رواية علي ضفة قلبك ظمآن الفصل الثاني عشر 12 بقلم سعاد محمد
الفصل الثاني عشر
(طريدتان)
"ذلك البيت المهجور؟!"
ثلاث كلمات قالها باختصار يحمل معنى واحدًا، معنى مُرعبًا واحدًا، لكن لا ضير من أن تسلك طريقها إلى نهايته!
_أ.. أي؟ أي بيت تقصد؟
_ذلك الذي لا يزال تحت الإنشاء بأطراف المدينة.
والبساطة التي نطقها بها تناقضت تمامًا مع ردة فعلها حيث خرجت على هيئة ارتجاف عنيف ظاهر للعيان قبل أن تسأله بنبرة مُرتعشة:
_من أنت؟
ابتسم بِمرارة وأجابها مُتسائلًا في قهر:
_ينبغي عليّ أنا أن أسألكِ من أنتِ؟ أو لماذا تفعلين ذلك بنفسكِ وبعائلتكِ؟!
ثم زفر في تعب ولانت نبرته قليلًا لِيُضيف بِهدوء:
_أظن أنكِ ناضجة بما يكفي كي تتراجعي، الفرصة دومًا مُتاحة وربكِ عفو غفور لا يرد عباده، ابتعدي ودعيني أحاول الإصلاح ثانية!
كان يتكلم باللغة نفسها، كل كلمة مفهومة لها.. لكن على حدة!
حاولت استجماع قصده فلم تنجح لِذا هتفت بحنق:
_أنا لا أفهمك، فلتتحدث مباشرًة أو لترحل عن طريقي!
اضطربت حِدَّته لوهلة وهو يعي ذعرها الشديد لكنه أجبر نفسه على المُتابعة في إصرار:
_لقد حذرتكِ وانتهى الأمر، لن أدعكِ تخربين كل شيء.
يكرهها ولا شك بذلك؛
كما لو أنها سرقته ثم قتلت أفراد عائلته فردًا فردًا ومَثَّلت بجثثهم بعدها!
فهذا الغِل الذي يندلع من نظراته لا يُعبر عمَّا هو أقل من ذلك!
طالته الحيرة وهو ينتظر منها أي تبجح فلم يجد إلا فتاة تبدو في أضعف حالاتها رغمًا عن شرارة عصيان مُشابهة لِما ظلت ترتع طويلًا بعينيّ شقيقه..
لا!
ليست مُشابهة؛
ذاك عصيان أججه التمرد؛
وهذا عصيان ألهبه الغضب!
همس باستغفار وغض بصره عنها ثم انصرف بخطوات سريعة غير عابئ بلسانها الذي أصابه الخرس.
لكن عندما سمع أصواتًا كثيرة ورأى حركة متوترة من بعض المارَّة استدار ليراها حيث تركها.. ساقاها تنثني أسفلها بينما تُكافح كي لا تسقط أرضًا.
في مكانه توقف لِثوانِ يراقب الهرج والمرج، وما لبث أن عاد أدراجه إليها مهرولًا يشق الزحام صائحًا:
_ابتعدوا عنها! لا أحد يلمسها! إنها قريبتي!
نظرات كثيرة حدَّقت به في شك بادل أصحابها بمثيله، ثم استدرك:
_إنها.. شقيقة صديقي.
كان يجيب أسئلتهم بينما عيناه ترمق كل رجل أو صبي في هذا التجمع، وتلقائيًا يمد ذراعيه كحاجزين يمنعهم من الاقتراب منها، بينما امرأة وحيدة تقوم بإسنادها حتى تماسكت رويدًا رويدًا.
سافرت عيناها بلا وعي تام في وجوه الجميع حتى استقرت على خاصته فمنحها الصحوة كاملة!
انتصبت دفعة واحدة في ضعف وهي تتأكد من وضع ملابسها وحجابها وحقيبتها، وبتمتمات غير مفهومة شكرت الكل، ثم تراجعت إلى الخلف حتى اختفت عن ناظريه.
انفض الجمع من حوله فيما ظل هو يُحدق في إثرها بمزيج متجانس من الحقد والقهر والـ..الارتياب!
عاد إلى سيارته المتواضعة واستقلها وهو يفكر في صحة قراره، فبعد أن كان ينتوي أن يتزوج شقيقه منها ظل هذا الأخير طوال الأيام السابقة يقسم أنه ليس على علاقة بها، لكنه في الوقت ذاته يرفض تفسير وجوده أو وجودها بذلك البيت، ثم بآخر الأمر أقسم ثانية أنها لا تمثل له سوى شقيقة صديقه!
لكن.. الآن يبدو أن هناك خطئًا ما؛
لا يدري متى وقع ولا ماهيته.. إلا أنه موجود!
دار رأسه واستشعر توترًا شديدًا بضربات قلبه فأسرع بتناول حبة مسكن بات لا يتخلى عنها منذ أيام كي يتمسك بقدرته على التفكير الصحيح..
استعاد هيئتها المُتخبطة ونظرتها المرتعدة فعاد يستغفر تلقائيًا..
إن كان هناك خطئًا فها هو قد شارك به..
حتى لو ارتكبت ذنبًا ما دوره كي يُحاسبها؟!
ولِهذا قطع تلك العلاقة السرية هو أفضل حل للجميع، بالإضافة إلى انتهاء صداقة شقيقه بلؤي أيضًا، فلا يُعقل أن يترك الباب مُواربًا لتكرار المصيبة!
**********
وقفت أمام غرفة المكتب المغلق شاردة النظرات تزم شفتيها بينما مر بها عامل أو اثنين فلم تلحظ، تأففت وهَمَّت بالتراجع فقرع صوت عمها مُنبهًا في عقلها:
"ستحذرينه يا سلام، طالما تأكدتِ أنهم تعرضوا للخديعة."
ربما يعيش عمها في المدينة الفاضلة حتى الآن، فكم من مرة تسببت تصرفاته في إبعاد البعض عنهم ونبذهم؟!
تارَّة يقرص أذني صبي يرمي كلبًا بحجر في الشارع، وتارَّة يصعد إلى الطابق الأعلى في الثالثة فجرًا ليوبخ الرجل الذي يبدو أنه يعذب طفله في قسوة تحت ستار التأديب!
أما عن تلك المرة حينما استقلت معه "توكتوك" فأخذ يلقن السائق المراهق دروسًا في آداب الطريق وإرشادات القيادة السالمة فلن تنس ملامح ذلك الثاني الممتعضة وهو يكاد يلقي بهما على قارعة الطريق غير مُبال.. ذلك الموقف لن يكف يومًا عن إضحاكها كلما تذكرته!
"أتتجسسين علينا؟! أم أنكِ ابتعتِ الشمع هباءً ولا تدرين فيم ستستخدمينه الآن؟!"
التفتت إلى الخلف لتجد حفيد صاحب المصنع الذي أتت لتنفيذ نصيحة عمها بشأنه يقف ناظرًا لها بتحفز وشماتة..
لقد وصلته أخبار انتهاء الفحص إذن!
_أين جدَّك؟
بفظاظة سألته فأجابها وهو يفتح الباب ويدلف إلى الغرفة مُجيبًا:
_في المنزل، لم يعد قادرًا على الحضور إلى المصنع.
ثم استدار ليطالع التردد على ملامحها فسألها دون صبر:
_ماذا تريدين؟
بحزم خطت إلى الداخل، ثم بصرامة أجابته:
_لقد جئت كي أحذره.
_مِمَّ؟
عوجت شفتيها وهي تتهرب من النظر منه استعدادًا لأن ترميه بصدمة لن يصدقها بالطبع، أخذت تبحث عن عبارات منمقة تختصر الأمر ولا تظهرها في هيئة واشية مُفسدة لعلاقات عائلية و..
_هناك احتمالًا بأن ابن خالتك هو من قدم البلاغ.
