رواية لمن القرار الفصل الثالث والسبعون 73 بقلم سهام صادق
الجزء الاول
*******
انتفضت من فوق الفراش تنظر نحو ملك التي ابتعدت مذعورة من نفضتها ولهاثها، تجاوزت ملك صدمتها.. وعادت تقترب منها تفتح لها ذراعيها
- متخافيش يا بسمه أنتِ هنا معايا
تلاشى ذعرها بعدما اختفت تلك الأصوات تشعر بذراعين ملك حولها
- هنتجاوز كل حاجة وحشه مرت في حياتنا يا بسمه ..
هيجي يوم وهننسى لأن طعم السعادة هيكون أكبر من طعم المرارة
دمعت عينين بسمة وهى تسمعها ، فاغمضت عيناها تحلم بتلك السعادة التي انتظرتها طويلًا
- أول حاجه هنعملها إنك تقومي تصلي الفجر حاضر.. مش هنقعد نبكي على الصدمات والابتلاءات من غير ما ناخد خطوة صح في حياتنا يا بسمة
ابتعدت عنها بسمه تنظر لها بضياع صار يحتل عيناها، تنساب دموعها تتذكر تلك الأوقات التي كانت تُصلي فيها.., حينا يأتي رمضان فتذهب مع جيرانها للمسجد لصلاة التراويح ، صلاة العيد وفرحتها ببهجته.. وحينا يمرض والدها وحينا تُريد الدعاء على فتحي عندما ينهال عليها ضربًا, ورغمًا عنها انشقت شفتيها بابتسامة باهتة
ابتسمت ملك عندما لمحت ابتسامتها تجذبها من ذراعيها تدفعها نحو المرحاض
- لا أنا مش هستنى تفكري كتير..
...
عادت ملك للغرفة التي تقيم بها بسمه بعدما تركتها واتجهت نحو غرفة الصغير تطمئن عليه
انفطر قلبها وسكنت مكانها وهي تراها مازالت ساجده تبكي بقوة تُناجي ربها.. تطلب منه الرحمة في حياة تلفظها
اتخذت ملك ركنًا بعيدًا وتركتها في مناجتها حتى توقفت بسمة عن البكاء وانهت ركعتها الأخيرة
بعد وقت، استدارت بسمة بجسدها تمسح دموعها بأناملها تشق شفتيها ابتسامة خفيفه
ابتسمت ملك تمسح دموعها هي الأخرى واسرعت نحوها تضمها إليها
- كنت هموت بعد موت عزالدين.. كرهت الدنيا والناس.. كنت حاسه إن روحي بتنسحب مني..
توقف ملك عن الحديث تطبق فوق جفنيها تُحرر دموعها العالقة بأهدابها
- تعرفي طلبت من رسلان يطلقني.. رغم حزنه ووجعه على ابنه إلا إني مكنتش شايفه غير كل ذكرى سيئة وألم عيشته.. الأم اللي مطلعتش أمي..حبها لمها كان واضح اوي يا بسمة وكنت ديما بقول عشان هي الصغيرة وانا الكبيرة.. واول ما رسلان حبني واختارني أنا ظهرت الحقيقة.. أنتِ لقيطة من الشارع..أنا بنت راجل عاش عمره كله مش معترف بيا قدام مراته بنت الحسب والنسب عشان حبه ليها
فتحت ملك عيناها تنظر نحو كفيها المضمومين بين كفي بسمة، بمرارة ابتسمت فمن الذي سيواسي من اليوم
- لكن وجعي وحقدي على الدنيا اتحول فجأة... صليت لأول مرة بخشوع حقيقي.. اتحول الحقد اللي جوايا.. لرضي.. لقيت نفسي بشوف اللي كنت شيفاه بلاء وقسوة لطف ورحمه.. الاختبار احيانا بيكون صعب لكن إحنا لازم ننجح فيه يا بسمه والنجاح هو الرضى وإنك تقومي من التاني وتتعلمي حاجه من درسك وتختاري الطريق الصح والطريق الصح هو الصلاح
دمعت عينين بسمة تومئ لها برأسها ولكن أين هو الطريق، هم اغلقوا لها جميع الأبواب وكأنهم يرغبون في ذبح روحها
نظرت للمصحف الذي وضعته ملك بين يديها متمتمه
- متعالجتش غير كده.. ده كان علاجي.. تعرفي انا بقيت بسأل نفسي ليه كنت مقصرة اوي كده.. صحيح بصلي لكن مش ملتزمه في الصلاة في أوقاتها.. بقرء قرأن لكن في اوقات الضيق والحزن.. طيب وليه ده معملهوش يوميًا ليه الدنيا تسرقني في متعتها.. مع إني ممكن استمتع بكل حاجه ومعاها الراحه والسكينة
ابتسم رسلان وهو يتراجع بخطواته متجهًا نحو غرفتهم يهوى بجسده فوق الفراش يتسأل داخله هل هو محظوظ لهذه الدرجة لتكون من نصيبه رغم ما حدث.. ملك حظه الأجمل في الدنيا.. لم يخطأ يوم أن أحبها.. ملاكه الذي وضعه القدر في عائلة تُحاوطها مظاهر الحياة وحب النفس.. ما حدث لهم ليس عقابً لها هي.. هم من يستحقوا هذا
دمعت عيناه يتذكر صغيره، يغمض جفنيه في ألم متمتما
- سامحني يا عزالدين.. أتحرمت منك لاني كنت رافضكم لأنكم منها.. هعيش عمري كله الندم مالي قلبي
....
ضحكت ملك رغمًا عنها وهي تنظر لحالها، بسمه من تواسيها بدلا من أن تواسيها هي
- هو مين المفروض يواسي مين
تمتمت بها ملك وهي تبتعد عن ذراعي بسمه التي ابتسمت وقد عادت الحياة تنبض في مقلتيها وبصوت متحشرج هتفت
- مش عارفه..
ضحكوا سويا فاسرعت بسمه في احتضانها بقوة
- أنتِ عيلتي الوحيدة يا ملك.. أنتِ الوحيدة اللي حبتيني بعد بابا.. محدش غيركم حبني
ابتعدت عنها تضم وجهها بين راحتي كفيها
- اللي يعرف بسمه صح يحبها وأنتِ تستحقي الحب يا بسمه، بنت جدعه بميت راجل
التمعت عينين ملك وهي تتذكر بسمة في بداية لقائهم، فتاة مرحه رغم ما تعيشه بكنف شقيق قد خلى قلبه من الرحمه إلا إنها كانت صامدة تهون على نفسها بابساط الأشياء
- فاكره الفرح اللي اخدتيني فيه معاكي.. ووقف واحد يتعرضلنا معرفش طلع لينا منين
ابتسمت بسمة تتذكر ذلك اليوم وكيف انهالت عليه ضربًا بحذائها فاردفت ملك ضاحكة
- مش عارفه إزاي نشيلتي بجذمتك وبطحتي
سقطت هذه المرة دموعهم من شدة الضحك وملك تزيد من قص تلك المواقف السعيدة التي ضحكوا فيها من قلبهم
- نفسي ارجع الحارة تاني يا ملك، عايزه ارجع لبيت أبويا.. منه لله فتحي حرمني من حقي وسابني في بيوت الناس اشحت عطفهم
عادت الألم يستوطن قلب بسمه، فلو كان لديها جدران تحتمي بهم ما عاشت ما عشته
- بيوت الناس..
استنكرت ملك حديثها، فهي تعيش في بيته.. مهما كانت بداية زيجتها بجسار لكنها ليست عاله عليه ما تناله حقها
- أنتِ عايشه في بيت جوزك يا بسمة، كل اللي بتاخدي منه ده حقك
اطرقت رأسها تفرك كفيها بقوة، زواج كانت نهايته معروفه أن ينال من خلفه حقه.. فتكون نهايتها فيه كبائعة هوا
- بصيلي يا بسمة، ارفعي وشك وقوليلي ليه.. قدمتي نفسك ليه بسهوله
انسابت دموعها تعض فوق شفتيها بقوة فاضافت ملك راغبة في فهم تلك الحلقات المفقودة التي ضاعت منها بسبب بعدها عن بسمه وانشغالها بحياتها
- أنا قولتلك اوعي تحبي في يوم راجل مش شايفك.. لكن إظاهر نصيحتي قدمتها متأخر
لعقت بسمة شفتيها وقد انفلت صوت شهقاتها منها رغمًا عنها
- غصب عني يا ملك.. حاولت كتير اكرهه.. أنا حبيت الصورة اللي أنتِ رسمتيها عنه.. لكن طلعت غبيه.. حتى جيمي قدمته ليه عشان اخلص من لعنة حبي ليه.. انا بكرهه
لم تعرف ملك اتضحك على تلك الاكذوبه التي تمتمت بها أم تحزن على حالها
- كرهك ليه كذبه بتضحكي بيها على نفسك يا بسمه.. اسأليني أنا..
