اخر الروايات

رواية لمن القرار الفصل الثاني والثمانون 82 بقلم سهام صادق

رواية لمن القرار الفصل الثاني والثمانون 82 بقلم سهام صادق 


قبل الأخير

*****

هي ليست مُناسِبة له، حقيقة أدركتها وصارت تُدركها بعدما استيقظت من حُلمها الوردي بعد فوات الآوان.

لم تجد في حديث "سيرين" شيء خاطيء يُشعرها بالإساءة، فعليها الأعتراف بحقيقة أصلها.

اسبلت أهدابها نحو الكُتب التي تحملها بين يديها تعترف لحالها أن علو شأنها - في تعليمها - فرصتها الوحيدة لمن لا فرصة لهم مثلها.

هنا في هذا المكان - وبكاء "سيرين" الذي اخترق أذنيها - أقسمت ألا تعيش عمرها في الخانة الفارغة وأن تجعل طفلها فخورًا بها ذات يوم.

رجفة أصابت قلبها وهي تسمع حديثه عنها بعدما أخذت "سيرين" تُخبره أنها ليست سيئة ولكنها رغمًا عنها عشقته دون إرادة منها وليتها تستطيع التوقف عن حبه.

- الست اللي أنتِ شيفاها قليلة عليا، أنا اللي قليل عليها ومستحقهاش، أنا حقيقي مستحقش طيبة قلبها وجدعنتها، مستحقش حبها ليا وتحملها لطباعي الوحشه، أوعي تفتكري إن صورة الراجل اللي بتشوفيه في الشركة والمناسبات ديّ صورتي الحقيقية، أنا راجل لا تُحتمل طباعه يا "سيرين".

توقف عن الحديث يُشيح عيناه عنها مستندًا بكفيه فوق سطح مكتبه وتابع

- الأفضل تقبلي عرض الشركة ، وهعتبر الزيارة ديّ أخر زيارة بين مدير وموظفة مجهتدة عنده بيحترم ذكائها.

وهل الحديث كان قاسي ، أم هي قسوة الحقيقة؟

بصعوبة تمكنت من جر ساقيها وقد غشت عيناها الدموع وهي تُغادر من الغرفة ولكنها رغمًا عنها توقفت تنظر نحو "بسمة" التي وقفت تُخبرها بنظراتها أنها استمعت لكل شيء.

اطرقت "سيرين" رأسها أرضًا في خزي لأول مرة تشعر بِه وانسحبت في صمت.

بخطوات مترددة اتجهت "بسمة" لداخل الغرفة تنظر لمكان وقوفه وقد اخترق علو أنفاسه أذنيها.

- هي قالت الحقيقة عني، أنا بنت راجل عاش ومات فقير.. وأخ رد سجون هيفضل نقطه سوده في حياتك.

أن يتجاوز عن حديث لا يُعجبه كان أمر مستحيلًا بالنسبة له.

استدار بجسده نحوها يرسم فوق شفتيه ابتسامة زادت ملامحه وسامة ورغمًا عنها كانت تُحملق في ملامح وجهه، فهو اليوم حليق الذقن وهذا كان غريب عليها.

- شايفك مبسوطه، أكيد اليوم كان لطيف.

لم يسمح لها بالحديث أو التساؤل ثانية بل استطرد هاتفًا.

- عايزك تحكيلي عن كل حاجة بالتفصيل لكن الأول تطلعي تغيري هدومك وتنزلي عشان نتغديٰ.

وسرعان ما كان يُتمتم - راغبًا بتناول الطعام بالخارج - وهو يتحرك نحوها ببطء مستندًا على عصاه.

- إيه رأيك نخرج نتغديٰ بره ونغير جو؟؟!

- أنا.....

اردات الحديث ولكنه أسرع في وضع يده فوق شفتيها مستطردًا.

- ميعاد الدكتور بعد ساعتين، نتغديٰ ونروح الڪشف.