_هل جئتِ تحذريني الآن لأنكِ أشفقتِ على حالنا؟
تعجبت من النبرة غير المُكترثة التي علَّق بها حينما انتظرت أن يصرخ بها ويُكذبها فتكافح هي لإثبات أقوالها، وهكذا قالت بدهشة:
_لا تبدو مُتفاجئًا!
_ولِمَ الدهشة؟! أخباركِ قديمة يا آنسة سـَلَّا...
نطق بتعمد ثم سكت بتعمد مماثل يستجلب غضبها، وللحق قد نجح!
فالشراسة التي احتدت بها عيناها منحته انتقامًا تحول إلى توبيخ وجهه إلى نفسه في اللحظة التالية، فاعتدل يقول في تهذيب:
_أخباركِ قديمة يا آنسة سلام.
تجاهلت الألفاظ التي كانت تتوسلها بعقلها كي تهجم على هذا اللئيم، ثم اكتفت بالامتعاض وهي تسأله:
_إذن هل جدك يعلم بشأن حفيده؟
أومأ برأسه في إيجاب، فأرادت أن تمحو تعبيره الواثق لتتابع مُتسائلة ببراءة:
_وهل يعلم أنه جاء لزيارتي ببيتي أيضًا؟
علمت أنها فازت حينما طالعت الذهول بعينيه أثناء تعليقه الفوري:
_عفوًا؟!
_هاك الأخبار الطازجة إذن!
قالتها وهي تبتسم ثانية بانتصار، فاتجه إليها يسألها بكلمات متلاحقة:
_هل هاني هو من زاركِ؟ ولماذا؟
هزت رأسها نفيًا ثم أجابته في هدوء:
_بل شقيقه ثقيل الظل مُثير الريبة، أراد أن يستدرجني كي يعلم إلام وصلت اللجنة بشأن الفحص.
تسيد الاستنكار ملامح ياسر وهو يتراجع إلى الخلف خطوتين يضرب كفًّا بالأخرى مُدركًا أن جده كان على حق منذ البداية، ثم هتف بدهشة:
_وبِمَ سيستفيد؟! هو يعلم أننا لا نفعل أي شيء غير قانوني، وإن طالنا الضرر لن ينجو منه.
نظرت له في صمت ثم هزت كتفيها بلا تعبير وقالت بلا مبالاة:
_لا أدري، ولا أهتم، اليوم هو الأخير للجنة بالمصنع وستستعيدون سيطرتكم على شؤونكم، أما عن مشكلاتكم العائلية وصراعاتكم الداخلية فلا شأن لي بها.
ثم تمتمت بصوت مسموع وهي ترميه بنظرة ساخطة:
_لَشَد ما أكره التفكك الأسري! إنه يحيل المرء إلى وحش لا يفرق بين عدو أو حبيب!
كان هو يرمقها بتدقيق مُحاولًا فهم ما تقول فأطلقت زفيرًا سريعًا ثم رسمت ابتسامة صفراء لِتستطرد بتهذيب:
_خلاصة الأمر يا سيد ياسر، لقد قمت بواجبي وحاولت أن أحذر جدك ممن يتلاعبون به، سينبغي عليك أن توصل له الرسالة بأمانة، إلى اللقاء!
واستدارت على الفور إلى الخارج فبقى هو مُحدقًا في إثرها بدهشة قبل أن يتبعها بسرعة هاتفًا:
_سلام!
وحينما صار خلفها تمامًا سمعها تقول في حزم:
_لا أتذكر أنني سمحت لك برفع الألقاب!
إلى جوارها سار يقول في تهكم ورغبة قوية في مشاكستها تسيطر عليه:
_يكفي غرابة اسمك وحده، من أطلقه عليكِ بالأساس؟
_عمي.
أجابته في اقتضاب وهي تواصل سيرها الحازم مشدودة الظهر مرفوعة الرأس وكأنها ضابط يستمع لأوامر قائده، فرفع حاجبيه مُتعجبًا وقال بتسلية سببتها رغبته الصبيانية في إثارة غضبها، ثم.. الاستمتاع به!
_وكيف اهتدى ذهنه إلى هذا الاسم تحديدًا؟! ماذا يعمل بالأصل؟ مدرب "يوجا"؟!
توقفت فجأة فتوقف أيضًا وقد أنبأته نظرتها الصارمة أنه _لِمرة ثانية_ قد تمادى قليلًا ، رَفَعت سبابتها أمام وجهه ترد في تحذير جاد:
_بل معلم لغة عربية ترتعد فرائص الطلاب حين يسمعون اسمه، إن كنت أنت بهذا العمر وتستطيع القراءة بصعوبة فأنا لا أسمح لك بالسخرية منه!
رَفَع كفيه الاثنتين أمام صدره كاتمًا ابتسامة مُلحة وقائلًا في مزيج من الاعتذار والمرح:
_لم أسخر! لكن لماذا سلام؟ أعني هناك سلمى.. سلوى، لماذا تُربكون من يتعرف إليكم؟!
استأنفت سيرها فلِحق بها حتى وصلا إلى الأسفل وسمعها تُغمغم في غيظ:
_لم يطلب منك أحد أن تتعرف على الإطلاق.
_حقًّا؟! ألم أطلب بعد؟! يا لي من مُتباطئ!
وعندما استشعرت التسلية تتراقص على ملامح وجهه التي فقدت جديتها فجأة واجهته في حزم:
_اسمع يا سيد ياسر البحيري! أنا أنهيت مهمتي الرسمية في عملي بمصنعكم، ثم أنهيت مهمتي الودية في تحذيركم ممن يريد الإضرار بكم، وحمدًا لله لن نضطر لأن نتلاقى ثانية، لذا وداعًا فعمي ينتظرني بالفعل منذ دقائق و..
"سلام!"
بترت عبارتها مع سماع اسمها، فالتفت الاثنان تجاه الصوت و..
_عمي!
_أستاذ ضياء!
بذهول تمتم ياسر وهو يتطلع إلى الرجل القادم تجاههما، يبدو عليه الوقار، أشيب الفودين، يرتدي ملابس بسيطة لا تخلو من أناقة، موفور الصحة وكأنه ينتظم في ممارسة رياضٍة ما، وينبثق الذكاء من نظراته بوضوح.
_أتعرف عمي؟!
سألته بدهشة بينما هو لا يزال يُحدق في الرجل الذي وصل حيث يقفان، يرمقه أيضًا بتدقيق قبل أن يتساءل في خفوت:
_أين التقينا من قبل يا بني؟
فغر ياسر شفتيه وتهربت عيناه منه، ثم رفع كفه يغطي بها نصف وجهه في محاولة خرقاء للتخفي، لكنه ما لبث أن استسلم مُجيبًا بتوتر:
_لا أظن أننا التقينا من قبل.
باستنكار نظرت له سلام فأدرك أنها كشفت كذبته التي لم يستعد لها جيدًا، فهو للتو نطق باسم عمها تلقائيًا إلا أنه الآن يُنكر معرفته!
_لكنني متأكد، أنا رأيتك من قبل.
وتحت إصراره استسلم ياسر وهو يعتمد ابتسامة واسعة ثم هتف مُتظاهرًا بالاستدراك:
_آآآآه.. لقد تذكرت في الحال.. كنت طالبًا في صفك يا أستاذ ضياء.
على الفور ابتسم الرجل في استحسان وربت على كتفه مُعلقًا في ثقة:
_بالتأكيد كنت طالبًا متفوقًا إذن، لأنني لا أحتفظ في ذاكرتي سوى بوجوه الطلاب المتفوقين.
تنحنح ياسر بارتباك وفتح فمه مرتين ليتحدث ويغلقه قبل أن يفعل، ثم ندت عنه ضحكة متوترة وهو يُعقب في سخرية:
_بالطبع.. بإمكانك أن تقول أنني كنت من الطلاب المميزين.
اقترب منه متسائلًا باهتمام:
_وهل تتذكر درجتك النهائية في مادة اللغة العربية باختبار المرحلة الثانوية؟
_عمي!
