اخر الروايات

رواية لمن القرار الفصل الثامن والستون 68 بقلم سهام صادق

رواية لمن القرار الفصل الثامن والستون 68 بقلم سهام صادق 



الصوت يتردد في أذنيها، يُجبرها أن تبقى في ذلك الظلام الذي غلف عقلها مُرحبًا.
أجبرها منذ سنوات طويلة أن تعيش صامته.. تختار السلام لعائلتها، واليوم ها هو يعود ليُخبرها بنفس الوعيد كما أخبرها به من قبل

" حياته قصاد وجودك معاه.. هتفضلي طول عمرك ليا وبس"

نظراته كانت كالسهام وهو ينظر نحو بطنها، لم ترى إلا الحقد والوعيد

" ابني أنا تموتي، لكن ابنه هو خايفه عليه.. هحرمك من كل حاجه يا خديجة "

الأصوات أخذت تتداخل حولها، شئ يُجذبها نحو الهاوية وأخر يدفعها لأعلى

- خديجة، خديجة فوقي

وصوت السيدة ألفت يعلو أيضًا يتبع هذا الصوت

- سليم بيه لازم يعرف، أنا لازم اتصل بي

رائحته بدأت تغزو رئتيها، هو قريب منها.. تشعر وكأنها بين أحضانه

- اطلبي ليها الدكتور، أنتِ واقفة تتفرجي عليها

والسيدة ألفت وقفت حائرة تنظر إليه وإلى هاتفها، فهل تُنفذ ما طلبته منها فتون راجية أن تكون لمرة واحدة في حياتها ليست أذني وعينين سليم النجار

- خديجة

غادرت الحيرة ملامح السيدة ألفت، تنظر نحو الذي صار واقفًا يمسح فوق وجهه زافراً أنفاسه في راحة وقد بدأت سيدتها في فتح عيناها

- خديجة هانم، أنتِ بخير.. اكلم سليم بيه

تعلقت عينين خديجة بها ثم بالواقف قرب فراشها، ابتلعت لعابها لعلها ترطب حلقها الجاف، هى لم تكن تحلم بوجوده, هو هنا جوارها

أحتل الشوق عينيها للحظات تنظر إليه، فتعلقت عيناه بها في لهفة يُصارع شعوره بالانتقام منها لخداعها له،
أخبرته سيعود من سفرته وسيجدها ولكنها كعادتها تنقض وعودها وكأنهم لم يعيشوا شئ سويًا.

- ممكن يا مدام ألفت متبلغيش سليم بحاجة

خرجت الكلمات منها بصعوبة تتحاشا هذه المرة النظر لذلك الواقف يُصارع بين لهفته نحوها وخذلانها الدائم له

غادرت السيدة ألفت الغرفة رغم ترددها

- المرادي هربتي مني وأنتِ حامل في ابني يا خديجة، خدعتيني زي كل مره

الغضب وحده ما كان يتقطر من كلماته، يقسم إنه سيجعلها تذوق ما جعلته يعيشه ويتجرعه

- وعودك كلها كدابه، الكل فاكر إن أنا الطرف المخادع وشايفينك في صورة الملاك..

انسابت دموعها في صمت، ستتركه يخرج كل ما يعتليه لعله يكون وداع منصف بينهم...
هى تستحق ما تعيشه الأن، فدائما ما دفعت ضريبة سعادتها وها هى الضريبة تُدفع

- سليم باشا النجار فاكرني بلعب بعمته العظيمة .. ميعرفش إن عمته هى اللى بتلعب بيا

لم يعد يرى أمامه هذه اللحظة حبه لها ، تلك اللحظات الجميلة التي عاشها معها متعانقين الجسد والروح ولا حتى دموعها التي لا تتوقف عن ذرفها في صمت، لم يعد يرى إلا طعناتها الكثيرة.. وضعه في خانة اللاشئ

- وصلتي لهدفك من علاقتنا مش كده، فاكراني هسيبلك ابني.. اوعي تفكري يا خديجة إني هكون راجل رحيم معاكي، زي ما ابن اخوكي عمل مع شهيرة الأسيوطي وبنته هعمل، لنكون سوا ونربي الطفل، لهاخده منك بالأجبار

توقفت دموعها عن الهطول تنظر إليه في صدمة، هل سيأخذ منها طفلها ويحرمها منه إذا كتب له الحياة

- أنتِ اللي وصلتيني لكده، خلتيني راجل مسواش في نظر الكل..