- لا خلاص أنا عايزه ابعد عن حياته.. عايزه اعيش بعيد عنه.. خليه يطلقني
هتفت بها بسمه باندفاع تشيح عيناها بعيداً عنها
- بسمه لو القرار نابع من جواكي.. صدقيني هقف جانبك..
عادت عيناها تتعلق بها، فالتقطت ملك يديها تعدها بصدق
- ارجعي بس لنفسك يا بسمه وأنا هكون جانبك في أي قرار، لكن عشان اريح قلبك.. جسار لمسك حب راجل لست.. أنتِ مش مجرد بضاعه لرد الجميل يا بسمه..اوعي تقللي من نفسك يا بسمه
- أنا تعبانه اوي يا ملك..قلبي وجعني أوي وخايفه.. مش قادره أتجاوز اللي حصل.. انا بقيت بخاف من الناس يا ملك.. انا كنت شايفه الدنيا وحشه عشان فتحي فيها.. كنت بخاف من شخص واحد.. دلوقتي بخاف منهم كلهم يا ملك
اغمضت عيناها تقص لها ما حدث في تلك الليلة، لم يؤثر عليها ما فعله عنتر ببشاعته بقدر ما فعلته تلك الفتاة..
طالعتها ملك مصدومة من ذكرها وسط الكلام إنها كانت ستوافق على ذلك الرجل الذي حاول اغتصابها
- معقول يا بسمه.. كنتي عايزه تتجوزي واحد اغتصبك عشان تهربي من غلاظة جسار..
عادت دموعها تغمر خديها تقضم فوق شفتيها بقوة
- هو السبب في اللي عيشته.. كل مرة كنت بدور على خلاصي من إحسانه ليا في بيته..قولت عنتر ارحم من شعور النبذ اللي عايشه.. مش لاقيه مكان اعيش في يا ملك.. أصعب حاجه إنك متقلقش اربع حطان يضموكي وأنتِ مطمنه
تنهيدة طويلة خرجت من شفتي ملك، لقد عاشت هذا الشعور.. ولن تنكر وقوف جسار معها.. رغم غلظته معها في البداية إلا إنه أكرمها في منزله وحياته
- بسببه رميت نفسي في سكن معرفش حاجة عن أصحابه.. مجرد ما سمعت إن في اوضه فاضية جريت اقولهم خلوني اعيش معاكم..
عادت لبكائها وقد عاد مشهد تلك الليلة يقتحم عقلها تضم جسدها بذراعيها
- هو في ناس كده يا ملك.. أنا من ساعه ما طلعتي من حارتي وأهلها الطيبين اللي آخرهم كل واحد يتخانق مع تاني وفي نفس اليوم يتصالحوا وانا بعيش في صدمات..
تحول بكائها لضحكات ساخره
- كان صاحب المصنع آخره يمد أيده...وفي اللي يقبل وفي اللي زي لما يقول لاء.. يبقى يشتغل زياده ويتهان..
توقفت عن الحديث تبتلع غصتها بمرارة كعلقم الدواء
- تعرفي أن اختارت عربيته هو بالذات ليه اهرب فيها.. من كلامك عنه واد إيه هو راجل كريم.. مد ايده ليكي وفضل واقف معاكي.. حتى بعد ما اطلقته.. وقت ما بتحتاجي بتلاقي.. قولت هيكرمني عنده ويساعدني.. لكنه
اطرقت بسمه رأسها تسلط أنظارها نحو كفيها
- لكنه إيه يا بسمه، ملقتيش منه اللي كنتي مستنياه.. عارفه ليه اتوجعتي من جسار.. عشان حلمتي بي كراجل يحبك
- حلمت حلم مش من حقي يا ملك
- والله اه اتحقق يا بسمه.. رغم عدم اقتناعي بطريقة جوازه منك إلا إني بقيت اشوف الأمور إنها أقدار, ممكن نكره البداية نستغربها لكن في النهاية بنعرف إن طول ما الإنسان ما بيخططش ولا بيدبر للشئ.. بيلاقي اللي نفسه فيه
ضاقت عينين بسمة في حيرة، حديثها اليوم مع ملك عجيب ولكن روحها عادت إليها معها.. ملك وحدها نقطة أمان داخلها
- خلينا ننسى جسار وحكايتكم دلوقتي يا بسمه.. حتى اللي حصل في الليله ديه تجاوزي واتعلمي منه ونعلم غيرنا إزاي في بقى في واقع مفروض علينا بأفكاره.. أفكار فيها هلاكنا وهتكون لينا نهاية زي نهاية قوم لوط..
التمعت عينين ملك وهي ترى بسمة تحرك له رأسها مستوعبة حديثها، تنفض عن رأسها بشاعة ما عاشته
- لازم ترجعي بسمه بتاعت زمان.. بسمه اللي رغم كل الألم إلا إنها كانت بتضحك ومبسوطه.. حلم تعليمك.. كليتك اللي كلها ايام وهتدخليها..دوراتك اللي بتاخديها.. ميادة قالتلي إن كان نفسك تتعلمي التصميم وأهم حاجه قربك من ربنا.. هتتجاوزي كل حاجة وحشة صدقيني
عضت فوق شفتيها خجلًا، فقلبها نال سكينته عندما أخرجت كل حديث عالق بقلبها في سجودها
...
الساعه السادسة صباحا في محافظة البحر الأحمر وقف بسيارته قرب المنزل الذي أرسل له عنوانه من رقم مجهول
خرج من سيارته يدور بعينيه بالمكان..
مشاعر متضاربة يشعر به.. غضب، حب، حنين وانتقام رجولة مهدورة وشوق اكبر يدفعه.
فتحت عيناها بصعوبة تنظر نحو الساعة المعلقة تستعجب تلك الطرقات, فالممرضة التي أخبرها عنها رحيم لرعايتها قدومها في الثامنة
التقطت هاتفها لتهاتف رحيم، فالساعة الأن السادسة صباحاً
استمرت الطرقات، تنظر لهاتفها.. فهاتف رحيم مغلق
بقلق تحركت نحو الباب تهتف بخوف صار يستوطنها
- مين؟
لم يصدر أي صوت، فابتعدت عن الباب مرتعدة.
أسرعت نحو الشرفة التي ربما تطلعها على هوية من بالخارج ولكن قدميها تيبست مكانها تستمع لصوته
- أفتحي يا خديجة
.............
ابتسم الواقف ينظر نحو ابنة شقيقته وقد وقفت تُحدق بالسماء شاردة
- اخفيتي الأوراق التي كنت أسعى لارسالها لابن النجار اليوم حتى لا يسبقنا بقتل حامد.. تريدين حماية أفراد عائلتك يا صغيرة
اطبقت فوق جفنيها للحظات تزفر أنفاسها ببطء قبل أن تلتف إليه
- أريد النزول لمصر.. عليهم معرفتي..
هز الواقف رأسه ينظر لعينيها الشبيها بعينين والدها حتى ملامحها
- قد آن أوان ظهورك ليندا
*******
انتفضت من فوق الفراش تنظر نحو ملك التي ابتعدت مذعورة من نفضتها ولهاثها، تجاوزت ملك صدمتها.. وعادت تقترب منها تفتح لها ذراعيها
- متخافيش يا بسمه أنتِ هنا معايا
تلاشى ذعرها بعدما اختفت تلك الأصوات تشعر بذراعين ملك حولها
- هنتجاوز كل حاجة وحشه مرت في حياتنا يا بسمه ..
هيجي يوم وهننسى لأن طعم السعادة هيكون أكبر من طعم المرارة
دمعت عينين بسمة وهى تسمعها ، فاغمضت عيناها تحلم بتلك السعادة التي انتظرتها طويلًا
- أول حاجه هنعملها إنك تقومي تصلي الفجر حاضر.. مش هنقعد نبكي على الصدمات والابتلاءات من غير ما ناخد خطوة صح في حياتنا يا بسمة
ابتعدت عنها بسمه تنظر لها بضياع صار يحتل عيناها، تنساب دموعها تتذكر تلك الأوقات التي كانت تُصلي فيها.., حينا يأتي رمضان فتذهب مع جيرانها للمسجد لصلاة التراويح ، صلاة العيد وفرحتها ببهجته.. وحينا يمرض والدها وحينا تُريد الدعاء على فتحي عندما ينهال عليها ضربًا, ورغمًا عنها انشقت شفتيها بابتسامة باهتة
ابتسمت ملك عندما لمحت ابتسامتها تجذبها من ذراعيها تدفعها نحو المرحاض
- لا أنا مش هستنى تفكري كتير..
...
عادت ملك للغرفة التي تقيم بها بسمه بعدما تركتها واتجهت نحو غرفة الصغير تطمئن عليه
انفطر قلبها وسكنت مكانها وهي تراها مازالت ساجده تبكي بقوة تُناجي ربها.. تطلب منه الرحمة في حياة تلفظها
اتخذت ملك ركنًا بعيدًا وتركتها في مناجتها حتى توقفت بسمة عن البكاء وانهت ركعتها الأخيرة
بعد وقت، استدارت بسمة بجسدها تمسح دموعها بأناملها تشق شفتيها ابتسامة خفيفه
ابتسمت ملك تمسح دموعها هي الأخرى واسرعت نحوها تضمها إليها
- كنت هموت بعد موت عزالدين.. كرهت الدنيا والناس.. كنت حاسه إن روحي بتنسحب مني..