رفرفت بأهدابها متسائلة عن أي طبيب سيذهبون إليه اليوم؛ فميعاد متابعته بعد غد.

- دكتور إيه؟

اشاحت عيناها عنه مُرغمة حتى لا تظهر ربكتها من قربه.

- الدكتور اللي هنتابع معاه الحمل يا "بسمة".

رجفة صارت بجسدها شعر بها ثم تلاقت عيناها مع عينيه في صمت لم يكسره إلا قرب أنفاسه منها.

- صفحة "سيرين" اقفليها من عقلك يا "بسمة" وخليكي متأكده من حبي ليكِ ولابني اللي هيكون منك، ابننا هيكون فخور بينا إحنا الاتنين.

قبلة صغيرة لثم بها خدها وابتعد عنها متجهًا نحو أقرب مقعد بعدما أرهقه الوقوف ثم مددّ ساقيه يكتم آلامه مبتسمًا.

- على فكرة أنا جعان واكيد ابني كمان جعان.

بمزاح اردف مُعبرًا عن جوعه وحاجة طفله للطعام ينظر إليها مستمتعًا بتعبيرات ملامحها وتحديقها به.

نفضت رأسها من ذلك الصمت اللعين الذي صار يشل تفكيرها ويُثقل لسانها تتسأل باحثة عن السيدة "سعاد".

- هي دادة سعاد فين؟؟

- راحت البلد مع عم "جميل" يحضروا فرح ابن واحد عزيز عليهم.

ضاقت عيناها في حيرة وتساؤل تنظر إليه مندهشة من ذلك القرار المفاجئ الذي اتخذاه - العم "جميل" و السيدة "سعاد"-.

تمكنت أخيرًا من الفرار من أمامه والملاذ بغرفتها من سطو مشاعره لا تُصدق أنها عادت تقف أمامه مسلوبة الأنفاس ومشلولة الحركة.

- أنتِ لازم تفوقي يا "بسمة".

تهاوت بجسدها فوق الفراش تطرق رأسها أرضًا ورغمًا عنها انسابت دموعها.

- أنا ليه مبقتش لاقيه نفسي، ليه بقيت خايفه من كل حاجة حواليا.

حركت رأسها يائسة ولم يكن أمامها إلا "ملك" من تسمعها

...

" انفضي رأسك" بسمة" كلما وجدتي حالك شاردة بذكرياتك الموجعة"

هكذا اخذت تُنفذ النصيحة طيلة الطريق وهو ينظر إليها يستعجب فعلتها ولكنه فضل الصمت وإلتقاط يدها.

حدقت "بسمة" بيدها التي صار يحتضنها داخل يده ويضعها فوق ساقه.

- إيه رأيك بعد الدكتور نروح السينما.

إقتراح أخر يقترحه وكأنه يعرف أحلامها، لا أحد يعرف بتلك الأحلام إلا "ملك".

- سينما!!

- لو مش عايزه يا حببتي ممكن تقرري أنتِ.

تعلقت عيناها بيده القابضة على يدها وهو يُداعب أناملها وعلامات الدهشة والتخبط مرتسمة فوق ملامحها.

وضع النادل لهم الطعام ثم ابتعد بعدما تمنى لهم وجبة ممتعة.

ابتسامة طفيفة ارتسمت فوق شفتيها اخفتها سريعًا ولكنه صار سريع الملاحظة لكل ردة فعل لها.

انتهى غذائهم وبخبراته السابقة استطاع إجتذابها بالحديث شيئًا فشيء وهي كما أخبرتها "ملك" بنصيحتها تنفض عقلها كلما داهمتها الذكريات السيئة.

ارتسمت ابتسامة واسعة علي ثغرة وهو يرى ذلك الكيس الذي ينبض بطفله والطبيب يطمئنهم على وضعه.

