اخر الروايات

رواية لمن القرار الفصل الخامس والسبعون 75 بقلم سهام صادق

رواية لمن القرار الفصل الخامس والسبعون 75 بقلم سهام صادق 


الجزء الاول
*****

انطلقت السيارة في طريقها وقد حاوطتهم حالة من الصمت، إلتفافه خاطفة رمقها بها.. يقسم داخله أن هذا الرجل لم يكن إلا ذلك المغتصب " حامد الأسيوطي".

تجمدت عيناه نحو الطريق لا يُصدق أن شكوكه كانت في محلها ولكن كلما كان يقترب من الحقيقة كان كل شئ يتبخر,
بهمس خافت خرج صوتها في تعلثم

- حامد مات
حتى هذه اللحظة لا تستوعب ما سمعته عن خبر وفاته.

مشاعر عدة اخترقت فؤادها تنظر نحوه وهو يقود السيارة دون حديث.
اغمضت عيناها لعلها تخرج من وطأة أفكارها تزفر أنفاسها ببطء.
بضعة ثواني تخلى فيها عقلها عن كل أفكاره ومخاوفه حتى انفلتت شهقتها في صدمة بعدما تذكرت سبب عودتها تنظر لذلك الذي يقود بملامح احتلها الجمود, ف أمير في دائرة الأتهام أيضا, فكيف لها أن تنسى هذا الأمر..

....

اتسعت عينين ليندا في ذهول، لقد تركها وغادر دون حديث رغم صدمته عندما أخبرته من تكون.
للحظات تيبست مكانها ،فهل هذا هو إستقبال عائلتها لها.. طالعتها الواقفة تُشير إليها أن رئيسها قد رحل وغادر مكتبه ولم يهتم بما قذفته من حديث.
تجهمت ملامح ليندا، فكيف له أن يُعاملها هكذا.. لم تكن تتوقع هذا اللقاء.
بخطوات حملت الوعيد غادرت المكان متوعده له داخلها.
....

عيناها تعلقت به بعدما سحبه كاظم معه حتى يقر بأقواله.. فأختفاءه ليلتين أثار الشكوك حوله.
اطرقت خديجة رأسها بعدما شيعته بنظرات طويلة ، فهاهو يدفع ثمن قربها.., فحتى عندما مات حامد مازال شبحه في حياتها

ارتجف جسدها تستمع لصرير إطارات السيارة تُطالع نظرات سليم إليها بعدما ترجل من سيارته.

ارتعشت اهدابها تنظر نحو خطواته التي صارت فاتره، نظراته إليها نبأتها بشئ واحد، شئ لا تتمنى أن تفتح أبوابه بعد مقتل حامد.
توقعت صراخه ولكن أن يحتضنها بتلك القوة يمنحها ما عجز يومًا شقيقتها صفوان عن منحه لها.
انسابت دموعها تطبق فوق جفنيها، ليت صفوان كان أخً حقيقيًا لكان أول من ركضت نحوه, عاشت تحمل سرًا قتلها عمرًا.

لحظات مرت حملت بين طياتها الماضي، سليم وقف قرب الشرفة يطالع ما أمامه في صمت يقبض فوق كفيه بقوة يحترق مع أحرف كلماتها وهي جلست فوق أحد المقاعد تطرق رأسها تُخبره عن ماضي أبى أن يظل مدفونًا.

عشق حامد المرضي لها، اغتصابه لها تلك الليلة بعدما تمكن تخديرها، ذلك الطفل الذي ضمته احشائها من نبتة حرام.. وتوديعها لكل حلم جميل حلمت به

- كان كل حلمي ألبس الفستان الأبيض واتجوز الشاب الحلو اللي كل البنات هتموت عليه ..

ابتسمت بمرارة وهي تتذكر أحلامها الوردية، ورغبتها في الزواج وانجاب الأطفال

- الكل بقى يصقف لخديجة النجار، سيدة أعمال الناجحة.. ميعرفوش إن خديجة النجار عمرها ما تمنت تكون كده

توقفت عن الحديث تنظر إليه وعادت تطرق رأسها

- لما عرفت جوازك من شهيرة.. حسيت إن الماضي رجع يخنقني من تاني رغم مرور السنين..

