📁 آخر الروايات

رواية علي ضفة قلبك ظمآن الفصل الحادي عشر 11 بقلم سعاد محمد

رواية علي ضفة قلبك ظمآن الفصل الحادي عشر 11 بقلم سعاد محمد


الفصل الحادي عشر
(إعصار)
توقفت عن النشيج المتواصل من الأمس لدى سماع صوت شقيقتها تنادي باسمها من خلف باب الغرفة بعد أن ظنت أن الطارق هو والدتها أو عمتها فاختارت التظاهر بالنوم.
لكن مع تكرار نداء إيلاف للمرة الثانية انتفضت من فراشها الذي صار كمقبرة تواري بها ذعرها منذ عادت سالمة من اللقاء غير المكتمل بمُهددها، ودون اهتمام بغسل وجهها أو إخفاء معالم بكائها فتحت الباب بقوة لتلقي بنفسها بين ذراعيها دون تنبيه!
متى كانت المرة الأخيرة حين استشعرت إيلاف حنان الأخوة؟
لا تدري..
متى سمحت غفران لنفسها بشكوى نحيبية شائعة بين أي أختين لأكثر الأسباب تفاهة؟
لا تدري!
"ماذا بكِ؟ غفران أخبريني ماذا بكِ!"
بهلع هتفت فما كانت إجابة غفران إلا أن ضمت نفسها إليها أكثر وتعالى صوت شهقاتها الباكية أثقل ألمًا وأشد عذابًا.
بتمهل دلفت إيلاف إلى الغرفة وأغلقت الباب دون أن تتخلى عن شقيقتها التي بدت وكأنها تود إفراغ كل حزنها المكبوت على صدرها، سحبتها إلى الفراش فجلست وأجلستها إلى جوارها.
ترددت لثانيتين ثم حسمت أمرها ورفعت ذراعيها لتقربها إليها أكثر، فكانت فعلتها بها من السحر ما جعل غفران تهدأ بالتدريج حتى سكنت تمامًا، وبرغم ذلك لم تتزحزح عن موضعها.
"أفضل الآن؟"
سألتها بهدوء بعد دقائق فابتعدت غفران على استحياء حين انتبهت إلى تشبثها الشديد بها ثم أومات برأسها إيجابًا.
_لماذا تبكين؟ هل قام أحدهم بإزعاجكِ في العمل؟
رمقتها غفران في صمت وهي تحاول الاهتداء إلى إجابة مناسبة، فحتمًا لن تستطيع الاعتراف بإثمها الصغير الذي حوله سوء حظها بالتعاون مع غبائها إلى كارثة حقيقية وعامل لا يمكن إغفاله في فضح هذه العائلة!
_لا شيء، أشعر بالملل قليلًا.
مالت إيلاف برأسها والاستهجان يفضح نظراتها ثم سألتها:
_وهل كل من يشعرون بالملل يبكون بهذا التفاني يا غفران؟
أخفضت رأسها أرضًا تستسلم لإنهاك كاسح يمنعها عن إيجاد حجة أكثر إقناعًا، لتمد إيلاف يدها فترفع ذقنها وتسألها في عتاب:
_ألا تظنين أنني قد أكون محل ثقتكِ؟
بابتسامة مترقرقة بدمعات سرور في غير وقته أجابتها غفران دون تردد:
_بل أنتِ أفضل من تصلحين كي تكوني محلًا للثقة يا إيلاف.
وبالمثل ابتسمت إيلاف، انتقل لها السرور وكأنه عدوى لا تجنُب منها، فضحكت بخفة بلا سبب، لتواصل غفران بحرج:
_لكنني بخير، أعني.. أنني صرت بخير بعدما رأيتكِ.
حملقت بها إيلاف في دهشة، هذا إنجاز أكبر مما توقعت عندما جاءت إلى هذه الغرفة!
لقد استعدت للجفاء، أو الصد، لكن هذا التسامح الذي يمتزج بشيء آخر لم تدرِ كنهه بعد لم تتأمل أن تلتقي به في أحلامها!
وهكذا استمدت منها بعض الشجاعة لتقول في توجس:
_تعلمين أن.. أنتِ تستطيعين زيارتي ببيت ناهل متى شئتِ.
_تعنين بيتكِ!
علَّقت غفران بتعجب فانتبهت إيلاف إلى ما قالت دون تركيز فوضعتها أمام الحقيقة التي لا تزيين لها..
هو بيته، بيت ربما انتقلت هي إليه بأمر من جدها!
_لم أشعر أنه بيتي بعد.
قالتها في خذلان، وفي انكسار، رفعت غفران يدها على كفها بقوة.. فاجتاحتها الذكرى البعيدة بعنف!
في المرحلة الإعدادية كانت عائدة لتوها من المدرسة فسقطت على أرض الحديقة؛
نهرها والدها، زجرتها والدتها وهي تعود إلى الداخل لتجلب صندوق الإسعافات؛
لكن غفران سارعت بسكب المياه من زجاجتها على كفها المجروحة وهي تساعدها على الوقوف سريعًا، ثم حملت عنها حقيبتها الثقيلة وولجتا إلى البيت، فاصطدمت حينها غفران بلين التي كانت تحمل بعض القطن مع زجاجة مُطهر لكنها تجاهلتها وهي تسحب شقيقتها إلى غرفتها!
عقدت إيلاف حاجبيها في دهشة لتستعرض الذكرى من جانب آخر تمامًا..
جانب أكثر وضوحًا وأكثر إثارة للندم!
_ستشعرين، ستشعرين أنه بيتكِ حتى تخنقكِ الغربة بأي مكان آخر سواه، ربما أنتِ أقربنا إلى مساركِ الصحيح رغم تيهكِ السابق!
نظرت لغفران بلا فهم ثم بالتدريج أدركت أنها ترد على عبارتها الأخيرة، وتلبسها الحنق لتهتف بغيظ:
_لماذا تتحدثون جميعكم بالألغاز؟!
ورغم حالتها المُثيرة للشفقة فقد هزت غفران كتفيها وهي ترد في تمهل:
_ليست ألغازًا، لكن أحيانًا يكون حل المسألة في غاية البساطة لدرجة أننا نستبعده دون منحه أقل فرصة للتفكير!
شردت إيلاف عن تعمد في الذكرى ذاتها، تحاول عصر ذهنها عصرًا كي تحصل على تتمة، والآن فقط _بعد سنوات_ انطلق السؤال..:
لماذا كانت لين تحمل القطن والمطهر؟
ثم تبعه آخر..:
لماذا اعتلت عينيها تلك النظرة المُتحسرة وهي تمر بصحبة شقيقتها إلى جوارها؟
حسرة؟!
وتذكرت حديثها الأخير الذي تبادلته معها قبل زواجها، وفسرت الأمور نفسها بسهولة!
هبَّت واقفة فنظرت لها غفران بتساؤل حمل رجاءً صارخًا بألا ترحل، لكنها مسحت على شعرها بكفها ثم قالت:
_سأنتظر زيارتكِ، ربما استطعنا الثرثرة معًا عن أي شيء تريدينه.
ابتسمت لها غفران وهي تمنع نفسها من توسلها أن تبقى قليلًا بعد، بينما راحت عينا إيلاف تمشط الغرفة بتدقيق حتى وصلت إلى الخزانة فثبتت عينيها عليها في بحث عن ثوب برَّاق رأته سابقًا، لكنها لم تجد ما يُثير الارتياب، بل وجدت ما أثار الاستغراب!
_ماذا تفعلين بعصا المكنسة بجوار فراشكِ؟!
سألتها بدهشة وهي تشير إلى عصا مكنسة قديمة بعض الشيء ومكسورة، فسارعت غفران بإجابتها وهي تبتسم:
_كنت أبحث عن شيء ما تحت الفراش.
ابتسمت لها إيلاف وهي تومئ برأسها ثم عانقتها في حنو لتفاجئها غفران بنثر قبلات رقيقة متتابعة على وجنتيها ؛
وبعد قليل ابتعدت إيلاف على غير رغبة حقيقية منها لتشبك كفها بكف شقيقتها، في ظاهر الأمر مواساة أو تحية مغادرة؛
وفي باطنه وعد بمحاولة إصلاح ما تمزق بينهما من روابط دون فِعل فاعل!
**********

جلست أمام عمرو الذي اعتمد ابتسامة مهذبة أثناء استكماله حوارًا وديًا مع عمها بدأ قبل وصولها، ثم صمت الأول في انتظار أن ينصرف عمها حتى يتكلم معها بحرية.
رمقها عمها مُتسائلًا بلا كلمات، فهزت رأسها رفضًا بلا نطق!
_إذن يا سيد عمرو ها قد وصلت سلام، باستطاعتك التحدث فيما جئت من أجله.
بهدوء نطق الأستاذ ضياء فنظر له عمرو بتوتر قلما يعتريه ليجده واضعًا ابتسامة أيقن أنها مُفتعلة، ثم انتقلت عيناه إلى سلام ليُطالع الابتسامة ذاتها!
لكنها تبددت تدريجيًا وهي تقول بهدوء:
_يُجدر بك أن تبدأ يا سيد عمرو، لأنني _في حال أنك لم تلاحظ_ قد عدت لتوي من الخارج، وأرغب بالخلود إلى بعض الراحة...
_سلام!