لم يتحدث كثيرًا عن لهفته بهذا الطفل بل كان أذكي من أن يُشعرها أن تغيره معها من أجل طفله.

وذكائه لم يكن في هذا الأمر فقط، إنما كان في اختياره لذلك الفيلم المعروض.

تعالت الصرخات؛ فاندفعت نحوه تدفن وجهها بصدره.

- أنتَ قولت إنه فيلم رومانسي، ده من أول مشهد الناس بتتقتل فيه.

كتم ضحكاته بصعوبة حتى يستطيع الكذب عليها ، فهي لم تنتبه لتلك الخدعة التي فعلها بها.

- لا يا حبيبتي ما الرومانسية جايه بعدين، ما أنتِ عارفه الأجانب.

قضت أغلب الفيلم داخل احضانه ورغم الألم الذي اخذ ينهش بضلوعه وساقه إلا أنه كان متجاهلاً لألامه مستمتعًا بقربها.

وفور أن عادوا للمنزل الذي صار خالي بهم ، أسرع بإغلاق باب غرفته خلفه حتى يتمكن من الإفصاح عن ألامه وتناول المسكنات لتُخفف عنه.

...

دارت أعين "خديجة" بينهم في صدمة لا تُصدق أن "سليم" المتصف بهدوئه وقدرته على إثارة غضب الأخرين دون أن يغضب.. هو من يقف أمامها صائحًا يُطالبها بأن تخذ معها تلك التي فُرضت على حياتهم.

- ديّ مش هتعيش معايا في بيتي، أنا مش مستعد اتحملها أكتر من كده.

- أنا لن أرحل من هُنا، كل شئ ملڪكَ ليّ فيه.

تعلقت عينيّ "خديجة" بينهم وسرعان ما كانت ترتسم الصدمة فوق ملامحها.

- مؤسسة المحاماه ملك لأبي وسأتولى إدارتها ولو كُنت تظن أنني ضعيفه ولن استطيع محاربتك.. فأنت لا تعرفني.

- "ليندا" كفايه كده.

هتفت بها "خديجة" بعدما حالت بينهما تنظر لملامح "سليم" الجامدة.

- ظننته ابن عمي بالفعل وسيُرحب بي ويحميني ولكنه رجل متعنت حتى زوجته لا تسلم من تعنته.

غادرت المكان تسحب مضرب التنس خلفها وتتبختر في مشيتها.

- احتاج لبعض الرياضة حتى أبدء عملي غدًا بنشاط.

هي تقصد بالفعل إرتفاع ضغط الدماء لديّه هكذا تمتم لحاله يضغط فوق شفتيه بقوة.

- عايز اشوف هتتولى إدارة المؤسسة إزاي

ارتفعت ضحكات "خديجة" عاليًا تحملق بهما في سعادة؛ فقد صار أخيرًا هناك ضلع ثلاثي يُكمل تعنت وقوة عائلة النجار.

- مش سهله خالص، كل يوم بتثبتلي إنها دم عائلة النجار..

حدقت به خديجة بنظرات زادت من تجهم ملامحه.

- قصدك دمها ملوث، دم عصابات.. فخورة أوي بيها.

تمتم بها واتجه نحو غرفة مكتبه راغبًا بهدوء صار لا يعرف حياته.

اتبعته "خديجة" في صمت تشعر بالحيرة من أمره؛ فلمَّ يكره "ليندا" هكذا وهو من تأكد من صدق كل ما أخبرتهم به.

اقتربت منه مشفقة عليه وهي ترى ملامح وجهه وقد صار الإرهاق يحتلها.

- لو مكنتش اعرف "سليم" ابن اخويا كويس..كنت قولت إن كرهك ليها بسبب مشاركتها ليك في أملاكنا لكن أنا عارفاك أكتر من نفسك يا "سليم".

- هتقبلها إزاي في حياتي وهي السبب في موت عمي.