في استخفاف تمتمت سلام التي كانت تقف بينهما لكنهما انشغلا باستعادة الذكريات المدرسية، فتنحنح ياسر مُجددًا ثم ضحك وهو يقول بكذب مُفتضح:
_لا.. لا أتذكر، لكنها بالتأكيد كانت مرتفعة كثيرًا، كنت مميزًا كما ذكرت لتوي.
فبالطبع لن يعترف بأنه تلقى منه توبيخًا شهده الصف بأكمله ذات مرة لأنه أصر على أن يرفع أحد حروف الجر .. وما بعده!
_إذن أنت عم سلام.
عاجله ياسر قبل أن يستشعر كذبه، فقال الرجل في فخر وهو ينظر لها:
_نعم، بإمكانك القول أنها ابنتي الكبرى، تعمل بوظيفة مرموقة في مصلحة الضرائب.
أطرقت سلام برأسها أرضًا في حرج بينما ابتسم ياسر باستهزاء وهو يعلق بمكر:
_أعلم بالتأكيد، لا يستطيعون الاستغناء عنها، لقد رأيت بنفسي كم المهام الحسَّاسة الخطيرة التي يُثقلونها بها.
ثم أردف وهو ينظر لها مُغيظًا:
_كان الله في العون!
بمهارة تُحسد عليها أطبقت شفتيها قبل أن تتهور أمام عمها، واكتفت بالنظر إليه بغضب فلم يبد عليه أي تأثر.
_إذن أنت تعمل في هذا المصنع؟
التفت ياسر مرة أخرى إلى عمها يُجيبه ببشاشة:
_أنا حفيد صاحبه الحاج فؤاد الكُردي.
أمعن الأستاذ نظراته به ليسأله مجددًا في توجس:
_هل أنت شقيق عمرو الكردي؟
عمَّ الحرج تعبير وجه ياسر قبل أن يشيح به ليُجيب في خفوت:
_لا.. هو ابن خالتي.
أومأ الرجل برأسه وزفر في راحة، ثم أمسك بذراع ابنة شقيقه قائلًا:
_هيا بنا يا سلام لأننا سنبتاع احتياجات الشهر ريثما تصل شقيقتاكِ من السفر.
ونظر إليه مُحييًا:
_سعدت برؤيتك، إلى اللقاء يا بني!
لكنه لم يكد يتحرك خطوة معها حتى قفز ياسر أمامهما هاتفًا:
_سأقوم بإقلالكما.
_لا!
والحدة التي رفضت بها سلام عرضه أثارت انتباه عمها، فاستدركت مُفتعلة بعض اللطف:
_أعني.. لا ينبغي أن نعطل السيد ياسر أكثر من هذا يا عمي، سنستقل الحافلة.
فهم هو رغبتها بالتخلص منه، فقرر التمسك بعرضه مُشيرًا إلى السيارة التي تنتظر على مقربة منهم وهو يقول مُبتسمًا بإصرار:
_لا عطلة على الإطلاق يا آنسة سلام، في الواقع أرغب برفقة أستاذي بعض الوقت.
ثم واصل وهو يدفع عمها برفق تجاه السيارة:
_تقدم يا أستاذ ضياء من فضلك!
وخلفهما وقفت هي تتطلع إليه في رغبة واضحة بخنقه، لكنها بدلًا من ذلك عضت على شفتها السفلى في غيظ ثم تبعتهما صاغرة.
**********
بارتباك جلس في حديقة المنزل مُصممًا على إبقاء نظره أرضًا حتى تنتهي زيارته أو بالأجدر.. استدعائه!
فمنذ أيام تلقى اتصالًا من الرجل الذي التقى به مرة وتحدثا هاتفيًا بضع مرات من قبل للبحث في أمر خروج ناهل بعد إتمام نصف المدة ثم طمأنته على حفيدته، لكنه هذه المرة لم يطلب مجيئه بشأن ناهل مباشرًة.
فقد عَلِم منه أن شقيقته لم يكن بمقدورها الكف عن الإزعاج فبادرت باستفزازه مرة ثانية.. أو عاشرة، لم يعد يدري!
وجهلها بمن تُعادي غير ناهل هو ما يضعه الآن في هذا الموقف الحرج بآخر مكان يفضل الوجود به.
"أعتذر يا حاج فؤاد، سوف أتحدث معها وسأحذرها من إزعاج حفيدتك مجددًا."
قالها بخفوت يكظم به غيظًا عارمًا أثناء تفكيره في طريقة لِوضع حد لِمهازل شقيقته.
"اشتقت إليك يا مشاغب!"
رفع هارون رأسه مُندهشًا حينما رد الرجل، لكن نظره وقع على الصغير الذي يمشي إليه ضاحكًا، بينما الرجل العجوز تخلى عن عصاه ومال في مقعده فاتحًا ذراعيه بترحاب، ومن خلفه ظهرت امرأة رآها في حفل إشهار زواج ناهل كانت تقف بجوار..
"توقف يا أحمق!"
زفر في ضيق وهو يصد ذكرى ذلك اليوم في قوة حيث يصر عقله على سحبه إلى الخلف كلما أبدى تقدمًا ملحوظًا..
_بـ..ا بـ..ا!
رغمًا عنه ابتسم وهو يتطلع إلى الصغير الذي وصل إلى جده فانتشله الأخير بذراعيه ثم شرع يقبله ويضمه، وحينما أمعن النظر به خفق قلبه مُدركًا هويته، في سرعة بحث عن حجة للانصراف قبل أن يستكمل الرجل حديثه معه لكن المرأة وصلت إليهم لتشير إلى الحاج فؤاد خلسة، فاستأذنه واتجه إليها.
"هل ستوافق على ما تريده لين يا أبي؟ ألم تقل أنها ستترك يزن بصحبة إيلاف أثناء فترة عملها بالمصنع رغم وجودي أنا وخالتها بالبيت؟ لماذا طرأت فكرة ذهابه إلى الروضة ليومين بالأسبوع؟"
صوتها كان عاليًا غاضبًا حتى وصل إلى هارون بوضوح، فتغلب على تأثره لِسماع الاسم وبسط كفه إلى الطفل الذي استجاب سريعًا ومشى إليه مُستندًا بيديه على المقعد الحديدي.
_دعيها تفعل ما تريد يا أماني! لن نحب طفلها أكثر منها.
_لكن يا أبي..
بحنق ردَّت فقاطعها بنبرة مُحملة بالإشفاق وهو يرمق الصغير الذي وصل إلى الضيف مُستجيبًا لملاعبته.
_أنا أفهمها، هي ترغب بأن ينخرط يزن مع أطفال آخرين، لاحظي أن لا فرصة قريبة في وجود إخوة له!
عقد هارون حاجبيه بدهشة مع العبارة الأخيرة غير المُفسرة ثم أرغم نفسه على التركيز مع الطفل، فحمله ليضعه على فخذه وألقى عليه بكلمات هو نفسه لا يفقهها فيما عاد _لا إراديًا_ يسترق السمع إلى الحديث الدائر على بُعد خطوات خلفه كأي مُتلصص محترف!
_لهذا كنت أفكر..
قالتها أماني بتردد حتى أنها سكتت ولم تتم عبارتها، فاستحثها والدها بحذر:
_فيم تفكرين؟
تزايدت ذروة توترها إلى الحد الأقصى ثم نطقت في توجس:
_لو.. أعني أنت فعلتها مرة مع ناهل ولم يكن حينذاك زوجًا لإيلاف، لماذا لا تكررها مع ذلك النذل عماد؟
ضاقت عينا والدها بتساؤل، فأوضحت بصوت قَلِق:
_أقصد.. لم تتبق سوى أيام قليلة على انقضاء عدتها، ما رأيك أن تنتظر انتهائها ثم تجلبه وتعنفه وتجعله يعقد عليها ثانية، وقم بتأديبه هذه المرة كي لا..
"عدة؟!"