ونبرة عمها المُوبخة جعلتها تبتلع بقية عبارتها مُضطرة، فتنفست بعمق والتزمت الصمت حتى قال عمرو في جدية:
_لقد أتيت بشأن العمل.
وطبعها الساخر سرعان ما تحكم بها فَعَلَّقَت مصطنعة الدهشة:
_هل ضللت طريقك إلى المصنع؟!
بتعبير مُصمت نظر لها فوجدها ترمقه ببراءة غير حقيقية..
لو كان شخص آخر بدلًا منها لرد عليه بما يستحق عقابًا على التهكم المُبطن منه، لكنه.. عمرو!
عمرو ثابت الأعصاب، يصغي السمع أكثر مما يتكلم، يمنح ذهنه كل وقته للتفكير قبل أن يعبر عما يريد!
_ما أرغب بالنقاش حوله معكِ يجب أن يكون بمنأى عن المصنع.
قالها بصرامة تواري خلفها إرهابًا لا يرغب بأن ينفلت منه قبل أن يضمن تحقيق ما أتى لأجله، ثم أضاف حينما طالع اهتمامًا حقيقيًّا بعينيها:
_بعيدًا عن جدي وجواسيسه.
_ماذا تعني؟
سألته باقتضاب بعد أن استطاع جذب انتباهها، فأجابها في هدوء:
_أعني أنني علمت أنكم قد أحرزتم تقدمًا لا بأس به في فحص الوثائق خلال يومين فقط فجئت كي أعرض مساعدتي، لكن يجب أن تخبريني أولًا بالنتائج التي توصلتم إليها حتى الآن.
حدَّقت به مليًّا ثم ندت عنها بسمة استهزاء طغى على صوتها وهي تُعقب:
_أتريد القول أنك ستضع يدك بيد القانون ضد عائلتك؟
_بالطبع!
أجابها حازمًا ثم أضاف مُتمهلًا:
_كما أنني أمنحكِ الضوء الأخضر لاستخدام أية وسيلة من شأنها أن تعاقب المتهربين حتى إن لم تستطيعوا إثباتها رسميًا.
كان يلقي باهتمامه كله عليها مُتجاهلًا نظرات عمها المُمعنة، فسألته هي في فضول:
_مثل؟!
تراجع في مقعده لينظر لها في تدقيق ثم قال ببساطة:
_تعلمين أن وسائل التواصل الاجتماعي بات تأثيرها فَعَّالًا.
التفتت إلى عمها تتبادل معه نظرات لا يفهمها ذلك الرابض أمامهما، لتدرك على الفور أن تفكيرهما متحد، فعادت إلى عمرو تُخاطبه بابتسامة ماكرة:
_هلا وضحت قصدك يا سيد عمرو؟! لأن عقلي جنح بعيدًا بهذه اللحظة ففسر عرضك بأنه يمكنني إخفاء بعض الوثائق حتى تطول مدة الفحص بالمصنع بصرف النظر عن الحقائق المُسجلة، وعلى سبيل المثال خلال هذه الأثناء بإمكاني أن أقوم بتسريب أخبار البلاغ على وسائل التواصل!
ابتسم في بطء ثم قال وعيناه تتطلع إليها بإعجاب:
_لم يجنح عقلك بعيدًا يا آنسة سلام، هذا ما عنيت تمامًا.
زمت شفتيها وشردت عنه وهي تردد:
_حينها إن ثبتت النتيجة ببراءة المصنع من التهرب سيكون الخوف قد نال من صاحبه قبل أن تظهر بالفعل.
تزايد الإعجاب بعينيه ليطول كلماته وهو يُعلِّق:
_لستِ كما يقول عنكِ زملائكِ إذن يا آنسة سلام!
احتدت عيناها على الفور واعية لقصده، فنظرات زملائها المُتعنتة وتعليقاتهم المُحبطة لا تحتاج للكثير من التخمين لفهم المكانة التي يضعونها بها..
الموظفة الجديدة الأقل خبرة بينهم بالتأكيد حمقاء ولا تستحق أداء عمل حقيقي!
وبالوقت نفسه كانت عيناه تمسح صالة الاستقبال ذات الأثاث المتواضع التي يجلس فيها، فعندما علم أن رب البيت ليس إلا معلم بسيط يتولى مسؤلية ثلاث فتيات أيقن أن طريقه مُمهد تمامًا!
عبأت سلام صدرها بنفس عميق وافتعلت اهتمامًا قويًّا لتسأله:
_وماذا سأتلقى نظير هذا الجهد؟
_ما تطلبين!
وإجابته الحاسمة أجبرتها على العودة إلى سخريتها الصريحة فرفعت أحد حاجبيها مُستفهمة:
_وما السبب؟ ألهذه الدرجة تمتلك ضميرًا يقظًا؟ ألا تنام الليل بينما تفكر في كم السرقات التي يُدبرها جدك وحفيده بالمصنع؟
ظهر الارتباك على ملامحه فيما بدا أنها فاجأته، ففضل معرفة مدى معلوماتها قبل أن ينجرف..
_لم.. أفهم ما تقصدين.
ابتسمت لمَّا تطلعت إلى اهتزاز تماسكه المستفز، فعلَّقت في مكر:
_بل تفهم جيدًا يا سيد عمرو، لِذا أرجو أن يرتاح ضميرك تمامًا، فاللجنة إن وجدت ما يُثبت تهربكم من الضرائب ستتخذ الإجراءات اللازمة، وإن تأكدت أن حساباتكم لا غبار عليها ستنسحب بلا إثارة زوبعة!
اضطر للصمت، أو ربما أخرسته، واستغلت ربحها على ثقته المُقيته فتابعت وهي تُشير إلى الخارج:
_ولِهذا لا أعتقد أنك قد تقدم شيئًا مفيدًا، وفر جهودك لِما يستحق!
وقف ببطء مُدركًا _بلا تصديق_ فشل هدفه، ونقل نظراته بينها وبين عمها الذي اكتفى بدور المُراقب تاركًا لها الحرية التامَّة، ثم بلا تعقيب اتجه إلى الباب فأوقفه صوتها:
_سيد عمرو!
التفت إليها مانعًا نفسه من رغبة قوية في صفعها، فواجهته تحمل عُلبته وتقول في سخرية:
_لا تنس عُلبتك! نحن نتبع نظامًا صحيًا في الطعام ولا نحبذ تناول السكريات ببيتنا!
بعنف غَلبه اختطفها منها، وباندفاع خرج من الشقة لتزفر هي نفسًا طويلًا فيما ارتخت ملامحها عندما ربت عليها عمها قائلًا بفخر:
_نِعم ما فعلتِ يا بنيتي، لم أطمئن له منذ تطلعت إليه.
مالت على كتفه تلقائيًّا وهي تتنهد ثم علَّقت في امتعاض:
_لولا سماعي اليوم لبعض ثرثرات العاملات في المصنع عن الخلاف الدائر في الخفاء بين الرجل وحفيديه لِمَا صدقت بوجود شخص عاق بهذه الصورة! ولم أفهم بعد كيف يكون المرء مستعدًا لأذية أقرب الأقربين بهذه البساطة!
رفع كفيه معبرًا عن عدم استيعابه بالمثل، ثم باهتمام سألها:
_وإلام وصلتم بشأن التهرب الضريبي؟
نظرت له مليًّا في شرود، ثم هزت كتفيها باستسلام لتقول:
_إلى الآن لا يبدو أن هناك تهربًّا في الأساس، كما أنني التقيت ببعض الموظفين الذين يظنون أنني قد أؤثر في قرار اللجنة فتطوعوا بالقسم أن صاحب المصنع رجل يخشى الله ولا يقبل بالحرام، بضعة أيام على الأكثر وربما يُثبَت أنه مجرد بلاغ كيدي، والآن لا أستبعد أن ذلك الوغد هو من قدَّمه كما سمعت أيضًا ولهذا جاء كي يستمد مني المعلومات ليُكرر غدره بجده.
أومأ عمها برأسه، ثم عقَّب بأسف:
_لا حول ولا قوة إلا بالله! عسى الله أن يظهر الحق.
أمنت على دعوته ثم كزت على أسنانها وهي تزفر في قوة، لتعلق بعدها في غيظ:
_ما يُثير أعصابي أنه إن تم إعلان كذب البلاغ بمجرد انتهاء الفحص هناك وغدًا آخر سيشمت بي أنا تحديدًا!
**********

تلكأت خطواتها بعد أن خرجت من غرفة غفران، تقدم قدمًا وتؤخر الأخرى، تتحلى ببعض من الشجاعة ثم ينقض عليها الجبن بلا استئذان فتوقفت مكانها.
على بُعد متر واحد أو أكثر قليلًا هي من باب آخر لطالما كان مُغلقًا أمامها.
وجدت نفسها تتوقف لترتحل عيناها على الأبواب الثلاثة وكأنها تلقي أسئلتها على صاحباتها..
الأبواب أيقونة الخصوصية والحرية؛
لكن أبوابهن تُمَثِّل كل رموز الانفصال، الهَرب، والتفكك!
لماذا رفضت كلتاهما اقتراح عمتهن ذات يوم بأن تُهدَم الجدران الفاصلة؟
ولماذا رفضتا أن تُختزل الأبواب الثلاثة في باب واحد يختبئن خلفه للحصول على الحب، الدفء، والدعم غير المشروط واللا مُتناهي؟
وبُتِرت أفكارها وهي تلاحظ انفتاح أولها ببطء أو.. بحذر!