توقف ملك عن الحديث تطبق فوق جفنيها تُحرر دموعها العالقة بأهدابها
- تعرفي طلبت من رسلان يطلقني.. رغم حزنه ووجعه على ابنه إلا إني مكنتش شايفه غير كل ذكرى سيئة وألم عيشته.. الأم اللي مطلعتش أمي..حبها لمها كان واضح اوي يا بسمة وكنت ديما بقول عشان هي الصغيرة وانا الكبيرة.. واول ما رسلان حبني واختارني أنا ظهرت الحقيقة.. أنتِ لقيطة من الشارع..أنا بنت راجل عاش عمره كله مش معترف بيا قدام مراته بنت الحسب والنسب عشان حبه ليها
فتحت ملك عيناها تنظر نحو كفيها المضمومين بين كفي بسمة، بمرارة ابتسمت فمن الذي سيواسي من اليوم
- لكن وجعي وحقدي على الدنيا اتحول فجأة... صليت لأول مرة بخشوع حقيقي.. اتحول الحقد اللي جوايا.. لرضي.. لقيت نفسي بشوف اللي كنت شيفاه بلاء وقسوة لطف ورحمه.. الاختبار احيانا بيكون صعب لكن إحنا لازم ننجح فيه يا بسمه والنجاح هو الرضى وإنك تقومي من التاني وتتعلمي حاجه من درسك وتختاري الطريق الصح والطريق الصح هو الصلاح
دمعت عينين بسمة تومئ لها برأسها ولكن أين هو الطريق، هم اغلقوا لها جميع الأبواب وكأنهم يرغبون في ذبح روحها
نظرت للمصحف الذي وضعته ملك بين يديها متمتمه
- متعالجتش غير كده.. ده كان علاجي.. تعرفي انا بقيت بسأل نفسي ليه كنت مقصرة اوي كده.. صحيح بصلي لكن مش ملتزمه في الصلاة في أوقاتها.. بقرء قرأن لكن في اوقات الضيق والحزن.. طيب وليه ده معملهوش يوميًا ليه الدنيا تسرقني في متعتها.. مع إني ممكن استمتع بكل حاجه ومعاها الراحه والسكينة
ابتسم رسلان وهو يتراجع بخطواته متجهًا نحو غرفتهم يهوى بجسده فوق الفراش يتسأل داخله هل هو محظوظ لهذه الدرجة لتكون من نصيبه رغم ما حدث.. ملك حظه الأجمل في الدنيا.. لم يخطأ يوم أن أحبها.. ملاكه الذي وضعه القدر في عائلة تُحاوطها مظاهر الحياة وحب النفس.. ما حدث لهم ليس عقابً لها هي.. هم من يستحقوا هذا
دمعت عيناه يتذكر صغيره، يغمض جفنيه في ألم متمتما
- سامحني يا عزالدين.. أتحرمت منك لاني كنت رافضكم لأنكم منها.. هعيش عمري كله الندم مالي قلبي
....
ضحكت ملك رغمًا عنها وهي تنظر لحالها، بسمه من تواسيها بدلا من أن تواسيها هي
- هو مين المفروض يواسي مين
تمتمت بها ملك وهي تبتعد عن ذراعي بسمه التي ابتسمت وقد عادت الحياة تنبض في مقلتيها وبصوت متحشرج هتفت
- مش عارفه..
ضحكوا سويا فاسرعت بسمه في احتضانها بقوة
- أنتِ عيلتي الوحيدة يا ملك.. أنتِ الوحيدة اللي حبتيني بعد بابا.. محدش غيركم حبني
ابتعدت عنها تضم وجهها بين راحتي كفيها
- اللي يعرف بسمه صح يحبها وأنتِ تستحقي الحب يا بسمه، بنت جدعه بميت راجل
التمعت عينين ملك وهي تتذكر بسمة في بداية لقائهم، فتاة مرحه رغم ما تعيشه بكنف شقيق قد خلى قلبه من الرحمه إلا إنها كانت صامدة تهون على نفسها بابساط الأشياء
- فاكره الفرح اللي اخدتيني فيه معاكي.. ووقف واحد يتعرضلنا معرفش طلع لينا منين
ابتسمت بسمة تتذكر ذلك اليوم وكيف انهالت عليه ضربًا بحذائها فاردفت ملك ضاحكة
- مش عارفه إزاي نشيلتي بجذمتك وبطحتي
سقطت هذه المرة دموعهم من شدة الضحك وملك تزيد من قص تلك المواقف السعيدة التي ضحكوا فيها من قلبهم
- نفسي ارجع الحارة تاني يا ملك، عايزه ارجع لبيت أبويا.. منه لله فتحي حرمني من حقي وسابني في بيوت الناس اشحت عطفهم
عادت الألم يستوطن قلب بسمه، فلو كان لديها جدران تحتمي بهم ما عاشت ما عشته
- بيوت الناس..
استنكرت ملك حديثها، فهي تعيش في بيته.. مهما كانت بداية زيجتها بجسار لكنها ليست عاله عليه ما تناله حقها
- أنتِ عايشه في بيت جوزك يا بسمة، كل اللي بتاخدي منه ده حقك
اطرقت رأسها تفرك كفيها بقوة، زواج كانت نهايته معروفه أن ينال من خلفه حقه.. فتكون نهايتها فيه كبائعة هوا
- بصيلي يا بسمة، ارفعي وشك وقوليلي ليه.. قدمتي نفسك ليه بسهوله
انسابت دموعها تعض فوق شفتيها بقوة فاضافت ملك راغبة في فهم تلك الحلقات المفقودة التي ضاعت منها بسبب بعدها عن بسمه وانشغالها بحياتها
- أنا قولتلك اوعي تحبي في يوم راجل مش شايفك.. لكن إظاهر نصيحتي قدمتها متأخر
لعقت بسمة شفتيها وقد انفلت صوت شهقاتها منها رغمًا عنها
- غصب عني يا ملك.. حاولت كتير اكرهه.. أنا حبيت الصورة اللي أنتِ رسمتيها عنه.. لكن طلعت غبيه.. حتى جيمي قدمته ليه عشان اخلص من لعنة حبي ليه.. انا بكرهه
لم تعرف ملك اتضحك على تلك الاكذوبه التي تمتمت بها أم تحزن على حالها
- كرهك ليه كذبه بتضحكي بيها على نفسك يا بسمه.. اسأليني أنا..
- لا خلاص أنا عايزه ابعد عن حياته.. عايزه اعيش بعيد عنه.. خليه يطلقني
هتفت بها بسمه باندفاع تشيح عيناها بعيداً عنها
- بسمه لو القرار نابع من جواكي.. صدقيني هقف جانبك..
عادت عيناها تتعلق بها، فالتقطت ملك يديها تعدها بصدق
- ارجعي بس لنفسك يا بسمه وأنا هكون جانبك في أي قرار، لكن عشان اريح قلبك.. جسار لمسك حب راجل لست.. أنتِ مش مجرد بضاعه لرد الجميل يا بسمه..اوعي تقللي من نفسك يا بسمه
- أنا تعبانه اوي يا ملك..قلبي وجعني أوي وخايفه.. مش قادره أتجاوز اللي حصل.. انا بقيت بخاف من الناس يا ملك.. انا كنت شايفه الدنيا وحشه عشان فتحي فيها.. كنت بخاف من شخص واحد.. دلوقتي بخاف منهم كلهم يا ملك
اغمضت عيناها تقص لها ما حدث في تلك الليلة، لم يؤثر عليها ما فعله عنتر ببشاعته بقدر ما فعلته تلك الفتاة..
طالعتها ملك مصدومة من ذكرها وسط الكلام إنها كانت ستوافق على ذلك الرجل الذي حاول اغتصابها
- معقول يا بسمه.. كنتي عايزه تتجوزي واحد اغتصبك عشان تهربي من غلاظة جسار..
عادت دموعها تغمر خديها تقضم فوق شفتيها بقوة
- هو السبب في اللي عيشته.. كل مرة كنت بدور على خلاصي من إحسانه ليا في بيته..قولت عنتر ارحم من شعور النبذ اللي عايشه.. مش لاقيه مكان اعيش في يا ملك.. أصعب حاجه إنك متقلقش اربع حطان يضموكي وأنتِ مطمنه
تنهيدة طويلة خرجت من شفتي ملك، لقد عاشت هذا الشعور.. ولن تنكر وقوف جسار معها.. رغم غلظته معها في البداية إلا إنه أكرمها في منزله وحياته
- بسببه رميت نفسي في سكن معرفش حاجة عن أصحابه.. مجرد ما سمعت إن في اوضه فاضية جريت اقولهم خلوني اعيش معاكم..
