📁 آخر الروايات

رواية علي ضفة قلبك ظمآن الفصل الرابع عشر 14 بقلم سعاد محمد

رواية علي ضفة قلبك ظمآن الفصل الرابع عشر 14 بقلم سعاد محمد


الفصل الرابع عشر
(غَيُّور.. إلى أَبْعَد حد!)
وقفت تنتظر سيارة أجرة تُقلها إلى بيت أهلها بعد أن أحكمت إغلاق حقيبة صغيرها الذي بدأ ينام على كتفها..
"هل أرهقت خالتك لعبًا يا حبيبي أم أنها هي من فعلت؟!"
همست في مرح فمنحها ابتسامة سرعان ما اختفت مع عينيه خلف جفونه ليغيب في راحة تامة رغم الصخب والضوضاء، تطلعت إلى إحدى السيارات القادمة وهَمَّت بالإشارة لها، إلا أن النداء باسمها انطلق إلى جوارها مُصممًا، مُرهبًا..
ألن تتخلص منه مُطلقًا؟!
أستبقى إلى الأبد تدفع ثمن دياثة طليقها؟!
"ماذا تريد مني؟ ألم تفهم بأنني لا أود رؤيتك؟! ألم يبلغك جدي بالرفض؟!"
بكراهية حارقة كأشعة الشمس انطلقت أسئلتها المُستنكرة دون توقف، لكن ابتسامته المُقلقة أورثتها حذرًا قبل أن يرد في عدم اكتراث مُصطنعًا العمى:
_لقد أبلغني بالفعل، لكنني لم أقبل!
_أنت معتوه!
بصقت كلمتيها بكل ما تكنه له من خوف وازدراء، فاحتدت عيناه وعلق بإنذار دوى صداه في قلبها خبيثًا مُرعِبًا:
_سَمِّيني كما تشائين! لكن أنصحكِ بأن تقنعي جدكِ بالموافقة على زواجنا سريعًا قبل أن يتحكم بي التهور فأبدأ بالبطش بأي شخص.
ثم ثبت نظره على طفلها وابتسم ببطء وهو يداعب شعره مُتابعًا في تمهل مُتعمد:
_وأعني _بالفعل_ أي شخص!
وبلا إهدار للوقت أو الغوص في جب الاحتمالات صفعها وعيده الذي لم ينطق به بكلمات صريحة..
_أنت لن.. أنت لن تؤذي طفلي.
تمتمت بذعر وصرخت مقلتاها بالتوسل فأدرك أنه نال منها؛
لقد راهن على حصان خارح المنافسة، بعيد كل البُعد عن المُفاضَلَة، حصان رابح دومًا يَتَمَثَّل في.. تضحية أُم!
_لن أؤذيه طالما والدته مُطيعة لا تُثير غضبي.
ثم أضاف في تحذير:
_سأسافر كي أنهي بعض الأعمال مع مراد، وحينما أعود سأكون مُستعدًا لتلقي اتصالًا منكِ كي تبلغينني بإقناع جدكِ.
يسوقها إلى مصيرها المُظلم لتنفذ أمره بلا نقاش..
جارية.. ذليلة، تكاد تتقيأ كلما تخيلت نفسها زوجته هو بالذات!
ربما قد اتخذت قرارها بعد الطلاق بألا تتزوج مرة أخرى فكفاها ما جنته خلال عامين، لكن المبدأ لم يكن مُستحيلًا.. إلا مع هذا الرجل!
هي بكليتها ترفضه، تكرهه، وتشمئز منه، فكيف لها أن تُسلم نفسها وابنها لشخص عديم الدين لا يفقه للحدود معنى؟!
_إن أردتِ حمايتكِ وطفلكِ فلن تجديها إلا في بيتي أنا، بين أحضاني أنا، أو.. لتتحملي العواقب جميعها!
اقشعر جسدها وأخفضت رأسها حتى رحل عنها، وشعور عارم بالحقارة يكتنفها حال تصور فكرة أنها تحت رحمة هذا المُقزز..
في تلقائية لَفَّت ذراعها الأخرى حول يزن تتمنى لو استطاعت القيام بتجربة أختها..
فماذا لو اصطحبته وهربت بعيدًا عن ذاك السجن الذي يكشف عن أنيابه مُتأهبًا لتسلمه نفسها إلى الأبد؟!
**********

تَفَصَّد جبينه بالعرق وازدادت حركته في الفراش حِدَّة، تارَّة يجذب الغطاء حتى يواري وجهه وتارَّة يدفعه عنه وكأنه سيبتلعه في جوفه!
"مُجرم!"
"خائن!"
"مُبتز!"
صرخات حادَّة تخترق أذنيه فتحرق خلاياه وكأنها هاربة من سَقَر، أذرع رفيعة طويلة تمتد من الأرض التي تتشقق حوله.. تستطيل وتستطيل حتى تلتف جميعها حول جسده فتعصره بعنف، وفي اللحظة التي تدنو أنفاسه بها من الاستسلام تتركه مُبتعدة لتعاود هجومها من جديد في انتقام لا نهاية له!
"مُجرم!"
"خائن!"
"مُبتز!"
تتفجر العيون من أسفله فينشرح صدره بقرب الفرج، لكنه يرى الدماء التي انبثقت وارتفعت حتى عنقه لتقتحم فمه وعينيه فتوشك على كتابة النهاية لفيلم أدى هو الدور الوحيد به؛
ليس البطل النبيل كما هو شائع، إنما الشرير المُعتدي!
"مُجرم!"
"خائن!"
"مُبتز!"
لماذا صار طعم الدماء مالحًا وقد ظن كثيرًا أنه صَدِئ؟!
دار السؤال بين رُحى وعيه الذي لا ينفك يُعذبه وكابوسه الذي لا ينجح في القضاء على حياته، حتى ملَّ هذا الأخير فغاب تدريجيًا تاركًا الفرصة لليقظة كي تتسلَّى ببطء في إيلامه.
بلل أغرق وجنتيه فأجبره على الخضوع للانتباه، ليُدرك ما إن فتح عينيه أن الملوحة لم تكن تنتمي لدماء، إنما هي دمعات ذنب أقسم أن يصير رفيق يومه وليلته، نومه وصحوته!
"أهو كابوس؟!"
انتفض مهند يلهث حينما انطلق السؤال بالقرب منه في الظلام، وبعد ثوانِ من محاولة الاستيعاب أدرك أن شقيقه هنا، يراقبه في أشد حالات ضعفه، وندمه، وذنبه!
_أتراها بكوابيسك؟
ثانيًة تكلم نضال وقد بدا أنه يجبر صوته إجبارًا على أداء دوره، فلم يجد هو بدًا من الإيماء برأسه كإجابة صامتة، لكن شقيقه تابع بخفوت:
_كنت أظن أنني أعيش برفقة ذئب، لكن الذئب لا يغدر ببني جنسه حسب ما أعتقد، لا يفعل ذلك سوى إنسان.
وسكت ليتغلب على ضيق التنفس الذي أحكم قبضته على صدره، ثم استكمل بنبرة مُرتعشة تسربت منها الحسرة كزاحف خبيث:
_مجرم، خائن.. ومبتز!
أسبل مهند أهدابه في موافقة ضمنية على خصال قد صارت مُلتصقة به، وربما لن يجد الفرصة ليتخلص منها إلى الأبد.
_كيف فعلتها؟!
فتح عينيه لينظر له في صمت، فتابع نضال وقد بدأ الغضب يستعيد سيطرته على تعبيراته:
_كيف واتتك الجرأة كي تقوم بتهديد فتاة وابتزازها؟ ألم تفكر في إسداء النصيحة لها بدلًا من إثارة ذعرها؟ ألم تفكر في تحذير ذلك الشاب؟ ألم تفكر في إخبار لؤي كي ينقذ شقيقته؟
ثم أردف في سخط أججته الحيرة:
_كانت هناك عدة طُرق لكنك اخترت الوحيد الملتوي!
رَفَع مهند حاجبيه في تعجب، ثم ما لبث أن أدرك ذهنه المُتقد الخطوة التي قام بها شقيقه قبل أن يواجهه، فتنهد ثم علق في تقرير:
_أنت لا تفهم الحقيقة كاملة يا نضال.
هبَّ نضال واقفًا ينظر إليه بذهول امتزج بالضياع مع الأسف ليصرخ:
_اشرح لي إذن!
مسح مهند وجهه بكفيه وقال وهو مُطرِق به أرضًا:
_غفران لا علاقة لها بأي شاب، لا مُذنِب هنا سواي.
ثم رفع رأسه ليُتابع في بساطة:
_أظن أنك التقيت بعلياء، وقد اعترفت هي بما خبرتها أنا به، أليس كذلك؟!
تسمَّر نضال مكانه دون اتخاذ ردة فعل واضحة وعقله يصر في إشفاق على صد الحقيقة القاسية التي ما انفك طيلة الطريق يرفضها! ليُضيف مهند باستسلام لِص قد تم ضبطه مُتلبسًا وبشكلٍ ما يشعر بالشماتة في نفسه:
_سأقر أنا بالحقيقة كاملة، تلك التي لا تعرفها علياء، وهي _بالمناسبة_ قمت أنا باستغلالها أيضًا لأنني لم أقو على النظر إلى صور تفضح عورة شقيقة صديقي، والتي لطالما اعتبرتها شقيقتي أيضًا، لِذا كانت الصور بحوزتها وأنا من كتبت الرسائل لتوجهها هي إليها.
صاعقتان من الخوف ضربتا مخ نضال فأغمض عينيه يتوسله بالمقاومة قليلًا بعد حتى يفهم هذا اللغز الذي كلما أوشك على حلِّه تعقَّد أكثر..