- ممنعتنيش ليه.. ليه يا خديجة

اقترب منها يجثو فوق ركبتيه يلتقط كفوفها يتحاشا النظر لرؤية الصور التي مازالت موضوعه فوق ساقيها

- كنت بتتجوز جواز متعه، كنت عارفه إنها هتكون زي أي ست مرت في حياتك

تلاقت عيناهم وعادت الأحرف تنحبس بين شفتيها

- بنتك نستني كرهي لعيله الأسيوطي حتى لو بمقدار بسيط.. وجودها خلاني اتقبل عودة شهيرة ليك

- سبتيني اتجوز من اخته يا خديجة.. بنتي من دمهم.. حقيقة عمري ما هقدر أمحيها

انتصب في وقفته فلم يعد للحديث معنى الأن ولكن هناك شئ سيقتص به من شهيرة.. أبنته لن يتركها لها بعد اليوم ولن يكون رجلًا عادلًا متحضرًا ولن يترك شيئًا يحمل اسم عائلة الأسيوطي.

عيناه توهجت بنيران اشتعل داخلهما الحقد يدور حول حاله, يُلقي بنظرة أخيرة نحو تلك الصور القديمة التي تم التقطها منذ سنوات عديدة وصوت واحد اخذ يتردد داخله ولا يعرف كيف تناساه، صوت احداهن تخبره بهويتها، تزعم إنها ابنة عمه..

ارتسمت السخرية فوق شفتيه، فعمه احمد لم يتزوج وقد توفى منذ ما يزيد عن خمسة عشر عامًا..توفى بعد خمس سنوات من قدومه الوطن واستقراره به.. فسنوات دراسته قضاها بالخارج

- أمير يا سليم.. أنا عايزه اروح لأمير.. أمير مقتلش حامد

هتفت بها خديجة بعدما تمالكت حالها والماضي الذي عاد يطرق حصونها بقوة واقتربت منه تتلمس ظهره راجية.

تعالا صراخ أحدى الخادمات بالخارج تهتف بتلك التي تتحرك بالمنزل تتسأل عن مكانهم، تُخبرها إنها فرد من عائلة النجار.. لم تفهم الخادمة لكنتها الأنجليزية.
فاندفعت ليندا نحو غرفة المكتب بعدما أدركت أنهم بالتأكيد داخلها، أسرعت الخادمة خلفها لا تُصدق أن هناك نساء وقحات هكذا.

تحرك مقبض الباب امام نظرات ليندا فتراجعت خطوه للخلف تنتظر رؤية الصدمة ثانية فوق ملامح ابن عمها وعمتها الجميلة خديجة.

انفتح الباب فظهر سليم لها بملامحه الجامدة، فقد أتت منزله من كان يفكر في حديثها منذ لحظات

- أراكم مجتمعين من دوني، أيصح هذا الأمر عمتي

ضاقت عينان خديجة تنظر لها تهتف اسمها الذي تعرفه تماما

- ليندا

اتسعت ابتسامة ليندا تنظر نحو سليم الذي اتجه بنظراته لعمته

- لست ليندا استيفان التي تعرفيها عمتي.. احب أن اعرفك بنفسي, ليندا احمد النجار ابنة شقيقك
....
مضغت فتون طعامها بصعوبة بعدما أصرت السيده صباح عليها.
احاطتها نظرات السيدة صباح بطيبة تُشجعها على تناول طعامها

- أيوة يا حببتي كملي أكلك.. خلي زعلك بعيد عن الأكل

ابتسمت فتون تُكمل بقية طعامها تُقاوم غثيانها, فتعالا رنين هاتفها فتركت معلقتها وهرولت نحو هاتفها تلتقطه من موضعه تحت نظرات السيدة صباح التي شعرت بالحزن من أجلها.

خاب أملها، فلم يكن هو من يُهاتفها بل كانت والدتها السيدة عبلة.

سألتها عن حالها ثم صبت اهتمامها نحو الطفل المنتظر قدومه الذي ثبت أقدام أبنتها في العز وثبت معها قدميهم

- فتون.. دعاء أختك جيلها عريس من ولاد كبارات البلد عندنا.. لازم تجيبي جوزك وتيجي.. الناس بقت واكله وشي كل شوية يسألوني عن جوز بنتي.. أنتِ دلوقتي وضعك اختلف يا بنت بطني

انهت والدتها مكالمتها بعدما أستطردت في حديثها عن وضع الخاطب الذي تقدم لاختها وكم هي سعيدة شقيقتها وقد تركت أمر تعليمها فيكفيها شهادة الثانوية ما دام العريس لديه المال ويُحبها.
اقتربت منها السيدة صباح بعدما تعجبت من وقوفها تنظر نحو هاتفها

- مبلغتيش اهلك ليه يا بنتي إنك سايبه بيت جوزك.. لازم يعرفوا يا فتون

بهمس خافت خرج صوتها متحشرجًا

- محدش هيتقبل ده، سليم بالنسبه ليهم اهم مني..