عادت لبكائها وقد عاد مشهد تلك الليلة يقتحم عقلها تضم جسدها بذراعيها
- هو في ناس كده يا ملك.. أنا من ساعه ما طلعتي من حارتي وأهلها الطيبين اللي آخرهم كل واحد يتخانق مع تاني وفي نفس اليوم يتصالحوا وانا بعيش في صدمات..
تحول بكائها لضحكات ساخره
- كان صاحب المصنع آخره يمد أيده...وفي اللي يقبل وفي اللي زي لما يقول لاء.. يبقى يشتغل زياده ويتهان..
توقفت عن الحديث تبتلع غصتها بمرارة كعلقم الدواء
- تعرفي أن اختارت عربيته هو بالذات ليه اهرب فيها.. من كلامك عنه واد إيه هو راجل كريم.. مد ايده ليكي وفضل واقف معاكي.. حتى بعد ما اطلقته.. وقت ما بتحتاجي بتلاقي.. قولت هيكرمني عنده ويساعدني.. لكنه
اطرقت بسمه رأسها تسلط أنظارها نحو كفيها
- لكنه إيه يا بسمه، ملقتيش منه اللي كنتي مستنياه.. عارفه ليه اتوجعتي من جسار.. عشان حلمتي بي كراجل يحبك
- حلمت حلم مش من حقي يا ملك
- والله اه اتحقق يا بسمه.. رغم عدم اقتناعي بطريقة جوازه منك إلا إني بقيت اشوف الأمور إنها أقدار, ممكن نكره البداية نستغربها لكن في النهاية بنعرف إن طول ما الإنسان ما بيخططش ولا بيدبر للشئ.. بيلاقي اللي نفسه فيه
ضاقت عينين بسمة في حيرة، حديثها اليوم مع ملك عجيب ولكن روحها عادت إليها معها.. ملك وحدها نقطة أمان داخلها
- خلينا ننسى جسار وحكايتكم دلوقتي يا بسمه.. حتى اللي حصل في الليله ديه تجاوزي واتعلمي منه ونعلم غيرنا إزاي في بقى في واقع مفروض علينا بأفكاره.. أفكار فيها هلاكنا وهتكون لينا نهاية زي نهاية قوم لوط..
التمعت عينين ملك وهي ترى بسمة تحرك له رأسها مستوعبة حديثها، تنفض عن رأسها بشاعة ما عاشته
- لازم ترجعي بسمه بتاعت زمان.. بسمه اللي رغم كل الألم إلا إنها كانت بتضحك ومبسوطه.. حلم تعليمك.. كليتك اللي كلها ايام وهتدخليها..دوراتك اللي بتاخديها.. ميادة قالتلي إن كان نفسك تتعلمي التصميم وأهم حاجه قربك من ربنا.. هتتجاوزي كل حاجة وحشة صدقيني
عضت فوق شفتيها خجلًا، فقلبها نال سكينته عندما أخرجت كل حديث عالق بقلبها في سجودها
...
الساعه السادسة صباحا في محافظة البحر الأحمر وقف بسيارته قرب المنزل الذي أرسل له عنوانه من رقم مجهول
خرج من سيارته يدور بعينيه بالمكان..
مشاعر متضاربة يشعر به.. غضب، حب، حنين وانتقام رجولة مهدورة وشوق اكبر يدفعه.
فتحت عيناها بصعوبة تنظر نحو الساعة المعلقة تستعجب تلك الطرقات, فالممرضة التي أخبرها عنها رحيم لرعايتها قدومها في الثامنة
التقطت هاتفها لتهاتف رحيم، فالساعة الأن السادسة صباحاً
استمرت الطرقات، تنظر لهاتفها.. فهاتف رحيم مغلق
بقلق تحركت نحو الباب تهتف بخوف صار يستوطنها
- مين؟
لم يصدر أي صوت، فابتعدت عن الباب مرتعدة.
أسرعت نحو الشرفة التي ربما تطلعها على هوية من بالخارج ولكن قدميها تيبست مكانها تستمع لصوته
- أفتحي يا خديجة
.............
ابتسم الواقف ينظر نحو ابنة شقيقته وقد وقفت تُحدق بالسماء شاردة
- اخفيتي الأوراق التي كنت أسعى لارسالها لابن النجار اليوم حتى لا يسبقنا بقتل حامد.. تريدين حماية أفراد عائلتك يا صغيرة
اطبقت فوق جفنيها للحظات تزفر أنفاسها ببطء قبل أن تلتف إليه
- أريد النزول لمصر.. عليهم معرفتي..
هز الواقف رأسه ينظر لعينيها الشبيها بعينين والدها حتى ملامحها
- قد آن أوان ظهورك ليندا
الجزء الثاني
*****
تقهقرت للخلف تنظر إليه وقد احتلت الدهشة عينيها، هي بالتأكيد تحلم بوجوده.. شعور الحاجة إليه جعلها تظن إنه هنا يقف أمامها.
اغمضت عيناها لعلها تفيق من حلمها، أمير ليس هنا.. لا أحد يعلم بمكانها إلا رحيم وسليم.
صوت إنغلاق الباب جعلها تعود لفتح عيناها وقد ازداد قربه منها، عيناها هذه المرة تعلقت بعينيه.., عتاب وشوق وحدهم ما كانوا يحتلوا مقلتيه
- أمير
خرج اسمه من شفتيها في همس يثقله الحنين ثم ازدردت لعابها وهي ترى نظراته يغلفها الجمود يقبض فوق كفيه بقوة.. يمنعهم عن لهفتهم لجذبها لأحضانه
- الزوجة الهربانة ولا نقول الجبانه افضل
تجمعت الدموع في مقلتيها تُقاوم ذرفهم تطرق رأسها أرضًا، تتمنى لو تخبره إنها لا تتحمل فراقه ولكن قربها منه لعنة.. وسيدفع حياته ثمنًا
- المرادي مش هسألك عملتي كده ليه.. لأني خلاص عرفت دوري كان إيه في حياتك
انسابت دموعها تهتف داخلها في آسف، لم تكن تقصد جرح كرامته.. لكن ماذا عساها أن تفعل علاقتهم لن يجني من ورائها إلا ضياع مستقبله وعمره.. ليت كل شئ يصير كما نتمنى
- مش عارف انتقم منك يا خديجة ولا عارف اوجعك زي ما وجعتيني.. حتى لما اختارت اوجعك في اكتر حاجة عارف نفسك فيها.. قولت إزاي اوجع قلبي قبلها..
ارتفعت نظراتها نحوه في صدمة وسرعان ما كانت تحيط بطنها بذراعيها.. لن يوجعها إلا بطفلهم الذي يُحارب معها في صمود حتى يأتي إليها.
تقوست شفتيه بابتسامة ساخرة وتعلقت عيناه بفعلتها
- متخافيش يا خديجة هسيبهولك.. أنا مش وحش لدرجادي إني احرمك منه.. أنا قررت اسافر واسيب البلد كلها.. مبقاش في فايده إني افضل احارب عشان ست رفضاني في حياتها.. ست شيفاني ابعد من أني اكون شريك حياتها
- أمير، ارجوك
ازدادت نظراته تهكمًا فعن أي رجاء تطلبه منه
- إظهري يا خديجة وارجعي لحياتك من تاني.. متخافيش مش هظهر تاني في حياتك.. أنا مش أمير العابث بتاع زمان اللي الكل فاكر إنه طمعان في فلوسك ..
توقف عن الحديث يتحاشا النظر إليها
- مش بيقولوا ألم الحب بيغير
ابتعلت غصتها في مرارة تفرك كفيها ببعضهم بقوة لعلا ذلك الألم الذي ينهش فؤادها يرحمها
- أمير أنا..
عادت دموعها تنساب هذه المرة بغزارة تضع كفها فوق شفتيها تكتم صوت شهقاتها وهي تراه يستدير بجسده مغادرًا بعدما أشار إليها بالصمت..
فلم يعد للحديث معنى ولم يعد العاشق الولهان بل أصبح عاشق مطعون لا كرامة له.
تحرك تحت نظراتها المصدومة، فهل أنتهت حكايتهم هكذا.. سيتركها دون أن يُخبرها بكلماته المعتادة..؟
عيناها تعلقت به وقد ازداد سرعة أنفاسها.. لا تتخيل إنه سيرحل بعيدًا، منحها ما اراده عقلها
- أمير
خارت قواها وسقطت أرضًا وهي تهمس اسمه ، ما ارادته ستحصل عليه ولكن الألم يزيد داخلها..
تيبست قدماه مكانهم يطبق فوق جفنيه بقوة, عليه الرحيل.. عليه ألا ينظر ورائه مجددًا
عقله يدفعه للرحيل والهرب والبعد عن كل من ظنوا إنه ليس إلا رجل طامع عابث.. وقلبه يهتف به ملتاع من نيران الشوق ..