- أمير
خرج صوتها مُهتزًا يحمل الرجفة كحال جسدها، تُطالعه في ندم ولكنها مرغمة على البعد ..
حامد سيقتله، سيضيع عمره بسببها،.. ماذا ستُخبر طفلها أنها كانت السبب في موت والده لأنها كانت أنانية

- كام راجل كان قبلي ولعبتي بي يا خديجة، المرادي مش هصدق دموعك.. لأنك كدابه

انحبست أنفاسها، تغمض عيناها بقوة..تهز رأسها رافضة

- كام واحد خدعتي فيكي، كام واحد خلتي يحبك وبعدين لدعتي

- كفاية يا أمير، ارجوك كفاية..

- حامد الأسيوطي كان هنا ليه، أكيد كان واحد منهم.. تفتكري معرفتش قصتكم القديمة

....

ارتسم الذهول فوق ملامح جنات تلتف بجسدها نحو التي تقدمت منهن،
علقت عيناها بكف شهيرة الممدود نحو فتون التي لم تقل دهشتها عنها

- اسمحيلي اهنيكي يا فتون.. كنتي مؤثرة النهاردة.. رغم إن الفكرة مش جديده وكتير بيقدم النموذج ده من المساعدات إلا إنك حركتي مشاعرنا بالنماذج النسائية اللي
عرضتيها

احتلت ابتسامة واسعة شفتي فتون، شهيرة تلك المرأة التي دوماً تراها شبيها لخديجة النجار في قوتها وحنكتها, تأتي لتُهنئها وترسم فوق شفتيها ابتسامة خفيفة لا يوجد بها إصطناع، بالتأكيد هى صارت تحلم بنسخة جديدة من شهيرة، لن تنكر أن شهيرة منذ فترة قصيرة وباتت علاقتها معها يُغلفها الاحترام حتى لو لم يكن هناك بينهم ود حقيقي

- سيدة أعمال عظيمة زيك تقولي الكلام ده, فأنا كده اتأكدت إني نجحت

ارتفعت زاوية شفتي جنات في تعجب أشد، تدور بعينيها بينهم.. ، شهيرة الأسيوطي تنفلت منها ضحكة خافتة بعدما اعجبها هذا المديح وفتون تمدحها ببضعة كلمات ادهشتها

- مجامله لطيفه منك يا فتون

" مجاملة لطيفة".. ازداد ذهول جنات، هناك شئ تغير في الحياة لتكون شهيرة الأسيوطي لطيفة هكذا مع فتون دون أن تنظر لها بتلك النظرة الدُوْنيّة

- خديجة عندها تمرين بكره في النادي يا فتون.. ممكن تكوني معاها وياريت لو سليم كمان يكون معاكي.. البنت بتفرح أوي بوجوده.. أنا للأسف مضطره أسافر بكره هولندا

رغم التعجب الذي ارتسم فوق ملامح فتون من طلبها إلا أنها أسرعت في تحريك رأسها موافقة

ابتعدت شهيرة عنهم واتجهت نحو تجمع بعض رجال الأعمال ومن ضمنهم كان ماهر، الذي صار التقرب منه خطوة يسعى إليها الجميع

ضاقت عينين سليم وهو ينظر نحو التقارب الذي صار واضح بين طليقته وهذا الرجل

- هتفضلي واقفة كده يا فتون، روحي قربي من سليم.. مش شايفه نظرته على شهيرة والراجل اللي معاها إزاي

هتفت بها جنات بعدما وجدت صديقتها انشغلت في إرتشاف كأس العصير تفكر في تغير شهيرة معها

- تفتكري يا جنات.. شهيرة فعلا اتغيرت معايا ومش بتمثل عليا ..اصل عمرها محبتني وديماً كانت شيفاني قليلة

استاءت نظرات جنات تنظر إليها حانقة

- فتون ركزي معايا، وانتبهي على نظرات سليم لطليقته... الرجاله بطبيعتهم ديما بيكونوا عايزين يكون رقم واحد.., وأنتِ عارفه شهيرة عملت إيه عشان تعرف ترجعه ليها.., دلوقتي هى رجعت لحياتها من جديد ومبقاش من أولوياتها لا وكمان في راجل تاني بقى ملازمها.. وأنتِ بتفكري في تغيرها المفاجأ معاكي

جنات أخذت تتحدث وفتون وقفت تنظر إلى ما كان غائب عن عينيها

- وهى دلوقتي حطته ورا ضهرها، وسليم مبيحبش يتعامل كده.. شايفاه بيتكلم معاها بابتسامة إزاي وأنا واقفة جانبك بشرب العصير

وجنات تضيف بالكلمات دون أن تنتبه لذلك الواقف خلفها، يستمع لنصائحها التي لا تطبقها في حياتها ترتسم فوق شفتيه ابتسامة ساخرة

- اتحركي يا فتون واتعملي بذكاء، الذكي بس هو اللي بقى يكسب في الحياة..