ربتت السيدة صباح فوق ذراعها بخفة مواسية لها

- بيتهيألك يا بنتي.. أنتِ أغلى عندهم صدقيني

تعلقت عينين فتون بها في تهكم مرير، فوالدتها في نهاية المكالمة أخبرتها إذا لم تستطع القدوم بسبب مشقة السفر عليها.. فيأتي سليم إليهم .. فخطبة شقيقتها لن تتم إلا بوجوده.

تعالت الطرقات فوق سطح الباب، فابتسمت السيدة صباح واتجهت نحوه

- ده اكيد احمس.. مش هيكبر على خبط الباب بالطريقة ديه
....

احتلت الصدمة ملامح خديجة لا تُصدق ما تسمعه من تفاصيل، هي تعلم بحب شقيقها لتلك الفتاة الروسية ولكن والدها رفض علاقته بها لسبب تورط عائلتها بأعمال المافيا

- إيفا! .. أنتِ ابنة إيفا

تمتمت بها خديجة تنظر نحو سليم الذي جلس في صمت يستمع دون حديث كعادته في تلك المواقف ولكن عيناه تعلقت بعمته عندما نطقت باسم احداهن

- نعم أنا ابنة إيفا.. قبل عام لم أكن أعلم بهويتي الحقيقية..

ضاقت عينين سليم يُركز في كنية هذه العائلة، لقد أستمع لذلك الاسم من شهيرة من قبل عندما أخبرته عن علاقة شقيقها حامد برجل تظنه من المافيا

- ظهرتي ليه دلوقتي

ضاقت عينين سليم بشدة وهو يتسأل بعدما ربط الأمور ببعضها، حامد وذلك الرجل كان يربطهم أعمال غير قانونية ..ما فعله حامد الأسيوطي بعمته ظهر بعد مقتله.

اتجهت أنظار ليندا نحوه، ففهمها للغة العربية لم يكن صعبًا لأنها عملت مع العرب وتعاملت معهم كثيرًا وكأنها كانت تشعر بانتمائها لهم

- أحببت أن اتعرف عليكم عن بعد أولًا، كنت بحاجة لأخذ الوقت لاستوعب هويتي الحقيقية

ذكية هي، هكذا تمتم سليم داخله.. فظهورها هذه الأيام وانبعاث الصور التي تخص عمته بالتأكيد كل شئ مدبر

- أنا ابنة احمد النجار بسهولة تستطيعوا التأكد من الأمر

جالت عينين ليندا بينهم مرة أخرى تنتظر أن ترى أي التعبيرات التي سترتسم فوق ملامحهم

سيلم يتفرسها بعينيه وهي على يقين إنه لن يقبل بها بعائلته بسهولة إلا عندما يعلم صدق حديثها، وخديجة كانت تشعر بتسارع دقات قلبها فاليوم كان حافل بالكثير, وخاصة ذلك الذي حتى هذه اللحظة لا تعرف نهاية التحقيق معه.

.....

لم تكن تقصد سماع الحديث الدائر بين ميادة وملك ولكن عندما استمعت لاسمه والتقطت اسمها جذبها الفضول لتسمع حديثهم

- تعرفي أنا فرحانه في حسام عشان قبل ما يتهم حد يتأكد.. شركة خاصة بالتكنولوجيا.. كاميرات المراقبة تكون متعطله..شاطر بس يتهم بسهوله.. كان فاكر بسمة حد عادي لكن لحد دلوقتي سيباه في صدمته بعد ما جسار راحله ودفع فلوس الأجهزة المسروقة رغم إن الحرامي اتعرف

سردت لها ميادة ذلك اللقاء الذي حضرته وكيف وقف حسام مطرق الرأس خاصة وأن جسار كان صديق شقيقه وجمع بينهم صداقه قديمة في الشرطة

- تعرفي يا ملك لو كانت بسمة شافت جسار وهو بيدافع عنها كانت نسيت شوية من قسوته القديمة... بصراحه أنا اتفاجأت من موقفه..

- جسار مش وحش يا ميادة لكن مشكلته الكبر وللأسف اي حد بيدخل حياته لازم يعاني من طباعه شويه..

