
_لقد طلبت من سأتزوجها من أهلها بالفعل، والليلة سنبتاع "الشبكة".
قاطعها قبل أن تتم عرضها وخططها، ثم طفق يراقب تبدل تعبيراتها من التهكم إلى الاستهجان حتى بان الذهول على وجهها، لتنطق بلا تصديق:
_أتمزح معي يا هارون؟! نعيش معًا ببيت واحد ولا تخبرني عن نيتك بالخطبة إلا باليوم ذاته؟! ينبغي إذن أن أرقص فرحًا لأنك لم تفاجئني بيوم الزفاف.
وبآخر عباراتها هَبَّت واقفة تتطلع إليه في سخط، لكنها لم تجد منه سوى اللا مُبالاة وهو يقول:
_هل انتهيتِ يا علا؟ ألا ترغبين بأن تعرفي من تكون العروس؟
أطبقت شفتيها المفغورتين وتسلل إليها التوجس، ليُجيبها هو عن السؤال الذي لم تُلقِه:
_إنها الأخت الكبرى لِزوجة ناهل.
لِثوانِ بقت على نفس وضعها الذاهل، ثم بالتدريج اهتدت إلى صوتها لتخرج الكلمات مُتحشرجة، رافضة:
_أنت لست جادًّا بالطبع، لن تفعل هذا!
وقف أمامها يُناظرها في ثبات، وقال بنبرة صارمة:
_لقد صارت خطيبتي بالفعل، وفي غضون شهر على الأكثر ستصبح زوجتي، وسيجب عليكِ احترامها كما سأحرص على أن تفعل معكِ.
ألن تتخلص من تربصه بها مُطلقًا؟!
ألن تجد راحة بعد طول عناء؟!
ألا يكفيها أنها لم تجد الوقت لتسعد بفوزها؟!
نزع هارون هاتفه ليتركها تستوعب كيفما تشاء، لكن قبل أن يتخذ خطوة واحدة أوقفته هاتفة في سخرية:
_المُطلقة؟
استدار إليها وسألها مُتحفزًا:
_أهناك اعتراضًا؟
وبلا تردد صاحت في حنق:
_لماذا تتزوج من مُطلقة لديها طفل بينما أنت حُر كالشاب الذي لم يسبق له الزواج؟ لا زوجة سابقة ستُكدر صفو أيامك ولا أطفال يُلقون على عاتقك بالمزيد من المسؤوليات؟!
_يبدو أنكِ جمعتِ الكثير من المعلومات عن عائلة زوجته بالفعل!
قالها في سخرية وهو يفهم بتعجب أنها بالفعل ترصدت أخبار جميع من يتشابكون بعلاقة مع ناهل مهما كانت بعيدة!
_لكنني قد سبق لي الزواج يا علا، لا أظنكِ نسيتِ.
وتعليقه الهادئ جعلها تضحك في تهكم قبل أن تقول:
_وهل ترى أن زيجة لبضعة أشهر فقط زواجًا؟!
تهدَّلت كتفاه وأطلق تنهيدة طويلة وهو ينظر لها في خيبة أمل، ثم قال في خفوت:
_أنا أرى أنكِ تبذلين كل جهدكِ حتى تستنفدي آخر قدر في صبري، حتى أنكِ لم تهتمي بمعرفة كيفية لقائي بها ولا سبب وقوع اختياري عليها.
لم يؤثر بها عتابه المُتواري، فخاطبته في استياء:
_لم تصل العروس بعد وها أنت بدأت بالانقلاب عليّ! بالطبع سيجب عليّ جمع أغراضي والرحيل عن بيتك بعدما أجبرتني على ترك بيتي، أليس كذلك؟!
ابتسامة غير حقيقية داعبت جانب ثغره ثم رد في جدية:
_لا، لم يكن بيتكِ يا علا، وكونِك تكررين ادعاءكِ على مسامعكِ لن يجعله هذا حقيقة حتى لو استمررت في الصراخ به ملء فيكِ!
