رواية لمن القرار الخاتمة الخامسة 5 بقلم سهام صادق
الخاتمة (5)
****
+
سرد لها عن جميع ذكرياته بالماضي؛ فالماضي رغم ذكرياته المؤلمة إلا أن ذكريات شبابه كانت به، حكي لها عن زوجته الأولى وعن ذكرى حادثته التي لقت فيها زوجته حتفها وإصابته بعدها بالعمى، غادر وظيفته مع تكريم وشهادة فخر عن جهده بالشرطة، عالم من الظلام احتل حياته أربعة أعوام رفض فيها العيش ثم ظهور "ملك" ومساعدتها له ومساعدته لها لتخرج هي الأخرى من محنتها.
+
العمر سرقه الألم والحزن الذي غلف فؤاده وليس مستعدًا ليُسرق بقية العمر منه فلم يعد إلا في أواخر العقد الرابع من عمره.
+
عيناه تعلقت بها بعدما توقف عن سرد الذكريات التي اضحكته والتي تجرع معها معنى الألم.
+
- خليني أعوضك وأعوض نفسي معاكِ ومع ابننا يا "بسمة" ، أنا عارف أني بظلمك معايا.
+
توقف عن الحديث يزدرد لعابه؛ ففارق العمر بينهم أصبح يخشاه الأن خاصة وقد أجبرها على أول ليلة بينهم بعدما صارت زوجته وتلاقت أجسادهم.
+
اكتملت خطوات سيرهم بالصمت حتى ذلك الغداء الشهي الذي أعدته لهم السيدة "سعاد" قد نال منه صمتهم.
+
انقضى بقية اليوم حتى أسدل الليل عتمته وقد انعزل هو بين أرفف مكتبته يفر في صفحات أحد كتبه المفضلة ولكنه اليوم شارد بين أسطره.
+
أما هي انعزلت في الحديث مع طبيبتها كما اتفقوا أن تتواصل معها كلما رغبت في وصف تلك المشاعر التي تجتاحها مؤخرًا.
+
- وليه يا "بسمة" مش مصدقة إنك مهمه عنده وكل اللي بيحركه ناحيتك الحب، جوزك مش راجل قلبه بيتحكم بيه.
+
صمتت الطبيبة "هالة" للحظات تدلك ما بين جفنيها ثم عادت تنظر نحو شاشة هاتفها لتُكمل محادثتها معها عبر أحد التطبيقات.
+
- من واقع تعاملي مع جوزك.. عقله دايمًا المتحكم فيه ولو اتحكمت فيه رغبته للحظات بيحطها قدام كرامته.. ولأنه راجل بيتبع قرارت عقله بيقدر يتخلى و ردة فعله بتكون قاسية لكن كل اللي بتحكيه في علاقتكم شايفه إنه معاكي بيتبع قلبه يمكن في الأول قلبه كان رافضك لكن خلينا نكون واقعين ونقول الحقيقة لنفسنا.. كل اللي عيشتوه مع بعض خلىٰ كل واحد فيكم يعرف مشاعره صح، هو عرف إنه الحب ميعرفش قوانين المظاهر الإجتماعية.. وأنتِ عرفتي إنك مميزة وجميله وحلم أي راجل وعمرك ما كنت قليلة أنتِ اللي حاوطي نفسك في إطار الضعف.
+
- أنا عمري ما كنت مميزة ولا عمر حد بصلي إني جميله وهو هيجي في يوم يكتشف إنه غلطان زي ما اكتشف مع طليقته وقبلها "ملك".
+
- عقلك بيقتنع بكل كلمه بتنطقيها يا "بسمة" ، أقتنعتي أنك مش مهمه عند حد، اقتنعتي إنك من غير مساعده الناس مش هتكوني حاجة، اقتنعتي إنك ضعيفة وإنك مهمشه، عايزه تكوني حاجة وأنتِ شايفة إن المجتمع شايفك بنت فقيرة أخوها رد سجون.
+
ارتسمت علامات الألم فوق ملامحها، فخرجت زفرات الطبيبة "هاله" على دفعات متتالية تُدرك بعدها أن جلساتهم مازالت طويلة.
+
- شوفتي اتألمتي إزاي، عشان كل كلمة قولتها مسيطره عليكِ.. أنتِ من غير ما تحسي بتأذي نفسك.
+
لم يكن حديث الطبيبة "هالة" إلا صورة منكسة مما تراه بوضوح في حياة مريضتها، "بسمة" مازالت ترى حالها مجرد لا شيء في الحياة وربما يأخذها الأمر لتعيش دور الضحية طيلة حياتها.