زفرت ميادة أنفاسها، وقد عاد الحنين بها لذلك الرجل الذي ظن الجميع إنها تخطته

تفهمت ملك صمتها تربت فوق كفها
- حسام واضح بيحب يا ميادة .. اديله فرصه يرمم معاكي وجعك
والإجابة لم تكن تحتاج للتفكير, فاسرعت بالهتاف

- لاء
....

اختلت بنفسها في غرفتها تنظر لهاتفها ومازالت لا تستوعب ما سمعته، هل اتُهمت بسرقة أجهزة الحاسوب من تلك الغرفة التي مكثت فيها ليلتين.

تسارعت أنفاسها وكأنها كانت في سباق تقبض فوق هاتفها بقوة تنظر نحو رجفة يديها، فحتى عندما ابتعدت عن الجميع تتهم في جرم لم تفعله.

بأهداب مرتجفة نظرت نحو رقمه تضغط على زر الأتصال وقد خانتها دموعها .

التقطت عيناه إضاءة هاتفه رغم إنشغاله بالحديث مع ذلك العميل بالأجتماع المغلق إلا إنه نهض في لهفة بعدما التقط هاتفه تحت نظرات سيرين معتذرًا لأهمية مكالمته.

تعلقت عينين سيرين به تتمنى أن تكون لهفته بعيدة عن زوجته لعلا قلبها يطمئن وتكون لها فرصة بعدما تغادر حياته.. فبعدها عن المنزل لا يدل إلا على مشكلة كبيرة قد حدثت بينهم.

توقف جسار في ذلك المكان المخصص لراحة موظفينه يدق هو هذه المرة على رقمها لا يُصدق إنها هاتفته.
لم تنتظر سماع صوته بل أندفعت متسائلة وقد غشت الدموع عينيها

- انا مسرقتش حاجة.. حتى وانا بعيده بيتهموني

تعالت شهقاتها وقبل أن يسألها كيف علمت بالأمر رغم تأكيده على ميادة ألا تقص عليها ما حدث.. أندفعت بالمزيد من الحديث لا تنتظر سماعه

- أنا مش هرجع اسكندرية تاني.. ياريت تطلقني كفاية لحد كده

..............

مقتل حامد الأسيوطي وبعدها مقتل مسعد كل شئ صار مشاع علناً..
إفلاس عائلة الأسيوطي وأخيرًا ظهور تلك الفتاة صاحبة الرابعة والعشرين ربيعًا.

تعلقت نظرات احمس بجنات بعدما اجتمعوا سويًا يُطالعون فتون التي اندمجت مع السيدة صباح وانشغلت في تعلم المشغولات الصوفية تاركة كل شئ خلفها مقررة الابتعاد عن كل شئ يُرهق عقلها،
فاسبوع قضته متلهفة منه اتصالًا جعلها تتأكد من صحة ما رأته من صوره التقطت له مع شهيرة تمسك كفيه باكية في المشفى عندما توفى شقيقها

الكل أشاد بروعته وكيف هو رجل مراعي داعم لطليقته..

- جنات هنفضل سيبنها كده منعزله.. هي فاكره إنه مش مهتم بيها ولا بالطفل وواقف جانب طليقته في مصابها..أنا مش عارف إزاي منتبهتش إن شهيرة اتجوزت

زفرت جنات أنفاسها ببعض الثقل، فتون ترفض سماع أي شئ عن سليم وعما حدث في قضية حامد حتى خبر مقتل مسعد تلقته في صمت

- مش عارفه يا احمس اعمل إيه، سليم سايب ليها القرار.. مستنيها هي ترجع وتكرر هي عايزه إيه

امتقعت ملامح احمس يزفر أنفاسه بقوة

- من أمتى فتون بتعرف تاخد قرار لوحدها.. أنا وأنتِ عارفين فتون كويس.. الاستاذ كان من الاول سابها تكمل طريقها لوحدها مش بعد ما يتجوزها وخلاها ترجع تتعود على وجوده جاي يسبلها القرار

ارتفعت عينين جنات نحو احمس وقد نهض من جوارها يبحث في هاتفه عن صورة تلك الفتاة التي ظهرت لعائلة النجار مؤخرًا
- أنت بتعمل إيه يا احمس

لم يكن صوت جنات هذه المرة خافت بل جذب كلا من مسمع السيدة صباح وفتون
تعلقت عينين فتون بهم وقبل أن تتسأل عما كانوا يتهامسون به, اقترب منها احمس يضع الهاتف أمامها

- بنت عم جوزك، سليم باشا سافر معاها روسيا ..

يتبع بإذن الله
***


الجزء الثاني
*****
تعلقت نظرات السيده صباح بها بملامح مشفقة بعدما غادرت جنات واتبعها احمس معللًا بوجود أمر هام ينتظره.