"يعقد عليها ثانية؟"
نسى هارون الطفل الذي يتحسس وجهه الآن حتى أوشك أن يفقأ عينيه، نسى أنه رَفَع رأسه بحدة، ونسى أيضًا أنه لا يخشى اعترافًا بأنه _إراديًّا_ يتجسس على حديث الرجل مع ابنته؛
حديث يدور حول واحدة بعينها؛
واحدة اقتحمت تفكيره ليجد نفسه مُضطرًا أن ينزعها منه نزعًا، لكن يبدو أن هناك..
"توقف أرجوك يا أحمق!"
رددها بهمس هذه المرة، يخاطب نفسه، بينما حاسة سمعه لا تزال هناك تحاول جلب كل ما يهمه من معلومات!
_أتستمعين إلى نفسكِ يا أماني؟! أنتِ قلتها.. نذل! لماذا أعيد حفيدتي زوجة لِنذل كان من انعدام المروءة ليطلقها هاتفيًا بدلًا من مواجهة أهلها كالرجال؟!
والصوت الغاضب للرجل الهادئ تمامًا ألقى عليه بقطرات من الأمل، لكن ابنته خلخلته مرة أخرى حينما قالت برجاء:
_من أجل يزن يا أبي، انظر إليه! لقد بدأ يردد كلمة (بابا) وها هو ينادي كل رجل يلقاه بها.
لم يرد والدها لِيتنهد في أسى، بينما أخذ هارون يتأمل الطفل الذي استكان بين ذراعيه يحاول خلع ساعة يده حينما جذبت انتباهه، ثم سمع التعليق الحازم للرجل بعد وهلة:
_لا أب على الإطلاق أفضل كثيرًا من أبيه.
ثم أضاف بتحذير:
_إياكِ أن تحاولي إقناع لين بأفكاركِ يا أماني! لأنكِ إن فعلتِ أنا لن أوافق، حتى الآن أمنع نفسي من توبيخها بسبب كتمانها أفعاله طوال العامين، وما يمنعني عنه هو هذا الطفل لا غير.
أطرقت أماني برأسها أرضًا في استسلام، ثم قامت بمناداة يزن فلم يُلقِ لها بالًا، لتتركه وتعود إلى الداخل حاملة خيبة تحقيق أمنيتها بأن تنقذ طفلًا لا ذنب له سوى أن والده لا يرتقي لمرتبة.. رجل!
"أين توقف حديثنا؟"
عاد الحاج فؤاد إلى مكانه مُستأنفًا حواره بهذا السؤال، وبينما كان هارون ينظر له في دهشة لم يتخلص منها بعد تابع هو:
_آآه.. شقيقتك، خبرها أنها إن خطت شقة حفيدتي أو حاولت التعرض لها أو تبادل تحية بسيطة معها سأغلق لها المحل الذي تخاف عليه إلى ذلك الحد، وخبرها أيضًا أن ناهل صار رسميًا فردًا من عائلتي ومن يبادر بإيذائه لن أعفو عنه.
فما كان من هارون إلا أن اندفع بلا تريث:
_هل حفيدتك الأخرى مُطلقة؟
_عذرًا؟
علَّق بلا فهم، فأوضح هارون بنبرة مُترقبة وهو يحيط رأس يزن بكفيه غير واعِ بمحاولة تملصه التلقائية:
_والدة هذا الطفل.. هل هي منفصلة عن والده؟
هب الحاج فؤاد واقفًا بسرعة ليُزيح يدي هارون عن حفيده بعنف وحمله وهو لا يحيد بنظراته الحادة الدَهِشَة عنه، ثم عاد إلى مقعده مُتشبثًا به ووضعه إلى جواره متسائلًا في تحفز:
_نعم، لِمَ تسأل؟
_أهناك فرصة كي يُعيدها طليقها إليه؟
والسؤال الثالث خرج بنبرة اشتدت بها وتيرة الاهتمام فلم يُخطئها، كما أنه لم يُخطئ سببها..
لم يرد من فوره فيما راح عقله يعمل سريعًا باحثًا عن فرصة التقائه بحفيدته من قبل، ليتذكر أن ياسر خبره يوم أن أرسله إليهم ناهل بأن لين تحاول استجلاب المزيد من المعلومات عن أختها من.. هذا الرجل!
_لا أظن.
باقتضاب نطق وهو يُدقق النظر به أكثر، فاستقام هارون قائلًا بحزم:
_إذن لي لقاء آخر معك حالما تنقضي عدتها، اعذرني لن أستطيع التصريح أكثر الآن.
تفحصه ثانية ثم أومأ برأسه في موافقة وَعلق برضا:
_لا تفعل!
ودون إضافة استدار هارون ليرحل، مُتغاضيًا عن حالته المتوترة وهو يدلف إلى هذا المنزل منذ ساعة، وبعدما كان يتوعد شقيقته يكاد الآن يشكرها على الخدمة الجديدة التي أسدتها له بغير قصد!
*********
بعد أسبوع
وقف يتطلع إلى الحركة النَشِطة بالمحل فور كشف الستار عنه في حلته الجديدة بعدما ظل لسنوات مجرد مخزن للدقيق وعُلب السمن، أخذ يبتسم بترحيب للجيران والسكان القريبين وبعض المارَّة الذين يأتون لتهنئته ولا يدعهم ينصرفون قبل أن يتناولوا العصير الطازج.
كان يتبادل بعض عبارات المجاملة مع أحد معارف الحاج بيومي الذي أخذ يتابع بتدقيق سير الأمور هذا اليوم بشكل مشرف، حينها.. لمحها.
ظهرت قادمة تجاهه تنظر له وحدة بابتسامة واسعة فبقى يتأملها حتى وصلت إليه لتقول بصوت بدا له خافتًا بسبب ارتفاع الأصوات المحيطة:
_مبارك يا ناهل، عسى أن يرزقك الله ويزيدك من فضله!
تمتم مُؤمنًا وابتسم تلقائيًا وهو يرى صدق دعوتها له في عينيها، ثم حانت منه التفاتة إلى المحل ليجد الجميع منهمكين بعيدًا عنه، فعاد يقول لها في نبرة اعتيادية:
_لقد كان ياسر هنا وانصرف لتوه، جاء نيابًة عن جدكِ وقال أن لؤي يعتذر لأنه لديه محاضرة هامة في الصباح الباكر.
أومأت برأسها إيجابًا ثم علَّقت حينما لاحظت أنه يتعمد التهرب من النظر إليها مباشرة:
_لقد ذكر لي الأمر حينما قمنا بزيارتهم.
ساد الصمت بينهما بعد عبارتها، كل غارق في أفكاره، حتى افتعل هو بعض الحماس هاتفًا:
_ما رأيكِ؟
قالها وهو يشير إلى واجهة المحل حيث أكياس الفاكهة تتدلى من أعلى بينما انتشر بعض البلاط على الحوائط حاملًا رسومات لمختلف أنواع الفواكه والمشروبات، كما تلألات بعض المصابيح في السقف.
_رائع، يبعث على الانتعاش.
حانت منها نظرة إلى حيث يسند إحدى ذراعيه فسألته في فضول:
_أهذه هي الثلاجة التي حكيت لي عنها من قبل؟
شاعت ابتسامة واسعة بوجهه وهو يُربت على السطح المعدني للثلاجة قائلًا في حنين:
_إنها هي، صديقة صباي وشبابي!
تطلعت إليه في فرحة شاطرته إياها تلقائيًّا ثم سألته باهتمام:
_وكيف حصلت عليها ثانية؟ ألم تكن بمحل والدتك؟
تنهد وراحت عيناه تبحث يمينًا ويسارًا عن مدعو لم يحضر بعد، ثم أجابها في نبرة تسلل إليها بعض الحرج وهو يتذكر جفاءً قديمًا كان يتعمد معاملته به:
_باليوم التالي لزيارتنا لبيت عائلتكِ جئت لأجد أن هارون شقيق زوجة أبي قد أعاد تركيبها في غيابي..
ثم تابع في امتنان وهو يرفع سبابته لأعلى الواجهة:
_مع اللافتة أيضًا.