"كيف حالكِ يا إيلاف؟"
قالتها لين بنبرتها المهذبة الخَجِلَة الدائمة، والتي صارت هي تفهم سببها منذ أن عبرت عن اكتفائها بدور الضيفة.
_هل اشتقتِ إلى غرفتكِ بهذه السرعة؟
سألتها رغبًة في إطالة الحديث قبل أن ترحل، فأومأت إيلاف برأسها إيجابًا ثم قالت بلا تفكير:
_لماذا لم تأتِي لزيارتي مع أمي وعمتي؟
سؤالها اللائم بعض الشيء أورث لين دهشة صريحة، فقالت بلا تصديق:
_لقد.. هل أردتِني أن أقوم بزيارتِكِ؟!
مع مرأى الدهشة جليَّة بنظراتها ردَّت إيلاف ببساطة:
_بالطبع أردتِ أن تقومي بزيارتي.
خيم الصمت عليهما فيما لم يبد على إحداهما الضجر، إلا أن لين مَن تحدثت في ابتسامة مهتزة:
_لم أكن أظن ذلك.. لكن سأفعل، ستنقضي عدتي بعد أيام وبإمكاني الخروج قليلًا و..
_هل ستعودين إلى العمل بالمصنع؟
قاطعتها إيلاف لا رغبة بالمعرفة، بل بإظهار اهتمام تمنت الحصول عليه يومًا، والآن تدرك أنها ربما لم تكن الوحيدة التي فعلت!
ربما حصلت لين على الكثير منه، لكنه يظل اهتمام بالإجبار، عناية اضطرارية، حب تحت ظل الشفقة..
أما في هذه الحال ستمنحها ما أرادت عن طيب خاطر!
_أرغب بالعودة للعمل حقًّا، لكن يزن لايزال صغيرًا ولا أفضل أن أودعه الروضة.
أجابتها لين في سلاسة وكأنه حديث اعتيادي عابر تتبادلانه يوميًا بضع مرات، فتصرفت إيلاف بالكيفية ذاتها وهي تعلق:
_باستطاعتكِ تركه مع أمي.
ثم تابعت في ترقب:
_أو.. أحضريه إليّ، أبقى لِوقت طويل بمفردي وأشعر بالملل، سنتسلى معًا ولن ينتابكِ القلق من أجله.
والعرض الذي قدمته بالطبع مصيره الرفض، فأية امرأة تمتلك قليلًا من التفكير ستترك طفلها مع جدته في البيت نفسه حيث تعيش، ليست في حاجة لأن تذهب إلى بيت آخر ثم عملها لتكرر نفس طريق العودة الطويل يوميًا بلا داعِ إلا أنها بلهاء تفتقر لمعرفة قيمة الوقــ..
_سأحضره لكِ يا إيلاف، لكن لا تهاتفيني وأنتِ تصرخين آمرة بأن أترك ما أفعل وأعود لتسلم ابني المشاغب!
بمرح قالتها وهي تحاول كتم أصوات صيحات فرحتها الداخلية، فما كان من إيلاف إلا أن تعالت ضحكاتها وهي تقول تلقائيًا:
_لا تحملي هَمًّا بهذا الشأن! لقد اعتدت إزعاجه وصرت أشتاق إليه كلما غاب عني.
أنهت عبارتها ثم انتبهت لزلتها فقضمت شفتيها وهي تواجه عيني لين المُندهشتين، ثم ما لبثت الأخيرة أن سألتها في فضول:
_هل كنتِ تقضين الوقت معه؟
أومأت إيلاف برأسها إيجابًا في قلق، فمنذ طُلقت لين وجاءت لتعيش في البيت وجدت إيلاف عمتها ترعي يزن عندما ترغب أمه بالبقاء بمفردها بعض الوقت أو بالحصول على قيلولة في هدوء، حينها كانت تكاد تتوسلها أن تدعها تهتم هي بها، ولكم أدهشها كيف اقتحم قلبها في دقائق معدودة بعد أن كانت تكتفي بالنظر إليه من بعيد!
انتابت لين رغبة غير مفهومة في البكاء، فقالت وهي تبتسم في بهجة طاغية:
_إذن لقد صار من نصيبكِ، فاستعدي جيدًا لأنني سأحضر حقيبة ملابسه وألعابه ولن آخذه إلا حين ينام!
اكتفت إيلاف بالصمت الفَرِح وهي تُحييها لتنصرف ردًّا على تطور لم تتوقعه إطلاقًا، تطور مزدوج بليلة واحدة، أهو يوم سعدها أم ماذا؟!
**********

أمام المحل جلست في مقابل صديقتها وزوجها هاشم، وبصعوبة استطاعت سهام تهدئة انفعالاتها الغاضبة منذ اليوم السابق.
"وكيف لم تعرف من قبل يا معلم هاشم؟! ألم تخبرني دومًا أن لا يمكن لشيء أن يحدث دون علمك بهذا الحي؟!"
هتفت بزوج صديقتها في غيظ امتزجت به سخرية واضحة بينما عيناها لا تحيد عن المحل المقابل المختبئ خلف ستار ضخم لم تخفي بعض الثقوب به البلاط اللامع الذي زين أعلى الحوائط!
نظر لها الرجل في أسف ثم رد قائلًا:
_لقد كان الحاج بيومي حريصًا على كتمان الأمر يا علا فلم أعلم به إلا باليوم نفسه حين وصلت المعدات إلى المخزن.
تأففت في حنق أثناء ملاحظتها حركة زائدة عن الحد خلف الستار فضاقت عيناها أكثر في محاولة لمعرفة ما يحدث، إلا أن صوت هاشم جاءها هادئًا، وهو يناديها فالتفتت له ليبتسم ثم يتابع في نعومة مُبالغ بها:
_لكن لا تنزعجي إلى هذا الحد! لا تنسي أنه سيبدأ بينما أنتِ تمتلكين المحل الذي يأتي إليه الزبائن منذ سنوات!
أومأت علا برأسها على مضض بعد أن ساعدت عبارته في منحها بعض الأمل، فيما أخذ هو يلتهم ملامحها الجميلة في جشع غافلًا تمامًا عن عيني زوجته التي تجلس إلى جواره وقد نسى وجودها!
بارتياب نظرت سهام إلى علا فوجدتها شاردة، ثم عادت تراقب زوجها لتكتشف أنه لا ينزع عينيه عنها!
تباطأت دقات قلبها في وجل وذهنها يؤكد لها أنها ليست المرة الأولى، لطالما كان هاشم لا يحبذ إهدارها الوقت مع أي من الجيران، إلا لو خبرته أنها ستزور علا حينها يرحب أيما ترحيب!
ومنذ ما يزيد عن العام عرض هاشم على همام أن يشتري المحل منه، وحينما أبدت علا قبولًا سريعًا رفض ابن زوجها في حدة وحذره من تكرار ذلك العرض.
إلا أن هاشم لم يتوقف، بل كان يستغل كل لقاء يجمعه بعلا في طلب محاولتها إقناع زوجها بالبيع على أن تحصل هي على عمولة قيمة فما كان منها إلا أن وعدته ببذل كل جهدها.. وستنجح.
إلا أن خلافًا نشب بين زوجها وأحد الصبية العاملين لديه بالمقهى أدى إلى طرده، فقام الأخير بالانتقام منه عن طريق إفشاء خطتهم.
وبالفعل واجه ناهل علا وهددها بأنه سيخبر أباه عن ترتيباتهم، لكنها ما إن حاولت منعه من الذهاب دفعها عنه في غضب لتسقط أرضًا ليبقى مُحدقًا فيها بذهول لثوان قبل أن يرحل عن البيت..
تلك الليلة جاءتها علا تبكي فى انهيار وهي أكيدة بأن ابن زوجها سيقنع والده بتطليقها بعدما يخبره باتفاقها معها هي وزوجها، حينها ألقت هي الاقتراح بأن تبادر إلى شكواه!
وربما الخوف.. أو الرغبة في الانتقام منه هما ما ساعداها على تحمل الألم جراء الإصابات التي تعاونت مع هاشم في إحداثها بها، ثم شهدا معًا بالإضافة إلى عاملين بالمقهى بأن ناهل هو من هاجمها!
إلى هذا الحد ليس هناك ما يثير الريبة، لقد ساعدت صديقتها في التخلص مؤقتًا من ابن زوجها، وحاولت مساعدة زوجها هي في الحصول على المحل الذي يبدو أن علا قد أدركت قيمته فوجدت وسيلة ما لإرغام زوجها على بيعه لها بأيامه الأخيرة.
لكن منذ وفاة ذلك الأخير وقد بات حديث هاشم عنها أكثر من السابق، بل أنها رأته مرتين مصادفة بالمحل يشرب العصير رغم أنه لم يجتمع بها دونها هي من قبل!
أهناك ما ينبغي عليها أن تقلق بشأنه أم أنها تبالغ؟
لاحظ هاشم نظرات زوجته له فتنحنح في خشونة وأشاح بوجهه بعيدًا، فيما ظلت عيناها مُعلَّقة به في شك قبل أن تعيد انتباهها إلى المحل المُقابل..
"علا! أهذا هو شقيقكِ؟!"