- عندك حق يا جنات

أندفعت فتون نحو هدفها تتمسك بذراعه مما ادهشة، فطالعها بابتسامة حانية يضمها إليه هامساً في أذنها

- النهاردة كنتِ هايلة يا حببتي وطالعه زي القمر

طالعته بابتسامة واسعة، هذا الرجل يُطفئ حنقها منه من بضعة كلمات يداعب بها أنوثتها

تعلقت عينين شهيرة بهم، تطرق رأسها أرضاً لعلها تتمكن من السيطرة على مشاعرها تُذكر نفسها إنها انسحبت من حرب كانت هى الخاسرة ولكن الأن هى الرابحة بوجود صغيرتها معها وتعويض بعض الخسائر الفادحة التي وضعها بها حامد.

ارتفعت أنفاس الواقف جوارها في حنق، يقبض فوق كفيه بقوة.. يقسم داخله إنها ستكون له، سينال شهيرة الاسيوطي ثم يُلقي بها خارج حياته وخارج الشركه التي لم يعد لها فيها إلا أسهم قليلة،
توعد بالكثير ولكنه نسى أن الانتقام والحب لا يجتمعان

......

- صاحبتك ناصحة وبتسمع الكلام وراحت جانب جوزها تقف جانبه في وداعة، صدقت النهاردة إن سليم النجار محظوظ

تمتم بها كاظم ثم ارتشف بضعة قطرات من كأس عصيره متجاهلاً التفافها نحوه وتلك النظرة التي تُطالعه بها
وقفت صامته دون حديث، كاظم يتعامل معها ببرود..

- ممكن نمشي يا كاظم لأني بدأت اتعب

تلاشى الجمود الذي يُغلف ملامحه ينظر إليها في قلق اطرب قلبها

- مالك، حاسه ب إيه.. ليل نهار شغله بالك بكل حاجه وناسيه إنك حامل.. طبعا ابني ميفرقش معاكي يا جنات

توقفت عن السير جواره تنظر لذراعه الملتف حول خصرها وتلك اللهفة لن تخونها عيناها في رؤيتها، ولكن ها هو لا يُكمل حديث إلا وبه بعض الغلظة

- اه أنت خلتني طايره لسابع سما بلهفتك وفجأة نزلت لسابع أرض .. ديما مافيش حاجه بتكملها

زفر أنفاسه حانقًا يُحاول تذكر حديثه وسرعان ما كان يُحركها أمامه برفق، فهو هكذا لا يُجمل ولا يُرتب حديثه عليها تقبله في جميع أحواله..
، هو لن يتغير من ليله وضحاها.. ليس رجل كامل أو دنجوان مع النساء ليمطرها بكلمات الغزل بالوقت المناسب.., فكلمات غزله لا تخرج إلا عندما يكونوا معًا، تكون بين ذراعيه ينهل منها كالعطش.. وضائع مع همساتها ونبرتها الناعمه..،هو مختلف في مكان واحد..

- أمشي يا جنات مش هنتجادل هنا

سارت معها في صمت وجدته هو الأفضل حتى تمر هذه الليلة على خير

......

دارت بعينيها بالمكان تبحث عن جنات، فلا أثر لها ولا زوجها.. ضاقت عيناها في حيرة، فهل غادروا هكذا مبكراً، أو ربما حدث شئ..

