رواية روح بلا مأوي الجزء الثاني الفصل العاشر 10 بقلم سارة فتحي
فتح هاجد باب شقته وخطى للداخل فوجد أمه تخرج من المطبخ وتحمل بيدها صحن كبير يكاد يعرف ما به من رائحته فابتسم وهو يمد يده إلى الصحن قائلًا:
-بقلاوة دي يا ست الكل
ضربته على يده ثم انصرفت بعيدًا عنه تضعه امامها على الطاولة فاقترب وهو يعقد حاجبيه:
- ايه دا مش البقلاوة دي ليا
التقطت والدته واحدة من الصحن ووضعتها فى فمه
وبدأت تمضغها بتلذذ، فسال لعابه وهو يقترب منها
متسائلًا:
- حلوه!!
ابتسمت والدته بمكر متسائلة:
-أنت اللى المفروض تقولى يا قلب أمك حلوة ولا أيه؟!
التقط هاجد واحدة من الصحن ثم وضعها فى فمه قائلًا:
-اوى اوى يا امى
اتسعت ابتسامتها قائلة:
-هقابلها امته؟!
مال هاجد رأسها نحو اليمين قليلًا بمكر:
-هى مين ديه قصدك البقلاوة؟!
رمقته والدته بغيظ واخذت الصحن من امامه ونهضت
واقفه قبل أن تتحرك وقف امامها يطالعها بنظرات طفل
برئ ثم حدثها:
-متزعليش كدا.. ادعيلى يا امى بس واكيد هيبقى قريب
-أنا عايزه اشوفها اللى خلت الشيخ هاجد يفكر فى الجواز شكلها ايه
اتسعت ابتسامته لتضئ عينيه قائلًا:
-اكيد زى ست الكل بطعم البقلاوة
لكزته والدته فى كتفه وهى تمتم مستنكره:
-أنا مفيش حد زى أنا لوحدى اللى بطعم البقلاوة هنا
فاهم ياواد
قهقة هاجد عاليًا بينما هى انصرفت وهى تحمل طبق
البقلاوة وترمقه شزرًا فقرص مقدمة انفه قائلًا:
-لا هى نفس كل حاجة والدليل أهو
******
فى ساعات الليل المتأخرة، لا تسطيع هاجر أن تنكر الصدمة من نفسها، ولا تزال ايضا تتخبط بين إذا كان هذا الصوب أم الخطأ، لكن بداخلها ضرمة
لتشتعل نيران تصل لحد السماء فهو لم يتوانى
عن محاولة صدها وتعنيفها، حتى وصل بهم الأمر
عند نقطة لم تريدها اغمضت عيناها تجاهد تلك
المشاعر الفائرة داخلها لكن الشعور الطافى بداخلها
هو الاختناق مزيج الغضب والقهر معًا، هى تعلم
أن قرارها هذا خارج عن طور العقل محمل بثورة
كرامتها لكنها ستحاول أن تمنح نفسها فرصة
جديدة، نهضت من على الفراش تتوجه للمرحاض
كى تتوضأ وتسجد لخلقها ليريحها من حيرتها..
*****
- نعم يعنى أيه الساعة ٤ الفجر ولسه مرجعتش
والفون مقفول
تلك الكلمات قالها عاصم وهو ينتفض من نومته
اجابته علياء بجفاء عكس الضجيج بداخلها:
- انت هتعمل تحقيق معايا يا عاصم أقوم اتصرف
البنت عمرها ما اتأخرت كدا
صرخ عاصم بغضب عارم فى وجهها:
-يعنى أيه الساعة ٤ الفجر وجاية تقوليلى دلوقتى
صمت قليلًا وهو يحاول التفكير قائلًا:
-مش ممكن تكون مع واحدة من صحبتها فى بيتها
غزت الدموع مقلتيها وهزت رأسها بالنفى قائلة بانهيار وقلبًا مقبوض:
-لأ، قلبى مش مطمن
توجه ناحية الخزانة وجهه يحتدم بالحمرة يشعر بوخزات بقلبه، ابدل ثيابه ليغادر مسرعًا يبحث عنها
****
ببطئ وتمهل تحركت كارما وفتحت النافذة تقف
امامها وهى تطوى ذراعيها مستنشقة نسمات الصباح
الأولى اغمضت عيناها بحنين لطفولتها ومراهقتها
فهى الآن اصبحت كاذبة جيدة للغاية تندفع الكذبة
وراء الأخرى من بين شفتيها بسهولة بل اصبحت
تتفنن بالكذب على اخيها، حتى لا يكتشف معاملة
زوجها لها، فالذكريات تسللت مع الهواء وجثمت
على صدرها اختنق حلقها بالدموع هى تستحق
كل ما يحدث لها، اعادها من شرودها رنين
الهاتف فوجدته زوجها عادت لتغلق النافذة
وجلست على الاريكة وفتحت الكاميرا لتجيبه:
-ايوة يا باهر
كان يحدثها وهو يشعل سيجارته ثم سحب نفسًا
ورفع ووجهه منفسًا دخان سيجارته قائلًا:
-كدا بردو تنسى جوزك حبيبك يا كوكو
- عايز ايه يا باهر؟!