استدار بجسده راغبًا في وداعها لمرة أخيرة وقد صعقه هيئتها.
خديجة تجلس أرضًا تضم بطنها بذراعيها من شدة الألم تلهث أنفاسها بصعوبة
- خديجة
.....
جاورته فوق الفراش تمدّ كفها نحو لحيته فلم تعد تفهم حبه الذي صار فجأة لتربية لحيته, بصوت هامس تمتمت ممتعضة الوجه
- طبعا عشان البيه بقى شكله اوسم وزادته وقار بقى يربيها..
ازدادت ملامحها أمتعاضًا، ستستمر في دفعه لحلاقتها, فهل ينقصها أن يزداد عدد المعجبات اللاتي يخبرها عنهم
- رسلان.. رسلان
انتفض من غفوته ينظر إليها متسائلا بتشويش
- الساعة كام
طالعته ثم طالعت الوقت في هاتفها القابع بيدها
- الساعه سابعه.. قوم اجهز لحد ما احضرلك الفطار
عاد لتسطحه يغمض جفنيه تحت نظراتها
- هروح المستشفى بعد الضهر..
كادت أن تهتف وتخبره ليته أخبرها بتغير موعده حتى لا تُيقظه ولكن الحديث توقف على طرفي شفتيها وهي تراه يفتح عينيه
- في حد يصحي حد كده.. نفسي اعرف راحت فين الرقة
رفعت حاجبها الأيسر في دهشة، رسلان منذ فترة يُخبرها بهذا الحديث..
- مش عارفه ليه يا رسلان بقيت أشك فيك من ساعت ما بقيت تربي دقنك وبدء الشعر الأبيض يظهر في شعرك
انتفض مفزوعًا من رقدته يهتف حانقًا
- شعر ابيض.. مسمحش ليكي يا هانم تقولي كده
وأضاف ماقتًا صوت ضحكاتها ونظراتها المشاكسة
- هما بس شعريتين.. زادوا من وقاري..
تعالت ضحكاتها رغمًا عنها وهي تراه ينهض من فوق الفراش ويتجه نحو المرآة يتأمل خصلاته
- بقوا كام شعره دلوقتي
ارتفعت زاوية شفتيه يرفع حاجبيه لأعلى راغبًا في إثارة غيرتها وتحريك تلك المياة الراكدة عن حياتهم
- أنا برضوه لسا شباب..مش عايز اقولك إن جوزك بيتعرض عليه الجواز.. بخاف على شعورك يا حببتي
ضاقت عيناها ترمقه بنظرة ثاقبة تزيح عن قدميها نعلها المنزلي لتتمكن من تسطحها
- أنت عديت مرحلة المعاكسة خلاص يا دكتور وبقيت مطلوب للجواز
تعلقت عيناه بوضيعتها وهيئتها برداء الصلاة ينظر لبنطال منامتها الذي ظهر طرفه
- فاضل مرحلة التنفيذ يا حببتي
اقترب منها بعدما غادر النعاس جفنيه متلذذًا بتلك الدقائق معها، فلم يعد في يوميه وقت, بسبب الساعات التي يهدرها في ذهابه وعودته من الفيوم للقاهرة يوميًا بعدما انتقلوا لهذا المنزل مبتعدين عن كل شئ.
هو بات يضجر من الأمر يُريد العودة قرب عمله ولكن من أجلها سيتحمل.
ابتسمت مدركة تلاعبه بها تنظر إلي كفه الذي اخذ يُحركه ببطء فوق خدها
- مش شايف أي تأثير للغيرة وكده إهانة في حقي
عادت ضحكاتها تتعالا وهي تراه يبتعد عنها يضع بيده فوق قلبه
- اه قلبي الملتاع من الحب.. حبيبه مش غيران عليه
- رسلان كفاية قلبي هيقف من الضحك
توقف عن مزاحه يشعر بسعادة وهو يرى إحمرار خديها من شدة الضحك
- سلامة قلبك يا حببتي
تعلقت عيناها به ولم تشعر بحالها إلا وهي تندفع لحضنه يضمها بين ذراعيه
- أنت اوسم واحسن راجل شوفته في حياتي يا رسلان, عمري ما عيني شافت غيرك ولا قلبي دق غير ليك..كل يوم بيمر بحمد ربنا على وجودك معايا..نفسي أعرف اسعدك زي ما بتحاول تسعدني
اطبق فوق جفنيه مستمتعًا بأحرف كلماتها يزيد من ضمها إليه.
ابتعدت عنه راغبة في إخباره بشكها القوي في أمر حملها ولكنه لم يكن متعطش لأي حديث سيقال..
وضع يده فوق شفتيها يمنعها عن الحديث
- بلاش تقوليلي الفطار وعبدالله وبسمه وتخترعي حجة تبعدك عن حضني..
ارتسمت ابتسامة متلاعبة فوق شفتيه وقبل أن تهتف بشئ, اجتذبها لأحضانه ماقتًا ما ترتديه وهي جواره يمدّ يديه عابثًا
- إسدال يا ملك.. وتحته بيجاما كمان..
- رسلان..
ضاع صوت هتافها به مستسلمة له تتجاوب مع فيض مشاعره العطشة
.....
توقفت بسمة أمام غرفة ملك تشعر بالحرج لطرق الباب، اتجهت نحو الدرج تشعر بالتوتر.. فأمس لم تكن منتبها لشئ ولكن اليوم صارت تشعر بما حولها.. هي هنا في منزل ملك حيث زوجها وطفلها.
تعلقت عيناها ب عبدالله الذي جلس وجواره الخادمة تُحاول إطعامه ولكن الصغير كان رافضًا تناول وجبته دون ملك.
بتوتر وحرج فركت كفيها تنظر نحو الخادمة التي رفعت عيناها نحوها بعدما انتبهت على وجودها
- احضرلك الفطار يا هانم
تعجبت بسمة من هتاف الخادمة لها بهذه الكلمة، ولكنها أسرعت في تحريك رأسها رافضة
- هستنى ملك
اماءت لها الخادمة رأسها في تفهم تنظر لساعة يدها وللصغير، فقد تجاوز الوقت التاسعة والنصف
- ماما ملك
تمتم بها الصغير رافضًا تناول طعامه مُحاولًا ترك مقعده، أسرعت الخادمة في تثبيته تحاول إلهاءه بالحديث وبفعل بعض الأصوات الكرتونية حتى ينتبه لها.
ازداد توتر بسمة تنظر نحو الدرج، فهي لا تستطيع التحرك بالمنزل دونها.. هي غريبة عن هنا وغربتها لا تنتهي إلا بوجود ملك معها
- يا هانم.. الولد عايزك
انتبهت بسمة على صوت الخادمة تلتف إليها وقد ضاقت عيناها في حيرة تنظر للخادمة وذراعي عبدالله الممتدة نحوها
- ممكن تأكلي يا هانم لأنه رافض ياكل مني
انصرفت الخادمة بمجرد أن اماءت لها بسمة رأسها وكأنها تخلصت أخيرًا من مهمه لا تُحبها
- هتاكل إيه؟
طالع الصغير حيرتها حتى تساؤلها عن أي طعام يرغبه لم يكن ليفهمه.
أشار نحو طبقه وبسمة لم تكن أمامه إلا كالبلهاء لا تفهم كيف تتعامل مع طفل وتطعمه.
استرخت ملامحها من توترها وسرعان ما كانت تتسع ابتسامتها شئ فشئ والصغير يمدّ لها ببيضته يقربها منها حتى تُقشرها له.
لفظه للكلمات بتلك اللطافة كانت تجعل ابتسامتها تزداد إتساعًا بل وتطرب أذنيها.
التقطت منه البيضه تنظر لمكان طرقها ولكنها اختارت الطريقة الأخرى التي اعتادت فعلها ببساطة..
لطمت البيضة بجبهتها تنظر للصغير الذي رمقه في صمت، فهل سيكون هذا الصغير مثل بقية طبقته يتبع قوانين الأتيكيت وسرعان ما كان يضحك الصغير بصوت مرتفع يسعى لألتقاط بيضة لم تُقشر ليُجرب فعلتها.
تراجعت الخادمة عائدة للمطبخ بعدما اطمئنت أن الضيفة نجحت في إطعام الصغير.
اتسعت ابتسامة الصغير بعدما ارتشف كأس اللبن خاصته
- بره في قطه.. قطه حلوه
عادت الابتسامة تشق شفتي بسمة تنظر للصغير الذي يجرها معه للحديقة نحو القطة التي أخبرها عنها بحديثه اللطيف.
ارتفعت ضحكات الصغير وقد جذب صوت ضحكاته انتباه رسلان الذي ترك رابطة عنقه دون عقدها واتجه نحو الشرفة ينظر لصغيرة مندهشًا من سماع قهقهته.