وسكت هُنيهة ليُضيف متجهمًا وهو يتجاوزها:
_ولا، لن ترحلي، هذا هو بيتكِ الذي ستبقين فيه إلى الأبد، أنا من سأفعل.
إلا أنه توقف ليستدير مُختتمًا حديثه بكلماته الساخرة:
_لكن خبريني يا علا! هل ينطبق رأيكِ في خطيبتي عليكِ أيضًا؟ أعني.. هل تنظرين إلى نفسكِ بالمنطق ذاته؟ أنتِ أيضًا مررتِ بتجربة زواج لم تدم طويلًا، أيعني هذا أنكِ بِتِّ معطوبة؟ وهل يعني أيضًا أن تتابعي حياتكِ وحيدة دون شريك؟
ازدردت لعابها واستعدت للجدال لكن كل حججها تخلت عنها، ولم ينتظر هو أكثر ليستطرد في بساطة:
_سأمر على بيت عائلتها لأصطحبها في الساعة السابعة في حال أردتِ الحضور.
حدَّقت في ظهره الذي أولاها إياه لكنه توقف ليستدير مرة أخرى مُردِفًا في رجاء:
_سأكون بغاية سعادتي يا علا.
**********

خرجت من الحمَّام بعدما غسلت وجهها الذي احمر بدماء الغضب بالماء البارد، لكنه لم يؤثر في تهدئة انفعالها الذي يحتد كلما استعادت ما حدث اليوم رغم أن النهار لِتوه قد انتصف!
اتجهت تلقائيًا إلى غرفته وطرقت بابها في هدوء ليأتيها صوته يسمح لها بالدخول..
_لقد ظننتك نائمًا.
قالتها وهي تدلف ليكفهر وجهه قائلًا في تصميم:
_لقد نمت كثيرًا مؤخرًا، سأعود إلى العمل بالغد.
اعترضت ملامحها فورًا لتهتف:
_لماذا؟! أنا أتابع العمل وعبد الله يساعدني، يبدو أنه صبي جيد بالفعل، كما أن المدة التي أوجبها الطبيب للراحـة لم تنته بعـ..
_لقد مللت يا إيلاف.
قاطعها في نزق فلم تُجادله، ثم جلست أمامه على الفراش مُتخلية عن افتعالها الهدوء فاعتدل يسألها في توجس:
_ماذا هناك؟ لِمَ هذا الانزعاج؟
_لست منزعجة.
رَدَّت في كذب ليس مُتقنًا، إلا أنها لم تتحمل الاصطناع أكثر فتابعت في حنق:
_تلك المرأة مؤذية كالجحيم، لا أفهم كيف لم يبلغ أحدهم عنها الشرطة حتى اليوم!
سألها في دهشة:
_أية امرأة؟!
كادت تطحن أسنانها قبل أن تهتف وهي تشير بكفها تجاه النافذة المُطلة على الشارع:
_تلك الــ.. البصاصة!
تبدَّل تعبير وجهه في لحظة ليضحك بصوت عالِ فصاحت في استياء:
_لا تضحك يا ناهل! أعلم أنك قد حذرتني منها لكنني لم أعتقد أنها قد تكون مجنونة إلى هذه الدرجة!
تدريجيًا سيطر على نفسه واعتدل ليُجاورها ثم سألها في اهتمام:
_ماذا فَعَلَت؟
وما كاد يُلقي سؤاله حتى هَبَّت واقفة تهدر بأقصى غضبها:
_تصور أنني ضبطتها بالأمس تهمس لإحدى الزبائن بأن فاكهتنا فاسدة، وبأننا نبتاع ما تبقى منها لدى التجار بأبخس الأثمان؟!
تطلع إليها دون ردَّة فعل فتابعت وشرارات انفعالاتها تنطلق من عينيها الوديعة:
_واليوم.. اليوم دَفَعت ثلاجة الفواكه المختلطة فسُكِبوا جميعًا بداخلها بينما أخذت تنظر لي بانتصار لا أفهم سببه!
