رواية روح بلا مأوي الجزء الثاني الفصل التاسع 9 بقلم سارة فتحي
****
لم يعد فى الروح روحُ لم تتألم وتتوارى بين شقوق
الشجن
حبيسة داخل قفص احزانها تنزف ألم حينما تعجز دموعها عن الهطول تضغط على صدرها تخنقها، فهى بحاجة إلى ذراعيه لترتمى بداخلهم ليخبرها بأن كل شئ سيمر وانه مجرد كابوس يطاردها كحالها كل ليلة،
لكنها تصارع بمفردها فى الحياة فقد تجمعت عليها
نفوس وحشية لتنهشها، عقلها يكاد أن يقتلع رأسها من مكانها محاولًا استيعاب ما قاله
هل يعاقبها على ذنب لم تفعله؟!
تعانى من ندبات الماضى، كانت تظن أن الحياة عقدت
معها هدنة أو ربما غفلت عنها لكن هيهات، صفعاتها
على حين غفلة، ظلت ساكنة تضم ركبتيها أعلى صدرها
وهى تجلس فى ارضية الغرفة كما اعتادت عند الصدمات
تجلس فى زواية منفردة بحالها، وضعت يديها على رأسها
التى تنبض بألم رهيب؛ فالألم اصبح مثل عواصف قوية
أغمضت عيناها بقهر فهى لم تشعر ابدًا انتماءها لهذا العالم، هدف واحد فى عقلها هو أن تتخلص بأسرع
ما يمكن من زواجها، سئمت أن تشعر أنها نصف أنسان
كأنها مرض معدى الكل يبتعد عنه، ماحدث من زهير
جعلها تعلم شئٍ انها لا تتناسب مع هذه الحياة هى
فقط بحاجة الطلاق لتنال حريتها وترحل، تسارعت
نبضات قلبها عند فكرة انفصالها عنه ترتجف كورقة
شجر فى مهب الريح، شعرت بمقبض يفتح
من الخارج نهضت مسرعة تولى الباب ظهرها بينما
تقدم كنان يضمها من الخلف يستند بذقنه على كتفها
وهو يهمس فى اذنيها:
- وحشتينى أوى، متبعديش عنى تانى
قلبها سيخرج من صدرها بسبب قربه حاولت التملص من بين يديه لكنه رفض ومازال يهمس فى اذنيها دافنًا رأسه فى عنقها يقبلها بنعومة:
-متحاوليش مش هتبعدى عن حضنى تانى
اتعودى عليه بيت وسكن ليكِ
يحذرها عقلها ألا تستسلم فنزعت يديه مبتعده عنه واستدارت بوجهها قائلة:
-كنان عايزين نتكلم
تلاقت عيناه مع عيناها السوداتين، وشعرها
الأسود اللامع وتلك البراءة التى يحملها وجهها يريد أن تبقى باحضانه دائمًا فأجابه بصوته الأجش:
- طب ما احنا كنا بنتكلم ولا أيه
رفعت يدها لتعيد خصلات شعرها التى تهاوت على
جبهتها ثم زفرت بعمق محاولة السيطرة على مشاعرها
فالاستمرار فى هذه العلاقة لم يكن سوى تدمير لقلبها
وروحها فهمست:
- أنا محتاجة ارجع الشقة هناك عشان الامتحانات قربت
وكل كتبى هناك، دا غير شغلى لازم ارجع تانى فى اوردرات كتير، محتاجة الهدوء هناك عشان اركز.. كمان
هناك قريب من الجامعة
عبست عيناه مغمغمًا:
-تانى يا كيان، لو على كتبك هنروح بكرة نجبهم
كمان ممكن تأجلى شغلك بس شهر الامتحانات
كفايا تعبك معايا الفترة اللى فاتت، أما الجامعة
هوديك أنا بالعربية وهجيبك متقلقيش
رغمًا عنها انفلتت منها صرخة معترضة:
- لأ
اغمضت عيناها تتدارك نفسها:
- مش متعودة على كدا ومش هقدر اعيش هنا
لو كان شخصًا أخر صرخ بوجهه كان سيحدث ما لم يحمد عقباه، امتدت يده لترفع وجهها باطراف اصابعه ثم قال:
- هنحاول مع بعض الأول أنا كنت مش عارف اتحرك
دلوقتى هكون معاكِ فى كل خطوة، هنعمل كل حاجه
مع بعض، الموضوع دلوقتى أسهل
وهنتعود، ساعدينى هو الموضوع فى الاول بس صعب
بعدين مش كنا اتفقنا أيه اللى جرى تانى؟!