+
كادت أن تغلق "بسمة" هاتفها بعدما شعرت بالإختناق من تلك الحقيقة المريرة التي لا تستطيع الهروب منها ولكنهم رسخوا داخل روحها أنها لا شيء، أنها مجرد نكرة فكيف لها أن تستطيع محو كل شيء ببساطة.
+
- "بسمة" لحظة هبعتلك فيديو عايزاكي تشوفيه، لأني متأكدة إنك مشوفتيش المنتشر مؤخرًا على صفحات التواصل الإجتماعي.
+
ارتسم الفضول فوق ملامحها وانتظرت ما ترغب الطبيبة "هالة" في رؤيتها له.
+
رعشة أصابة جسدها وهي ترى تلك التي صدمتها بحقيقة واقع كانت تجهلها، واقع عندما فقد أهله الإيمان عادوا لعصور الظلام والهلاك.
+
لم يكن مقطع واحد بعثته لها الطبيبة "هالة" بل كانوا مقطعين، مقطع تصيح فيه تلك المدعوة ب "عايدة" نحو الحرية لميول ابتدعها الإنسان رافضًا فطرته التي خلقه الله عليها ومقطع أخر لحادث رغم ظنك لوهلة أن لا أحد سينجوا منه إلا أن الجميع قد نجا إلا تلك التي جهرت معترضة بفطرة الله وحدوده.
5
أعادت الطبيبة "هالة" الإتصال بها بعدما رأت أن رسائلها -التي لحقت بمقاطع الڤيديو- قد رأتها ولم تُجيب عليها.
+
- "بسمة" أنا مش عارفه ليه بعتلك مقطعين الڤيديو لكن حبيت أشاركك واقع أليم كنتِ ممكن تسقطي في وحله زي ما ناس وقعت وصدقت وأيدت شعار لحرية هلكت في زمن رجع تاني لضعف إيمان البشر.
...
2
زفر "جسار" أنفاسه بقوة بعدما أغلق ذلك الكتاب الذي مهما حاول الإندماج مع سطوره كان عقله غائبًا معها يتسأل هل غفت، أم مازالت مستيقظة؟
+
أخيرًا قرر النهوض والصعود إليها؛ فكلاهما لم يعدوا بحاجة للإنعزال.
+
ابتسامة واسعة احتلت شفتيه بعدما وجدها تضحك بقوة وهي تُحادث "ملك" التي تُخبرها متذمرة عن غيرة "رسلان" من والده وصغيره؛ فهي تهتم بالجميع إلا هو.
+
- ده بيزعل لو مقولتلهوش بحبك قبل ما ينام،عايزني مهتمش غير.
+
شهقة عالية خرجت عن "ملك" بعدما التقط منها "رسلان" الهاتف وتمتم بإعتذار قبل أن يغلقه.
+
- طيب ضحكيني معاكِ.
+
أجفلها صوته وتعلقت عيناها بعينيه.
+
- "ملك" طبعاً الوحيدة اللي بتعرفي تضحكي معاها لكن جوزك حبيبك، ليه بس البعد دا.
+
«زوجها وحبيبها وحبيبتي»
+
مرادفات صار ينطقها وصارت دقات قلبها تخفق معها.
+
اقترب منها بخطوات هادئة ينظر إليها بحب لا يعلم متى وكيف أحتل فؤاده نحوها.
+
توترت وهي تقبض فوق هاتفها بأحد أيديها وباليد الأخرى قبضت فوق لباس الصلاة.
+
- عندي فضول أعرف كنتِ بتضحكي من قلبك على إيه مع "ملك" يمكن أفهم إزاي أعرف أخليكي سعيدة.
+
ازدادت سرعة قلبها خفقانًا وقد صارت محاصرة بين ذراعيه.
+
- كانت بتحكيلي عن "رسلان" وغيرته من ابنه.
+
عيناه سارت بتباطئ فوق ملامحها المسترخية ثم ازدرادها للعابها ثم شفتيها، لم يتركها لتستمر في حديثها عن محادثتها مع "ملك" بعدما أنهت جلستها مع الطبيبة "هالة".
+
أجتذبها له ؛فصارت المسافة بينهم منعدمة تشعر بأنفاسه تغزو أوصالها تُغمض عيناها منتظرة ما هو مقبل عليه.
+
قُبلات تعلم أنه سينثرها فوق سائر ملامحها فتضعف قواها ويرتخي جسدها تُسلم له حصونها طواعيه ثم يسير بها نحو الفراش وتعيش نفس الحرب التي تعيشها مع نفسها كلما انتهى منها.