تعالت ضربات قلبها تخشى أن يكون حدث شئ سئ مع خديجة، فجنات أخبرتها أن أمير سيدخل المنزل بمساعدتهم أو دون

- فتون سرحتي في إيه

تمتم سليم ولكن لم ينتظر جوابها، فرغماً عنه وجد أحدهم يتقدم منه.. فذهب لتحيته بنفسه

تعلقت عيناها به للحظات وسرعان ما كانت تتذكر أمر هاتفها، ف السيدة ألفت أخبرتها إذا حدث شئ هام ستهاتفها هى أولاً قبل أن يصل الأمر لسليم، إنها في حالة من النسيان باتت مؤخراً تُلازمها

أسرعت في إخراج هاتفها لتجد مكالمتين من السيدة ألفت وبالطبع لم تسمع رنين الهاتف لشدة الصخب حولها

رفعت طرف فستانها قليلاً لتسير خارج القاعة، فعليها مهاتفتها ولكن الرنين اخذ يتعالا تنظر لرقم جنات في قلق فعلى ما يبدو تنتظرها كارثة، ليتها لم تسمح لهذا الرجل الدخول للمنزل بعلمها دون أن تبلغ سليم بما ارادت أن تُحيكه من خلفه

- فتون.. هنعمل إيه في حجز الجناح.. كل حاجه عملناها في الخطه باظت وبسببي

حدقها كاظم بنظرة خاطفة ارعبتها، جعلتها تسرع في كتم فمها.. يُحرك رأسه يائساً منها

- عندي فكره حلوه.. روحي أنتِ وكاظم واه تحسنوا الأمور اللي بينكم

استدارت جنات برأسها نصف استداره ترمقه بنظرة خاطفة وقد رحبت بالفكره ولكن نظراته الجامدة نحو الطريق جعلتها تزفر أنفاسها لا تعرف اتلوم حالها أم تلومه

- انسي الموضوع يا فتون، ياريت بس تتصلي بمدام ألفت تطمني على الوضع لأن أمير تليفونه مغلق..

توقف كاظم بالسيارة دون أن تنتبه أن السيارة عبرت من البوابه بعد أن تعالا بوقها ، فعقلها كان شرد في دائرة واحدة تدور بها مع هذا الرجل ولكنها هي من اختارت هذا الطريق منذ البداية،
اختارت رجل صعب الطباع.. رجل لا يعرف أن يُجمل حديثه ، يُحاول أن يظهر لها قسوته ولكن عيناه تفضحه.. ولن تكون كاذبة كاظم صار رجل أخر معها يتحمل نوبات جنونها في صبر تتسأل من أين له به وهى من تعرفه

- يعني لو سرحانه في نتيجة خطتك، فاحب ابشرك الموضوع اتعقد اكتر

تجعدت ملامحها في حيرة، فعن ماذا يتحدث وعن أي نتيجة يُخبرها بها

- خديجة النجار لو عايزه الاستاذ اللي فاكرني ضده ومش عارف يعني إيه راجل يكون عاشق لست فيها حته منه يبقى هيفضل طول عمره مزروع جواه الكره مني وفاكر إني بكرهه هو و مهيار زي ما بكره جودة ومنال، اخواتي ملهومش دعوة بكرهي للست والراجل ده، اتفضلي انزلي يا جنات

استمرت في تحديقها به، هى كانت منذ لحظات في حرب مع مشاعرها نحوه

- جنات قولت أنزلي وياريت زي ما قولتلك اطلعي بره الحكاية ديه

- كاظم.. أنا

ابتلعت لعابها, تراه قد اشاح وجهه عنها بنفذ صبر وقد تعالا رنين هاتفه تتذكر تلك المكالمة التي أتته بعدما غادروا الفندق المقام به الحفل وظل لدقائق يتحدث بملامح غاضبه وهى جلست تطالعه من نافذة السيارة

ترجلت من السيارة بعدما شعرت بفروغ صبره تتعلق عيناها بسيارته وهى تعبر البوابه ثم انغلقت بعدما غادر

....

- يعني هي كويسه دلوقتي يا مدام ألفت

زفرت السيدة ألفت أنفاسها بثقل من هذا اليوم الثقيل الذي مر عليها تجلس فوق أحد المقعد بالمطبخ

- كانت منهارة جامد بعد ما مشي.. لولا خوفها على الجنين بعد ما الدكتور قالها إن ارتفاع ضغط الدم غلط.. كان الموضوع بقى صعب وفقدت الطفل.. هى نبهت عليا انبه على الخدم وحارس الأمن إن محدش يتكلم ويقول حاجه لسليم بيه حتى زيارة حامد بيه أخو شهيرة هانم

- متعرفيش ليه الراجل ده كان موجود.. الراجل ده شكله ميطمنش يا مدام ألفت.. بحس إنه بيكره سليم واكيد ليه نفس المشاعر اتجاه خديجة

