رواية روح بلا مأوي الجزء الثاني الفصل الثامن 8 بقلم سارة فتحي
لانستطيع أن نتحكم فيما لا نملك
فنحن لا نملك اختيار من نحب لكننا نملك الأنسحاب
فحبه يتوغل بداخلها كمرض تريد الشفاء منه
تجلس فى غرفتها المظلمة ساكنةلقد اوجعتها عينيها من كثرة البكاء، تشعر بوخزات تألمها فى صدرها، ترقرقت بوادر الدموع بعيناها ثانيةٍ وهى تستعيد كلمات "طاهر" اغمضت جفونها وهى تتحيس أعلى اليسار، فأصبحت لياليها واحدة لا يتغير شئ بها سوى الألم الذى يتزايد ويتضاعف كل ليلة حاولت أن تنساه لكن لم يحدث فهو دائمًا امامها، لكن هذه المرة كسر خاطرها ودهس قلبها
بكلماته دون شقفة، سئمت من سعيها الذى لا يجدى ووضعت النية لتبتعد عنه تحاول التقاط انفاسها بصعوبة من فرط البكاء، فجأة انارت الغرفة من شاشة
الهاتف مدت يديها تتناول الهاتف ثم ضغطت على زر
الأجابة قائلة:
-مفيش مشكلة انزل اقابلك فى مكانا عادى
****
وقف "طاهر" فى الشرفة يزفر باختناق من حاله
يشعر بالندم على كل حرف تفوه به، لكنه بداخله
شئٍ ما مازال يكابر أنه هو لم يخطئ بل هى
التى تصرفت دون الرجوع إليه، هل يعتذر منها أم يظل هكذا خلف قسوته المزيفة فكلما تذكر نظراتها شعر بحمول الأرض على صدره ولا يعلم السبب غرز اصابعه
فى شعره وهو يضغط بعصبية على فروة رأسه، ثم استند بيديه على السور ينظر للأسفل وجدها تخرج
من البيت، رفع معصمه يطالع الساعة فقد تأخر الوقت
واصبحت الساعة العاشرة مساءًا ولج للداخل مندفعًا ليذهب خلفها ليرى أين تذهب فى هذا الوقت
****
وقفت فى المنتصف المقهى (كافيه) تجول بعيناها المكان حتى وجدت من تبحث عنه جالسًا ذهبت إليه
تسحب مقعًدا وتجلس امامه فى صمت
فقطب "ساهر" حاجبيه قائلًا:
- مال وشك كدا انتِ معيطه يا هاجر
اجابته اثناء تنهيدتها الممتعضة محاولة اخفاء ما تمر به:
- مفيش المفروض كان بابا يجى امبارح ومجاش
فكنت مخنوقة شوية وتعبت من الوحدة
المهم خير أنت عايزينى فى أيه؟!
لم يجيب اكتفى بنظرة صامتة، بداخله تشتت واضح
لا يدرى من أين يبدأ، توتره ذاك جعلها تسأله بتوجس
قائلة:
- ما تتكلم يا ساهر قلقتنى
-هاجر انا عندى اخت غير ميرا وماكنتش اعرف
واضح أن بابا منفصل عن مامتها من زمان
تنفست بعمق قائلة:
-بس دا اللى عرفته ومعرفتش تفاصيل أكتر
وقف "طاهر" على مسافة لا بأس بها وهو يطالعهم
بصدمة هاجر وساهر معًا يلتقيان سرًا تقدم بخطوات
يقف امامهم، رفعت هاجر بصرها ووقف الكلام على
حافة لسانها ثم اجفلت جفونها بينما رحب به ساهر فسحب طاهر مقعدًا قائلًا:
-كنت جاى اقابل واحد صاحبى بس كنسل الميعاد
ولقتكم هنا أيه الصدف ديه
ابتسم "ساهر" بمجاملة ليستطرد:
-سبحان الله احسن صدفه أنا كنت بكلم هاجر فى
موضوع أن ليا اخت
نقل بصره بينهم ثم سأله بتعجب:
- اشمعنا هاجر؟!
اسبلت هاجر جفونها تتحاشى النظر أو الحديث إليه تحمحم ساهر مفسرًا:
-عشان هاجر بغض النظر عن انها بنت عمتى هى صديقتى الصدوقة انت ناسى اننا فى جامعة واحدة
وبنتقابل هناك، ولأن هنا صعب هى تطلع عندنا فبنتقابل
هنا على طول
هزت "هاجر" رأسها فى صمت مؤكده على كلامه، بينما
سحب طاهر شهيقًا وكتمه قائلًا:
-أول مرة أعرف هاجر ماقالتش قدامنا قبل كدا
قاطعه "ساهر" مستفسرًا عن تفاصيل الموضوع فسرد
طاهر كل ما يعلمه، اما ساهر كان يشعر أنه بكابوس
مزعج، فرك وجه قائلًا:
-هى فين دلوقتى؟!
التو ثغر طاهر وهو يطالع هاجر بطريقة ذات مغزى:
- دلوقتى معرفش هى فين للأسف
اجابته "هاجر" وهى مصوبه نظراتها نحو ساهر بدون تردد:
-مع جوزها يا ساهر واكيد قريب هتتقابل بيها
حاول "طاهر" السيطرة على حالة الهياج العصبى من حديثها فهى تظل على تعندها وتشبثها برأيها، ارتسم
الصبر المزيف على وجه وهو يشير إلى النادل قائلًا:
- تلاته مانجا
هز "ساهر" رأسه مسرعًا:
-لأ اتنين بس وواحد كابتشينو هاجر عندها حساسيه
من المانجا
رافع "طاهر" حاجبيه مندهشًا من معرفة ساهر هذه
التفاصيل، اغمضت عيناها لماذا يظهر امامها دائمًا
يكفى ما تعيشه من ألم وتتكبد العناء لدفنه بصدرها
حك طاهر مؤخرة رأسه قائلًا:
-تمام.. بس يعنى يا ساهر مفيش داعى أنكم تتقابلوا
فى كافيه كدا والوقت اتأخر مش حلوة لو حد يعرفنا
شافكم مش كدا ياهاجر
اجابه ساهر:
- عندك حق بس انا كنت محتاج هاجر عشان اتكلم معاها
ضرورى
بينما هى ظلت صامته دون تعقيب اما هو عيناه تحاصرها
لا تدرى هل هذه غيرة أم هو دوره البطولى الذى يعيشه
الكلمات اما ان تكون نسيمًا يجبر الخواطر
اما عاصفة فتقتلع جذور المحبة
*****
ولجت "هاجر" من باب الشقة فتعرقلت قدمها فى المقعد
فصرخت متأوها وهى تضغط على اصبع قدميها الصغير:
-آه.. يخربيت ديه عيله وسنينها السوده انا مالى بالمرمطة ديه.. الواحد مطلعش فى عيلة من اللى بيحبوا بعض ليه ؟! يكش تنشك يا خالى عاصم
فجأة انتفضت وهى تصرخ حينما وجدت اعين تحدق
بها فانتفض بفزع واقفًا، وهى مازالت تصرخ و تلتف حول نفسها حتى رأت
والدها امامها محاولًا تهدأتها، توقفت عن الصراخ
وهى تشير بيديها على ذلك الشخص:
-اهدى دا مش غريب دا ضيف جاى معايا
انا جيت ملقتكيش هنا فقعدنا هنا اهدى
تنفست الصعداء ثم عقدت حاجبيها بتعجب:
-وهو مفيش صالون مقعده فى الريسبشن ليه
والأخ قاعد ومجعوص اوى كأنه قاعد فى املاكه
أيه بابا دا
حدجها والدها بنظرات صارمة قائلًا:
- خلصنا يا هاجر افتكرتك فوق قولنا
ثم تابع وهو يشير إليه:
- هاجد
ثم تحرك يقف بجواره هو يشير إلى ابنته:
- هاجر بنتى
وضعت يديها فى خصرها قائلة:
-نعم!! أنا هاجر هو مين بقى ؟!
