رواية لمن القرار الفصل التاسع والستون 69 بقلم سهام صادق
أسرعت السيدة ألفت بخطوات متلهفة تُغادر المطبخ بعدما استمعت لصوت السيارة بالخارج، فالقلق أصابها منذ أن علمت بوجودهم بالمشفى، لم تعلم الجواب في تلك المكالمة التي اختصرها رب عملها في بضعة كلمات
توقفت مكانها وهى ترى فتون شاحبة الوجه قليلاً وهو يحتضن خصرها ويُقربها منه يسألها في قلق ظهر فوق ملامحه
- فتون بلاش عناد، لو تعبانه قوليلي
خرج صوتها في تحشرج تُخبره إنها على ما يرام وقد هربت بعينيها من نظراته الفاحصة لوجهها
- إيه اللي حصل يا سليم بيه.. أنتِ كنتي كويسه يا بنتي..
هتفت بها السيدة ألفت في لهفة بعدما اقلقها شحوبها، فهى لم تكن هكذا حينا غادرت المنزل
اتسعت ابتسامة سليم ينظر نحو السيدة ألفت يتولى عنها الجواب، فمازال لا يُصدق ما أخبره به الطبيب
- ديه البداية يا مدام ألفت، الهانم ضعيفه والدكتور موصي بالتغذية.. من النهاردة هتكون مسئوليتك لحد ما يشرف ولي العهد
اتسعت عينين السيدة ألفت في دهشة سرعان ما تحولت لسعادة غمرت قلبها
- مبروك يا بنتي، مبروك يا سليم بيه.. أنا مش عارفه اوصف ليكم فرحتي
- يعني هى بنتك وأنا مش ابنك ، خونتي العشرة الطويلة يا مدام ألفت
خرج صوته مازحاً يظهر فرحته ، فاسرعت نحوه تحتضنه.. فهذا الرجل قضت سنوات عديدة في خدمته لم ترى منه إلا المعاملة الطيبة
ربت سليم فوق ذراعها يشعر بصدق مشاعرها وقد وصلته سعادتها من أجلهم
- خديجة وديدا ناموا يا مدام ألفت
بتوتر اعجبته السيدة ألفت تنظر نحو فتون التي كانت عيناها عالقة بنقطة ما
- أه ناموا يا بني، لكن ديدا أصرت تنام في اوضتك بعد ما صحيت من نومها
ارتسمت ابتسامة واسعة فوق شفتيه، صغيرته لن تكون وحيدة.. قريبً سيأتيها من يشاركها كل شئ ولكنها ستظل هى الغالية و أول فرحته
اغمضت فتون عيناها تشعر بكل شئ يخنقها تضغط فوق ذراعه المتعلقة به بقوه تُصارع خوفها، تُقاوم ذرف دموعها..
اختفت ملامح الاسترخاء المتشبعة بالفرحة وجهه ينظر إليها في خوف
- فتون
وقبل أن يحصل على الجواب.. أسرع في حملها تحت نظرات السيدة ألفت وقد تمنت أن تُخبرها ألا تقلق بأمر السيدة خديجة، فجميع من بالمنزل تلقى الأوامر بالصمت
وضعها فوق الفراش ينظر لصغيرته النائمة بدميتها في منتصف الفراش
- مش عارف مشاعرها هتكون إيه بكره لكن واثق إنها هتفرح يا فتون
عادت تلك الابتسامة تحتل شفتيه ينظر إليها يتخيلها ببطن منتفخة، ورغمًا عنه انفلتت ضحكة خافته من شفتيه , عمته وزوجته.. مصادفة غريبة وجميلة
- بدل ما أنتِ كنتِ بتهتمي بخديجة، دلوقتي هنشوف مين اللي هيهتم بيكم انتوا الاتنين
ظلت صامته تنظر نحو حقيبتها التي سقطت أرضًا عند دلوفهم الغرفة
- حببتي أنتِ ساكته ليه، اعتبر ديه صدمة المفاجأة
وسرعان ما كانت عيناه تضيق، يتذكر ما أراد أن يسألها عنه
- إدارة الفندق بلغوني إنك كنتي واقفه مع واحد قبل ما تفقدي الوعي، فتون أنتِ كنتي واقفة جانبي مافيش فيكي حاجه ولا بتشتكي
هربت عيناها عنه، فازدادت دهشة سليم.. هناك شئ بالتأكيد قد حدث خارج القاعة المقام بها الحفل
- ده كان شخص اتعملت معاه لما اشتغلت في المؤسسة المحاماه عندك
خرج الحديث من فمها في تعلثم، ولأول مرة يكون غافل عن كذبة تفضح صاحبها ، سليم النجار يغفل عن كلمات تُنطق مهزوزة كحال صاحبتها
لم يطيل في الحديث بعدما وجدها تغمض عيناها يلثم جبينها
- هشوف خديجة واطمن عليها وابلغها بالخبر، عيلة النجار هتبدء تتفرع خلاص، اعملي حسابك مش هكتفي بطفل واحد..
