اخر الروايات

رواية لمن القرار الفصل الثامن والخمسون 58 بقلم سهام صادق

رواية لمن القرار الفصل الثامن والخمسون 58 بقلم سهام صادق 


الجزء الاول
**********

احتضنت الكتاب خاصتها ببعض الخجل، تُقاوم تقدم قدميها نحو غرفة مكتبه تخشى أن تجد الإهانة منه والتقليل ولكن هو من أخبرها هذا الصباح بعد أن اخبرته عن صعوبة دورة اللغة الإنجليزية بالنسبة لها،
فهي تجد صعوبة في نطق الكلمات وحل القواعد منذ الدراسه ولم تكن تنجح بها إلا بالكاد لولا هذه المادة لكانت حصلت على مجموع أعلى.
اكتشفت إنها سريعة الفهم في دورة الحاسوب، لكن أمر اللغة كان صعب عليها.

طرقت غرفة مكتبه، فخرج صوته سامحًا لها بالدلوف.
ظنها السيدة سعاد، ولكن فور أن علقت عيناه بها ابتسم إليها وهو يُطالع ما تحمله وقد تذكر عرضه الصباحي لها وقد أعجبه إصرارها في التعلم وتطوير ذاتها

- أنا قولت إنك هتكابري كعادتك

هتف مازحًا يُريد مداعبتها بالحديث ، فهي منذ أن ربطتهم وثيقة الزواج وهي خلقت لحالها عالماً بعيداً عنه، تأكل جواره صامته إلا إذا حدثها تُحادثه،
إذا أرادت شئ منه تُبلغ السيدة سعاد أولاً

اطرقت رأسها بحرج وهي تتقدم منه تتلاشى أي تواصل بصري بينهم

- مش عايزه اتعب حد معايا، ميادة على قد ما بتقدر بتوجهني وملك رغم كل اللي فيها بتشجعني وأنت كمان بتساعدني بفلوسك

طالعها بنظرة كان يخص بها ملك وحدها، إنه بات يقدرها بشدة عزة نفسها التي لم يراها في الكثير من الناس حتى تحديها لظروفها، إنه بالفعل فخور بها، فهي دفعت حالها نحو ما لا يختاره إلا القليل,
اختارت أن تثبت حالها في عالم رفض وجودها كغيرها مما لا ذنب لهم

- تعالي يا بسمة وخليني أشوف إيه اللي مش قادرة تفهمي وبلاش كل شوية تقولي فلوسك، متنسيش إنك قدمتي ليا قبل كده مساعدة في الحملة الإعلانية ولولا دورك فيها مكنش بقى عندنا هدف من حملتنا الترويجية

طالعته وهي ترسم فوق شفتيها ابتسامة لم تنفرج معها شفتيها إلا قليلاً ثم وضعت أمامه الكتاب

- أنا محتاجاك تنطق قدامي الكلمات، لأن مهما بحاول اسمع واصحح لنفسي لساني بيخوني وبحس بحرج قدام زمايلي

خرج حديثها ببعض الحزن ولكن سرعان ما تذكرت مديح المحاضر الذي يُدرس لها دورة الحاسوب

- لكن أنا شاطرة في الكمبيوتر وبتعلم بسرعه أوي حتى إني عايزة اتعلم التصميم على الفوتوشوب

كانت سعيدة وهي تخبره إنها تُحب هذا المجال، رغم إنه سيكون بعيداً عن مجال دراستها

- هيكون بعيد عن مجال دراستك يا بسمه، لكن مش مهم أهم حاجة تحبي اللي بتعملي

وضاقت عيناه يُفكر في شيئًا ما، ينظر إليها مبتسمًا

- أتمنى إنك تحترفي المجال ده، ووظيفتك عندي

تهللت أساريرها تنظر إليه غير مصدقة إنها تسمع منه هذا العرض، ولكن سرعان ما أخذ يتلاشى حماسها تتذكر ذلك اليوم عندما أخبرها أنها لا تصلح للعمل معه

- مالك يا بسمه شايفك كنت متحمسه، أنتِ مش عايزه تشتغلي معايا

تسأل وهو يقترب منها يستعجب تحولها السريع.
حاولت نفض أفكارها تتحاشا النظر إليه ملتقطة أشيائها، متجهة نحو الأريكة بعدما رأتها أكثر ملائمة لجلوسهم

- إحنا بنتكلم عن حاجة قبل أوانها يا جسار بيه

وسرعان ما اردفت وهي تتخذ مكان جلوسها ومعها أشيائها

- أنا شايفه إن المكان هنا أفضل

حاول تجاهل تلك الطريقة الرسمية التي تُحادثه بها، هو يعلم إنها تضع الحدود بينهم ملتزمة بأتفاقهم وهو أكثر من يرغب بذلك ولكن الأمر بات بالنسبة له رتيبًا.