اقتربت ملك منه بعدما غادرت المرحاض تجفف خصلات شعرها بالمنشفة
- ده صوت عبدلله.. إزاي طلع لوحده الجنينة
التف إليه رسلان يجتذبها من يدها يريها صغيره الذي يجبر بسمة على الركض خلفه ويُشاكسها
- شكل بسمة هتعمل معايا معروف حلو اوي الأيام اللي جايه
طالع ملامحها السعيدة وهي تنظر للأسفل يجتذبها لصدره ويطوق خصرها بذراعيه
- عبدالله مبيتوعدش على الناس بسهولة.. شكله حب بسمة
- عبدالله هيكون علاج بسمة يا رسلان
استدارت إليه تنظر نحو عينيه متسائلة
- وجود بسمة وسطينا هيضايقك يا رسلان
ارتفع حاجبيه في عبث يُحرك بكفيه نحو عنقها حيث تلك القطرات المنسابة ولم تجف بعد
- ديه بسمة شكلها جات نجده ليا يا حببتي.. ده أنا بدأت أغير من استاذ عبدالله.. دلوع الماما والماما ناسيه ابنها الكبير
انفلتت ضحكتها عالية رغمًا عنها ، رسلان اليوم مزاجه في مكان أخر
- أنتِ فيك حاجة غلط النهاردة يا دكتور.. أنا بقول متروحش المستشفى النهاردة
ومن نظراته العابثة أدركت ما ينوي له، لينظر إليها بعدما ابتعدت عنه ماقتًا فعلتها
- أول مره أشوف زوجه مبتحبش الدلع والأغراءات المقدمة لها.. فعلا أنتِ تختلفي عن الأخرين يا حببتي
تركته في تذمره واسرعت في التقاط ملابسها وسؤال واحد كان يتردد داخلها في حيرة، لما اليوم لم تنفر من علاقتهم.. هناك شئ صار يتغير داخلها نحو كل شئ.
....
اسرع في تحريك الوسادة خلف ظهرها يُطالعها بلهفة وقلق لم يُغادروا ملامحه حتى بعدما أخبرهم الطبيب بالمشفى أن الجنين بخير ولكنها بحاجة للراحة
- لسا تعبانه..
حركت رأسها نافية تعبها، فطالع الغرفة حوله يحرك بيده فوق خصلاته ثم عاد ينظر إليها
- أكيد محتاجه تفطري..
ودون أن يضيف كلمة أخرى أسرع في مغادرة الغرفة يبحث عن المطبخ.
اغمضت خديجة عينيها براحه افتقدتها..ستكون كاذبة لو أنكرت سعادتها بوجوده.
لهفته اليوم عليها وعلى جنينهم أكدت لها حقيقة واحده، إنها دون هذا الرجل ستكون ناقصة هي وطفلها..فأين كان عقلها وهي تخوض معه علاقة تعرف نهايتها وعواقبها؟
انسابت دموعها في ضعف، خديجة النجار عادت تبكي كما كانت شابه في العشرين من عمرها .. لا شئ تفعله إلا رثاء نفسها والهرب فأين ذهبت قوتها ؟
غفت دون شعور منها.. لتشعر بأنامله تتحرك فوق خديها وقد جفت دموعها.
طالعها بنظرات لائمة، فهل وجوده معها يسبب لها هذا
- قوليها للمرة الأخيرة واوعدك يا خديجة هحررك مني.. بصي في عيني وقولي عايزني أبعد عنك..قولي حررني منك..
عادت دموعها لسقوطها تنظر إليه في صمت , ترفع كفها تضعه أمام شفتيه تُحرك رأسها رافضة
- الحب من غير كرامة بيموت يا خديجة..
- متبعدش يا أمير ولو قولتلك أبعد متبعدش
هتفت بها تندفع نحوه تضم جسدها له.. هي تُريده..مهما قاومت وهربت فلم يعد هناك مفر لها إلا العودة إليه
- احضني يا أمير.. احضني أوي
لم تتحرك ذراعيه لتضمها رغم رجائها ورغبة فؤاده, بل ظل ساكن تمامًا.
ابتعدت عنه بعدما شعرت بجموده تنظر إليها راجية حبه لمرة أخيرة
- كرهتني يا أمير
تعلقت عيناها به وسرعان ما اغمضت عيناها تضع بشفتيها فوق شفتيه غير راغبة في سماع جوابه..لن تتحمل أن تعرف مكانتها الجديدة في قلبه، فهي من سعت لترى كرهه.
شفتيها تحركت ببطء فوق خاصته تنتظر أن يبادلها قبلتها ولكنه كان يُصارع مرارة ما عاشه معها من خذلان.
كادت أن تبتعد عنه تُخبر حالها إنه لم يعد يُحبها.
سقطت صنية الطعام الموضوعة فوق الفراش.. بعدما تحول الأمر لجنون عاصف, يُخبرها وسط قبلاته إنها المرة الأخيرة للغفران ولكنه كان كاذب.. فسيظل يغفر لها حتى يزول الحب.
.....
توقف مكانه مدهوشًا مما يراه.. ينظر إليها وهي تلهو مع ذلك الصغير.
تعلقت عينين ملك به بعدما غادرت من باب المنزل المفتوح..
لولا تهليل الصغير لرؤيته لملك.. لظل هو واقف مكانه يُطالع ابتسامتها.
عيناه غرقت في تفاصيل ملامحها يتسأل داخله..
أكان منزله حقًا سجنًا لها وعندما تحررت من جدرانه عادت كما كانت.
تركت القطة تشرب اللبن بمفردها بعدما تركها الصغير.
ابتسمت بسمة وهي ترى تعلقه بين ذراعي ملك التي ظلت تنظر إليها في صمت.
نظراتها جعلتها تلتف خلفها.. فتلاقت عيناها به وسرعان ما كانت تفر من أمامه.. هي لا تُريد العودة معه.. تُريد البدء من جديد وكأنها لم تهرب في سيارته وكأن هذا الفصل من حياتها صار محذوف.
تجمدت ملامح جسار ولم تكن ملك أقل صدمة عنه كحال رسلان الذي خرج للتو من المنزل.
....
فتحت فرحة عيناها تنظر حولها، عقلها أخذ يسترجع أحداث الليلة الماضية تهز رأسها رافضة ما رأت.. فما رأته لم يكن إلا كابوسًا.
تحركت يداها فوق الفراش ثم دارت عيناها بأرجاء الغرفة ، وسرعان ما كانت تخرج صرختها
- أنا مقتلتهوش.. مقتلتهوش
ارتجفت حدقتاها وهي ترى الباب يُفتح ويدلف منه أحدهم ولم يكن إلا ذلك الملثم الذي من سوء حظها رأت وجهه أمس.
....
اسرع سليم في هبوط الدرج يستعجب قدوم حازم إليه المزرعة يُحدق بساعة يده, فالساعه الحادية عشر ونصف
وقبل أن يتسأل سليم عن سبب قدومه رغم شعوره بحدوث شئ
- حامد أتقتل يا سليم..
يتبع بإذن الله
*****
تقهقرت للخلف تنظر إليه وقد احتلت الدهشة عينيها، هي بالتأكيد تحلم بوجوده.. شعور الحاجة إليه جعلها تظن إنه هنا يقف أمامها.
اغمضت عيناها لعلها تفيق من حلمها، أمير ليس هنا.. لا أحد يعلم بمكانها إلا رحيم وسليم.
صوت إنغلاق الباب جعلها تعود لفتح عيناها وقد ازداد قربه منها، عيناها هذه المرة تعلقت بعينيه.., عتاب وشوق وحدهم ما كانوا يحتلوا مقلتيه
- أمير
خرج اسمه من شفتيها في همس يثقله الحنين ثم ازدردت لعابها وهي ترى نظراته يغلفها الجمود يقبض فوق كفيه بقوة.. يمنعهم عن لهفتهم لجذبها لأحضانه
- الزوجة الهربانة ولا نقول الجبانه افضل
تجمعت الدموع في مقلتيها تُقاوم ذرفهم تطرق رأسها أرضًا، تتمنى لو تخبره إنها لا تتحمل فراقه ولكن قربها منه لعنة.. وسيدفع حياته ثمنًا
- المرادي مش هسألك عملتي كده ليه.. لأني خلاص عرفت دوري كان إيه في حياتك
انسابت دموعها تهتف داخلها في آسف، لم تكن تقصد جرح كرامته.. لكن ماذا عساها أن تفعل علاقتهم لن يجني من ورائها إلا ضياع مستقبله وعمره.. ليت كل شئ يصير كما نتمنى
- مش عارف انتقم منك يا خديجة ولا عارف اوجعك زي ما وجعتيني.. حتى لما اختارت اوجعك في اكتر حاجة عارف نفسك فيها.. قولت إزاي اوجع قلبي قبلها..
ارتفعت نظراتها نحوه في صدمة وسرعان ما كانت تحيط بطنها بذراعيها.. لن يوجعها إلا بطفلهم الذي يُحارب معها في صمود حتى يأتي إليها.