_إن كانت غفران قد ارتكبت خطئًا فقد تلخص كله في سذاجتها حينما تركت هاتفها مفتوحًا أمامي بالوقت ذاته حين كنت أبحث عن مصدر أحصل منه على مال كي أضمن وظيفة في مكتب قريب أحد زملائي.
دوار التحم مع الصداع في محاولة لإفقاده انتباهه، لكنه تهرب منهما بصعوبة شديدة وهو يستمع لِسرد جريمة قد ألقى هو شخصًا من أجلها خلف قضبان الإدانة بينما المُذنِب الحقيقي حُرًّا طليقًا تحت رعايته هو.
_لمحت محادثة مفتوحة بها صورة فما كان مني إلا أن سارعت بإرسال رابط اختراق وفتحته من جهازها.. وهكذا صار كل ما بهاتفها تحت أمري!
ثلوج بدا أنها ستهزم حرارة جسده فشرعت تتكاثف صعودًا من قدميه حتى الأعلى، إلا أن رأسه المُشتعل أغلق أبوابه أمامها في شراسة وهو يقسم على عدم الاستسلام قبل تمام الاستيعاب أولًا..
_تسللت إلى الهاتف وحصلت على ملف يخصها، وحينما فتحته وطالعت كلمة "صوري" لم أستطع التطلع إليها، لِذا كنت في حاجة ماسة إلى مساعدة فتاة.
خدر ظهر دون دعوة ليُشارك الحفل على إضعاف جسده، مُصطحبًا ارتعاشة في أطراف يديه وقد اتفقت غالبية أعضائه على سحب سيطرته والاقتصاص للمجني عليها منه..
_خبرت علياء أن هناك شابًّا يُلاحق شقيقة لؤي، يتلاعب بها وربما ستستسلم له وما إن ينال منها سيدير ظهره إليها لتواجه عائلتها بمفردها، ويجب علينا إنقاذها من مصير فاضح بأن تبتعد هي عنه مُضطرة، ولا وسيلة لتحقيق هذا سوى بأن أنتحل أنا شخصيته وأقوم بتهديدها، أقنعتها ببراعة أنها تُسدي خدمة جليلة إلى فتاة مثلها، إلى شقيقة لؤي الذي يعرف كلانا طيب أصله.
ثم تابع بصوت مبحوح وهو لا يرى وجه شقيقه الذي احتقن تمامًا:
_ذلك اليوم كنت أنا بالطابق الأعلى أراقبها تنفذ تعليماتي حتى انطلقت تهرول فارَّة من الجحيم المُتمثل في حقير مثلي، لم ترني البتة، وحتى لحظتنا هذه لا تعلم أنني أنا من غدرت بها!
_أنت.. لم تتظاهر بالابتزاز! بل أنت بالفعل..
لم يستطع إتمام عبارته حينما حان موعد حلول الضيف الرئيسي في صورة غثيان، غثيان قد ألقاه ساخرًا في وجهها كَسبَّة وافية ذات يوم مُدعيًا، وحاكمًا، وجلادًا..
_إذن هي ضحية بالكامل!
همس بذهول وعبرت عيناه بالرفض؛
زاد الدوار، طَعَنَه الصداع، وتراقصت أصابعه على مسرح خيبته احتفالًا بالفشل..
_غفران التي قذفتها أنا أيضًا بالباطل.. ليست إلا ضحية بالكامل!
وأخيرًا ذابت الثلوج ليندلع اشتعال مُفاجئ بجسده كاملًا مع إضافته المُتحشرجة:
_المسكينة كانت تهرول هربًا منك أنت، ثم ذُعرًا مني أنا!
وبالنهاية انضم قلبه إلى الحفل فارتفع ضجيجه حتى صم أذنيه، وقبل أن يتخلص لسانه من الثقل الذي كَبَّله، وقبل أن تصل يده إلى شريط الدواء الذي فرغ بالفعل أثناء طريق عودته.. تهاوى مغشيًا عليه!
**********

توقفت عن أرجحة طفلها بكرسيه الهزاز ودثرته جيدًا، ثم أطفئت ضوء غرفتها الرئيسي وأشعلت مصباحًا صغيرًا يشع بألوان هادئة، خرجت على أطراف أصابعها وهي تُقبله بنظرة حنونة اقتحمها بعضًا من الخوف.
وقفت أمام الباب المُغلق لغرفة إيلاف تحدق به في أسف تتمنى لو لم يكن الوقت مُتأخرًا لهاتفتها وطلبت مشورتها، ثم زمت شفتيها في ضيق لتُقر بأنها لم تكن لتفعل حتى لو كان الوقت مُناسبًا، لن تقبل بأن تكون وحدها مَحط الاهتمام ثانية.
"اذهب إلى مذاكرتك وإليكَ عني!"
التفتت بحدة إلى حيث انطلق صوت أختها الصغرى غاضبًا، ثم تبعته ضحكات لؤي الذي يخرج من غرفتها هاتفًا:
_أنتِ أكثر نكدًا من إيلاف، ليتني قمت بزيارتها بدلًا من تحمل حدة لسانكِ هذه!
نظرت له لين في فضول بينما صفعت غفران الباب من الداخل، فتابع لؤي صائحًا وهو ينظر إلى لين في مكر:
_ولماذا سأذهب إلى إيلاف بينما حبيبتي لين الحنون العطوف هنا؟! تشبعي بكآبتكِ وحدكِ يا غفران ولا تدقي بابي بعد ساعة تتوسلينني كي أُسلِّي وحدتكِ!
اتجه إلى لين فاستقبلته بابتسامة، وقبل أن تتحدث بادرها مُشيرًا إلى غرفة غفران في قلق:
_ماذا حدث اليوم أيضًا؟
بلا فهم بادلته النظر فأوضح في ضيق:
_إنها تبكي في انهيار، ماذا حدث؟ هل أزعجها أحد؟
تعلقت عيناها بالباب نفسه، وبالقلق نفسه، وبشوق يخصها وحدها إلى أخت تحمل من صدق الاهتمام والدفاع عن الجميع ما عداها هي!
ربما منذ سنوات زارتها الغبطة تجاه إيلاف على عكس المُتوقع..
إلا أنها بالفعل غبطتها على حب غفران لها، ودفاعها عنها، وتمنت لو بإمكانها إقحام نفسها بينهما.. لكنها كانت تلاقي نظرات اللوم والعتاب فتغض الطرف عن أمنيتها لتتقبل دلالًا صار يخنقها أكثر مما يُسبب لها سعادة!
_لا أعلم يا لؤي، لن تخبرني بما يزعجها بالطبع.
قالت في ألم فلاح الغيظ بنظراته قبل أن يقول من بين أسنانه:
_أحيانًا أشعر أنني أريد ضم ثلاثتكن معًا إلى صدري في قوة، لأشبعكن ضربًا لا أكثر!
تخصرت لترد في صرامة:
_أنت تُحدِّث أختك الكبرى في حال أنك لم تلاحظ!
لكنه ربت على رأسها قائلًا في تهكم:
_اتضح لي أن العمر ليس بمعيار بهذا البيت، ربما أنا أصغركم لكنني الأكثر تعقلًا واتزانًا.
فما كان منها إلا أن ارتسم الأسف بعينيها وعلقت بلا تردد:
_لأنك الوحيد الذي حظيت بعناية الأب والأم معًا يا لؤي، لم يظلمك أحدهما، لم تفتقد حنان أحدهما، ولم تكن سببًا غير مُباشر في الإجحاف بحق إخوتك.
ضَمَّها إلى صدره على الفور وربت على ظهرها فانتابها الندم لتلميحها الذي أزعجه بالتأكيد، ثم ابتعدت بعد قليل لتسأله:
_أين عمتي؟
عاد تعبير المرح بنظراته ليُجيبها ساخرًا:
_إنها في مهمة ضبط وإحضار.
_ياسر، أليس كذلك؟!
علَّقت في بسمة فأومأ برأسه مؤكدًا ثم رد:
_تأخر ياسر بالمصنع وقد شَعَرَت أن هناك خطرًا محدقًا يحيق به لِذا هَبَّت لإنقاذ وحيدها قبل أن يختطفه اللصوص!
ضحكت فتابع مُتسائلًا:
_فيم تريدينها؟
زفرت في بطء، ثم أجابته وقد ظهر الهمَّ ثانية لسبب آخر:
_لا شيء، نام يزن وخالتي أيضًا، كنت أرغب بالثرثرة معها فقط.
تراجع إلى الخلف خطوتين ثم أشار بكفيه إلى صدره قائلًا في حماس:
_ها أنا هنا، ثرثري معي كما تحبين!
أمعنت النظر به وسألته في استخفاف:
_ألست تصيح متوترًا منذ أيام لأن لديك مشروع هام تجهز لتقديمه بالكلية؟! الآن صرت متفرغًا للثرثرة!
أومأ برأسه مرة ثانية ودفعها برفق تجاه غرفته قائلًا في رجاء:
_بلى، لكني الآن أحاول استغلالكِ كوسيلة إلهاء بعد أن طردتني تلك الكئيبة، أتوسلكِ أن تشفقي على طالب تفعل به كُلِّيَته الأفاعيل!
...
"هل وقعت مُشكلات أخرى بالمصنع؟"
سألها لؤي بعد أن عاد الصمت بينهما عقب دقائق مُتصلة من أسئلته المُهتمة عن حالها عقب استئنافها العمل.
_لا، بعدما انتهى أمر الفحص عاد كل شيء على ما يُرام مرة ثانية، لماذا تسأل؟
أجابته في تعجب، فمط شفتيه ليرد بتوجس:
_قبل أن أذهب إلى غفران كنت أرافق جدكِ بغرفة مكتبه، كان يتحدث معي باهتمام حتى وردته مكالمة هاتفية من المحامي فطردني كي يتلقاها دون أن أسمعه.