جذبها والدها من معصمها وهى يصر على اسنانه:
- الشيخ هاجد دا اسمه اسكتى شويه
لوت فمها بسخرية وهى تقول:
- هاجد!! ايه الأسم دا من قلة الاسامى
ابتسم وهو مطئطئًا ثم قال:
-كان رغبة والدى بعدين الأسم مش غريب بردو يا أنسة
اا هاجر
- احنا اسفين يا شيخ .. يلا يا هاجر حضرى عشا
اجابه "هاجد" نيابة عنها:
-شكرًا يا استاذ مصطفى أنا لازم انزل دلوقتى عشان
السفر والطريق والحق اجيب البضاعة
رمقته بزواية عيناها قائلة لوالدها:
- عشا أيه انا الخضة سيبت مفاصلى كان ناقصنى
أنا .. بعدين سيبه يلحق السفر ولما تجيب
حد معاك متقعدوش فى وش الباب كدا هو مش
من بقيت العيلة .. خلقى ضيق انا يا بابا ها
فغر فاه وعين هاجد" من الصدمة، بينما بُهت وجمد
والدها من تصرفاتها اما هى اولتهم ظهرها ومازالت تهز رأسها مستنكره
*****
فى صباح اليوم التالى
الساعة العاشرة صباحًا واشعة الشمس قد انارت الغرفة
بالكامل وهو مازال نائمًا على مقعده المتحرك، فهى كانت
تشعر به طوال الليل لم يغمض جفنه كان يتململ فى نومته متوجعًا حتى بزوغ الفجر فنهضت واعطته حبة
مسكن وبعد مرور وقت ثقلت جفونه وسقط فى النوم
تصول وتجول فى الغرفة باحثة عن شاحن لهاتفها
إستدارت برأسها للجهة الأخرى وتقدمت نحو الكومود
الأخر وانحنت تفتح الدرج لكنها وجدته خالى تمامًا
اغلقته بعنف عقب ما طالها من سئم وقنوط فاصدر صوتًا انتفض كنان وهو يفتح عيناه رويدًا رويدًا بصعوبة
فوجدها تقف فى مكانها فأطرقت رأسها بخجل:
-اسفة صحيتك
ابتسم راضيًا باعتذراها قائلًا:
-ولا يهمك كفاية افتح عينى اشوفك
انتِ بتدورى على حاجة..
- كنت بدور على شاحن الفون فاصل من امبارح
اجابها بفتور شديد:
- مالوش لازمه يعنى ما انتِ قبل كدا فضل فاصل
اسبوع ايه الجديد
تفاجأت من رد فعله الجاف ثم قالت بانزعاج:
-هو اية اللى مش لازم جروب الدفعة
شغلى عليه وو
شعوره بالغضب يتفاقم بداخله فصرخ بحدة:
-وأيه ها؟! الاستاذ طاهر مثلًا زمانه قلقان وميصحش
وضع يده على صدره متأوهًا يعتصر جفونه بتألم فبرغم
من مسكنات الألم إلا إنها لم تفى بالغرض، اسرعت
تجثو امامه بتوجس واضعة يديها على صدره فعاد بظهره مستندًا على كرسيه وهو يطالعها، متنهدًا بصعوبة آلام مبرحة بصدره فهمست هى:
- انت كويس؟!
- لأ طول ما انتِ مش حاسه بالنار اللى جوايا مش هبقى
كويس.. سيرة البنى أدم دا بتخلينى اتجنن
رمقته "كيان" بنظرة حزينة فهى تعلم جيدًا ثقل سيرة
طاهر على قلبه، فقررت أن تنهى حرب الافكار بداخله
والحريق الذى ينشب داخل صدره وعقله وتقضى
على ظنونه فهمست بهدوء:
- أنت اللى جبت سيرته على فكرة دا أولًا
ثانيًا انا كان قصدى على دار الرعاية بروحها كل شهر
فى نفس ميعاد وكنت حابة اعتذر علشان مروحتش
لأنى كنت بعمل أكل مخصوص عشانهم
الأهم بقى أنى ماكنتش مع طاهر لوحدى كانت بنت
عمتو معانا.. انا ساعتها كنت فى دنيا تانية حتى
ماكنتش اعرف الفون معايا ولا لأ
المفروض أنك قولتلى هنبدأ مع بعض يعنى ياريت
تبطل تنفعل عليا وتزعق فيا بخاف من الصوت عالى وكمان لازم تثق فيا أنا عمرى ماعملت حاجة غلط
صحيح ماكنش عليا رقيب أم او أب بس محصلش
والله حاجة تخلى جواك نار وعلى العموم أحنا لسه فيها
انهت كلامها واطرقت رأسها تحاول التحكم فى محابس
عيناها لكن خانتها عبراتها وعلت شهقاتها، يكاد يقسم
انه يحترق الآن بالفعل بسبب انهيارها هكذا، مد يده
اسفل ذقنها رافعًا رأسها، اخذ بين اصابعه احدى خصلاتها
الثائرة يضعها خلف اذنها يهدر بنبرة حانية:
- لو شكيت لحظة ماكنتيش هنا معايا أنا عارف
انتِ ايه، الغيرة ديه انا ماليش يد فيها على فكرة
أنا بغير من أى حد مش بس من البنى ادم دا واسف
لو تعبيرى خانى وصوتى كان عالى وخوفتك
تناول يدها من على صدره ثم قبل باطن كفها قائلًا:
- اكتر حاجة توجع قلبى أن دموعك تنزل وأكون
انا السبب فيها
همست من بين دمعاتها:
- بعد الشر على قلبك
ثبت انظاره على انفها الصغير المحمر وشفتيها المفترقتان
الورديتين مما اعطها مظهر طفولى برئ للغاية وخصلاتها
الفحمية المتمردة، شعرت بتوتر من نظراته وحاولت
التهرب بنظراتها بعيدًا لاحظت تحرك تفاحة ادم
صعودًا وهبوطًا فحاولت النهوض مبتعده إلا أن يديه
ألتفت حول خصرها وانفاسه اقتربت من وجهها هامسًا:
-اوعى تقربى منى كدا تانى لحد ما فك أم الجبس دا
وبدأ يمرر ابهامه على شفتيها حتى طرق الباب انقذها
من براكينه فسمع صوت والدته:
-حبيبى يلا الفطار جاهز
صمت وهو يوجه حديثه لكيان قائلًا:
- طب ما أنا كنت هفطر لازم قطع الارزاق دا على الصبح