التو فمه بتهكم قائلًا:
-لأ لأ، طلعلنا صوت عندك .. بلاش طريقتك ديه يا بيبى
على العموم محتاج فلوس
اجابته بنبرة جليدية ستارًا للحمم التى تندلع بقلبها:
-منين مفيش الفيزا بتاعتى وبقت صفر
واخدت كتير من مامى.. وهنا ضياء بيدينى الفلوس
كاش على قد طلباتى مش باخد فيزا
- خلصتى كلام .. كل دا ماليش فيه.. وعلى سيرة
ضياء تحبى ابعتلوا فيديو من الحلوين بتوعك كدا ما هو
هيبقى عريس نظبطوا يعنى
اقتحمت كلماته عقلها واعتصرت قلبها من تلميحاته التى دهست روحها، قررت أن تنهى الجدال معه بموافقتها حتى لا يزداد الأمر سوءٍ فهو لن يتوقف عن كلماته المخزية
- بطل تلميحاتك ديه ها، بكرة هحاول اتصرف
وديه أخر حاجة لحد ما ارجع وياريت تقفل
عايزه انام
- سورى يا بيبى فرق التوقيت بقى مأخدتش بالى
أنك كنتِ نايمة، يلا تصبحى على خير هستنى بكرة
انهت المكالمة والقت بهاتفها على طاولة بحدة
وتركت لدموعها العنان، تزيد بكاؤها وتحول لنحيب
فوضعت يدها على فمها تكتم شهقاتها حتى لا يشعر
بها احد
******
وقف كنان بسيارته أمام النيل وكان يراقبها وهى تتطالع
من النافذة ودموعها تنهمر وجسدها يرتعد، فى صمت قلبه يخفق بقوة رغبة فى عناقها ويؤنبه ايضًا على ما فعله معها اوصلها لهذه الحالة فكاد يقسم
أن ألم كسر عظامه أهون من ألم الذى يشعر به الآن
اجتاحه الغضب منها ومن نفسه غضب من قدرة
دموعها على التلاعب به فخرج صوته:
-ممكن اعرف بتعيطى ليه؟!
بقيت كما هى لم تلتفت له اما هو اكتسى وجهه بالعبوس متجهمًا ثم قال:
- كيان لو سمحتِ لما أكلمك بصيلى
امتدت يدها إلى وجنتها تمسح عبراتها ثم ألتفت له ومازالت بقايا الدموع عالقة باعينيها فكانت كبحار
العقيق الأسود، حاول جذب عينيها بعيدًا عنها بينما
همست هى:
-نعم
-أنتِ ليه مش قادرة تقدرى موقفى
شعرت ببرودة نخرت عظامها وانهارت باكية:
- موقف أيه؟!
أنت عارف يعنى أيه تعيش منبوذة عارف يعنى أيه
مجتمع رفضك وبيحملك ذنب مش ذنبك اللى هو
لازم تبقى بنى أدم مش سوى مش هنديك فرصة
تتنفس ابن مجهول النسب (الزنا) ذنبه أيه ها
ان مفيش اسرة ترضى تناسبه
فين المجتمع؟؟
فين الازهر؟ امتى الناس هيسيبونا فى حالنا؟ طب انا
كمان ذنبى أيه أن ابويا رفض الاعتراف بيا
افهم انت علاقتى بتامر على اساس اللى جربتوا
وعشتوا
حاول السيطرة على يده كى لا يقوم بعناقها قائلًا:
- أنا مش عارف أنت بتشرحى ليا ليه هل أنا بنى
ادم فعلًا سطحى وغبى مش بعرف افصل
لا خدى بالك انا فاهم نظرات تامر دا وبقولك
ديه نظرات
قاطعته متسائلة بحدة:
-نظرات أيه؟!
جذب خصلات شعره وهو يحاول التحكم بغضبه قائلًا:
- نظرات واحد بيحب واحدة
شهقت من حديثه وهى تهز رأسها بالنفى، فمد يده
يمسح دموعها وهو يمرر ابهامه على وجنتها، ذلك
الشريان الخافق بمعصمه شعرت به على وجنتها
جف حلقها وتسارعت نبضات قلبها أما هو كان مثبت
نظره على بحار العقيق الأسود التى تلتمع بعيناها
مع ظلال الحزن، همهمت هى قائلة:
-كنان هنروح كدا القسم تانى
حك مؤخرة رأسه فهو لو ترك اللجام لقلبه فلن يوقفه
احدًا على امتلاكها، سحب يده وادار المحرك هامسًا:
-لأ احنا نروح بيتنا بكرامتنا
اغمضت عيناها لبرهة وقد تخضب وجهها بالحمرة، احبت لمسة يده التى تشعرها بالدفأ
*****
عاد عاصم إلى شقته بعد أن جاب الشوارع ولم يترك مشفى مجاورًا او قسمًا لم يسأل فيه عن ابنته لكن
لا أثر، ارتمى على الاريكة بخيبة واكتاف متهدلة
تقدمت زوجته بخطوات مسرعة متسائلة بجزع:
-طمنى وصلتلها عرفت حاجة؟
رمقها بنظرة مليئة بالشر ثم نهض واقفًا قائلًا بحدة مفرطة:
-اهو اخرت دلعك مش عارفين بنتك فين؟!
انتِ ازاى كنتِ ساكته كل دا عشان تدورى عليها
يا هانم
صرخ بهم ساهر بصوت جهورى مرعب:
-بس بقى احنا فى أيه ولا أيه مش كفايه خناق
عشان نتصرف
رد عليه والده بصوت واهن قائلًا:
-أنا كلمت كل معارفى فى الشرطة ومستنى حد يرد
دق الهاتف المحمول فاخرجه من جيب سرواله مسرعًا ثم ضغط على زر الاجابة توسعت عيناه بفزع كأن
تيار كهربيًا قوى الشحنة يسرى فى اوصاله واصبحت تعابيره متقلصة للغاية بينما
تتابعه زوجته بخوف ينهش صدرها
أما ساهر كان يتراقب بنظرات آملة كى يطمئن
على تلك الغائبة، تابع عاصم التحديق فى وجوههم
ثم استنشق الهواء المكتوم بعمق، ليهمهم بعدها
بخفوت والرعب جلى على وجهه:
- مستشفى أيه؟!
هى كويسة طيب؟!
ماشى أنا جاى
رفعت زوجته انظارها بتلهف ممزوج بالخوف:
-ميرا فى المستشفى ياعاصم؟!
مالها بنتى؟!