جلس جوارها يتخذ دور المعلم وسرعان ما وجدها تبتعد عنه قليلاً حتى تضع مسافة بينهم، فضاقت عيناه وقد استفزته فعلتها ولكنه تعمد أن لا يظهر غضبه من فعلتها التي لا تدل إلا على شيئاً واحداً
هو لن ينظر لها بتلك النظرة التي يخص بها الرجال النساء حينا يُريدهن.
أراد الضحك ولكنه خشى على مشاعرها، وبمزاح تمتم حتى يزيل عنهم هذا التوتر ويُركزوا فيما أتت من أجله

- مش عارف هعرف أفيدك ولا لاء بس نحاول

بدأت الحصة كما سمتها هي وضحك هو على الأمر بقوة

- نسميها الحصة الأولى يا ستي، لكن اكيد هيكون في مقابل

- وأنا موافقة
بتحدي أجابت وهي تبتسم متحمسة، تراه يُشير إليها أن تنطق ليُصحح.
لن تنكر أنها رأت شخصية أخرى من جسار، كان صبوراً مشجعًا لا يحرجها كعادته،
على ما يبدو أن هذا الرجل لديه نسخة أخرى منه، نفضت رأسها من أي تفكير يقودها لما لا ينتهي بالنفع وصبت كل تركيزها على أن تسمعه

- أنا شايف إن كده كفاية يا بسمه، متحاوليش تضغطي على نفسك، طبيعي متتحسنيش في اللغة من مجرد شهر

- لكن أنا عايزة أكون شاطرة زي زمايلي في المعهد

ضحك وهو يرى حاله يستمع لطفلة تغير من زملائها

- اكيد هما في الأول كانوا زيك ومع الممارسة بقى في تحسن، إيه رأيك نسمع سوا كل يوم أغنية أجنبية ، وهنا تقدري تحسني حتى الاستماع عندك

طالع حماسها وسعادتها بفكرته وكأنه أخبرها أنه سيأخذها لجولة ترفيهية

- مش عارفة أشكرك إزاي، اكيد مش هنسى في يوم إنك ساعدتني

غادرت غرفته بعدما جمعت اشيائها متحمسة، تُخبره إنها يوماً لن تنكر معروفه حينا تصبح ذات شأن

- معقول يا بسمة ده بس حلمك في وجودك معايا

هكذا تسأل لا يستوعب إنها لا تُريد منه امتيازات أخرى ولا تسعى نحوه كما سعت جيهان طامعة في ماله.

.....

تسير مُطرقة الرأس، تخشى أن يراها أحداً ويعرفها، ترتدي نظارة سوداء تُغطي بها عيناها؛ هكذا هي اختارت أن تعيش في عالمه، أمرأة متخفية وكأنها عشيقة له.

طرقت الباب طرقة خافته ولم تتبعها طرقة أخرى لأنه كان يعلم هوية الطارق وينتظره بشوق.

علقت عيناه بها يسحبها للداخل يسحقها بين ذراعيه، لا يُصدق إنها أتت اليوم واتبعت قلبها بعد تلك الليلة التي أعادتهم لبعضهما وخسرت لأول مرة بحياتها أمام رجلًا، رجلًا يصغرها ب خمسة عشرة عاماً

ابتلعت مرارة ما تشعر في جوفها كما ابتلع هو تلك الآه التي خرجت منها وهو يُعانق شفتيها بشفتيه

- كنت خايف متجيش يا خديجة، كنت عايز أشوفك قبل سفرية الصين

- حاولت مجيش لكن معرفتش

ابتسم مرغمًا، فزوجته صريحة لأبعد حد، يا لها من أمرأة جبارة لا تجعله يتلذذ بذلك الشعور الذي اختصته له وحده

- ومعرفتيش تقاومي تمرد عقلك، يا حببتي خلاص أنا بقيت مالك كل ذرة في كيانك

ابتعد عنها يُحررها من قوة تلاحمهما، بأنفاس مسلوبة هادرة علقت عيناها به؛ فتعالت فوق شفتيه ابتسامة عابثة

- زي ما أنتِ بقيتي تملكي كل ذرة في كياني

وعاد لجذبها إليه يسحقها مجدداً بين ذراعيه، يُخبرها بأنفاس هادرة إنه عاشق لها.