تنهيدة طويلة خرجت عن شفتيّ "خديجة" وجلست بعدها فوق أحد المقاعد تُغمض عيناها وتتراجع بجسدها للخلف.

- "ليندا" ملهاش ذنب يا "سليم" ، متحملش دايمًا الذنب للضحية .. زي ما كنت محمل "صافي" وحَمّلت برضوه "شهيرة".

حرر وجهه عن راحتي كفيه يتجه بنظراته نحو عمته لا يستوعب حديثها وقد عادت تلك الغصة تحرق فؤاده، كره والدته له، كرهته لأنه ابن "صفوان النجار" وهو كان يكرهه لأنه ابن هذه المرأة التي تزوجها مُرغمًا.

- "صافي" عانت كتير من "صفوان" والحقيقة اللي مكنتش في يوم عايزاك تعرفها إن "صفوان" كان نسخه مطابقه من "حامد" في أعمالهم الغير شرعية.

توقفت "خديجة" عن الحديث بعدما شعرت بقسوة ما القته عليه ولكن الصدمة هذه المرة كانت من نصيبها وهو يُخبرها أنه يعلم بأعمال والده الغير شرعية وبسببه مازال يدفع الثمن في تولي مؤسسته بعض القضايا لهم.

- معلومة مش جديدة عليا يا "خديجة" ، قذارة "صفوان النجار" مكنتش مخفيه عليّا وبدفع ثمنها لحد النهاردة.

تعلقت عينيّ "خديجة" به بنظرات مازالت تحمل الدهشة.

- كل ست اتجوزتها قبل "شهيرة" ، كان الهدف إنها تمسح من قذارة "صفوان النجار" ، لو دورتي ورا أغلبهم هتلاقيهم كلهم على علاقات بناس بلاش نذكر أسمائهم.

- "سليم"

نهض عن مقعده يفرك خصلات شعره بقوة.

- الوحيد اللي قدر يخليني أكره نفسي، "حامد الأسيوطي" .. لأن "شهيرة" الوحيدة اللي لما اتجوزتها كان جوايا مشاعر ليها، مشاعر ضاعت مع إنطفاء زهوة الإنبهار.

التف بجسده نحوها يضغط على راحتي يداه بقوة يخشى ما يراه محتملًا.

- رفضي لـ "أمير" كان سببه خوفي عليكِ من مشاعر جربتها "شهيرة" معايا وفي النهاية كانت حكايتنا بتنتهي بأسوء نهاية، طفلة بين أب وأم في صراعات وكل واحد فينا بقى محمل التاني ذنبها.

ارتفعت أنفاس "خديجة" وقد اخترقت كل كلمة فؤادها.

- اتمنى يكون بيحبك فعلاً ومتكونش حكايتكم مجرد إنبهار هينتهي مع الأيام.

غادرت "خديجة" المنزل بمشاعر مشتته تنظر نحو هاتفها ومازال الحديث عالق بأذنيها، وهل ما أخبرها به "سليم" حقيقة جاهلة إياها؟

...

تأوهت "جنات" بألم بعدما انفلتت ضحكاتها رغمًا عنها وهي تستمع لحديث "فتون" المحتضنه صغيرها إليها وتُداعبه منذ أن أتت لزيارتها.

- بتضحكي على حظي يا "جنات".

تمتمت بها "فتون" بإستياء حانقة منهم جميعًا.

- أنا مش بضحك على حظك يا "فتون"، بضحك على خيبتك حتى لما تقربي من جوزك في سفرية بتجمعكم لوحدكم اخدتي معاكِ بنت عمه اللي تقول للقمر قوم وأنا اقعد مكانك.

احتقنت ملامح "فتون" ؛ فلو "جنات" تقصد إثارة غضبها فلتُخبرها حتى تُغادر ويكفيها ما نالته من "سليم" بعد عودتهم من بلدتها.

- أنا فعلا استحق حرقة الدم، قولت تغير جو معانا.