_وماذا فعلتِ أنتِ حينذاك؟
وهدوء نبرته جعلها تتوتر بعض الشيء قبل أن تقضم شفتيها في ارتباك وتكتف ساعديها ثم تُغمغم:
_ألقيت عليها عتابًا بسيطًا فارتفع صوتها وتشاجرت معي حتى...
رَفَع أحد حاجبيه يستحثها على المُتابعة في حذر:
_حتى..؟
نفضت ذراعيها لتكمل سريعًا:
_حتى اضطررت إلى الاعتذار لها قبل أن يجتمع المارَّة.
اتسعت عيناه في دهشة ثم انتفض واقفًا يهتف بصوت واضح السخط:
_يا إلهي! أأنتِ من اعتذرتِ لها؟! ستورثينني الجنون بخنوعكِ هذا يا إيلاف!
لم تهتم وهو يتجاوزها ليخلع كنزته الصوفية البيتية وصاحت تدافع عن نفسها:
_أنت تعلم أنني لا أستطيع الشجار مع أحد مُطلقًا، ماذا كان عليّ أن أفعل؟ المرأة أكثر مني قوًة وتبجحًا! إنها ترتدي أساور ذهبية بكلتي ذراعيها حتى مرفقيها، لو لكمتني بإحداهما فقط ستختلط ملامح وجهي كلها!
وتخضبت وجنتاها تمامًا حينما رأته يهم بتبديل بقية ملابسه فاستدارت على الفور لتنتبه إلى خفقات قلبها تهرول في سرعة جنونية، بينما صاح في نزق:
_هي لم تتجاهل إلقاء تحية الصباح عليكِ يا "هانم"، اليوم اكتفت باللمز واستفزازنا، غدًا ستنشر الشائعة في الحي بأكمله فنتعثر بأول طريقنا وربما استطالت يدها عليكِ أيضًا فأضطر أنا للقيام بما يُعيدني إلى السجن ثانية!
ولم يدرِ أنها لم تستمع لِكلمة واحدة من عبارته حينما التقط سلسلة مفاتيحه ليتجه إلى الخارج مُستطردًا في سخرية ساخطة:
_حتى القطة بإمكانها الخمش في حال تهديدها.
حينها فقط انتبهت إلى أنه سيرحل، فجرت خلفه تسأله في قلق:
_إلى أين ستذهب؟
والإجابة كانت أن صفق الباب دون كلمة واحدة.
**********

ولجت إلى غرفة لؤي تحمل طفلها بعدما بذلت كل جهودها كي تحثه على النوم حتى نجحت، وما عليها إلا أن تتركه مع خالتها التي لا تبرح غرفة أخيها ثم تصطحب عمتها أماني التي عرضت مرافقتها بدلًا من إيلاف، فالأخيرة تتولى مسؤولية مباشرة محل زوجها حتى يتم شفائه.
ما إن اطمأنت إلى نوم يزن على ذراعي جدته وهَمَّت باللحاق بعمتها التي تنتظرها في الحديقة حتى وجدتها تحمل على وجهها أشد علامات القلق..
_هل أنتِ جاهزة يا عمتي؟
أتمت أماني ضبط حجابها وهي تُثبت حقيبتها على ذراعها، وبتوتر أمسكت ذراع لين لتقول في تعجل:
_اعذريني يا لين! لقد طرأ أمر ما ولن أستطيع مرافقتكِ الآن،هاتفي إيلاف واطلبي منها أن تحاول المجئ، أو حاولي تأجيل الموعدمع هارون لساعة فقط، لن يستغرق الأمر طويلًا.
_ماذا هناك؟ هل أنتِ بخير؟
سألتها لين بقلق، فنظرت لها عمتها بحيرة وهَمَّت بقول شيء لكنها تراجعت لتهرول تجاه سيارة والدها حيث ينتظرها السائق أثناء تمتمتها في توتر:
_نعم، سأعود سريعًا.