تشعر أن قدميها كهلام لم تستطيع الوقوف لكن البقاء
معه فى غرفة واحدة اصبح خطر عليها، حاول التمالك
واسرعت للخارج بينما هو تنهد:
- دا الجبس دا عامل معاكِ واجب وإلا ماكنتش سبتك
****
-مين دا اللى هيستنى خالك يجى من السفر
تلك الكلمات نطق بها ضياء مستنكرًا
اجابته "بيلا" بهدوء لتقنعه برأيها:
- حبيبى خالوا دا كان متربى معايا لحد موضوع الحادثة بتاعت رجلى ولما مامى نفسيتها تعبت خالتوا التانية خدتوا معاها
امريكا وطبعًا كنا بنكلم بعض على طول ولما عرف
قال هيحاول يحضر مش قبل ٣ شهور، بعدين انت مدرك
انا معزمتش حد لحد دلوقتى محدش يعرف انى اتخطبت اصلًا
قلب عيناه فى صمت ثم ابتسم وهو يلتقط يديها بين
كفيه مردفًا:
- عنه محضر يا روحى طلاق تلاته ما حصل
ومش هستنى بعد شهرين يوم واحد
سحبت يديها بعنف وهى ترمقه شزرًا، فى هذه الاثناء
ولج والدها وما أن وقعت عيناه على ضياء حدث ابنته:
- الاخ دا بيعمل ايه هنا
رفع "ضياء" يده عاليًا يحيه قائلًا:
- حبيبى ياعمى تسلم وانت اكتر والله .. البيت منور
باصحابه
انزلت بيلا رأسها ارضًا تحاول كبح ضحكاتها من تصرفات ضياء، ثوان وكانت خالتها تلج ومعها ابنها
الذى سبق له أن طلب يد بيلا لكنها رفضت هذه
الزيجة، وقفت خالتها ترمق ضياء بنظرات امتعاض
ثم تحدثت بعتاب:
- بقى كدا يابيلا خالتك تعرف زيها زى الغريب بقراية
فاتحتك وكمان تلبسى شبكتك من غيرنا
ثم تابع ابنها قائلًا:
- هو ازاى يتم الموضوع من غير معرفتنا
مش المفروض كنا نشوف العريس الأول ونقعد معاه
ياعمى
مال "ضياء" على بيلا متسائلًا:
- مين اللى همسح بكرامته الفيلا دا؟!
وبيكلمك كدا ليه؟!
ابتلعت "بيلا" ولكزت ضياء بخفة بينما تابعت خالتها:
-فين لبنى عشان اشوف ازاى كل دا يحصل من غير اختها
نهض "ضياء" واقفًا يتقدم نحو خالتها ثم قطب حاجبيه
نحو بيلا متسائلًا:
- لأ يا بيلا ميصحش ازاى يعنى تعزمى كل ناس ماعدا
خالتك لأ عيب وكمان مش تقوللها أن عريسك هيعيش
معاكم هنا
هزت رأسها بنفى سريعًا:
- احنا معزمناش حد اصلًا والله يا خالتوا
- اومال مش عزمتى خالتك اللى فى امريكا وخالك
معقول متعزميش اللى هنا
كدا تفكر انكم مش حابين وجودها يابيلا
ضربت خالتها على صدرها:
- هى وصلت للدرجادى .. يعنى أيه يعيش معاكوا هنا
ليه هو انتِ شوية؟!
نطق ابنها :
- اومال فين العريس بقى على كدا
قهقة "ضياء" وهو يطالع بيلا قائلًا:
- لأ هتتمسح هتتمسح يعنى
ثم اعادة النظر إليه وهو يضع يده فوق كتفه قائلًا:
- انت مش ملاحظ حاجه جديده فى الفيلا
مثلًا اشتروا فاز غيروا النجف أنا مثلا
ولا البعيد اعمى
صاح مستنكرًا ليرد عليه ضياء:
- هشش صوتك هيعلى ومامى واقفه كدا ولد عيب
- لا احنا اتهزقنا فى بيت اختى كدا كتير وانت
واقف كمان يا جوز اختى شكرًا يا بيلا اوى
انا ليا كلام مع اختى
انصرفت ومن خلفها ابنها تهز الأرض تحت قدميها
بغضب حدثها ضياء:
- حوشى اللى وقع منك ياطنط خدى ابنك فى ايدك
فابتسم والد بيلا بسعادة يربت على كتفه قائلًا:
- اتغديت يا ضياء يا حبيبى
ضيق "ضياء" عيناه قائلًا:
- حبيبى يا حمايا مش تقول
*****
بعد مرور شهر
استعاد كنان صحته وذهب بصحبة ضياء للمشفى
ليفك الجبيرة جلس فى الغرفة وهو يسبح فى
افكاره الشهر الماضى ورعايتها له واهتمامها به
مما جعله طوال الوقت امامها يرسم الألم المزيف
ليرى لهفتها، ولج الطبيب مبتسمًا قائلًا:
- حمدلله على سلامتك يا بطل مستعد نفك
هز رأسه وابتسم بتوسع وهو بداخله يعد الدقائق
لضمها لصدره ولمسها
قاطعه ضياء مبتسمًا بخبث:
- أنا شايف يا دكتور نستنى شوية ومنستعجلش
تنهد " كنان " بعصبية حتى لا تنفلت اعصابه اكثر قائلًا من بين اسنانه:
- امشى اطلع بره يا ضياء، فك يا دكتور انا مش هستنى
يوم كمان
قهقة ضياء قائلًا:
- يا عينى على الجدع لما تبهدلوا الأيام فك يا دكتور فك
****
جلس " حسن" على مقعده يتنظر خروجها من المرحاض
وهو يفكر فى خطته الجديده فهو خدعها حينما اوهمها
بحبه لها ورغبته بالزواج منها فحلقت معه ولم يستغرق
وقتًا طويلًا لاقناعها، خرجت من الداخل وهى تجفف
شعرها فنهض سريعًا يحتضنها من الخلف محاولًا
انتقاء كلماته فتنفس وهو يقبلها خلف اذنيها قائلًا :
- حبيبتى تخنت من الحمل
استدارت سريعًا متسائلة:
- بجد يا حسن
- ولا يهمك يا قلب حسن أنا بعشقك فى كل حالاتك
بس فى مشكلة انا كنت داخل شغل جديد وبصراحة
خسر ومش عارف هتقدملك ازاى بقول نأجل حوار
البيبى دلوقتى ونعيش حياتنا
شهقت بفزع قائلة:
- ازاى بس أنا بطنى قربت تكبر مينفعش
اكمل بخبث:
- يا قلب حسن انا اعرف دكتور شاطر هيظبط الدنيا
ومتقلقيش هكون معاكِ، احنا لسه قدامنا العمر كله
وهجيب منك دسته وكمان عشان تتمتعى برشاقتك
وجسمك شوية
- بس أنا اخاف
ضمها لصدره قائلًا:
- تخافى وانا معاكِ دا كلام. انا هاتفق مع الدكتور ونروح بليل
انا وانتِ
*****
فى غرفة كنان كانت تمشط شعرها بعد أن قامت بعمل
الطعام بنفسها، تنتظره فهو رفض ذهابها معه
فتح باب الغرفه وولج كنان فاستدارت تطالع صدره
العريض من اسفل ازرار قميصه المفتوحة بدون وعى
تقدمت تتحس صدره بأطمئنان شعرت بتشنج عضلاته
تحت كفيها فتداركت نفسها سريعًا فخبأت عينيها تنظر للاسفل مردفه:
- حمدلله على سلامتك فكيت الجبيرة
اما كنان بعد فعلتها التلقائية هذه فقد السيطرة على
نفسه فهى سرقت عقله ولم ينتبه إلى ما يفعله فك
ازرار قميصه وظهر صدره عاريًا قائلًا:
- الحمدلله رجعت زى ماكنت حتى تعالى شوفى
أومات واسرعت نحو الباب لتفتحه، لكنه اسرع يحاوطها
من خصرها بيديها وهو يطالعها بنظرات ذات مغزى وتفاحة ادم امام عينيها تتحرك اغمضت عيناها تبتلع
بصعوبة، فلحظة هبط بشفتيه يقبلها مستمتعًا بتلك
اللحظات، بينما هى شعرت انها ستنهار بين يديه
مستسلمة للمساته حاولت استعادت رباطة اجأشها
تدفعه فى صدره العارى ليستجيب لها مفلتًا اياها
فابتعدت عنه قائلة:
- انت اتجننت
- انا كنت هتجنن لو معملتش كدا كان نفسى احسك
فى حضنى
رمقته سريعًا ثم استدارت قائلة:
- لو سمحت اقفل القميص دا ويلا عشان هما برا
فى انتظارنا
- تؤمرى بس كدا يلا بينا
*****
كان زهير يترأس المائدة على جانبه الأيمن نهلة
والجانب الاخر كنان وبجواره كيان التى كادت
تذوب من فرط الخجل كأنهم على علم بما صار
معها داخل الغرفة، ابتسم زهير بسعادة وهو
يطالع اسرته قائلًا:
- حمدلله على سلامتك يا كنان
وبالمناسبة ديه انا عازم كيان النهاردة برا
قطبت نهلة جبينها قائلة:
- اشمعنا بقى عازم كيان واحنا لا
- لانها تعبت مع كنان جامد الفترة اللى فاتت بعدين اب
وبنته يا ستى
ابتسم كنان بفخر من تصرفات والده فهو تفهم أن
والده يريد أن يحتويها لكنه قال:
- خدنى معاكم ياحج دا انا زى ابنك بقالى شهر متلقح فى البيت وبعدين هتاخد كيان تاخدنى
ابتسم زهير وهو يبتلع لقمته قائلًا:
-مرات أبنى بس
فابتسمت هى باستيحاء من لقبها الجديد
*****
كان والد هاجر يجلس على الأريكة يشاهد التلفاز
وبجانبه هاجر حينما رن هاتفه فابتسم بتوسع
وهو يضغط على زر الاجابة:
- شيخ هاجد دا ايه الاتصال الجميل دا
- الله يكرمك .. انت تنور فى أى وقت
اغلق هاتفه وهو يرمق هاجر التى لم تعيره اهتمام
ومازالت مثبت نظرها على التلفاز فاغلقه فالتفت
له بضيق:
- قفلت الفيلم ليه يابابا بقى
ليعقد حاجبيه بغضب قائلًا:
- ايه بقى ديه اللى بتقوليها لأبوكِ
المهم الشيخ هاجد جاى بكرة يتغدا
معانا
اجابته بهدوء:
- وانا مالى
لينظر لها باندهاش قائلًا:
- اومال مين يحضر الاكل
- مش هو عزم نفسه قولوا أنت بقى يجيب الأكل معاه
زجرها والده بغضب وحدقتيه تطلق سهام غاضبه
نحوها جعلتها تتراجع على الفور قائلة:
- تحب اعمل اكل ايه؟!
لم يجب عليها وقام باشغال التلفاز بينما هى غضبها
يتصاعد بداخلها من والدها ومن هذا الشيخ هاجد
****
كانت تجلس على طاولة امام النيل
تستمتع بنسمات الهواء وتنعش روحها حتى بدأ
زهير بحركة غريبة يخبط على طاولة قائلًا:
- تيك توك ..تيك توك
قطبت حاجبيها باستغراب ومازالت تطالعه مشدوهة
من تصرفاته فحدثها بنبرة يبدو عليها الرزانة:
- ها المسلسل لسه مخلصش عشان ننزل بالستارة
ابتلعت ريقها بتوجس من نظراته وطريقته وبداخلها
يرتعد فقالت:
- مش فاهمة حضرتك تقصد أيه؟!
حدثها بنيرة سمجة ممزوجة بفتور قائلًا:
- لأ صحصحى معايا مش طالبه غباء يابت انتِ
وقعت كلماته عليها كالصاعقة، ارتكزت نظراتها المصدومة عليه، انقبض قلبها متسائلة:
- هو حضرتك بتكلمنى كدا ليه؟!
- اه هنستعبط .. طب بصى بقى أنتِ لازم تبعدى
عن كنان ابنى لأنك نسب ميشرفش جو الحب
دا ماليش فيه الصراحة، للأسف هو عرف بالصدفة
حوار المقاولات والعمارة اللى وقعت اضطريت اقول
مقاول وقولت هيسكت نزل مصر قولت شويه وهيزهق
ما هو اصلًا مفيش مقاول، انا اللى وصلت خبر جوازكم
لنهلة ولما نهلة خيرت كنان بينا وبينك فرحت قولت
يومين وكنان مش هيقدر يقاوم احساس الذنب
ومشيت عشان اضغط عليه اكتر، لكن الحادثة خلفت توقعاتى بس ملحوقة واديكى اخدتى شقة وانا ممكن اعوضك وتبعدى وتريحنى
- طب ليه؟!