ابتلعت غصه فى حلقها فطريقتها ستجعله يطالب
تفسيرات كثيره حول تغيرها تنفست بعمق رافضة
أن يظهر الضعف فى عينيها وبصعوبة حبست دموعها قائلة:
-اه اتفقنا بس يمكن تعبك كان شاغلنى على العموم
أنا عندى زيارة بكرة لدار الرعاية
وعايزه اروح اقابل صاحبتى
جذبها إلى احضانه قائلًا وهو يهز رأسه بيأس قائلًا:
-يعنى ورانا كذا مشوار بكره، أنا تحت أمر صاحبة
اجمل عيون فى الكون، أنا مش مصدق إنى متجوز
واحدة بتدرس، حاسس كأنك بتضغطى عليا عشان
اوافق على طلباتك زى طالب فى ابتدائى وهو بيضغط
على مامته عشان يعمل الواجب، بس احب اقولك انتِ
بس تؤمرى وأنا انفذ
وخزات بقلبها كانت تريد أن تشعر بالحب مرة واحدة فى حياتها عضت على شفتيها السفلى تمنع نفسها من البكاء بين ذراعيه كل شئ مؤلمًا..الموقف مؤلم.. المكان مؤلم؛ وجودها مع والده فى نفس المكان مؤلم تحركت بهدوء من بين ذراعيه وابتسمت ابتسامة
باهته قائلة:
-عايزه اشرب قهوة تشرب معايا
أوما لها بالإيجاب غادرت الغرفة وهو خلفها توجهت صوب المطبخ لصنع قهوة بات عقلها يطلبها بشدة، وقف
امامها متسائلًا:
- مقولتيش يا كيان عملتى أيه مع زهير؟!
اصابها الذعر عند سماع سؤاله، جاهدت حتى لا يظهر
أى شئ على وجهها وأن تحافظ على الابتسامة:
- اتبسطت روحنا قعدنا على النيل كنت محتاجة
اغير جو كدا
نضجت القهوة ولم تنتبه لها فسقطت على الموقد
لم يسفعها عقلها فرفعتها بيديها من على النار مسرعة ثم
القتها وهى تصرخ اقترب منها مسرعًا يضع يدها
تحت الماء وجلت اللهفة على ملامحه فظلت تراقب خوفه عليها اغمضت عيناها تسجل هذه اللقطات فى ذاكرتها
هو خطأها الأعظم، خطوتها المتهورة
همس بصوته بتوتر:
- بتوجعك لسه؟!
فتحت عينيها تهز رأسها بنفى وهى تسحب يدها:
-لأ بقت أحسن خلاص
- مالك مش طبيعية ليه؟!
بحثت فى اعماق عقلها على اجابة مقنعة قائلة:
- عشان جدول الامتحانات انا بتوتر كدا قبل الامتحانات
اسفة هعملك قهوة تانى
هز رأسه بنفى وتناول يدها قائلًا:
- بلاها قهوة وتوتر ويلا عشان تنامى
*****
احاطهما الصمت من كل الاتجاهات بينما هى شحبت
ملامحها وهى تقف فى منتصف الغرفة اما هو يقف
خلفها مثبت نظره عليها استدرات سريعًا متسائلة:
- انت هتنام فين؟!