وقبل أن تُلاحقها بالأسئلة كانت قد اختفت السيارة عن ناظريها، ثم سرعان ما انتبهت إلى المُشكلة التي وُضعت هي بها جراء رحيلها!
لن تنفذ نصيحتها بأن تطلب من أختها مرافقتها لأنها تعلم أن غالبية عبء المحل على عاتقها الآن، وبالطبع يكفي خالتها أن تعني بلؤي ويزن معًا حتى تعود، لا حل إذن سوى التأجيل..
بتردد هاتفته وانتظرت الإجابة، وما إن ألقى التحية بادرته في ارتباك:
_مرحبًا يا هارون، أليس باستطاعتنا تأجيل شراء الـشبكة حتى يوم آخر؟ أعتذر منك ومن شقيقتك، إيلاف ليست متفرغة وعمتي أيضًا.
والخيبة التي رَنَّت في صوته كان صداها يتردد في نفسها، وبينما كان هو يبحث في إمكانية انتظار عودة عمتها ارتفع خلفها صوت به من الاضطراب ما ساوى العزم..
"أنا.. أنا متفرغة الآن إن شئتِ."
استدارت إلى "أختها" التي تناست وجودها في محيطها، وألجمتها الدهشة لتهمل نداءات هارون على الطرف الآخر وهي تتطلع في توجس إلى غفران التي عادت للتو من عملها..
غفران التي تقف قبالتها يتجلى الندم على ملامحها؛
نادمة على تسرعها؛
أو نادمة على تباطؤها؛
لن تعرف لين، وربما لن تعرف غفران أيضًا!
وبمجرد أن أدركت لين حقيقة ما سمعت حان دورها للرد.. فلم تعثر عليه!
ذبذبات مؤلمة من الارتباك تنقلت بينهما؛
رجاءات خفية صدحت بقلبين ألا يُسمح للخذلان بالتعشش أكثر بداخلهما؛
وتوسلات صادحة بلا صوت لرمي هذا الشتات جانبًا.. لتُفتح الأذرع كلها استقبالًا للالتئام!
_لا أرغب بالإثقال على كاهلكِ.
نطقت بها لين عفويًا فأساءت غفران تفسير المعنى، وخلال ثانية كانت تتجاهلها لتتجه إلى الداخل لاعنة هذا الخاطر المجنون الذي دفعها دفعًا لمساعدتها..
مساعدتها فحسب، من باب الشفقة لا أكثر؛
كانت لتفعلها مع أي شخص طالما بإمكانها، لكن يبدو أنها أخفقت في اختيار مُتلقيها!
_سأخبر أمي أنني سأبقى مع لؤي لِترافقكِ هي.
في اقتضاب تجاهلت الألم به تمتمت غفران، فما كان من لين إلا أن هتفت بسرعة:
_لكن.. بالطبع سأستفيد من مشورتكِ، دومًا كنتِ أنتِ أكثرنا حُبًّا للحلي وأفضل من تنتقينها.
قالتها في استدراك صدقًا لا تملقًا، لكنها استطاعت أن تلمح تعبير زهو قصير على محيا أختها..
أختها التي توقفت على الفور تتخلى عن ملامح الكراهية اللا مشروطة تجاه الجميع، لكن النصيب الأكبر كان دومًا من حظها هي!
وهي التي حافظت على حيادية ملامحها أثناء قولها المختصر:
_حسنًا، انتظريني ريثما أُبلغ أمي!
ولمَّا صارت لين وحدها بالحديقة احتاج منها الأمر بعض الوقت كي تستوعب أن "غفران لا سواها" هي من بادرت بصُحبتها؛
إلى الجحيم لا تهتم، لكنها بادرت بصُحبتها!
"سأطلب سيارة أجرة، لقد نسيتِ خطيبكِ على الهاتف!"