رفعت رأسها في سرعة لترنو ببصرها إلى اللافتة التي تختلف عن لافتات المحلات العصرية حولهم، إلا أنها بشكلٍ ما بدت أكثر عراقة.. ودفئًا!
_حينما قصصت عليّ سبب لقبك تمنيت أن أرى هذه اللوحة كثيرًا، والآن أشعر بالـ..
تمتمت في انبهار وعيناها لا تزال مُعلَّقة بها، لكنها بترت عبارتها في حيرة ليسألها راجيًا فلم تنتبه:
_بماذا؟
نزعت عينيها عنها ونظرت إليه وهي ترفع سبابتها لأعلى أيضًا لتجيبه بنظرة لامعة أشرق بها قلبه بلا تمهل:
_بالاعتزاز، أشعر بالاعتزاز كَوني الآن زوجة هذا السَقَّا.
ازدرد لعابه وهو لا يحيد بعينيه عنها بتعبير مُبهم أخفى انفعالات لو أطلق لها الحرية لأورثها ذهولًا غير نهائي، لكن ابتسامتها تسلل إليها بعض التعجب حينما لاحظت تلك المرأة بنظراتها الصارمة، تبدو بعقدها الخامس، وتجلس على مقعد خشبي أمام المحل المجاور على بُعد نصف متر على الأكثر ، فسألته بخفوت وهي تشير تجاهها بعينيها:
_من تكون؟
نظر ناهل حيث أشارت، ثم عاد على الفور يقول لها في لا مبالاة:
_لا تشغلي بالكِ بها!
وكأنه بنهيِه قد قدم لها معلومة ثمينة أو إجابة شافيه، المسكين بعدما عركته اختبارات الحياة طويلًا سيبقى تلميذًا فاشلًا في مادة النساء يصل ليله بنهاره محاولًا الإلمام بمبادئ فهمها.. ولن ينجح!
رَفَعت ذقنها في إباء ثم حدَّقت بعينيه بتصميم وقالت بلهجة لا يفقد المُستمع _ولو كان طفلًا_ التحذير بها:
_أخبرني يا ناهل! من تكون تلك المرأة؟ ما علاقتك بها؟ ولماذا تنظر لي هكذا؟
لم ينتبه هو إلى الشك الذي شاب نظراتها وأسئلتها، فأجابها ببساطة:
_إنها أم إيهاب، بَصَّاصة الحي.
_لم أفهم!
تعليقها الدَهِش جعله يزفر بيأس قبل أن يقول مُوضحًا وهو يبتسم لِوافد آخر:
_إنها صاحبة محل الخضروات المُجاور لنا، كما أنها تسكن معنا بالبيت بالطابق الأعلى، وهي أيضًا أكثر من يهتم بشؤون سكان الحي، لكن رغمًا عن أنوفهم!
اختلست إيلاف نظرة إلى المرأة لتجدها تكيل مشتروات أحد الزبائن، لكنها في الوقت ذاته لا تتوقف عن متابعة ما يدور لدى جيرانها بنظرات مُتفحصة أكثر مما يجب!
_لا تأبهي بها! وعندما تحاول استفزازكِ تجاهليها وحسب!
انتزعها من مراقبتها بعبارته فهزت كتفيها بلا تعبير ثم قالت في ترفُّع:
_ولماذا ستقوم باستفزازي؟! لا علاقة لي بها!
ضحكة مكتومة أطلقها قبل أن تنقلب ملامحه في لمح البصر إلى الجدية والصرامة لِيقول في تشديد:
_لا يجب أن تكون هناك علاقة بينكما يا إيلاف، هي تمارس الشغب مع الجميع دون تفرقة على سبيل كسر الملل لا غير، وحتمًا سيحين دوركِ، لا تقولي أنني لم أقم بتحذيركِ!
استهجنت نصيحته وكتفت ذراعيها لِتشغل نفسها بتأمل المحل، ثم وصلت نظراتها إلى الخالة إكرام التي تجلس على أحد المقاعد فاتجهت إليها كي تدعه يهتم بضيوفه، لكن ما إن جلست إلى جوارها حتى وجدته أمامها مرة أخرى يُقدم لها كوبًا زجاجيًا تتصاعد منه الأبخرة ذات الرائحة اللذيذة:
_يا الله! حمص الشام، لكم كنت أشتهيه! أشكرك يا ناهل.
توتر قليلًا حالما طالع فرحتها الصادقة ثم قال وكأنه ينفي تهمة لم تُلقِه بها:
_إنه.. لقد جهزته لشخص آخر لكنه رحل، لن أسكبه بالتأكيد، فلتتناوليه أنتِ!
وعندما لاحظ أمارات الدهشة على وجهها والاستنكار على وجه الخالة إكرام أولاهما ظهره ورحل يكاد يجري جريًا وهو يقول بنبرة مرتفعة:
_ها هو قد جاء هارون!
_اعذريه يا بنيتي! لا أعلم متى بات يتحدث كمن لم يتلقوا تربية في حياتهم!
تلاشت دهشتها لتبتسم برقة وتُعلق مازحة:
_لقد اعتدت طباعه منذ كان يُشرف عليّ بالعمل، ولا أتخيله رقيقًا يتحدث بكلام معسول، الفكرة بحد ذاتها تبعث على الضحك.
نظرت لها المرأة بفضول ثم سألتها:
_ألا تنزعجين من أسلوبه؟
هزت إيلاف رأسها نفيًا وبدأت في ارتشاف المشروب الساخن الحار، ثم أجابتها بصدق:
_إطلاقًا، بل أفضل صدقه وإن كان حادًّا على لُطف زيف الآخرين.
ثم تابعت بنبرة تلبسها الحنين:
_كما.. كما أنه بإمكانه أن يكون لطيفًا لو أراد.
_وهو نائم بالطبع!
وتعليق الخالة إكرام الساخر جعلها تضحك باستمتاع، قبل أن تقول فجأة:
_لقد قام بالكذب من أجلي ذات يوم.
رمقتها بتساؤل فتابعت بنظرة شاردة.. مشتاقة:
_كنت أعاني من نزلة برد شديدة وطال نومي حتى وصلت إلى المصنع متأخرة بعد ساعة ونصف، فعَلِمت حينها أنه قام بالتغطية عليّ وأخبر والدي أنه كلفني بمهمة قبل موعد الحضور كي لا يتشاجر معي.
واتسعت ابتسامتها وهي تواصل:
_ثم أمرني أن أعمل بغرفة مكتبه الصغيرة ذلك اليوم حتى لا يزيد تعبي، ولم يطلب مني أن أفعل أي شيء.
وأردفت وهي تتمسك بالكوب أكثر لترفعه قليلًا:
_حتى أنه فاجئني بعد وصولي بساعة بإحضار كوب مثل هذا.
تعلَّقت عينا الخالة إكرام بها واحترمت الصمت الذي سكنت إليه، حتى قطعته هي بينما نظراتها رحلت حيث يقف يتحدث مع شاب لمحته في حفل زفافها:
_أتعلمين؟ كنت.. كنت أشعر أحيانًا أنه يحميني كابنته أو كأخته، لم يكن يسمح لأحد بإزعاجي..
وبترت عبارتها لِ تجعد أنفها قبل أن تتابع بأسى:
_أجبره والدي على تدريبي بالعمل فقط، لكنه امتلك الكثير من الكَرَم بحيث قام بدور الأب نفسه أيضًا كأفضل ما يكون.
عاد الصمت ضيفهما مرة أخرى فتملكها الحرج حين انتبهت إلى استرسالها في الحديث فاختارت تغيير فحواه، لتسألها:
_ما أخبار ابنكِ؟
بالتدريج رحلت الابتسامة عن وجه المرأة، وسريعًا ما انقض الهَم عليه لِتطرق برأسها أرضًا ثم تقول في خفوت:
_ربما يكون بخير.