- معرفش هما عايزنى اروح هناك ومحدش قال تفاصيل
يلا بينا
*****
صف كنان سيارته وترجل منها أما هى ما أن وطأت
قدميها الأرض شعرت بدوار خفيف فترنحت خطواتها
فافترب منها يسندها يسألها بقلق:
-انتِ كويسة؟!
ابتسامة هادئة منحته اياها وهى تقول:
-شوية ارهاق بس أنا بخير
بحركة سريعة كان يضع يد اسفل عنقها ويده الأخرى عنده ساقيها حاملًا أياها غير عابئ باعتراضها، دق جرس الباب بصعوبة وهو حملها فتحت له أحدى العاملات
وما أن رأته وهو يحملها عقدت حاجبيها بينما هى دفنت
رأسها بعنقه باستيحاء فشعر بحرارة جسده تتصاعد
من حركتها العفوية هذه، وصل بها إلى الغرفة وانزلها
برفق، حاولت ضبط حجابها وهى تتحاشى النظر إليه:
-ماكنش فى داعى اللى حصل دا
وضع يده فى جيب سرواله وقميصه الازرق الذى جعله
يبدو خطير وساحرًا ثم ابتسم بجانب فمه مما جعله
اكثر وسامة قائلًا:
-هو ايه اللى حصل دا؟!
انتِ ماكلتيش حاجه من الصبح ودا السبب
هروح احضر حاجه خفيفة عشان تاكلى
هتفت مسرعة دون وعى قائلًا:
-لا عشان خاطرى يا كنان بلاش أنا عايزه انام
استمع لأسمه من بين شفتيها بقلب ينبض بقوة
وعنف قائلًا:
-عشان خاطرك ممكن أعمل اى حاجه فى الدنيا
قولتلك أنا ليكِ جيش أنتِ تؤمرى وأنا انفذ
ولائى فى الأول والأخر ليكِ كيان
تلعثمت وهى تقف بارتبارك قائلة:
-انا كان قصدى أنى تعبانة ومحتاجه انام
اقترب منها يطبع قبله سريعه بالكاد لامست شفتيها
ثم رحل بينما ظلت هى مكانها تحدق باثره وكسى
وجهها اللون الاحمر، حاولت السيطرة على ذاتها
وهى تضغط بيدها على صدرها، دقائق وكان يعود
وهو يرترى بنطال اسود وتيشرت احمر وحافى القدمين:
-يلا غيرى عشان ننام
تسلل إليها الخوف الذى سريعًا ما تحول إلى ذعر،
قشعريرة إنتابت جسدها ماذا لو طالب بالمزيد فهو يود أن تكون علاقتهم عادية مكتملة، لكن لا وبشدة فهى مازال تهديد والده عالق فى اذنيها إذا اتمت الزواج سيكون لديها طفل بل نسب سيعيش نفس ظروفها أغمضت عيناها بألم تلاشت كل المشاعر بداخلها وغزت الدموع
مقلتيها ومازالت تقف فى مكانها تقدم منها وسحب
نفسًا عميقًا لداخل صدره ليحافظ على انفعالاته ثم
قام باحتضان كفها وطبع قبلة رقيقة عليه:
-هتفضلى كدا تخافى منى انا قولتلك عمرى ما هغصبك
على حاجة ياكيان وعلى فكره أنا نفسى طويل
وهنام على الكنبه ياستى بس يلا عشان كمان ساعة
والضهر هيأذن
هزت رأسها بصمت وتوجهت نحو الفراش
****
توجهت كارما إلى احدى محلات الصاغة فى وسط البلد
ووقفت امام المحل بقلب يأن ألمًا فهى ستفرط فى
سلسال والدها اغلى ما تملك مسحت دمعة هاربة
منها وتقدمت للداخل واخرجت السلسال تضعه
على المكتب الزجاجى قائلة بحزن:
-لو سمحت عايزه ابيع ديه
هز رأسه بالموافقة وما ان تلاقت عيناه بعيناها فاردف:
- مش حضرتك اللى كنتِ مع هاجر انتِ والدتك
اجابته بارتباك قائلة:
-مش فاكره ممكن تخلصنى
هز كرم رأسه على مضض متسائلًا:
-فين الفاتورة؟!