في تساؤل نظرت لها لين بعد أن عادت دون أن تشعر، لكنها لم تملك إلا أن تلحق بها بعينين متسعة دهشة وهي تنظر إلى هاتفها لتكتشف أنه قد أنهى المكالمة من جانبه، وبكلمات سريعة أخبرته أن الموعد سيكون كما هو، لكن الرفقة هي التي اختلفت!
**********

اعتذرت لها المرأة في انصياع تام بعد أن حذرها هو من التعرض لها مرة أخرى، أغلقت الباب فور انصرافها تبتسم في سعادة وشعورها باسترداد حقها يوشك أن يجعلها ترقص..
"هل أنتِ راضية؟"
سألها بابتسامة رائعة فأومأت برأسها ثم ألقت بنفسها بين ذراعيه تهمس بامتنان، سارع باحتوائها في قوة، ثم ما لبثت أن تجرأت يداه على جذعها في بطء أثار قُشعريرة على طول ظهرها..
_ماذا تفعل يا ناهل؟!
سألته في خجل فقربها إليه أكثر وهو يرد في همس:
_أشكركِ بالمثل.
تتابعت همساته الشاكرة على جيدها صعودًا إلى وجنتيها، وحينما حدَّق بشفتيها وهَمَّ بخطوة لا شك بها تمتمت في خوف:
_ماذا ستفعل يا ناهل؟!
بصوت خافت رد متوسلًا في نظرة صارخة:
_لقد انتظرت كثيرًا يا إيلاف، ألم يحن الوقت بعد؟
وانتهى استيعابها عند ذلك الحد، إلا أن شعور غريب من الطفو بدأ يعتريها فاستسلمت لِرِفق بدا شاذًّا على طبعه الجاف، شعور متوسط ككل مشاعرها طيلة الوقت، شعور بين يقظة خيالية تهرب منها بضراوة؛
و.. حلم واقعي تدفع نفسها تجاهه أكثر!
"إيلاف!"
"إيلاف!"
تململت في وضعها بينما كان صوته يتخلص من رِقة انتابته للمرة الأولى مُستعيدًا خشونته التي اعتادتها، ثوانِ مرت حتى فتحت عينيها فجأة، واعتدلت في الأريكة فجأة، لترمقه بذهول فجأة!
_لماذا تنامين هنا؟!
سألها في دهشة فأخذت تنظر حولها في تساؤل تمقت إجابته، لكن الحقيقة ضربتها دون استئذان..
كانت تحلم!
الحمقاء كانت تحلم أحد أكثر أحلامها وقاحًة على الإطلاق!
لكنها ليست وحدها المُلامة، هو من ابتدأ الأمر حينما قَبَّلها بالأسبوع الماضي ليستأنف علاقته الاعتيادية معها وكأن شيئًا لم يكن، هو من أرشدها إلى إحساس لم يزرها من قبل حتى أثناء فترة عقد قرانها الطويلة على هـ..
طردت الاسم الذي بات مجرد عبوره بذهنها مُحرَّمًا، وبغضب وقفت لتبتعد أقصى مسافة ثم عاجلته صائحة:
_لماذا تأخرت؟ ولماذا تركت هاتفك هنا؟ لقد حاولت الاتصال بك مرارًا.
زوى ما بين حاجبيه في تعجب ودقق النظر بها قائلًا ببساطة:
_نسيته في غمرة غضبي، ذهبت لزوجها لأتحدث معه وأخبره عن أفعالها حتى يُحذرها.
_وماذا كان رده؟ هل سيردعها؟
سألته وهي تُدير وجهها في اتجاه آخر عندما اقترب منها، فعبس مُتمتمًا:
_سيردعها ربها، المسكين لا حول له ولا قوة، يخاف إغضابها بسبب سطوة أشقائها.
ثم هَمَّ بالمتابعة لكنها سبقته في سخرية:
_إذن أنت أيضًا بعد ثورتك لم تستطع مواجهتها، وأنا من ظننتك ستهدم المحل هدمًا فوق رأسها!
