رواية لمن القرار الفصل الحادي والثمانون 81 بقلم سهام صادق
لقطات من المَشاهد تجعلك تتأكد كيف كُنت أحمقًا، كيف كانت الصورة واضحة ولكنك تغافلت عنها،
والجواب لأنك اخترت أن يُحاصرك ضعفك وماضيك البائس.
تعلقت عيناها به بنظرة حملت مزيج من المشاعر بعدما وكزتها "ليندا" بكتفها حتى تلفت انتباهها على ذلك المشهد المُضحك من وجهة نظرها.
- والدتك ماكرة "فتون" تتباهى بـ "سليم" بين صديقاتها، أنظري إنها تسحبه نحو إحدى النساء اللاتي يُحركنّ شِفَاههُنّ بطريقة غريبه.
توقفت "ليندا" عن الحديث حتى تُحرك شفتيها كتلك المرأة وسرعان ما كانت تمط شفتيها معترضة
- لا أستطيع فعلها، حتى هز خصري مثلكن أفشل فيه.. إنني محبطه "فتون".
حاولت "ليندا" تحريك شفتيها مُجددًا ولكن محاولاتها باءت بالفشل؛ فزفرت أنفاسها بقوة تنظر نحو "فتون" التي وقفت تُحدق بـ "سليم" بذهن شاردة ظنته "ليندا" هيامًا وعشقًا ولكن العشق كان ممتزج بالندم.
- بدلًا من أن تحملقي به أذهبِ إليه، لو كان زوجي لألتصقت به كالعلكة ولفعلت أمور عديدة معه...
اتسعت أعين "فتون" بعدما اجتذب سمعها تلك العبارة التي تعلم أنها بالنسبه لـ "ليندا" لفظًا عاديًا؛ فـ "ليندا" متحررة في ألفاظها ورغم حنقها من أفعالها الهوجاء منذ أن وطئت قدميها البلدة، لكنها لا تُنكر أنها بالفعل ودودة.
- انظري "فتون" هذه المرأة تنظر لـ "سليم" وتلتهمه بعينيها
أشاحت "فتون" نظراتها عنها سريعًا وتناست ما كادت أن تُخبرها به وهي تُسلط أعينها نحو "سليم" وسرعان ما كانت تندفع نحوه، فهذه المرأة ليست إلا إحدى النساء الماكرات في قريتهم بل وهي من جلبت لها "حسن" وكانت السبب في تعاستها.
اجتذبته بعيدًا عن والدتها التي وقفت تتفاخر به أمام نساء القرية وكم هي محظوظة بزوج أبنة مثله.
- مالك يا "فتون" بتسحبيني كده ليه..
هتف بها متعجبًا من جذبها له خارج قاعة الاحتفال التي رغم مساحتها اكتظت بالمدعوين.
تسارعت أنفاسها بحنق وهي تتجه بأنظارها لداخل القاعة دون أن تجاوبه، وقد أصبحت النظرات نحوها وها هي والدتها قادمة إليهم.
- مش معقول تكوني سحبتيني وراكي قدام الناس بالمنظر ده عشان ممدش أيدي وأسلم على مدام "سحر".
عيناها لم تعد مسلطه نحو خطوات والدتها و نظراتها الزاجرة لها - لتعود بزوجها لداخل القاعة حتى تُكمل فقرة تباهيها بِه أمام الناس - بل صارت تُحملق به بنظرات غاضبة، نظرات جعلته راغبًا بالضحك عاليًا؛ فالصورة باتت واضحة.
- لو سيبتك تسلمّ على كل الناس، الست دي لأ.
لم تنتظر حتى يُفكر ويتسأل عن السبب وسرعان ما كانت تصدمه بفعلتها وهي تسحبه خلفها ثانية هاربة من والدتها التي لولا اجتذاب أحدهم لها بالحديث لكانت اكملت سيرها نحوهم.
لم تعد الدهشة تحتل ملامح "سليم" بل انفلتت ضحكاته بقوة ينظر نحو يدها التي تقبض على ذراعه مستمتعًا بهمسها الخافت لحالها.
