📁 آخر الروايات

رواية علي ضفة قلبك ظمآن الفصل الثالث عشر 13 بقلم سعاد محمد

رواية علي ضفة قلبك ظمآن الفصل الثالث عشر 13 بقلم سعاد محمد


الفصل الثالث عشر
(أواصِر غادرة!)
وضعت إيلاف هاتفها على خزانة المطبخ بملامح عابسة بعدما أنهت مكالمتها الهاتفية مع غفران، ينتابها الغيظ، يتسلل إليها الحنق، وتحيط بها غيمة لتمطرها بالألم!
لقد أبدت شقيقتها ترحيبًا هائلًا ما إن طلبت منها أن تأتي، لكنه ما لبث أن تبدد وتحول إلى النقيض حينما علمت بوجود لين، وعلى الفور تراجعت واعتذرت عن الحضور!
"لن تأتي، أليس كذلك؟!"
التفتت إلى لين التي دخلت إلى المطبخ لتبدأ في غسل الأطباق ببساطة، بحميمية، وكأنها فعلتها كثيرًا من قبل.
بحثت عن رد مناسب فخرج مُترددًا يشي بكذبها:
_إنها.. لا تستطيع الاستئذان للانصراف من الصيدلية، و..
نظرت لها لين تبتسم بلا سرور فابتلعت عبارتها لتستمع إليها تقول في هدوء:
_إيلاف! لقد أتيت لتوي من البيت وأعلم أنها خبرت عمتي بنيتها بالغياب عن العمل اليوم.
عمدت إيلاف إلى عدم النظر إليها حرجًا، لكن لين تابعت بنبرة طبيعية:
_في الواقع، هي ليست على ما يرام منذ فترة، ربما لو أتيتِ لاصطحابها لاستطعتِ إدخال السرور على قلبها.
هزت إيلاف كتفيها قائلة باستخفاف:
_وما الجديد؟! هي دومًا ليست على ما يرام يا لين.
بان التردد لِوهلة على ملامح أختها، ثم أوضحت في قلق:
_لا! لقد اعتدت رؤية النقمة والحقد والكراهية، لكنها باتت.. خائفة!
انتقل القلق فورًا إلى قلب إيلاف وهي تستعيد حالة شقيقتها التي رأتها عليها عندما كانت بزيارة جدها منذ ما يزيد عن الأسبوعين فأدركت أن لين على حق، وجدها أيضًا على حق!
_ومِمَّ ستخاف غفران؟
سألتها بتوجس فأجابت ببساطة وهي تُجفف يدها بمنشفة صغيرة:
_إنه دوركِ يا إيلاف أن تسأليها، أنتِ شقيقتها.
"لكن أنا.. نصف!"
يومًا ما قالتها لين بصراحة فلم تدحض إيلاف ادعائها حينذاك، أمَّا الآن..:
_أنتِ لستِ نصفًا يا لين.
نظرت لها بتساؤل فتابعت وهي تبتسم بِود:
_كل واحدة منا ضَلَّت طريقها إلى الأخرى، لكن لم يفت الوقت بعد للتغلب على هذا الشتات، باستطاعتنا الالتئام، بإمكاننا اقتناص ما حُرِمنا منه من قبل، لن يمنعنا شيء من أن نغدو.. شقيقات.
تلألأت عينا لين واكتفت ببسمة متأثرة، فاعتدلت إيلاف تتمسك بيدها في قوة وهي تسألها بترقب:
_ألن.. ألن تعيدي التفكير بأمر العودة إلى عماد؟
والنظرة المُشمئزة التي انقضت على عيني أختها أدهشتها، قبل أن يأتيها الرد القاطع ليصدمها تمامًا:
_أنا أحتفل اليوم بخلاصي منه إلى الأبد ولا أرغب بسماع اسمه، لو استطعت لمحوته من حياة يزن بالكامل.
ثم أضافت بندم:
_ لقد ألقى بي للضواري بعد أن جردني من كل وسائل الحماية فلم يعد يمثل لي إلا الصورة الملموسة للهوان والامتهان!
ورغم أن إيلاف لم تفهم ما تعني بكلماتها فإنها أيقنت أن أي عرض للإصلاح بينهما سيتم رفضه بلا تردد، لِذا أذعنت لقرارها واختارت أن تجذبها بعيدًا عن هذه السيرة المُزعجة، ولتستمتعا معًا بالهبة التي حصلا عليها بعد سنوات من التباعد اللا إرادي.
**********

"لقد جئت طلبًا لمصاهرتك يا حاج فؤاد، أنا أرغب بالزواج من حفيدتك لين."
وطريقة تفوهه المُتلذذة باسمها دفعت بالغضب في عروق الجد فرن صوته يهدر في تحفز:
_تقصد "سيدة" لين!
احتدت ملامح أسامة وانتابه شعور أن طريق تحقيق مراده ربما ليس مُمهدًا بما يكفي، فالتزم الصمت مُتحفزًا حتى تابع الرجل مُتسائلًا بنبرة تحقيقية:
_وكيف التقيت بها؟
قفز الكذب إلى لسانه وهو يُجيبه بلا اكتراث:
_جمعتنا مناسبة أو اثنتين، فقد كنت على معرفة سطحية بطليقها.
عندئذ فقط حصل على ردة فعل مختلفة بعض الشيء، فقد اعتدل الرجل في مقعده ومال للأمام مُدققًا النظر به وهو يتحدث مُشددًا باستفهام:
_أتعني أنك ترغب بالزواج من امرأة تعرفت إليها عن طريق زوجها السابق؟!
ورغم أن وتيرة تحفزه تصاعدت فإن أسامة علَّق بابتسامة وديعة أثارت حفيظته:
_لا يُحرم الشرع ذلك يا حاج فؤاد، طالما تحل لي لا مانع من زواجي بها، أليس كذلك؟!
بدا على الرجل أنه في هذه اللحظة يحاول بصعوبة كظم غيظه، فتراجع مرة أخرى في مقعده وقبض بكفيه على مسند عصاه، ليختار أن يستمع منه إلى النهاية وهو يتساءل بنبرة تقريرية:
_إذن هل طلبت لقائي منذ أسبوعين لتتقدم للزواج بها بينما كانت لا تزال بفترة عدتها؟
اهتزت ثقة أسامة فتنحنح وهو يُجيب بعد صمت:
_لم أقل أننا كنا سنتزوج حينئذٍ.
ابتسامة ماكرة احتلت جانب ثغر الحاج فؤاد وهو يُعلق ببساطة:
_لكن الشرع يُحرم ذلك يا سيد أسامة، أليس كذلك؟! ألم يعلمك أحدهم أنه لا تجوز خطبة امرأة أثناء فترة عدتها؟!
عندئذٍ تأكد أسامة أن الفكرة التي كونها عنه قبل أن يلتقي به خاطئة تمامًا، بل.. ربما مُناقضة للحقيقة؛
لقد توقع شيخًا يتذكر اسمه بصعوبة، رجلًا يؤمن بأن طلاق المرأة عار يجب إخفائه، ولا وسيلة لتنفيذ ذلك سوى سرعة تزويجها بآخر دون النظر لأية اعتبارات أو التقيد بشروط؛
تخيله سيرحب به أشد الترحيب، سيجد صعوبة في كتم فرحته، ولا مانع من رجاءه بأن يحمل حفيدته إلى حيث يتم سترها!
مُطلقة في عُرف رجل من أصول بسيطة هي فضيحة لا جدال بها، ستلوك الألسن سيرة عائلتها فردًا فردًا، لن يرحمها المقربون قبل الأعداء، وستبتعد عنها حتى صديقاتها أنفسهن خوفًا من أن تختطف أزواجهن!
وماذا إن كان معها طفل أيضًا؟!
فضيحة مُضاعفة، ومسؤولية لا عاقل يرغب بتوليها!
تتهدم أفكاره وظنونه في الحال وهو يُواجه نظرة الرجل غير المكترثة، فليُجرب طريقة أخرى إذن!
_فلتعتبرني كنت أتتبع فرصتي قبل أن يسبقني إليها غيري.
هكذا قرر، ليُعلي من شأنها بكلماته فيدرك جدها كم يرغب بها، ليطمئن ويـ..
_ألم تفكر في احتمالية قيام زوجها بردِّها؟!
قاطع جدها أفكاره مُختبرًا، لكنه لا يعلم كم هو ماهر في تجاوز الاختبارات!
باقتضاب علَّق:
_لم يكن ليفعل!
_أراك واثقًا!
بعبارة الجد البسيطة زعزع ثقته في غمضة عين، وبينما كان يبحث عن مخرج من القفص الذي حشره به هاجمه الجد بسؤال مُتحفز:
_أمتأكد أنت أنك كنت على معرفة سطحية بطليقها؟
ازدرد أسامة لعابه وقد بات توتره مرئيًّا، ثم بحدة لا دافع لها سأل في استنكار:
_وفيم تهم علاقتي به؟
اكتملت الابتسامة على وجه الحاج فؤاد وهو ينظر له في استمتاع مُربِك، لكنه في اللحظة التالية تخلص منها ليُخاطبه في صرامة وهو يشير إلى الباب:
_إلى الخارج!