هتفت سهام في دهشة بعد ان انحسر الستار قليلًا، فاعتدلت علا في الكرسي واستقامت ببطء وهي تحدق في ظهر الرجل الذي أشارت إليه صديقتها لتدرك صحة هويته!
...
"ماذا تفعل هنا يا هارون؟!"
في ذهول سألته قبل أن يستدير لها، وعندما فعل أشار بكفيه عشوائيًا وأجابها بلا معنى:
_كما ترين!
بلا تصديق تطلعت إلى ثلاجة المياه التي يقوم بتركيبها أحد سباكي الحي، فابتسمت تواري غضبها مع ذهولها لتسأله في تهكم:
_هل صرت تحصل على الأغراض القديمة من القمامة؟!
رَفع السباك مع الصبي الذي يساعده رأسيهما في دهشة، ثم نقلا نظراتهما بينها وبين هارون الذي تغلب على حرجه سريعًا ليقول في برود وهو يشير بسبابته إلى محل والدة ناهل:
_بل حصلت عليها من مكانها الأصلي المسروق، ذلك الذي أتيتِ منه لتوكِ!
عاد السباك والصبي إلى العمل في استغراب، وبلا تريث هتفت هي في استنكار:
_ لماذا تفعل بي هذا؟! أنا شقيقتك!
أولاها ظهره عاقدًا حاجبيه في ضيق، وتمتم مُجيبًا في أسف:
_أفعله لأنكِ شقيقتي وسأُحاسب إن التزمت الصمت على أفعالِكِ، لو فكرتِ قليلًا لأيقنتِ أن لا أحد سيحاول إصلاح ما تفسدين سواي، ولو فكرتِ أكثر لربما تراجعتِ عن ظلمكِ وأعدتِ الحقوق لأصحابها!
تعلقت عيناها به في سخط وهو يُكرر الحديث نفسه عليها منذ مدة لم تعد تحسبها، حديث مُقتنع هو به تمام الاقتناع، وحديث لا تتحمله ولن تأخذ به ما حَيَت!
تراجعت إلى الخلف حيث إرثها الذي لن يسلبه أحد إياه، وتبادر إلى سمعها صوته يهتف بالصبي الذي بدأ يغسل الثلاجة بالماء:
_هيا يا بني! لا تكن بخيلًا وأضف بعضًا من الصابون! أريدها لامعة برَّاقة كأننا ابتعناها في الحال.
...
وقف بجوار سلم خشبي مُتحرك اعتلاه صبي يحمل اللافتة التي احتفظ بها في مكتبه طويلًا لتزيد في شعوره بالذنب كلما وقعت عيناه عليها، يكاد يحسب الأيام حتى يراها مُعلَّقة فوق واجهة المحل نفسه مرة ثانية..
ربما لم تتحق أمنيته بشأن المحل، لكن ليبدي الحمد والرضا على هذه النتيجة حتى الآن!
"حاذر أن تُسقِطها!"
صاح في الصبي الذي يحمل اللافتة بعدما مالت قليلًا، فنظر له من علو ليقول بنبرة مُتعبة:
_إنها ثقيلة بشدة يا سيد هارون!
بلا تردد شَمَّر عن ساعديه ثم أشار للصبي بإحدى كفيه هاتفًا في صرامة:
_انزل!
في استفهام نظر له فكرر في حزم:
_انزل يا بني!
أطاعه الصبي ليتخلص من ثقل اللافتة، وحينما صار بالأسفل صعد هارون بضع درجات ثم مد يديه إليه ليأخذها..
تشبث بها في قوة بإحدى يديه وبالأخرى كان يستمد الدعم من السلم..
يرتقي ويرتقي؛
وكلما صعد درجة شعر أنه يعلو بعيدًا عن الظلم؛
تاركًا أسفله نظرات قهر ؛
داعسًا بقدميه ذكريات أذى ومُستعيدًا بعض مما اغتُصِب من شاب كان كل ذنبه أنه دافع عن حق والدته بعدما رحلت مُكللة بالحسرة!
تراقص السلم لوهلة فنظر في حنق للصبي الذي غفل عنه..
_امسك السلم جيدًا! سأقع يا ولد!
لكن كفي الحاج بيومي أمسكتا بشدة بالسلم حتى انتهى هارون تمامًا من مهمته بابتسامة مرتاحة..
ناقصة.. لكنها أكثر سلامًا!
...
"لن تنصرف قبل أن تتناول طعام العشاء معي، خالتك إكرام تعده الآن!"
بادره الحاج بيومي ما إن أبدى نية للانصراف، فابتسم قائلًا في دماثة:
_بالمرة القادمة بإذن الله.
أظهر الحاج بيومي اعتراضًا في مواجهة إصراره، ثم قال:
_انتظر حتى يأتي ناهل على الأقل! إنه في زيارة لبيت عائلة زوجته وأوشك على العودة.
وتلك العبارة أثارت التساؤلات في نفسه، أيكون لناهل علاقة بالمكالمة التي تلقاها هو منذ قليل من جد زوجته؟!
سيعرف حينما يذهب إليه..
للأسف سيضطر لأن يذهب إليه!
اغتمت ملامحه حين شرع عقله اللئيم بجذبه إلى حيث لا يريد إطلاقًا، ولو بيده لرفض دعوة الرجل، أو لتوسله بأن يلتقي به في أي مكان خارج بيته!
_لديّ موعد هام مع أحد العملاء، بَلِّغ ناهل سلامي حين يعود!
في هدوء ردَّ على الحاج بيومي، وقبل أن ينصرف نظر إلى الثلاجة وقال مُبتسمًا في تعب:
_لكن.. ربما سأشرب بعض المياه.
سارع الرجل بإعطائه كوب زجاجي فملأه في تمهل وهو يراقب المياه تسيل من الصنبور في سعادة غريبة..
جرع كوب مياه كان هو الألذ، ثم ودع الثلاجة التي رافقته لأيام بابتسامة، وابتعد داعيًا لصاحبتها بالرحمة والمغفرة..
ولنفسه بالتغلب على وسوسات خبيثة تحاول هزيمته.. لكنه لن يسمح لها!
**********

دخلت غرفتها وأغلقت الباب لتتأمل كل أركانها في شرود، لقد جاءت وفي اعتقادها أنها ستجد حالة جدها الصحية متدهورة بعد ما حدث بالمصنع، لتجده كعادته صابرًا؛
عندما طرقت باب غفران انتظرت ألا ترد عليها أو تنهرها فاستقبلتها بين ذراعيها؛
ترددت في اتخاذ خطوة واحدة تجاه لين فهرولت إليها باشتياق.
ربما اشتكت دومًا من سوء حظها مع أفراد عائلتها، ويبدو أنها أهدرت وقتًا طويلًا في انتظار أن تكتسب إحداهما بعض الشجاعة للملمة ما بعثره الزمن، بينما في الواقع كانت هي مَن تحوز النصيب الأكبر منها!
اتجهت صوب خزانتها تتلمس بعض الملابس التي تركتها، ثم هبطت عيناها إلى جارور يتوسطها ففتحته بحثًا عن غرض معين..
وما إن احتوته بين يديها حتى دمعت عيناها وهي تُرحب بواحدة من أحب الذكريات إليها على الإطلاق.
منذ ثمانية أعوام:
وضعت العاملة بالمنزل صينية تحمل كوبًا من العصير فيما أخذ هو يرتب الملفات التي يحملها أثناء انتظاره رب عمله مانحًا كامل تركيزه لما يفعل حتى..
"ماذا تفعل هنا؟!"
ارتفع رأسه عما يحمله بحدة تجاه الصوت الرقيق الذي لم ينسه بعد، لكنه في هذه اللحظة اضطر إلى التصرف بتهذيب على عكس المرة السابقة إدراكًا منه لهوية الفتاة!
_لقد طلب الحاج فؤاد حضوري للاطلاع على بعض أمور العمل، وأنا أنتظره حتى يُنهي صلاته.
أجابها بوجوم وهو ينظر إلى اتجاه آخر حتى لا تفضح عيناه تضارب مشاعره بين رغبته بالاعتذار لها أو في الصياح بوجهها مُتسائلًا: "ما شأنكِ أنتِ؟"
_ألك أن تنتظرني هنا لدقائق؟
التفت إليها عندما ألقت سؤالها أثناء نظرها له في انزعاج واضح، ثم سألها بتوجس:
_لماذا؟
هزت كتفيها لتُجيبه ببساطة:
_كي أعيد إليك سترتك، هل نسيت أنك أعرتني إياها بالأسبوع الماضي؟
لكنه سارع قائلًا وهو يرفع كفه:
_لا داع لهذا، احتفظي بها!
اتجهت إليه حتى وقفت أمامه بالضبط، ظلت تُحدق به بتدقيق دون أن تتفوه بكلمة واحدة فأثارت ارتباكه، لكن عينيه ضاقت بدهشة حينما سألته فجأة:
_لماذا يحبك جدي؟ ولماذا يثق بك أبي؟
_عفوًا؟!
والكلمة ألقاها مُعلقًا بلا فهم لهدف سؤاليها، إلا أن دهشته تعاظمت حينما تبرعت بالإيضاح:
_طوال الوقت يتحدثان عنك، لا يأتمنان أحدًا خارج العائلة على شؤون المصنع سواك، ما السبب؟
توتر للحظة جراء السؤال الذي لم يتوقعه البتة، ثم أجابها بتعجب:
_ربما لأنني أبذل قصارى جهدي في العمل؟!