كست عينيه عاطفة وهو يتقدم نحوها قائلًا:
-هنا على السرير
- لا مينفعش
قهقة عاليًا قائلًا:
- لأ دا أنا قتيل السرير النهارده بقالى شهر مش عارف
أنام..بعدين انا لو خرجت من الاوضة هيبقى شكلى
وحش يرضيكى
ابتلعت شعور عميق بمرارة وهى تفرك اصابعها تشعر
انها تقف على لهب الجمر، زادت سرعت تنفسها وبداخلها
صراع، كل هذا وهو يراقبها كان يعتقد انها اعتادت على
وجوده، سيمنحها بعض الخصوصية ويتركها الليلة
ابتسامة باهتة قال:
- أنا هخرج مع ضياء وهتأخر نامى أنتِ
اقترب منها وقبل جبينها ثم اولاها ظهره نحو الباب
واغلق الباب خلفه رمقت الباب بعد أن اغلقه ثم
ارتمت على الأرض تبكى من ألم قلبها
فهى تأكدت بأن احلامها لا يمكن أن تحقق
ولن تحظى بتكوين اسرة دافئة فى يوم
*****
فى صباح اليوم التالى
جلس بجوارها على طرف الفراش مد يده لتلامس
يدها ثم امسكها بين يديه يتحسس
يدها يمرر اصابعه على خطوط المرسومة على كفها
ثم انحنى يقرب شفتيه ويقبلها فى باطن يدها قبلات
ناعمة، ارتجفت فى نومتها ثم رفرفت جفونها فابتسم لها:
-صباح الخير
أومات وهى تسحب يدها وجلست على الفراش كان وسيمًا للغاية سرواله الجينز وقميصه الذى يماثل لون البحر ورائحته تداعب انفها تشعر بنبضات قلبها تشتعل اسفل اذنيها فهمس
بصوته الدافئ:
- يلا عشان ورانا مشوارين ولازم نلحق
شعرت بإضطراب معدتها وهى تسمع نبرة صوته
ورائحته تتغلغل داخلها قائلة:
- هو فى أيه؟!
غمز لها بطرف عيناه وهو يبتسم على حالتها:
- فى ايه بقى؟!
اجهزى ويلا مستنيكى بره
***
بعد مرور دقائق كانت تلقى نظرة اخيرة على نفسها
فى المرآة ثم توجهت للخارج فوجدته يجلس مع
والديه فألقت التحية عليهم فحدثها زهير بابتسامة:
- صباح الخير يا عروستنا
صحيح يا كنان ضياء قالى أن الفرح بتاعه بعد شهر
فأنا قولتلوا أنا فرحه هدية منى ليه فى المكان اللى
يختاروا، وبفكر أعملك فرحك معاه وما هو مش
معقوله ابنى الوحيد ميعملش فرح وافرح بيه
تدخلت نهلة مسرعة تؤكد كلامه:
- فكره حلوة انا كنت هقول كدا اصلًا
كلماته كالحمم تنصب فى اذنيها كيف هذا الثبات، هو
بالتأكيد مختل عقليًا، مريضًا نفسيًا بداخله غريزة انتقامية
يحاول أن يحشرها فى الزواية
تناول كنان يدها متسائلًا:
-ايه رأيك؟!
ارتجفت عيناها وهى تنظر إليه تود أن تعتذر على
ما سيعانيه معاها ثم اسبلت اهدابها قائلة:
- للأسف مش هينفع عندى امتحانات
توسعت عين نهلة بإستنكار:
-انتِ لسه بتدرسى
معقولة!!
مش عارفه ازاى تتجوزى كدا انتِ صغيره
قبل أن يرد كنان قاطعته هى قائلة:
- لأن كان خروجى من الشقة حياة أو موت مفيش
غيرها ملجأ ليا الناس بره وحشه تتعاملى معاهم
من بعيد ملايكة تقربى شيطان رجيم، فظروفى
اللى انتوا عارفينها كان نزولى الشارع يعنى ضياع
مش كل الناس نيتها صافية زيك و زى كنان و و و
عمو زهير طبعًا أنا كنت ممكن اعمل أى حاجه حلال
ولا أنى اترمى فى الشارع
تناول كنان كفها يربت عليه قائلًا:
- انا وكيان هنقرر ونقولكم...يلا بينا عشان اتأخرنا
****
وقفت هاجر فى المطبخ وكانت اصوات ارتطام الاطباق
والملاعق هى المسيطرة، تلتف حول نفسها بضجر تتخبط بين الأوانى، ولج والدها ووضع الأكياس
على رخامة المطبخ فاستدارت له وهى تجز على
اسنانها:
- الضيف دا هيجى امتى؟!