- مبقاش فاضل حد من أهل القرية إلا وعرفتك عليه، فاضل الأطفال تقولهم ده جوز "فتون" بنتي.
- مش عيب يا "فتون" نسيب الحجة "عبله" كده لوحدها، تقول عليا إيه حماتي الغاليه دلوقتي.
تمتم بها "سليم" بعدما أشاح عيناه عنها حتى يعود لهيئته الجادة ويتوقف عن الضحك؛ فكل ما صار يحدث معه منذ وصولهم القرية لم يكن بالنسبه له إلا "دراما فكاهية" . فجميع من بالقرية صاروا يُلقبونه بزوج "فتون" ، "سليم النجار" أصبح يُنعت بزوج "فتون"
يالها من أُضحوكة ولكنه في النهاية ليس ضجرًا لأنه يعلم تماماً تفاخر أهل "فتون" به حُبًا ورغبة في إخراس ألسنة الكثير عن حال أبنتهم التي تركوها تعيش في العاصمة ظنًا أن زواجها بأحد الأثرياء ليس إلا أُكذوبه أو ربما زيجة عُرفية يخفيها الزوج عن الأعين.
حاولت التقاط أنفاسها وقد انتبهت على ابتسامته المتسعة بعدما عاد ينظر إليها
- حضرتك مبتسم وسعيد عشان كل الستات شيفاك ولا كأنك خارج من مجلة أزياء.
- مجلة أزياء؟
حركت رأسها تؤكد على ما هتفت به وقد أزداد استياءها وهي تتذكر أحاديث نساء قريتها عليه، "فتون" ابنة "عبدالحميد" الفقير من سبق لها الزواج، تتزوج برجل كهذا!
اجتذبها إليه ينتشلها من ذلك الضجيج الذي عاد يخترق تلك النقطة التي تُحاول الشفاء منها، فهي ليست بالقليلة، "سليم" أحبها لأنها تستحق أن تُحب وتجد رجل رائع مثله.
- وأنتِ زعلانه عشان الناس مبهورة بجوزك، المفروض يا حبيبتي تقفي جنبي وترفعي راسك.
- مبعرفش أعيش الدور على الناس يا "سليم" ، مبعرفش أقف واتباهى باللي في أيدي..
زفرت أنفاسها - التي صارت معبئة برائحة عطره- بثُقل وهي بين ذراعيه.
- أنا زي ما أخواتي بيقولوا مع إني أكبرهم لكني أخيبهم.
ابعدها عنه مُستنكرًا عبارتها؛ فهي ليست بهذا الوصف هي بالفعل أطيب شقيقاتها، يراها تُشبه والدها أكثر.
- أخيبهم !! بقى زوجة "سليم النجار" تقول على نفسها كده.
- "سليم" هو أنا أخر مره قولتلك بحبك كانت أمتى.
خرجت قهقهاته عاليًا غير مصدق ما تتسأل عنه وسط حديثهم هذا.
- تقريبًا يا حبيبتي بقيتي تقوليها كتير وأنا مبقتش أعد كام مره قولتيها، لكن خليني أفكرك إزاي اتقالت وأمتى.
بنظرات التمع بهما المكر والعبث وصوت مداعب أخذ يُذكرها بقبلتها له هذا الصباح.
- يعني يوم ما تحني عليا وتقرري تبوسيني بوسة مش بريئة يكون في بيت أهلك، وانتوا عندكم مافيش رجاله تبات جنب ستاتها.
ارتفعت صوت ضحكاتها مُرغمة وسرعان ما رفعت يدها نحو شفتيها تُكمم فاهها.
- عوايد وتجاليد يا "سَليم باشا".
ارتفعت قهقهاته هو الأخر وهو يراها تهتف بلكنتها
- تعرفي أنا حبيت بلدكم جوي جوي.
ارتفعت ضحكاتهم سويًا متناسين كل لحظة عكرت صفو حياتهم وكأنهم كانوا بحاجة لأبتعادهم قليلًا.