استمرت في غلق عيناها تستمع لاحلامه القادمة، هو لن يكتفي بطفلاً واحداً
خرج من الغرفة يمسح فوق فروة رأسه، فتون بها شئ.. ليست سعيده إنها تحمل في احشائها طفله ولكنها كانت اكثر توقً لهذا
تنهد في حيرة، فتورها وصمتها يؤكد له أن هناك ما تخفيه عنه وحدث هذه الليلة في ردهة الفندق حيث وجدها والبعض حولها لإفاقتها
واسم واحد أخذ يتردد داخل عقله " جنات " الوحيدة من ستكون لديها الإجابة.
طالع هاتفه الذي صار به مكالمات ورسائل عدة بعدما غادر الحفل في عجالة..،
زفزاته خرجت بقوة ينظر لغرفة عمته.. فها هو سيصبح أب لطفل أخر ويحرم رجل أخر من طفله.. هل سيبدء يشعر بالندم في أمر عمته العالق مع هذا الرجل الذي علم بعودته للوطن هذا الصباح
اقترب من غرفتها يُحرك مقبض الباب بعدما طرق بطرقة خافته
تعلقت عينين خديجة بالمقبض تغمض جفنيها بقوة قبل أن يفتح الباب، لن تجعل سليم يراها مهزوزة ضعيفة، لن تجعله يتعرض لما تعرض له منذ سنوات من شر حامد الذي حاول قتله من قبل ولكنه فشل ونجا ابن شقيقها بأعجوبة وهو يظن أن الحادث كان قدراً يستحقه
.....
وقعت عيناه عليها وهى مندسة تحت الغطاء تتخذ الجهة الخاصة به مستغرقة بالنوم.
بخطوات رتيبة تحرك في الغرفة يُلقي بسترته جانبًا يزفر أنفاسه في ثقل.
فتحت جنات عيناها في نعاس تنظر له وهو يدلف دورة المياة دون أن يقترب منها, وكأن وجودها في غرفته صار لا يعنيه بعدما أصبح كل منهم يغفو في غرفة منفصلة بعد تلك الليلة التي صرحت بها له عما يعتلي فؤادها
انسابت دموعها فوق خديها، هل أخطأت عندما ثارت عليه ببضعة كلمات، لقد ظنت إنه سيكون متلهفًا عليها عندما يراها في فراشة وسيركض نحوها ويأخذها بين ذراعيه
غادر النعاس جفنيها وعادت تدفن رأسها أسفل الوسادة ترثي حالها.. ،
تعالت شهقاتها في ألم لا تعرف سببه ولكنها بحاجة للبكاء الذي بات يُلازمها
خرج من المرحاض على صوت شهقاتها المرتفع، وقد أصابه القلق..، ازداد قلقه وهو يراها تدفن رأسها أسفل الوسادة
- جنات فيكي إيه، بصيلي.. أنتِ كنتي نايمة إيه اللي حصلك فجأة
خرجت الكلمات من فمه يصحبها ذعر ارتسم فوق ملامحه وهو يرفعها نحوه..