ارتفع حاجبا أسامة إلى الأعلى مُحدقًا به في دهشة، ثم سأله في حذر:
_ماذا تعني؟
أشاح الحاج فؤاد بكفه اليمنى مُجيبًا بلا اكتراث:
_أعني أن طلبك مرفوض.
والغضب لو كان إنسانًا لصرع الرجل في الحال، لكن أسامة حاول التحكم به قبل أن ينفلت قائلًا في هدوء يفضح مدى الجنون الذي يُحارب للإعلان عن نفسه:
_أنت لم تسألها!
وقف الحاج فؤاد ببطء، تمسك بعصاه بعد أن عدل عبائته على كتفيه في فخر وهو يُشير دون نطق إلى أنه لا يزال قويًّا مُلمًّا بشؤون عائلته، وتأكيدًا على قراره ردَّ في صوت لم يتسلل الوهن إليه بعد:
_لن أفعل، وحتى إذا أبدت هي الموافقة، أنا لن أقبل بتزويجك إياها.
بالمثل وقف أسامة، مُرسلًا من نظراته شرارات تُنذر بصعق كل من يجرؤ على الحَول دون تحقيق رغباته، ثم قال في تحذير لم يكن يحتاج إلى كلمات مُباشِرة:
_لا تتسرع يا حاج فؤاد! إن كانت سعادة حفيدتك غالية لديك فلتفكر في الأمر مجددًا!
هز الرجل رأسه نفيًا بإصرار، وعَمَّ النفور ملامحه ثم صوته وهو يُكرر مُشيرًا بعصاه إلى الباب:
_لا أعتقد أن سعادتها معك أنت، إلى الخارج!
لم يتحرك أسامة من فوره وهو يُبادله النظرات؛
لديه من الخبرة بالأشخاص ما يؤكد له أن الرجل لا يهذر ولا مجال لتراجعه في قراره، وبينما كان يظن هو أنه سيُلقيها إليه شاكرًا تطوعه للزواج بها لفظ عرضه دون مراعاة التظاهر بالتفكير!
وبما أن السُبُل المُباشرة قد تَقَطَّعَت، الآن صار بإمكانه الالتفاف حول الثغرات، فلطالما كان الاقتحام من الأبواب الخلفيه نقطة قوته.. ومَعلَم براعته!
*********

بخطوات مُتسارعة مُتحمسة خرج من محطة قطار الأنفاق، وفي طريقه إلى الحي المزدحم سار ترن في أذنيه أصوات المارة والباعة والطلاب العائدين لتوهم من مدارسهم.
لطالما كانت الضوضاء تضايقه، هو رجل يحب الهدوء ويُقدر الصمت ولا يُنفره أكثر من الإزعاج في ساعة الذروة أثناء يوم عمل، لكنه منذ عرف بالمفاجأة التي قلبت أحواله لم يعد كما كان.
"اهدأ يا رجل! لا زالت عدتها لم تنتهِ بعد."
همس بها مُؤكدًا على عقله الذي يبدو أنه في قيلولة طويلة منذ أدرك بحريتها القريبة، إلا أن الغم عاد ليهجم عليه وذهنه يستيقظ أخيرًا ساردًا احتمال مُتمثل في قرار مُفاجئ بيد طليقها ليقتل حماسه خلال ثانية واحدة!
وصل إلى وجهته أخيرًا لكنه نظر إلى الخلف ليتطلع إلى المحل الذي حصلت عليه شقيقته منذ فترة، تردد قليلًا وهو يفكر في الذهاب إليها وإلقاء التحية، ثم تراجع مُذَكِّرًا نفسه بموقفه منها ومن المحل وبوعده ألا تطأه قدماه ما لم تعيده لصاحبه.
"السلام عليكم!"
هتف وهو يقف أمام المحل الجديد الذي احتشد أمامه بعض الطلاب يمسكون أكواب العصير ويتمازحون فيما بينهم..
رد ناهل التحية مُتعجبًا من رؤيته أمامه بهذا الوقت، ومُتسائلًا بنظراته عن السبب..
وبالمثل رمقه هارون بالتعجب ذاته وهو يحاول فهم نوعية صاحب المحل الذي يستقبل زبائنه بوجه مُكفهر كهذا!
دفع ناهل إليه بكرسي خشب دون كلام، وما إن جلس هارون حتى أخذ يتطلع بأنحاء المحل في فرح صادق وكأنه _بشكل ما_ قد ساهم في تحوله إلى هذه الصورة المُشَرِّفَة!
"أشكرك على ما فعلت، خبرني الحاج بيومي أنك قد علَّقتها بنفسك."
بادره ناهل حينما لاحظ تأمله، فنظر له هارون بتساؤل ثم إلى اللافتة ليبتسم مُعلقًا في مرح:
_وكدت أسقط أيضًا!
اضطر ناهل لأن يُبادله الابتسام في مُجاملة أرهقت عضلات وجهه، فتابع هارون بعد تردد قصير:
_لقد دعوتني لزيارة محلَّك الجديد، مبارك! عسى أن يكون بداية لمحلات أخرى!
أجابه قبل أن ينطق بالسؤال، فقال ناهل بدهشة:
_كان الافتتاح بالأسبوع الماضي، ولقد حضرته أنت بالفعل!
نظر له في غيظ مُتسائلًا بقرارة نفسه عن الطريقة المُثلى التي يتعامل بها المُقَرَّبون مع حِدَّة طباعه!
ثم زفر في استسلام وقال بحماس مُفاجئ:
_كنت أود التحدث معك بأمر هام.
رمقه ناهل بلا فهم ثم مط شفتيه يرد في توجس:
_تحدث!
هَمَّ هارون بالتحدث وهو يحاول تجاهل نظرات تلك المرأة التي تجلس أمام المحل المجاور، فابتسم لها في لباقة لتحافظ هي على تجهم وجهها رغم نظراتها التي لا تحيد عنه!
"ألست أنت شقيق علا؟! كيف تحضر افتتاح محل مُنافس لها بالأسبوع الماضي والآن تزور صاحبه وكأنه صديقك الصدوق؟!"
رَفَع هارون حاجبيه في دهشة وهو لا يدري أتمزح تلك المرأة أم هي جادَّة، فما كان من ناهل إلا أن سارع بالرد عليها في حنق أثناء استقامته ليدلف إلى داخل المحل:
_ما شأنكِ أنتِ يا أم إيهاب؟! لتحتفظي بأنفكِ فيما يخصكِ فقط!
تضاعفت دهشته وهو ينتقل بنظراته إلى ناهل ثم إلى المرأة التي تكبره عمرًا بالكثير، وعلَّق في تهكم:
_إذن أنت تتحدث مع الجميع بهذا الأسلوب بالفعل!
لم يكترث ناهل لتعليقه وأخذ يسكب بعض العصير في كوب زجاجي فعاد هارون يقول للمرأة بابتسامة لطيفة للغاية:
_أعتذر نيابًة عنه يا خالة! أنا شقيق علا بالفعل، لكن أنصحكِ بألا تتطفلي على ما لا يعنيكِ إن سمحتِ حتى لا تستمعي إلى مثل ذلك الكلام!
وسبابته التي أشار بها إلى ناهل بآخر حديثه جعلت هذا الأخير يرمقه في سخط أثناء وضعه الكوب أمامه قبل أن يقول ساخرًا وهو يجلس:
_هكذا أفضل بالطبع! التهذيب شي رائع!
ابتسم هارون وأحاط بالكوب بكفيه ثم ارتشف منه القليل وتمتم:
_كنت أقول أنني..
وسكت في توتر ملحوظ أثار تحفز ناهل الذي أخذ يحدق به مُدققًا حتى تحدث أخيرًا:
_سأكون صريحًا معك، لقد جئت للتهنئة مرة ثانية بالطبع، لكن هناك سببًا آخر، أنا.. أرغب بسؤالك عن لين أخت زوجتك.
ضاقت عينا ناهل لِيسأله في تحفز:
_مالك وشأنها؟
وصل ارتباك هارون إلى أقصاه ثم قرر أن يتخلص مما يجول بخاطره مرة واحدة فقال بسرعة:
_لقد علمت أنها مُطلقة، أتعلم شيئًا عن رغبة طليقها في استعادتها؟ وهل تعلم كم تبقى في عدتها؟
ارتفع حاجبا ناهل ورمقه بدهشة ثم هتف بحنق:
_وما شأنــ...
لكنه بتر عبارته حالما فهم ما خلف أسئلته المُتلاحقة، فاستفهم في حذر:
_لماذا تسأل؟ هل ترغب بالزواج بها؟
ازدرد هارون لعابه ثم أجابه مُبتسمًا بافتعال:
_إن كانت هناك فرصة بالطبع.
كمحقق جرائم تفحصه ناهل بنظراته، ثم بحدة سأله:
_أتعلم أن لديها طفل صغير؟
_أعلم.
_أتعلم أيضًا أن جدها لا يتحمل اسم شقيقتك؟
عبس هارون ثم غمغم في تهكم:
_من السهل تخمين أمر مثل هذا!
عم الصمت لثوانِ ثم باقتضاب علَّق ناهل:
_لقد انقضت.