التو ثغره قائلًا:
- واحده ابوها رمها انا اتحملها فى حياتنا ليه بدل
ما اخد واحده نفس مستوى ابنى
اعترافاته جمرات من النار دسها فى اذنيها، توقف
عقلها عن العمل للحظات ثم اجابته قائلة:
- اظن انك جيت عند الشخص الغلط انا واحده مفيش
حاجه هتخسرها عشان تهددها
قهقة عاليًا بضحكات هستريا قائلًا:
- يعنى هيهون عليكِ كنان وانتِ بتكسريه بأبوه وحقيقته
دا انتِ اكتر حد مجرب مرارة فقدان الأب
بلاش كل دا لو كبرتى دماغك قصادى وفكرتى تكملى
حياتك عادى وكان ليكِ ابن او بنت من كنان
هخليهم يعيشوا نفس اللى عشتى قضايا النسب
ورفض ابوه يرضيكى انتِ القرار قررك ويلا بقى عشان نروح،عايز ابتسامة حلوة ومفيش حاجه
تبان لحد ما تبعدى عننا وإلا انا اقدر اعمل كتير
غير اللى قولتوا
هى دائمًا فى صراع مع لعبة الأقدار
وهى دائمًا الخاسرة الوحيد فى هذه المعركة
فنحن لا نملك اختيار من نحب لكننا نملك الأنسحاب
فحبه يتوغل بداخلها كمرض تريد الشفاء منه
تجلس فى غرفتها المظلمة ساكنةلقد اوجعتها عينيها من كثرة البكاء، تشعر بوخزات تألمها فى صدرها، ترقرقت بوادر الدموع بعيناها ثانيةٍ وهى تستعيد كلمات "طاهر" اغمضت جفونها وهى تتحيس أعلى اليسار، فأصبحت لياليها واحدة لا يتغير شئ بها سوى الألم الذى يتزايد ويتضاعف كل ليلة حاولت أن تنساه لكن لم يحدث فهو دائمًا امامها، لكن هذه المرة كسر خاطرها ودهس قلبها
بكلماته دون شقفة، سئمت من سعيها الذى لا يجدى ووضعت النية لتبتعد عنه تحاول التقاط انفاسها بصعوبة من فرط البكاء، فجأة انارت الغرفة من شاشة
الهاتف مدت يديها تتناول الهاتف ثم ضغطت على زر
الأجابة قائلة:
-مفيش مشكلة انزل اقابلك فى مكانا عادى
****
وقف "طاهر" فى الشرفة يزفر باختناق من حاله
يشعر بالندم على كل حرف تفوه به، لكنه بداخله
شئٍ ما مازال يكابر أنه هو لم يخطئ بل هى
التى تصرفت دون الرجوع إليه، هل يعتذر منها أم يظل هكذا خلف قسوته المزيفة فكلما تذكر نظراتها شعر بحمول الأرض على صدره ولا يعلم السبب غرز اصابعه
فى شعره وهو يضغط بعصبية على فروة رأسه، ثم استند بيديه على السور ينظر للأسفل وجدها تخرج
من البيت، رفع معصمه يطالع الساعة فقد تأخر الوقت
واصبحت الساعة العاشرة مساءًا ولج للداخل مندفعًا ليذهب خلفها ليرى أين تذهب فى هذا الوقت
****
وقفت فى المنتصف المقهى (كافيه) تجول بعيناها المكان حتى وجدت من تبحث عنه جالسًا ذهبت إليه
تسحب مقعًدا وتجلس امامه فى صمت
فقطب "ساهر" حاجبيه قائلًا:
- مال وشك كدا انتِ معيطه يا هاجر
اجابته اثناء تنهيدتها الممتعضة محاولة اخفاء ما تمر به:
- مفيش المفروض كان بابا يجى امبارح ومجاش
فكنت مخنوقة شوية وتعبت من الوحدة
المهم خير أنت عايزينى فى أيه؟!
لم يجيب اكتفى بنظرة صامتة، بداخله تشتت واضح
لا يدرى من أين يبدأ، توتره ذاك جعلها تسأله بتوجس
قائلة:
- ما تتكلم يا ساهر قلقتنى
-هاجر انا عندى اخت غير ميرا وماكنتش اعرف
واضح أن بابا منفصل عن مامتها من زمان
تنفست بعمق قائلة:
-بس دا اللى عرفته ومعرفتش تفاصيل أكتر
وقف "طاهر" على مسافة لا بأس بها وهو يطالعهم
بصدمة هاجر وساهر معًا يلتقيان سرًا تقدم بخطوات
يقف امامهم، رفعت هاجر بصرها ووقف الكلام على
حافة لسانها ثم اجفلت جفونها بينما رحب به ساهر فسحب طاهر مقعدًا قائلًا:
-كنت جاى اقابل واحد صاحبى بس كنسل الميعاد
ولقتكم هنا أيه الصدف ديه
ابتسم "ساهر" بمجاملة ليستطرد:
-سبحان الله احسن صدفه أنا كنت بكلم هاجر فى
موضوع أن ليا اخت
نقل بصره بينهم ثم سأله بتعجب:
- اشمعنا هاجر؟!
اسبلت هاجر جفونها تتحاشى النظر أو الحديث إليه تحمحم ساهر مفسرًا:
-عشان هاجر بغض النظر عن انها بنت عمتى هى صديقتى الصدوقة انت ناسى اننا فى جامعة واحدة
وبنتقابل هناك، ولأن هنا صعب هى تطلع عندنا فبنتقابل
هنا على طول
هزت "هاجر" رأسها فى صمت مؤكده على كلامه، بينما
سحب طاهر شهيقًا وكتمه قائلًا:
-أول مرة أعرف هاجر ماقالتش قدامنا قبل كدا
قاطعه "ساهر" مستفسرًا عن تفاصيل الموضوع فسرد
طاهر كل ما يعلمه، اما ساهر كان يشعر أنه بكابوس
مزعج، فرك وجه قائلًا:
-هى فين دلوقتى؟!
التو ثغر طاهر وهو يطالع هاجر بطريقة ذات مغزى:
- دلوقتى معرفش هى فين للأسف
اجابته "هاجر" وهى مصوبه نظراتها نحو ساهر بدون تردد:
-مع جوزها يا ساهر واكيد قريب هتتقابل بيها
حاول "طاهر" السيطرة على حالة الهياج العصبى من حديثها فهى تظل على تعندها وتشبثها برأيها، ارتسم
الصبر المزيف على وجه وهو يشير إلى النادل قائلًا:
- تلاته مانجا
هز "ساهر" رأسه مسرعًا:
-لأ اتنين بس وواحد كابتشينو هاجر عندها حساسيه
من المانجا
رافع "طاهر" حاجبيه مندهشًا من معرفة ساهر هذه
التفاصيل، اغمضت عيناها لماذا يظهر امامها دائمًا
يكفى ما تعيشه من ألم وتتكبد العناء لدفنه بصدرها
حك طاهر مؤخرة رأسه قائلًا:
-تمام.. بس يعنى يا ساهر مفيش داعى أنكم تتقابلوا
فى كافيه كدا والوقت اتأخر مش حلوة لو حد يعرفنا
شافكم مش كدا ياهاجر
اجابه ساهر:
- عندك حق بس انا كنت محتاج هاجر عشان اتكلم معاها
ضرورى
بينما هى ظلت صامته دون تعقيب اما هو عيناه تحاصرها
لا تدرى هل هذه غيرة أم هو دوره البطولى الذى يعيشه
الكلمات اما ان تكون نسيمًا يجبر الخواطر
اما عاصفة فتقتلع جذور المحبة
*****
ولجت "هاجر" من باب الشقة فتعرقلت قدمها فى المقعد
فصرخت متأوها وهى تضغط على اصبع قدميها الصغير:
-آه.. يخربيت ديه عيله وسنينها السوده انا مالى بالمرمطة ديه.. الواحد مطلعش فى عيلة من اللى بيحبوا بعض ليه ؟! يكش تنشك يا خالى عاصم
فجأة انتفضت وهى تصرخ حينما وجدت اعين تحدق
بها فانتفض بفزع واقفًا، وهى مازالت تصرخ و تلتف حول نفسها حتى رأت
والدها امامها محاولًا تهدأتها، توقفت عن الصراخ
وهى تشير بيديها على ذلك الشخص:
-اهدى دا مش غريب دا ضيف جاى معايا
انا جيت ملقتكيش هنا فقعدنا هنا اهدى
تنفست الصعداء ثم عقدت حاجبيها بتعجب:
-وهو مفيش صالون مقعده فى الريسبشن ليه
والأخ قاعد ومجعوص اوى كأنه قاعد فى املاكه
أيه بابا دا
حدجها والدها بنظرات صارمة قائلًا:
- خلصنا يا هاجر افتكرتك فوق قولنا
ثم تابع وهو يشير إليه:
- هاجد
ثم تحرك يقف بجواره هو يشير إلى ابنته:
- هاجر بنتى
وضعت يديها فى خصرها قائلة:
-نعم!! أنا هاجر هو مين بقى ؟!