تقوست شفتيه بابتسامة ساخرة وتعلقت عيناه بفعلتها
- متخافيش يا خديجة هسيبهولك.. أنا مش وحش لدرجادي إني احرمك منه.. أنا قررت اسافر واسيب البلد كلها.. مبقاش في فايده إني افضل احارب عشان ست رفضاني في حياتها.. ست شيفاني ابعد من أني اكون شريك حياتها
- أمير، ارجوك
ازدادت نظراته تهكمًا فعن أي رجاء تطلبه منه
- إظهري يا خديجة وارجعي لحياتك من تاني.. متخافيش مش هظهر تاني في حياتك.. أنا مش أمير العابث بتاع زمان اللي الكل فاكر إنه طمعان في فلوسك ..
توقف عن الحديث يتحاشا النظر إليها
- مش بيقولوا ألم الحب بيغير
ابتعلت غصتها في مرارة تفرك كفيها ببعضهم بقوة لعلا ذلك الألم الذي ينهش فؤادها يرحمها
- أمير أنا..
عادت دموعها تنساب هذه المرة بغزارة تضع كفها فوق شفتيها تكتم صوت شهقاتها وهي تراه يستدير بجسده مغادرًا بعدما أشار إليها بالصمت..
فلم يعد للحديث معنى ولم يعد العاشق الولهان بل أصبح عاشق مطعون لا كرامة له.
تحرك تحت نظراتها المصدومة، فهل أنتهت حكايتهم هكذا.. سيتركها دون أن يُخبرها بكلماته المعتادة..؟
عيناها تعلقت به وقد ازداد سرعة أنفاسها.. لا تتخيل إنه سيرحل بعيدًا، منحها ما اراده عقلها
- أمير
خارت قواها وسقطت أرضًا وهي تهمس اسمه ، ما ارادته ستحصل عليه ولكن الألم يزيد داخلها..
تيبست قدماه مكانهم يطبق فوق جفنيه بقوة, عليه الرحيل.. عليه ألا ينظر ورائه مجددًا
عقله يدفعه للرحيل والهرب والبعد عن كل من ظنوا إنه ليس إلا رجل طامع عابث.. وقلبه يهتف به ملتاع من نيران الشوق ..
استدار بجسده راغبًا في وداعها لمرة أخيرة وقد صعقه هيئتها.
خديجة تجلس أرضًا تضم بطنها بذراعيها من شدة الألم تلهث أنفاسها بصعوبة
- خديجة
.....
جاورته فوق الفراش تمدّ كفها نحو لحيته فلم تعد تفهم حبه الذي صار فجأة لتربية لحيته, بصوت هامس تمتمت ممتعضة الوجه
- طبعا عشان البيه بقى شكله اوسم وزادته وقار بقى يربيها..
ازدادت ملامحها أمتعاضًا، ستستمر في دفعه لحلاقتها, فهل ينقصها أن يزداد عدد المعجبات اللاتي يخبرها عنهم
- رسلان.. رسلان
انتفض من غفوته ينظر إليها متسائلا بتشويش
- الساعة كام
طالعته ثم طالعت الوقت في هاتفها القابع بيدها
- الساعه سابعه.. قوم اجهز لحد ما احضرلك الفطار
عاد لتسطحه يغمض جفنيه تحت نظراتها
- هروح المستشفى بعد الضهر..
كادت أن تهتف وتخبره ليته أخبرها بتغير موعده حتى لا تُيقظه ولكن الحديث توقف على طرفي شفتيها وهي تراه يفتح عينيه
- في حد يصحي حد كده.. نفسي اعرف راحت فين الرقة
رفعت حاجبها الأيسر في دهشة، رسلان منذ فترة يُخبرها بهذا الحديث..
- مش عارفه ليه يا رسلان بقيت أشك فيك من ساعت ما بقيت تربي دقنك وبدء الشعر الأبيض يظهر في شعرك
انتفض مفزوعًا من رقدته يهتف حانقًا
- شعر ابيض.. مسمحش ليكي يا هانم تقولي كده
وأضاف ماقتًا صوت ضحكاتها ونظراتها المشاكسة
- هما بس شعريتين.. زادوا من وقاري..
تعالت ضحكاتها رغمًا عنها وهي تراه ينهض من فوق الفراش ويتجه نحو المرآة يتأمل خصلاته
- بقوا كام شعره دلوقتي
ارتفعت زاوية شفتيه يرفع حاجبيه لأعلى راغبًا في إثارة غيرتها وتحريك تلك المياة الراكدة عن حياتهم
- أنا برضوه لسا شباب..مش عايز اقولك إن جوزك بيتعرض عليه الجواز.. بخاف على شعورك يا حببتي
ضاقت عيناها ترمقه بنظرة ثاقبة تزيح عن قدميها نعلها المنزلي لتتمكن من تسطحها
- أنت عديت مرحلة المعاكسة خلاص يا دكتور وبقيت مطلوب للجواز
تعلقت عيناه بوضيعتها وهيئتها برداء الصلاة ينظر لبنطال منامتها الذي ظهر طرفه
- فاضل مرحلة التنفيذ يا حببتي
اقترب منها بعدما غادر النعاس جفنيه متلذذًا بتلك الدقائق معها، فلم يعد في يوميه وقت, بسبب الساعات التي يهدرها في ذهابه وعودته من الفيوم للقاهرة يوميًا بعدما انتقلوا لهذا المنزل مبتعدين عن كل شئ.
هو بات يضجر من الأمر يُريد العودة قرب عمله ولكن من أجلها سيتحمل.
ابتسمت مدركة تلاعبه بها تنظر إلي كفه الذي اخذ يُحركه ببطء فوق خدها
- مش شايف أي تأثير للغيرة وكده إهانة في حقي
عادت ضحكاتها تتعالا وهي تراه يبتعد عنها يضع بيده فوق قلبه
- اه قلبي الملتاع من الحب.. حبيبه مش غيران عليه
- رسلان كفاية قلبي هيقف من الضحك
توقف عن مزاحه يشعر بسعادة وهو يرى إحمرار خديها من شدة الضحك
- سلامة قلبك يا حببتي
تعلقت عيناها به ولم تشعر بحالها إلا وهي تندفع لحضنه يضمها بين ذراعيه
- أنت اوسم واحسن راجل شوفته في حياتي يا رسلان, عمري ما عيني شافت غيرك ولا قلبي دق غير ليك..كل يوم بيمر بحمد ربنا على وجودك معايا..نفسي أعرف اسعدك زي ما بتحاول تسعدني
اطبق فوق جفنيه مستمتعًا بأحرف كلماتها يزيد من ضمها إليه.
ابتعدت عنه راغبة في إخباره بشكها القوي في أمر حملها ولكنه لم يكن متعطش لأي حديث سيقال..
وضع يده فوق شفتيها يمنعها عن الحديث
- بلاش تقوليلي الفطار وعبدالله وبسمه وتخترعي حجة تبعدك عن حضني..
ارتسمت ابتسامة متلاعبة فوق شفتيه وقبل أن تهتف بشئ, اجتذبها لأحضانه ماقتًا ما ترتديه وهي جواره يمدّ يديه عابثًا
- إسدال يا ملك.. وتحته بيجاما كمان..
- رسلان..
ضاع صوت هتافها به مستسلمة له تتجاوب مع فيض مشاعره العطشة
.....
توقفت بسمة أمام غرفة ملك تشعر بالحرج لطرق الباب، اتجهت نحو الدرج تشعر بالتوتر.. فأمس لم تكن منتبها لشئ ولكن اليوم صارت تشعر بما حولها.. هي هنا في منزل ملك حيث زوجها وطفلها.
تعلقت عيناها ب عبدالله الذي جلس وجواره الخادمة تُحاول إطعامه ولكن الصغير كان رافضًا تناول وجبته دون ملك.
بتوتر وحرج فركت كفيها تنظر نحو الخادمة التي رفعت عيناها نحوها بعدما انتبهت على وجودها
- احضرلك الفطار يا هانم
تعجبت بسمة من هتاف الخادمة لها بهذه الكلمة، ولكنها أسرعت في تحريك رأسها رافضة
- هستنى ملك
اماءت لها الخادمة رأسها في تفهم تنظر لساعة يدها وللصغير، فقد تجاوز الوقت التاسعة والنصف
- ماما ملك
تمتم بها الصغير رافضًا تناول طعامه مُحاولًا ترك مقعده، أسرعت الخادمة في تثبيته تحاول إلهاءه بالحديث وبفعل بعض الأصوات الكرتونية حتى ينتبه لها.
ازداد توتر بسمة تنظر نحو الدرج، فهي لا تستطيع التحرك بالمنزل دونها.. هي غريبة عن هنا وغربتها لا تنتهي إلا بوجود ملك معها
- يا هانم.. الولد عايزك
انتبهت بسمة على صوت الخادمة تلتف إليها وقد ضاقت عيناها في حيرة تنظر للخادمة وذراعي عبدالله الممتدة نحوها
- ممكن تأكلي يا هانم لأنه رافض ياكل مني
انصرفت الخادمة بمجرد أن اماءت لها بسمة رأسها وكأنها تخلصت أخيرًا من مهمه لا تُحبها
- هتاكل إيه؟
طالع الصغير حيرتها حتى تساؤلها عن أي طعام يرغبه لم يكن ليفهمه.