_طُرِدت مرتين بليلة واحدة ولازلت مُصممًا على ألا تتابع مذاكرتك؟!
تعليقها الساخر جعله يرميها بنظرة مغتاظة، فتابعت بلا اكتراث:
_ربما هناك أمرًا هامًّا بشأن المصنع ولا يريد أن يُشغلك حتى تنتهي دراستك.
بلا اقتناع مط شفتيه وعمد إلى الصمت مرة أخرى بينما أخذ يفكر في حنق بالمشروع الذي سيجب عليه تقديمه، إلى أن جاءه صوتها مُناديًا في خفوت، نظر لها بتساؤل فقالت متوترة:
_لو.. وُضِعت في اختيار بين أمرين لا ترغب بأحدهما، ماذا ستفعل؟
رمقها مُتسائلًا فوجدها تتطلع إليه بترقب واضح، ليقول ببساطة:
_سأرفضهما معًا!
_ولو لم يكن باستطاعتك؟
عندئذٍ شعر أن الأمر جاد، فرمقها بارتياب ليسألها:
_ماذا تعنين؟
ابتعدت بنظراتها عنه إلى الظلام الذي يسود الحديقة بالأسفل، ثم تحدثت في ارتباك:
_أعني.. لو اضطررت لأن تترك ملجأ لا تشعر فيه بالراحة، ثم وجدت نفسك فجأة بمنتصف غابة وأمامك بيتين..
بترت كلماتها لتشحذ أنفاسها وهي تنتقل بذهنها إلى تلك الغابة بالفعل، ثم واصلت وتعبير جليّ الاشمئزاز يزحف على رقة ملامحها:
_أحدهما مليء بالأشباح، يُناديك في إصرار، يخيفك، تكرهه، تُفضِّل بتر قدميك على أن تطآنه، وتدرك أنه لن يقدم لك سوى السوء ما إن تقف على عتبته.
بنهاية عبارتها لهثت وهي ترى وجه أسامة بابتسامته الخبيثة المُقززة، يصل إليها، يجذبها قسرًا من ذراعيها، ثم يُلقي بها داخل ظلام أشد مما تركته بالخارج..
اقشعر جسدها فأحاطت نفسها بذراعيها، ثم سألت لؤي بنبرة مرتعشة ونظرة ضائعة:
_ماذا ستفعل؟
_ماذا عن الآخر؟
في انتباه كامل سألها، فتطلعت إليه بحيرة باللحظة ذاتها حين استطاعت التحرر من البيت المُظلم ليتلقفها النور بالخارج..
الغابة كانت لِتوها حالكة.. أنَّى لها بهذا الضوء؟!
تعاقبت التعابير على وجهها بين القلق والدهشة، ثم أجابته مُستدعية في ذهنها صورة ذلك الرجل الذي التقت به مرتين فقط..:
_الآخر.. غامض، لا تعلم عنه شيئًا، لم تر سوى ظاهره وحسب.
_وهذا الظاهر أهو مُبشِّر أم مُنذِر؟
أزجى لؤي حيرتها بسؤاله، لكنها تذكرت حديث جدها ثم أختها عنه فقالت في يأس:
_الجميع يراه مُبشِّرًا، لكنك لم تعد تملك الطاقة للاختبار، كما أن قرارك لن تتحمل نتيجته وحدك، حتى بقاءك في الملجأ ليس مأمون العواقب.. ربما يتأذى سواك بسببك!
أخذ لؤي ينظر لها مُحاولًا سبر أغوارها فاستطردت تسأله في توسل:
_إذن هل تختار ما أنت على يقين ببشاعته بالفعل، أم الـ..
_الآخر بلا شك!
قاطعها في حزم فحدقت به مُترقبًة، ليتابع في زهو وهو يرفع إحدى كفيه مُشيرًا إلى الخارج:
_أهذا سؤال توجهينه لطالب بكلية الهندسة؟! هناك احتمالًا بنسبة خمسين بالمائة أن يكون ذلك الآخر هو الخير، سأكون مخبولًا لو تجاهلته وانطلقت إلى المائة بالمائة من الشر!
تنهدت في تعب وهي تُقر بصواب رأيه، وتدريجيًا أخذت تطرد صورة البيت المُظلم بصاحبه من رأسها، لتستدير إلى الجهة الأخرى..
بيت صغير، يتسلل الدفء منه، طفلها يلعب هنا وهناك بأمان تام..
و..
رجل حسن الهيئة؛
بَهِي الطَلَّة؛
مُبتسمًا بلا سبب.. ومؤازرًا قبل الطلب!
"ها قد وصل الإلهاء الحقيقي!"
التفتت إلى أخيها الذي كان ينظر إلى الأسفل في بسمة ماكرة، لتجد ياسر ينزل من سيارته حاملًا ملامح غضب، بينما والدته تنزل من الجهة الأخرى يُكللها الحرج!
_من أين التقطتِه يا عمتي؟ لا تقولي أنكِ ذهبتِ إلى جبل المقطم بهذه الساعة!
صاح لؤي في تهكم فنظرت له أماني شزرًا، فيما هتف ياسر بِغيظ وهو يهرول تجاه البوابة صاعدًا إلى الأعلى:
_إذن أنت أيها الوغد من خبرتها! لنرى كيف ستجهز مشروعك بيدين مليئتين بالكدمات!
**********

في اليوم التالي:
أغلق هاتفه بعد أن اتصل به زميل آخر يتساءل عن سبب تغيبه عن العمل لليوم الثالث على التوالي على عكس التزامه الدائم، لكنه لا يجد قدرة على التحدث إلى أحد فيرد مُكتفيًا بإرسال صور تقرير طبي يؤكد إصابته بارتفاع ضغط الدم المزمن مع وصايا بالمواظبة على العلاج وعدم تناول أية أقراص مُسكنة بإهمال بالإضافة إلى ضرورة تجنب الضغوطات النفسية!
"هل ما قاله شقيقك حقيقي؟"
نظر إلى والدته التي ترافقه بغرفته منذ سقط مُتجاهلة طلبه بالانفراد بنفسه وتأكيداته المستمرة بأنه قد صار أفضل، فآخر ما رآه قبل أن ينتفض شقيقه لمنعه من الارتطام بالأرض وقوفها بباب الغرفة، مصدومة ومذعورة.
لكن يبدو أنها لن تنتظر المزيد من الوقت، وها قد وجب عليه تفسير ما يجد هو صعوبة شديدة في استيعابه.
_هل.. قام مهند بالتسلل إلى هاتف شقيقة لؤي ثم هددها؟
نظر لها في عجز وأسف..؛
عاجز عن إجابتها بإثبات يؤكد خبث ولدها وسوء تربيته؛
وآسِف على خيبة أمل طالتها بسبب فشله هو!
_نعم يا أمي، لقد فعل.
أومأت برأسها إيجابًا أو موافقًة أو إذعانًا للقدر، لا يعلم السبب بالضبط لأنه لم يستطع إطالة النظر بها، وبالحسرة التي فاضت بها عيناها لتوصمه هو!
_وماذا.. ماذا سنفعل؟
تنهد طويلًا ثم رد بصوت خفيض:
_سأعيد لها ما اغتصبه منها، سأعتذر منها، لكنني لا أعلم بالضبط ماذا ينبغي عليّ أن أفعل معه.
ثم رفع رأسه يستجديها بنظراته كما لم يفعل يومًا..
_ماذا أفعل يا أمي؟ هو شقيقي الوحيد، هو من أعتبره ابني، لكنني لا أجد وسيلة يكفر بها عن جرمه.
توقف قليلًا ثم أضاف والحدة تسطو على صوته الضعيف:
_لو.. لو كان لي شقيقة وتم انتهاك خصوصيتها، وحرمتها، وأمانها لكنت حرصت على تلقي عقابه..
وبتر عبارته ليرفع كفيه إلى جواره مُردِفًا بيأس:
_لكنني.. عاجز!
أطرقت برأسها أرضًا ففعل هو المثل، فرض الصمت سيطرته على الغرفة حتى عادت كلماتها بِوهن مسموع رغم بذلها جهد في اصطناع القوة:
_افعل ما تراه مناسبًا يا نضال ولن أتدخل! ربما حان الوقت كي يلاقي مغبة أفعاله.
ثم خرجت وتركته ضائعًا، إن كانت تظن أنها قدمت له بعض المساعدة فهي مخطئة، لقد ألقت عليه المسؤولية للمرة التي لم يعد قادرًا على حسابها.
حانت منه نظرة إلى خزانة الأدراج المجاورة لفراشه فامتدت يده تفتح آخر درج بها ليختطف الهاتف القديم ذي الرقم الحديث والذي اعترف شقيقه بأنه ما هاتفها من خلاله..
والآن ماذا يفعل؟
أيتصل بها؟.. ماذا سيقول؟
أيرسل لها رسالة؟.. وماذا سيكتب؟
أغمض عينيه ثم ببطء تخلى عن الهاتف ليضع رأسه الذي عاد إليه الأنين عاليًا بين كفيه المرتجفتين.
...
بآخر مقعد في الحافلة العائدة إلى محافظتها جلست تدمع بشرود ولا يكف ذهنها عن استعادة ما حدث منذ دقائق أمام منزل صديقتها الوحيدة بالماضي.
لقد خرجت منذ الصباح الباكر من منزلها عازمة على الاعتذار منها بعد أن تجاهلت إجابة اتصالاتها بالليلة الماضية، انتظرت أن ترفض مسامحتها في البدء ثم لن تلبث إلا أن تتقبلها على مضض.