-كانت هدية اخصم من تمنها
هز رأسه ثم تناول السلسال ووضعه على الميزان والتقط
الألة الحاسبة وقام بحساب الجرامات ثم اخرج المبلغ
المالى من الدرج واعطاه لها اولته ظهرها للخارج ثم عادت
مرة اخرى متسائلة:
- هو الدهب اللى انتوا بتشتروه بيتباع ولا بيفضل هنا
- لا مش بيفضل هنا بنرجع لأماكن معينه
ترقرقت عيناها بالدموع وهى تطالع السلسال ثم هزت راسها مسرعه للخارج، اقترب منه احد العاملين يأخذ
السلسال فتناوله ووضعه بجيبه قائلًا:
-لا سيبه يا سعد وسجله عليا
*****
- البقاء لله.. الحاله الناس جابوها كانت على طريق
بس للأسف كانت اتوفت نتيجة اجهاض
تلك الكلمات قالها الطبيب فى المشفى، بينما ألجمت
الصدمة عاصم وتوقفت عقارب الساعة فى تلك اللحظة عقله يرفض الاستيعاب
اجهاض!!! ابنته عرضه وشرفه ما اصعب الطعنه
من يد القريب سهم نافذ يخترق القلب صرخت
والدتها ملتاعة والدموع تغرق عينيها تنوح باكية:
-بنتى أنا لأ .. ميرا بنتى لأ انتوا غلطانين بنتى
متعملش كدا بنتى مماتتش اتكلم يا عاصم شوف
ميرا فين؟! هات بنتى
صرخ ساهر كطفل صغير وعلت شهقاته وهو يهز رأسه
بهستريا بلا واعى ارتمى على الارض وهو يصرخ:
-يا ميرا والله بحبك متروحيش كدا وتسبينى
بحبك والله وعمرى ما هزعلك يا ميرا
ظلت والدته تصرخ وهى تنبش باظافرها على وجهها
تصرخ وصراخها يهز جدارن المشفى حتى أمر الطبيب سريعًا الممرضة أن تأتى بحقنة مخدر واعطاها لها فسقطت فى ظلام دامس، بينما عاصم شعر بتوقف نبضات قلبه
واختناق انفاسه حاول أن يستند على الجدار لكنه
وقع ارضًا هرول إليه الطبيب والممرضات فى محاولة
اسعافه
*****
-عايز اشوف بنتى يا حسين
تلك الكلمات نطقها بصعوبة عاصم وهو يزيل قناع الاكسجين محدثًا اخيه
بينما هز حسين رأسه بحزن بالغ قائلًا:
-الله يرحمها يا عاصم
ازاح القناع مرة ثانية وحاول استجماع انفاسه قائلًا:
-التانية يا حسين.. عايز اشوفها ودلوقتى فى اسرع وقت
توسعت عين حسين بذهول ثم هز رأسه على مضض
واقترب منه يربت على كتفه ثم اولاه ظهره منصرفًا
****
جلست هاجر فى الاستقبال وهى تفرك يدها بتوتر
فهى وقع على عاتقها اخبار كيان، ولجت كيان
ومن خلفها كنان عقدت حاجبيها باستنكار وهى
تتفحص هاجر كانت ترتدى فستانًا باللون الأسود
وحجاب بنفس اللون وعينيها منتفخة من أثر
البكاء انقبض قلب كيان وانكمشت روحها فجأة متسائلة:
-مالك يا هاجر؟!
اغمضت هاجر عينيها لبرهة محاولة استعادت رباطة جأشها
ثم سردت عليها ماسار معهم وانهت حديثها معتذره
على مجيئها بدون ميعاد، اردفت كيان بنبرة حازمة:
-المطلوب أيه؟!
ابتلعت هاجر وهى تجيبها بتردد:
-خالى عايز يشوفك
كلمات هاجر كانت اشبه بنيران التى سوف تحرق
الاخضر واليابس، ودمائها الهادئة تتحرك داخلها بثورة
الآن تذكر أن لديه ابنة اخرى، استجمعت شتات امرها
وقوتها وقالت:
-وأنا موافقه
دار عقل كنان فى جميع الاتجاهات مابين خشيته
عليها ورد فعلها الصادم رمقها بنظرات حائرة متفحصه
قائلًا بهدوء:
-كيان بلاش .. على الأقل بلاش دلوقتى
هزت رأسها بنفى وعينيها يملأها الاصرار
وبداخلها يصرخ أنا لست قوية كما أبدو
أنا بداخلى اتمزق من الخيبات المتراكمة
****
تسير فى ممر المشفى محاولة تنظيم انفاسها، نعم هى
كانت ترفض رؤيته أما الآن تريد أن تسمع تبريرته
فتقدمت يد كبيره وامسكت بذراعها فرفعت عيناها
كان كنان يطالعها بتوتر جلى على ملامحه، يخشى
عليها من صدمة المواجهة:
-كيان أنتِ هتقدرى
صدرت منها تنهيده حارة تحمل فى طياتها الكثير والكثير
والتزمت الصمت حتى وصلت امام الغرفة وكان الجميع يخيم عليهم الحزن
فولجت للداخل بصمت ووقفت امام الفراش فكان الأمر
اشبه بالوقوف على صبار ملئ بالاشواك، لتجد كهلًا
راقدًا على الفراش يصارع الموت، الألم والحزن فتمعنت
جهاز النبض بقربه وجدته غير منتظم، فتح اهدابه بتثاقل محاولًا الرؤية فكانت ضبابية، اغمض عيناه
لبرهة ثم فتحها وازاحة القناع قائلًا:
-أنتِ كيان .. سامحينى.. ربنا اخدلك حقى منى
سامحينى.. اختك ماتت .. بنتى ميرا.. خايف اقابل ربنا
سامحينى
اصعب بلاء أن تبتلى فى اشدهم قرابه، أن تبتلى بأبًا
جاحد تجرد من الأنسانية، رمقته بنظرات لائمة وليست
شامته نيران تحرق احشائها الآن اصبح نيل غفرانها
مطمع ومسامحتها ملاذه الأخير، اصيب بجلطة من
اجل ما سار مع ابنته وهى من كانت تتعرض للتحرش
وهى طفلة لا حول ولا قوة لها، الآن يناجى روحها
الآن يخشى لقاء ربه، هو من وصمها بوصمة عار مدى
حياتها يتطلب الغفران بكل سهولة، تود أن تصرخ به
لكن احبالها الصوتية خانتها حاولت السيطرة على
رجفت جسدها ودموعها وهى تشهق بفؤاد محطم
اعاد جملته بألحاح قائلًا:
-سامحينى قوليها أنا خايف انا فرطت فى الامانه
اللى ربنا ادها ليا، وعاقبنى واخد امانته التانيه من
ايديا، سامحينى سامحينى طب قولى أى حاجه
اتكلمى
بدأ النبض يتوقف رويدًا رويدًا والاجهز تطلق انذار
جاء الطبيب مسرعًا وأمر بجهاز الصدمات وظل يصعقه
به لكن دون جدوى فمشيئة الله قد اردات شئ اخر،
معلنة الاجهزة عن الوفاة، دموعها نزلت بهطول واسرعت
للخارج ترتمى بين احضان كنان وهى تهمس:
-مات وكان بيقول خايف يقابل ربنا
شعر كنان بثقل جسدها رمقها من الاعلى وجدها غابت
عن الوعى فحملها مسرعًا متوجهًا نحو الطوارئ
سمحت لنفسها بالانهيار بين احضانه فهى سئمت التظاهر بالقوة، فانهيار فقط فهذه اللحظة يعد
قمة الثبات
****
يتبع
-بقلاوة دي يا ست الكل
ضربته على يده ثم انصرفت بعيدًا عنه تضعه امامها على الطاولة فاقترب وهو يعقد حاجبيه:
- ايه دا مش البقلاوة دي ليا
التقطت والدته واحدة من الصحن ووضعتها فى فمه
وبدأت تمضغها بتلذذ، فسال لعابه وهو يقترب منها
متسائلًا:
- حلوه!!