+
الثواني مرت ولا شىء حدث كما توقعت؛ فكفيه فقط ما احتضنت وجهها وقد خانها اليوم ما ظنته.
+
- نفسي أقدر أمحي نظرة الخوف منك ولا أحس برجفتك بين أيديا، نفسي أرجع أشوف نظرات عيونك ليا اللي ضيعتها بغبائي.
+
ضمها إليه بقوة لعله يُشعرها بصدق حديثه ومشاعره، جفنيها أرتخو بترحيب لذلك الشعور الذي صارت تشعر به كلما استمعت لصوت نبضات قلبه.
+
وصوت يدوي في أعماقها هي ليست سلعة وليست بقليلة، هي امرأة كامله لا ينقصها شىء وها هو حُلم من أحلامها يتحقق، حُلم تحقق بعد رحلة طويلة علّمتها أن من يعيش دور الضحية متنازل عن حقه يترجى من الناس نظرات عطفهم ويتوسل حبهم لا يقتات إلا القليل وقت ما يرغبون.
+
تنهيدة طويلة خرجت عنها ترفع عيناها نحوه مبتسمة؛ فتراجع عنها ينظر إليها مدهوشًا من نظراتها إليه وتلك الإبتسامة التي ترتسم فوق ملامحها وصارت أقصى أمانيه.
+
- عايزه أكل فشار.
+
انفرجت شفتيه قليلاً لبرهة وضاقت عيناه يُحاول فهم ما هتفت به للتو متمتمًا.
+
- فشار؟
5
ورحلة البحث عن ذرة الفشار بالقرية استغرقت ما يُقارب الساعه.
+
لهفته وهي تركض نحوه بعدما عاد بكيس الذرة جعلته ينسى حنقه لا يُصدق أنه خرج من المنزل في تلك الساعة المتأخرة من أجل البحث عن الذرة.
+
احتضنت الكيس بسعادة حقيقية تتخيل مذاق الفشار في فمها مع فيلم من الأفلام التاريخية.
+
- أنا حاسه بطعمه وريحته من قبل ما يتعمل.
+
ابتعدت عنه تتمتم بكلماتها ينظر إليها بعدما ابتعدت عنه، فبعد رحلة بحثه الطويلة عن ذرة الفشار تتركه هكذا دون كلمة شكر أو ربما قُبلة.
+
باستهجان تمتم بعدما كان يتوق بالفعل لعناق وقُبلة فور عودته.
+
- قُبلة؟ طموحاتك بقت عالية يا ابن "عبدالرحمن الراجي".
3
نفض تلك الأحلام عن رأسه زافرًا أنفاسه بقوة؛ فهو يعلم أن ما يطمح له ليس بالمستحيل ولكنه يحتاج بعض الوقت.
+
توقف خلفها وهي تصنع حبات الفشار منتظرة مضي الدقائق بفارغ الصبر، فالرائحة تداعب أنفها بقوة.
+
رؤيته للهفتها وهي تضع حبات الفشار بالوعاء بعدما نضج جعل ابتسامته تتسع شيئًا فشئ ولم يكن ذلك المشهد خفي عن نظرات السيدة "سعاد" التي استيقظت عائدة للمطبخ حتى تصنع لحالها مشروبً ساخن ولكنها تراجعت لغرفتها سعيدة بما رأته.
+
- نقعد هنا ولا في أوضتنا.
+
اقترح وهو يحمل كوبين من المشروب الساخن الذي تصاعدت أخبرته يتمنى داخله أن تقبل الاقتراح الثاني.
+
- لا هنا.
+
خاب أمله وضاع تخيل أخر من أفكاره؛ فقد كان يمني نفسه أن يضمها بين ذراعيه فوق فراشهم ثم تغفو داخل أحضانه.
...
2
حدقت بالصندوق الضخم الذي تمده إليها الخادمة لا تُصدق ما تسمعه أذنيها.
+
- "كاظم" بيه بعته يا هانم.
+
انصرفت الخادمة وتركتها في حملقتها بعدما وضعته أمامها تتسأل بحيرة.
+
- يا ترى جواه إيه؟!
+
حكت ذقنها تُخمن بالشيء الموجود داخله وسرعان ما كانت تنفض رأسها؛ فلما الحيرة.
+
أسرعت في فتحه تزفر أنفاسها حانقة من تغليفه بتلك الطريقة.
+
- هفضل افتح فيك كتير لحد ما أوصل..