_ولماذا منحاك الفرصة كي تفعل؟
وسؤالها الثاني كان أكثر صعوبة للاستيعاب، سكت مُرغمًا بعض الوقت حاول خلاله استجماع إجابة موجزة، لكن طباعه الحادة تحكمت به فانفلت لسانه هاتفًا بحنق:
_ما هي مشكلتكِ معي يا آنسة إيلاف؟ لماذا..
_مشكلتي ليست معك أنت.
قاطعته بلا اهتمام وهي تستدير إلى الخلف، ثم قالت باقتضاب:
_سأعود سريعًا.
ارتفع حاجباه بِدهشة تحولت إلى غيظ على الفور عندما خرجت ثم أوصدت الباب بعنف!
جلس ثانية وتناول هاتفه يعبث به بلا تركيز منتظرًا عودتها وهو لا يدري ماذا تريد منه، حتى فُتِح الباب مرة أخرى لتظهر حاملة كيس بلاستيكي أدرك علام يحتوي دون أن تخبره.
_هاك السترة، أشكرك لما فعلت معي.
"يبدو أنها قد تعلمت بعضًا من أمور الذوق بآخر المطاف!"
هذا ما دار بباله وهو يأخذ الكيس منها لتتركه بلا كلمة إضافية وتستدير لتنصرف ثانية.
"لو أردتِ التدريب على أمور العمل كما قال والدكِ بدءً من الآن فأنا على أتم الاستعداد."
توقفت مكانها ثم استدارت إليه بحدة لتجده يجز على أسنانه غيظًا، اتجهت إليه بينما كان هو يلعن تسرعه بالفعل.. لكن لا فرصة للتراجع!
_أستكون صبورًا؟
اتسعت عيناه والدهشة تتقافز فيها وهو يُحدق بها بلا تصديق؛
تجول لاإراديًا على ملامحها الدقيقة، كل شيء بوجهها دقيق بطريقة يلحظها من يمنحه فرصة..
انتبه إلى أنها تنتظر إجابته فأومأ برأسه بلا صوت، لتُلقي عليه سؤالًا آخر بارتياب:
_وهل ستمنحني الوقت كاملًا كي أُلِم بكل شيء دون تعجل؟
عيناها من هذه المسافة القريبة بُنيتان داكنتان، واسعتان، يتجول بهما الحزن في حرية دون سبب مفهوم!
_سأفعل.
أجابها باقتضاب أثناء متابعته رحلة لا يدري سبب انطلاقه إليها، فاختبرته بآخر:
_ألن تعنفني وتفقد أعصابك إذا ارتكبت الأخطاء؟
أنفها دقيق ذي مُقدمة مُدببة نوعًا ما لا يُناسبه خوف وتردد احتلا نظراتها بوضوح..
_كلنا نرتكب الأخطاء يا آنسة إيلاف، وهي الطريقة المُثلى للتعلم.
وقبل أن تواصل امتحانه عاجلها هو بفضول:
_لماذا تظنين أنكِ ستجدين صعوبة في فهم كل شيء؟ لا تبدين لي حمقاء!
وارتسمت الحسرة على الفور بعينيها وهي تبتسم بتهكم متسائلة:
_لماذا أبدو لهم إذن؟!
ارتج قلبه لمرأى البؤس العميق على خلجاتها؛
ود لو باستطاعته الاستفسار عما تعني أو.. التخفيف من شعورها!
لاحظ منطقة التفكير المحظورة التي ارتحل إليها للمرة الأولى بحياته، وازدرد لعابه ليكتشف أن حلقه بات جافًّا وكأنه يقف تحت الشمس الحارقة رغم أنه يجلس داخل صالة استقبال فخمة مُكيفة! أطلقت هي تنهيدة طويلة قبل أن تقول بخفوت:
_أنا.. سأفكر في الأمر وسأخبرك، إلى اللقاء!
كانت تودعه ببساطة ووضوح وهمَّ هو بالجلوس أثناء تفحصه ما بداخل الكيس ، لكن لفتت انتباهه بقعة فاتحة اللون على السترة فأخرجها متمتمًا:
_ما هذا؟!
رَفَع السترة بين يديه لتحتل الدهشة تعبيراته، فيما شهقت هي ذاهلة ووضعت كفيها على فمها قبل أن تهتف:
_يا إلهي! يبدو أنني.. استخدمت مُبيض اللون الأبيض بدلًا من الآخر الخاص بالألوان!
انعقدت الكلمات في حلقه وهو يتنقل بنظراته بين الأشكال المُموهة التي حملت لونًا رمليًا جعلت من سُترته الكُحلية لوحة غير مفهوم مغزاها!
_أنا أعتذر بشدة يا سيد ناهل، لم أنتبه لها قبل أن أضعها بالكيس، سوف أحاول إصلاح ما أفسدت.
قالتها بارتباك وهي تختطفها منه ثم تناولت الكيس الذي أسقطه بلا وعي أرضًا، تنبه هو لحرجها الشديد فقال مُحاولًا إظهار مرح ليس من طباعه:
_ألم أطلب منكِ أن تحتفظي بها؟! ستضطرين لِفعل ذلك بآخر الأمر.
بان الضيق في عينيها التي حرصت على إبقائها بعيدًا عنه وقالت بإصرار:
_سوف أرسلها إلى المغسلة، ربما يقومون بصباغتها وإعادتها إلى صورتها الأولى.
وبسماحة نادرًا ما يُقر بامتلاكها قال بهدوء:
_لا تهتمي! وقومي بترتيب أمر تدريبكِ بالمصنع مع الحاج جلال ودعيه يخبرني بموعد حضوركِ.
أومأت برأسها في طاعة وهي تضم السترة إلى صدرها كي تخفي آثار إهمالها، فتابع بجدية:
_لكن حاذري! أنا لا أتهاون في أمور العمل، لا تظني أنكِ ستكتسبين أية امتيازات بسبب...
بتر عبارته عندما تولدت ابتسامة رقيقة على شفتيها وهي تقول بحماس:
_لا أريد أية امتيازات، أريد أن أتساوى بالجميع، وأرغب بالتعلم واكتساب الخبرات حتى أُتم دراستي.
ظل صامتًا بعدما أنهت عبارتها يُراقب التحول المُفاجئ على ملامحها؛
كانت بسيطة الجمال، لا هي فاتنة ولا دميمة، فتاة لا يلتفت لها المرء مرتين..
حتى تبتسم!
لا تنفرج شفتاها وحدها.. بل يشرق وجهها الوضَّاء كله فتتلألأ لأجله النجوم بذاتها!
هز رأسه نهيًّا لأفكاره الغريبة، المُريبة، والتي _بلا مِراء_ ستدفعه فورًا إلى مُصيبة!
بينما بدا له أنها أرادت تأكيد تأثيرها العجيب على نزقه الشهير وثباته المعهود، فقالت بابتسامة أكثر اتساعًا:
_شكرًا مُجددًا يا ناهل، إلى اللقاء!
بلا عبوس، بلا سيد، بلا أي لقب!
وهناك لقاءً قادمًا أيضًا.. لماذا يبدو مُتحمسًا له بدءً من الآن؟!
ولما استشعر اهتزازًا عنيفًا في خلجاته همس مُحذرًا نفسه:
"اثبت يا ناهل!"
...
إلى صالة الاستقبال نفسها دلفت لتجد أن عمتها أماني وياسر قد انضما إلى جدها وزوجها.
رمقها متوجسًا حينما لاحظ الابتسامة التي شاعت بوجهها، ثم انتقلت عيناه بفضول إلى الكيس البلاستيكي الذي تحشره حشرًا في حقيبتها وهو يتساءل دون تصريح عما يُخبئ، لكنه وقف مُتأهبًا للانصراف فيما اتجهت هي إليه بلا تردد، وقبل أن تُلقي تحية الانصراف على جدها..
"كيف واتتكِ الجرأة لتصطحبيه إلى هنا؟!"
مع الصياح الحاد التفتوا جميعًا إلى عزة التي اقتحمت الصالة وهي تُحدق بابنة شقيقها وزوجها بكراهية لم يتلقاها أحد قبلهما إلا.. هالة!
_أيجب على ابنتي وزوجها الاستئذان قبل زيارة بيت أهلها؟!
للمرة الأولى منذ سنوات يرتفع صوت هالة في وجود الحاج فؤاد..؛
تحترمه وتوقره، وآخر ما تتحمله هو أن تتسبب في حزنه، لكنه الآن يجلس مُراقبًا،مُستريحًا كما لم يكن من قبل!
_بل يجب عليها الشعور بالخزي على فعلتها المُسيئة إلينا جميعًا.
ناطحتها عزة بعبارتها مُطلِقَة سراح حقدها وعدوانيتها تجاهها بعد أن لاقت النتيجة الفاشلة لإخفائها، ولم تلتزم هالة الصمت كعادتها، بل انهمكت ضدها في سجال فشلت أماني في إيقافه.
راقبت إيلاف والدتها لتعترف بنفسها أن مع إهمال هذه الأخيرة لها أحيانًا فإنها لم تتوانَ عن الدفاع عنها كل مرة أرادت عمتها استغلالها..