رفع عينيه إليه بذهول فابتسم ناهل في سخرية مُضيفًا بلا اكتراث:
_لِمَ تحملق بي هكذا؟! لقد بدأت بالعمل اليوم وهذا يعني أن عدتها انقضت بالفعل.
امتلأ صدر هارون بانفعالات متباينة ما بين عدم التصديق، والفرحة، والقلق، واللهفة..
لقد كان يعلم أنها ستصبح حرة باللحظة ذاتها التي علم أنها منفصلة، فلماذا تتماوج مشاعره الآن؟
لماذا الخوف؟ ولماذا الحيرة؟
ألا يثق بما يريد؟ وماذا يريد بالفعل؟
يريدها.. يريد لين تحديدًا، يريدها زوجته وشريكته.
ولماذا هي بالذات؟
تُرى أيكون لاسمها علاقة؟
لا!
لقد أثارت انتباهه قبل أن يعلم به..
إذن لِمَ؟
وإجابات أسئلته التي انبثقت للتو دون إنذار أصابته بدوار لم يسحبه منه سوى ناهل وهو يستطرد هازئًا:
_أتريد أن يضمنك أحدهم حتى تطلب الزواج بها؟!
تخلص هارون من وقع المفاجأة ولملم حيرته مع قلقه وابتسامته قائلًا في شرود:
_لا! أظن أن جدها سيندهش حينما أفعل.
_وما رأي شقيقتك بالأمر؟
تطلع إلى ناهل الذي لم يبذل جهدًا لتوفير سخريته ولا شماتته، فمهما أظهر من علامات التزامه بالحياد فيما يتعلق به لن يدع مناسبة تمر دون التلميح لشقيقته..
أو بالأحرى لأفعال شقيقته!
احتدت نظرة هارون ثم قال بصرامة:
_أنا من سأتزوج، وأنا من سأتخذ قراراتي بنفسي، لكنني أخشى أن أكون عائقًا بين لين وطليقها إن أراد هو العودة لطفله.
ولم يستطع أن يتجاهل رغبته في استخدام حق الرد أكثر، فأردف في سخط:
_أتعتقد أنني ضعيف الشخصية لأنني لم أستطع منعها من الظلم الذي أوقعته عليك ووالدتك يا ناهل؟
هم ناهل بالنفي لكن هارون سارع بالإضافة في ألم والحسرة تتباهى بكل كلمة يتفوه بها:
_لقد فعلت كل ما استطعت حتى لا تتزوج منه منذ البداية، تشاجرت معها، قاطعتها، هددتها بأنني سأستعين بأحد أقارب والدنا بالبلدة، لكن والدك كان قد أغراها بالمال ولم يتسرَّب إليَّ الشك بأنها ستفعل أي شيء مهما كان حتى تتزوجه!
زفر ناهل والندم يجتاحه دون رادع، فأردف هارون بشرود:
_لا يدرك الجميع كم باستطاعة البعض تكبيلك بقيود تحت شعار الحماية بينما لو ترك لك فرصة الاختيار لهرولت إلى المجهول بنفس راضية حتى تصبح خالي الديون فحسب!
تراشق كلاهما النظرات في صمت بعد رد هارون الذي لم يشك به ناهل رغم أنه اعتاد على عدم التسرع في الوثوق بأحدهم إلا بعد فترة اختبار طويلة لا يضمن بعدها ألا يتعرض إلى ضربة قاصمة يسددها أقرب الأقربين!
فما تحدث عنه هارون مُستخدمًا تورية رآه ناهل وعايشه لسنوات متواصلة مع زوجة أبيه، ويبدو أن هذا هو دأبها مع الجميع..
تؤدي الواجب وهي تصيح شاكية التعب والشقاء، تُذل من تساعد، تستعبد من تقدم لهم معونة وتُذَكرهم مرارًا وتكرارًا بوجوب شُكرها، وربما لو كانت أنجبت من والده لأحالت حياة أولادها إلى جحيم.. كما فعلت مع زوجها!
تأفف في حنق وتطلع إلى هارون وهو يتأمل المحل الذي استولت عليه شقيقته في ألم، ثم تنهد في أسف وقال دون تمهيد:
_أتعرف أولئك الأشخاص الذين ما إن تراهم حتى تكتنفك رغبة قوية في تسديد اللكمات إلى وجوههم دون سبب ودون نية بإبداء الاعتذار؟!
ببساطة قالها وهو يتخلص من أفكاره، فعلق هارون بدهشة:
_عفوًا؟!
أسدل ناهل أهدابه ليقول في بساطة:
_طليقها أحدهم!
حملق فيه هارون بتساؤل فتابع ناهل:
_رأيته مرتين فقط لكنني لم أستسغه! هناك شيئًا به يتنافر تمامًا مع عائلة الحاج فؤاد، لِذا لم أُفاجأ حينما علمت بانفصالهما.
أنهى عبارته وراقب باهتمام ظهور السيارة التي اتفق مع صاحبها كي يتسلم منه قشور أعواد القصب ليُوردها إلى أحد مصانع الأوراق، ثم أوضح في تأكيد:
_إن كنت تخشى رغبته باحتضان طفله فاطمئن! هو لن يفعل، وإن حدثت معجزة وتذكر أن لديه طفل ورغب برؤيته لن يدع له الحاج فؤاد فرصة التطلع إلى وجه حفيدته.
نظر له هارون في صمت بينما أخذ قلبه يخفق في تسارع، ولم يتمالك ناهل نفسه ليردف في حقد غير حقيقي:
_الطريق سلس تمامًا أمامك يا محظوظ! هيا اطلبها وادخل الفخ بقدميك! الزواج أمر رائع فلتحصل على بعض المرح مِثلي!
ختم عبارته ووقف يستقبل صاحب السيارة وبالوقت ذاته يلقي تعليماته على أحد العاملين الذين يساعدونه بنقل القشور، تاركًا الأمل يدب بقلب هارون مُزيحًا الكثير من التردد والوَجَل وهو يتناول هاتفه كي يُهاتف الحاج فؤاد.
لكن ذلك التردد عاد فجأة رفقة التوجس حينما استدار في بطء ليتطلع إلى ناهل مُستدركًا ما لم ينتبه إليه إلا الآن..
وهو ما أكده له ناهل الذي وقف متسع العينين مُنتبهًا للأمر ذاته في الوقت نفسه، فقال بدلًا منه في استنكار:
_اللعنة! هذا يعني أنه لو تم الأمر ستكون أنت _من بين العالمين_ نسيبي!
أومأ هارون برأسه في موافقة وهو يحاول رسم ابتسامة مُجاملة على وجهه، بَيْد أن الغيظ الذي نضحت به نظراته كان كافيًا كي يوضح أنه أيضًا يُشاركه نفس "التفاؤل" بتلك العلاقة التي هي ربما على وشك النشأة، ليهمس في تبرم:
_ثِق بي إنها ورطة لا أرضى بها لِأسوأ خصومي!
**********

"حسنًا! هذا هو قراري النهائي ولن يتغير، فلتتوقفا عن النظر إليّ وكأنني أب متسلط جائر!"
هتف الحاج فؤاد بهالة وأماني لاعتراضهما على رفضه الخاطب الذي تقدم طالبًا الزواج من لين، وبينما أذعنت هالة لأمره على مضض جابهته أماني في إصرار:
_لماذا تسرعت يا أبي؟! أليس من حقها أن تتزوج ثانية؟! لِمَ أصدرت حكمك عليها بأن تبقى وحيدة مع طفلها إلى الأبد؟!
حوقل والدها مُتمسكًا بهدوئه، ثم تجاهلها تمامًا مُوجهًا حديثه إلى زوجة ابنه الراحل:
_أتظنين أنني ظلمت لين يا هالة؟
ازدردت لعابها وأصرت على ألا تنظر إليه، لكنها ردت في خفوت:
_أعلم أنك لن تفعل مُطلقًا يا عمي، لكنني أريد أن أعلم سبب رفضك وطردك إياه، أنت حتى لم تخبرها عنه.
عاد يهتف بحنق مرة ثانية:
_ولماذا أخبرها عنه؟! فيم ستُحدِث معرفتها فارقًا؟! ذلك الشخص لن أضع يدي بيده ما حييت وانتهى الأمر!
هَبَّت أماني لتقف بمواجهته وهي تصيح رامقة إياه بعينين مُتشككتين:
_أرأيت يا أبي؟! هناك ما تخفيه سرًا عنا ولا تود الاعتراف به.
بدا لِوهلة أنه سيصرخ بها لكنه سرعان ما أغلق فمه ثم تحدث بعد صمت قصير في لهجة حازمة:
_اصمتي يا أماني! وإن شئت أنا أن أحتفظ بسر لن تجبرني إحداكما على البوح به، هل ظننتما أن الشيخوخة قد تمكنت مني فصار واجبًا عليّ أن أستأذن قبل القيام بأية خطوة؟!
انتفضت هالة تتقدم منه في توجس، وتحدثت بينما تسيدت الدهشة ملامحها:
_عفوًا يا عمي! أماني لم..