+
توقفت عن تذمرها تنظر للهدية المبعوثة لها تحملق بالثوب والحذاء بنظرات ذاهلة، "كاظم" أتى لها بالثوب والحذاء اللذان رغبت بشرائهم.
+
عيناها ارتكزت نحو الثوب بعدما رفعته من عُلبته تتأمله وقد شردت بذاكرتها نحو أسبوع من هذه اللحظة عندما دخل عليها الغرفة وقد انتهت من أخذ حمامها الذي لأول مرة تنعم به منذ ولادتها؛ فصغيرها اليوم كان مُراعيًا ولم يستيقظ.
+
استدارت نحوه بعد أن توقفت عن تمشيط شعرها تنظر إليه بإبتسامة واسعة.
+
- أبنك كان مؤدب النهارده يا "كاظم"، طالعلك طبعاً يا حبيبي.
4
طالعها "كاظم" بحاجب مرفوع مقتربًا منها بخطوات بطيئة.
+
- بقيتي محترفه في قذف الكلام يا حببتي، إظاهر إننا بدلنا الأدوار.
+
تهاوى بجسده فوق الفراش بإرهاق، فالأزمات الإقتصادية مؤخرًا ليست بهينة وعليه أن يأخذ قسطً سريعًا من الراحة ثم يُعود لشركته.
+
انكمشت ملامحها بإستياء من حديثه تضيق عينيها بتلك الطريقة التي تجعله يشعر وكأنه أمام قطة أوشكت على إلتهام فريستها.
+
- قربي يا حببتي وبلاش التوحش اللي بيظهر فجأة، أنتِ لا يليق بك إلا النعومة والدلال.
+
هل قرعت الطبول في قلبها للتو وارتفع صوت التهليل داخلها.
+
ملامحها المستاءة ارتخت وارتسمت فوق شفتيها ابتسامة شديدة الإتساع جعلته يُحاول جاهدًا كتم صوت قهقهته.
+
- شوفت كلامك الجميل بيخلي قلبي ينط إزاي.
+
لم ينتظر تلك الخطوة التي ستنهي المسافة بينهم؛ فالتقط يدها يجتذبها إليه.
+
- ده أنا قلبي اللي بينط وعقلي ضاع معاكِ خلاص، بقى أنا "كاظم النعماني" بقيت ما بصدق أرجع البيت وألغي أي سهره حلوه عشان اسمع منك.
«قلبي هينط مني»
+
داعبها بشفتيه فوق عنقها مستمتعًا برائحة غسول إستحمامها وضحكاتها الرنانة التي اتبعت حديثه.
+
- كده كتير على قلبي يا ابن "جودة"، الرومانسيه بتاعتك خطر عليا وممكن أتهور.
+
هذه المرة ارتفعت ضحكاته هو عاليًا لا يُصدق ما يعيشه، وقد صار مرحبًا بحديث "جلال" صديقه له.
+
« الجواز غيرك يا "كاظم" وبقيت "كاظم الساهر" مش "كاظم النعماني"»
7
- خلينا نتهور سوا يا حببتي.
+
صار مهوسًا بجنونها وهي صارت أكثر من يعرفه، جرعة من العشق نعموا بها قبل أن يستيقظ صغيرهم الذي بالفعل ستعطيه اليوم أعلى درجة في مراعاته.
+
- نص ساعه وصحيني يا "جنات"، نص ساعة.
+
تمتم بها وهو يغلق جفنيه بعدما غفا في أحضانها لتميل نحو جبينه تلثمه برفق وتُلملم من طرفي مئزرها
+
النصف ساعة مضت وقد اتبعتها ساعة أخرى ومازال غافي قربها والتهت هي في تصفح هاتفها وهز ساقيها بصغيرها الذي استيقظ والتهى مثلها في تحريك يديه وساقيه بعدما شبع وامتلئت معدته الصغيرة.
+
توقفت أصابعها عن التمرير فوق شاشة هاتفها تنظر لذلك الثوب والحذاء الذي يُجاوره بأعين منبهرة، وفي تلك اللحظة فتح "كاظم" عينيه ينظر لها ثم لساعة معصمه مصعوقًا من الوقت.
+
- هي ديه النص ساعة يا "جنات"، أنا كنت عارف.
+
أجفلها صوته -وهو ينتفض من فوق الفراش- تنظر للوقت غير مصدقة أنها التهت بهاتفها وقد مضى ساعتين.