وجهها كان غارق بالدموع تعض فوق شفتيها بقوة حتى تتوقف عن البكاء
- جنات متسبنيش قلقان كده، خلينا نروح المستشفى
- أنت خايف عليه هو بس، لولاه مكنتش هتهتم بيا عشان أنت كنت عايزه يا كاظم
عادت لنحيبها، وقد عادوا لنفس النقطة.. ماذا يفعل لها لتُصدق إنها صارت جزء هام من حياته.. جزء صار يخشى فقده.. هو لا يعرف الحب ولكنه صار غارق في أشياء جديدة عليه
- تاني يا جنات هنرجع لنفس الكلام، أنا مش فاهم عايزه توصلي حياتنا لفين وإحنا لسا بنبدئها سوا
تمتم بها وهو يسحب جسده بعيداً عنها، ناهضًا من فوق الفراش يمسح فوق وجهه
- قربت تزهق مني خلاص وهترميني من حياتك وتاخد ابني مني زي ما كنت عايز زمان
انفجرت بالبكاء تتخيل لو اكتشف كاظم أن ما يعيشه معها ليس حبًا إنما مجرد علاقة جسديه إذا انتهت انتهى معها كل شئ
اطبق فوق جفنيه بقوة، يتسأل داخله ما الذي حدث له ليجعل حياته الهادئه تدخلها أمرأة
زفر أنفاسه بقوة ينظر إليها يتمعن النظر في وجهها وهيئتها، جنات كانت في إنتظاره، ارتدت له ذلك الثوب الذي اشتراه لها ضمن اثواب عدة جلبها لها ولكنها لم ترتدي منهم شئ
- فضلت مستنياك عشان أصالحك لكن أنت حتى مأخدتش بالك من حاجه
ارتفع حاجبه في دهشة،ينظر إليها متفرسًا ملامحها الحانقة
- يعني أنا السئ في كل حاجه يا جنات، لو ده هيرضيكي معنديش مشكلة
حدقت به في صمت تظنه يستهزء بها ، فاشاحت عيناها بعيداً عنه وانزاحت بجسدها قليلاً إلى طرف الفراش حتى تُغادر الغرفة
تنهد بفتور وهو يراها تتحرك من أمامه يمسح فوق فروة رأسه، هل سيجعلها تترك الغرفة ويتلوى ليلاً فوق فراشه باحثًا عن رائحتها
اجتذبها نحو يلغي تلك المسافة الفاصلة بينهم، يغلق باب الغرفة الذي فتحته
تعلقت عيناها به, تغلق جفنيها تستشعر لمساته المداعبة لخديها
- كل ما بلمسك بعرف أد إيه أنا بقيت ضعيف يا جنات، ضعف مكنتش بتمنى في يوم يتملكني..
ارتجفت اهدابها تنظر إليه في تخدر لذيذ أحتل جسدها
- الزمن علمني.. ، إن الضعف مرض.. لو صابك أنت الوحيد الخسران في معركتك
- كاظم
همست اسمه في خفوت, وتعلقت عيناها بأنامله التي اخذت تداعب شفتيها
- شوفتي احتياجي ليكي شهوة يا جنات ، راجل معاه بتهدري كرامتك.. إهانتك مش سهل انساها بسهولة..
أراد إخبارها بالمزيد ولكن المزيد من الحديث قد ضاع وهو يراها تندس بين احضانه
- أنت هزمتني من زمان في لعبة الكرامة، وهفضل مهزومة قدام نفسي طول ما أنا بحبك
ارتجف فؤاده من وقع كلماتها، فعن أي لعبة وكرامة تتحدث
- كرامة ولعبة يا جنات وفي الاخر تقولي بحبك
ابتعد عنها حتى يتمكن من رفع رأسها إليه راغبًا في سماع تلك الكلمة مجدداً
- قوليها يا جنات.. قوليها وأنتِ بتبصي في عيني.. خلي قلبي العطشان يرتوي
وهى تمنحه ما أراد رغم الحاجة، ولأنها أمرأة عليها أن تمنح.. ثم تنتظر.. وأما تكسب أو تُهرم على باب الأنتظار
- بحبك يا كاظم
والكلمة اخذت تذوب احرفها بين شفتيه، يجتذبها إليه يُخبرها إنه معها يفقد كاظم النعماني، الرجل الذي عاش عمره عازف عن النساء لا يراهم إلا شبيهات منال.