- معرفش يا بنتي

تمتم بها السيدة ألفت في حيرة، فلم يسمع أحد ما دار بينهم من حديث

- طيب وديدا كانت صاحية لما كل ده حصل

حركت السيدة ألفت يدها نحو جبينها تمسده من شدة إرهاقها

- صحيت مع وجود أمير بيه.. لكن خليت واحده من الخدم تفضل جانبها عشان متنتبهش على حاجة

أعادت فتون الهاتف في حقيبتها زافرة أنفاسها.. تشعر بالتخبط تتسأل داخلها، ماذا حدث لينتهي هذا اللقاء بتلك الطريقة

- مرات حسن السواق وبعدين زوجة سليم النجار.. يا له من حظ او يمكن نقول شطاره وعرفتي تضحكي على سليم النجار

الصوت اخترق أذنيها، إنه صوت استمعت لنبرته من قبل.. صوت صارت تسمعه كل بضعة أيام من أرقام مختلفه.. صوت تشعر إنها تعرف صاحبه ولكن صورته ضائعة عن ذهنها، ف حسن مات و الرجل الذي كان صديقه أخبرها سليم إنه لن يستطيع الاقتراب منها

استدرات بجسدها تتمنى ألا ترى الماضي في عينين هذا الرجل وبعينين متسعتين حملقت به تتراجع للخلف بأقدام مرتعشة، الرجل الذي حاول ذات ليلة أن يغتصبها

التمعت عينين مسعد بنظرات متسلية، الايام الماضية جعلها في شك دائم.. حتى صارت تظن أن حسن مازال حي

- فتون مرات حسن بقت هانم من الهوانم.. يااا لو حسن كان عايش.. كان شاف بنفسه وصلك لفين

تأمل مسعد المكان حوله، هو صار من هؤلاء الناس الذين يدلفون لتلك الأماكن.. لقد اخذ بهم الزمن جميعًا من مكان لأخر

- أنت

بأبتسامة سمِجة أجابها يتفرس ملامحها وجسدها

- مسعد يا فتون.. ،اكيد عمرك ما هتنسيني.. ولا أنا عمري ما هنساكي

تراجعت للخلف تلتف حولها تبحث عن سليم، لقد اتضح لها من هو صاحب تلك المكالمات التي أخبرتها جنات ربما تكون عن طريق المرأة المسماه دينا صديقة شهيرة .. رغم أن هذه المرأة اختفت عن الانظار مؤخراً

- أنت عايز مني إيه؟

- عايزك يا فتون

نطقها يتلذذ في مذاق الكلمه يُحرك لسانه فوق شفتيه، يتذكر ذلك المقطع الذي أعطاه له أحد الأشخاص بعدما التقى به صدفة منذ أسبوع , ومع حديثهم سوياً اخبره الرجل بذهن غائب وهو يرتشف الخمر، أن حسن يشوي بنيران جهنم.. و هو كان كالثعلب التقط الخيط وفهم بعدها كل شئ

ارتفعت حرارة جسده، رغم إنه مقطع واحد حصل عليه لان حسن لم يفعل هذا الأمر إلا مرة واحدة

- يا ترى أنتِ مطيعة مع سليم النجار زي ما كنتي مع حسن

عض مسعد فوق شفتيه، يتذكر التفاصيل والالفاظ التي كان يسبها بها حسن وهى تنفذ له كل شئ في طاعة

ارتفعت أنفاسها عاليًا وازداد شحوبها، فما الذي يتحدث عنه.. صوتها خرج مهتزًا

- أنت بتتكلم عن إيه؟

والجواب كان يمنحه لها ببساطة من مجرد ضغطه على زر هاتفه.. وقد تعالا رنين هاتفها بتلك النغمة المخصصة للرسائل

.....

توقفت كاميليا عن تناول الطعام، فلم تعد تقوى على إبتلاعه، طالعتها ملك تنظر للمعلقة الممدودة, فمنذ لحظات كانت تتناول منها الطعام بشهية استعجبتها ميادة التي غادرت الغرفة لتُجيب على هاتفها

- لازم تاكلي كويس.. عشان العلاج.. كاميليا هانم اللي نعرفها ست قوية مش هتستسلم للمرض

انهارت كاميليا بالبكاء، فمن جارت عليها يوماً وظلمتها وتحالفت مع شقيقتها في أذيتها.. تُطعمها بيديها لا تتحدث عن أي شئ من الماضي

- كاميليا هانم بتعيطي ليه بس

أسرعت ملك في وضع معلقة الطعام وازاحت صنية الطعام جانباً

- كاميليا هانم

أندفعت ميادة لداخل الغرفة تتعجب من بكاء والدتها تنظر نحو ملك التي أخذت تهز رأسها.. فهى لا تعرف ماذا حدث لها فجأة

- سامحيني..