ابتسمت والدته بمكر متسائلة:
-أنت اللى المفروض تقولى يا قلب أمك حلوة ولا أيه؟!
التقط هاجد واحدة من الصحن ثم وضعها فى فمه قائلًا:
-اوى اوى يا امى
اتسعت ابتسامتها قائلة:
-هقابلها امته؟!
مال هاجد رأسها نحو اليمين قليلًا بمكر:
-هى مين ديه قصدك البقلاوة؟!
رمقته والدته بغيظ واخذت الصحن من امامه ونهضت
واقفه قبل أن تتحرك وقف امامها يطالعها بنظرات طفل
برئ ثم حدثها:
-متزعليش كدا.. ادعيلى يا امى بس واكيد هيبقى قريب
-أنا عايزه اشوفها اللى خلت الشيخ هاجد يفكر فى الجواز شكلها ايه
اتسعت ابتسامته لتضئ عينيه قائلًا:
-اكيد زى ست الكل بطعم البقلاوة
لكزته والدته فى كتفه وهى تمتم مستنكره:
-أنا مفيش حد زى أنا لوحدى اللى بطعم البقلاوة هنا
فاهم ياواد
قهقة هاجد عاليًا بينما هى انصرفت وهى تحمل طبق
البقلاوة وترمقه شزرًا فقرص مقدمة انفه قائلًا:
-لا هى نفس كل حاجة والدليل أهو
******
فى ساعات الليل المتأخرة، لا تسطيع هاجر أن تنكر الصدمة من نفسها، ولا تزال ايضا تتخبط بين إذا كان هذا الصوب أم الخطأ، لكن بداخلها ضرمة
لتشتعل نيران تصل لحد السماء فهو لم يتوانى
عن محاولة صدها وتعنيفها، حتى وصل بهم الأمر
عند نقطة لم تريدها اغمضت عيناها تجاهد تلك
المشاعر الفائرة داخلها لكن الشعور الطافى بداخلها
هو الاختناق مزيج الغضب والقهر معًا، هى تعلم
أن قرارها هذا خارج عن طور العقل محمل بثورة
كرامتها لكنها ستحاول أن تمنح نفسها فرصة
جديدة، نهضت من على الفراش تتوجه للمرحاض
كى تتوضأ وتسجد لخلقها ليريحها من حيرتها..
*****
- نعم يعنى أيه الساعة ٤ الفجر ولسه مرجعتش
والفون مقفول
تلك الكلمات قالها عاصم وهو ينتفض من نومته
اجابته علياء بجفاء عكس الضجيج بداخلها:
- انت هتعمل تحقيق معايا يا عاصم أقوم اتصرف
البنت عمرها ما اتأخرت كدا
صرخ عاصم بغضب عارم فى وجهها:
-يعنى أيه الساعة ٤ الفجر وجاية تقوليلى دلوقتى
صمت قليلًا وهو يحاول التفكير قائلًا:
-مش ممكن تكون مع واحدة من صحبتها فى بيتها
غزت الدموع مقلتيها وهزت رأسها بالنفى قائلة بانهيار وقلبًا مقبوض:
-لأ، قلبى مش مطمن
توجه ناحية الخزانة وجهه يحتدم بالحمرة يشعر بوخزات بقلبه، ابدل ثيابه ليغادر مسرعًا يبحث عنها
****
ببطئ وتمهل تحركت كارما وفتحت النافذة تقف
امامها وهى تطوى ذراعيها مستنشقة نسمات الصباح
الأولى اغمضت عيناها بحنين لطفولتها ومراهقتها
فهى الآن اصبحت كاذبة جيدة للغاية تندفع الكذبة
وراء الأخرى من بين شفتيها بسهولة بل اصبحت
تتفنن بالكذب على اخيها، حتى لا يكتشف معاملة
زوجها لها، فالذكريات تسللت مع الهواء وجثمت
على صدرها اختنق حلقها بالدموع هى تستحق
كل ما يحدث لها، اعادها من شرودها رنين
الهاتف فوجدته زوجها عادت لتغلق النافذة
وجلست على الاريكة وفتحت الكاميرا لتجيبه:
-ايوة يا باهر
كان يحدثها وهو يشعل سيجارته ثم سحب نفسًا
ورفع ووجهه منفسًا دخان سيجارته قائلًا:
-كدا بردو تنسى جوزك حبيبك يا كوكو
- عايز ايه يا باهر؟!