.....
غادرت الفراش بعدما تأكدت من غفيانه وقد توسط هو الفراش بينها وبين الصغيرة
التقطت حقيبتها النسائية التي باتت موضوعه فوق طاولة الزينة تغمض عيناها براحة وهى ترى الهاتف قد انتهى شحنه
انسابت دموعها وهى تنظر نحوه تكتم صوت بكائها، لقد ضاعت فرحتها وضاعت اللحظة التي تمنت أن تعيشها معه
حركت رأسها في رفض، فالمقطع المصور لا يُغادر عقلها.. حسن كان يفعل بها تلك الأمور التي ظنت أن جميع الرجال يفعلونها.. يجعلها كالخاضعة تنفذ ما يرغب بطاعة وإذا رفضت كانت تنال المزيد من الصفعات والإهانة.
عادت عيناها تتعلق به دون أن تتوقف دموعها، سليم تزوجها فقيرة, كانت خادمته زوجة سائقه ولكن هل سيقبل بها بعدما يراها في هذا المقطع مع حسن وهو يمارس ساديته فوق جسدها.
لم تشعر إلى أين اخذتها ساقيها إلا وهى تفترش أرضية أحدى الغرف بجسدها وعيناها عالقة بالهاتف
....
ارتسمت علامات النشوة فوق ملامح مسعد بعدما أغلق هاتفه وشاهد هذا المقطع لمرات،
الحقيقة كانت واضحة داخل المقطع المصور لكنه لن يراه إلا كما يُريد،
من بالمقطع هى فتون.. وليست أحدى العاهرات اللاتي كان يلتقي بهن حسن في الشقة.
هى تشبهها بجسدها الضئيل وتلك الضفائر.. والحقيقة التي خدعها بها أخذ عقله يُصدقها.
" هتحكيلي عن مراتك كمان يا حسن"
وحسن يلتقط منه خرطوم الأركيلة يقهقه مسترخياً
" أنت صاحبي يا مسعد.."
وحسن يستمر في حديثه عن كل ليلة يجعلها فيها تجلس فوق ركبتيها كالقطة الشريدة تنتظر أوامره
" يا جبروتك يا حسن... ضربتها عشان رفضت تعمل اللي أنت عايزه"
" هو أنا متجوزها ليه.. عشان تعمل اللي يبسطني .. مش كفايه واخدها من حتت قرية فقيرة ومعيشها عيشة مكنتش تحلم بيها "
ومسعد يستمع لحديثه يرفع زاوية شفتيه مندهشًا من قوة صديقه في تلك الأمور وحسن يضيف مستمتعاً بذهول صديقه
" الجواز من عيلة صغيره بينفع يا مسعد ويا سلام لو كانت ساذجة زي فتون كده، مبتقولش غير حاضر وهى خايفة "
سرح مسعد مع خيالاته، ليته ينالها ليرتاح ويعرف بنفسه.. هل ما كان حسن يصفه له معها حقيقة أم مجرد حديث كان يخدعه به
- قريب هتجيلي تتوسليني يا فتون
التقط هاتفه يبعث لها برسالة نصية
" مقابل الفيديو، ليله تكوني فيها ليا.. "
القى بالهاتف مستمتعًا بنصره، فلم يعد بحاجة لغباء دينا التي نالت جزاء تلاعبها معه ودخولها في دائرة من يدخل فيها يخرج لقبره.
ضاقت عيناه وهو يستمع لذلك الصوت، فهناك شئ قد سقط أرضًا،
وسرعان ما كان يهبط لأسفل ينظر لتلك التي جلست فوق ركبتيها تجمع القطع المتناثرة من تلك التحفة الثمينة
- أنتِ مين
ارتفعت عينين الجالسة أرضًا وقد سقط شالها نحو كتفيها فظهرت ضفائرها
- خدامتك فرحه يا بيه
.....