لكنه قاطعها هادرًا حتى انتاب الذعر كلتيهما معًا:
_أنا لا زلت باستطاعتي حماية أحفادي، وحالما أشعر أنني قد بدأت بالنسيان والخرف سأتوارى وحيدًا ولن أحتاج أحدكم!
شهقت أماني والاستنكار يلتصق بوجهها، وصاحت كما لم تفعل من قبل:
_لماذا هذا الغضب يا أبي؟! لم تقصد إحدانا ما تظنه، إننا نريد استقرار يزن وسعادة لين لا أكثر.
لم يبادلها النظر فتأكدت أن هناك ما يقض مضجعه إلى هذه الدرجة، لطالما احتفظ بانفعاله ثابتًا، لكنه اليوم وتحديدًا منذ انصرف ذلك الرجل صار تحت وطأة غضب واستياء لا معنى لهما!
_أنا أيضًا أفعل، لكنني لن ألقي بها كعظمة أمام أول كلب ضال ينبح أمامها!
ختم حديثه معهما بحسم، مُستعيدًا هدوءه وصرامته، وقبل أن تواصل احتجاجها ظهرت لين عائدة من الخارج حاملة طفلها وهي تنقل نظراتها بينهم في استكشاف..
ردت هالة وأماني تحية السلام عليها بتوتر، وبينما اتجهت الأولى إليها تحمل يزن في اشتياق تظاهرت الثانية بتدقيق النظر في الأرض.
_أصواتكم مرتفعة، هل أنتم بخير؟
ألقت لين سؤالها فصدح صوت جدها على الفور:
_اتركي يزن لوالدتكِ واتبعيني إلى غرفتي يا لين!
وتابع آمرًا:
_في الحال!
أطاعته وأسلمت طفلها لهالة، ثم ألقت نظرات مُتسائلة عليهما فلم تمنحها إحداهما إجابة، وهكذا رضخت لِتسير خلفه حتى وصلا إلى غرفته فأغلق الباب.
"كيف كان يومكِ الأول بالعمل؟"
بادرها محدقًا بها في اهتمام، فانشرحت ملامحها وتدلى الحماس من نظراتها أثناء تحدثها:
_في الواقع لم أذهب إلى المصنع، لقد قضيت اليوم مع إيلاف واستمتعنا كثيرًا.
أطلق تنهيدة طويلة وهو يتلقى أول خبر جيد بهذا اليوم، واستمع إليها تتابع:
_لكن ياسر لم يوبخني كما اعتقدت، بل وعدني بمساعدتي غدًا حتى أدرك ما فاتني.
ابتسم وأومأ برأسه في رضا فيما واصلت هي التحدث عن فرحة يزن بصحبة إيلاف طوال اليوم، وكيف أن قرارها بتركه لديها بضعة أيام أثناء العمل يبدو سديدًا.
كره أن يخبرها، لكنه أراد بأن يتخلص من وسوسة تعيبه بأنه قد استبد فيما يخصها!
_لقد تقدم شخص راغبًا بالزواج بكِ.
بالتدريج انمحت ابتسامتها، وبالتدريج أيضًا حَلَّت عقدة بين حاجبيها لم تكن من سماتها من قبل، ثم بجمود جاءه ردها:
_لا أريد الزواج يا جدي.
كاد يُطلق صيحة استنكارية لكنه أحجم عن هذا، ثم سألها باهتمام:
_ألا ترغبين بمعرفة هويته؟
بالتعبير ذاته هزت رأسها نفيًا لِتُجيبه بلا تردد:
_لا أهتم، لأنني لن أتزوج، سأكتفي برعاية طفلي وحسب.
أمعن النظر بها في تدقيق فزفرت باستسلام لتستفهم بلا اكتراث حقيقي:
_حسنًا! من يكون؟
_ماذا تعرفين عن هارون عطية؟
فورًا حصل على انتباهها وقد استفز الاسم ذهنها، عصرته عصرًا لكنها لم تستطع استخراج معلومة عنه، فمطت شفتيها وأجابته في تفكُّر:
_لا أعرفه.
زم فمه ثم قال بنزق:
_هو شقيق زوجة والد ناهل، إنه من أخبرني بمكان إيلاف حينما تمكن منها الجنون وهربت من البيت.
أشرق الفهم بعينيها وقد وعت أخيرًا هويته، فهتفت:
_نعم! لقد تذكرته.
فهناك بطاقة أعمال تحمل اسمه تقبع في حقيبة يدها الصغيرة التي كانت تحملها أثناء حفل زفاف أختها، لقد كانت على وشك التخلص منها حينما عجزت عن تذكر صاحبها وسبب وجودها لكنها ارتأت الاحتفاظ بها حتى تفعل.
_لا أعرف عنه شيئًا.
ببساطة تابعت، ثم انتبهت إلى ما يعنيه جدها فاعتدلت تتساءل في ذهول:
_أتقصد أن ذلك الشخص قد طلب الزواج بي؟
ولما أومأ جدها مُكتفيًا بالمراقبة الصامتة تساءلت باستهجان:
_هل هو أخرق؟! لم ألتقِ به سوى مرتين لدقائق معدودة، كيف يفكر في الزواج بي؟!
وأتتها الإجابة دون مساعدة حينما تمتمت بعد صمت:
_ربما هو طامع يا جدي.
بلا تردد هز رأسه نفيًا وأطرق بعصاه على الأرض، ثم قال في نبرة حاسمة:
_لا أظن، إن كنت أعلم عنه شيئًا فسيكون الشرف والمروءة، لقد قام بدعم المظلوم ضد الظالم المتمثل في شقيقته!
هذه المعلومة على الأخص قد ذكرتها أختها اليوم بالفعل أثناء حديثهما غير المترابط عن أمور عدة، ولكم أثارت دهشتها حتى انتابها الشك في نية الرجل الحقيقية حتى أنها طلبت منها أن تحذر ناهل منه، لكنها لم تدرِ أنه هو الشخص ذاته الذي التقت به مرتين في ظروف سيئة تمامًا.
_إذن ماذا قلتِ؟ ما رأيِك أن نحدد موعدًا ويأتي للزيارة؟
وصوت جدها انتزعها من شرودها، فزفرت في بطء ثم قالت عن اقتناع تام:
_لم تتغير إجابتي يا جدي، هو شخص غريب عني كليًا، ولا سبب يدفعني للزواج به وتهديد سلامة طفلي النفسية.
_كما تشائين يا لين.
غمغم بها ولاحظت هي عدم الرضا بنظراته فاعترتها الدهشة، لم تكد تنتهي عدتها ويريد جدها تزويجها بآخر..
تُرى ما السبب؟
لم تشأ سؤاله صراحة، ففضلت الانصراف قبل أن تتغلب خواطرها على قراراتها، وقفت ببطء تبتسم له في تهذيب ثم حيته لتنصرف..
_أستأذنك يا جدي.
"هناك آخر!"
قبل أن تتحرك هتف فحدَّقت به بذهول، ظنته يمزح لكن علامات الجدية كانت كأوضح ما يكون على صفحة وجهه، كادت تُعلق بسخرية لكنه واصل بتمهل:
_منذ أسبوعين هاتفني آخر يطلب المُصاهرة، ظننته حينذاك يقصد غفران لأن عدتكِ لم تكن قد انتهت بعد فأرجأت الرد حتى يصفو ذهني من بعض الأمور الهامَّة، لكنه منذ ساعات زارني بالفعل ليطلب الزواج بكِ أنتِ، بل بدا كثير التصميم وكأن لا قوة على هذه الأرض ستردعه!
_ومن يكون أيضًا؟
بنبرة تهكمية سألته وقد انتشت أنوثتها بعض الشيء، خاطبان بأول يوم حال انقضاء عدتها! ستفتح لها موسوعة الأرقام القياسية أبوابها جمعاء!
_يُدعى أسامة اليماني.
بتركيز راقب وجهها الذي غاضت منه الدماء تزامنًا مع سقوط حقيبتها من قبضة يدها، حملقت به وكأنه سبها بما لا يليق فتحول شكه إلى يقين..
وقف أمامها واقترب حتى اِختُزِلَت المسافة بينهما، يسألها دون أن يضطر للتحدث، لكن عندما تخشبت على الوضع ذاته لم يعد هناك مجالًا للانتظار أكثر!
_ماذا تعرفين عنه؟
انتُزِعَت من هيئتها المُصَنَّمَة، وتداركت أمرها وعيناها تهربان بالأميال من حصار جدها، فخرج صوتها مُقرًّا بالنقيض:
_لا.. لا أعرف عنه شيئًا.
ربما رِفقه الزائد مع أولاده جعله يكتفي بدور الناصح فيما يخص أحفاده، لكنه يرى أسرارهم بوضوح كمفرقعات نارية في ليلة مُظلمة!
ليالِ متتالية مُظلمة!