- تغَيّر جو في بلدكم يا "فتون" ، أهو أنتِ اللي شيلتي الليلة كلها واتخنقتي أنتِ و" سليم" وكل واحد فيكم حَمّل التاني سبب اللي حصل.

زفرت "فتون" أنفاسها بضيق؛ فكل شيء صار يسقط فوق رأسها وأصبح "سليم" يتذمر من أقل شيء تفعله.

- أنا حزينة أوي يا "جنات" وبلاش تضحكي على أحزاني.

كتمت "جنات" ضحكتها حتى لا يؤلمها جرحها، وتعلقت عيناها بصغيرها الذي غفا بأحضان "فتون".

- حطيه في سريره وتعالي جانبي.

وضعت "فتون" الصغير في فراشه واقتربت منها تجلس جوارها فوق الفراش بملامح عابسة.

- خلينا نتكلم بالعقل يا "فتون" ، زهوة الحب وقوته في البدايات بتضيع مع الوقت وده مش بأرادتنا.. للأسف عوامل كتير تقدر تكبلنا لحد ما نفتكر إن الحب ضاع، لكن في الحقيقه هو مضعش.. إحنا بس من فترة للتانيه بنحتاج لنفس شعور البدايات.

توقفت "جنات" عن الحديث تنظر لملامح "فتون" الصامته.

- أنتِ أقرب حد لـ "سليم" دلوقتي وغصب عنه غضبه ممكن يُخرج عليكِ أنتِ، ده مش مبرر لكن لازم تتعلمي تكوني ذكية، تتعلمي إزاى تكوني قُبطان سفينتك ما دام اختارتِ تكملي الرحلة معاه.
و"سليم" سابلك الفرصة تقرري وأنتِ قررتي الرجوع ليه.

- أنا مقدرش اعيش من غير "سليم" يا "جنات" ، أنا بشوفه في كل الأدوار، الأب والأخ والزوج، هو كل حاجه في حياتي.

تعالا صوت "جنات" فجأة مما أصابها بالذعر من صياحها ثم تأوهها.

- خلينا نقف عند جملتك لأنها مربط الفرس زي ما بيقولوا، مشكلتك مع "سليم" إنك بتشوفيه في صورة الأب قبل الزوج، جميل إنك تشوفي زوجك في صورة الأب لكن ده مش دوره في حياتك .. هو بيحاول يكون ليكِ كل حاجه شايفك محتاجاها يا "فتون".

- أنا السيئة في الحكاية يا "جنات".

داعبت "جنات" شفتيها ابتسامة واسعه تعدل طوق شعرها.

- كلنا سيئين وخصوصًا في حكاياتنا يا "فتون" ، إحنا نقدم نصايح لكن عشان ننصح نفسنا فمش هتلاقي حد ناجح في نُصح نفسه.

غادرت "فتون" منزل "جنات" بعد حديث قد طال وعادت للمنزل تتعجب من هدوئه؛ فـ "خديجة" أخبرتها أنها ستتناول معهم اليوم الغذاء هي وزوجها ولكن أين هي؟ وأين "ليندا" التي صارت صداع رؤوسهم؟

أسرعت السيدة "ألفت" بخطواتها نحوها.

- البيه شكله مضايق ومتعصب، ادخلي ليه يا بنتي شوفي ماله.

بخطوات لأول مره حملت اللهفة - دون ذلك التردد اللعين - صعدت لأعلى وقد زادها الأمر دهشة أن "سليم" بغرفتهم ولم يذهب للعمل.

دلفت للغرفة في صمت واسقطت حقيبتها أرضًا واقتربت من الفراش الغافي فوقه تنظر نحو ذراعه المفرود فوق عينيه.

- "سليم"

همست اسمه في خفوت ثم جاورته فوق الفراش تمسح فوق خصلاته.

- "سليم" أنتَ تعبان.