- "فتون" ألحقي الخوجاية قلبت الفرح كباريه وبترقص مع كل راجل شويه حتى خطيب أختك "دعاء" مسلمش منها..
لم ينتظر "سليم" سماع المزيد من الصغير - شقيق "فتون"- وأندفع لداخل القاعة ينظر نحو مكان وقوفها فوق أحدى الطاولات تتراقص وقد أخذ الجميع يُحملق بجسدها الذي صار ظاهرًا بعدما أزالت عنها معطفها.
.....
"الولادة متعسرة"
عبارة نطقت بها أحدى الممرضات ثم أسرعت عائدة لغرفة العمليات.
اختفت الممرضة خلف الباب الذي أُغلق خلفها أمام نظراته التي صارت جامدة وقد سُلبت بقية أنفاسه مع شدة الإنتظار.
أسرع "أمير" إليه بعدما التقطت أذنيه عبارة الممرضة أيضًا وقد تعجب في البداية من صمت شقيقه وسرعان ما كان يرتفع صوته في هياج راغبًا بمعرفة ما يحدث لزوجته بالداخل، يُقسم لو أصابها مكروهًا سيغلق لهم المشفى.
- اهدى يا "كاظم" .. حاول تهديٰ "جنات" قوية وهتقوم بالسلامه صدقني.
- أهديٰ إزاي، ديه بقالها ساعه جوه أوضة العمليات.
وقف "أمير" يُحدق به بعدما نفض عنه "كاظم" ذراعه وابتعد قليلًا مُحاولًا إلتقاط أنفاسه.
ارتفعت أنفاس "خديجة" من شدة القلق تنظر نحوهما تضم بطنها بذراعيها تهتف بالدعاء لها ولطفلها.
وقف "أمير" في منتصف الردهة حائرًا وهو ينظر نحو "كاظم" الذي اشاح وجهه بعيدًا عن أنظاره وفي داخله كان يعلم أن "كاظم" يُقاوم ذرف دموعه.
- "كاظم"
هتف بها "جلال" الذي اتجه نحو "كاظم" بعدما ألقى بتحية سريعة على "أمير" ينظر نحو صديقه رابتًا على كتفه.
- هتقوم بالسلامه وهتخليني عم لا وكمان هتخليني أغير منك واعملها تاني واتجوز.
حاول "جلال" المِزاح ببعض الأحاديث حتى يُهون عليه ولم تمر الدقائق إلا وكانت بقية العائلة تتجمع في رُدهة المشفى..
علامات السعادة ارتسمت فوق ملامح "منال" وهي تستمع لحديث "خديجة"- الجالسة مع أبنتها "مهيار"- عن صعوبة ولادة "جنات".
- مكنتيش جيتي يا "خديجة" المستشفى، شايفه وشك بقى أصفر إزاي.
انتبهت "منال" على بقية حديثهم تنظر ل "خديجة" التي ظهر على ملامحها علامات التعب والخوف وسرعان ما كانت تهتف.
- هي فيه واحدة حامل تيجي تحضر ولادة، ولا مش خايفة على بنت ابني... ما لو هتجيبي غيرها نقول ماشي لكن يا حسره عليك يا ابني مش هتشوف غير البنت ديه.
هتفت "منال" بحديثها غير عابئة بشيء تُشيح عيناها بعيدًا عن نظرات أبنتها اللائمة.
حاولت "مهيار" أن تُلطف الوضع بعد رؤيتها لملامح "خديجة" التي ابتلعت حديثها في صمت تضغط فوق شفتيها بقوة.
- "خديجة" أنتِ عارفه ماما يعني..
حاولت "خديجة" رسم ابتسامة مصطنعة فوق شفتيها تنظر لكف "مهيار" الذي وضعته فوق كفها
- محصلش حاجة يا "مهيار" ، "منال" هانم بتقول الحقيقة اللي اخوكي عارفها وكل الناس عارفاها أنا مش هعرف أخلف تاني عشان سِنّي خلاص كِبر.