ليلة أخفى هاني حقيقة رغبته ليُعرب عن حبه لابنة خاله وإصراره على الزواج بها فجأة بعد أن صارت طويلًا محل سخريته؛
ليلة عاد من الحج ليجد عمرو على حال غريبة وكذب أثناء ارتجافه ذعرًا من كشف لم ينجح هو في الوصول إليه مُطلقًا؛
ليلة انزوت غفران لتُقاطعه دون إبداء سبب وتظهر لومًا تجاهه هو بالأخص؛
ليلة كذبت إيلاف وخبرته أنها توافق على الزواج من ناهل لأنه مناسب لا أكثر؛
وليلة عادت لين لتقر أمام الجميع بأنها ترغب بالطلاق من أجل خلافات زوجية وصلت إلى تفضيله رفقة أصدقائه على زوجته وطفله..
دومًا تظاهر بالتصديق، ودومًا ما أخفى شعورًا مؤلمًا بداخله نتيجة الصورة التي يراه الجميع عليها..
الفلاح الشيخ الذي قاربت حياته على الانتهاء فلا حاجة بنا إليه ولا إلى نصائحه التي تعود إلى عصر قديم!
والآن ها هي لين تكرر كذبها، لكنها استدركت موقنة أن ما قالته لن يُصدقه طفل صغير، فافتعلت التذكر لِتهتف بصوت مهتز:
_بل.. أعرف، هو صديق عماد المُقرب.
"المُقرب؟!"
الآن يرتاح ضميره تمامًا للنفور الذي شعر به تجاه ذلك الرجل.. الكاذب، والذي يُبطن الكثير مما يحمله هو على أن يبعده عن حفيدته بلا تفكير مرتين.
_إذن ما هو ردكِ؟
سألها مُضطرًا، وقبل أن تُجيب تابع بصرامة:
_علمًا بأنني قد أبلغته بِردي أنا.
عندئذ ارتجفت شفتاها وتحشرج صوتها لتُخاطبه برجاء:
_لا يا جدي! أتوسل إليك، لا أرغب بالزواج منه.
ودون أن تنتبه إلى انفعالها المُبالَغ به استطردت بِوجل:
_أنا.. بالفعل لن أتزوج، إن كان وجودي ويزن هنا قد صار غير مُحتَمل سأ...
_إلى غرفتكِ يا لين! فقد اتفقت نساء هذا البيت جميعهن على إخراجي عن طوري!
صاح بها مُقاطعًا حديثها فانتفضت إلى الخلف، طالعت الغضب بعينيه فاستولى عليه الغيظ، ثم تسلل إليه شعور بالإشفاق تجاهها فهدأت نبرته قليلًا ثم أردف:
_لين يا بنيتي! لن أفعل ما ترفضين، لكن إن كان هناك ما تريدين إخباري عنه فأنا أمنحكِ الأمان كاملًا.
أتخبره؟!
أتخبره بأن ذلك النذل قد تعدى حدوده معها كثيرًا من قبل.. تحت تشجيع زوجها غير الصريح؟!
أتخبره بأنه يتساوى في انعدام الرجولة مع طليقها وربما يتنافس معه في ارتكاب كل ما هو مُحَرَّم؟!
أو.. هل عليها أن تصرخ في صراحة بأنها تفضل الموت على الاقتران بهكذا شخص تُثير نظراته إليها كل شعور بالاشمئزاز والكراهية المُوجهة إلى نفسها؟!
لا.. لن تُخبره!
لقد أخفت السبب الحقيقي لطلاقها عن الجميع حتى لا تنشب حرب لا تأمن خلالها ألا يتأذى طفلها، فلتتحل بالشجاعة ولتواصل حياتها تحت ظل جدار يحميهما معًا.
**********

بعنف لا مبرر له وقفت تغسل الأواني وهي شاردة حتى كاد الوعاء يستغيث بين يديها: "أن اتركيني!"، لكن ذهنها كان غائبًا في واد آخر بعد أن تمكن منها مزيج مؤلم من الانزعاج والتيه والغضب!
إرهاق..
تشعر بإرهاق تعدى حدود جسدها فارضًا سيطرته على دواخلها؛
ضياع..
كصغيرة تركها والدها على قارعة الطريق واضعًا إياها في اختبار عملي قاس على دروس النجاة!
تركت الوعاء وهي تعي لتوها تشبيهها له بالوالد، لتنتبه إلى أنها دومًا ما قلدته ذلك المنصب!
كان لها والدًا؛
كان لها أحيانًا مُربيًا؛
ناصحًا، ناهيًا، مُرشدًا، زاجرًا؛
مُمثلًا كل ما تمنت أن تصير إليه يومًا، حتى اختفى فاستعادت هي إيلاف القديمة دون تباطؤ!
لكنه.. كان!
والآن صار زوجًا مُتنازلًا عن حقوقه، شريكًا مُتغاضيًا عن واجباته؛
وذلك الاهتمام الذي أغدق عليها به ذات يوم صار حكاية ستندثر بعدما يتمكن منه الضجر أو.. يجد أخرى تستحقه أكثر منها!
اتسعت عيناها بخوف ثم لاحظت أن المياه في المغسلة ترتفع حتى النصف، مدت كفها تضغط على المصفاة، بسرعة، بقوة.. بغضب.
"هذا ما كان ينقصني أيضًا، لا وقت لديّ لانسدادكِ، هيا!"
هتفت بها في انفعال مجنون، ولم تتوقف وهي تضغط بشدة صائحة:
_هيا!
_هيا!
_هيا!
"أتصرخين بالمغسلة؟!"
التفتت بفزع إليه، واقفًا ينقل نظراته بينها وبين المغسلة المُعَذَّبة في توجس، لكن عينيها جرت عليه باشتياق ثم بغضب؛
ولماذا تعترف الآن إليه بأنها اشتاقته؟!
ولماذا أيضًا تشعر بإيلاف القديمة تكافح بإصرار حتى تنهض من حيث دفنتها عامدة كي تستعيد حقها؟!
حق في الصراخ؛
حق في البوح؛
حق في.. السعادة؛
_ماذا تفعلين؟!
سألها وهو يشير إلى كفها التي واصلت مهمتها في محاولة التخلص من المياة بلا أي نجاح يذكر، فأشاحت بوجهها عنه لتعبس ثم ردت في حنق:
_لا شأن لك بي، عد إلى حيث أتيت!
ابتلع الكلمات التي كان على وشك التفوه بها ثم اعتدل ليخرج هاتفًا في استياء:
_سأفعل، سأترك لكِ البيت بأكمله فامرحي به كما يحلو لكِ كالحمار في حقل الذرة!
ربما يجب أن تتوقف..
ألقت يدها إلى جوارها في استسلام وشرعت تراقب منسوب المياه يرتفع حتى كاد يملأ المغسلة؛
ربما يجب أن تتوقف..
لماذا تنبش فيما لن ينفعها؟!
ولماذا هذا الغضب منه يتصارع مع الشوق إليه؟
ولماذا بالأصل تشتاق إليه؟
ربما يجب أن تتوقف!
لتدعه وشأنه، ولتنتهي هذه القصة المُموهة غير المفهومة!
لتنبذ هي إيلاف التي تحاول التحرر، ولتكتفي بإيلاف التي ترتمي بأحد الأركان.. لا تضر أحدًا ولن ينتبه إلى غيابها أو حضورها إنسان!
"ماذا بكِ؟"
ندت عنها شهقة عندما وجدته مرة أخرى معها، لكنه أقرب..
ينظر لها مُستكشفًا في انزعاج لا يخفي قلقه، ويغلق الصنبور كخطوة بديهية في أول طريق إصلاح الخلل بعد أن فاضت المياه لتسيل على أرض المطبخ!
حدقت به في صمت فكرر سؤاله وهو يتخلى عن كنزته الصوفية، ليجلس أرضًا يتفحص أنبوب الصرف بتركيز، ثم يلتقط مفتاح الربط الثقيل ليبدأ في محاولة حل مشكلة الانسداد..
_غبية.
تمتمت بها في خفوت فرفع رأسه لها في استفهام صامت، ابتسمت بتهكم وهي تكرر ببساطة:
_غبية، فاشلة، ومثيرة لِضجر من يضطر للتعامل معي!
_ها قد عدنا!
همس بها مُعلقًا في نزق، فقالت بصوت مبحوح ألمًا:
_ألست محقة؟! لقد كنت أجتاز اختباراتي بصعوبة أثناء الدراسة، فشلت في تعلم القيادة، لم أواظب على دروس التطريز التي حرصت والدتي على إشراكي بها مع لين وغفران، وفي العمل كنت أنت بنفسك تضطر أحيانًا لأن تعيد التعليمات أكثر من مرة حتى يستوعبها عقلي..
سكتت ثم أشارت إلى ما يفعل وواصلت:
_حتى غسل الأواني الذي تفعله طفلة صغيرة ببساطة قمت أنا بتحويله إلى مشكلة حقيقية!
قال في هدوء بينما انهمك فيما يفعل:
_ألا ترين أنكِ تبالغين قليلًا؟! هل أنتِ الوحيدة التي لم تحب دراستها؟! لا، ولا يستطيع الكثير النجاح فيما لا يحبون، الأمر بسيط!
نجح في فك الأنبوب وواصل بلا مبالاة:
_هل أنتِ الوحيدة التي لا تستطيع القيادة؟! لا، أنا أيضًا لا أفعل، الأمر بسيط!