عشان انت عارف انى خارجة النهارده
اجابها والدها وهو ينظر لها مؤنبًا:
- وبعدين يا هاجر يابنتى
قال جاى على الغدا مسألتش على الوقت بظبط
بعدين انتِ رايحة فين؟!
زفرت بضيق:
- بسأل عشان الوقت ميسرقنيش وألحق
بعدين مش قولتلك على حوار بنت خالى عاصم رايحة
قابلها
اجابها بهدوء:
- أه.. انا عايزك بعيدة عن الموضوع دا يا هاجر ومتحمليش نفسك فوق طاقتها ومتشليش ذنب
مش ذنبك البنت ديه مالكيش دخل فى اللى حصلها
يا حبيبتى.. بلاش تدخلى نفسك فى مشاكل
تنهدت ورسمت ابتسامة هادئة على ثغرها قائلة:
- متقلقش يابابا مش زى ما انت فاكر انا حبتها بجد
انا حابه اكون معاها متقلقش
هز رأسه متفهمًا ثم تركها فى حيرتها مع الاوانى مرة اخرى
*****
ظلت طوال الطريق صامتة، شاردة حاولت أن
تخرج تلميحات والده وكلامه من رأسها، وتفكر
فقط الخروج من هذه علاقة دون أن تكسر قلب
كنان فهو لا يستحق، ارتفعت المرارة والحسرة
إلى حلقها، وانكمشت اكثر على نفسها تشعر
بأهانة تسرى بداخلها.. فهمس هو:
- كيان
انتبهت له قائلة:
- نعم
- كلام ماما ضايقك
استدارت له بابتسامة هادئة:
- لأ خلاص.. الدار اخر الشارع دا
حدق فى وجهها وهو يضيف:
- انا اتصرفت وجبت معايا وجبات أكل عارف أنك محضرتيش نفسك
دقائق وكان يصف السيارة امام دار الرعاية ويترجل منها وما أن وقعت عيناه على اللافتة قطب ما بين
حاجبيه لكنه تجاهل الأمر، تنفست كيان بعمق وهى تهبط بقدمها على الأرض وقف امامها كنان بطوله وعينيه الزيتونتين تلمع مع اشعة الشمس، اخفضت
بصرها سريعًا وسارت للداخل وهو خلفها وما أن وطأت
قدمه المكان تأكدت ظنونه، ليس ملجأ للاطفال
بل هو دار رعاية شباب ما فوق العشرون عامًا
كور قبضته وتشددت عضلات وجهه يبدو من
الاستقبال انها تتردد دائمًا على هذا المكان، صوت من الخلف ألهب حواسه، ابتسمت هى ثم التفت:
- تامر
وقف امامها مباشرة وثبت نظره عليها باشتياق ولهفة قائلًا:
-كنتِ فين يا كيان كل دا قلقت عليكِ ومش بتردى
على الفون طمنينى عنك
ابتلعت وهى ترمق كنان بطرف عيناه وقبضته المضمومة
قائلة:
- كان عندى ظروف يا تامر طمنى عنك انتِ والشباب
بخير
أومأ فى صمت وهو يحدق فى وجه كنان متسائلًا:
- مين يا كيان الاستاذ؟!
تلفظه اسمها بتلقائية جعلته على حافة بركان أوشك
على الانفجار وقبل أن ترد اجابه بنبرة متحدية:
- دكتور كنان جوزها
اتسعت عيناه وتصلب جسده من الصدمة ثم نظر لها
بنظرات ملحة كى تنفى ما قاله، ابتسمت بتوتر:
- جوزى اه... طمنى عنكم
لمعت عينيه بطيف من الحزن قائلًا بيأس واستسلام:
- مبروك ... كلهم جوه ادخلى
انصرف من امامهم وقبل أن تخطو للداخل جذبها
كنان من معصمها:
- جوه فين؟!