انتقلت نظرات السيدة "منال" لها غير مهتمه بتعليقها و سرعان ما أصاب ملامحها الجمود وهي تراها تنهض وتتجه بخطوات بطيئة نحو ابنها الذي أسرع بلهفة نحوها يتحسس بطنها المنتفخة برفق ويضمها إليه وكأنه لا يرى أمامه إلا هذه المرأة.
مصمصت السيدة "منال" شفتيها تنظر نحوهم متجاهلة حديث أبنتها وهي تنهرها عن حديثها الذي سيجعل "خديجة" تنفر من لقائهم وربما تجعل أمير يُغادر مصر بعد ولادتها ويبتعد عنهم.
- ولا كأنها سحراله
- أنتِ مش هترتاحي غير لما تخليه يبعد عنك، مش ديه "خديجة النجار" اللي كُنتِ فرحانه إن ابنك اتجوزها.
هتفت "مهيار" بها وقد ازداد حنقها من والدتها التي لم تعد تعرف بما تُفكر.
- كُنت فاكراها هتعليّ اخوكي معاها لفوق وتمسكه شركه من الشركات اللي عندها لكن دي طلعت ناصحة، رسمت على ابني و كلت عقله، اه يا ناري شباب ابني يتسرق مع واحده زيها.
- أنا مش عارفه أنتِ بتفكري إزاي، كل حاجة عندك لازم يكون ليها مقابل، "خديجة النجار" تحبيها لو "أمير" وصل لأحلامك بفلوسها.
"كاظم" تعتبريه ابنك زينّا طول ما مغرقك في فلوسه والعز لكن لو قفل الحنفية شوية يبقى وحش.
- آهو جات اللي سرقت كل حاجه وهتجبلوا الوريث.
عاد الحقد يتغلل قلب "منال" تتمنى من كل قلبها ألا ينجو هذا الطفل.
صدح صِياح الفرح بين الواقفين وقد أخذ الجميع يُبارك لـ "كاظم" بما أعطىٰ الله له.
- مُبارك يا أبو "عبدالرحمن".
صاح بها "أمير" الذي أحتضن "كاظم" بقوة وقد التمعت أعين "خديجة" بالعشق نحوه وهي ترى سعادته بطفل شقيقه عكس تلك المرأة التي لا تعرف كيف تصفها.
ضاعت كل أمال "منال" وهي تستمع لتلك المباركات.
........
ألقى حقيبة سفره بإرهاق وقد اتجهت عيناه - فور دلوفه للغرفة- نحو الفراش.
داعبت شفتيه ابتسامة دافئة وهو ينظر إليها في شوق ولهفة رغم غيابه ليلتين فقط.
أوراق هنا وهناك فوق الفراش وفوق الأريكة ومنها مُلقى فوق أرضية الغرفة.
انحنى بجسده قليلًا يلتقط واحده يُدقق النظر فيها.
عيناه اتجهت نحوها وهي تتقلب فوق بعض الأوراق ورغم أرهاقه ورغبته بالتسطح وأخذها بين ذراعيه والنوم إلا أنه أخذ يُجمع تلك الأوراق التي يعلم بأهميتها بالنسبه لها؛ فكل ما بها يَخُص مشروع - والدها القادم - بناء إحدى المدارس الاستثمارية.
وضع الأوراق جانبًا وتخلى عن سترته و قميصه وسرعان ما كان يندس جوارها يُلثم شفتيها بقبلة صغيرة هامسًا إليها.
- حبيبتي اللي بتكون منحرفه في التليفون بس وتفضل توعدني بليالي حلوة وبعدين أرجع ألاقيها نايمه بالبيچاما وواخده الورق بالحضن.
- "رسلان"
فتحت عيناها بصعوبة تنظر إليه بتشوش متسائلة وهي ترفع كفها نحو خده.
- "رسلان" أنت معايا في الحلم مش كده.
- أكيد يا حبيبتي.
اجابها بنفس همسها حتى لا تستيقظ وتسأل بعبث راغبًا بمعرفة وضعه بحُلمها؛ فهل سيكون محرومًا أيضًا في أحلامها.
- قوليلي يا "ملك" بعمل إيه معاكِ في الحلم.