ثم توقف لِوهلة ورفع عينيه إليها في تعجب مُتسائلًا:
_وما قصة دروس التطريز هذه؟! لم تخبريني عنها قبلًا!
هزت كتفيها بلا تعبير وعلَّقت:
_لم أكن أعرفك حينذاك.
عاد إلى الأنبوب ليخلصه من الرواسب مُستطردًا في تهكم:
_وماذا إذن؟! هل انتهى العالم حينما لم تتعلم إيلاف الكُردي التطريز؟! ابحثي عن شيء آخر! الأمر بسيط!
ثم أضاف في حماس:
_ماذا عن الأساور التي اعتدتِ صُنعها من الخرز؟ مثل تلك التي انفرطت ذات مرة فكدت أنكب على وجهي بينما أنتِ تبدئين في الولولة!
التفتت بوجهها إلى الناحية الأخرى حتى لا تُفسد ضحكتها الخافتة هالة البؤس التي تقبع بها، لكن صورته وهو يتحدث إليها عن طلبية سجاد هامة ثم تلتف ساقاه حول بعضهما فكان على شك السقوط أصرَّت على استدعاء المرح في وقت غير مناسب!
واصل ما يفعل ثم عاد لينظر إليها مرة ثانية قائلًا في صوت مُحمَّل بالذكرى:
_كما أنني أتذكر جيدًا أنكِ عندما كنتِ تستوعبين تعليماتي لم تهمليها بعدها مُطلقًا، وعلى الرغم من ادعاءاتكِ الظالمة نفسك فكثيرًا كنتِ تفهمين ما أقصد بسهولة حتى إن لم أكن واضحًا.
_أنت دومًا غير واضح!
قالت وهي تقع تحت سيطرة ابتسامة مُتسللة إليها جراء إطراءه غير المُباشر، فقال بشرود تلبسه تعبير لم تفهمه:
_بل أنتِ من توصدين عقلكِ الكسول!
ثم تابع مُوليًا الأنبوب اهتمامه مرة ثانية:
_خلاصة الأمر، أنتِ لستِ غبية، بل تحبين ذلك الدور وتجدين راحتكِ خلال آدائه.
_هل جرحتك مجددًا يا ناهل؟
صدح سؤالها الخافت بينهما عاليًا فتوقفت يداه لِوهلة حتى أردفت أثناء جلوسها أرضًا إلى جواره ليطالها البلل فلا تهتم:
_عندما سألتك عن تلك الإشاعة هل جرحتك مُجددًا فغضبت مني وتهربت من البيت حتى اليوم؟
_وهل تتذكرين أنكِ جرحتِني من قبل يا إيلاف؟!
والعتاب الصارخ الذي ظلل عينيه جعلها تشعر بندم تلقائي على فعلة لا تدري كنهها بعد، ودارت النظرات صامتة حائرة بينهما حتى أشاح بعينيه عنها مُديرًا دفة الحديث إلى اتجاه آخر:
_لم أغضب لسؤالكِ، فهو خطئي أنا، لا أستطيع إلقاء اللوم عليكِ لأن الشك ينتابكِ في ثقتي بكِ، بينما أنتِ أكثر من أثق به في هذا العالم.
_حقًا؟!
همست بها حاملة كل الذهول والفرح والرجاء، فترك كل ما يمسك لينظر لها مُتمتمًا في استنكار:
_أوتسألين؟!
أومأت برأسها إيجابًا تطالبه بكل تأكيد يستطيعه، وبلا تردد لَبَّى متحدثًا في حنين رغم قسوة الشأن:
_مَن كان أول من قصصت عليه كل ما تعرضت له أنا ووالدتي على يد أبي؟ مَن أخبرت عن زيجاته الكثيرة التي علمنا بها والتي لم نعلم؟ لمن عبرت عن شعوري المقيت يوم عاد من سفره بعد سنوات ليتزوج بأخرى في شقة والدتي ويمارس حياته كعريس سعيد بينما هي تصارع الموت؟
تقاسمت معه الألم الذي يحمله منذ عرفته تتطلع إليه في صمت مُكلل بالاحترام، حتى أضاف مازحًا بخشونة:
_ولمن تخليت عن إحدى ستراتي المفضلة فأفسدها بالمُبيض بعد أيام لكنني قابلته بسماحة لست أتحملها كثيرًا؟
استندت بذقنها على ركبتيها المُضمومتين وسألته في خفوت:
_أتعني.. أنني على علم بكل أسرارك؟
أومأ لها برأسه إيجابًا دون رد، فتابعت باهتمام:
_ومن الثانية يا تُرى؟
عقد حاجبيه في تساؤل فأجابته بفضول:
_قلت أنني أول من قصصت عليها ذكرياتك مع والدتك، فمن تكون الثانية؟
تراجع إلى الخلف بعنقه لينظر لها في دهشة ثم ابتسم ساخرًا وقال:
_ما شاء الله! ها أنتِ نبيهة سريعة الملاحظة لا تتركين شاردة أو واردة وقتما تحبين!
رَفَعَت ذقنها لترميه بنظرة استحالت إلى شك مُثير للقلق فارتأى السلامة وقال بابتسامة صفراء:
_لا توجد أية ثانية، أعني أنني بالكاد أُهذب من سلوكي أثناء التعامل مع واحدة فقط، فكيف أُكررها ثانية؟!
ولمَّا لم يتغير تعبيرها المُرتاب تنهد في استسلام ثم أردف مُحاولًا التغلب على الغصة التي اعترته:
_أحد زملائي بالسجن، شاب جيد، لكن في بعض الأحيان تصر الحياة على أن تدفعنا للإتيان بما لا نرغب، ثم تلقي بنا حيث لا ننتمي، وبالنهاية تُقيدنا جنبًا إلى جنب مع السيئين الأشرار قبل أن نفهم أين مَكمن الخطأ!
ترددت لثوان ثم اختارت اتباع غريزتها لتمد إحدى كفيها تربت على ساعده في رقة، فَتسمر تلقائيًا لكنها لم تلحظ لِتقول:
_لست سيئًا أبدًا، بل أنت أفضل شخص قد يلتقي المرء به يا ناهل!
تسارعت خفقاته وهو يتشرب هذا الحنان الذي فاض من نظراتها بلا بخل، وهو يرى دحض مقولة "فاقد الشيء لا يُعطيه" بأم عينه!
يومًا ما سيُعرِب أطفاله عن امتنانهم لوقوعه بأسرها هي بالذات..
ويومًا ما لن يتوقف عن الشكر لخالقه حينما ينال من هذا الحب نصيبًا لطالما تمناه!
_وأنتِ سابية يا إيلاف! ولو أدركتِ قيمتكِ لصرتِ أكثر خطورة!
همس بصوت مسموع فحدقت به طويلًا في دهشة فيما انحبست أنفاسها ترقبًا، ثم اختارت مُجاراته فسألته:
_وكيف برأيك باستطاعتي إدراكها؟
هبطت نظراته حيث كفها لا تزال على جلد ساعده الذي يستشعر دفئًا يُهدد تماسكه بلا ريب، ثم رمقها في استسلام وعلَّق بهزيمة مذاقها كان أحلى من الشهد لذائقة قلبه:
_ما عليكِ إلا أن تجدي وسيلة لتحتلي عقلي، الأمر بسيط!
تدافعت الأسئلة بعينيها فسارع يقول في جدية:
_ما رأيكِ أن تساعدينني بشؤون المحل؟ إذا لم تفقدي مهاراتكِ الإدارية التي تعلمتِها بفضلي بالطبع!
عادت إليها الحيرة مقترنة بالخوف، خوف من كل ما هو جديد، وخوف من أي ما يستدعي المواجهة!
أحاطت ساقيها بذراعيها وسألته في ارتباك:
_وماذا سأفعل؟
كان يقوم بتركيب الأنبوب بعد أن صار حُرًّا من كل ما يخنقه، ليُجيبها في بساطة:
_سأجلب دفتر الحسابات يوميًا لتقومي بمراجعته وتقدمين اقتراحاتكِ، ما رأيك؟
ثم نظر إليها مُستدركًا:
_أعني.. إن لم يُسبب الأمر لكِ حرجًا في حال علم أهلكِ أن...
ارتسم السرور على ملامحها فمنحها جمالًا فوق برائتها وقاطعته في حماس:
_ما رأيك أن تبدأ بتقديم خدمة توصيل الطلبات للمنازل؟ لا أظن أن الكثير يقدمونها بهذا الحي.
أومأ في استحسان ثم ردَّ:
_فكرة رائعة! ادرسيها جيدًا ولنتناقش بشأنها!
أخذت تفكر لوهلة ثم عادت تقول في تردد:
_هل.. بإمكاني مساعدتك في مُباشرة العمل من المحل أحيانًا؟
توقفت يداه عن ربط الأنبوب لثوانِ، ثم استأنف عمله وَعلق بنبرة طالتها بحة دون أن يلتفت لها:
_وتبقين بصحبتي في العمل والبيت أيضًا؟
_ولِمَ لا؟!
والحماس بصوتها جعله يغمض عينيه مُخفيًا انفعالاته بينما كانت تنتظر هي إجابته بغاية الشوق، وأخيرًا فرق أهدابه ليرد في هدوء مُفتَعل بصعوبة:
_أنتِ مُحقة، لِمَ لا؟!