- فى ايه مالك فى استقبال الدار .. مش الأكل جه هنقعد معاهم نتغدا ونمشى
زفر بشدة يحاول السيطرة على العواصف بداخله ولج
معاها وأنضموا شباب الدار جميعهم يتحدثوا معاه بكل
أريحية، بدأوا فى اخرج علب الطعام مدت يدها له
بأحدى العلب تناولها منها وما أن شرعوا فى الطعام
ولج تامر تابعه هو كالنمر الذى ينتظر أن ينقض على
فريسته توسعت عيناه عندما لاحظ احمرار انفه
واثر البكاء عليه التقط علبة الطعام الخاص به
وبدأ بتناول الطعام لكن امتعضت ملامحه وهو يضع
علبة الطعام على الطاولة قائلًا:
- دا مش أكلك يا كيان مش من ايديكِ
-لا ملحقتش
هز رأسها على مضض ثم وقف ليغادر، نهضت هى
مسرعة تقف امامه بأسف:
- تامر أنا عارفه أنك بتحب أكلى المرة الجايه هعملك كل
اللى بتحبه
احترقت الدماء بعروق كنان قائلًا:
- يلا يا كيان اتأخرنا لسنا ورانا حاجات هنعملها
*****
بعد مرور ساعتين وقفت امام طاولة الطعام ترمقها
بانبهار قائلة لنفسها بتفاخر:
- حاسة نفسى انى شيف سيكا تسلم ايديكِ يا هاجر
ولج والدها من الخلف متسائلًا:
- ها يا هاجر رصيتى السفر
أشارت بيدها بحركة استعراضية صوب السفرة:
-سفرة تشرف رغم انى ما كنتش حابها تطلع حلوه
كدا
- ليه يا بنتى؟!
لوت ثغرها بتهكم قائلة:
- احسن الشيخ مجاهد يعجبوا الأكل وينط لينا كل شوية
فرك والدها وجهه بعصبية يأسًا من تصرفاتها:
- اسمه الشيخ هاجد مش مجاهد
طوت ذراعيها امام صدرها قائلة:
- احنا هنفت فى اسمه زى ما يكون المهم مايجيش تانى
انا هروح البس عشان نازلة وانتوا خلصوا أكل
وأقعدوا فى الريسبشن وسيب هنا وانا لما ارجع أشيل
انصرفت إلى غرفتها وولج الشيخ هاجد مع والدها
لتناول الطعام وبعد ما انتهوا من الطعام توجه هاجد
للمرحاض ليغسل يده، ولجت هى من غرفتها فوجدت
والدها يقف فى رداهة مدت يدها فى جيب قميصه
تخرج حفنة من الأموال تضعها فى حقيبتها:
- مش هعدا وراك خليهم ببركتهم يابركة انت
انتوا هنا ليه صحيح مجاهد دا مشى ملى بطنه
عندنا واستريح سبيل هو عشان جاى يتغدا
تسمر والدها مكانه وهو يرمق الذى يقف خلفها عضت
على شفتها السفليه قائلة:
- يادى الكسوف اوعى تقولى اللى فى دماغى صح
سمعت صوت حمحم من الخلف فاغمضت عيناها بخجل بينما اجابها والدها من بين اسنانه:
- صح يا هاجر امشى من وشى
****
- انت ليه اخدتنا كدا بسرعة هو فى ايه؟!