ابتسمت إليه ابتسامة واسعة افقدته عقله.
- شكل دوري في الحلم حلو أوي.
حركت رأسها بإيماءة صغيرة وبعدها اغمضت عيناها عائدة لسُباتها.
- "ملك" ، "ملك" .. ديه نامت.
تمتم بها حانقًا وسرعان ما كانت تُزيحه من فوقها بعدما انتفضت من غفوتها تبحث عنها
- "رسلان"
- أه يا مناخيري بقى ديّ أخرتها مردتش أخد طياره بكره وقولت أجي لحضن مراتي وفي الاخر اطلع بعاهة.
لم تتركه لتأوهه؛ فاسرعت تندس داخل أحضانه.
- أنت بجد مش حلم.
- حبيبتي بعد كل الدراما ديّ وتقولي حلم.
احتضنها بقوة حتى يؤكد لها حقيقة وجوده جوارها.
- وحشتيني يا "ملك"
لم يُمهلها لتُخبره عن شوقها بحديث يعرف أنها تُجيده أكثر منه؛ فشوقه لها كان أكبر من مجرد حديث.
يديه عرفت طريقها كحال شفتيه، يهمس لها من بين قبلاته.
- قوليلي بقى الحلم أحلى ولا الحقيقة.
..........
ابتسمت "جنات" بضعف بعدما ودعتها السيدة "صباح" وأخبرتها أنها ستأتي إليها صباحًا حتى تكون معها أثناء خروجها هي والصغير.
- طيبة أوي الست "صباح ".
تمتم بها "كاظم" بعدما دلف الغرفة واقترب منها يُمسد على خصلاتها برفق.
- لو كنت موت يا "كاظم" كنت هتتجوز عليا.
لثم جبينها بعدة قُبلات وابتعد عنها بملامح واجمه أخفاها بابتسامة عابثة.
- أكيد يا حبيبتي.. ما أنا جربت العسل معاكِ فهدور على نحلة تانية.
- نعم!!
خرج صوتها عاليًا؛ فاشتد الألم عليها وقد تقهقر للخلف مصدومًا ينظر إليها.
- هو في حد معانا في الأوضة، حاسس إني سمعت صوت غريب.
- "كاظم" ..
تأوهت بقوة تضع بيدها فوق جرحها، وبنظرة حملت معها لهفة صاحبها أسرع صوبها.
- قولتلك بلاش حركة ، هروح أشوف الدكتور.
ابتعد عنها ولكنه توقف مكانه وهو ينظر لموضع يدها فوق ذراعه.
- برضوه مقولتليش لو موت كنت هتتجوز عليا وتجيب لأبني مرات أب شريرة زي مرات أبوك.
- بتحبي دايمًا جُرعة النكد يا "جنات" ليكِ وليا.
التمعت عيناه بدموع جاهد في إخفائها حتى لا يَظُن أحد أنه بات ضعيفًا ولكن هو بالفعل صار لديه نقطة ضعف بعدما أقسم ألا يجعل الحُب هو نقطة ضعفه.
جاورها فوق الفراش ودون أن يُضيف حديث أخر أجتذب يدها برفق نحو قلبه.
- وتفتكري كُنت هقدر أكمل من غيرك، أنتِ مش كنتِ هتسيبي ابني بس يتيم كنتِ هتسبيني أنا كمان يا "جنات".
اختنق صوته وهو يُخبرها بالحقيقة التي صارت مؤلمة بالنسبه إليه، لأنه لم يكن يُريد أن يصل يومًا لهذا الشعور.
- أنا آسفة يا "كاظم".
تمتمت بها ترفع كفها لتمسح تلك الدمعة التي خانته وانسابت فوق خديه.
- لو هعيش نفس الشعور اللي عيشته ده .. مش عايز أطفال تاني يا "جنات"
نهض من فوق الفراش مؤكدًا عليها ما قرره بالفعل ولن يسمح لها بالجدال معه.
- تشوفي إيه وسيلة منع الحمل المناسبة وتاخديها لأن لو حصل حمل تاني.. هخليكي تهزي وسطك كويس.