+
وفي لحظة شرودها، التقط هو هاتفه بعدما غادرت سكرتيره مكتبه وقد شرد هو الأخر في تلك الليلة وهو يهتف متذمرًا منها بسبب تركها له غافي لهذا الوقت ولديه موعد هام، وهي أخذت تركض في عجلة من أمرها تلتقط قطع ملابسه وحذائه حتى يبدل الملابس التي عليه وغفا بها.
+
فاقت من شرودها تضغط على زر الإتصال؛ فاسرع بالإجابة.
+
- "كاظم" ده نفس الفستان اللي كنت عايزه أشتريه ، عرفت إزاي إنه عجبني.
+
تراجع بجسده مستندًا بظهره على ظهر مقعده واتسعت ابتسامته بشقاوة وقد خطفته ذاكرته نحو تلك الليلة مجدداً عندما التقط هاتفها من فوق الفراش حتى يبعده عن صغيره بعد أن تعالىٰ رنينه الذي لم يُكتمل فوقعت عيناه على صورة الثوب.
+
- العصفورة قالتلي.
+
تمتم بها مازحًا؛ فتعالت ضحكاتها تنظر نحو الثوب الذي راق لها.
+
- لا معلش خلي كمان العصفورة تقولي.
+
ارتفعت صوت ضحكاتهم معًا وقبل أن تسأله عن موعد عودته حتى تُخبرها العصفورة كيف عرف برؤيتها لذلك الثوب، صدرت عنه نحنحة خشنة هاتفًا.
+
- حببتي مضطر أقفل..
+
أنهى معها المكالمة؛ فتنهدت وهي تضم هاتفها بين قبضتيها، تنظر نحو الثوب والحذاء مرة أخرى قبل أن تلتقطهم وتنهض حتى ترتديهم لتجربتهم.
+
...
+
ثقلت أجفانه من شدة نعاسه وكاد أن يسقط برأسه فوق الوسادة لينعم بدفئ الفراش.
+
- "كاظم" أنت نمت.
+
انتفض مفزوعًا من غفوته التي لم تُكتمل ينظر إليها بتشوش.
+
- في إيه يا "جنات".
+
عاد يغمض عيناه متناسيًا سبب إصرارها على استيقاظه، بالكاد استطاعت السيطرة على غضبها.
+
ضربت الأرض بكعب حذائها العالي لعلها تستطيع إخماد غضبها؛ فهو بالفعل قد غفا وتركها دون أن يُخبرها برأيه عن الثوب.
+
- ده نام وبقى في عالم الأحلام.
+
استدارت بجسدها تزفر أنفاسها بقوة،فقد ضاع الوقت الذي قضته في ارتداء الثوب وترتيب حالها هباءً.
+
نفخت أنفاسها بقوة أشد هذه المرة مُقرره أن تُقظه فلن تشعر بالراحة إلا وهي تراه مستيقظًا.
+
التفت بجسدها عائدة إليه مستعدة لمعركتها معه، توقفت عند حافة الفراش جهته تنظر إليه وقد هدأت عاصفتها وضاع كل غضبها منه.
+
الإرهاق مرتسم فوق ملامحه بشدة وقد أخذتها عيناها نحو كل أنش بملامحه.
+
جاورته فوق الفراش تعدل من وضيعة غفيانه.
+
- "كاظم" حرك جسمك معايا عشان رقبتك.
+
استجاب لها ببطئ يرفع معها جسده؛ فابتسمت بلهاث بعدما انتهت أخيرًا من تغير وضع نومته وتغطيته.
+
تحركت يديها بخفه فوق قسمات وجهه حتى شعرت به يتلملم في حركته؛ فاسرعت تسحب يديها عنه ولكنه التقط يدها يضعها أسفل خده مهمهمًا ببضعة كلمات خافته التقطتها أذنيها.
+
- الفستان حلو يا حببتي لكنه مفصل جسمك، فهتلبسي ليا وبس.
2
تلاشى ذلك الهدوء الذي أحتل ملامحها تنظر إليه ماقته بعدما سحبت يدها عنه ترغب في خنقه بكلا يديها؛ فهو يرفعها لأعلى بحديثه ثم يسقطها أرضًا.
+
- أنت صاحي ومركز ماشي يا "كاظم" ، خد بقى المخده وخليها تنام في حضنك النهاردة عشان تعرف تفوق لحاجات وحاجات.
+
نهضت من جواره بعدما ألقت بالوسادة فوقه واتجهت نحو خزانة الملابس تلتقط منامتها تبدل الثوب متذمرة من كلماته بعدما أدركت أنها صارت ممتلئة الجسد.