مجرد كلماتً منه تجعلها تُلقي بكل مخاوفها وصراعاتها خلف ظهرها

- مبقتش عارفه أتخلص من حبك يا أمير

وهو كان لا يُريد منها إلا سماع تلك العبارات، عبارات تُزيد من لوعة عشقه لهذه المرأة، عبارات تثبت له أن ما يعيشه معها ليست نزوة عابرة سيفيق منها يوماً بل إنها طوفان يغرقهما معًا.

استجاب جسدها لكل لمسة منه ومع التقاط انفاسهم، ضمها إليه بقوة يُحذرها من المغادرة قبل أن يغفو في سبات عميق وهي بين ذراعيه.

استدارت نحوه تسمح لعينيها حرية النظر إليه، إنها حقاً عالقة في حب هذا الرجل.
ارتخت اهدابها بعدما ارهقها التفكير..،فكما هو لديه رحلة غد هي أيضاً مثله تستعد لرحلتها عائدة للوطن لمدة لا تعرف كم سيكون عددها ولكنها بحاجة لتعيش وسط عائلة.

.....

توقف بسيارته في نفس المكان الذي اعتادوا على اللقاء فيه، مكانًا خصصوه لهروبهم والبوح فيه عن أحزانهم.

خرج من سيارته تلفحه برودة الهواء يتمنى لو استطاعت الوصول واخترقت قلبه لتبرد تلك النيران المشتعلة داخله.

وقف ساكن الحركة يُطالع ظلمة الليل، لقد اختار أشد الايام قتامة من أيام الشهر وقرر المجئ هنا، إنه بحاجة لهذه العتمة ليرتاح عقله من ذكرى ليلة أخرى انضافت لتلك الليالي التي ظنها قد رحلت

- للأسف المدام فقدت الجنين

خبر أخر كان يسقط على كاهله، فقد طفله الذي ذاق معه معاني لم يعرفها من قبل ، وها هو يفقد ذلك الجنين الذي تمناه طويلاً من المرأة التي أحبها.
ملك فقدت الطفل الذي لم يعلموا عن وجوده إلا هذه الليلة
أهتز جسده من صعقة المشاعر التي يشعر بها، إنه يريد البكاء والصراخ لكنه يتماسك، يتماسك في صمت من أجلها واجل من حوله

الطبيب يُغادر غرفة والدته وقد أسرعت شقيقته ملهوفة كحال والده نحو الطبيب

- للأسف الجلطة أثرت على النطق

خرجت شهقة مؤلمة من شفتي ميادة التي استندت بجسدها نحو الجدار لا تستوعب صدمة أخرى تسقط فوق رؤوسهم هذه الليلة فلم يعد لديها قدرة لتتحمل

- يعني هترجع تاني تتكلم يا دكتور

والطبيب يمسح فوق وجهه من شدة إرهاقه هذه الليله، فالوقت اقترب من الرابعة فجراً وعليه المغادرة فقد انتهى دوامه منذ ساعات

- دكتور رسلان يا سيادة الوزير اكيد فاهم أن الموضوع متوقف على الحالة النفسية اللي بتمر بيها المريضة

فاق من شروده على تلك الإضاءة التي باتت قريبة منه ولم تكن إلا سيارة سليم، اغمض عيناه للحظات مسترخياً يزفر أنفاسه لعله يطرد تلك اللحظات المريرة.

- عارف إني اتأخرت عليك ، كان عندي عشاء عمل مهم ومعرفتش انسحب غير بصعوبة

اتكأوا سوياً على مقدمة السيارة وقد اتخذوا لحظات من الصمت كل منهم سابحًا في أفكاره

- كاميليا هانم محتاجه وجودك جانبها يا رسلان

- بحاول أعمل اللي عليا يا سليم وازورها يومياً لكن أعيش هنا تاني مبقاش ينفع، أنا مرتاح في مكاني الجديد

- أنت عجبك حالك كده، أنت بتسافر يوميا أربع ساعات

- ده اريح ليا وليهم يا سليم، شكل عزالدين باشا وصاك إنك تكلمني

تنهد سليم زافراً أنفاسه يمدّ يده نحو سترته حتى يُخرج سيجارته نافثًا هذه المرة أنفاسه المعبئة بالدخان

- البعد مش حل يا رسلان، هما محتاجينك زي ما أنت محتاجهم أنا عارف إن كاميليا هانم غلطتها متتنسيش لكن الزمن بيداوي

اخترقته الكلمات ينظر إليه بنظرة مُستخفة، فمن الذي يُحادثه اليوم ,هل سليم الذي لا يغفر لأحداً بسهولة