جحظت عيناها من الصدمة بعد تحول حديثه؛ فهذا الرجل سيُصيبها بالجنون!
- ولا كلمة عايز اسمعها منك، جنونك ده اللي وصلنا لكده، خلتيني أعيش أسوء ليلة عيشتها في عمري كله.
عادت نبرة صوته تنخفض وهو يتذكر تلك اللحظات التي مرت عليه.
- "كاظم" أنا كويسه قدامك آهو ، وكمان فين القُبلات المشبعة باللهفة اللي قريت عنها.
نظرت إليه بعدما هتفت بعبارتها ثم مطت له شفتيها منتظرة منه قُبلاته.
- قُبلات وفي المستشفى يا "جنات".
- بضعة قُبلات لا تَضُر يا "كاظم".
تمتمت بأعين قد أثقلها النُعاس ثم سقطت في غفوتها ناسية تمامًا أمر قُبُلاتِها التي تَضُر.
....
فتحت عيناها دون لهفة لبداية يوم ظنته حينَّ يأتي ستكون فيه سعادتها.
اليوم هو أول يوم لها بالجامعة التي ألتحقت بها بأمواله، فقسم الترجمه الذي صارت ضمن طُلابه لا يتم دخوله إلا بمصاريف خاصة.
نهضت بفتور من فوق الفراش غير راغبة بالذهاب؛ فلم تعد ترغب بالإختلاط بالغرباء.. فقوقعتها على حالها قد ازدادت و أضحت تتجنب الحديث معه، حتى السيدة "سعاد" لم يَعُد بينهم أحاديث مِثل السابق.
التقطت الملابس التي جلبها لها وكل شيء ستحتاجه كطالبه في أول يوم لها بالجامعة.
في الحقيقة لم يكن هذا اليوم الأول، لقد مضى على بداية العام الدراسي أسبوعان أو ربما أكثر.
بضعة طرقات خافته طرقت بها السيدة "سعاد" على باب غرفتها ثم دلوفها ولكن اليوم كانت يديها فارغة من صنية الفطور التي كانت تأتي بها يوميًا بعدما صارت "بسمة" تتجنب الخروج من غرفتها.
التقطت السيدة "سعاد" نظراتها المندهشة واقتربت منها وهي تنظر إليها من أعلى إلي أسفل بتقيم.
- ألبسي حاجه في رجلك من غير كعب عشان حركتك.
تمتمت بها السيدة "سعاد" وقد تحولت نظرات "بسمة" من الدهشة للغرابة ؛ فالسيدة "سعاد" تتحدث معها خِلاف الأيام الماضية كانت تضع لها الطعام وتُغادر في صمت.
- فين قلم الكُحل، كحلي عينك بتكوني حلوه في الكُحل.
لم تنتظرها السيدة "سعاد" لتأتي بقلم الكُحل بل اتجهت تبحث عنه وسط أغراضها.
- مالك مستغرباني ليه يا "بسمة" ، ما أنا من ساعة ما جيتي البيت ده وأنا بعاملك كأنك بنتي اللي مخلفتهاش.. هي الأم مش من حقها تزعل من بنتها لأنها خبت عليها وخليتها زيّ الغريبة.
انسابت دموع "بسمة" ؛ فهي لم تكن تقصد أن تجعلها في تلك الصورة.. لكنها كانت أكثر من يعلم أنها لا ترى علاقتها بـ "جسار" مُلائمة؛ فبماذا كانت ستُخبرها؟
- صدقيني يا دادة أنا مكنتش عايزه أخبي عليكِ ، لكن كنت هقولك إيه.. أنا و "جسار" بيه..
وقبل أن تُكمل عبارتها تمتمت السيدة "سعاد" بابتسامة حنونه.
- خلاص يا بنتي خلينا ننسى اللي فات، الأم مينفعش تفضل زعلانة من ولادها كتير رغم إنهم كانوا المفروض يصلحوها.
لم تتحمل "بسمة" سماع المزيد من عتاب السيدة "سعاد" وخاصة أن دموعها بدأت تنساب رغم محاولاتها حتى لا تبكي.