والفرحة الطاغية التي لمحها على محياها أثناء اختلاسه النظر إليها بجانبي عينيه أثارت توتره، فعقد حاجبيه لِيقول لها آمرًا عندما أدرك أن البلل الذي تغلغل في ملابسه بالتأكيد تشاركه إياه في هذه اللحظة:
_والآن انهضي سريعًا وبدلي ملابسك حتى لا تصابي بالبرد!
ودون نقاش نهضت يتقاطر الماء من طرف قميصها القطني المحتشم الطويل، وبابتسامة انصرفت إلى غرفتها فأنهى هو عمله مُستسلمًا إلى غمامة من الشرود حتى خرج من المطبخ..
"ضُرِب ثباتك في مقتل يا ناهل! صرت تحتاج لتعويذة إذن!"
همس بها في تعب بعدما انتهى، وفي طريقه لمحها من شق باب غرفتها تنفذ أمره الأخير بتبديل ملابسها!
إذن هي مُحقة تمامًا في كونها غبية!
وسيُضيف هو إليها انعدام الشعور!
كيف لها ألا تنتبه إلى إيصاد الباب جيدًا؟!
وكيف لها أن تتصرف بحرية بلا اكتراث لوجوده معها على انفراد بعد أن فقدت الشياطين كل فرصها معه؟!
وكيف لها أن تكون هكذا لذيذة كفاكهة تحل له وحده.. لكنه اختار أن يسد شهيته بنفسه حتى يتخلص من أي اتهام غير مُنصِف بالشراهة؟!
"حسبي الله ونعم الوكيل فيكِ يا إيلاف!"
همس بها في غل وهو يخفض رأسه غاضًّا النظر عن هجومها الذي لا تدري هي به..
"حسبي الله ونعم الوكيل فيكِ يا إيلاف!"
كررها وهو يتراجع فورًا عن قراره ويشرأب بعنقه مائلًا بجذعه حتى كاد يسقط على ظهره، مُتأملًا ومُتشبعًا بنظرة دارس مُتقِن ومُمتحن سيتم سحب كراسة الإجابة منه في الحال..
"حسبي الله ونعم الوكيل فيكِ يا إيلاف!"
ورددها ثالثًا بقهر وهو يطبع ما رأى في ذهنه بإحكام، وحينما اطمئن إلى أنها تدثرت بكل ما في الخزانة تقريبًا استدار إلى غرفته بخطوات تكاد تكون مهرولة مُتهربًا من أنوثة تجهل صاحبتها تأثيرها!

بإنهاك ظاهر وقف للمرة الرابعة خلال أيام في حرم كلية الهندسة، دومًا كان مُهندم الهيئة، مُرتب الملابس، وسيم الخُلُق والخِلقة، لكنه الآن يتلقى نظرات مُتعجبة من بعض الطلبة بعد أن بات مظهره شبيهًا بالمُشردين!
لأيام لم يزُره النوم، لأيام لم يتبادل عدة كلمات مع والدته التي تُثير حالته بها خوفًا شديدًا، لأيام لا ينفك لسانه يلهج بالدعاء لأن يسامحه ربه أولًا ثم يُرشده إلى طريق صائب..
ولأيام تقوده قدماه إلى هنا!
يراقب الطلاب الذين يخرجون من أحد المدرجات باحثًا عن شخص بعينه.. شخص رآه مرتين ليُثير ارتيابه بما يكفي حتى تحول ذلك الارتياب إلى يقين منذ أسبوع حاول خلاله لقاءها بضع مرات فلم يفلح في إيجادها!
فبعدما طالع الرسائل المتبادلة بين شقيقه وتلك الفتاة التي يجزم أنها توترت كثيرًا لدى رؤيته من قبل تأكد أن هناك ما يخفى عليه.
في البدء كانت رسائل تدور حول أمور الدراسة والاختبارات، ثم ما لبثت أن اتخذت منحنى غامض لدرجة الوضوح في الآونة الأخيرة..
مُختصَرة؛
مُقتضبَة؛
مبتورة وتتمتها بمكالمات هاتفية حريصة على الكتمان أو.. على محو الدليل!
"آنسة علياء!"
هتف بالاسم في حزم حينما ظهرت خارج باب المدرج، فالتفتت إليه عابسة بسبب أشعة الشمس ثم انقلبت ملامحها إلى ذعر حقيقي حتى ظن أنها ستهرول بعيدًا عنه!
_كيف حالكِ؟
نسيت أن تجيب فأومأت برأسها في حدة وبدأت بالتراجع إلى الخلف، ليحاصرها بنظرة ثاقبة وكلمات حازمة:
_أرغب بالتحدث معكِ قبل أن يرانا لؤي.
مرة ثانية هزت رأسها، لكن نفيًا وَهَمَّت بالاستدارة عنه، فعاجلها قبل أن تفعل:
_لقد قمت بالاطلاع على الرسائل المتبادلة بينكِ وبين مهند.
وكأنه جذبها بعنف ثم كمم صوتها!
شحب وجهها وتخشبت بموضعها، فأخذ هو مُتمهلًا يراقب ردة فعلها وكأنه عالم ينتظر نتيجة تجربته على ضفدع صغير للاختبار، مسكين لا حول له ولا قوة!
_أية رسائل؟
سألته وهي تحاول التغلب على حشرجة صوتها، فلا بأس من محاولة صمود أخيرة قبل تمام الانهيار، أليس كذلك؟!
فهم هو ما يكتنفها، ودفعه ذلك إلى أن يمضي في طريق مراوغ للمرة الأولى بحياته..
مشروعة هي كل السُبُل للهرب من الظلمة التي أُلقي فيها على حين غرة، ولا ضير من الحصول على خريطة بعملة الخديعة!
_الرسائل التي حوت اتفاقكما.
_ألم يمحها؟!
بذهول رافض هتفت فأضاءت له أول مصباح يهتدي به، وتمسك بالفرصة شاكرًا مُصممًا على المتابعة إلى النهاية!
_لم يفعل.
_أنا..
بترت عبارتها فأدرك أنها ستواصل التظاهر بالجهل، أو تبدأ بالإنكار، أو الأسوأ.. تتهمه بأنه يحاول الإيقاع بها بينما هي مظلومة و..
_أعتذر!
رافقت كلمتها الوحيدة أولى دمعاتها، ثم واصلت مع تدفق المزيد:
_أعتذر لأنني شاركت بذلك الجرم!
طرقات.. طرقات؛
لا يدري أهو صوت انفعال قلبه بالخوف، أم بالرفض؛
ولا يدري أهو الدم يجري سريعًا في أوردته، أم يهرب متواريًا من المُصيبة المُقبلة!
على عتبة كشف عظيم هو، لا بالمضمون، إنما بالتأثير!
وضع يده في جيب بنطاله سريعًا ليلتقط حبة أخرى من المسكن قبل أن تهاجمه آلام رأسه وصدره في وقت غير مناسب، وانتظر، ودون أن تدرك هي ما يجول بكيانه، تابعت في انهيار:
_لقد.. لقد كنا نحاول إنقاذ الفتاة بأية طريقة، ولم يجد مهند وسيلة سوى التظاهر بتهديدها!
إنقاذ..؛
تهديد..؛
و.. فتاة!
أية فتاة؟
_غفران!
همس مُقامرًا بالاسم الذي أرشده إلى حيث هو الآن، ولمَّا قبض على ردَّة فعلها السريعة أيقن أنه قد.. ربح!
أومأت برأسها ومسحت وجنتيها لتفسح الطريق لموكب آخر من الدموع، ثم قالت في إيضاح مُتَوج بالذنب:
_هي شقيقة لؤي، ولقد أردنا تجنيبها الفضائح و..
_أية فضائح؟!
والحشرجة احتكرها صوته مُتسائلًا في ضياع مقصود؛
يتشبث بالجهل حتى اللحظة الأخيرة قبل أن تصبح مسؤولية الفهم كاملة على عاتقه وحده!
_هناك شابًّا يلاحقها، خبرني مهند أنه عديم الأخلاق ربما سيعبث معها لينال منها، وأن كل محاولات إبعاده عنها باءت بالفشل فلم يجد وسيلة سوى التظاهر بتهديدها حتى تنجو قبل فوات الأوان.
لماذا زادت أشعة الشمس حدة رغم انكسارها؟
ولماذا هذه الحرارة تجتاحه بين لطمات الصقيع؟
وكيف تتشوش بصيرته تحت ضباب الإثم؟!
لا..
رؤيته نفسها أصابها عطب ما!
خيالات سوداء وقفت حائلًا بينه وبين العالم الخارجي فأغمض عينيه ليحتوي هذه النيران التي تصر على النَيْل من دماغه، وبالتدريج تحكم في أنفاسه حتى استطاع التمتمة بـ..:
_تهديدها فقط؟!
علَّق بلا تصديق رغم أنه تمنى التصديق، ثم فتح عينيه على اتساعهما في استنكار حالما وعى النتيجة..
_أتعنين أن شقيقي كان يُهدد فتاة، ثم قمت أنا باتهامها ظُلمًا بأبشع ما يمكن!