وهكذا كانت ستخبرها بكل ما حدث معها حتى ذهابها إلى ذلك المنزل الذي تبث ذكراه الذعر بقلبها.
لكن.. مقابلة سدن النافرة، الكارهة، بنظرات حادَّة حارقة خبرتها أنها قد فقدتها حقًّا، وما عليها إلا الاحتفاظ بآمالها لنفسها!
أفلتت منها شهقة بكاء فوضعت كفها على فمها قبل أن ينتبه إليها الركاب فينظرون لها بفضول.. َولَكَم تكره الفضول وأصحابه!
إلا أن رنين هاتفها جعلها تنتبه وهي تمسح وجنتيها بمحرمتها سريعًا، ثم شحب وجهها ما إن تطلعت إلى الرقم الملعون!
لِمَ الدهشة وقد توقعت أنه لن يتوقف؟!
لا مُبتز يتوقف!
بجمود حدقت في الشاشة لتنتابها كراهية تجاه كل رقم يحتلها..
أتتجاهله؟
أتلغي المكالمة؟
أتغلق هاتفها ثم تلقي به من النافذة؟
ثم..؟
تعود إلى البيت لتجد صورها قد باتت مشاعًا.. ولن يغض الجميع أبصارهم ويحذفونها.
بل هي تعرف شخصًا مُحددًا سيفرح بمصابها وسيهرع لاستغلاله أيضًا!
انتبهت إلى انتهاء المكالمة فلم تسمح للراحة بالتسلل إليها، وصدق حدسها حين عادت الأرقام تتراقص مرة أخرى، فعبأت صدرها بنفس عميق ثم استقبلتها..
_ماذا تريد بعد؟
بادرته بهدوء، ثم تابعت قبل أن يبدأ بإملاء أوامره:
_هل نفد منك المال فعدت إلى المصدر المضمون؟
لم تسمع ردًّا لِذا أردفت بصوت أعلى وأكثر حدة:
_أُبشرك أنني لم أعد أملك المزيد، ربما سيجب عليك أن تنتظر حتى أبيع إحدى قطع مصوغاتي.
التفت إليها راكب أو اثنين بتعجب فلم يمنحها تحفزها الفرصة لملاحظتهما وهي تقسم اهتمامها بين الصمت على الطرف الآخر وصراخ الفَزع الذي تُطلقه دقات قلبها..
_أعتذر!
النبرة التي أتتها عبر الأثير لم تلحظ هي اختلافها عن سابقتها، فقد استرعى انتباهها ما قيل، لِتُعلق بترقب:
_ماذا قلت؟!
استطاعت سماعه يزفر، يزدرد لعابه، يتنفس في ثقل، يتلكأ قليلًا، ثم يُكرر:
_قلت.. أنني أعتذر.
فغرت شفتيها فتابع بأسف مُدركًا أنه أسكتها عنوة:
_أعتذر على استخدام صوركِ، وأعتذر على ابتزازكِ، كما أنني أعدكِ بإعادة المال كاملًا، وأُبشركِ بأن الصور قد حُذِفَت ولن يهددكِ بها أحد إلى الأبد.
أخذتها المفاجأة فأربكتها، ارتفع حاجباها اندهاشًا وجف حلقها فأطبقت شفتيها مُرغمة..
هو لا يواصل ابتزازها؛
هو _ببساطة_ يعتذر!
منذ أسابيع أحال حياتها إلى جحيم، وها هو الآن يُشهر ندمًا وتوبة!
هل انتهى الأمر إذن؟!
هل ستعود حياتها كما كانت قبل أن تُنتَهك خصوصيتها؟!
هل ستنسى كل ما عايشته وكأنه لم يحدث أبدًا؟!
_أتعتذر؟! كيف ستعيد لي صديقتي التي خسرتها بسببك؟! وكيف سأنسى خوفي وذعري لأيام متواصلة؟! وكيف.. كيف سأتناسى اطلاع رجل غريب على صوري الخاصة؟!
ببحة سألته بلا يقين أنه فهم ما قالت بالأصل، ارتجفت شفتاها تتشرب كأس خزيها دون سؤالها، لكن تعليقه جاء يسكب مزيدًا من التيه الذي يتمدد به ذهنها..:
_لم ير رجل صوركِ مُطلقًا يا دكتورة غفران، فلا تخافي!
انتظرت إيضاحًا فلم تحصل عليه، لِذا هتفت وقد بدأت تفقد رشدها:
_أتمزح معي؟!
وبلا تردد خاطبها راغبًا في نثر بعض الراحة على تشتت أمانها:
_أقسم أنني صادق، الصور التي تخصكِ كانت بحوزة فتاة طوال هذا الوقت، لم ينظر لها أي رجل، كما أنها حُذِفَت كلها.
استغرق منها الأمر ثوان حتى همست بغير تصديق:
_فتاة؟! أية فتاة؟!
ثم أضافت وقد بدأ الانفلات يتمكن من هدوء صوتها:
_من تحدث إليّ ليؤكد عليّ الموعد كان رجلًا، من قام باستدراجي إلى ذلك البيت كان رجلًا، من حصل مني على عشرة آلاف من الجنيهات حتى لا يفضحني كان رجلًا، بالتأكيد لا يمتلك ذرة من النخوة والرجولة، لكنه _للأسف_ يُحسَب رجل!
نَسَت أنها تجلس بحافلة مُكتظة بالركاب يرهف جميعهم السمع لهذه الفتاة المجنونة التي لم تتوقف عن البكاء منذ دقائق وها هي الآن تصرخ مُتحدثة بما يشينها.. وحلت العاصفة ما إن سبقها السكون..!
على الجهة الأخرى أغمض نضال عينيه بقوة ضاغطًا بسبابته وإبهامه على جبهته التي أوشكت على التصدع، استسلم لثورتها وتلقاها بصدر رحب، طأطأ رأسه للصمت حتى صرفته لتقول في أسى:
_أنا لا أسامحك ولن أفعل مهما أبديت من ندم، وإياك أن تعيد اتصالك بي مرة أخرى!
وعندما أعقب عبارتها صوت انتهاء المكالمة وجد نفسه يستخرج شريحة الاتصال ليثنيها بقوة حتى انشطرت إلى نصفين.. كحال روحه!
**********

بعد أسبوع:
دلف إلى الشقة التي اتخذها مقرًّا لمكتبه في مجال التسويق ال****ي وهو شارد تمامًا رغم أنه منذ قليل نجح في إقناع عميل بشراء منزل مُتطرف بعض الشيء بعد أن تملكه اليأس في أن يُباع، لكن يبدو أن هناك بصيص أمل سيغير من مزاجه الذي صار نزقًا منزعجًا في الآونة الأخيرة، أو تحديدًا منذ أجرى ذلك الاتصال من أسبوع.
جلس على المقعد المريح خلف مكتبه المتواضع مُرخيًا ملامحه بالإجبار بعدما انتبه إلى مدى الضيق الذي يعتريه كلما تذكرها..
وهل نسيها؟
لا! لم يفعل!
وأكثر ما يزعجه ويسرق تركيزه ويثير سخطه هو أن الرفض كان غير مُسبب، أوليس من حقه أن يعلم لماذا رفضته دون أن يتعارفا أولًا؟
نعم، هذا هو سبب حنقه غير المعهود.
أو.. ربما لا تزال تكن المشاعر لطليقها؟
ربما.. لم يعد الأمر يخصه!
هو قد سأم الوحدة بعد وفاة زوجته، وعندما التقى بها وسمع اسمها تراءى له أنه انجذب إليها..
نعم، هذه هي الحقيقة..
لا بل هذا هو الكذب بعينه!
لقد جذبته بلقائهما الأول ولم يكن يعرف باسمها حينئذ، لا بضعفها ولا بقوتها فلا يستطيع الجزم بأحدهما..إنما بكفاحها!
لا يعلم بالضبط ماذا تكافح لكن هناك معاناة مقترنة بالخوف والاحتياج يتوسدون ملامحها التي يثير جمالها حيرته ولا يفهم كيف.
صوت خطوات تصعد الدرجات القريبة أنبأته بحضور عميل جعلته يشحذ تعبيراته الجَدِّية مُشجعًا نفسه على الغرق في العمل كي ينسى هذا الانقلاب العابر.
"كيف حالك يا سيد هارون؟"
هل جُن فصارت تخرج من عُمق الخيال لتتجسد أمامه في صورة امرأة نادرة الجمال؟
نعم.. هذا هو السبب.. جمالها نادر؛
هي امرأة ربما يعود أصلها إلى نسل ملكي قديم، تتهادى في خفة، تبتسم في لطف، تنفعل في أنفة، وتتطلع إليه الآن في عطف!
_أعتذر لأنني جئت في غير موعد، لكن مساعدك خبرني هاتفيًا بأنك ستكون متفرغًا بهذا الوقت.
بادرته في تهذيب فما كان منه إلا أن تخلص من وقع المفاجأة سريعًا لِيُشير إليها كي تجلس قائلًا بنبرته العملية:
_أنا متفرغ تمامًا يا سيدة لين.
قالها وانتظر؛
انتظر كثيرًا في الواقع، لكن بلا أي شعور بالضجر؛
أخذ يتطلع إلى الارتباك المُسيطر على عينيها التي تجري بأنحاء المكان بعيدًا عنه؛
يحسب أنفاسها المتسارعة ويحسب معها عدد فشل المرات في تهدئتها؛
يتسائل دون صوت، ويتلهف بلا أمل، وبداخله لا مانع لديه من أن يبقى مُترقبًّا استهلالها أكثر!
_لقد خبرني جدي أنك طلبت الزواج بي.
ارتفع أحد حاجبيه حينما تغلبت على توترها ونطقت، نطقت بآخر ما كان يتوقعه، فأومأ برأسه يرد في بساطة:
_وخبرني أنكِ رفضتِ.