اعتدلت في مقعدها لتخاطبها مُستفهِمة باهتمام:
_لماذا رحل بالأصل؟
_من أجل الأحلام، والشُهرة، حيث.. الإمكانيات اللا نهائية وتقدير موهبته الذي يسعى للحصول عليه كما اعتاد أن يردد.
والحسرة التي تقاطرت من كلماتها جعلت إيلاف تُلقي سؤالًا آخر أحكم الإشفاق قبضته عليه:
_ألا يتواصل معكما؟
نظرت لها بتردد، ثم قالت بعد وهلة:
_كان، لكن بيومي أمره بألا يفعل ثانية.
وأضافت بخفوت بعد أن حسمت أمرها:
_لكنه لا يزال يتواصل معي سرًا بانتظام.
عقدت إيلاف حاجبيها وهي تقول بنبرة معترضة:
_أنتِ والدته، من حقكِ أن...
وقاطعتها على الفور لتقول مُوضحة:
_لقد أثار غضب والده، إنه يمنعني حتى من ذكر اسمه أمامه.
أطبقت إيلاف شفتيها لتلغي كل عبارة مواساة كانت على وشك التلفظ بها، فقد أدركت بلا شك أن هذه الأم التي تجلس بالقرب منها تتجرع مرارة الاشتياق منذ أمد طويل...
هل هناك مرارة تفوق طعم فراق الولد؟!
وهل وُجِد سلاح أكثر قسوة من جحود الابن؟!
أيًا كان ما أوشكت على قوله لن يُحقق نجاحًا يُذكر، لكن.. لِتحاول تخفيف هذا الألم بتبشيرها ببعض الأمل.
_لن يبقى إلى الأبد غاضبًا، بالتأكيد حينما يعود ابنكِ سيستطيع كسب رضا والده ثانية.
لكن الخالة إكرام لم تلبث إلا أن علَّقت بيأس:
_لن يعود يا إيلاف، لقد تزوج واستقر بالخارج، وأخبرنا صراحًة أنه لن يعود.
ثم أردفت بشرود:
_ربما كان بيومي مُحقًا، لأنني كلما قاربت على اعتياد غيابه يهاتفني بضع دقائق فأعود إلى عذاب اللحظة ذاتها حينما هجرنا منذ سنوات لأبدأ رحلة الاشتياق منذ بدايتها الأليمة وأعيش قسوة الهجر كأنه لتوه رحل.
أنهت عبارتها وهي ترسم ابتسامة باهتة سرعان ما قفزت إليها الألوان مع اقتراب زوجها الذي كان يرمقها بنظرة حملت بعض العتاب قبل أن يُبادرها بنزق:
_أبحث عنكِ منذ وقت طويل يا إكرام.
باستنكار نظرت إليه وهي تهتف:
_وهل افترقنا يا رجل؟! لقد كنت تُثير حنقي منذ دقائق، هل اشتقت إليّ بهذه السرعة؟!
ابتسم الحاج بيومي بحنان ثم وكزها بذراعها قائلًا في عبث لم تنل الشيخوخة منه بعد:
_أنتِ تعلمين أنني أشتاق إليكِ دون الحاجة للفراق كفانا الله إياه!
تظاهرت إيلاف بالاهتمام بمشروبها الذي تسللت البرودة إليه، وبجهد حاولت إخفاء ابتسامة مُلحة فيما وصل إليها بعض من حديثهما!
ها هو يشاكسها، وها هي تتدلل؛
يقوم بمغازلتها، فتوبخه في حياء؛
يضحك ملء فيه فتشاركه الاستمتاع ثم تنخرط معه في حوار حول الافتتاح..
ربما بُليا بابن قاسِ، لكن كل منهما فاز بالآخر..
علاقة سلسة، بسيطة، دون تعقيدات... وما أجملها!
ودون تفكير بحثت عيناها عنه، لتجده في انتظارها، يمعن النظر بها ثم بهما، فيعود إليها مُدققًا، مُتسائلًا، يكاد يكون مؤكدًا على إجابة السؤال الذي هو في طور الميلاد بعقلها..
أتراها تفوز بعلاقة مماثلة يومًا؟
بتحفز خرج من غرفته مُتجهًا إلى غرفة شقيقه بعد أن فشل تمامًا في الحصول على قسط من النوم يُعينه على الذهاب إلى عمله في اليوم التالي.
فمنذ علم بالكارثة التي يقوم بها تخلى عنه كل شعور بالراحة والاستقرار، حتى بعدما حاول تحذير شريكته لا يزال هناك ما يسلبه الاطمئنان..
أوعز شعوره إلى ثقل الفِعلة، لكن صورتها أربكته!
لقد ظن أن من تُقدم على ارتكاب كبيرة ستمتلك قدرًا هائلًا من السفالة والجرأة، لكن من رآها هي كائن يفتقد لأدنى درجة من القوة وأقل مرتبة من الصفاقة!
"هذه هي المرة الأخيرة حيث أسألك بأدب أن تخبرني بحقيقة علاقتك بها."
بهذا التحذير بادر نضال مهند الذي كان يجلس أرضًا في صمت مهزوم، وعلى عكس عادة هذا الأخير المُتمردة لم تظهر عليه الرغبة في بدء شجار معه، فسأله بنبرة ساخرة حاول بها تبديد ألم ذنبه بعينيه الفاضحتين:
_أتريدني أن أقسم على المصحف؟
والسخرية لاقت أضعافها لدى نضال الذي علَّق دون تردد:
_وهل يمس من مثلك المصحف؟!
أطرق برأسه أكثر ثم تمتم في خفوت:
_لا علاقة لي بها، أقسمت لك مرارًا أن لا علاقة لي بها، غفران فتاة طيبة مهذبة تمتلك قدرًا عاليًا من الأخلاق فلا تقحم تلك الصورة القذرة على شخصها!
_أعطني هاتفك إذن!
والأمر الحازم الذي نطق به نضال جعله يرفع رأسه إليه في توجس مُستفهمًا ومحاولًا إبداء بعض الثبات أو إخفاء الكثير من الارتجاف:
_لماذا؟
أمعن نضال النظر به لَمَّا لاحظ شحوب وجهه، فأجاب في إصرار:
_كي أتأكد بنفسي.
هز مهند رأسه رفضًا ببطء ما لبث أن تحول إلى عنف؛
عنف يطوي بين طياته الكثير من الذعر!
وهذا الذعر أثار انتباه نضال كما أثبت شكوكه، فصم أذنيه قليلًا عن صوت الحكم الغاضب بداخله مُطلِقًا العنان لصوت.. الحدس!
وعندما وجد الرفض بنظرة مهند أومأ برأسه ثم استدار مُتظاهرًا بمغادرة الغرفة في بساطة، وقال:
_حسنًا! فلتكن على استعداد بالغد لأننا سنقوم بخطبتها، وستتزوجان فور نهاية العام الدراسي.
_إنها بمثابة شقيقتي!
صاح بها مهند وهو ينتفض واقفًا، حانقًا، هَلِعًا، مُرتعبًا؛
فعاد إليه نضال ينبثق السخط مع الاستنكار من مسام وجهه ليصرخ:
_أويختلي المرء بشقيقته في منزل مهجور بعيدًا عن الأعين؟!
هَمَّ مهند بالرد، والحسم، والاعتراف، لكنه اختبأ خلف خوفه ليخفض رأسه مُتهربًا في تصميم، إلا أنه انتفض بتوتر ما إن اختطف نضال الهاتف من أعلى المنضدة الجانبية، فتحدث بنبرة قطعها الفزع وهو ينقل نظراته بين الهاتف وشقيقه الذي يرتع الجنون بخلجاته كلها:
_ اتركه يا نضال! عَمَّ.. ستبحث به؟
حاول نضال تخمين كلمة السر ففشل مرتين ثم هتف مُجيبًا باستغراق كامل:
_عن دليل براءة أو إثبات إدانة.
_لن أ...
وقبل أن يتم مهند عبارته جذب نضال سبابته ليلصقها بموضع تعرف البصمة بالهاتف، فصاح الأول وهو يحاول التملص منه بلا جدوى:
_ماذا تفعل يا نضال؟! دعني وشـ...