التقطت عيناه ابتسامتها الواسعة بعدما لثم جبينها واجتذبها لحضنه
بخفة سارت أنامله تسير فوق ذراعها يشعر بأنفاسها فوق صدره
- مش كنتِ اخدتي الأرض افضل ما تاخدي عقلي يا بنت عبدالرحمن
هتف بها كاظم ينظر إليها في مكر بعدما جعل في حديثه المازح العقل دون القلب
ارتفعت برأسها قليلاً حتى تتضح لها نظراته اللعوب ولكنها وقعت في شرك لعبته
- وليه ما اخدش قلبك كمان
تعالت ضحكات كاظم متلذذاً باللعبة الجديدة بينهم
- طماعه أوي أنتِ يا جنات.. عقل وقلب وفلوس.. شكلي دخلت صفقة خسرانة
- أنا مش عايزه فلوسك يا كاظم، ديه كانت الغلطة الوحيدة اللي عملتها في حياتي ودفعت تمنها
شعرت بالإهانة، فها هو يذكرها دون قصد منه بصففتهم الأولى
- زعلانه من مجرد هزار، شوفتي بقى مين غاوي نكد
- أنا مش زعلانه
ارتفع حاجبه الأيمن في إستنكار .. ينظر لمطت شفتيها وعبوس ملامحها
- واضح إنك مش زعلانه يا جنات
احتقنت ملامحها, تطالعه بعبوس أشد
- لا أنت لسا مصالحني وأنا مش معقول هنكد عليك يا كاظم .. اصل انا راضيه عنك خلاص بعد عرض الشغل اللي قدمته ليا.. رغم إن العرض مجاش غير عشان تخلص من الفراغ اللي بقى عندي وتعرف خطواتي
ارتفعت زاوية شفتيه في دهشة جعلتها تنظر إليه متسائلة بعدما تمكنت التقاط أنفاسها
- أنت بتضحك عليا يا كاظم..نظرتك بتقول كده
صدحت قهقهته عاليًا، إنه خسر معها جميع المعارك.. لا قلب ولا عقل صاروا ملك له
أندفعت نحوه وقد اتضحت كذبته ، ضحك عليها في أمر العمل
- أنت عدو المرأة يا كاظم...
ابتلع بقية حديثها لينفلت الحديث من شفتيه هو
- متأكده
وانفاسها كانت تضيع مع ثورة مشاعرهم تُخبره إنها لم تعد متأكدة من شئ
......
انتفضت من غفوتها تلتف حولها تبحث عن الصوت الذي سمعته،
تعلقت عيناها به بعدما انحنى بجسده يلتقط علبة الأسعافات وقد شرع للتو في تغير ضمادته قبل أن تنفلت منه العلبة فتحدث صوتًا
هلعه منظرها المفزوع ، فاخذ يسب داخله حظه السئ.. فقد حاول بشدة ألا يصدر صوتًا
- العلبه وقعت مافيش حاجة حصلت يا بسمه، متخافيش
خرج صوته مجهدًا من قلة النوم واقترب منها يمنعها من تلك الوضعية التي باتت تتخذها كلما استيقظت خائفة
- ملك مستنيه نكلمها يا بسمه، عايزاها تشوفك كده.. أنتِ عارفه هى بتحبك أد إيه
رفعت رأسها إليه، فازدادت رجفة قلبه وهو يرى عينيها.. لقد ضاع بريقهم وضاعت تلك النظرة التي كانت تُخبره بالكثير ولكنه كان كالأعمى
رفع كفه السليم يمسح فوق وجهها، صارت مستسلمة لكل شئ حتى لمساته وقربه..ليته لم يكن حيوانًا تلك الليلة ليته رأي استسلامها ليس إلا إنهزامًا في معركة صارت محسومه
- اتكلمي يا بسمه حتى لو هتصرخي فيا، أنا عارف إني وجعتك كتير.. مش هتحمل اشوفك وأنتِ بتنطفي قدام عيني
لكنها لم تكن معه، كانت في عالم أخر صار عقلها يبحث عنه.. حضن والدها، تلك الابتسامة الحنونه التي كانت تجعلها تتحمل قسوة فتحي والحياة، فرحتها وسط اهل حارتها عندما يكون عُرس لأحدى فتيات الحارة، نظرتها لحياة ظنتها ستعيشها.. لقمة من الخبز مغموسة من طبق الفول يدسها والدها في فمها قبل أن تغادر متجها للمصنع الذي تعمل به
- هو مشي ليه وسابني لوحدي
زاغت عيناها في ضياع تبحث عن طيف والدها
- مين اللي مشي وسابك يا بسمه
مدّت يدها أمامها لعلها تمسك بيده، تمسك بيد من تعلم إنه لن يتركها رغم قلة حيلته
- عم حسني.. روحت فين.. روحت فين يا بابا..