أحيانًا يبقى المرء شاكيًا وقوع ظلم جائر عليه غاضًّا النظر عن دفاعات متكررة حتى إن كانت واهنة.. وربما غير مسموعة!
أخذت تتطلع إليهما، تتعلق عيناها بشفاهما دون أن تعي أو تسمع، بينما ذهنها يطوف بجنون حول فكرة واحدة..
فربما حان الوقت لتتخلى عن دور البيدق الذي تطوعت لآدائه مشكورة، ولتقتنص حقها في كونها منذ البداية.. الملكة!
مدت يدها تربت على كتف والدتها لتسكت وتنظر لها في استفهام، لكنها ابتسمت بلا مرح وهي تدقق النظر بعمتها ثم قالت في بطء مُشدد:
_لا أفهم عم تتحدثين يا عمتي! فالفعلة المُسيئة الوحيدة التي قمت بها هي زواجي من شخص نذل مثل هاني..
واتسعت ابتسامتها وهي تتابع بلا اكتراث:
_وأصدقك القول أنني بالفعل أندم كثيرًا عليها!
ثم ارتخت ملامحها لِتستطرد في صرامة:
_أما زواجي من ناهل فأركانه كلها صحيحة، وليس من ضمنها دعوة بعض أشخاص أوقن أنهم لا يتمنون لي خيرًا، فلا تستطيعين إلقاء اللوم عليّ لِذلك.
بذهول تطلعت إليها عزة بعدما فقدت القدرة على رميها بتعليق تستحقه جزاء وقاحتها، ولم تأبه لها إيلاف وهي تُلقي التحية على الجميع ثم تعود لِتقف جوار ناهل الذي أشار لها في صمت إلى الخارج فتبعته دون تردد، لكن لم يفتها اختلاس النظر إلى جدها لتستقبلها نظرة راضية مع ابتسامة استحسان لا شك بها!
**********

"ألن تخبرني ماذا حدث بينكما ومن أين أتيتما معًا بالأمس؟"
ألقت والدته سؤالها عليه برجاء بعد أن فشلت في الحصول على أية إجابة من نضال منذ وصل بصحبة شقيقه باليوم السابق، وبينما حبس الأخير نفسه بغرفته فقد التجئ الأول إلى المسجد حتى عاد منذ قليل.
لقد اعتادت الصمت والغموض من مهند في مقابل القلق والتوتر من نضال، وبمعجزٍة ما انقلبت الأدوار فجأة ليصير ابنها الأصغر كمن يتحرق ارتباكًا وخوفًا فيما يرفض نضال أن ينبس ببنت شفة!
_التقينا مُصادفًة أسفل البناية.
_لا تكذب يا مهند! أنا لست عمياء عن الحالة التي تتلبسكما منذ الأمس.
أمرته في حزم فقال متوسلًا:
_دعيني بمفردي يا أمي! لقد..
"دعينا بمفردنا يا أمي!"
أجفل مهند وهو يحدق في شقيقه الذي وقف لدى الباب مُثبتًا عينيه عليه كنصال مُسننة لا تحيد عن هدفها.
لكن الألم كان بقلبه مُشتركًا، واضحًا،.. فائضًا!
والخسارة تزغرد في أذنيه بشماتة لا حاجب لها، ليصغى لها السمع مُتلقيًا العزاء دون تأخير بعدما خالف عهدًا اتخذه على نفسه بحسن التربية!
بلا حيلة تنقلت نظرات الأم الخائفة بين ولديها، ثم ارتأت أن تفعل ما تجيده منذ سنوات.. ترك الدفة لمن يقوى على الإبحار!
غير واعية كم أن القبطان يقف الآن حائرًا، قاب قوسين أو أدنى من إعلان الهزيمة ثم القفز من السفينة دون أن يلوي على شيء؛
فإعصار الخطايا القادم لن يتجاوزه..
وستغمُره الآثام ليختنق بها ثم يفنى وكأنه لم يكن بالأصل!
أغلق نضال الباب بعد انصراف والدته، وبقوة استند بكفيه خلف ظهره عليه يمنع نفسه من التقدم إلى شقيقه فيفقد آخر قدر من الصبر يقتات عليه منذ الأمس.
منذ رآه مُتلبسًا بالجرم المشهود!
"أهي الوحيدة؟"
باقتضاب، وبجفاء ألقى سؤاله..
فازدرد مهند لعابه ومنح نفسه بعض الوقت كي يفهم مقصده حتى..
_أجبني! أهي الوحيدة؟
كررها بنبرة حملت أمرًا مباشرًا، فسأله مهند في تعب:
_ماذا تقصد؟
هنا فقد نضال ثباته ليهتف في غضب وهو يشيح بذراعه ويتقدم منه:
_تلك اللعينة التي كانت بصحبتك بذاك البيت المنعزل، أهي الوحيدة أم أن هناك غيرها؟
ثم تابع صائحًا:
_ومنذ متى تحول ابن إمام المسجد إلى داعر يرافق النساء بالبيوت المهجورة؟!
_لا!
عاجله مهند بحزم رغم خوفه، ثم تابع مُوضحًا:
_لا يا نضال! خبرتك أنه لا يجمع بيني وبينها أي..
لكنه أطبق شفتيه قبل أن يتم عبارته عندما أمسك نضال بتلابيبه وهو يصيح بلا سيطرة على لجام سخطه:
_ماذا بينكما إذن؟ أجبني! أكنت بصحبتها من أجل الاستذكار؟! أم كانت تعرض عليك شراء ذلك البيت؟!
أخذ جسد مهند يرتج بين يديه في استسلام فأضاف بصراخ:
_أجبني يا مهند! ما حدود علاقتك بتلك الـ..
_إنها غفران شقيقة لؤي!
وكانت هذه هي الطريقة الوحيدة المُثلى لإيقافه عما يفعل.. وتوقف؛
عادت يداه إلى جانبيه في بطء؛ ليحتل الاستنكار كل ملمح بوجهه!
وحين استطاع التحدث أخيرًا ردد بخفوت:
_ماذا قلت؟!
ثم أردف بذهول:
_مَن لؤي؟
ليُضيف وكأنه يهذي:
_أنت لا تعني أنها شقيقة لؤي صديقك!
سكت لعدة ثوانِ إلى أن واصل في إدراك متأخر:
_أنت على علاقة مُحرمة بشقيقة صديقك!
هز مهند رأسه في قوة بينما أخذ يبكي وهو يتمتم في تقطع:
_لست.. هي لم تكن برفقتي، أقسم أنها..
_يا إلهي! يا إلهي! ماذا فعلت؟!
قاطعه نضال في همس وهو يتراجع إلى الخلف بساقين تهتزان اهتزازًا، ليدور حول نفسه مُتخبطًا بلا هدف ، يضع كفه على جبهته، ثم يثني ظهره إلى الأمام حينما أوشك على السقوط إلى الخلف!
وبلا إنذار فتح الباب وخرج من الغرفة، ارتجف مهند مدركًا أنه لتوه قد فقد شقيقه إلى الأبد.. لكن بعد ثوان معدودة عاد نضال كالقذيفة وهو يُشير له بسبابته صائحًا في غضب لم يره قبلًا:
_ستتزوجها!
رمقه مهند في استفهام ألقى به إلى لسانه حينما طالع التصميم على وجه نضال كأقوى ما يكون:
_ماذا تعني؟!
هز نضال رأسه في إصرار لتتراقص خصلاته المُبتلة بالعرق في جنون لم يكن إلا صدى لذلك الخبال الذي عبرت عنه نظراته غير الواعية لما يحدث بالفعل:
_أعني ما فهمت يا حقير! ستتزوج منها وستنظفان هذا الدنس بأسرع وقت!
لطالما كان نضال هو القدوة التي أدرك أنه لن يستطيع الاحتذاء بها طويلًا، نضال خير ما يمثل والدهما..؛
على النقيض منه..
هو الصورة السلبية، وهو نقطة الضعف؛
هو كعب أخيل جسد هذه الأسرة السليمة!
لكن ها هو الآن يُطالع تحولًا غريبًا به، وقد فهم أخيرًا أنه اغترف من صبر شقيقه ما زاد عن حاجته، وبلا اختيار سيُؤدي ما عليه كاملًا!
_لا أستطيع أن..
بخوف امتزج بالضعف نطق، فقاطعه صارخًا:
_ستستطيع، ستفعل وإلا اضطررت لأن أُخبر لؤي نفسه أن صديقه الذي يئتمنه ويثق به استحل حرمته!
فتح مهند فمه ليرد لكن عيني نضال اللتين التمعتا فجأة بتعبير مقهور أخرسته ليراقب خطواته تبتعد في هوان وكأن شقيقه الذي لا يزال ببداية عقده الرابع قد استحال إلى شيخ في السبعين!
**********

"ماذا تفعل؟"
سألته عندما انتبهت إلى أنه يقف مُتطلعًا في هاتفه بتركيز منذ خرجا من بيت عائلتها، فأجابها بحنق دون أن يرفع عينيه عنه:
_طلبت سيارة الأجرة منذ دقائق ولم تصل بعد، ولا يجيب السائق رسائلي!
_أليس بإمكانك إلغاء الرحلة؟
سألته برجاء قفز من نظرتها اللامعة، فرمقها بلا فهم قبل أن ينقل عينيه بينها وبين بوابة البيت مُتسائلًا:
_أترغبين بالعودة إلى الداخل؟!