التو فمه بتهكم قائلًا:
-لأ لأ، طلعلنا صوت عندك .. بلاش طريقتك ديه يا بيبى
على العموم محتاج فلوس
اجابته بنبرة جليدية ستارًا للحمم التى تندلع بقلبها:
-منين مفيش الفيزا بتاعتى وبقت صفر
واخدت كتير من مامى.. وهنا ضياء بيدينى الفلوس
كاش على قد طلباتى مش باخد فيزا
- خلصتى كلام .. كل دا ماليش فيه.. وعلى سيرة
ضياء تحبى ابعتلوا فيديو من الحلوين بتوعك كدا ما هو
هيبقى عريس نظبطوا يعنى
اقتحمت كلماته عقلها واعتصرت قلبها من تلميحاته التى دهست روحها، قررت أن تنهى الجدال معه بموافقتها حتى لا يزداد الأمر سوءٍ فهو لن يتوقف عن كلماته المخزية
- بطل تلميحاتك ديه ها، بكرة هحاول اتصرف
وديه أخر حاجة لحد ما ارجع وياريت تقفل
عايزه انام
- سورى يا بيبى فرق التوقيت بقى مأخدتش بالى
أنك كنتِ نايمة، يلا تصبحى على خير هستنى بكرة
انهت المكالمة والقت بهاتفها على طاولة بحدة
وتركت لدموعها العنان، تزيد بكاؤها وتحول لنحيب
فوضعت يدها على فمها تكتم شهقاتها حتى لا يشعر
بها احد
******
وقف كنان بسيارته أمام النيل وكان يراقبها وهى تتطالع
من النافذة ودموعها تنهمر وجسدها يرتعد، فى صمت قلبه يخفق بقوة رغبة فى عناقها ويؤنبه ايضًا على ما فعله معها اوصلها لهذه الحالة فكاد يقسم
أن ألم كسر عظامه أهون من ألم الذى يشعر به الآن
اجتاحه الغضب منها ومن نفسه غضب من قدرة
دموعها على التلاعب به فخرج صوته:
-ممكن اعرف بتعيطى ليه؟!
بقيت كما هى لم تلتفت له اما هو اكتسى وجهه بالعبوس متجهمًا ثم قال:
- كيان لو سمحتِ لما أكلمك بصيلى
امتدت يدها إلى وجنتها تمسح عبراتها ثم ألتفت له ومازالت بقايا الدموع عالقة باعينيها فكانت كبحار
العقيق الأسود، حاول جذب عينيها بعيدًا عنها بينما
همست هى:
-نعم
-أنتِ ليه مش قادرة تقدرى موقفى
شعرت ببرودة نخرت عظامها وانهارت باكية:
- موقف أيه؟!
أنت عارف يعنى أيه تعيش منبوذة عارف يعنى أيه
مجتمع رفضك وبيحملك ذنب مش ذنبك اللى هو
لازم تبقى بنى أدم مش سوى مش هنديك فرصة
تتنفس ابن مجهول النسب (الزنا) ذنبه أيه ها
ان مفيش اسرة ترضى تناسبه
فين المجتمع؟؟
فين الازهر؟ امتى الناس هيسيبونا فى حالنا؟ طب انا
كمان ذنبى أيه أن ابويا رفض الاعتراف بيا
افهم انت علاقتى بتامر على اساس اللى جربتوا
وعشتوا
حاول السيطرة على يده كى لا يقوم بعناقها قائلًا:
- أنا مش عارف أنت بتشرحى ليا ليه هل أنا بنى
ادم فعلًا سطحى وغبى مش بعرف افصل
لا خدى بالك انا فاهم نظرات تامر دا وبقولك
ديه نظرات
قاطعته متسائلة بحدة:
-نظرات أيه؟!
جذب خصلات شعره وهو يحاول التحكم بغضبه قائلًا:
- نظرات واحد بيحب واحدة
شهقت من حديثه وهى تهز رأسها بالنفى، فمد يده
يمسح دموعها وهو يمرر ابهامه على وجنتها، ذلك
الشريان الخافق بمعصمه شعرت به على وجنتها
جف حلقها وتسارعت نبضات قلبها أما هو كان مثبت
نظره على بحار العقيق الأسود التى تلتمع بعيناها
مع ظلال الحزن، همهمت هى قائلة:
-كنان هنروح كدا القسم تانى
حك مؤخرة رأسه فهو لو ترك اللجام لقلبه فلن يوقفه
احدًا على امتلاكها، سحب يده وادار المحرك هامسًا:
-لأ احنا نروح بيتنا بكرامتنا
اغمضت عيناها لبرهة وقد تخضب وجهها بالحمرة، احبت لمسة يده التى تشعرها بالدفأ
*****
عاد عاصم إلى شقته بعد أن جاب الشوارع ولم يترك مشفى مجاورًا او قسمًا لم يسأل فيه عن ابنته لكن
لا أثر، ارتمى على الاريكة بخيبة واكتاف متهدلة
تقدمت زوجته بخطوات مسرعة متسائلة بجزع:
-طمنى وصلتلها عرفت حاجة؟
رمقها بنظرة مليئة بالشر ثم نهض واقفًا قائلًا بحدة مفرطة:
-اهو اخرت دلعك مش عارفين بنتك فين؟!
انتِ ازاى كنتِ ساكته كل دا عشان تدورى عليها
يا هانم
صرخ بهم ساهر بصوت جهورى مرعب:
-بس بقى احنا فى أيه ولا أيه مش كفايه خناق
عشان نتصرف
رد عليه والده بصوت واهن قائلًا:
-أنا كلمت كل معارفى فى الشرطة ومستنى حد يرد
دق الهاتف المحمول فاخرجه من جيب سرواله مسرعًا ثم ضغط على زر الاجابة توسعت عيناه بفزع كأن
تيار كهربيًا قوى الشحنة يسرى فى اوصاله واصبحت تعابيره متقلصة للغاية بينما
تتابعه زوجته بخوف ينهش صدرها
أما ساهر كان يتراقب بنظرات آملة كى يطمئن
على تلك الغائبة، تابع عاصم التحديق فى وجوههم
ثم استنشق الهواء المكتوم بعمق، ليهمهم بعدها
بخفوت والرعب جلى على وجهه:
- مستشفى أيه؟!
هى كويسة طيب؟!
ماشى أنا جاى
رفعت زوجته انظارها بتلهف ممزوج بالخوف:
-ميرا فى المستشفى ياعاصم؟!
مالها بنتى؟!
- معرفش هما عايزنى اروح هناك ومحدش قال تفاصيل
يلا بينا
*****
صف كنان سيارته وترجل منها أما هى ما أن وطأت
قدميها الأرض شعرت بدوار خفيف فترنحت خطواتها
فافترب منها يسندها يسألها بقلق:
-انتِ كويسة؟!