سقطت دموعه في عجز، ما الذي فعله بها.. لتصبح هكذا..
- فتحي رماني في الشارع.. سابهم ينهشوا في لحمي.. صاحب المصنع طردني عشان مكنتش زيهم.. عنتر كان عايز يعريني وهو كان عايز يشتريني بتمن إحسانه.. سيبته ياخدني عشان اكرهه كنت فاكراه غيرهم.. وهى وهى..
انسحبت أنفاسه يسمع حديثها الهامس، هو مثلهم.. بل أكثرهم بشاعة.. كان يعرف كل ما عاشته وتجرعته من قسوة ولم يكن رحيمًا بها
أين كانت رجولتك يا ابن عبدالرحيم الراجي؟
اجتذبها إليه لعلها تفيق من بشاعة ما تعيشه من مشاهد تقتحم ذاكرتها
- ياريتك كنتِ رفضتي..كنت زي المجنون عايزك بأي طريقه عايز ابطل افكر واحلم بيكي، كنت فاكر لما تكوني ليا هكتشف إنك ولا حاجه في حياتي يا بسمه لكن دلوقتي أنا بتعذب.. طفيتك بأيدي.. طلعت كنت بحبك، بحب بسمه, اللي استحملت قسوة الدنيا والناس عشان تعيش الحياة بشرف، بحب بسمه اللي كانت نظرتها ليا كلها لمعه وحب.. حبتيني بقسوتي وعيوبي، حبيتي الوحش اللي فيا ليه، أنا متستهلش أتحب ولا استاهل الحياة تبعتلي واحده زيك..
......
بملامح محتنقة دلفت غرفته لا تستوعب تلاعبه بها ، فمن هو ليبعث غيرها لهذه الصفقة التي عملت عليها ، من هو ليجعل شهيرة الأسيوطي في شركتها لا شئ
- ممكن افهم إزاي تلغي وجودي في الصفقة الحالية، أنا شهيرة الأسيوطي سكرتيرتك تتصلي بيا تقولي إن رحلتي اتلغت وحد تاني هيسافر
ضاقت أنفاسها وهى تراه يُطالعها بتلك النظرة الباردة وكأنه يستمتع برؤيتها فاقدة لأعصابها
- اوعى تكون فاكر إني هسيبلك الشركة وهستسلم أنت متعرفش مين شهيرة الأسيوطي
داعبت ابتسامة مستمتعه شفتي ماهر ، منتظراً ان يرى صمود شهيرة الأسيوطي حتى النهاية
نهض من فوق مقعده أخيراً بعدما تهاوت هى فوق أحد المقاعد تزفر أنفاسها بقوة، هذا الرجل يتعمد إذلالها بعدما صدقت حسن نيته
- إظاهر إن شهيرة الأسيوطي بتزعل لما بيكون في أحد أعلى منها في القرارت، وعشان زعلك مهم اوي عندي.. فاحب اقولك إني جردتك من صلاحيات كتير في الشركة بما أني المالك الأكبر للأسهم
طالعته شهيرة في صدمة وسرعان ما كانت تنفلت من شفتيها ضحكة قوية
- عِشنا وشوفنا ابن السواق بيتحكم في أملاك أسياده
اختفت ضحكتها تدريجيًا تنظر إلى ملامحه المسترخية وقد التمع الزهو في عينيه
- شوفتي الزمن، ابن السواق بقى يقدر يشتري أملاك الأسياد ويستحوذ عليها.. أصله كان حاطت عينه على حاجات كتير ومنهم حاجه حلف إنها هتكون لي
نظراته تحولت للقوة وكأن بينهم ثأر قديم
- القصر قريب هيكون ليا، كل ما تملكوه هيكون ليا..