+
هز رأسه يائسًا منها ينظر إليها وهي تُزرر له أزرار قميصه وتلوي شفتيها بطريقة مضحكة تجعله لا يعرف أيضحك من طريقة عبوسها الطريفة أم ينعتها بالزوجة التي لا تبحث إلا عن النكد.
+
لم تتحمل صمته؛ فهو منذ استيقاظه تنتظره أن يسألها عما بها ولكنه كالعادة يجيد الدور في كل شئ.
+
- لاء أنا مش قادرة اسكت أكتر من كدا.
+
ابتعدت عنه بعدما انتهت من ربط رابطة عنقه ترفع عيناها إليه.
+
ورغم أنه لا يستيقظ بمزاج يروق لأفعالها إلا أنه أعتاد الأمر وصار يعرف كيف ينهي الحوار لصالحه دون خسارة.
+
قُبلة خاطفة لثم بها شفتيها قبل أن ينبثق حديث لا نهاية له.
+
احتقنت ملامحها وهي تراه يبتعد عنها بابتسامة واسعة ثم استدار بجسده واتجه نحو طاولة الزينة يلتقط زجاجة العطر لينثر منها القليل.
+
- أنا قولت الفستان حلو عليكِ يا "جنات" لكنه ضيق وضيقه مخليكي فتنة.. أنتِ عايزه تكوني كده، فتنة لكل عين بتشوفك.
+
ولأنه يعرف طباع زوجته، كان يعلم أنها لن تتقبل أن تظهر بتلك الصورة.
+
- أنا مرايتك يا حببتي زي ما أنتِ مرايتي، والفستان تقدري تلبسيه في البيت أو لو جسمك نزل شوية.
+
ارتفع كلا حاجبيها تحدق بظهره ترغب بالإنقضاض عليه، فما يُثير حنقها هو معرفتها أن وزنها قد زاد قليلًا.
+
- يا حببتي زيادة وزنك دي غصب عنك، أنتِ ناسيه الحمل والولادة..
+
ثورتها التي اندلعت في عينيها أخمدها بحديثه كعادته، "كاظم" أصبح يستطيع التلاعب معها بذكائه.
+
- اقتنعت خلاص.
+
تمتمت بها وهي تجلس فوق الفراش حزينة على الثوب الذي أرادت ارتدائه في حفل سبوع صغيرها التي تأخر كثيرًا.
+
- أنا مش خسرانه حاجة، أنت اللي خسران فلوسك.
+
طالعته بشقاوة منتظرة التعليق على حديثها ولأنه صار يعرف ردودها ويفك شفراتها.. ضحك بقوة.
+
- وماله يا حببتي ادفع تاني.. هو دوري إيه غير إني ادفع وأراضي في "جنات" هانم.
+
هل انتفخ ريشها للتو كحال الديك عندما يظن حاله مسيطرًا وسط الدجاج.
+
ابتسامتها اتسعت شيئًا فشيء وقد أشاح عيناه عنها يُذكر حاله بأيام عزوبيته وكم كان حرًا طليقًا.
+
أسرعت بالنهوض من فوق الفراش تحتضنه بحب تميل نحوه تُخبره بهمس خافت بحديث التمعت معه عينيه بعبث.
...
+
ارتفع رنين هاتفه ينظر نحو شاشته في تعجب، فـ "حازم" كان يتحدث معه منذ دقائق يمتدح له ابنة عمه في القضايا الصعبة ويُشيد بذكائها في مجال المحاماه ويُخبره أن البساط انسحب أخيرًا من تحت قدميه.
+
التقط هاتفه مجيبًا بضجر، فهل سيترك أعماله ويستمع لمديحه المتكرر في "ليندا".
+
- عرفت خلاص إن "ليندا" نابغة وهتحل ليك كل القضايا المعقدة، شوف شغلك يا "حازم" وخليني اشوف شغلي.
+
ارتفعت قهقهة "حازم" عاليًا، فـ "سليم" لم يعتاد أن يتنافس معه أحدًا في مهنته الغالية رغم تخليه عنها.
+
- ريحة الغيرة بدأت تطلع .. المفروض تكون فخور بـ "ليندا" يا "سليم".
+
تنهد بمقت من سخافة "حازم" اليوم، فيكفيه ما صار يعيشه في منزله بسبب تلك الفتاه بفوضويتها بل وصارت طباعها تتطبع بها "فتون" ؛ "فتون" التي استيقظت من غفوتها أخيرًا وأصبحت ترغب في فعل الكثير من الأشياء غير واعية أن عليها الراحة حتى تلد؛ فقد بات الليالي يُعاني معها بالركض نحو المشفى أو السهر جوارها قلقًا وهي تُخبره بمدى توجعها.