همهمت كاميليا بها بصوت ضعيف تُقاوم ثقل لسانها تنظر نحو أبنتها راجية أن تجعلها تُسامحها

غادرت ملك الغرفة تذرف دموعها ، تعالا رنين هاتفها تتعجب من مكالمة جسار لها في هذا الوقت..

- جسار، بسمه فيها حاجه

خرج صوتها مخنوق، فابتلع جسار لعابه ينظر نحو الغافية فوق فراشه وقد نامت بصعوبة بعدما أقنعها أنه بخير ولن يموت من طعنتها

- صوتك مخنوق يا ملك

- مش عارفه يا جسار

اغمض عيناه في حيرة، أيُخبرها ان تتعجل في العودة لبيت المزرعة ليجلب لها بسمة أم تأتي هى لهنا, ولكن صوتها جعله يتراجع، ملك مازالت تتعافى من كل ما حدث لها، يعلم إنها قوية وستتجاوز ولكنها بشر

- جسار أنا يومين وهرجع بيت المزرعة في الفيوم، هستنا بسمة تجيبها عندي.. أنت عارف إن بيتي هيفضل مفتوح ليها..

استطردت ملك في حديثها وقد علقت عيناه بالصغير الذي اقترب منها يحمل لعبته

- بكره هتصل اكلمها واوعي تقولي نايمة..أنا مش عارفه ليه تليفونها مقفول حتى ميادة بتحاول تتصل بيها عشان شغلها..

....

- مبقاش بيني وبين الست ديه غير العداوة، وابني لما يتولد هعرف اخده منها..

تمتم بها أمير يدور حول نفسه دون هوادة ومازال صدى عبارتها يتردد داخله

" أيوة أنا هدفي من جوازي منك, إني اخلف طفل وأنت كنت اكتر راجل مناسب افهم بقى.. أنا مبحبكش يا أمير، أنا خديجة النجار تفتكر هحب واحد زيك لولا فلوس اخوه مكنش بقى حاجة "

التقطه كاظم من ملابسه يدفعه فوق الأريكة، فمن التي يتوعد لها.. خديجة النجار

- أنت واعي لنفسك بتتكلم عن عيلة مين يا استاذ، اعقل كده.. وخليك راجل لمرة

ارتفعت شفتيه في تهكم، فهو معها كان رجلًا بحق.. صار يعمل بجد، يتحمل كاظم وضغطه عليه حتى يثبت نفسه والأن يخبره أن يكون رجلًا

- أنا معاها كنت راجل في مواقف كتير، الست الوحيده اللي حبيت اثبت ليكم معاها إني بقيت شخص تاني

أسرعت مهيار شقيقته نحوه, تضمها إليه تنظر نحو كاظم

- كاظم الوضع ده لازم يتحل، بقى في طفل خلاص بينهم.. من الأول مفكرتش ليه في سمعتها، مش كفايه إنها في عمري..

تراجع كاظم بخطوات رتيبة يمسح فوق خصلات شعره، لقاء أمير وخديجة بالتأكيد كان كارثي..

وقفت منال تتبع ما يحدث تطرق الأرض بعصائتها فعليها زيارة تلك المرأة التي دفن صغيرها الحبيب عمره معها ولولا أموالها ما كانت قبلت تلك الزيجة

.....

نفث دخان سيجارته شارد الذهن يُطالع ظلمة السماء أمامه، أيعقل إنه احبها, فصار الذنب قوي على عاتقة.. يشعر بالأختناق وهو يراها تتحول لجسد دون روح ..

ارتسم الهلع فوق ملامحه، يستمع لصوت شهقاتها الخافتة..

اسرع في سحق عقب سيجارته أسفل قدمه، ووقف عاجز عن فعل شئ وهو يراها ملتصقة بالجدار تدفن رأسها بين ركبتيها بتلك الوضيعة التي باتت تمزقه ..