هزت رأسها نفيًا ثم أجابته موضحة:
_لا.. بل أود السير قليلًا.
ثم انتبهت إلى الوقت فابتسمت بارتعاش لِتقول باستدراك بعدما فطنت إلى إرهاقه الواضح:
_لا عليك، ربما في مرة أخرى، بالتأكيد تريد النوم باكرًا حتى تـ..
إلا أنه قاطعها لِيعبث بأنامله في الهاتف ثم يدسه في جيب بنطاله قائلًا ببساطة:
_تم إلغاء الرحلة، ماذا تريدين أيضًا؟
تمتمت بشكر وكتفت ذراعيها وهي تمشي إلى جواره، وصل الارتعاش إلى أطرافها فسألها باهتمام:
_أتشعرين بالبرد؟
_قليلًا.
علقت بخفوت فدقق النظر بها قبل أن يقول بتفكير:
_ربما يجب أن نعرج على أقرب صيدلية لتتلقي مصل الأنفلونزا الموسمية قبل أن يبدأ الشتاء بإثارة المتاعب معكِ.
ابتسمت وهي تختلس النظر إليه ثم عقبت برقة:
_لقد فوجئت أنك تتذكر ذلك أيضًا!
لكنه كان في واد آخر وعيناه تمسح المحلات القريبة متمتمًا في تركيز:
_أين باستطاعتنا الحصول على مشروب حمص الشام هنا؟
ثبتت نظراتها عليه لوهلة فلم يلحظ، ثم عادت إلى طريقها وقالت في رقة:
_لا أشعر بالبرد لهذه الدرجة، لنبتاعه من أي عطَّار وأُعِده في البيت.
ساد الصمت بينهما لدقائق كانت هي تستمتع بلسعات النسمات الباردة التي أحالت مقدمة أنفها إلى قطعة من الفلين، ثم أخفضت رأسها لِتستسلم إلى نوبة ضحك حاولت كبتها إلا أنها أخذت ترتفع تدريجيًا:
_علام تضحكين؟
التفت إليها متسائلًا بتحفز، فما كان منها إلا أن استغرقت في الضحك أكثر، ليزداد عبوسه وهو يقول في غيظ واضح:
_تكلمي يا إيلاف! علام تضحكين؟
هزت كتفيها بلا معنى وركلت حصاه صغيرة قطعت طريقها ثم قالت في خفوت:
_لن تتذكر.
_جربيني!
ردَّ مُتحديًا فعضَّت على شفتها السفلى بتردد، ثم توقفت لتواجهه ففعل المثل يتطلع إليها بترقب حتى نطقت بارتباك:
_هل.. هل تتذكر تلك السترة التي أعرتني إياها عندما.. عندما..
ترك لها الفرصة كي تعبر عما تود قوله، لكن لما بدا له أنها ستظل حتى الصباح تكرر كلمتها الأخيرة تابع عنها في مكر:
_عندما تمزق ثوبكِ عقابًا لكِ على اختباءكِ بمكتبي ونومكِ هناك؟
اتسعت ابتسامتها ثم قالت في مرح كبحت جماح ظهوره لكنه كان يتراقص في صوتها:
_نعم، وهل تتذكر ماذا حل بها؟
انعقد حاجباه أكثر ونظر لها شزرًا ثم قال في امتعاض:
_لا تذكريني! هذا ما يكسبه المرء حينما يتصرف بتهذيب، لقد كانت واحدة من تشكيلة ستراتي المفضلة وأنتِ أفسدتِها تمامًا!
وبدلًا من أن تتابع ضحكها ارتسم الشوق في نظراتها الشاردة صريحًا لا يحتاج إلى أقل جهد للتأويل، ثم تكلمت بهدوء:
_ذات ليلة في الشتاء التالي كان البرد قارصًا، وكانت أعراض الأنفلونزا في بدايتها، استيقظت من نومي أترنح في الظلام فمددت يدي في الخزانة لألتقط أي شيء يمنحني بعض الدفء، ولم أدرِ إلا ووالدتي توقظني في اليوم التالي وهي تزجرني ظنًا منها أنني أرتدي ملابس بالية!
تعلقت عيناه بها وأطبق شفتيه منتظرًا، فواصلت هي بالنبرة ذاتها:
_حينها فقط انتبهت إلى أنني ارتديتها في الظلام لأغرق بين طياتها وأنام بعمق كما لم أفعل قبلًا، لم أخبرها عنها، لم أخبر أحدًا عنها، لكنني اعتدت أن أرتديها كلما شعرت بالبرد أو بالوحدة.
سكتت هنيهة ثم استطردت وهي تنظر إليه أخيرًا:
_شيئًا فشيئًا صارت رمزًا لك، لمساعدتك الدائمة، لحمايتك لي دون مقابل، لدعمك اللا متناهي قبل أن أطلبه.
في لهفة بحثت عيناه بتعبيراتها عن أية إشاره تُشجعه على المُضي قدمًا إلى حيث يمنع نفسه عنه بمعجزة، لكن الامتنان بمقلتيها كان واضحًا للعيان.. الامتنان وحسب!
_كنت أتحسسها فأسمع صوتك في أذني تعلمني وتسدي إليّ النصائح المتواصلة، تشجعني، وتنهرني بحنقك الملازم لك قبل أن أرى ندمك في عينيك وأنت تعتذر لي في حِدَّة عن حِدَّتِك!
تلقائيًا راحت أصابعه تنغرز في لحيته لا يجد شيئًا آخر يفعله بهذا الوضع المُربك، لكنها لم تطالبه، بل أضافت باعتذار صارخ:
_أنا أخطأت بحقك يا ناهل حينما وافقت جدي على الزواج بك، لأنك لا تستحق هذا، لا تستحق فتاة بهذا الضياع، ولا تستحق أن تصلح خطايا أذاعها عني غيرك.
وهكذا خلصته من حالة الارتباك لتعيده إلى شعوره الدائم معها.. الغيظ!
وبكل الغيظ علق وهو يتابع السير دونها:
_يبدو أن نصائحي المتواصلة لم تأتِ بنتيجة بعد كل هذه الأعوام! ضاع تعبي سُدى!
بتعجب حدقت في إثره، ثم هرولت لتلحق بخطواته السريعة، وحينها استمعت إليه يزجرها مستفهمًا:
_أتتذكرين ماذا كانت أهم تلك النصائح؟
وقبل أن تنتبه أجابت تلقائيًا:
_أن أتوقف عن التفكير بحماقة!
ابتسامة صفراء منحها إياها في نفس اللحظة حين أدركت ما تفوهت به فعبست وهي تستمع إليه يقول في نزق:
_ممتازة! أتتذكرين كيف كنتِ تثيرين غضبي بإجحافكِ في حق نفسكِ، بافتقادكِ ثقتكِ بذاتكِ وبقيمتكِ لدى من يهتمون لأمركِ؟
بل تتذكر؛ تتذكر هذا وأكثر؛
دومًا ما أخبرها أن أفراد عائلتها بالتأكيد يحبونها لكنهم ليسوا بارعين في إظهار هذا الحب، ولطالما ظنت هي أنه يقول ذلك كي يواسيها، لكن اليوم بعد لقاءها بأختيها تعتقد أنه كان على حق.
_وأين هي تلك السترة؟ هل باتت ضمن أدوات التنظيف أم مصيرها في سلة المهملات منذ زمن؟
سألها في تهكم راغبًا في عدم الشجار بهذا الوقت بعد أن حصلا أخيرًا على فرصة للنقاش باحترام، هَمَّت بأن تُصرح بالحقيقة لكنها تراجعت وهي تتمسك بحقيبة يدها المُنتفخة ثم قالت:
_لقد ظللت أحتفظ بها طويلًا، وعندما تركت أنت المصنع دسستها في حقيبة تحتوي علي بعض المقتنيات القديمة على أمل أن أعيدها لك ذات يوم إن فكرت بالعودة.
توقف مكانه فتوقفت، طفق ينظر لها بترقب فيما حل الصمت الشارع بأكمله، وبتوتر تابعت هي:
_لكن..
_لكن؟
سكتت ولم تعلم ماذا تخبره، بينما تجزم أن هناك إلحاحًا غريبًا بعينيه، عبر عنه في صوته وهو يستحثها ثانية:
_تابعي يا إيلاف!
وحسمت أمرها..:
_لكن منذ شهور وبعد طلاقي بأيام كنت أضع ما ابتعت من ملابس لأجل الزواج في تلك الحقيبة عازمة على التوبة عن الفكرة إلى الأبد، ثم وجدتها، فانقض علي الحنين دون استئذان!
_إلام؟
الترقب صار توسلًا ولا جدال!
_لا أدري!
هزت كتفيها في حيرة، ثم افتعلت ابتسامة تخفي بها خجلها وهي ترفع كفيها متابعة أثناء استكمالها السير:
_والآن، مع هبات هذا الهواء البارد كنت أتمنى لو أنني ارتديتها!
منع نفسه من الابتسام أثناء سيره إلى جوارها مُتمتمًا:
_أكنتِ ستجازفين بالسير بها في الشارع بِحالتها تلك؟! أترغبين أن يسخر الناس منا؟
_لا أهتم للناس، لن ينفعونني حينما أمرض ولا معطف يدفئني مثلما تفعل هي.