بالمثل أومأت برأسها قبل أن تخفضه أرضًا وتعود إلى الصمت مرة أخرى، ولما كان قد وصل فضوله إلى درجة لم يعد يحتملها أوشك على المُتابعة فسبقته هي بلا تمهيد:
_ألا زلت تريد الزواج بي؟
استولى الذهول على ملامحه، وانفعالاته، حتى قلبه لم يسلم من تأثيرها، بادلها النظر في خرس لا إرادي قبل أن يتماسك حابسًا تعبيراته من التصرف بحرية ليسألها في هدوء:
_هل لي أن أعرف سبب تبدُّل رأيكِ؟
_لقد.. ظننت أن عدم الارتباط سيكون أكثر استقرارًا لي ولطفلي، لكن يبدو أنني مُخطئة.
إجابة غامضة لا ترضي حاجته القوية للمعرفة، لكنه مُضطر لأن يكتفي بها حتى تقرر هي إشباعه بالحقيقة..
راقب التحول التدريجي بنظراتها من التوتر للترقب للــ تحذير، فتكلمت في ثبات وهي تواجهه:
_هناك شرطين لن أتخلى عنهما.
أمعن النظر بها في صمت، ودون أن تمنحه الفرصة لسؤالها تابعت:
_الأول: سيقيم يزن معي طوال الأسبوع، طوال الوقت، لن أتركه لساعة واحدة ولن يعيش ببيت عائلتي.
في اختبار أطالت النظر إليه، تكاد تتوسله أن يُظهر ردة فعل حتى وإن كانت رافضة لِتتراجع عن قرارها وتولي هربًا بعيدًا عن الجميع..
لكنه بلا اكتراث سألها في اقتضاب:
_والثاني؟
عقدت حاجبيها مُتعجبة لِعدم تعليقه على ما قالت، ثم زفرت لِتقول في تردد وتفرك أصابعها معًا بعنف:
_الثاني: إن.. أعني في المستقبل.. لو..
قضمت شفتيها تبتلع كلماتها التي لا تجد وسيلة لتتمتها، فمال هو إلى الأمام عاقدًا كفيه وحدَّق بها في تدقيق مُتسائلًا باهتمام:
_ما الذي يعصى عليكِ قوله يا سيدة لين؟
رَفعت عينيها إليه في اضطراب بعد أن صار قريبًا بعض الشيء..
نظراته تسحب بُساط تركيزها من تحت قدميها؛ تُحيطها، تُطالبها، وتمنحها!
أصابها ارتباك من نوع غريب بينما توردت وجنتاها قليلًا ونال منها الحرج حتى ألصقت نظراتها بالأرض وأجابت في خفوت:
_في المستقبل إن صار هناك إخوة له لن أسمح بالتفريق بينهم لصالح أي واحد منهم، لن أسمح لأن يقتنع يزن بأنه ليس إلا أخًا من الأم فقط، لن أسمح بأن يراوده شعور بأنه مجرد.. دخيل!
ظلت على وضعها لِثوانِ معدودة مُصممة على ألا تنظر إليه أو تحدثه حتى يأتيها رد.
سيرفض بكل تأكيد؛
هي مُقامرة قامت بها بكل ما امتلكت من تهور مُوقنة أنها ستخسر؛
مُقامرة قامت بها تقليدًا لأختها التي تخلصت من ابن عمتها بزواجها من آخر ويبدو أنها فازت؛
أستفوز هي أيضًا؟
وما الذي يضمن لها أنها لن تضر بطفلها؟
والمقامرة أدت إلى المقارنة، فبعد حديثها مع أخيها باتت مُقتنعة تمام الاقتناع أن أي مجهول _مثل هذا الرجل الذي يتطلع إليها في إمعان_ أفضل كثيرًا من معلوم قذر، مُدنس، غير أمين، وبالتأكيد لن يُمثل صورة أب حسنة لوحيدها!
_وماذا عن شروطي أنا؟
بِحدة نظرت له فوجدت اللا مبالاة تتربع على وجهه، تسلل إليها سهم من غضب حينما استوعبت الجدية في عبارته، وفي معنى ما يكمن خلف عبارته!
الآن يُملي شروطه؟!
أم أنه يحاول تأديبها لأنها رفضته؟
أم.. استطاع الشعور بحاجتها إلى موافقته فيتدلل؟
أيًّا كان السبب، فهي مُضطرة لأن تخبئ غضبها وتستمع..
_وما هي شروطك؟
بنبرة جافة سألته، فتحولت ملامحه إلى أخرى شديدة الصلابة ورفع سبابته قائلًا:
_شرط واحد فقط.
حاز على انتباهها كله فحدَّقت به في ترقب حتى واصل بصرامة:
_في حال وجود داع للتعامل مع والد يزن لأي شأن يخصه ستنتحين أنتِ جانبًا وسأتولى أنا الأمر.
ضاقت عيناها في دهشة، لقد توقعت أن يحاول مساومتها على مدة إقامة طفلها معهما، لكن ما شأنه ووالده؟!
_لماذا؟!
سألته بتوجس فنهض ليدور حول المكتب حتى أصبح أمامها فوقفت تتطلع إليه في توتر..
أخذ وقته كاملًا في إرباكها عالمًا أنها ربما قد ظنت أنه لن يرغب بوجود طفلها وكَوَّنت فكرة مُغايرة عنه تمامًا.. ليُصححها إذن!
_لأنني رجل.. غَيُّور إلى أَبْعَد حد!
اتسعت عيناها على الفور حينما فاجأتها إجابته، أو.. فاجأها انفعالها مع إجابته!
الغيرة.. شعور لم تختبره مُطلقًا طوال فترة تعارفها بعماد حتى آخر يوم بزواجهما؛
الغيرة.. في عُرف بعض النساء نقمة، تحكم، فرض سيطرة بلا حق، لكنها في دَيدنها حب، مراعاة، دليل ملموس على الأمان ما لم تزِد عن حدها.
الغيرة تتعارض تمامًا مع الثقة المُفرطة التي اعتنقها طليقها في الجميع كما اعتاد أن يزعم؛
ولا علاقة لها بالهوس الذي يتملك من مُطارِد مُعتدي لا يفقه أبجدية من دين أو أخلاق!
_لا.. تحمل هَمًّا! لن يكون هناك أي داع للتعامل معه.
تمتمت في ثقة رغم اضطرابها الذي وَلَّده الخجل، ثم _في انبهار_ راقبت على ملامحه ابتسامة أخَّاذة..
صادقة؛ شغوف؛
تبث بها وعدًا بحماية قد تفوق إدراكها!
_إذن يبدو أنني سأُكرر طلبي على الحاج فؤاد مرة ثانية!
قالها وهو يشملها بنظرة حملت من المرح مع العتاب المُفتعل واللهفة في آن واحد، فطالها الخجل ثانية لترد في توتر:
_أعتذر.. بالطبع سيكون الأمر مُحرجًا لك بعد ردي السابق، باستطاعتي طلب التدخل من عمتي لإقنا...
هز رأسه نهيًا فسكتت قبل أن تتم عبارتها، ثم قال ضاحكًا:
_لا تفعلي شيئًا! ما المشكلة إن بدوت لحوحًا مرة؟!
ثم أضاف في خفوت:
_تستحقين الإلحاح يا سيـ... لين.
لاحظت تردده ثم حسمه حينما تابع مُحدقًا بها في تأمل غريب قبل أن يومئ برأسه وكأنه يحتفل بوصوله إلى وجهة ارتحل طويلًا حتى وصل إليها..
وأخيرًا همس في ارتياح:
_نعم.. هكذا أفضل، تستحقين كل الإلحاح يا لين!
اتسعت عيناها في دهشة وهي تقرأ إعجابًا صريحًا بنظرته، هزت رأسها بلا معنى تستسلم لابتسامة ضعيفة تبادرت إلى شفتيها قبل أن تتجاوزه وتخرج فتترك العنان لانفعالاتها المُتباينة كامرأة لِتوها تنبأت بشعور الــ.. حماية!
**********

بعد ثلاثة أيام:
"ألن تخبرني عن سبب هذه الدعوة المُفاجِئة؟!"
سألته وهي تستدير إليه بعد أن دلفت إلى بيت عائلتها إثر مكالمة جدها الآمرة هذا الصباح، فدار بعينيه في أرجاء صالة الاستقبال الواسعة وأجابها:
_ستعرفين عندما يقرر جدكِ.
كتفت ساعديها وتطلعت إليه مُتسائلة في إصرار:
_فيم ظللتما تتحدثان أمس الأول إذن؟
نظر لها في تدقيق شديد فتابعت بتحد:
_لقد خبرتني أمي أنك جئت لزيارته وبقيت أنت وياسر ولؤي معه بغرفة مكتبه لوقت طويل ثم قرر هو الاجتماع بنا و... ماذا تفعل؟
ابتعدت إلى الخلف تهمس بدهشة حينما مد أنامله يدعك وجنتيها بشدة، فسألها وهو يكرر فعلته عابسًا:
_هل تضعين حمرة على وجنتيكِ؟
ارتفع حاجباها طفيفًا واستسلمت لملمس أنامله الدافئة لِترد بارتباك:
_لا.. لا أُتقِن توزيعها، لماذا؟
زفر بضيق ورفع أنامله محدقًا بها في تفحُّص باحثًا عن آثار تجميل فلم يجد، ثم نظر إليها مجددًا قائلًا بغيظ:
_لا أعلم لماذا تبدوان متوردتين إذن! لا أظن أنني تفوهت بما يُخجلكِ، هل فعلت؟
توردت وجنتاها أكثر فانتابه الحنق أكثر وأكثر، ثم هزت رأسها نفيًا وتمتمت بصوت خافت:
_لا.. لم تفعل.