لكن مرة ثانية لم يستطع إتمام اعتراضه الصارخ حينما أنارت شاشة الهاتف في ترحيب!
قفز الذهول مع الذعر مُجددًا على وجه مهند، لكن نضال كان الأسرع تصرفًا فانطلق إلى غرفته موصدًا الباب خلفه فيما دقات قلبه تقرع في صدره!
مُتجاهلًا الدقات المُتسارعة على الباب لشقيقه الذي لحق به، ومتوترًا مما سيجد على الهاتف جلس على حافة الفراش يُحدق بشاشته في خوف لا يدري علام سيعثر..
هل.. سيقرأ رسائل مُشينة بينه وبينها؟
أم.. هل سيتطلع إلى صور فاضحة تتعدى حرمة أخرى حتى وإن كانت آثِمة؟
كل احتمال يلوذ به عقله كي يُخفف من وقع اكتشاف قادم يُقاتل آخر في منافسة ليست شريفة على أي الصدمات أكثر انحطاطًا، وبكل الحالات الصريع.. هو!
تغلب على خوفه وارتأى أن ينهي بحثه سريعًا قبل أن تعود والدته من زيارتها لجارتهم المريضة لتجد ابنها الأكبر يغلق باب غرفته بعد أن استولى على هاتف شقيقه بينما ابنها الأصغر يجلس أرضًا بالخارج في استسلام بعد أن فقد الأمل في الحفاظ على أسراره الشائنة!
إلى تطبيق المحادثات النصية ولج في انفعال، طفقت عيناه تجري سريعًا على أسماء الأشخاص الذين راسلهم مؤخرًا..
"غُفران يا غُفران!.. من أين ظهرتِ لي؟!"
يهمس باسم كره صاحبته قبل أن يعرف هويتها، ومَقَته إلى الجحيم بعدما فعل!
"غُفران يا غُفران!.. متى شاركتِ بِهدم كل ما بنيته؟!"
يتمتم في حقد وهو يتمنى لو أجبرها بأية وسيلة على إجابة أسئلته!
"غُفران يا غُفران!.. لماذا تلاحقني نظراتكِ بالذنب؟!"
يغمغم وعيناه تترقرق بدموع خيبة، وحسرة، وفشل!
تعددت الأسماء، أصدقاء، زملاء، أرقام غير مسجلة لمُروجي أجهزة ذكية..
لا غفران؛
ولا إجابة لأسئلته!
لكن..
اسم وحيد جذب انتباهه، فما إن تخطاه بإهمال حتى عاد سريعًا إليه، تردد لِثوان ثم ضغط عليه ليتصفح المحادثة مُستعيدًا ارتباكها حينما رآها، هامسًا بأقصى درجات التحفز..:
"تُرى ماذا بينكِ وبينه أيضًا؟"
**********
دلفت إلى الشقة عابسة وأضاءت مصباح صالة الاستقبال المتواضعة بينما هو يخلفها كاتمًا ضحكاته في صعوبة لكنه لم يفلح في إخفائها عنها فاستدارت تهتف بِحدة:
_توقف عن الضحك!
رَفَع كفيه أمام وجهه مُدافعًا:
_لم أضحك.
جزت على أسنانها في غيظ ناطقة في نزق:
_بلا صوت تضحك.
فانطلقت قهقهاته دون مراعاة لحنقها المُتزايد حتى علَّق أخيرًا:
_إن رأيتِ ملامح وجهكِ حينما اصطدمتِ بها واستدرتِ لتفاجئكِ بنظراتها المُرعِبة لضحكتِ أيضًا!
كتفت ساعديها لتتمتم في حرج:
_ها أنت قلتها! لقد فوجئت بها لا أكثر، لكنني بالطبع لست جبانة.
ثم ترددت قليلًا وهي تسأله في توجس:
_هل.. هل هي معتادة على البقاء بالمحل طويلًا؟
_المحل بالنسبة لها ما هو إلا واجهة لتقصي أخبار الناس يا إيلاف، لِذا ما عليكِ إلا أن تعتادي وجودها كجار ة عزيزة، لأنها لن ترحل.
ورغم تسليته الواضحة فقد نطق عبارته الأخيرة والإرهاق ينضح من كل خجلاته غزيرًا، نظرت إليه في إشفاق فيما ارتمى هو على أقرب مقعد يمد ساقيه ويغمض عينيه في تعب.
_ ربما أنت على حق فيما يخصها، لقد لاحظت أنها لا تستسيغني بالفعل، لكن بغض النظر عنها فقد كان الافتتاح رائعًا يا ناهل، وفقك الله!
قالتها بصوت ظهرت به الفرحة واضحة، فأومأ برأسه يشكرها مُبتسمًا في صمت، ثم عَلَّق في بساطة:
_هي لا تستسيغ أحدًا على الإطلاق يا إيلاف، لا تعتبري الأمر شخصيًا!
ابتسمت في مرح ثم تطلعت إليه لتجده قد أغمض عينيه ثانية، تنحنحت ثم قالت بهدوء وهي تستدير إلى الغرفة:
_إذن.. سأخلد إلى النوم، وأنت أيضًا يجب أن تحصل على قدر من الراحة، ستستيقظ مبكرًا.
_إيلاف!
التفتت إليه مع ندائه فوقف يسألها في اهتمام:
_هل ستترك لين يزن لدينا حقًا بأول الأسبوع القادم؟
و"لدينا" هذه جعلت السعادة تنبثق من عينيها مع الحماس الطاغي رغم أنها لا تفهم السبب الحقيقي، فأجابته بحبور:
_نعم، ستبدأ بالعمل فور انقضاء عدتها، ولقد هاتفتني اليوم لتتأكد من تفرغي.
ابتسم بالمثل ليقول بنبرته المُشجعة التي لطالما تحدث بها وهو يُسدي إليها النصائح:
_استمتعا إذن! أنتما بحاجة ماسَّة للتقارب ولقد تأخرتما في اتخاذ الخطوة كثيرًا.
اغتمت ملامحها قليلًا وأومأت برأسها متمتمة:
_أعلم.
فانتشلها هو بسرعة قبل أن يفقد تركيزها ليقول:
_ربما لو جاءت غفران أيضًا لكانت البهجة مضاعفة، تحدثي إليها واطلبي حضورها! أنا لن آتي إلا آخر الليل.
تأملته بتفكر ثم بان اقتناعها تدريجيًا على صفحة وجهها، فعقبت في موافقة:
_سأفعل.
سكتت تنظر إليه لتلقي عليه تحية نوم ثم تنفرد بنفسها، لكن..
لماذا يحك لحيته الآن؟!
_أترغب بقول شيء؟
سألته بفضول فأجاب دونما انتظار:
_لا، بل.. نعم!
ثم اقترب منها ليتابع في جفاء وكأنه يُساق إلى المقصلة:
_لقد.. لقد عنى لي حضوركِ وبقائكِ معي اليوم الكثير، لذا وددت أن أشكركِ.
أخفت ابتسامتها الدَهِشَة حتى لا تُثير حنقه أو إحراجه، لكنه مَن استطرد مُتسائلًا بنبرة بدا بها بعض من إلحاح:
_أترغبين أنتِ بقول شيء؟
أيسألها؟!
ألا يعلم بأنها تتمنى التخلص من عبء يفرد جناحين سوداوين على بصيرة قلبها مانعًا إياها من استطلاع الأمارات التي يُشير الجميع إليها، لكنها تتراجع، تجبن، وتجنح إلى الملاذ المُتمثل في يأس قناعاتها؟!
_نعم، هناك سؤالًا سوف ألقيه عليك وأتمنى أن تجبني بصدق، أعدك ألا أغضب مهما كانت الإجابة.
حدَّق بها بوجوم وهو يصغي سمعه لها..
ها هي ستكرر سؤالها الذي لن يستطيع إجابتها عليه الآن..