صوبت فتون أنظارها نحو القطعة الصوفية الصغيرة التي احاكتها، ولم تشعر بحالها إلا وهي تفك خيوط تلك القطعة وتلقي بها بعيدًا.
ارتعبت نظرات السيدة صباح وقد أصاب الذهول ملامحها؛ فاسرعت نحوها تلتقط ما أمامها من كرات الصوف وسحبتها داخل احضانها تسألها في لهفة

- فتون.. إيه اللي حصلك يا بنتي..

حاله من الصمت انتابتها، فاستمرت السيدة صباح في احتضانها وتراجعت عن أي حديث ارادت نصحها به.

اخترقت أذنيها الكثير من الأصوات تطبق فوق جفنيها بقوة.. قاومت السيدة صباح رغبتها بالحديث ولكن في النهاية أبى لسانها أن يظل صامتًا.

- ليه بتضيعي عمرك يا بنتي عشان تكوني شبههم ، ليه شايفه نفسك ناقصه عنهم.. ليه تعوضي نقصك من شفقتهم عليكي..

انسابت دموع فتون في صمت تنظر نحو كفيها تفركهما بقوة

- حبي نفسك يا فتون.. متستنيش الناس تحبك الأول

تلاقت عيناها بعينين السيدة صباح، فهاهي نفس العبارة التي أخبرتها بها السيدة ألفت تخبرها بها

- الإنسان احيانا بيكون بأيده يختار قرار سعادته وتعاسته ..وانا يا بنتي شيفاكي بتختاري طريق تعاستك

" طريق تعاستها"! سيكون من نصيبها لأنها تركت عالم سليم النجار، الكل وسط حديثه يُخبرها عن ذلك النعيم الذي وضعها سليم النجار داخله.

- اوعي تفتكري إني اقصد حياتك مع جوزك عشان هو راجل غني يا بنتي.. لكن أنا شوفت لهفتك على جوزك كل ما كان التليفون بيرن حتى كلام احمس ليكي لقيته وجعك.. ليه بتعملي كده في نفسك ما دام عايزاه

بتعلثم تمتمت بعدما ازدردت لعابها تبتلع تلك المرارة التي علقت بحلقها

- حكايتنا كانت غلط من البداية

امتعضت ملامح السيدة صباح، فعن أي خطأ تتحدث هي وهناك طفلاً صار ينمو بأحشائها

- لو في غلط فهيكون عندك أنتِ يا بنت عبلة

تعلقت عيناها بملامح السيدة صباح وقد أصبحت على النقيض..
زفرت السيدة صباح أنفاسها بقوة، هي لا تريد أن تُسمعها ما يزيدها وجعًا وتخبطًا لكنها الحقيقة حتى لو هتخبرها بها وجهًا لوجه في أكثر لحظاتها إنكسارًا

- في مثل زمان كانوا بيقولوا.. يا بخت من بكاني وبكى عليا ولا ضحكني وضحك الناس عليا..

تهربت نظرات فتون عنها،فالحياة الرغدة كما تُخبرها دومًا والدتها لا تليق بها لأنها تبحث عن الفقر وكأنها تشتاق إليه

- متزعليش مني يا فتون يا بنتِ.. يمكن الكلام بيوجع لكن بيفوق ساعات.. الفرصه مش بتيجي في العمر غير مره.. وربنا عوضك عن كل الأسى اللي عيشتي براجل أي ست تتمناه.. راجل متقبل وضعك وراضي بيكي في حياته وبيحبك

التقطت السيدة صباح كفيها تمسح فوقهم واردفت

- الفقر مش عيب يا بنتِ ولا ظروفك الصعبة والبيئة اللي اتولدتي فيها عيب ولا أهلك وصمة عار في حياتك.. لأن محدش مننا ليه يد في اختيار حياته وأهله لكن لينا الاختيار نكون راضين ومتقبلين نفسنا مش كل شوية عايزين نهرب وشايفين نفسنا الضحية

.....

دلفت جنات الغرفة بأنفاس لاهثة تنظر للحقيبة الموضوعه فوق الفراش وبداخلها أغراضها وأغراضه.