طال تحديقه بها فتابعت في تبرير:
_إنه.. الشتاء كما تعلم.
ثم سكتت بعد أن أوضحت له السبب، فطالما ذاكرته قوية لن ينسى بالطبع تأثر بشرتها السريع بلفحات الهواء البارد..
_آآآآه من الشتاء وما يفعله بكِ وبي يا إيلاف!
همس في حرقة ألهبت حواسها كلها فتطلعت إليه بانتباه لتسأله في ترقب:
_ماذا يفعل بك؟
زفر في حرارة وعادت تلك النظرة الغريبة التي لمحته مرارًا يُحدق فيها بها بالأيام الأخيرة..
منذ رافقته في المصنع كان يرمي عليها نظرات عابرة، عابسة، جادَّة، ولم يتغير الأمر كثيرًا بعد زواجهما وإن أضاف لها أخرى مُغتاظة..
لكنه _منذ أيام_ تلاحظ أنه يختلس النظرات إليها في صمت، في.. _حسنًا هي مُضطرة لأن تعترف_ في جرأة، ولو تغاضت عن حقيقة أنه زوجها لقالت.. في وقاحة!
ببادئ الأمر ظنت أنها تتخيل، فقد عُقِد قرانها على هاني لمدة طويلة _وهو العابث الذي رافق الكثيرات_ ولم يبد مرة واحدة نظرة إعجاب إلى أنوثتها، أو تلميحًا إلى أنه يلاحظها بالأصل!
بل حين ضبطته يراود العاملة بالمصنع عن نفسها خبرها برأيه فيها كامرأة بكل قسوة!
والآن.. ومنذ ذلك اليوم حين أصلح ناهل مُشكلة مغسلة المطبخ بات صامتًا أكثر، ومسافرًا بنظراته عليها في تمهل وتأمل أكثر!
وهذا يُثير بها دهشًة، وتخبطًا، و.. _مُضطرة لأن تعترف أيضًا_ شعورًا غريبًا بالزهو والانتشاء!
في حيرة رمقها ولم يجِب سؤالها، ثم التفت عنها سريعًا ليقول في صرامة مفاجئة مُستأنفًا موضوع حوارهما الرئيسي:
_ما رأيكِ أن تتحلي بالصبر حتى يصرح الرجل بنفسه؟ إن هي إلا دقائق فقط!
أطلقت زفيرًا يائسًا ونظرت له بلا رضا فوضع يديه بجيب بنطاله واستدار قائلًا:
_سأنتظركِ خارجًا.
_ولماذا لا تبقى معنا؟
هتفت بسرعة قبل أن يتركها، فالتفت إليها حاملًا تعبيرات صريحة النفور مُرددًا بجفاء:
_إنه تجمع عائلي بالتأكيد ستحضره عمتكِ عزة وابنها الأصغر، ولا أضمن التزام الصمت أمام نظراتهما المقيتة.
أومأت على مضض فيما ماجت مشاعرها الداخلية بالرفض، لقد رغبت بوجوده، أو اعتادت وجوده، وربما.. تمنت وجوده!
يقف إلى جوارها مُساندًا كعادته ومُعلنًا عن دفاعه عن كل ما يخصها أيضًا كعادته.
ورغم ذلك لا تستطيع أن تطالبه بما تريد وتتجاهل الإهانة المُتوقعة التي سيتلقاها..
"اللعنة!"
همس بصوت مكتوم فنظرت حيث ثبتت نظراته، بحدة؛
برفض؛
وبعداء!
_ماذا هناك؟
سألته في قلق فالتفت إليها تمامًا يجيبها في عنف:
_ذلك الحقير سيحضر أيضًا!
_أي حقير؟!
بفضول مصحوب بجهل واضح سألته، لكن السيارة التي تعرفها عن ظهر قلب دخلت بزاوية رؤيتها قبل أن تتوقف ويهبط منها صاحبها..
بحذر رفعت عينيها إليه لتجد علامات الحقد مع الكراهية تتجلى على وجهه، فاستجمعت قواها وعلقت بترقب:
_إذن.. ألن تخرج؟
تقبضت كفاه وأمنيته بلكم شخص واضح تصرخ في نهم، لكنه تماسك بمعجزة وقال في تحذير:
_أطبقي شفتيكِ يا إيلاف ولا تقعن عيناكِ عليه حتى لا أفسد هدوء هذه الأمسية اللطيفة!
في العادة تشاكسه حينما يعتمد صيغة الأمر بحواره معها، لكن أما وقد تحقق لها ما أرادت فقد سارت أمامه إلى الداخل بعدما اختارت التظاهر بالطاعة والتهذيب، وخلفها كان يسير، مانعًا نفسه عن الاستدارة إلى حيث يجب أن يوجه كل طاقة الغضب المتأجج بداخله منذ أمد بعيد!
**********

"أتظن أنه قد علم شيئًا؟"
همست عزة لِعمرو الذي بدا عليه القلق واضحًا، ورغم ذلك فقد أجاب والحيرة تنضح من كلماته:
_لا.. لتوي هاتفت المحامي فأكد أنه لم يبدأ بأي إجراءات بعد ولم يتفوه بشيء إطلاقًا.
وضعت كفها على رأسها وجلست على الأريكة تتمتم بندم:
_ليتني ما أطعتك! ليتني رفضت تلك الخطوة المُتهورة! لن أستبعد أن يقوم بطردنا وحرماننا من كل شيء الآن.
نفخ بضيق وهو يجلس إلى جوارها ثم قال بصوت خفيض:
_أؤكد لكِ يا أمي أنه لم يعلم شيئًا، توقفي أنتِ عن الارتجاف ذعرًا حتى لا يشك بأمرنا!
أطاعته على مضض واختلس هو النظر إلى شقيقه الذي لو كان يجلس على مرجل مغلي لما اتقد وجهه بكل هذه النيران، وبداخله تمنى لو يستهل جده الحديث لا ليرضي فضولهم بل قبل أن يفعل هاني ما يصعب تداركه..
"طالما هذا التجمع عائلي يا جدي لماذا يحضر الأغراب؟"
جز عمرو على أسنانه بغيظ حين ارتفع صوت شقيقه عاليًا مُشيرًا بإحدى يديه إلى ناهل الذي احتدت عيناه وهبَّ واقفًا ليتقدم منه خطوات ثم توقف في المنتصف..
يحدق به بكل كراهية فيُبادله مثلها وأكثر؛
يتأمل رغبته الصارخة في استخراج أسوأ ما به فيُرحب بالتنفيذ؛
يتسائل بداخله كيف ظنه صديقًا وخُدِع به لِسنوات فلا يجد إجابة تُصمِت حيرته..
"إن سمحت يا جدي، لو لم يتلقَ زوجي الاحترام اللازم سنرحل معًا!"
استدار بدهشة على الفور ليجدها قد وقفت تحمل أكثر تعبيراتها صرامة وقوة فبدت بعينيه أجمل من ذي قبل!
هنا صدح صوت الجد بلا نقاش:
_اجلس يا ناهل!
عقد حاجبيه في انزعاج فكرر الرجل أمره هادرًا، وهكذا لم يجد مفرًّا من الإذعان، جلس لتتسلل يدها إلى كفه ضاغطة بقوة في إشارة خفية للدعم فهدأت انفعالاته جميعها بين لحظة والتي تَلَتها.
ونظر الحاج فؤاد إلى هاني الذي تمايلت تعبيراته بين الذهول والغضب، فهتف وهو يُمعِن النظر به:
_لا أرى أي أغراب هنا، لكن كي أكون صريحًا لقد ترددت كثيرًا في دعوتك أنت على الأخص، وفي النهاية ارتأيت أن أتبع ضميري إلى آخر نفس حتى مع العاقين معدومي الضمير.
انتقلت عينا هاني إليه بوقاحة، لم يعد لإخفاء مشاعره تجاهه أي معنى، فهو يعرف، الجميع هنا يعرف، ليته تعلَّم أن يتملقه كما يفعل ابن خالته، أو أن يكتم عنه مشاعره الحقيقية تجاهه كما يقوم شقيقه!
_الليلة لدي خبران فأصغوا السمع جيدًا!
ثم تابع بعد أن تأكد من حصوله على انتباههم جميعًا:
_الأول: لقد قام أحدهم بخطبة لين وأنا وافقت، وبالسؤال عنه تأكدت من طيب أصله وحسن سيرته، وسيتم عقد القران في القريب العاجل.
والمفاجأة رغم أنها كانت من نصيب عزة وزوجها وولديها مع إيلاف وغفران فقد هتفت الأولى في استنكار:
_ومن يكون هو يا أبي؟ ألا تخبرنا عنه قبل أن توافق؟!
رمقها والدها بلا اكتراث ثم قال:
_رجل طيب، أرمل، يمتلك مكتب تسويق ****ي لا بأس به ولقد تيقنت من أخلاقه، كما أن صاحبة الشأن وأمها وأخوها قد وافقوا، فلماذا سأنتظر رأيكِ يا عزة؟!
ابتلعت بقية اعتراضها وهي تتهرب من عينيه التي تكللها بالذنب، وشعور أكيد بمعرفته بما سترتكبه بحقه بعد أيام يطرق رأسها دون رحمة، أم تراه الإثم الذي يُقَبِّح وجهها؟!
_وما هو الخبر الثاني يا جدي؟
وسؤال عمرو جاء كإنقاذ لها من أنياب الخوف، فتظاهرت بالحنق ولم ترد وهي تلحظ تجول والدها بنظراته بإمعان على صفحات وجوه الحاضرين..