ثم أضافت في نبرة عمدت بها إلى معايرته:
_ماذا عطَّل قدرتك على الخمش؟!
أدرك محاولتها في التهرب من شيء لا يدري كنهه، فأشار إلى وجهها متسائلًا:
_لماذا وجنتاكِ متوردتان هكذا؟ الطقس ليس باردًا إلى هذا الحد الآن.
ارتعدت فرائصها وحار عقلها، لكن لسانها كان الأسرع بالطبع فأجابته في صراحة:
_لقد.. رأيت حلمًا.
استطاعت جذب انتباهه تمامًا بعبارتها فحاصرها بعينيه وأخذ يتفرس بملامحها مُعلقًا بلا تمهل ناويًا على عدم منحها فرصة لإعمال عقلها ثانية واحدة قبل أن يتأكد من ظنونه:
_أيحق لي أن أسأل ماذا رأيتِ بذلك الحلم؟
_لا، لا يحق لك بالطبع!
_أيصادف أنني كنت معكِ في الحلم؟
_بالتأكيد لم يكن سواك في الحلم!
_أكنا نتشاجر؟ أكنتِ تستفزين غضبي؟ أكنت أُثير إزعاجكِ؟
_إطلاقًا! بل كنت تشكرني وكنا منسجمين معًا كما لم نكن يومًا!
فغر كلاهما شفتيه في ذهول، استطاع هو أن يُرجح صواب تخمينه رغم جنونه، لكنه للأسف علم أنه لن يتمكن من استخراج المزيد من التفاصيل منها خاصًة مع تراجعها تجاه غرفتها بعد أن زل لسانها بما لا يصح _من وجهة نظرها_!
تواثب قلبه بين أضلعه واعيًا التغير الواضح في تحفظها، ونال منه بعض الزهو لإدراكه أنه بطريقٍة ما قد أفسد براءة أخلاقها.. في عالم الأحلام على الأقل!
_لقد مررت على المحل والتقيت بعبد الله، علمت أن غيابي لم يؤثر كثيرًا كما كنت أتوقع، يبدو أنكِ استطعتِ تدبير الأمور كلها خلال هذا الأسبوع.
قالها بنبرة عملية ليمنعها من الهرب، فاستدارت إليه ليتابع بتحذير:
_إياكِ أن أسمعكِ تتفوهين بشيء عن الغباء أو الفشل مرة أخرى! لقد رأيت النتيجة بنفسي، وبالفعل فوجئت!
تطلعت إليه في ترقب لتسأله:
_إذن.. هل أنت راض؟
منحها بسمة قلما يستسلم لها ليرد دون تأخير:
_بل بكِ فخور.
أخفضت رأسها أرضًا واختلجت دقاتها وكأنه ردد على سمعها من عظيم الغزل، لكنه تابع في ارتباك:
_على.. على الرغم من إدراكي بأن إدارة محل عصائر ليست بالعمل الذي يرقي لسليلة عائلة كعائلتكِ، لكن..
_لقد كنت أعمل في المصنع يا ناهل.
قاطعته وهي تنظر له في انزعاج، ثم واصلت بنبرة أكثر رقة وصراحة:
_كنت أعمل به لسنوات، لم أحب عملي إلا ذلك الوقت حين كنت أنت إلى جواري دومًا، أينما تدور رأسي كنت أراك تُشجعني وتُثني عليّ، لكن بعد رحيلك المُفاجئ تابعت بلا رغبة حقيقية، تابعت لأن أبي ثم جدي أرادا أن أفعل.
وسكتت لتطالع نظرة انتظار بعينيه، لكنها مُشَوَّبة بالرجاء للمزيد، فسارعت بالامتثال:
_لكنني أحببت العمل في محلك ومشاركتك ما عملت به طوال عمرك، بل وتعرفت على بعض الجيران وسكان الحي..
ثم عبست لتضيف في مرح:
_باستثناء تلك المرأة!