دارت عيناها بالغرفة تبحث عنه حتى وجدته يخرج من المرحاض يُجفف خصلات شعره المبتله

- كاظم الشنطه ديه ليه.. فيها هدومي وهدومك.. إحنا مسافرين

تجاوزها وامضى بخطواته نحو الفراش يُلقي بالمنشفة الصغيرة جانبًا

- هي ديه نص ساعه واكون عندك يا جنات

وقبل أن ينطق بالمزيد من الكلمات المعاتبة التي صارت تحفظها منذ أن أصبح اهتمامها منصب على فتون فقط, أسرعت نحوه

- من أمتى بكون صادقة في مواعيدي يا كاظم

لاحت فوق شفتيه ابتسامة صغيرة سرعان ما اخفاها يشيح بنظراته بعيدًا عنها.

رمقها بنظرات ضائقة عندما وجدها تقف قبالته تنظر إليه بحاجبين معقودين

- نعم!

تمتم بها منتظرًا أن يفهم سبب نظراتها إليه، فاشارت برأسها نحو الحقيبة الموضوعه فوق الفراش.
التمعت عينين كاظم بمكر مقررًا مراوغتها

- بيتهيألي أنا حطيت كل حاجه ممكن نحتاجها في رحلتنا، لكن شوفي أنتِ هتحتاجي إيه معانا

ضاقت عيناها وقد زادها الأمر فضولًا

- كاظم إحنا بجد رايحين فين وليه فجأة قررت نسافر

تنهد بسأم يرفع كفه ليُدلك عنقه

- محتاج اجازه يا جنات، عايز أبعد عن كل حاجة.. لكن شايف الموضوع صدمك وطبعا هتقوليلي إزاي هسافر واسيب فتون

اطرقت رأسها في صمت؛ فما عساها أن تعفل..
ارتفعت عيناها نحوه بعدما استمعت لصوت زفراته؛ فابتسمت واقتربت منه ترفع ذراعيها تُحاوط بهما عنقه

- هنسافر الساعه كام وفين يا كاظم
.....

اغمضت عيناها راغبة بالتظاهر بالنوم..
استمعت لخطوات ملك وقد صار لها أمر غفيانها مريبً..؛ فبسمة غافية منذ الظهيرة والأن الساعه تجاوزت العاشرة مساءً
- بسمة
بصوت هامس هتفت بها تدفعها برفق فوق ذراعها

- مش معقول كل ده نوم يا بسمه.. جسار فاكرني بضحك عليه
ارتعشت اهدابها دون أراده منها؛ فضاقت عينين ملك في شك

- أنتِ صاحيه يا بسمه، لا كده أنا بدأت أشك.. نومك الوقت ده كله ليه سبب

حاولت بسمة دس رأسها بالغطاء , لتمسح دموعها العالقة بأهدابها.
انتبهت ملك على فعلتها؛ فاسرعت بالتقاط الغطاء من فوقها تُدقق النظر بملامحها

- في حاجة حصلت يا بسمه بينك وبين جسار وحاجة كبيره كمان.. ده كان ناوي يجي الفيوم النهاردة لولا عنده اجتماع مهم..

- طلبت منه الطلاق يا ملك
هتفت بها بسمه بعدما اعتدلت في رقدتها وعادت دموعها تنساب فوق خديها

- أنا مش عارفه عايزه إيه يا ملك.. قلبي بيوجعني أوي

أدارت رأسها للجهة الأخرى لا تُريد لملك أن تُشاطرها بؤس حياتها، ملك عانت كثيرًا في حياتها.. فما ذنبها لتعيش معها فوضاها وتخبطها

- قلبك وجعك عشان بتحبي يا بسمة، الحب هو الحاجه الوحيدة اللي بيضعفنا وقت ما بنحب ناخد قرار.. لاما تختاري طريق القلب أو تختاري طريق العقل

تعلقت عينين بسمة بها تُخبرها بوجع ما أخبرته به اليوم، تُطالبه أن يمنحها حريتها

- طلبت منه يطلقني يا ملك.. عايزه ابعد عنه.. لكن الكلمة وجعتني أوي وأنا بتخيلها حقيقه في حياتي ..

تعالت شهقاتها ؛ فاجتذبتها ملك تضمها إليها بقوة .. ؛ فهي عاشت مرارة ذلك الأختيار من قبل..
عادت للرجل الذي تزوج شقيقتها, ابن تلك العائلة التي لفظتها من حياتهم..
وقفت حائرة بين أن ترحل بعيدًا عنه أو تسامح وتنال ما كان حقًا لها وتترك كبريائها جانبًا.