تراجعت بخطواتها ، ما الذي يهذى به هذا الرجل
- تفتكر هسيبك توصل لهدفك
خرج صوتها بالكاد تُقاوم تلك الرجفة التي احتلت جسدها، هى شهيرة الأسيوطي..لن تستسلم لهذا الرجل الذي اقحمه أخيها بغبائه في شركتهم
- فضايح أخوكي خلاص كلها انكشفت للحكومه, اوعي تقوليلي إنك متعرفيش إنه تاجر مخدرات وسلاح، ده غير الفضيحة العار اللي هتتوصمي بيها أنتِ وبنتك حتى لو معرفهاش الناس هيعرفها سليم النجار
- أنت بتقول إيه
اتجه ماهر نحو مكتبه يلتقط تلك الورقة التي كان يُحضرها لها تداعب شفتيه ابتسامة ماكرة
- إنقاذ حامد مبقاش في أيد حد لأن خلاص ريحته فاحت، لكن لسا قدامك حاجات تانيه تقدري تنقذيها الشركة اللي حربتي عشانها كتير وبنتك..
تعلقت عيناه بتحديقها بالورقة وتلك الرجفة التي احتلت جفنيها وشفتيها
- اظن ورقة جواز عرفي تمضي عليها عرض مميز ومفيهوش خسارة
.....
- يا فندم، مينفعش كده.. لازم يكون عند حضرتك ميعاد
أندفعت الفتاة خلف جسار الذي دلف الغرفة دون أن يهتم بصراخها
- خلاص يا ثريا، اتفضلي أنتِ
اماءت برأسها وغادرت تغلق الباب خلفها
- ليه مش عايزه تقولي إني مريض بضيع كل حاجه غاليه من أيدي..
ازاحت الطبيبة نظارتها عن عينيها تسترخي للخلف بجسدها
- أنت مش مريض.. أنت مغفل زي رجاله كتير للأسف لكن كمريض محتاج لعلاج نفسي, اقدر اقول بنسبة ضعيفة بسبب عقدة الماضي في وفاة زوجتك الأولى
تجمدت ملامحه، وقد ارتفعت أنفاسه يُحدق بها،
ارتسمت ابتسامة هادئة فوق ملامح الطبيبة تنهض من فوق مقعدها
- اكتشفت إن وجودها في حياتك أكبر من شفقتك وإحسانك عليها في بيتك واكبر من إنتقامك وثأرك لكرامتك من طليقتك وأكبر من قوانين بترسم عليها حياتك
اطبق جسار فوق جفنيه وأخذت أنفاسه تهدء رويداً رويداً، اكتشف هذا ولكن بعد فوات الأوان
- علاجنا كل ما كان بدري كل ما كان أفضل، ياريت بعد ما تروح بسمة لطليقتك وترجعوا, نبدء العلاج لأن اللي فهمته من حالة مدام بسمة.. إنها عانت كتير في بيئة تفتقر الحنان..
اختفت ثورته يقبض فوق كفيه بقوة غير عابئ بألم كفه المجروح
- وحاجة كمان خليني على تواصل مع مدام ملك.. هيكون افضل.. لأنها الوحيده اللي بسمه بتحس معاها بالأمان وده من كلامك
.....
- بتقولي إيه يا فتون، خديجة اختفت..سليم اتهم أمير بأختفائها
تعلقت عينين كاظم بها بعدما رفع عيناه عن مطالعة الأوراق وقد ارتسمت فوق ملامحه الصدمة
- فيديو إيه اللي بيهددك بي مسعد الزفت.. أنا مش فاهمه حاجه
اقترب منها كاظم، فمن التي اختفت وعن أي إتهام سيقدمه سليم النجار
- مين اللي حامل
نطقت بها جنات تنهض من فوق تلك الاريكة وقد ارتسمت الصدمة فوق ملامحها هى الأخرى
- أنتِ فين يا جنات
تسألت بها فتون بصوت مختنق بعدما استطاعت أن تختلي بغرفتها بعد كل ما حدث هذا الصباح
- أنا في الشركة عند كاظم
وسرعان ما كانت تنظر لكاظم الذي وقف خلفها، لا تُصدق إنها نطقت كل شئ على مسمع ومرأي منه
يتبع بإذن الله