رمقها في صمت وهو يستشعر عاطفًة ملحوظًة بنظراتها إليه، لقد اقترب.. اقترب كثيرًا في الواقع؛
أوشك على استعادة الفتاة التي أحب؛
دنا من فوزه بقلب لن يؤنسه سواه؛
حتى لو لم تدرك صاحبته بعد.. يكفيه أن أدرك هو!
_خبرني عبد الله بشيء آخر.
نطق في خفوت وهو يُسيطر على اندفاع يستميت للتمكن منه، فسألته باهتمام:
_بماذا؟
_بالسبب الحقيقي لشجاركِ معها بالأمس.
في عتاب أجابها فأطرقت برأسها أرضًا ليُزيدها:
_لماذا أخفيتِ الأمر عني؟
نظرت له في اعتذار لِتراقب انفعال وجهه مليًّا، ثم قالت تتخير كلماتها بعناية:
_لم أرغب بإزعاجك، لكنني لم أتمالك نفسي وأنا أراها ترص بعض الأقفاص فوق ثلاجة المياه خاصتنا، لِذا..
تلكأت لِوهلة قبل أن تُردف في حذر:
_أنزلت الأقفاص بنفسي ووضعتها أرضًا فلم يعجبها ذلك! وهكذا بدأ الأمر!
هزت كتفيها في يأس ثم أفلتت ضحكة مرحة لتضيف بفخر:
_لِذا ترى أنني لم أُهزَم تمامًا فقد أنقذت ثلاجة المياه التي أحبتها والدتك وهذا ما يهم!
اقترب منها فلم تتحرك، طفق يتأمل نعومة ملامحها التي تجهل مفعولها به فراحت عيناها ترمقه في رهبة حتى قال في نبرة خفيضة:
_أتعلمين ماذا مثلتِ لي دومًا؟
هَزَّت رأسها نفيًا فتابع:
_منذ رأيتكِ بعد وفاة أمي بشهور أدركت أنكِ طالع سعدي، كنت أستبشر برؤيتكِ في الصباح ولا أحب أن أتعامل مع أحدهم بعدما ترحلين حتى لا يُشتت تأثيركِ الذي تركته لديّ.
راقب نظرة الذهول التي اعتلت عينيها فأضاف:
_وحالما افترقنا كلٌ في طريقه قضيت أوقاتًا عصيبة، أوقات وَلَّت بلا رجعة فور أن عُقِد قراننا.
جف حلقها أثناء كفاحها لاستيعاب ما يقول، لكنه لم يُمهلها فأردف:
_لِذا ينبغي عليّ الاعتراف أنكِ كنتِ مُحقة، لم أتزوجكِ بلا مُقابل، أنتِ الغنيمة والثمن، اشتريتُ بكِ سعادتي وهنائي، تُرى هل التقيتِ يومًا بمجنون يأتيه طالع سعده على طبق من ذهب فلا يُسارع بالتهامه؟!
سبحت ببحور من الضياع في محاولة لتفسير كلماته بينما قلبها الذي يتقافز في احتفال سببه مجهول لا يمنحها الفرصة، لكنه انتشلها هامسًا في إيحاء:
_ولِهذا يجب عليّ أن أشكركِ.
هربت منها شهقة وهي تستعيد حلمًا منذ دقائق أجزل خلاله شكرها مُعبرًا عن جوده وكرمه، فازدردت لعابها ثم سألته في ترقب:
_و..كيف.. كيف ستشكرني؟
لكنه تراجع ليُجيبها مُتظاهرا بالبراءة رغم لمحة العبث التي ظللت نظراته مع تعبير بالتوعد:
_ستأتين معي إلى المحل غدًا، ولنرى كيف ستتعرض لكِ تلك المرأة في وجودي!


"إن لم تجلب المال اليوم فلتنس أمر التدريب تمامًا يا مهند! بصعوبة أقنعت قريبي أن ينتظر إلى الآن، لكن هناك أكثر من شخص جاد بالفعل، سأنتظرك اليوم لا أكثر!"