"الكبرياء في الحب لا يصلح أحياناً لأنك وحدك من ستتجرع مرارته"

- جسار مش وحش يا بسمه، جسار صعب تفهمي.. ويمكن آن الأوان تفكي شفراته

عادت نظرات بسمة تتعلق بها في ضعف، هي تحتاج دعمها في قرار اللاعودة والبدء من جديد بعيدًا عنه ومنحه أحقية اختيار المرأة التي تناسبه

- بتبصيلي كده ليه.. كنتِ عايزاني ادعمك في قرارك..وانا شايفه حقيقه أنتِ مش قادرة تشوفيها بسبب وجعك منه ومن كل اللي حواليكي

التقطت ملك كفيها تمسح فوقهم تنظر إليها وأضافت
- لو جسار مكنش عايزك في حياته.. كان مجرد مجابك عندي تخطاكي يا بسمة... الفرصه المرادي مبنية صح.. هو عايزك وندمان وأنتِ عايزاه رغم وجعك

اطرقت بسمة رأسها تبتلع مرارة حلقها
- بيعمل كده لأنه حاسس بالذنب
....

التقط كاظم الهاتف منها بعدما هاتفت فتون تُخبرها بسفرتها للغردفة معللة لها أضطرارها لتلك الرحلة التي فاجأها بها

- دلوقتي نقفل التليفونات ومسمعش كلمة عايزه التليفون أكلم حد

طالعته بتوجس تنظر إليه بنظرات حائرة تستحضر أحد الأفلام الأجنبية في ذهنها وسرعان ما كانت تزدرد لعابها.

تعالت قهقهته عاليًا لا يُصدق ما فكرت به
- اركبي يا حببتي العربية وبلاش تفكري وتسألي كتير واعتبري نفسك فعلا مخطوفه
....

غادرت السيدة ألفت المطبخ بعجالة لا تُصدق ما أخبرتها به الخادمة.
تعلقت نظرات فتون بها، ف ابتسمت لها بسعادة لعودتها

- بيتك نورك بوجودك يا بنتي

بيتها، هذا المنزل هو بيتها... هنا أصبحت حياتها حياة مع رجل ادخلها لعالمه راغبًا بها أن تكون زوجته.

- غيبتي مطولتش يا مدام ألفت..
تمتمت بها قبل أن تتقدم بضعة خطوات نحو السيدة ألفت التي ازدادت ابتسامتها اتساعًا

- وده عين العقل يا بنتي

جالت عيناها بالمنزل، فتوترت السيدة ألفت تخشى من سؤالها؛ فكيف لها أن تُخبرها أنه سافر مع تلك التي ظهرت إليهم من عدم

- سليم بيه مسافر يا بنتي مع...
وقبل أن تُكمل السيدة ألفت عبارتها تمتمت
- عارفه بخبر سفره
لم تجد السيدة ألفت ما تقوله؛ فاطرقت رأسها.

صدح بكاء الصغيرة وهي تهبط الدرج تجر دميتها معها وخلفها إحدى الخادمات تهتف بها أن تنتبه حتى لا تسقط.
أسرعت فتون صوبها في لهفة كحال السيدة ألفت التي اقتربت منها وقد ارتسم القلق فوق ملامحها.

تعلقت نظرات الصغيره بفتون ؛ فاسرعت الصغيرة نحوها راجية

- فتون أنا عايزه مامي.. هتاخديني عندها يا فتون

ضمتها فتون إليها بعدما القت الصغيرة بجسدها بين ذراعيها،
بهمس خافت تمتمت السيدة ألفت تُخبرها عما حدث في غيابها، فالامور ازدادت سوءً بعد مقتل السيد حامد شقيق شهيرة وطرد سليم لها من منزله حتى السيدة خديجة انتقلت للمشفى أمس لأن حالة الجنين في خطر وإضطرار رب عملها أن يسافر اليوم روسيا مع تلك الفتاة التي على ما يبدو إنها بالفعل ابنة السيد أحمد النجار.

همست الصغيرة إليها بخفوت وازداد تشبثها بها
- هتاخدني عند مامي يا فتون
- هاخدك يا حببتي بكره

ابتعدت عنها الصغيرة تنظر إليها في لهفة تمسح تلك الدموع العالقة بأهدابها
- بجد

حركة لها السيدة ألفت برأسها حتى لا تعطيها وعدًا، فأوامر رب عملها صارمة.. شهيرة لا تأتي لهنا ولا تذهب خديجة إليها

- بجد يا خديجة

احتضنتها خديجة في سعادة وابتعدت عنها قليلًا لتُقبل خديها قبل أن تعود لأحضانهاثانية.