بتمهل، ببطء؛
ثم..:
_لقد وَهبتكم جزءًا كبيرًا من ممتلكاتي على أن يتم توزيع الجزء الآخر حسب الشرع حال وفاتي.
أهو الخرس أصاب الجميع أم العطب بأذنيه هو؟!
وعلى النقيض من الخبر السابق فقد عَمَّ الذهول ملامح الكل بلا استثناء.. للوهلة الأولى!
وما لبثت أن تباينت انفعالاتهم؛
هذه هي الحيرة من هالة وأماني وياسر؛
وذلك التوتر من عزة وسمير؛
هذا الاستنكار من لؤي ولين وإيلاف؛
وتلك اللا مبالاة من غفران وناهل؛
أما التوجس والغضب وبعض الحَذر فكانوا يترأسون تعبيرات هاني وعمرو..
هذا الأخير بالتحديد تخشب محاولًا السيطرة على ردة فعله لكن يبدو أنه فشل!
"لماذا يا أبي؟"
سألته أماني في ذهول..
"أطال الله في عمرك يا جدي!"
سارع بها لؤي في لهفة..
"لا داعِ لهذا يا جدي!"
نطق بها ياسر حائرًا..
ثم توالت العبارات الرافضة من لين وإيلاف حتى تحدث هاني أخيرًا بنبرة مشدودة كخيط رفيع على وشك التمزق:
_وكيف صارت القسمة؟
مليًّا رمقه جده في خسران، ربما لم يأتِ بما لم يخالف توقعه، لكنه لا يستطيع أن يولي ظهره للخيبة التي ترتع بكل جوارحه على تربية وإحسان كان العقوق لهما ثمنًا مُجزيًا!
تنهد في عُمق سامحًا للراحة بالاندفاع إلى صدره وهو على وشك التخلص من هم قض مضجعه طويلًا، ثم قال:
_الأرض الزراعية في بلدتي ستكون من نصيب عزة، بالإضافة إلى مبلغ مالي في البنك.
حدَّقت به عزة مع زوجها في صدمة مُشوبة باستنكار صارخ، لكنه واصل بلا اهتمام:
_هذا البيت سيكون لأماني بدءً من الليلة.
شهقتين منها ومن أماني نفسها انطلقتا، رفضًا ودهشًة، حتى نطق عمرو متسائلًا في تحفز:
_والمصنع؟ لِمن يؤول المصنع؟
ابتسامة خفيفة داعبت ثغر جده قبل أن يجيبه دون تباطؤ:
_أما وقد أفنى به جلال _رحمه الله_ عمره وكدح به أكثر مني أنا، فلقد وهبته لأبنائه!
حينها.. وحينها فقط تخلصت غفران من جمودها، اعتدلت في مقعدها لتسفر شفتاها عن ابتسامة واسعة وجهتها لعمرو تحديدًا..
ابتسامة اعتادت على تحديه بها دائمًا حتى انمحت منذ ما يزيد عن السنوات التسع!
ابتسامة مَرَّات تبادلا بها البُغض.. ومرَّات تنازعا بها على الانتقام، حتى كانت الجولة الأخيرة من نصيبه..
كاسحة؛ مُهينة؛ قاصمة؛
استحالت بعدها غفران المُراهقة المُشاكِسة اللطيفة إلى غفران التي بات أسمى أهدافها نيل حقها ممن نهبوه منها، والتعلُّق بقوة واهية تُبرهن

دفع عمرو شقيقه الثائر خارج البيت ليقف الأخير بتصميم أثناء هتافه بياسر الذي يتمسك به كل من ناهل ولؤي بقوة يمنعانه من التشابك معه بالأيدي..:
_إنه اقتراحك أنت، أليس كذلك؟! أردت أن تطردنا من المصنع والمنزل معًا فدسست في رأسه فكرة الهِبة.
تخلص ياسر منهما بعنف هاتفًا بالمثل:
_لم أفعل شيئًا، لقد فوجئت بالأمر لِتوي مثلكم تمامًا.
أطلق هاني ضحكة ساخرة عالية كثيرًا ثم صاح في استخفاف:
_أتظن أنني سأصدقك؟! ربما قمت برشوة المحامي فأخبرك عن دعوى الحجـ..
والحرف الناقص الذي ابتلعه حالما انتبه إلى زلته بعد فوات الأوان لم يكن يحتاج للكثير من الذكاء كي يُخمنه الآخرون بشكل صائب؛
والإثبات.. كل الإثبات تمثل في الذعر الذي هجم على وجه شقيقه مع احتداد عينيه بنظرة قاتلة!
وبعدما سقط الصمت الذاهل عليهم جميعًا كجبل ثقيل كافح ياسر للتخلص منه قبل أن تصل شظايا الكلمات إلى قلب عجوز كان على وشك السقوط في مكيدة دبرتها دماء من نسله ليقول في ثبات مُتظاهرًا بعدم فهم ما كان على وشك الحدوث..:
_لا أهتم، لم أكن أعلم إلا بزواج لين المرتقب، أما الهِبة فلقد سمعت عنها في اللحظة ذاتها حين سمعت أنت.
والصدق الذي أكدته نظرة ياسر لم يره هاني ولم يأبه له عمرو، لِذا صرخ الأول مُتوعدًا وهو يشير إليه ولناهل بالتتابع:
_لن يتم هذا الأمر، أعدك ألا أسمح لك أو لِخريج السجون هذا بسلبنا المصنع.
عندئذٍ اضطر ناهل للخروج عن صمته بعدما انتوى عدم التدخل في شؤون عائلية لا تخصه، فرمقه بتحذير قائلًا:
_أنا مقدر صدمتك بضياع ما سعيت إليه طويلًا، لكن حذارِ من التطاول معي!
فاض الغل من عيني هاني و تغلب على شقيقه فأبعده عنه بقوة، ثم تقدم من ناهل مخاطبًا إياه بعداء صريح واستهزاء لا شك به:
_ماذا ستفعل؟ أستستل سكينًا لتتقاتل معي؟! لن أستبعد هذا فقد اعتديت بالضرب على زوجة أبيـ..
واللكمة التي تلقاها على فكه لتخدره على الفور أجبرته على بتر عبارته رغمًا عن أنفه، لكن الشراسة استولت عليه سريعًا ليسدد لناهل واحدة بمعدته تأوه لها وهو ينثني إلى الأمام قبل أن يستقيم بحدة ليستنشق طويلًا ثم ينقض عليه ليركله بإحدى قدميه..
حاول كل من ياسر ولؤي وعمرو الفصل بينهما قبل وقوع إصابات، لكن يبدو أن كليهما قد وجد الفرصة للحصول على الثأر..
وفي غمار القتال المُتكافئ تلقى لؤي ضربة أفقدته توازنه، وأمامهم جميعًا سقط إلى الخلف قبل أن يتدحرج على الدرجات الخارجية..
وحين همد جسده أمسك بإحدى ساقيه وأخذ يتلوى ويصرخ مُتألمًا جرى إليه ياسر مذعورًا بينما حدَّق به ناهل مصدومًا مُتخشبًا وقد خَفَّت قبضته على تلابيب هاني، ليستغل الأخير الفرصة ويشحذ قواه ثم يتناول أصيص النبات القريب فيرفعه في غِل ويهشمه فوق رأسه.
دار رأس ناهل وهو يكافح لئلا يسقط عند قدميه خصيصًا بينما ياسر يحاول مساعدة لؤي بلهفة تضاعفت لها صرخات الأخير في ألم شديد ليُدرك جدية الوضع..
وحينما كان هاني يستعد لتكرار ضربته مستغلًا ضعف خصمه عاد له ياسر وقد استنفرت عروقه من السخط لِما أصاب ابن خاله ليركله بصدره مرتين بقوة لم يتحكم بمقدارها بما يكفي قبل أن يستطيع عمرو منعه!
وحين استبد الهيجان بياسر وهو يواصل اعتدائه انتقامًا للؤي هرولت النساء إلى الخارج، ولمح هو جده خلفهن يقف بصدر البيت واضعًا كفيه على عصاه التي بدا أنها _في هذه اللحظة_ تُشاركه الضعف.. كما ظهره الذي انثنى في وضوح.
**********


بعد ساعات:
بالظلام الدامس في الغرفة اضطجع على فراشه مُسندًا رأسه المُتألم إلى الخلف، باحثًا منذ ساعة أو أكثر عن النوم بلا جدوى فقرر الاستسلام للصراع الدائر في عقله حتى يجد الإنهاك طريقه إليه فيغفو ليرحمه.
وما كادت قدماه تطأ أول خطواتها في درب النوم المُشَوَّك حتى أُنيرت الغرفة دون إنذار!
فتح عينيه ليجدها تتقدم بحرص تجاهه حتى وضعت على المنضدة الجانبية صينية تحمل صحنًا تتصاعد منه أبخرة وصله بعض من رائحتها، قبل أن تجلس هي أيضًا قبالته تثني إحدى ساقيها أسفلها وتتناول الصحن.
_هل هاتفتِ والدتكِ؟
سألها فأومأت برأسها وأجابت أثناء رفعها الملعقة أمامه:
_عادوا إلى البيت بعد أن تم تجبير ساق لؤي.
_ماذا ستفعلين؟
سألها بتعجب، فنقلت عينيها بينه وبين الملعقة ثم أجابته ببساطة:
_سأُطعمك.
أبعد يدها بلمسة خفيفة ليُعلق في وجوم:
_شكرًا، سأفعل بنفسي.
ولمَّا رأى الغضب يشع من مقلتيها تنهد ثم قال:
_حسنًا، لست جائعًا لكنني سأتناول القليل فقط.
والقليل بدأ يزداد باطراد، لا يعلم هل بسبب لذة حسائها أم لِحلاوة قربها، لكنه لن يمانع أكثر، حتى وإن كانت البرودة قد تسللت من هَبَّات الهواء إلى صحنه، ثم إلى.. قلبه!