أشار نحو طبقه وبسمة لم تكن أمامه إلا كالبلهاء لا تفهم كيف تتعامل مع طفل وتطعمه.
استرخت ملامحها من توترها وسرعان ما كانت تتسع ابتسامتها شئ فشئ والصغير يمدّ لها ببيضته يقربها منها حتى تُقشرها له.
لفظه للكلمات بتلك اللطافة كانت تجعل ابتسامتها تزداد إتساعًا بل وتطرب أذنيها.
التقطت منه البيضه تنظر لمكان طرقها ولكنها اختارت الطريقة الأخرى التي اعتادت فعلها ببساطة..
لطمت البيضة بجبهتها تنظر للصغير الذي رمقه في صمت، فهل سيكون هذا الصغير مثل بقية طبقته يتبع قوانين الأتيكيت وسرعان ما كان يضحك الصغير بصوت مرتفع يسعى لألتقاط بيضة لم تُقشر ليُجرب فعلتها.
تراجعت الخادمة عائدة للمطبخ بعدما اطمئنت أن الضيفة نجحت في إطعام الصغير.
اتسعت ابتسامة الصغير بعدما ارتشف كأس اللبن خاصته
- بره في قطه.. قطه حلوه
عادت الابتسامة تشق شفتي بسمة تنظر للصغير الذي يجرها معه للحديقة نحو القطة التي أخبرها عنها بحديثه اللطيف.
ارتفعت ضحكات الصغير وقد جذب صوت ضحكاته انتباه رسلان الذي ترك رابطة عنقه دون عقدها واتجه نحو الشرفة ينظر لصغيرة مندهشًا من سماع قهقهته.
اقتربت ملك منه بعدما غادرت المرحاض تجفف خصلات شعرها بالمنشفة
- ده صوت عبدلله.. إزاي طلع لوحده الجنينة
التف إليه رسلان يجتذبها من يدها يريها صغيره الذي يجبر بسمة على الركض خلفه ويُشاكسها
- شكل بسمة هتعمل معايا معروف حلو اوي الأيام اللي جايه
طالع ملامحها السعيدة وهي تنظر للأسفل يجتذبها لصدره ويطوق خصرها بذراعيه
- عبدالله مبيتوعدش على الناس بسهولة.. شكله حب بسمة
- عبدالله هيكون علاج بسمة يا رسلان
استدارت إليه تنظر نحو عينيه متسائلة
- وجود بسمة وسطينا هيضايقك يا رسلان
ارتفع حاجبيه في عبث يُحرك بكفيه نحو عنقها حيث تلك القطرات المنسابة ولم تجف بعد
- ديه بسمة شكلها جات نجده ليا يا حببتي.. ده أنا بدأت أغير من استاذ عبدالله.. دلوع الماما والماما ناسيه ابنها الكبير
انفلتت ضحكتها عالية رغمًا عنها ، رسلان اليوم مزاجه في مكان أخر
- أنتِ فيك حاجة غلط النهاردة يا دكتور.. أنا بقول متروحش المستشفى النهاردة
ومن نظراته العابثة أدركت ما ينوي له، لينظر إليها بعدما ابتعدت عنه ماقتًا فعلتها
- أول مره أشوف زوجه مبتحبش الدلع والأغراءات المقدمة لها.. فعلا أنتِ تختلفي عن الأخرين يا حببتي
تركته في تذمره واسرعت في التقاط ملابسها وسؤال واحد كان يتردد داخلها في حيرة، لما اليوم لم تنفر من علاقتهم.. هناك شئ صار يتغير داخلها نحو كل شئ.
....
اسرع في تحريك الوسادة خلف ظهرها يُطالعها بلهفة وقلق لم يُغادروا ملامحه حتى بعدما أخبرهم الطبيب بالمشفى أن الجنين بخير ولكنها بحاجة للراحة
- لسا تعبانه..
حركت رأسها نافية تعبها، فطالع الغرفة حوله يحرك بيده فوق خصلاته ثم عاد ينظر إليها
- أكيد محتاجه تفطري..
ودون أن يضيف كلمة أخرى أسرع في مغادرة الغرفة يبحث عن المطبخ.
اغمضت خديجة عينيها براحه افتقدتها..ستكون كاذبة لو أنكرت سعادتها بوجوده.
لهفته اليوم عليها وعلى جنينهم أكدت لها حقيقة واحده، إنها دون هذا الرجل ستكون ناقصة هي وطفلها..فأين كان عقلها وهي تخوض معه علاقة تعرف نهايتها وعواقبها؟
انسابت دموعها في ضعف، خديجة النجار عادت تبكي كما كانت شابه في العشرين من عمرها .. لا شئ تفعله إلا رثاء نفسها والهرب فأين ذهبت قوتها ؟
غفت دون شعور منها.. لتشعر بأنامله تتحرك فوق خديها وقد جفت دموعها.
طالعها بنظرات لائمة، فهل وجوده معها يسبب لها هذا
- قوليها للمرة الأخيرة واوعدك يا خديجة هحررك مني.. بصي في عيني وقولي عايزني أبعد عنك..قولي حررني منك..
عادت دموعها لسقوطها تنظر إليه في صمت , ترفع كفها تضعه أمام شفتيه تُحرك رأسها رافضة
- الحب من غير كرامة بيموت يا خديجة..
- متبعدش يا أمير ولو قولتلك أبعد متبعدش
هتفت بها تندفع نحوه تضم جسدها له.. هي تُريده..مهما قاومت وهربت فلم يعد هناك مفر لها إلا العودة إليه
- احضني يا أمير.. احضني أوي
لم تتحرك ذراعيه لتضمها رغم رجائها ورغبة فؤاده, بل ظل ساكن تمامًا.
ابتعدت عنه بعدما شعرت بجموده تنظر إليها راجية حبه لمرة أخيرة
- كرهتني يا أمير
تعلقت عيناها به وسرعان ما اغمضت عيناها تضع بشفتيها فوق شفتيه غير راغبة في سماع جوابه..لن تتحمل أن تعرف مكانتها الجديدة في قلبه، فهي من سعت لترى كرهه.
شفتيها تحركت ببطء فوق خاصته تنتظر أن يبادلها قبلتها ولكنه كان يُصارع مرارة ما عاشه معها من خذلان.
كادت أن تبتعد عنه تُخبر حالها إنه لم يعد يُحبها.
سقطت صنية الطعام الموضوعة فوق الفراش.. بعدما تحول الأمر لجنون عاصف, يُخبرها وسط قبلاته إنها المرة الأخيرة للغفران ولكنه كان كاذب.. فسيظل يغفر لها حتى يزول الحب.
.....
توقف مكانه مدهوشًا مما يراه.. ينظر إليها وهي تلهو مع ذلك الصغير.
تعلقت عينين ملك به بعدما غادرت من باب المنزل المفتوح..
لولا تهليل الصغير لرؤيته لملك.. لظل هو واقف مكانه يُطالع ابتسامتها.
عيناه غرقت في تفاصيل ملامحها يتسأل داخله..
أكان منزله حقًا سجنًا لها وعندما تحررت من جدرانه عادت كما كانت.
تركت القطة تشرب اللبن بمفردها بعدما تركها الصغير.
ابتسمت بسمة وهي ترى تعلقه بين ذراعي ملك التي ظلت تنظر إليها في صمت.
نظراتها جعلتها تلتف خلفها.. فتلاقت عيناها به وسرعان ما كانت تفر من أمامه.. هي لا تُريد العودة معه.. تُريد البدء من جديد وكأنها لم تهرب في سيارته وكأن هذا الفصل من حياتها صار محذوف.
تجمدت ملامح جسار ولم تكن ملك أقل صدمة عنه كحال رسلان الذي خرج للتو من المنزل.
....
فتحت فرحة عيناها تنظر حولها، عقلها أخذ يسترجع أحداث الليلة الماضية تهز رأسها رافضة ما رأت.. فما رأته لم يكن إلا كابوسًا.
تحركت يداها فوق الفراش ثم دارت عيناها بأرجاء الغرفة ، وسرعان ما كانت تخرج صرختها
- أنا مقتلتهوش.. مقتلتهوش
ارتجفت حدقتاها وهي ترى الباب يُفتح ويدلف منه أحدهم ولم يكن إلا ذلك الملثم الذي من سوء حظها رأت وجهه أمس.
....
اسرع سليم في هبوط الدرج يستعجب قدوم حازم إليه المزرعة يُحدق بساعة يده, فالساعه الحادية عشر ونصف
وقبل أن يتسأل سليم عن سبب قدومه رغم شعوره بحدوث شئ
- حامد أتقتل يا سليم..
يتبع بإذن الله