- أنت لحد دلوقتي مش قادر تسامح أهلك يا سليم، بتطلب مني أنا اسامح

تصلبت ملامح سليم يطبق فوق سيجارته بين شفتيه يُحدق ب رسلان الذي لم يحيد عيناه عن مطالعة ما أمامه من عتمة

- سكت ليه يا سليم، عرفت بقى إن الأشعارات اللي حفظِنها وكلام العقل والواجب في أوقات مبنقدرش نتقبلهم رغم إننا عارفين إن هو الصح

سحق سليم سيجارته أسفل قدمه ، يخرج سيجارة أخرى يدسها بين شفتيه

- متقارنش أهلي مع أهلك يا رسلان لان المقارنة مش عادلة صدقني، هما آه غلطوا زي أي أهل ممكن يغطوا لكن في المقابل قدموا كتير من التضحيات، مستعدين يتخلوا عن عمرهم عشان يشوفوا سعادة ولادهم ويعتذروا منهم إنهم اختارولهم تعاستهم بدل سعادتهم لكن أهلي أنا مكنوش عارفين يعني إيه تضحية، أنا رباني جدي والخدم يا رسلان

وبتهكم مرير أردف

- و أتربيت في بيتكم شويه وسط أهلك ومع اخواتك

طالعه رسلان بندم، فهو اكثر من عاش مع سليم طفولته ومراهقته قبل أن تفرقهم السنوات ويبحث كل منهم عن أحلامه

- أنا بتكلم معاك النهاردة عن السماح وأنا عارف إنك محتاج وقت عشان تقدر تنسى، وده اللي بلغت بي عزالدين بيه

- سليم معقول هتكون أخدت على كلامي

اسرع رسلان في جذب ذراعه ينظر إليه أسفًا على ما قاله

- تفتكر أنا ممكن أزعل منك يا دكتور، خلينا نمشي لأني واعد فتون أرجع البيت بدري, وأه عدينا منتصف الليل غير أنت لسا قدام طريق طويل

- خد ملك واعملوا عمره يا رسلان اكيد هتلاقوا الراحه هناك، لسا عندكم فرصه في نعمة تانية متضيعهاش من ايدك من قنوطك.. أنا اللي هقولك ده يا رسلان

منذ مدة لم تخونه شفتيه ويبتسم هكذا، رغم المرارة التي يتجرعها كلما وقعت عيناه على صغيره وعليها

- الزمن بيغيرك للأحسن يا سليم، لكن أنا للأسف عمال أتغير لنسخة مني أنا معرفهاش

ابتسم سليم على ذلك المديح الذي خرج في إستهزاء من صديقه

- طول عمرك شايفني صديق سوء، بس مافيش مره عرفت اخدك لطريق السوء لحد ما توبت

وسرعان ما كانت تطرء ذاكرته تلك الفتاة التي تخلص منها بصعوبة في ذلك العشاء، وعلى ما يبدو أن مديرها مُشدد الوصايا عليها بأن تقترب منه وتغويه ولكنها للأسف تلاعبت مع الشخص الخطا شخص يفهم النساء من نظرة واحدة

- الشركة اللي داخله معايا في المشروع الجديد عندهم سكرتيرة مش عارف احدد أنهى دوله اللي عملت خلط مع دولتنا وجابت الإنتاج ده، ما الإنتاج ده مش معقول هيكون إنتاج مصري

اتسعت عينين رسلان ذهولاً، فمنذ لحظات كان يمتدحه

- وطبعا أنت بتحب الجمال وبتضعف قدامه يا ابن النجار

تعالت ضحكات سليم بعدما أستمع لتلك العبارة التي لم يقولها له رسلان منذ زمن

- بحب الجمال اه وبقدره، لكن مبضعفش غير قدام فتون

صعد كل منهم سيارته يلوح له سليم بيده قبل أن يتحرك

- خليك شجاع النهاردة واحكي لفتون عن خارقة الجمال يا ابن النجار

تعالت ضحكات سليم مجدداً بعدما استمع لعبارة رسلان وانطلق بسيارته يُسابقه

بتحدي أسرع سليم بالقيادة حتى أصبحت السيارتين تسير كل منها جوار الأخرى

- تفتكر إني هخاف أحكيلها

ضحك رسلان أخيراً وقد تبدل مزاجه هذه الليلة وأصبح الطريق أمامهم ك ساحة سباق

- هستنا أعرف نتيجة الإعتراف

.......