كان يسمع همسها وتساؤلها ولكنه كان بحاجة للصمت، بقلق مالت نحوه ترفع ذراعه عن عينيه؛ فانكمشت ملامحه.

- "فتون" ممكن تسبيني لوحدي.

افلتت حذائها واقتربت حتى صارت مُلتصقة به.

- ولما هبعد عنك هتكون مبسوط.

تعلقت عيناها به منتظرة جوابًا رُبما يحرق فؤادها ولكن كان جوابه الصمت ثم اقترابه منها دافنًا وجهه داخل أحضانها.

لا تعرف كم مضى من الوقت وهي متخذه هذه الوضعية تمسح فوق خصلاته حتى غفا تمامًا.

دنت منه تلثم جبينه وتحرك أناملها بخفة فوق لحيته الخفيفة.
....
توقفت عن تقليب الطعام الذي صارت تجيد طهيه بعدما قررت أن تكون سيدة المنزل وتعيش ذلك الدور الذي لم تحياه يومًا، يداه اخذت تتحرك فوق جسدها بعبث يُقبل عنقها بقبلات متفرقة.

- حببتي مبقتش سيدة أعمال بس، بقت كمان أشطر ست بيت.

تمتم بها "أمير" وكعادته كان يُغرقها بسحر حديثه وقبلاته.

بصعوبة استطاعت التخلص من أسر ذراعيه تشعر لأول مرة بالإختناق من قبلاته؛ فمازال حديث "سليم" يقتحم عقلها.

- مالك يا "خديجة" ،أنتِ تعبانه يا حببتي.

حاولت إشاحت وجهها عنه ولكنه أسرع في إحتواء وجهها متمتمًا.

- فيه حاجة زعلتك في زيارتك لـ "سليم" ، أنا عارف ابن اخوكي لسانه زي لسان "كاظم" أخويا بيرموا مدافع.

رغمًا عنها ابتسمت تُحرك رأسها.

- أنتَ راجع من شغلك تعبان، غير هدومك لحد ما احضر الأكل.

اعترض على حديثها بقبلة اختطف فيها شفتيها متمتمًا بعدما ابتعد عنها وأزال عن جسده سترته.

- لا يا حببتي روحي أنتِ ارتاحي وأنا هكمل تحضير الأكل بدالك.

حركها من أمامه بخفة نحو الأريكة يُمددها فوقها مُبتسمًا.

- أميرتي من حقها تدلع لحد ما تكون مامي حلوه وبعد كده يجي دوري في الدلع.

قذف بقبلته إليها بعدما تمتم بحديثه ضاحكًا واتجه نحو المطبخ يُكمل تحضير الطعام.

عقلها يكاد ينفجر تُحرك رأسها رافضة أي مخاوف تتغلغل داخله.

و كعادته لا يأكل إلا عندما يُطعمها ويفرط في تدليلها بحب.

- "أمير" أنتَ ممكن في يوم تبطل تحبني، تشوفني في نظرك عجوزة.

أسرع في كممت فمها حتى لا تُكمل حديث ظنَّ أنهم أنتهوا منه.

- حببتي ليه رجعنا تاني نفكر في نفس الموضوع، أنا لاقي معاكي كل حاجه كان نفسي فيها يا "خديجة".

لم يتركها لتتحدث بحديث لا يُعجبه يُعانق شفتيها بشفتيه.

- مش بيقولوا لمن القرار، وإحنا أخدنا قرارنا بنفسنا، ملناش دعوه بفشل علاقات ناس تانية.
.....

تعلقت عينيّ "ليندا" بهم وهي تراهم يهبطون لأسفل و "فتون" تتعلق بذراعه وفوق شفتيها ترتسم ابتسامة واسعة.

شعرت بالراحة لأن خلافهم لم يَطُل بسبب ما فعلته ببلدة "فتون" ولكن سرعان ما أخفت تلك الراحة التي ارتسمت فوق شفتيها بأخرى احتلتها السخرية مهمهه بحديث بالأنجليزية.