نظرت له في حيرة فوضع كفيه على رأسه هامسًا في ذهول:
_يا إلهي! يا إلهي! أستغفر الله العظيم!
هزت رأسها بلا معنى لا تفقه سبب تكراره لهذه العبارة مرات ومرات حتى ظنت أنه قد فقد عقله، ولمَّا لاحظت احتقان وجهه واحمرار عينيه تراجعت بضع خطوات إلى الخلف في توجس لِتبحث عن أي شخص قد تستنجد به إن احتدمت الأمور!
لكنه بعد ما يقرب من دقيقة كاملة تناول حبة أخرى وارتأى تأجيل الإقرار بخيبته وغضبه واشمئزازه من نفسه قبل شقيقه إلى أن يغدو وحيدًا وحينها ليجلد ذاته كيفما استطاع؛
وليحاول مسح الصورة المذعورة للمجني عليها من ذهنه إن استطاع!
_وكيف تظاهر بـ.. بتهديدها؟
سألها وصوته يرتجف، أهدابه ترتجف، ساقاه على وشك التخلي عنه..
سألها وكاد يتوسلها ألَّا تُجيبه!
إلا أنها سرعان ما أجابته في استسلام:
_لقد قام باختراق هاتفها وحصل على بعض صورها الخاصة، حتى أنه طلب منها مالًا كي يُضفي بعض المصداقية على الأمر، لكنه منذ فترة طلب مني ألا أراسلها ثانية، يبدو أنه نجح في إنقاذها بالنهاية.
قالتها وأطبقت شفتيها، ولم يكن ينتظر إيضاحًا أكثر، لكنه بلل حلقه ليستفهم حتى يرتاح ذهنه الذي التبست عليه الأمور جميعها:
_و..كيف..
سكت هنيهة ثم أردف في ضياع:
_كيف حصل عليها؟ هل أنتِ من..
هزت رأسها نفيًا بسرعة وهي تهتف:
_لا!
وواصلت في نبرة آسفة لم يعلم لِمَ:
_أقسم أنني لم أفعل، أنا لم أر شقيقة لؤي من قبل.
رفع كفيه أمامها لِيضم أصابعه في إشارة كي تتمهل لتمنحه فرصة للاستيعاب؛
دومًا كان ذكيًا سريع الفهم، لماذا يُصر عقله على إغلاق أبوابه الآن؟!
أم أن الأمر بأكمله يفوق مستوى إدراكه بمراحل؟!
_يا رب! يا رب!
أخذ يهمس بها حين اختفت الكلمات كلها من ذهنه، تمنى لو أنه يستطيع الآن الاستناد إلى أحد أعمدة المسجد يستمد منه بعض القوة، ثم أجبر نفسه على المواصلة..
_إذن ما هو دوركِ؟
سألها بعد أن فشل في استنتاج الإجابة وحده، ولما لم تُجبه هتف بها في غضب:
_أجيبيني! ما هو دورك؟
انكمشت على نفسها وأخفضت رأسها، وبعدما ظلل الحرج خلجاتها أذعنت لتجيبه في خفوت كان كقرع الطبول على سمعه:
_مهند حصل على الصور حينما كان يزور لؤي ذات مرة وتركت هاتفها مفتوحًا، لكنه لم يرضَ بأن يتطلع إليها، فطلب مني أن أساعده في مراسلتها.
حدَّق بها نضال في ذهول ثم ما لبث أن تولدت ابتسامة بالتدريج على فمه قبل أن تتحول إلى قهقهات أثارت خوفها؛
قهقهات طفقت تتعالى وتتزايد حتى تراجع إلى الخلف ليجلس على الرصيف قبل أن يسقط أرضًا، ثم وضع كفه على صدره راغبًا بتهدئة ذلك المرجل الذي اشتعل لكنه لم يستطع؛
وكيف يفعلها وهذه الدموع تشق طريقها من روحه صاعدة إلى الأعلى لتفضحه؟!
وتشمت به؛
وتسخر منه!
_لا أصدق كم هو مُبتز خجول مراعي العورات! يبدو أنني بآخر الأمر لم أفشل تمامًا في تربيته، هنيئًا لي!
لو بيده لبكى الآن كما لم يفعل منذ دفعة الهواء الأول برئتيه؛
لو بيده لصرخ، وشتم، ودق الأرض بقدميه كما يعترض الأطفال؛
لو بيده.. لدفن شقيقه، ومن اعتبره ولده تحت التراب غير عابئ بأنفاسه التي لا تزال تتردد في صدره!
ولما كانت كل رغباته غير واردة التحقيق حدَّق في هزيمة بالفتاة التي تواجهه تحت سطوة الذنب وقلة الحيلة، ثم دون تعليق سوى الاشمئزاز استند بكفيه على الرصيف ليقف في بطء وأولاها ظهره ورحل.. إلى منبع الإثم!
**********

دخل إلى شقته مُتسللًا بِحذر بعد أن سمع بعض الأصوات المُتبادلة بداخلها، لكنه حرر أنفاس راحة حينما تطلع إلى أوجه والديه وشقيقه يجلسون بصالة الاستقبال.
وبينما بدا على والدته بعض التوتر فإن والده كان يجلس إلى جوارها حاملًا ابتسامة طالما استخدمها للتأثير عليها أو لإقناعها بشيء ما، نظر لهم في تساؤل عن سبب وجودهم دون علمه إلا أن شقيقه هتف في جمود قبل أن يتحدث:
_لا وقت لدينايا أمي لهذا التردد، المحامي سيصل بعد قليل وسيُخبرنا بكل ما يجب عليكِ فِعله.
و بانفعال تام هتفت عزة وقد احمر وجهها:
_لكنني لست مُقتنعة بالقيام بهكذا خطوة، سيغضب عليّ أبي إلى الأبد.
تأفف سمير بنزق وأشاح بوجهه عن زوجته، ونقل هاني نظراته بين ثلاثتهم بلا فهم، لكن انتفاضة شقيقه من على مقعده جعلته يطبق شفتيه وهو يلاحظ بدهشة الهياج الذي أخذ يرتع بعينيه الواسعتين قبل أن يصرخ بها:
_ومتى ستقتنعين إذن؟! لقد جاء أحدهم طالبًا الزواج من لين، وبلا شك ستتزوج لتجلب لنا آخر يُشاركنا إرثنا مع خريج السجون، بالإضافة إلى غفران، ألا يكفينا ابن شقيقتكِ الذي يراقبنا بكل لحظة وهو يكاد يحسب أنفاسنا؟! أنا الآن صِرت وحدي بعد أن طرد والدكِ الذي تخشين غضبه ابنكِ الأكبر من المصنع ولن أستطيع مواجهتهم جميعًا بمفردي!
عَمَّ الصمت بينهم وابتلعت عزة كل كلماتها لِتحدق بذعر في ابنها والذي تسارعت أنفاسه وأخذ صدره يعلو ويهبط، لكن زوجها أمسك بيدها في حنو مقصود ليقول بنبرة معسولة يُجيدها:
_عمرو على حق يا عزة، عندما يُدرك عمي أنه أخطأ بحقك وحقوق ولديّ سنحل الأمر، نحن الآن نبحث عن ضمان لئلا يُشاركنا الأغراب مالنا كما شاركونا عائلتنا.
في حيرة التفتت إليه وقد تمكن الضعف منها، وفي صمت تطلعت إليه وقد بدأت دفاعاتها تُسَلَّم تباعًا، ثم سألته بارتباك:
_أتظن أنه قد يسامحني إن فعلت؟!
هنا اختار هاني أن يُطالب بحقه في الفهم، فصاح بسخرية:
_أسيخبرني أحدكم بما يجري هنا؟! ولماذا سيأتي المحامي؟ لقد فشلت محاولة إثارة قلقهم عن طريق مصلحة الضرائب ولا حل آخر لدينا.
جلس عمرو مرة ثانية، وفرد ذراعيه على مسند المقعد، ليُجيب وقد عادت الثقة بصحبة الهدوء إلى ملامحه مُجددًا بعد أن أيقن من استسلام والدته القريب:
_هذه المرة لن تكون هناك فرصة للفشل يا هاني، الأمر مضمون تمامًا.
هذه النظرة الثعبانية التي تشع من مقلتي شقيقه يُدركها هاني جيدًا..
فهي تخلف حدوث ما يُرضيه؛
أو تسبق وقوع ما قد يقلب الثوابت رأسًا على عقب!
_ماذا تعني؟ ماذا ستفعل؟
سأله بِحَذر، فردَّ عمرو والتوعد يمتلك كلماته وانفعالاته:
_لن أفعل شيئًا، إنه دور والدتك لتثبت مدى تشبثها بحقوقنا في كل شيء، بدءًا من المصنع، مرورًا بالبيت والأموال التي يُخبئها العجوز بالمصرف، ونهايًة بالأرض الزراعية الحقيرة بمسقط رأسه!
ولمَّا عبرت نظرات هاني عن عدم الفهم تابع عمرو صراحًة:
_سنبحث مع المحامي حول إمكانية رفع دعوى حَجْر على فؤاد الكُردي!



تعليقات