أندفعت نحوها تحتضنها أسفة على خُذلانها.
- أنتِ عارفه يا داده أنا بحبك أد إيه، أنتِ عيلتي.. مش هقدر أشوفك زعلانه منىّ .. أنا هسيب البيت وهمشي من هنا مش عايزه لما أبعد تكوني زعلانه منيّ.
ابتعدت عنها السيدة "سعاد" وقد ألجمتها الصدمة من حديثها؛ فعن أي بُعد تتحدث.
- تمشي تروحي فين أنتِ واللي في بطنك.
طالعتها السيدة "سعاد" تنتظر جوابها وقد صارت الأمور واضحة بالنسبة لها.. وسرعان ما كانت تلطم صدرها غير مصدقة ما طرء داخل رأسها.
- لأ، لأ "جسار" بيه ميعملش كده.. اوعي تقوليلي إنه أخدك غصب عنك.
تعالت شهقات السيدة "سعاد" عندما نسجت وربطت الأمور ببعضها، فالسيد يُحاول تصليح الوضع وهي راغبة بالرحيل.
- ردي عليا يا "بسمة" ، "جسار" بيه اغتصبك.. لا مش قادرة أصدق.
تهاوت السيدة "سعاد" فوق الفراش تلطم فوق فخذيها.
- أخص عليك يا "جسار" يا بني..، ده أنت يابني العيبه مش بتطلع منك.
انخرطت السيدة "سعاد" في ندبها لِمّا ظنته قد حدث تتسأل وتُجيب على حالها عن السبب الذي دفع رب عملها لفعل ذلك الأمر الشنيع.
- ماهو ده اللي كُنت خايفه منه يا بنتي، أنتِ صغيره وحلوه وهو راجل مطلق.. معقول يعني الشيطان مش هيغويه.
شعرت "بسمة" بالدوار بعد تدفُق حديث السيدة "سعاد" الغير مترابط على عقلها، فتارة تلومه هو على ما حدث بينهم وتارة تلومها هي لأنها اغوته وفتنته ولولا معرفتها بخِصال السيدة "سعاد" وحُسن نيتها لظنتها تُلقي بالكلام عمدًا.
- داده أنتِ فهمتي كلامي غلط، "جسار" بيه مغتصبنيش.
أخترقت الكلمة أذنيّ السيدة "سعاد" وقد توقفت عن الحديث مع حالها ترفع عيناها نحوها متسائلة بعدم تصديق.
- بجد يا بنتي.. أنتِ وهو يعني الموضوع كان بينكم بالتراضي.
حركة "بسمة" رأسها بخزي وهي تتذكر تلك الليلة؛ فهي بالفعل سلمت له حالها برضاها بعدما أخبرها أنه لم يَعُد يستطيع تحمل رؤيتها دون لمسها والمقابل سوف يدفعه لها بعدما ينالها.
لم تنتظر السيدة "سعاد" كعادتها سماعها واسرعت تنهض من فوق الفراش متمتمه.
- ما دام ده حصل بالتراضي، يبقى مش عايزه اسمع كلمة اسيب البيت وأمشي..
وسرعان ما أخذت تَلطُم جبهتها مُتذكرة ما صعدت لأجله.
- شوفتي الكلام أخدنا إزاي.. البيه مستنيكي تحت على الفطار.
القت السيدة "سعاد" بنظرة سريعة مجددًا على هيئتها.
- كده أنتِ جاهزة.. شوفي هتاخدي إيه معاكِ في شنطتك ويلا في أيدي.
- دادة أنا..
وفي قانون السيدة "سعاد" لا مزيد من الأحاديث ما دام أنها قررت أن تكون داخل الحكاية.
وضعت لها أغراضها سريعًا داخل حقيبتها وجلبت لها الحذاء المناسب حتى ترتديه ولم تُعطيها فرصة للإعتراض بل أسرعت في جذب ذراعها نحو الأسفل
......