تلك الكلمات وجهتها كيان إلى كنان
شعر بدماء تتدفق فى وجهه داس على مكابح السيارة
فجأة:
- مين تامر دا؟! وليه بيتعامل معاكِ كدا ممكن تفسير
اغلقت عيناه تتنفس بعمق قائلة:
- تامر دا حالة خاصة، انا اعرفه من أيام ما كنا بنيجى
انا وماما هدى هنا هو للاسف، أأأ هو للأسف لقوه
فى كرتونة وهو لسه بيبى ومعاه ورقة مكتوبة فيها
يعنى .. يعنى فيما معناه أنه ابن بطريقة مش
حلال.. مش شرعى (زنا) عشان كدا وامه اتخلت عنه
المشكلة انها طلبت السماح لم يكبر لان ظروفها كانت اقوى منها، طبعًا الملجأ كان كلهم
عارفين ولما وصل هنا الكل عرف حتى كان
فى مسئولين بيتطاولوا بالالفاظ عليه بسبب الموضوع
دا وكتير مضايقات ماما هدى ماسكتتش
ومن يومها وهو شايل الجميل دا، انا بجى مخصوص
عشانه تامر شهور وهيخرج أنت متخيل نظرة المجتمع
ليه وازاى هيعيش بنى ادم من غير هوية هيعيش بصمة عار الاحساس بس صعب اوى عشان كدا
انا بحاول احتويه
صرخ بها قائلًا:
- كياان، خدى بالك من كلامك ومتنسيش انى انا جوزك
ارتجفت من نبرة صوته وهى تجيبه قائلة:
- أيه السطحية دية .. اوعى تقولى أنك غيران
بعد اللى حكيتوا عنه
ابتلع غصة بطعم الصبار من استخفافها بمشاعره ثم
حرك المقود وهو يلتزم الصمت حتى وقف
أمام وجهتهم الثانية قائلًا:
- ساعة وهتلاقينى هنا ياريت متتأخريش
*****
ولج ضياء إلى المكتبة وجدها ترص الكتب بنفسها
اقترب منها بهدوء ثم همس بجوار اذنيها:
- اللى وحشانى
احمر وجهها خجلًا وبداخلها شعور رائع يزيد كل يوم
يعززه ضياء بأفعاله وكلماته شعور الثقة بنفس لطرد
هواجس الماضى رفعت حاجبيها متسائلة:
- بجد؟!
اجابها بصوت اجش من العاطفة وهو يرمقها من اعلاها
لأدناها قائلًا:
- لا لو مش مصدقة اثبتلك وحالًا
توسعت عيناها بتحذير:
- ضياء!!!
- الغمزتين هيجننونى... مش بتردى عليا ليه؟!
تنفست بعمق تهز رأسها قائلة:
-محدش هيجننى غيرك
ومش برد لأن الشغل زنقنى اليومين دول
عشان الحق قبل الفرح
حك ضياء مؤخرة رأسه قائلًا:
- يارتنى كنت أنا
اجابته ببراءة قائلة :
- بعد الشر ياضياء عليك انت عارف انا من كتر الضغط بنام احلم بالشغل
تقوس فم ضياء بخيبة قائلًا:
- هتتعبينى يا بيلا أنتِ انا عارف مش معقول كدا
يا حبيبتى مفيش اى ميول انحرافيه خالص
شهقة وهى تضع يدها على فمها ثم ضيقت عيناها:
- أنت قصدك وقح
اشار إلى صدره قائلًا:
- انا ابدًا دا جاى اسمع واحدة بحبك واروح يلا
تلعثمت فى الكلام وبدأت فى التوتر:
- أااا ووبعدين بقا
التو فمه قائلًا:
- ايه يا بيلا كمية التهتهه ديه .. ديه كلمة بحبك
أومال لو قولتلك هاتى بوسة
ابتعدت للخلف ووضعت يدها على وجنتها وهى تشعر بخفقات قلبها تكاد
تخترق صدرها، فقهقة عاليًا على تصرفاته الطفولية
كطفلة فى مرحلة الروضة ثم نهض يصنع قهوة
****
سارت داخل النادى بخطى متثاقلة ربما يكون تامر
هو سبب انفصالهم فرصة وقد جاءت إليها لعلها
تنقذها من نيران قربه هى الآن على حافة الهاوية
وقفت فى منتصف الطاولات تبحث بعينيها فوجدت
هاجر تلوح لها فسارت إليه ثم توقفت ترمقها وترمق
الجالسين باستفهام تقدمت هاجر منها تسحبها لتجلس
ثم قالت:
- دا ساهر عاصم اخوكِ
أما دا كرم حسين ابن عمك
ديه كيان
نهضت واقفه تحمل حقيبتها وقف فى وجهها كرم
يحدثها برزانة قائلًا:
- أنا ابن عمك الكبير والله ما كنا نعرف حاجة صدقينا
احنا مالناش ذنب حقك متكلميش اهالينا بس احنا
لأ ممكن تقعدى لو سمحتِ
جاهدت نفسها لتتحكم فى مشاعرها بينما تحدثت هاجر
قائلة:
- ايه يا ساهر يا حبيبى أنت جاى مستمع ولا أيه؟!