البساطة التي نطقت بها عبارتها جعلته ينهي تردده على الفور ليمد كفه ويجذب خاصتها، ثم بخشونة قال وهو ينظر إلى الطريق:
_يدكِ باردة جدًا، متأكدة أنكِ لا ترغبين باستقلال سيارة أجرة للعودة سريعًا؟
سألها وهو ينظر لها في قلق ليتطلع إلى حمرة انتشرت بوجهها بالتأكيد جراء فعلته، لكنها تحكمت بانفعالاتها ولم تتردد لِتقول راجية:
_لا.. لا أريد العودة سريعًا.
دقائق متصلة من الصمت أحاطت بهما بينما كل منهما مُكتفيًا برفقة الآخر..
رفقة دافئة مُناقضة تمامًا لبرودة استحكمت بكل منهما على حِدَة لأعوام.
_ناهل!
التفت لها في تساؤل فتابعت في تردد دون أن تنظر إليه:
_هل.. باستطاعتنا المرور بالنهر أم أن المسافة ستطول كثيرًا؟
_وإذا طالت؟
سؤاله البسيط جعلها تنظر له في ترقب لتلمح ابتسامة على جانب ثغره خالية من أي تعبير بالسخرية اعتادته منذ زواجهما..
ليُضيف وهو يستدير إلى الاتجاه المعاكس جاذبًا كفها في حنو:
_إيلاف تتمنى وما على ناهل إلا أن يفعل ما بوسعه كي يُلبي!
قالها في خفوت وهو يحدق بها رغم محاولته ألا يفعل..
نظرته أعادتها سبعة أعوام إلى الخلف فتوقفت تحاول استكشاف خبايا يبدو أنها بدأت تظهر نفسها رغمًا عنه..
فبِخلاف شعورها بالامتنان، هناك آخر بدأ يصرح عن نفسه بـ..الانتماء!
وفي غمرة انفعالاتها المُبهمة جذب ذراعها يتأبطه بلا إنذار، وبالوقت نفسه شَبَّك أصابعه بأصابعها محاولًا تدفئتها.
**********

بعد أيام:
أحضرت الأدوية المكتوبة بالوصفة الطبية إلى السيدة المسنة الجالسة تحكي لها عن آلام عظامها التي لا تتوقف منذ فترة حتى اضطرت لأن تزور طبيبًا عله يساعدها في تخفيفها.
ابتسمت لها غفران بإشفاق ثم ساعدتها في ترتيب أغراضها وأخذت تراقبها بعينيها إلى أن اطمأنت لانصرافها بسلام.
لكن عينيها اصطدمت بشاب يقف قبالة الصيدلية، طويل القامة، عريض البنية، خصلات شعره الأمامية مُتهدلة بينما وجهه عابس ممتعض الملامح ، مُكتفًا ساعديه في وضع تحفز لا شك به!
ارتبكت نظراتها وهي تتطلع إلى العنف الذي احتل مقلتيه.. أم ربما هو التوعد؟!
لا تعلم، لكن هيئته لا تبعث على الراحة، هناك شيئًا كريهًا يتعلق به، وهي الآن تحس تجاهه بالخوف رغم أنه _بطريقة ما لا تستوعبها_ بدا مألوفًا نوعًا!
انتبهت إلى وضعها المزري.. أتخاف غريب عابر؟
أتتوتر لدى رؤية أي امرئ يسير إلى جوار الصيدلية؟
ماذا لو أنه مجرد شخص أراد شراء دواء ووقف ليتذكر الاسم؟
ألن تتخلص من حالة الذعر التي استحكمت بها منذ بداية تعرضها للابتزاز؟!
ينبغي عليها أن تفرح لأن ذلك المُبتز أيًّا كان من هو لم يعُد لتهديدها ثانية واكتفى بالمال، فلم تخسر سوى عشرة آلاف من الجنيهات و.. صديقة لن تجد مثلها إلى الأبد!
"مرحبًا!"
انتفضت بمكانها لتراه أمامها بالفعل!
متى دلف بينما لم تشعر؟ لا تعرف!
ولماذا تُكبلها نظراته وكأنه يمارس عليها نومًا مغناطيسيًا في سرعة واحترافية؟!
إعصار!
رأته كثيرًا بالأفلام فتساءلت كيف يكون شعور الأشخاص الذين يقبعون تحت قسوته..
الآن يبدو أنها تتعرض لأمر مشابه له!
_أريد شرابًا لعلاج الغثيان!
قالها باشمئزاز صارخ، فازدردت لعابها وهي تعي حقيقة شعوره على انطباع وجهه، وحِدَّة نظراته التي لم يرمقها بها ألد أعدائها نفسه من قبل!
لكنها تمالكت نفسها وقبل أن تتحدث ظهر زميلها يسأله بمهنية:
_ألديك وصفة طبية؟
_لا، لم أزر طبيبًا.
أجابه سريعًا وبقى مُحتفظًا بتعبيره المُثير للتوتر، فهتف الشاب وهو يختفي بالداخل ليجلب الدواء:
_ربما يجب عليك أن تفعل، خاصًة إذا كانت هناك أعراض أخرى مع الغثيان.
وانحلت عقدة حاجبيه ليرسم نصف ابتسامة على ملامحه، نصف ابتسامة فقط لم تؤثر في البُغض المُوجه منه إليها هي تحديدًا دون سبب!
أو.. ربما هي من باتت ترتاب بالجميع؟!
_لا أظن أن الشعور بالاشمئزاز يمكن أن يكون أمرًا خطرًا..
ردَّ ثم سكت ليتحرك يمينًا، وضع كفيه على الحاجز الخشبي أمامها، وتخلى عن ابتسامته فلم تدرِ أهذا أفضل أم.. أسوأ..
بغضب؛
بكراهية؛
بثورة؛
كان يحملق بها مُستكشفًا في ضراوة، فلم يجد إلا ملامح بريئة امتزجت بمعجزة ربانية مع جمال فتَّاك ربما تُسئ هذه الفتاة استخدامه!
_أليس كذلك يا دكتورة؟!
في خفوت ساخر سألها وهو يوجه لها الحديث مباشرًة هذه المرة، فتجهم وجهها ولم تُجبه لتنتحي جانبًا حتى عاد زميلها يُنهي عمله معه..
وحينما دفع الثمن وغرب عن وجهها بهالة التوتر المحيطة به تنفست الصعداء أخيرًا!
...
ألقت التحية على زميلتها التي تتولى أمر النوبتجية الليلية لهذا اليوم، وإلى الخارج خطت تسير في سرعة كي تعود إلى بيتها، إلى غرفتها، حيث يتوقف العالم عن إيذائها لبضع ساعات!
"دكتورة غفران!"
ابتسمت وهي تتطلع إلى الصبية التي تساعد والدتها في شَيّْ كيزان الذرة بجوار الصيدلية فاتجهت إليها وانتقت بعضًا منها، وعندما انتهت كانت الصغيرة تتطلع في لهفة إلى الثمن المُضاعف الذي نقدتها إياه في عادة يومية مُتغاضية عن سؤالها المُستمر عن سر حب هذه الطبيبة الشديد للذرة!
...
خطوات أخرى سارتها بعد أن انتهت من توزيع ما لديها من كيزان لليوم على بعض مساكين هذا الحي حيث تعمل بصيدليته، قامت بِلَف آخر اثنين لديها في حقيبتها لتعطي الأول لعمتها أماني والآخر.. ليزن!
"دكتورة غفران!"
والنداء هذه المرة لم يكن بصوت صبية، بل اخترق سمعها بنبرة مقت أدركتها قبل أن تستدير إلى الخلف لتشهق بذعر وهي تواجه الشاب نفسه الذي أثار خوفها منذ ساعتين أو أكثر، بثقة اتجه إليها بينما تسمرت مكانها تتقافز ضربات قلبها وقبل أن تتحدث سمعته يقول في خفوت:
_ابتعدي عنه!
لبعض الوقت ألجمها الصمت أثناء محاولتها فهم مقصده، ثم خرج تعليقها مُقتضبًا بصوت مبحوح:
_عفوًا؟!
_لقد سمعتِني، ابتعدي عنه وإلا سأخبر الجميع بحقيقتكِ!
تشوش ذهنها أكثر وغاب انتباهها بالكامل، يبدو متأكدًا، يبدو واثقًا، يبدو أيضًا جَادًّا بتحذيره!
لكن.. عن أي حقيقة يتحدث يا تُرى؟!
_هل أنت مختل؟! ابتعد عني وإلا صرخت!
قدر ما استطاعت أمرته في ثبات، فقال بتحذير صريح:
_لا أنصحكِ أن يرتفع صوتكِ فيعلم الجميع الصورة الخبيثة للطبيبة المهذبة سليلة عائلة تحافظ على القيم والأخلاق.
لو مد كفه ليصفعها ما استطاع أن يُحدث بها التأثير نفسه هذه اللحظة!
ارتج قلبها، شحب وجهها؛
تجلَّى الهلع بأبشع آياته على جمال ملامحها!
_ماذا تعني؟
سألته في آخر محاولة لها للتظاهر بأنه قد أخطأ العنوان، فأجابها في استهزاء:
_تفهمين ما أعني، دعيه وشأنه وإلا أبلغتهم بعنوان ذلك البيت المهجور!


تعليقات