يده امتدت إلى يدها التي تقف بالملعقة على أعتاب فمه، أخفضها لتضعها في الصحن وأزاحه جانبًا، واحتكر نعومة كفها الرقيقة بداخل خشونة خاصته.
_قولي ما تريدين!
بنبرة هادئة بها نصيبها من الصرامة خاطبها، فارتسم ألف سؤال وسؤال بعينيها تفوهت بأهم اثنين من بينهم:
_لماذا هذا الحقد المتبادل بينكما؟ كيف تحولت صداقتكما إلى هذا العداء الصارخ؟
_سلي ابن عمتكِ يا إيلاف!
ناظرًا إليها رد، مُراوغًا بلا إجابة، فالتمعت عيناها وهي تحاول التخلص من قبضته لتواصل مهمتها البسيطة كزوجة تساعد زوجها المُصاب، لكنه سألها في اقتضاب:
_لماذا تبكين؟
باقتضاب مُماثل أجابته:
_لا أبكي.
وعن ثقة تامة قال دون تردد:
_ستبكين.
والغيظ احتكمت به نبرتها وهي تُسارِع:
_لن أفعل.
ما إن تفوهت بها حتى انفجرت تبكي بلا انقطاع، امتدت ذراعاه لتجذبها إليه فورًا فتوقفت عن نحيبها واتسعت عيناها بترقب..
وحينما حطت رأسها على صدره استكانت تمامًا.
هي الآن بين ذراعي ناهل؛
تسحب هذه الرائحة التي لا تزال تجد آثارها بين طيات سترة بالية تخبئها بين أغراضها؛
.. تمتص هذا الدفء من المنبع
شَبْعى؛
وكأن هناك رذاذًا رطبًا يُنثَر على جفاف امتد إلى جذور قلبها؛
وقلبه.. تحت أذنها، يدق ببطء، يتسارع، فيدوي!
أين ذهبت دمعاتها؟
وإلى أين وَلَّت رغبتها اللا إرادية في إتقان فن الرثاء؟
ولماذا عم الصمت المكان إلا من صوت شهقاتها الخافتة وضجيج خافقه؟
_أظنكِ صرتِ تعرفين أن من شيمه الغدر، يكفيكِ هذا يا إيلاف ولا تطالبيني بالبوح أكثر!
عمَّ يتحدث؟ وأي غدر يقصد؟
أخيرًا أدركت أنه يُجيبها عن سؤاله بشأن هاني!
ألقته في مُهملات تفكيرها واختارت أن تعيش مُتعة اللحظة الحالية، أسبلت أهدابها ودون تفكير اختبأت أكثر في صدره؛
ربما ينزعج منها الآن، ولن تندهش إن انتفض مُبتعدًا عنها في الحال، لكنها ستتنعم بهذا التقارب النادر حتى تستفيق بعد قليل فتبحث عن سبب شعورها ثم توبخ نفسها كيفما استطاعت!
_تُرى إلى متى سيبقى رأسي يؤلمني؟
بشرود تحدث مُقاطعًا فسحة اطمئنانها قصيرة الأمد فانتبهت إلى وضعها وهَمَّت بالابتعاد لكنه أدرك نيتها فثبتها إليه بقوة، لتقول في توتر:
_لقد أكد الطبيب على وجوب الراحة وعدم التعرض للضوء الشديد أو شاشة التلفــ..
_نعم، لقد سمعته أيضًا، لكن ألم يذكر أية نصيحة أخرى من شأنها أن تُسرع بالشفاء؟
قاطعها بجدية ففكرت لثوان ثم تراجعت بضع سنتيمترات هي أقصى ما سمح لها به، وهزت رأسها نفيًا لتُجيبه:
_لا، لم يفعل.
ظهر التعجب على محياه وهو يُتمتم:
_أظنني قد سمعت بواحدة يومًا.
_وما هي؟
والحماس الذي شاب سؤالها تكسر حينما نظر لها بتعبير غريب وأجابها ببساطة:
_قُبلة!
فغرت شفتيها فانحدرت عيناه إليها، ثم عاد يدقق النظر بعينيها بلا اكتراث ليتابع في نبرة دفاعية:
_لماذا تنظرين إليّ هكذا؟! لم أخترعها بالطبع! كانت تُردَد بالتلفاز.
زوت ما بين حاجبيها بتركيز ثم تساءلت رغبًة بالتأكد:
_قُبلة؟!
أومأ برأسه يرد في براءة:
_قُبلة!
تراجعت أكثر لتكتف ساعديها وهي تُحملق فيه بنظرة مؤنبة، ثم في تهكم سألته:
_ومن أين يكون الطبيب الذي سيبتكر هذه الطريقة للعلاج؟! علَّنا نزوره ربما سينصحنا بوسائل أخرى!
أغمض عينيه وضغط بإصبعين على أعلى أنفه، صمت قليلًا ثم مط شفتيه قبل أن يقول مُتظاهرًا بالحيرة:
_لا أتذكر، من شرق آسيا حسب ما أعتقد، لقد اكتفيت بأهمية المعلومة ولم أنتبه لموطنه.
ثم أمعن بها النظر ليتابع في سخرية بها من الإيحاءات ما أثار اضطرابًا بها:
_لماذا سأهتم ببلده؟! الطب تقدم كثيرًا وكل شيء يخضع للتجربة كما تعلمين، لنكتفي الآن بما أوصى حقًّا، وإذا لم ينجح الأمر حينها نستطيع تجربة الوسائل الأخرى!
كتمت شهقة حيية مُحتَجَّة، فلم تعد تدري أهو جاد أم يمزح وقد اختلط عليها كل شيء!
لماذا يستمتع بإرباكها حين يكون حانقًا لا يُطاق؟
ولماذا يسعد لمَّا تتلبسه حالة من عبث قَلَّما رأته عليها؟!
_هل ستساعدينني إذن؟
سألها في خفوت فاحمرَّ خدَّاها، ليستند بكفيه على الفراش ثم يعتدل في عزم هامسًا:
_ربما يجب عليّ أن أساعدكِ قبلًا لتساعدينني بعدئذٍ!
_لا! انتظر!
رفعت كفيها توقفه فنظر لها في ترقب فما كان منها إلا أن حسمت أمرها وطبعت قبلة سريعة على وجنته ثم هَبَّت واقفة!
_ماذا فعلتِ لِتوكِ؟!
سألها في استنكار فأجابته وهي تتطلع إلى النافذة دون أن تراها:
_ألم تقل أن..
قاطعها مُفتعلًا التوبيخ:
_لقد كنت أعني رأسي المُصاب، لماذا سأطلب منكِ تقبيل وجنتي بينما أعاني ارتجاجًا؟! متى صرتِ منحرفة يا إيلاف؟!
ندت عنها شهقة مكتومة ثم أخذت تهمس في ذهول:
_أنا.. أنت..
ولم يحفل هو للحرج الذي غرقت بين تلاطم أمواجه، فقال في لَوْم:
_ربما قمتِ باستغلالي، تظاهرتِ بأنكِ قلقة بشأني لكنكِ انتهزتِ فرصة عدم استطاعتي التحرك فتحرشتِ بي!
حينئذٍ جحظت عيناها في دهشة وغمغمت:
_أنا لم أفعل ذلك!
وحينما تجلى استنكارها لِما عناه على محياها نفد صبره وجذبها مُجددًا لتسقط على صدره فأحاطها بين ذراعيه، وقبل أن تستوعب ما يحدث كانت شفتاه قد عثرت على الطريق إلى حيث ظل يُقاوم رغبته لِدقائق..
أو.. لِشهور!
أخذ يُلَثِّمَها برقة واعيًا لاختضاض جسدها بين ذراعيه قبل أن تتسمر تمامًا لتكتم أنفاسها وتغلق عينيها في قوة، فأدرك تهوره وخشي أن يفقد السيطرة حينما لا ينبغي له أن يفعل أبدًا!
أما هي فلم تجد مفرًّا من الاستسلام ولم تملك قوة للابتعاد، تخبطت بلا فهم باحثة عن كيفية مجاراته بينما سؤال قرع في عقلها يصفعها كالمُنبه.. أتريد الابتعاد؟!
وأجابها هو بنفسه حينما تراجع ببطء يحك لحيته، وفي بطء يرحل عنها بنظراته المُشتعلة، ويخشوشن صوته الذي أصابته بحة ليقول بما تبقى له من قدرة على الأمر:
_عودي إلى غرفتكِ يا إيلاف!
ببلاهة نظرت له منتظرة جموده المعهود وتعبير الانزعاج الدائم الذي يضعه غالبية الوقت، لكن عينيها اصطدمت بِعتاب حقيقي لم تدر سببه هذه المرة أيضًا!
وقفت سريعًا واستدارت لتنصرف، فأوقفها تعليقه الحاد:
_بالمناسبة! أنا لست آسِفًا على ما فعلت في التو!
التفتت له على الفور لتهتف دون داع:
_ولا أنا!
ثم عضت على شفتها حالما أدركت معنى ما نطقت به، وعندما رأت الدهشة تهجم على ملامحه انطلقت لتغادر الغرفة قبل أن يمنحه لسانها سببًا آخر لإزعاجها!
وهو.. حاول استرجاع هدوء أنفاسه، تطلع حوله في حيرة، ضرب كفًّا بالأخرى ثم لاحت بسمة حقيقية على ثغره ليهنئ نفسه بحلم ظل طويلًا مستحيلًا، ومنذ ثوان فقط لمسه بنفسه كحقيقة واقعة، وناله قلبه كغنيمة..
غنيمة لا تُقَدَّر بِثَمن!



تعليقات