جذبها والدها من معصمها وهى يصر على اسنانه:
- الشيخ هاجد دا اسمه اسكتى شويه
لوت فمها بسخرية وهى تقول:
- هاجد!! ايه الأسم دا من قلة الاسامى
ابتسم وهو مطئطئًا ثم قال:
-كان رغبة والدى بعدين الأسم مش غريب بردو يا أنسة
اا هاجر
- احنا اسفين يا شيخ .. يلا يا هاجر حضرى عشا
اجابه "هاجد" نيابة عنها:
-شكرًا يا استاذ مصطفى أنا لازم انزل دلوقتى عشان
السفر والطريق والحق اجيب البضاعة
رمقته بزواية عيناها قائلة لوالدها:
- عشا أيه انا الخضة سيبت مفاصلى كان ناقصنى
أنا .. بعدين سيبه يلحق السفر ولما تجيب
حد معاك متقعدوش فى وش الباب كدا هو مش
من بقيت العيلة .. خلقى ضيق انا يا بابا ها
فغر فاه وعين هاجد" من الصدمة، بينما بُهت وجمد
والدها من تصرفاتها اما هى اولتهم ظهرها ومازالت تهز رأسها مستنكره
*****
فى صباح اليوم التالى
الساعة العاشرة صباحًا واشعة الشمس قد انارت الغرفة
بالكامل وهو مازال نائمًا على مقعده المتحرك، فهى كانت
تشعر به طوال الليل لم يغمض جفنه كان يتململ فى نومته متوجعًا حتى بزوغ الفجر فنهضت واعطته حبة
مسكن وبعد مرور وقت ثقلت جفونه وسقط فى النوم
تصول وتجول فى الغرفة باحثة عن شاحن لهاتفها
إستدارت برأسها للجهة الأخرى وتقدمت نحو الكومود
الأخر وانحنت تفتح الدرج لكنها وجدته خالى تمامًا
اغلقته بعنف عقب ما طالها من سئم وقنوط فاصدر صوتًا انتفض كنان وهو يفتح عيناه رويدًا رويدًا بصعوبة
فوجدها تقف فى مكانها فأطرقت رأسها بخجل:
-اسفة صحيتك
ابتسم راضيًا باعتذراها قائلًا:
-ولا يهمك كفاية افتح عينى اشوفك
انتِ بتدورى على حاجة..
- كنت بدور على شاحن الفون فاصل من امبارح
اجابها بفتور شديد:
- مالوش لازمه يعنى ما انتِ قبل كدا فضل فاصل
اسبوع ايه الجديد
تفاجأت من رد فعله الجاف ثم قالت بانزعاج:
-هو اية اللى مش لازم جروب الدفعة
شغلى عليه وو
شعوره بالغضب يتفاقم بداخله فصرخ بحدة:
-وأيه ها؟! الاستاذ طاهر مثلًا زمانه قلقان وميصحش
وضع يده على صدره متأوهًا يعتصر جفونه بتألم فبرغم
من مسكنات الألم إلا إنها لم تفى بالغرض، اسرعت
تجثو امامه بتوجس واضعة يديها على صدره فعاد بظهره مستندًا على كرسيه وهو يطالعها، متنهدًا بصعوبة آلام مبرحة بصدره فهمست هى:
- انت كويس؟!
- لأ طول ما انتِ مش حاسه بالنار اللى جوايا مش هبقى
كويس.. سيرة البنى أدم دا بتخلينى اتجنن
رمقته "كيان" بنظرة حزينة فهى تعلم جيدًا ثقل سيرة
طاهر على قلبه، فقررت أن تنهى حرب الافكار بداخله
والحريق الذى ينشب داخل صدره وعقله وتقضى
على ظنونه فهمست بهدوء:
- أنت اللى جبت سيرته على فكرة دا أولًا
ثانيًا انا كان قصدى على دار الرعاية بروحها كل شهر
فى نفس ميعاد وكنت حابة اعتذر علشان مروحتش
لأنى كنت بعمل أكل مخصوص عشانهم
الأهم بقى أنى ماكنتش مع طاهر لوحدى كانت بنت
عمتو معانا.. انا ساعتها كنت فى دنيا تانية حتى
ماكنتش اعرف الفون معايا ولا لأ
المفروض أنك قولتلى هنبدأ مع بعض يعنى ياريت
تبطل تنفعل عليا وتزعق فيا بخاف من الصوت عالى وكمان لازم تثق فيا أنا عمرى ماعملت حاجة غلط
صحيح ماكنش عليا رقيب أم او أب بس محصلش
والله حاجة تخلى جواك نار وعلى العموم أحنا لسه فيها
انهت كلامها واطرقت رأسها تحاول التحكم فى محابس
عيناها لكن خانتها عبراتها وعلت شهقاتها، يكاد يقسم
انه يحترق الآن بالفعل بسبب انهيارها هكذا، مد يده
اسفل ذقنها رافعًا رأسها، اخذ بين اصابعه احدى خصلاتها
الثائرة يضعها خلف اذنها يهدر بنبرة حانية:
- لو شكيت لحظة ماكنتيش هنا معايا أنا عارف
انتِ ايه، الغيرة ديه انا ماليش يد فيها على فكرة
أنا بغير من أى حد مش بس من البنى ادم دا واسف
لو تعبيرى خانى وصوتى كان عالى وخوفتك
تناول يدها من على صدره ثم قبل باطن كفها قائلًا:
- اكتر حاجة توجع قلبى أن دموعك تنزل وأكون
انا السبب فيها
همست من بين دمعاتها:
- بعد الشر على قلبك
ثبت انظاره على انفها الصغير المحمر وشفتيها المفترقتان
الورديتين مما اعطها مظهر طفولى برئ للغاية وخصلاتها
الفحمية المتمردة، شعرت بتوتر من نظراته وحاولت
التهرب بنظراتها بعيدًا لاحظت تحرك تفاحة ادم
صعودًا وهبوطًا فحاولت النهوض مبتعده إلا أن يديه
ألتفت حول خصرها وانفاسه اقتربت من وجهها هامسًا:
-اوعى تقربى منى كدا تانى لحد ما فك أم الجبس دا
وبدأ يمرر ابهامه على شفتيها حتى طرق الباب انقذها
من براكينه فسمع صوت والدته:
-حبيبى يلا الفطار جاهز
صمت وهو يوجه حديثه لكيان قائلًا:
- طب ما أنا كنت هفطر لازم قطع الارزاق دا على الصبح
تشعر أن قدميها كهلام لم تستطيع الوقوف لكن البقاء
معه فى غرفة واحدة اصبح خطر عليها، حاول التمالك
واسرعت للخارج بينما هو تنهد:
- دا الجبس دا عامل معاكِ واجب وإلا ماكنتش سبتك
****
-مين دا اللى هيستنى خالك يجى من السفر