خرج ساهر من افكاره والمقارنة بين ميرا وكيان فى المظهر مردفًا:
- أنا اسف على كل حاجة حصلتلك
رمقه كرم بنظرات ساخرة:
- ياريتك ما اتكلمت يا ساهر
بصى بقى يا ست كنان انا ماسك كل محلات ابويا
يعنى افهم كويس فى معادن الناس وانتِ دهب
خالص وخسارة فى عمى عاصم
خبطت هاجر الطاولة وهى تجز على اسنانها قائلة:
- أنا جبتكم معايا ليه ها؟!
ضحك ساهر قائلًا:
- هاجر لما بتتعصب بتقلب تبقى شبه عمتى
وديه حاجة صعب أوى
حاول كرم كتم ضحكاته لكنه انفجر بالاخير ضاحكًا
فابتسمت كيان بتوسع من هيئتها مالت هاجر برأسها
قليلًا قائلة:
- ما بلاش انت يا كرم ها ولا نسيت واقول لمرات خالى
وانت ما انت شبه ابوك و دا فى حد ذاته مأساة
- اسف يا هاجر
- اسف يا هاجر
رفعت حاجبها لكيان فوضعت كيان يدها على فمها علامة السكوت، كل هذا تحت نظرات طاهر الذى
يراقبهم من مسافة لا بأس بها
ابتسم ساهر مردفًا:
- طب على فكرة بقى وحقيقة هاجر نص الدفعة
معجبة بيها ومسمينها ام دم شربات وانا بقيت عامل
جارد هناك ليها
همس طاهر مستنكرًا ليقول بسخرية:
- ام دم شربات يا فرحة امك بيك و كمان فرحان أه يابن عاصم
توجه يقف امامهم وهو يحدق بهاجر قائلًا بصوت خشن:
- الست هاجر عامله تجمع ومش بتقول ليا ليه؟!
رمقت كرم سريعًا فاطرقت رأسها متحاشيًا النظر إليها
سحب طاهر كرسيًا ليجلس وهو يسأل كيان عن حالها
اجابته بنبرة غلب عليها الحزن فضيق عيناه فوقها
قائلًا:
- عينيك مش عاجابنى يا كيان كدا بردو كل دا تقلقينى
عليكِ
رفعت هاجر عينيها سريعًا شعرت بطعنه تخترق صدرها
طعنه فى حبها اللامتناهى شعرت بوخزات فى عيناها
من فرط ألالم، رمقها كرم بأسف وهو يلعن غباء اخيه
اجابته كيان بهدوء:
- أنا بخير يا طاهر متقلقش
مرت اكثر من ساعتين ولج كنان يبحث عنها وجدها
تجلس معهم وتوزع الابتسامات الهادئة بلطف اشتعلت
عيناه بالغضب عندما وقعت على ذلك الكريه، زفر
انفاسه بغضب ملحوظ وطوى الارض تحت قدميه
ليقف امامهم، وما أن رأته كيان انتفضت بشكل
ملحوظ خشية من اشتباكه مع طاهر نهضت مسرعة
وتناولت يده بين يدها قائلة:
- عن اذنكم يا جماعة
لكنه لم يتحرك انشًا واحدًا لهيب جسده يزداد ووقف أمامه طاهر يحدجه بنظرات نارية، تدخل كرم يرحب
به قائلًا:
- اهلا يا دكتور نورت اتفضل
- لا شكرًا
سحبها من معصمها وتحرك بها بينما وجه طاهر كل الغضب والسخط لهاجر:
- يارب تكونى يا مبسوطة قال جوزها وهى مرتاحة
كدا.. وهى شكلها لا مرتاحة ولا حاجة وهو بيعاملها ولا كأنها خدامة
عنده مرتاحة كدا
****
يقود سيارته بصمت تام عروقه نافرة من رقبته
يشعر بدماء تندفع بقوة فى رأسه تزيد اشتعال
افكاره الجنونية يحاول تمالك نفسه إلا سيحدث
ما لا يحمد عقباه
بعد مرور وقت وصل امام الفيلا قائلًا:
-انزلى
ابتلعت بتوتر قائلة:
- مش هتنزل أنت كمان
حدجها بنظرات لأئمة لأفعالها ثم ابتسم بتهكم:
- لا.. واتفضلى بقى
انت رايح فين؟!