ابتسامة هادئة منحته اياها وهى تقول:
-شوية ارهاق بس أنا بخير
بحركة سريعة كان يضع يد اسفل عنقها ويده الأخرى عنده ساقيها حاملًا أياها غير عابئ باعتراضها، دق جرس الباب بصعوبة وهو حملها فتحت له أحدى العاملات
وما أن رأته وهو يحملها عقدت حاجبيها بينما هى دفنت
رأسها بعنقه باستيحاء فشعر بحرارة جسده تتصاعد
من حركتها العفوية هذه، وصل بها إلى الغرفة وانزلها
برفق، حاولت ضبط حجابها وهى تتحاشى النظر إليه:
-ماكنش فى داعى اللى حصل دا
وضع يده فى جيب سرواله وقميصه الازرق الذى جعله
يبدو خطير وساحرًا ثم ابتسم بجانب فمه مما جعله
اكثر وسامة قائلًا:
-هو ايه اللى حصل دا؟!
انتِ ماكلتيش حاجه من الصبح ودا السبب
هروح احضر حاجه خفيفة عشان تاكلى
هتفت مسرعة دون وعى قائلًا:
-لا عشان خاطرى يا كنان بلاش أنا عايزه انام
استمع لأسمه من بين شفتيها بقلب ينبض بقوة
وعنف قائلًا:
-عشان خاطرك ممكن أعمل اى حاجه فى الدنيا
قولتلك أنا ليكِ جيش أنتِ تؤمرى وأنا انفذ
ولائى فى الأول والأخر ليكِ كيان
تلعثمت وهى تقف بارتبارك قائلة:
-انا كان قصدى أنى تعبانة ومحتاجه انام
اقترب منها يطبع قبله سريعه بالكاد لامست شفتيها
ثم رحل بينما ظلت هى مكانها تحدق باثره وكسى
وجهها اللون الاحمر، حاولت السيطرة على ذاتها
وهى تضغط بيدها على صدرها، دقائق وكان يعود
وهو يرترى بنطال اسود وتيشرت احمر وحافى القدمين:
-يلا غيرى عشان ننام
تسلل إليها الخوف الذى سريعًا ما تحول إلى ذعر،
قشعريرة إنتابت جسدها ماذا لو طالب بالمزيد فهو يود أن تكون علاقتهم عادية مكتملة، لكن لا وبشدة فهى مازال تهديد والده عالق فى اذنيها إذا اتمت الزواج سيكون لديها طفل بل نسب سيعيش نفس ظروفها أغمضت عيناها بألم تلاشت كل المشاعر بداخلها وغزت الدموع
مقلتيها ومازالت تقف فى مكانها تقدم منها وسحب
نفسًا عميقًا لداخل صدره ليحافظ على انفعالاته ثم
قام باحتضان كفها وطبع قبلة رقيقة عليه:
-هتفضلى كدا تخافى منى انا قولتلك عمرى ما هغصبك
على حاجة ياكيان وعلى فكره أنا نفسى طويل
وهنام على الكنبه ياستى بس يلا عشان كمان ساعة
والضهر هيأذن
هزت رأسها بصمت وتوجهت نحو الفراش
****
توجهت كارما إلى احدى محلات الصاغة فى وسط البلد
ووقفت امام المحل بقلب يأن ألمًا فهى ستفرط فى
سلسال والدها اغلى ما تملك مسحت دمعة هاربة
منها وتقدمت للداخل واخرجت السلسال تضعه
على المكتب الزجاجى قائلة بحزن:
-لو سمحت عايزه ابيع ديه
هز رأسه بالموافقة وما ان تلاقت عيناه بعيناها فاردف:
- مش حضرتك اللى كنتِ مع هاجر انتِ والدتك
اجابته بارتباك قائلة:
-مش فاكره ممكن تخلصنى
هز كرم رأسه على مضض متسائلًا:
-فين الفاتورة؟!
-كانت هدية اخصم من تمنها
هز رأسه ثم تناول السلسال ووضعه على الميزان والتقط
الألة الحاسبة وقام بحساب الجرامات ثم اخرج المبلغ
المالى من الدرج واعطاه لها اولته ظهرها للخارج ثم عادت
مرة اخرى متسائلة:
- هو الدهب اللى انتوا بتشتروه بيتباع ولا بيفضل هنا
- لا مش بيفضل هنا بنرجع لأماكن معينه
ترقرقت عيناها بالدموع وهى تطالع السلسال ثم هزت راسها مسرعه للخارج، اقترب منه احد العاملين يأخذ
السلسال فتناوله ووضعه بجيبه قائلًا:
-لا سيبه يا سعد وسجله عليا
*****
- البقاء لله.. الحاله الناس جابوها كانت على طريق
بس للأسف كانت اتوفت نتيجة اجهاض
تلك الكلمات قالها الطبيب فى المشفى، بينما ألجمت
الصدمة عاصم وتوقفت عقارب الساعة فى تلك اللحظة عقله يرفض الاستيعاب
اجهاض!!! ابنته عرضه وشرفه ما اصعب الطعنه
من يد القريب سهم نافذ يخترق القلب صرخت
والدتها ملتاعة والدموع تغرق عينيها تنوح باكية:
-بنتى أنا لأ .. ميرا بنتى لأ انتوا غلطانين بنتى
متعملش كدا بنتى مماتتش اتكلم يا عاصم شوف
ميرا فين؟! هات بنتى
صرخ ساهر كطفل صغير وعلت شهقاته وهو يهز رأسه
بهستريا بلا واعى ارتمى على الارض وهو يصرخ:
-يا ميرا والله بحبك متروحيش كدا وتسبينى
بحبك والله وعمرى ما هزعلك يا ميرا
ظلت والدته تصرخ وهى تنبش باظافرها على وجهها
تصرخ وصراخها يهز جدارن المشفى حتى أمر الطبيب سريعًا الممرضة أن تأتى بحقنة مخدر واعطاها لها فسقطت فى ظلام دامس، بينما عاصم شعر بتوقف نبضات قلبه
واختناق انفاسه حاول أن يستند على الجدار لكنه
وقع ارضًا هرول إليه الطبيب والممرضات فى محاولة
اسعافه
*****
-عايز اشوف بنتى يا حسين
تلك الكلمات نطقها بصعوبة عاصم وهو يزيل قناع الاكسجين محدثًا اخيه
بينما هز حسين رأسه بحزن بالغ قائلًا:
-الله يرحمها يا عاصم
ازاح القناع مرة ثانية وحاول استجماع انفاسه قائلًا:
-التانية يا حسين.. عايز اشوفها ودلوقتى فى اسرع وقت
توسعت عين حسين بذهول ثم هز رأسه على مضض
واقترب منه يربت على كتفه ثم اولاه ظهره منصرفًا
****
جلست هاجر فى الاستقبال وهى تفرك يدها بتوتر
فهى وقع على عاتقها اخبار كيان، ولجت كيان
ومن خلفها كنان عقدت حاجبيها باستنكار وهى
تتفحص هاجر كانت ترتدى فستانًا باللون الأسود
وحجاب بنفس اللون وعينيها منتفخة من أثر
البكاء انقبض قلب كيان وانكمشت روحها فجأة متسائلة:
-مالك يا هاجر؟!