تلك الكلمات نطق بها ضياء مستنكرًا
اجابته "بيلا" بهدوء لتقنعه برأيها:
- حبيبى خالوا دا كان متربى معايا لحد موضوع الحادثة بتاعت رجلى ولما مامى نفسيتها تعبت خالتوا التانية خدتوا معاها
امريكا وطبعًا كنا بنكلم بعض على طول ولما عرف
قال هيحاول يحضر مش قبل ٣ شهور، بعدين انت مدرك
انا معزمتش حد لحد دلوقتى محدش يعرف انى اتخطبت اصلًا
قلب عيناه فى صمت ثم ابتسم وهو يلتقط يديها بين
كفيه مردفًا:
- عنه محضر يا روحى طلاق تلاته ما حصل
ومش هستنى بعد شهرين يوم واحد
سحبت يديها بعنف وهى ترمقه شزرًا، فى هذه الاثناء
ولج والدها وما أن وقعت عيناه على ضياء حدث ابنته:
- الاخ دا بيعمل ايه هنا
رفع "ضياء" يده عاليًا يحيه قائلًا:
- حبيبى ياعمى تسلم وانت اكتر والله .. البيت منور
باصحابه
انزلت بيلا رأسها ارضًا تحاول كبح ضحكاتها من تصرفات ضياء، ثوان وكانت خالتها تلج ومعها ابنها
الذى سبق له أن طلب يد بيلا لكنها رفضت هذه
الزيجة، وقفت خالتها ترمق ضياء بنظرات امتعاض
ثم تحدثت بعتاب:
- بقى كدا يابيلا خالتك تعرف زيها زى الغريب بقراية
فاتحتك وكمان تلبسى شبكتك من غيرنا
ثم تابع ابنها قائلًا:
- هو ازاى يتم الموضوع من غير معرفتنا
مش المفروض كنا نشوف العريس الأول ونقعد معاه
ياعمى
مال "ضياء" على بيلا متسائلًا:
- مين اللى همسح بكرامته الفيلا دا؟!
وبيكلمك كدا ليه؟!
ابتلعت "بيلا" ولكزت ضياء بخفة بينما تابعت خالتها:
-فين لبنى عشان اشوف ازاى كل دا يحصل من غير اختها
نهض "ضياء" واقفًا يتقدم نحو خالتها ثم قطب حاجبيه
نحو بيلا متسائلًا:
- لأ يا بيلا ميصحش ازاى يعنى تعزمى كل ناس ماعدا
خالتك لأ عيب وكمان مش تقوللها أن عريسك هيعيش
معاكم هنا
هزت رأسها بنفى سريعًا:
- احنا معزمناش حد اصلًا والله يا خالتوا
- اومال مش عزمتى خالتك اللى فى امريكا وخالك
معقول متعزميش اللى هنا
كدا تفكر انكم مش حابين وجودها يابيلا
ضربت خالتها على صدرها:
- هى وصلت للدرجادى .. يعنى أيه يعيش معاكوا هنا
ليه هو انتِ شوية؟!
نطق ابنها :
- اومال فين العريس بقى على كدا
قهقة "ضياء" وهو يطالع بيلا قائلًا:
- لأ هتتمسح هتتمسح يعنى
ثم اعادة النظر إليه وهو يضع يده فوق كتفه قائلًا:
- انت مش ملاحظ حاجه جديده فى الفيلا
مثلًا اشتروا فاز غيروا النجف أنا مثلا
ولا البعيد اعمى
صاح مستنكرًا ليرد عليه ضياء:
- هشش صوتك هيعلى ومامى واقفه كدا ولد عيب
- لا احنا اتهزقنا فى بيت اختى كدا كتير وانت
واقف كمان يا جوز اختى شكرًا يا بيلا اوى
انا ليا كلام مع اختى
انصرفت ومن خلفها ابنها تهز الأرض تحت قدميها
بغضب حدثها ضياء:
- حوشى اللى وقع منك ياطنط خدى ابنك فى ايدك
فابتسم والد بيلا بسعادة يربت على كتفه قائلًا:
- اتغديت يا ضياء يا حبيبى
ضيق "ضياء" عيناه قائلًا:
- حبيبى يا حمايا مش تقول
*****
بعد مرور شهر
استعاد كنان صحته وذهب بصحبة ضياء للمشفى
ليفك الجبيرة جلس فى الغرفة وهو يسبح فى
افكاره الشهر الماضى ورعايتها له واهتمامها به
مما جعله طوال الوقت امامها يرسم الألم المزيف
ليرى لهفتها، ولج الطبيب مبتسمًا قائلًا:
- حمدلله على سلامتك يا بطل مستعد نفك
هز رأسه وابتسم بتوسع وهو بداخله يعد الدقائق
لضمها لصدره ولمسها
قاطعه ضياء مبتسمًا بخبث:
- أنا شايف يا دكتور نستنى شوية ومنستعجلش
تنهد " كنان " بعصبية حتى لا تنفلت اعصابه اكثر قائلًا من بين اسنانه:
- امشى اطلع بره يا ضياء، فك يا دكتور انا مش هستنى
يوم كمان
قهقة ضياء قائلًا:
- يا عينى على الجدع لما تبهدلوا الأيام فك يا دكتور فك
****
جلس " حسن" على مقعده يتنظر خروجها من المرحاض
وهو يفكر فى خطته الجديده فهو خدعها حينما اوهمها
بحبه لها ورغبته بالزواج منها فحلقت معه ولم يستغرق
وقتًا طويلًا لاقناعها، خرجت من الداخل وهى تجفف
شعرها فنهض سريعًا يحتضنها من الخلف محاولًا
انتقاء كلماته فتنفس وهو يقبلها خلف اذنيها قائلًا :
- حبيبتى تخنت من الحمل
استدارت سريعًا متسائلة:
- بجد يا حسن
- ولا يهمك يا قلب حسن أنا بعشقك فى كل حالاتك
بس فى مشكلة انا كنت داخل شغل جديد وبصراحة
خسر ومش عارف هتقدملك ازاى بقول نأجل حوار
البيبى دلوقتى ونعيش حياتنا
شهقت بفزع قائلة:
- ازاى بس أنا بطنى قربت تكبر مينفعش
اكمل بخبث:
- يا قلب حسن انا اعرف دكتور شاطر هيظبط الدنيا
ومتقلقيش هكون معاكِ، احنا لسه قدامنا العمر كله
وهجيب منك دسته وكمان عشان تتمتعى برشاقتك
وجسمك شوية
- بس أنا اخاف
ضمها لصدره قائلًا:
- تخافى وانا معاكِ دا كلام. انا هاتفق مع الدكتور ونروح بليل
انا وانتِ
*****
فى غرفة كنان كانت تمشط شعرها بعد أن قامت بعمل
الطعام بنفسها، تنتظره فهو رفض ذهابها معه
فتح باب الغرفه وولج كنان فاستدارت تطالع صدره
العريض من اسفل ازرار قميصه المفتوحة بدون وعى