+
الطبيبة تُحذرها من الحركة المفرطة وهو يُحذر برفق وينتهي الأمر بالشجار فتبكي كالأطفال وهو عليه أن يُراعي ويُدلل وكأن وقت دفع ثمن جميع النساء اللاتي تزوجهن يومًا قد أتى.
+
ضاقت حدقتيه وقد اخترق حديث "حازم" أذنيه، "فتون" في المؤسسة.. فمن التي وعدته هذا الصباح أنها ستقضي النهار بأكمله متسطحة فوق الفراش وستطيع أوامره.
+
- مراتك في المؤسسة يا "سليم" وعند "ليندا" في مكتبها..
+
اندهش "حازم" من إغلاق "سليم" الخط بوجهه دون جواب ينظر نحو هاتفه مدهوشًا.
+
- القضية يستطيع أي محامي صغير لدينا حلها "فتون".
+
هتفت بها "ليندا" بعدما استمعت بإنصات لتلك القضية التي تُخبرها بها - فالقضية كانت لإحدى زميلاتها بالجامعه وقد تعاطفت معها لا تستوعب حقيقة أن الحياة أصبحت كالغابة ويطمع العم في أموال بنات شقيقه وأرملته- ثم تراجعت بجسدها قليلًا تدور بمقعدها.
+
- أنا لا أتولى إلا القضايا المعقدة.
+
الثقة الزائدة التي تتمتع بها هذه العائلة تزيدها غيظًا، نظرات "ليندا" حملت الثقة وهي تعبث بقلمها بين أصابعها مُتسلية..
+
- ولو قولتلك إني عايزاكِ أنتِ اللي تمسكيها يا "ليندا".
+
ضاقت نظرات "ليندا" تُفكر في طلبها وتلك النظرة التي ترمقها بها.
+
- موافقة.
+
نهضت "ليندا" من فوق مقعدها وقد اتسعت حدقتي "فتون" إندهاشًا.
+
- لكن أريد مقابل موافقتي.
+
اشاحت "فتون" نظراتها عنها تُهمهم بخفوت.
+
- زي ابن عمك تحبوا دايمًا تساوموا الواحد.
1
- بماذا تهتفين "فتون" ؟
+
استدارت "فتون" إليها تزين شفتيها بإبتسامة واسعة تضغط فوق طرف شفتيها السفلية حانقة.
+
- إيه هو المقابل؟ لو مادي "سليم" هيدفع.
+
والمقابل ليس إلا أن تُعلّمها "فتون" طريقة تلك الفطائر التي تصنعها.
2
اندهش "حازم" من قدوم "سليم" المؤسسة بعد محادثتهم بل وتخطاه دون حديث متجهًا نحو غرفة مكتب "ليندا" التي كانت غرفة مكتبه وغرفة مكتب عمه من قبل.
+
ارتسمت الدهشة فوق ملامح "فتون" وهي تنظر نحو مكان وفوقه بعدما فتح باب الغرفة تبتلع لُعابها بصعوبة.
+
توقفت "ليندا" عن مناقشتهم مع أحد المحامين تنظر هي الأخرى له في دهشة مماثلة؛ فهي منذ فتره تلح عليه القدوم حتى يرى أوضاع المؤسسة بعدما تولت إدارتها مع "حازم".
+
نهضت "ليندا" من فوق مقعدها بعدما أغلقت الملف الذي أمامها متجهه نحوه.
+
- بالتأكيد أتيت اليوم حتى ترى كيف صارت المؤسسة منذ قدومي.
+
انسحب المحامي الواقف من بينهم بعدما شعر أن وجوده لا داعي له وأخذت "ليندا" تتفاخر بإنجازاتها وكيف صار الجميع يشيد بذكائها.
+
توقفت "ليندا" عن ثرثرتها بعدما أدركت أخيرًا سبب قدوم "سليم" اليوم؛ فنظراته الحادة عالقة نحو تلك التي انكمشت في مقعدها تنظر إليه ببرائة وتبحث عن كلمات تُخبره بها.
+
...
+
صمتها طيلة طريق عودتهم من ذلك الحفل العائلي الذي أقامه "كاظم" لصغيره احتفالًا بمولده، جعله يتأكد من رسالة "كاظم" إليه اليوم، عليه الإستقرار مع "خديجة" بالخارج والإبتعاد عن هنا إذا أراد أن يستمر زواجه ويعيش حياة مستقرة.