اغمضت هاجر عينيها لبرهة محاولة استعادت رباطة جأشها
ثم سردت عليها ماسار معهم وانهت حديثها معتذره
على مجيئها بدون ميعاد، اردفت كيان بنبرة حازمة:
-المطلوب أيه؟!
ابتلعت هاجر وهى تجيبها بتردد:
-خالى عايز يشوفك
كلمات هاجر كانت اشبه بنيران التى سوف تحرق
الاخضر واليابس، ودمائها الهادئة تتحرك داخلها بثورة
الآن تذكر أن لديه ابنة اخرى، استجمعت شتات امرها
وقوتها وقالت:
-وأنا موافقه
دار عقل كنان فى جميع الاتجاهات مابين خشيته
عليها ورد فعلها الصادم رمقها بنظرات حائرة متفحصه
قائلًا بهدوء:
-كيان بلاش .. على الأقل بلاش دلوقتى
هزت رأسها بنفى وعينيها يملأها الاصرار
وبداخلها يصرخ أنا لست قوية كما أبدو
أنا بداخلى اتمزق من الخيبات المتراكمة
****
تسير فى ممر المشفى محاولة تنظيم انفاسها، نعم هى
كانت ترفض رؤيته أما الآن تريد أن تسمع تبريرته
فتقدمت يد كبيره وامسكت بذراعها فرفعت عيناها
كان كنان يطالعها بتوتر جلى على ملامحه، يخشى
عليها من صدمة المواجهة:
-كيان أنتِ هتقدرى
صدرت منها تنهيده حارة تحمل فى طياتها الكثير والكثير
والتزمت الصمت حتى وصلت امام الغرفة وكان الجميع يخيم عليهم الحزن
فولجت للداخل بصمت ووقفت امام الفراش فكان الأمر
اشبه بالوقوف على صبار ملئ بالاشواك، لتجد كهلًا
راقدًا على الفراش يصارع الموت، الألم والحزن فتمعنت
جهاز النبض بقربه وجدته غير منتظم، فتح اهدابه بتثاقل محاولًا الرؤية فكانت ضبابية، اغمض عيناه
لبرهة ثم فتحها وازاحة القناع قائلًا:
-أنتِ كيان .. سامحينى.. ربنا اخدلك حقى منى
سامحينى.. اختك ماتت .. بنتى ميرا.. خايف اقابل ربنا
سامحينى
اصعب بلاء أن تبتلى فى اشدهم قرابه، أن تبتلى بأبًا
جاحد تجرد من الأنسانية، رمقته بنظرات لائمة وليست
شامته نيران تحرق احشائها الآن اصبح نيل غفرانها
مطمع ومسامحتها ملاذه الأخير، اصيب بجلطة من
اجل ما سار مع ابنته وهى من كانت تتعرض للتحرش
وهى طفلة لا حول ولا قوة لها، الآن يناجى روحها
الآن يخشى لقاء ربه، هو من وصمها بوصمة عار مدى
حياتها يتطلب الغفران بكل سهولة، تود أن تصرخ به
لكن احبالها الصوتية خانتها حاولت السيطرة على
رجفت جسدها ودموعها وهى تشهق بفؤاد محطم
اعاد جملته بألحاح قائلًا:
-سامحينى قوليها أنا خايف انا فرطت فى الامانه
اللى ربنا ادها ليا، وعاقبنى واخد امانته التانيه من
ايديا، سامحينى سامحينى طب قولى أى حاجه
اتكلمى
بدأ النبض يتوقف رويدًا رويدًا والاجهز تطلق انذار
جاء الطبيب مسرعًا وأمر بجهاز الصدمات وظل يصعقه
به لكن دون جدوى فمشيئة الله قد اردات شئ اخر،
معلنة الاجهزة عن الوفاة، دموعها نزلت بهطول واسرعت
للخارج ترتمى بين احضان كنان وهى تهمس:
-مات وكان بيقول خايف يقابل ربنا
شعر كنان بثقل جسدها رمقها من الاعلى وجدها غابت
عن الوعى فحملها مسرعًا متوجهًا نحو الطوارئ
سمحت لنفسها بالانهيار بين احضانه فهى سئمت التظاهر بالقوة، فانهيار فقط فهذه اللحظة يعد
قمة الثبات
****
يتبع