تقدمت تتحس صدره بأطمئنان شعرت بتشنج عضلاته
تحت كفيها فتداركت نفسها سريعًا فخبأت عينيها تنظر للاسفل مردفه:
- حمدلله على سلامتك فكيت الجبيرة
اما كنان بعد فعلتها التلقائية هذه فقد السيطرة على
نفسه فهى سرقت عقله ولم ينتبه إلى ما يفعله فك
ازرار قميصه وظهر صدره عاريًا قائلًا:
- الحمدلله رجعت زى ماكنت حتى تعالى شوفى
أومات واسرعت نحو الباب لتفتحه، لكنه اسرع يحاوطها
من خصرها بيديها وهو يطالعها بنظرات ذات مغزى وتفاحة ادم امام عينيها تتحرك اغمضت عيناها تبتلع
بصعوبة، فلحظة هبط بشفتيه يقبلها مستمتعًا بتلك
اللحظات، بينما هى شعرت انها ستنهار بين يديه
مستسلمة للمساته حاولت استعادت رباطة اجأشها
تدفعه فى صدره العارى ليستجيب لها مفلتًا اياها
فابتعدت عنه قائلة:
- انت اتجننت
- انا كنت هتجنن لو معملتش كدا كان نفسى احسك
فى حضنى
رمقته سريعًا ثم استدارت قائلة:
- لو سمحت اقفل القميص دا ويلا عشان هما برا
فى انتظارنا
- تؤمرى بس كدا يلا بينا
*****
كان زهير يترأس المائدة على جانبه الأيمن نهلة
والجانب الاخر كنان وبجواره كيان التى كادت
تذوب من فرط الخجل كأنهم على علم بما صار
معها داخل الغرفة، ابتسم زهير بسعادة وهو
يطالع اسرته قائلًا:
- حمدلله على سلامتك يا كنان
وبالمناسبة ديه انا عازم كيان النهاردة برا
قطبت نهلة جبينها قائلة:
- اشمعنا بقى عازم كيان واحنا لا
- لانها تعبت مع كنان جامد الفترة اللى فاتت بعدين اب
وبنته يا ستى
ابتسم كنان بفخر من تصرفات والده فهو تفهم أن
والده يريد أن يحتويها لكنه قال:
- خدنى معاكم ياحج دا انا زى ابنك بقالى شهر متلقح فى البيت وبعدين هتاخد كيان تاخدنى
ابتسم زهير وهو يبتلع لقمته قائلًا:
-مرات أبنى بس
فابتسمت هى باستيحاء من لقبها الجديد
*****
كان والد هاجر يجلس على الأريكة يشاهد التلفاز
وبجانبه هاجر حينما رن هاتفه فابتسم بتوسع
وهو يضغط على زر الاجابة:
- شيخ هاجد دا ايه الاتصال الجميل دا
- الله يكرمك .. انت تنور فى أى وقت
اغلق هاتفه وهو يرمق هاجر التى لم تعيره اهتمام
ومازالت مثبت نظرها على التلفاز فاغلقه فالتفت
له بضيق:
- قفلت الفيلم ليه يابابا بقى
ليعقد حاجبيه بغضب قائلًا:
- ايه بقى ديه اللى بتقوليها لأبوكِ
المهم الشيخ هاجد جاى بكرة يتغدا
معانا
اجابته بهدوء:
- وانا مالى
لينظر لها باندهاش قائلًا:
- اومال مين يحضر الاكل
- مش هو عزم نفسه قولوا أنت بقى يجيب الأكل معاه
زجرها والده بغضب وحدقتيه تطلق سهام غاضبه
نحوها جعلتها تتراجع على الفور قائلة:
- تحب اعمل اكل ايه؟!
لم يجب عليها وقام باشغال التلفاز بينما هى غضبها
يتصاعد بداخلها من والدها ومن هذا الشيخ هاجد
****
كانت تجلس على طاولة امام النيل
تستمتع بنسمات الهواء وتنعش روحها حتى بدأ
زهير بحركة غريبة يخبط على طاولة قائلًا:
- تيك توك ..تيك توك
قطبت حاجبيها باستغراب ومازالت تطالعه مشدوهة
من تصرفاته فحدثها بنبرة يبدو عليها الرزانة:
- ها المسلسل لسه مخلصش عشان ننزل بالستارة
ابتلعت ريقها بتوجس من نظراته وطريقته وبداخلها
يرتعد فقالت:
- مش فاهمة حضرتك تقصد أيه؟!
حدثها بنيرة سمجة ممزوجة بفتور قائلًا:
- لأ صحصحى معايا مش طالبه غباء يابت انتِ
وقعت كلماته عليها كالصاعقة، ارتكزت نظراتها المصدومة عليه، انقبض قلبها متسائلة:
- هو حضرتك بتكلمنى كدا ليه؟!
- اه هنستعبط .. طب بصى بقى أنتِ لازم تبعدى
عن كنان ابنى لأنك نسب ميشرفش جو الحب
دا ماليش فيه الصراحة، للأسف هو عرف بالصدفة
حوار المقاولات والعمارة اللى وقعت اضطريت اقول
مقاول وقولت هيسكت نزل مصر قولت شويه وهيزهق
ما هو اصلًا مفيش مقاول، انا اللى وصلت خبر جوازكم
لنهلة ولما نهلة خيرت كنان بينا وبينك فرحت قولت
يومين وكنان مش هيقدر يقاوم احساس الذنب
ومشيت عشان اضغط عليه اكتر، لكن الحادثة خلفت توقعاتى بس ملحوقة واديكى اخدتى شقة وانا ممكن اعوضك وتبعدى وتريحنى
- طب ليه؟!
التو ثغره قائلًا:
- واحده ابوها رمها انا اتحملها فى حياتنا ليه بدل
ما اخد واحده نفس مستوى ابنى
اعترافاته جمرات من النار دسها فى اذنيها، توقف
عقلها عن العمل للحظات ثم اجابته قائلة:
- اظن انك جيت عند الشخص الغلط انا واحده مفيش
حاجه هتخسرها عشان تهددها
قهقة عاليًا بضحكات هستريا قائلًا:
- يعنى هيهون عليكِ كنان وانتِ بتكسريه بأبوه وحقيقته
دا انتِ اكتر حد مجرب مرارة فقدان الأب
بلاش كل دا لو كبرتى دماغك قصادى وفكرتى تكملى
حياتك عادى وكان ليكِ ابن او بنت من كنان
هخليهم يعيشوا نفس اللى عشتى قضايا النسب
ورفض ابوه يرضيكى انتِ القرار قررك ويلا بقى عشان نروح،عايز ابتسامة حلوة ومفيش حاجه
تبان لحد ما تبعدى عننا وإلا انا اقدر اعمل كتير
غير اللى قولتوا
هى دائمًا فى صراع مع لعبة الأقدار
وهى دائمًا الخاسرة الوحيد فى هذه المعركة