بخطوات تحمل العجز ، اقترب منها.. يتمالك مرارة غصته

- قوليلي أعمل إيه وأنا اعمله، جرعات العلاج الكتير غلط عليكي حالياً لحد ما نتأكد إن مافيش حمل .. والدكتوره شايفه تحسنك بوجودك مع ملك في الأول.. يومين وهاخدك ليها صدقيني

انسابت دموعها في صمت، تُريد الصراخ وإخباره إنها ليست مريضة ولكنها لم تعد محاربة مناضلة مع الحياة كما كانت،
لقد فقدت القدرة وضاع الأمل

- بسمة طيب بصيلي، أنا عارف إني كمان زيهم

حركت جسدها رافضة النظر إليه، فاغمض عيناه في يأس يزفر أنفاسه..
تعلقت عيناه بجرح كفه ونظر إليها.. لعله يستطيع جذبها بالحديث

- جرح ايدي بيوجعني يا بسمه

رفعت رأسها نحوه في لهفة .. تنظر لكف يده بأهداب علقت بها الدموع، تهز رأسها له في أسف وندم

لم يشعر بنفسه إلا وهو يضمها إليه بقوه، راغبًا في صفع نفسه.. حتى وهى تتألم.. تعتذر في صمت عما سببته

- لو تعرفي أد إيه أنا بتألم.. هاخدلك حقك حتى من نفسي.. بس ارجعي اضحكي تاني و حربي الحياة وحربي قلبي المغفل..

غفت في جلستها بين ذراعيه رغم خوفها ولكنها في النهاية كانت تستسلم إليه

حملها بين ذراعيه واتجه بها نحو الفراش يضعها فوقه برفق، ينظر نحو ملامحها الناعمة التي باتت شاحبة..

جلس جوارها يرغب في لملمت شعرها من فوق جبهتها حتى تنام براحة، شعر بالتردد قليلاً يخشى أن تنتفض مفزوعة من لمسته

استمر في هذا الصراع حتى انتظمت أنفاسها، وببطئ اخذت يده تُلملم خصلاتها.. يمسح بيده فوق رأسها

وضع برأسه فوق الوسادة جوارها ينظر إليها يستكشف ملامحها التي كان يهرب منها حتى لا يُحبها

- ما انا مكنش ينفع أحبك يا بسمه، أنا مينفعش احب ست.. بخسر ديما مع الحب، اختيار العقل بيريح

يده سارت تنتقل فوق ملامحها يطبق فوق جفنيه بقوة، دائماً هو خاسر في معارك الحب، ليست زوجته الأولى.. حتى تلك الفتاة التي احبها وهو في عامه الأخير في كلية الشرطة، الكل يخرج من حياته دون وداع.

فتحت عيناها وقد انتفض جسدها، تظن أن من تلسمها هى تلك الفتاة
توقفت يده عن الحركة فوق وجهها، لقد طالت لمساته وسرح مع أفكاره دون أن ينتبه

.....

جالت ببصرها تبحث عن حقيبتها بعدما غادر سليم الغرفة، وقد استعادت توازنها وغادر الشحوب وجهها قليلًا رغم المرارة التي صارت بحلقها ومازال حديثها يقتحم ذاكرتها

اخذت تنفض رأسها عما رأته، هذا الرجل كاذب.. ليست هى التي رأتها في الفيديو، الصورة كانت مشوشة على وجوههم

عادت الدموع تغزو مقلتيها، ولكن نفس الغرفة ونفس الفراش ونفس كل شئ من تفاصيل مقززة كان يُجبرها على فعلها

تعالت شهقاتها في قهر ثم أسرعت تكتم فمها..

أسرعت في النهوض من فوق الفراش، وقد انتهى أخيراً ذلك المحلول المعلق بذراعها

- فتون

تراجعت عن التقاط حقيبتها تنظر إليه تُقاوم رجفة جسدها وسرعان ما كانت تعود عيناها نحو حقيبتها تبتعد عن عيناه تخشى الأنهيار أمامه

اقترب منها يسحبها لصدره يسحقها بين ذراعيه غير مصدقً ما زفه إليه الطبيب

- أنا مش مصدق يا فتون

تجمد جسدها بين ذراعيه، فما الذي لا يُصدقه .. اغمضت عيناها لا تقوى على تحمل ما رأته وسمعته .. لقد تدمر كل شئ وأصبح الظلام وحده ما يُغلف حياتها

- اخيراً حلمي اتحقق وهيكون ليا طفل منك يا فتون

يتبع بإذن الله ( قراءة ممتعة)
*****


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close