+
تنهيدة طويلة خرجت منه وهو يراها تترجل من السيارة بذهن شارد، وقد زاد يقينه أن والدته اليوم أسمعتها حديث مسموم من أحاديثها.
+
دلفوا شقتهم بنفس الصمت؛ فاقترب منها يلف ذراعيه حول خصرها يجتذبها نحو صدره.
+
- "خديجة" أنتِ كنتِ مبسوطه وإحنا رايحين سبوع "عبدالرحمن" وكنا بنتخيل سوا يوم ولادة بنتنا.
+
خرجت الكلمات منه بنبرة دافئة لمست أوتار قلبها المتعب؛ فالحقيقة التي تضعها وراء ظهرها كل يوم تقتلها وقد صارت حماتها العزيزة تُذكرها بها كلما اجتمعوا أو أتت لها مُعللة أنها ترغب بالإطمئنان عليها ولكنها تأتي لتدس لها السم في حديثها.
+
« ضاع شباب ابني مع امرأة صارت علامات تقدم السن ظاهره فوق ملامحها، سيحرم من الإنجاب ثانيةً فحملك كان معجزة ولولا قدرة ابني في العلاقة وشبابه الذي ستسرقيه منه ما كنتِ حملتي بتلك الطفلة، ابني صار يعمل ليلًا ونهارًا حتى يجعلك تعيشين حياة مرفهة يا ابنة الذوات وأنتِ رغم كل ما تملكيه لا تعطيه شيء، فلانه جعلت من زوجها صاحب اسم ومكانه، فلانه أعطت زوجها مالًا لينفقه على مشروعه، فلانه جعلت زوجها يعيش في منزل عائلتها حتى ينعم بثرائهم، فلانه كتبت لزوجها أرضًا»
+
حديث وحديث كان يخنقها ولكنها تقذفه وراء ظهرها حتى تستمر في سعادتها ولن تنكر تلك السعادة التي تعيشها معه.
+
شعرت بقبلاته تتناثر فوق عنقها ثم أدار جسدها له يرفع كفيه يضم بهما وجهها.
+
- أوعي حد يشكك في حبي ليكِ، أنا بحبك يا "خديجة" عمري ماعرفت الحب إلا معاكِ، أنا لقيت نفسي معاكِ.
+
سقطت دموعها؛ فحديث حماتها هذا المساء كان قاسي..
+
السيدة "منال" تعرف كيف تُلقي الكلمات وسط الحديث ورغم الثقة والقوة التي تتمتع بهم هي إلا أنها أمام هذه المرأة يُصيبها الخرس.
+
- "أمير" أنا..
+
أغمضت عيناها ترغب في إخباره إن أراد الزواج بإخرى يومًا فلن تحزن.
+
أسرع في وضع كفه فوق شفتيها يمنعها من حديث يهدم علاقتهم.
+
- أوعي نرجع لنفس النقطة تاني، إحنا مبسوطين بحياتنا.. وعشان حياتنا تفضل سعيدة أنا وافقت على عرض "كاظم" ليا.. همسك شغله في إيطاليا وأنتِ ارجعي لشغلك وحياتك.. أنا مستني بس تولدي ونسافر مع بنتنا.. "خديجة" أنا عارف طبع أمي وعمري ما كنت راضي عنه ولا عن الأذى النفسي اللى كانت بتسببه لـ "كاظم" مع إنه دايمًا بيمد إيده لينا بالخير.
+
- ليه أسرق شبابك منك؟
+
تسارعت أنفاسه وهو يسمع عبارتها التي لا تكف والدته عن إخبارها بها منذ أن تيقنت أن زيجته بـ "خديجة" لن يجني من ورائها المال إنما هي زيجة حب والحب في قانون السيدة "منال" لا يصلح.
+
- أنا اللي جريت وراكي وأنا اللي اختارتك.. كنت هظلم نفسي لو قولت لنفسي كده ليه اتجوز ست أكبر مني ست أنا حبيتها، إيه الغلط في إني اختار شريكة حياتي أكبر مني.. قوليلي إيه الغلط اللي إحنا عملناه.
+
انهمرت دموعها فوق خديها تُسلط عيناها نحو بطنها المنتفخة، فما الخطأ التي اقترفته هي لتأتيها سعادتها متأخرة.
+
اجتذبها نحو صدره يضمها إليه بقوة، وقد اتخذ قرار لا رجعه فيه.. عليه الرحيل من هنا بعد والدتها والعودة لإيطاليا.
+
- متضيعيش سعادتنا يا "خديجة، خلينا نسيب بكره للأيام.
....
1