كلمات حادَّة تشكلت لتقرع أذنه بصوت زميله الذي ضجر من تهربه طيلة الفترة الماضية، وها هو يخبره أن فرصته في ذلك التدريب الذي سيؤهله للوظيفة قد قاربت على الضياع..
من خزانته التقط رزمة مالية خبئها في مظروف..
رزمة مالية لم تقع عيناه عليها إلا مرة واحدة في الواقع؛
لكنها في الكابوس تتقافز أمامه مُشتعلة، شامتة، حتى أنه رآها مرات تبتسم!
أوراق تتراقص بينما تتفحم حوافها فيما ينطلق صوت ضحكاتها الجُهنمية..
تلطمه على وجهه، تكمم فمه، تخز عينيه خَزًّا؛
تجرحه، تطعنه، تدميه؛
وما إن تخور قواه فيسقط.. إلى جواره تستقر؛
تحين منه نظرة إليها فيهب كالملسوع وهو يرى صورة وجه ضحيته مُنطبع عليها يرمقه في لوم!
في توتر اختطف المظروف ليقوم بدسه سريعًا بجيب بنطاله، خرج من غرفته يبحث بعينيه عن شقيق لم يعد يراه، لم يعد يسمع صوته، لم يعد يتلقى منه نصائح كان يلفظها.. أو تحذيرات ما انفك يعارضها.
شقيق سقط بين يديه منذ أيام بعد أن عمل بنفسه على إضعافه؛
شقيق كاد يفقده فيلون الأسود مُستقبله دون هوادة..
وأب.. أب اعتاد دائمًا السير آمنًا في ظله، والإتكاء عليه بكل ثقته!
فلو لم يكن هناك نضال معه.. ماذا عليه أن يتوقع؟!
...
"أنا بطريقي إليك!"
رسالة قصيرة شافية كانت الرد على زميله، رسالة كتبها ليضع هاتفه بجيبه الآخر ليمشي بالشارع في بطء إلى حيث سيخط نهايته!
"مهند! كيف حالك يا بني؟"
تخشب بمكانه للحظات قبل أن يستدير فيصفعه مرأى شيخه وإمام المسجد يقف ببابه، بينما خلفه يصطف بعض أطفال الحي يؤدون الصلاة..
كان مثلهم يومًا؛
ذلك الولد الصغير الذي يقف بمفرده بمقدمة الصف، مُرتديًا عبائة بيضاء، وواضعًا طاقية قماشية بيضاء، نظيفًا، جميلًا، يرتل في هدوء، يراعي وقفاته في عناية..
هو _مهند_ كان مثله يومًا!
ابتسم يراقبه يركع، ثم يستقيم، ثم يسجد.. وتلألأت عيناه؛
ثم ابتسم أكثر وهو يُكرر الركعة، حتى جلس للتشهد وسلَّم..
لماذا تتغير ملامح الطفل الذي لمحه مرة أو اثنتين إلى ملامحه هو؟! لماذا يُحييه؟
ولماذا يرفع كفه إليه يدعوه للدخول؟
_ادخل يا مهند!
انتفض يتطلع إلى الشيخ واعيًا لشروده، وإلى رغبة دفينة تناضل للكشف عن نفسها..
راحت يده تتحسس جيبه.. فراحت قدماه تعود إلى الخلف!
_لن.. أستطيع!
في ندم قالها أثناء تراجعه، في اشمئزاز تمتم مُزدريًا فكرة أن تطأ قدماه الدنسة قداسة هذا المكان وبحوزته المال الحرام!
وفي ذعر انطلق يهرول.. إلى حيث ينتظره زميله.
فمهند أحمد الزُمُر يحاول حثيثًا أن يستقيم من مقبرة عطنة الرائحة كئيبة المنظر لا يجسر أن يزورها أحد.. لكنه قد انحطَّ إلى درجة بات معها النهوض يتطلب مُعجزة!
*****نهاية الفصل الخامس عشر*****



تعليقات