زفر أنفاسه بقوة ينظر نحو ساعة معصمه؛ فقد مر أكثر من نصف ساعة ومازالت السيدة "سعاد" بالأعلى.
- مش معقول هنفضل كده.
تمتم بها "جسار" يُخاطب حاله، فحتى الحديث مع الطبيبة النفسية رفضته وعادت لقوقعتها بعد تلك الليلة التي علمت فيها بخبر حملها .
توقف صوت ذلك الضجيج الذي صار يخترق أفكاره واستدار بجسده في لهفة ينظُر نحو الدرج
رغم شعوره بالألم لرؤيتها تتهرب من نظراته المصوبة نحوها بكل لهفة وشوق.
التقطت السيدة "سعاد" نظراته وابتسمت وفي داخلها صارت تتمنى قُربهم وستسعى جاهدة ليحدث هذا.
انسحبت السيدة "سعاد" بعدما وضعت جميع أطباق الفطور أمامهم وقد كَتم "جسار" ابتسامته بصعوبة.
- دادة "سعاد" من هنا ورايح مش هتهتم غير بيكِ.
تمتم بها حتى يجتذبها بالحديث ولكنها تجاهلت حديثه وصوبت أنظارها نحو الطاولة.
زفز بقوة مما جعلها تلتفت إليه تسأله بلهفة.
- في حاجه بتوجعك.
تعلقت عيناه بها يهتف بوجع صار يُثقل كاهله.
- لو على الوجع الجسدي فأنا مريت بأكتر من كده لكن لو على وجع قلبي فأظن الذكريات بتتعاد من تاني بس المرادي أنتِ وابني موجدين لكن مش عارف أطولكم وخايف أصحى في يوم ألاقيكي مشيتي وسبتيني.
اشاحت عيناها عنه؛ فهي كل ليلة - منذ عادت له- تستيقظ راغبة بالفرار ولكنها تتراجع عن قرارها مُتذكرة أنه بحاجة إليها.
حاول تحريك مقعده يضغط فوق شفتيه بقوه حتى يتحمل ألم عظامه.
- لو مش عايزه الطفل يا "بسمة" أنا مش هقدر اغصبك.
حاول إخراج صوته في ثبات وقد احتل الجمود ملامحه ولكن سرعان ما تحولت ملامحه لأخرى حملت أمل صاحبها.
- أنا عايزه الطفل مش هتخلى عنه.
رفرف قلبه بسعادة حقيقية؛ فعلاقتهم- كما أخبرته الطبيبه- لا تحتاج إلاّ لوقت، وقت سيكون كافي لمداواة جروحها.
حاول اجتذابها بحديث أخر، حديث يعرف أنه سيكون له تأثيرًا عليها.
- عندك محاضرة بعد ساعة، فألحقي أفطري عشان أوصلك.
طالعته تستعجب معرفته بأمر محاضرتها، فكيف له أن يعرف.
- بعد ساعة، هو..
لم ينتظرها لتُكمل بقية حديثها واجتذب تلك الورقة المدون بها جميع محاضراتها.
- ديه محاضراتك، و أول ما هنوصل الجامعه هعرفك على "ليليان" بنت الدكتور "أحمد" ، هيكون دكتورك في الجامعه
لم تكن تَظُن أنه بالفعل سيذهب معها للجامعه، وقد أوصلهم السائق حتى تلك الفتاة كانت تنتظر قدومها خارج الحرم الجامعي لمعرفتها بحالة "جسار" وصعوبة تحركه.
كل شيء مر عليها هذا اليوم وكأنه حُلمّ ؛ وها هي تدلف للمنزل بعدما عاد بها السائق بملامح مُشرقة، ولكن قد لفت أنتباهها شىء بالخارج و صوت أَتي من غرفة مكتبه يؤكد لها هوية صاحبة السيارة المصطفة بالخارج.
- مش عارفة أبطل أحبك، أنت محتاج زوجه زيّ .. أنت مش محتاجها هي.
يتبع بإذن الله " الحلقة القادمة إن شاء الله الأخيرة وإحتمال اجزئها على جزئين لو لقيتها تحتاج لكده"
....