تعلقت نظرات السيده ألفت بها، فلن تستطيع الوفاء بوعدها.
صعدت معها الصغيرة لأعلى, تأمل أن يأتي الصباح سريعًا وتذهب لوالدتها.
...

دفنت شهيرة رأسها أسفل الوسادة بعدما أضاء ماهر نور الغرفة واقتربت منها بصنية الطعام التي تعود بها الخادمة مرارًا دون أن تُمس.

جلس جهتها متنهدًا
- هتفضلي كده من غير أكل، متعودتش أشوف شهيرة الأسيوطي ضعيفه

فتحت عيناها تُحدق به، ترسم فوق شفتيها ابتسامة ساخرة

- شهيرة الأسيوطي مبقتش موجوده خلاص وياريت تبطل تبعت خدمك بالأكل لأني مش هاكل

احتدت ملامح ماهر ينظر إليها عندما قذفت بصنية الطعام بعيدًا عنها.
عيناها علقت بفعلتها؛ فانهارت بالبكاء..

- عايزين مني.. أخدتوا مني كل حاجة..حتى بنتي

القت بكل ما استطاعت يديها أن تلتقطه تحت نظراته التي صارت جامدة
فاق على ركوضها نحو السكين الملقاه أرضًا وقد وضعتها الخادمة بجوار اطباق الطعام

- شهيرة
اسرع نحوها يلتقط ذراعها لا يصدق إنها كانت ستقتل نفسها

- أبعد عني خليني اموت.. أنا مش عايزة أعيش

خارت بجسدها أسفل قدميه.. فاطبق فوق جفنيه بقوة

- أتجوزتني عشان تشوفني وانا بالمنظر ده قدامك.. تحت رجلك.. مبسوط يا ماهر باشا.. شوفتني وأنا بصرخ من القهر

تعلقت عيناه بها يقاوم رجفة قلبه نحوها.. هرب بعينيه بعيدًا عنها يسحب خطواته بصعوبه من أمامها

- رجعلي بنتي يا ماهر.. رجعهالي منه أرجوك

التقطت أحد ساقيه ترفع عيناها نحوه, تُطالعه برجاء أن يأتي لها بأبنتها

لم يتحمل رؤيتها ذليلة أمامه هكذا ودون أرادة منه جثا على ركبتيه يمدّ كفيه يمسح دموعها

- حاضر يا شهيرة.. لو هترجعي قوية زي الاول صدقيني هعمل المستحيل عشان ترجع تعيش معاكي

التمعت عيناها بنظرة لم يظن إنها ستخصه بها يوماً، نظرة امتنان حملت معها مشاعر عدة.
اماء لها برأسه مؤكدًا بوعده لها، يرفعها من فوق أرضية الغرفة.
أنفه غاصت برائحتها، رائحة أمرأة تمنى طويلا أن تكون له ،
التفت برأسها نحوه تُريده أن يعيد عليها وعده في عودة طفلتها لأحضانها بعدما صار سليم حاقدًا عليها بعد معرفته بجرم شقيقها في حق عمته.

الصقها به بعدما حاولت الابتعاد عنه والسير بمفردها وبصوت رخيم همس وقد عرفت شفتيه طريقها

- بعد كل السنين ديه يا شهيرة بقيتي حقيقة قدامي وملكي

التقط شفتيها يأسرها بين ذراعيه يسير بها نحو الفراش، ومن اجل عودة صغيرتها عليها أن تدفع المقابل..

.....

توقف جسار بسيارته وقد ضاقت عيناه في دهشة من تقاطع تلك السيارة طريقه..
كل شئ صار في لمح البصر..
خروجه من سيارته..، ثم التفاف أربعة رجال حوله لا يعرف من أين أتوا؟

جفاها النوم تلتقط هاتفها من جوارها تضغط على زر تشغيله..
رسائل عدة كانت منه وجميعها عتاب وغضب يُخبرها فيها أنه لن يُطلقها سيأتي بالغد ليأخذها.
تعلقت عيناها بأخر رسالة مبعوثه منه كانت منذ ثلاث ساعات وقد أرسل إليها فيها مقطع من غنوة ما.. يتمنى لو تسمعها وتشاركه سماعها.

أسرعت بالبحث عن تلك الغنوة حتى وجدتها؛ فاغمضت عيناها تسمعها لمرات ..؛ فتعالت دقات قلبها عاليًا وانسابت دموعها..
توقفت الغنوة وصدح رنين هاتفها برقم السيدة سعادة
دقات قلبها تسارعت ، تشعر بشئ سئ قد حدث


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close