- يصيح بوجهي لكن مع زوجته شيء أخر.

ضاقت عينيّ "فتون" وقد وصلت إليها همهمتها الخافتة واستطاعت فهمها بصعوبة بعض الشيء لعدم حبها للغة الإنجليزية.

- يعني نفضل زعلانين مثلًا.

ارتفع حاجبي "ليندا" بأستفزاز اجادته؛ فاستشاطت ملامح "فتون" وهي تراها تتجاهل حديثها وتتخطاهم صاعدة لأعلى.

لم يعبأ "سليم" بحديثها ولا فعلتها ولكن سرعان ما تحولت ملامحه المسترخية للجمود وهو يراها تتراجع عن صعودها وتقف أمامهم.

- سأتناول طعام العشاء معكم حتى تُخبرني عن طبيعة القضايا التي تتناولها المؤسسة.

- مؤسسة إيه يا "سليم" ؟

حدقت "فتون" به وانتقلت بعدها بنظراتها نحوها؛ فعن أي مؤسسة تتحدث هي.

- هي تقصد مؤسسة المحاماه؟؟

صمت "سليم" وتلك النظرة الجامدة المتحدية التي تبادلوها، جعلتها تتأكد مما أخبرتها به تلك التي ظنت بها الخير ولكن هي كالحمقاء تظن بالجميع حسن نواياهم.

- حبيبتي "فتون" أنسيتي أنني أملُك نصيب في كل شيء يملكه زوجك.

بارعة هي في إجادة دورها وما دام لم يتقبلوا تلك الصورة الودودة منها فعليهم التأقلم مع شخصيتها الباردة.

- لقد انتهى وقت التسلية والمرح، عليَّ إثبات صورتي أمام الجميع، فأنا من نسل عائلة النجار ونساء عائلة النجار ناجحين في أعمالهم.

هذه المرة كانت تُريد إيصال رسالة لفرد واحد وهي "فتون" التي وقفت مصدومة تتنقل بنظراتها بينهم.

عدلت "ليندا" عن قرارها وانسحبت صاعدة لغرفتها تكتم صوت قهقهتها تهتف داخلها.

- سأجعلك تُعاني من تمرد زوجتك وغيرتها حتى تحترم وجودي "سليم"

....

عادت من الجامعة بملامح صار يسيطر عليها الراحة؛ فقد عاد الأمل يتغلغل داخلها مرة أخرى وصار عقلها منشغلًا بمستقبل جديد لها.

شعرت ببعض التوعك ولكنها قاومت الأمر واتجهت نحو غرفة مكتبه كما سارت قدميها تأخذها لتسأله عن تناوله لأدويته وعن أي الطعام يرغبه حتى تطهوه سريعًا لهما وتصعد لغرفتها حتى تنال قسطًا من الراحة.

حدقت بالغرفة الفارغة وسرعان ما كانت تتذكر حديث السائق معها وهم عائدين يُخبرها بأنه أصر اليوم على إصطحابه للشركة بعدما أوصلها وعاد إليه.

ببعض التردد اتجهت نحو هاتفها تُخرجه من حقيبتها تتعجب من عدم إخباره لها عن ذهابه اليوم للشركة رغم محادثته لها بعد كل محاضرة يطمئن عليها.

مع بدء رنين جرس الهاتف وانتظارها لجوابه عليها، كان جرس الباب يتعالا رنينه.

اتجهت نحو الباب بخطوات متلهفة تظن أنه الحارس قد جلب لها ما ارادته من المخبز القريب منهم.

- حببتي ساعه وأكون عندك، أنا في اجتماع مهم..

توقف بقية الحديث على طرفي شفتيه يستمع لصوتها المذعور.

- "عنتر"

يتبع بإذن الله
...


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close