فقد السيطرة على نفسه وأخذ يضرب المقود بهستريا
وهو يصرخ:
- على أساس انى فارق معاكِ ها .. دا أنا بنى ادم
سطحى غبى مبفهمش المفروض اشوفك مع الناس
ديه كلها واسكت ايه مش شايفانى قدامك مش
حاسه بيا... وانا عشان مش عايز اوجعك ليه
بتوجعينى.. لو سمحتِ انزلى محتاج اكون لوحدى
هطلت دموعها بحزن بالغ بسبب حالته فحبه
تغلل بداخلها كشجرة عتيقة امتدت جذورها للارض السابعة لكنها مضطره لاجله أن تنزعها من جذورها همست من بين دموعها:
- أنا اسفة انا مستاهلش كل دا ممكن تنزل بلاش تسوق
وانت كدا .. إلا هفضل معاك
ادار محرك السيارة ولا يدرى إلى أين
*****
ولجت هاجر بخطوات متهدلة للداخل وارتمت على
على الاريكة، ألم يحطم روحها بين طيات قلبها تشعر
بحزن مرير، خرج والدها من الداخل بابتسامة قائلًا:
- كويس أنك جيتى يا هاجر كنت لسه هكلمك
ارغمت نفسها على الالتفات له بابتسامة باهته:
- خير يا بابا أنا هدخل انضف الدنيا
هز رأسه بالنفى ثم حدثها برازنة:
- انتِ اغلى حاجة فى دنيتى يا هاجر وأنا عايزلك
الخير .. الشيخ هاجد طلب ايدك صدقينى يا بنتى
الرجل دا معدنه نضيف حاولى تفكرى وتاخدى فرصة
اجابته با قتضاب :
- أنا موافقة يا بابا
****
- يا بهايم أنتوا ازاى مش تتأكدوا من حاجة زى ديه
انتوا بتقولوا التالت ديه فى الرابع شكلها هنعمل
ايه فى النزيف
- تلك الكلمات نطقها الدكتور الذى يقوم باجهاض ميرا
شحب وجه الممرضة وهى تقول:
- يا دكتور اتصرف النزيف مش بيوقف و النبض بقى
بطئ
اجفل بفزع وهو يضع يده على عرقها النابض فى
رقبتها شعر بالظلام الدامس من حولها وهو يوزع
نظراته فى الممرضات ثم سألها :
- هى جايه لوحدها ولا حد معاها
-فى شاب هو اللى جاى معاها
خرج الطبيب ووقف امام حسن وهو يزيح كمامته قائلًا بخيفة:
- المريضة ديه كانت فى اخر الرابع مش التالت زى
ما قولتوا للاسف حصل نزيف مضاعف ومعرفناش
نلحقها
سأله حسن بريبة:
- يعنى أيه الكلام دا؟!
- يعنى البقاء لله وتاخدها وتمشى من غير شوشرة
البوليس لو جه هنا انت اول حد هتتشد، مشى حالك
حتى لو تاخدها ترميها فى أى حته الدنيا لي