"لماذا تزوجتني؟"
أو..
"ماذا كان الثمن؟"
أو..
كتم تخمينات يتفوه بها صوت عقله ليتسلل صوتها هي إليه، بثبات، بِخزي، وبـ.. اختبار:
_هل صدقت ما أشاعه عني هاني؟ أعني أنني كنت بالفعل على علاقة كاملة به قبل إتمام الزواج؟
وما إن أنهت سؤالها ورأت تعبيره حتى أدركت أنها قد ارتكبت خطأ.. قاسيًا!
**********
بعد أسبوع:
بحماس صعدت الدرجات المؤدية إلى شقة أختها بينما قلبها يتواثب في صدرها، غير عابئة بيزن الذي تحمله ولا بحقيبة أغراضه المعلقة على كتفها.
"ستقضي اليوم مع خالتك يا حبيبي، أنت متحمس بشدة مثل ماما، أليس كذلك؟!"
همست له أمام الباب فتعالت ضحكاته مع أنه لا يفقه شيئًا مما تقول، ثم ضغطت الجرس والتزمت الصمت حتى فُتح الباب وطالعها وجه إيلاف..
ربما ليستا شقيقتين؛
وأيضًا ليستا متشابهتين؛
لكن الترقب والشوق بوجدان كل منهما حتمًا كانا متطابقين!
_اشتقت إليك يا حبيب خالتك.
قالتها وهي تمد ذراعيها للصغير الذي لم يتردد وهو يلقي نفسه بينهما، وبهذه اللحظة فقط صدقت لين أن أختها لم تكن تكرهها كما ظنت طوال سنوات!
_لقد جهزت إفطارًا بسيطًا، هيا لنتناوله سويًا!
هتفت بترحيب بعدما قبلت يزن الذي أخذ يتلفظ بما لا معنى له، فتبعتها لين وأغلقت الباب متسائلة بحياء:
_هل رحل ناهل؟
رمقتها إيلاف في صمت وسافر لسانها مع ذهنها في رحلة تعود إلى يوم الافتتاح، إلى حيث سؤال أرادت بكل كيانها معرفة إجابته فلاقت الصدمة، والخرس، والغضب، ثم الانزواء وحده دون رد منذ ذلك الحين وحتى هذه اللحظة!
فالنظرة التي صفعها بها كانت بليغة إلى درجة لم يشأ بأن يُقل من شأنها عن طريق رفقة كلمات لن تفي المعنى..
معنى يتمثل في أنها قد محت التقدم الذي وصلا إليه وكأنه قد خُطَّ على صفحة مياه لم تعد راكدة!
_إيلاف!
انتبهت على تحسس يزن وجهها مع نداء أختها باسمها فنظرت لها في استفهام لتُكرر لين بقلق:
_سألتكِ: هل رحل ناهل؟
ابتسمت في حرج ثم أومأت برأسها تِباعًا وهي تشير إلى المائدة:
_نعم، لقد رحل منذ وقت طويل، هيا اجلسي!
مشطت لين الصحون بعينيها في نهم، لكنها مطت شفتيها بأسف وقالت:
_سلمت يداك يا إيلاف، لكن لقد تأخرت على العمل بالفعل ولن يُمرر ياسر الأمر.
_وفقكِ الله!
علقت بها إيلاف مُحاوِلَة إخفاء خيبة أملها، فيما اتجهت لين إلى الباب مرة أخرى، لكن قبل أن تفتحه توقفت واستدارت لها مُفتعِلة المرح:
_أتعلمين؟! لقد تأخرت كثيرًا بالفعل ولم يعد لذهابي الآن معنى، ربما من الأفضل لو أرجأت الالتزام للغد.
أشرقت نظرة إيلاف وهي ترى لين تقوم بتعليق حقيبة يدها على ظهر المقعد ثم تجلس بحماس فعقبت بلا تصديق:
_حقًا؟!
اختطفت لين رغيفًا من الخبز مع قطعة من الجبن هاتفة في سعادة لم تكن مُفتعلة على الإطلاق:
_لقد جهزتِ الإفطار وأنا بالفعل أتضور جوعًا، سأستخدم نفوذي وأمنح نفسي إجازة باليوم الأول.
لم تستطع إيلاف التحكم في بسمتها المتسعة، فوضعت يزن أرضًا على أحد المفارش إلى جوار الألعاب التي جهزتها من أجله ثم جلست على المقعد المقابل لأختها؛
كلتاهما تضحكان دون أسباب أثناء تناولهما اللقيمات؛
كلتاهما تتسابق ضربات قلبيهما في أيهما أسرع؛
وكلتاهما تترقرق أعينهما بدمعات اشتياق، وفرح، واستقبالًا لآصرة بدأت تفرض وجودها رغم التجاهل الطويل!
**********
مُتأنقًا مُتحمسًا جلس في صالة الاستقبال التي ينُم أثاثها عن ذوق رفيع وبسيط بالوقت ذاته، تختلس عيناه النظر إلى الدرجات القريبة كلما شعر بحركة وهو يُمني نفسه بلمحة تُهدئ من نيران أشواقه المُلتهبة لتصفعمها الخيبة حينما تقابلان العاملة التي استقبلته.
عدَّل من ياقة قميصه للمرة التي لم يحسبها، فك أزرار سترة بذلته الفخمة، تأكد من لمعة حذائه رغم وضوحها دون الحاجة، تنحنح في خشونة، سعل مداراًة للارتباك، ثم طقطق أصابعه على غير عادته ولم يشعر بألم!
هل طال انتظاره جدها؟
هل يتعمد ذلك الرجل التأخر تحت باب التدلل؟
ولماذا رفض مقابلته حينما طلب منذ أسبوعين وتعلل بعدم تفرغه رغم علمه بأنه نادرًا ما يبرح منزله؟
أم أنه هو من يحترق كلما هَمَّ عقرب الثواني بساعته في التحرك؟!
"أهلًا بك يا سيد أسامة!"
صدح الصوت الصارم من منتصف الدرجات فهب واقفًا ليلاقي الرجل بابتسامة لم يستقبله بمثيلتها، لكنه مشى إليه حتى جلس على المقعد المقابل مُحدقًا به في إمعان كان كفيلًا بإهدائه الكثير من التوجس والحذر!
_أهلًا بك يا حاج فؤاد!
قالها بابتسامة مهتزة ثم عاد ليجلس قبالته، ليُبادره في لهجة أكسبها كل ما استطاع من ثقة:
_أنا أسامة اليماني، أمتلك _مع ابن عمي_ مجموعة ضخمة للأجهزة الكهربائية ورثناها عن والدي وعمي _رحمهما الله_ ببلد عربي وأسسنا فرعًا لها هنا منذ ثلاثة أعوام، لكن غالبية الوقت لا أكون بمصر ، هناك لديّ فيللا ، وهنا لديّ شقـ...
رفع الحاج فؤاد كفه أمامه ليقاطعه، ثم تحدث في صلف:
_ألك أن تتحدث مباشرة يا سيد أسامة في السبب الذي جئت من أجله؟! لن أخفيك سرًا فما إن ألححت في لقائي حتى طلبت من حفيدي أن يستعلم عنك، لذا فكل ما تقوله الآن أنا على دراية تامة به.
وجمت ملامح أسامة شاعرًا بالجرح يتمكن منه بينما الرجل يتطلع إليه في جمود وهو يكاد يوضح له صراحًة أنه لا يطيقه!
وكم بدا في هذه اللحظة شبيهًا بحفيدته حينما واجهها بالمرة الأخيرة مُعبرًا عن مشاعره ومُؤكدًا على وعده!
وعد كان ينتظر حتى اليوم بفارغ الصبر كي يفي به رغم أنها جاهرت بالرفض!
جذب شهيقًا عميقًا ملأ به صدره ثم قال بجدية:
_لقد جئت طلبًا لمصاهرتك يا حاج فؤاد.
وأردف مُشددًا:
_ أنا أرغب بالزواج من حفيدتك لين.