دلف للمنزل ومازال عقله يشغله برؤيته لخديجة النجار، حتى هذه اللحظة لا يُصدق أن العلاقة بينها وبين شقيقه وصلت لهذا الأمر،
لقد ظن شقيقه هو من يسعى إليها لأنه يعلم تمامًا نزواته مع النساء وبالتأكيد هذا القرب كان مُخطط له من قبل، إنه ابن منال وجودة النعماني فماذا سينتظر منه

شعر بأن عقله سيتوقف من شدة التفكير، فلو شقيقه عابث بجدارة فخديجة النجار لم يرى بحياته أمرأة قوية مثلها، لقد لهث الكثير خلفها منتظرين منها نظرة رضى

- حاسس إن عقلي هيقف، ياريتني كنت طلعت وراها وشوفت بنفسي، لا لا كده احسن.. لازم أواجه الاستاذ لوحده، أنا دلوقتي فهمت سبب تعطيل الشغل

مسح فوق وجهه لعله يُفكر في كيفية إنهاء تلك العلاقة قبل أن ينفضح الأمر وتعلم به الصحافة

- كاظم

خرج من شروده على صوت جنات الناعس، وقد علقت عيناها بذلك الكيس الذي به ما تشتهيه

- أنت جبتلي البرقوق

واسرعت في التقاط الكيس، تلتهم أول حبة دون أن تهتم بغسله

- أنتِ بتعملي إيه، استني اغسله ليكي مش معقول صاحيه لحد دلوقتي مستنيه البرقوق لا و أول حاجة جريتي عليها

تمتم عبارته الأخيرة حانقاً واردف

- بدل ما تسألي عن سبب تأخيري

كان يهتف عباراته متذمراً وهو يغسل لها حبات البرقوق وقد التقطت الطبق منه فور أن أنهى غسله

طالعها مدهوشًا من هيئتها وهي تلتهم واحدة وراء الأخرى متلذذه بالطعم

- أنت بتبصلي كده ليه

ارتفع حاجبي كاظم في دهشة، فهل تسأله لماذا ينظر إليها هكذا؟

- بصراحة مصدوم

- بيتهيألي إن الكلمه ديه فيها إهانة ليا

- إهانه ! أنا شايف إننا تجاوزنا الموضوع ده يا حببتي، الأفضل إني اسيبك مع طبق البرقوق اللي بسببه بقالي أربع ساعات بلف عليه عشان نفسك فيه

خرج حانقاً من المطبخ تنظر إليه مسبلة الجفون لا تُصدق إن تأخيره كان لهذا السبب

- يعني أروح اصالحه ولا أعمل إيه، خلاص هروح اصالحه ضميري بدء يوجعني غير إني مش هعرف أنام غير في حضنه

وسرعان ما كانت تُحدق في بطنها التي ظهرت ببروز صغير لا يكاد يُرى

- أنت السبب في ضعفي ده معاه، بقيت أحب ريحته وحضنه

واردفت حانقة من حالها

- عندهم حق اللي قال علينا إحنا مش عارفين عايزين إيه

حملت طبقها تمقت ضعفها وتراجعها عن أي قرار اتأخدته في هجره.
وجدته يتسطح فوق الفراش عاري الصدر، فالتهمته بعينيها كعادتها هذه الأيام، ورغم إنه كان لا يُحب إحراجها حينا تفضحها عيناها إلا إنه اليوم قرر إحراجها عقابً لها

- للأسف أنا النهاردة مش هقدر ألبي الدعوة اللي شيفها في عينك

واقترب منها بعدما رأى إتساع حدقتيها وقد ضبطها في جرمها

- أصل عقلي مشغول في حاجه مهمه، وعايز أنام

مسح فوق خدها، يلتقط باليد الأخرى واحده من حبات البرقوق الذي التهمت أغلبه ولم يبقى منه إلا القليل.

تجمد كل شئ حولها تنظر ليدها التي لطمت خده دون قصد منها، لا تستوعب كيف فعلت هذا فهي تعلم أنه يتمازح معها بمزاحه الثقيل الذي اعتادت عليه.

ارتفعت عيناها نحوه بعدما استمعت لصوت أنفاسه العالية

- كاظم أنا مش عارفه عملت كده إزاي

وكاظم لم يكن يرى أمامه إلا صورة مرأة واحدة، منال زوجة أبيه حينما لطمت خده يوماً عندما أخبرها إنه لا يشحت منها المال..
كان يومها لا يبلغ الخامسة عشر، حينا اقسم أن ينال حقه منهم جميعاً.

تراجعت للخلف بعدما رأت عيناه تزداد قتامة تتذكر صوت الصفعة وقد سقطت بالفعل قوية فوق خده.

...........

اقتربت منه بعدما سقط فوق الفراش لا يشعر بشئ حوله، ومازال يُدندن ذلك اللحن الشعبي الذي أصر عليها أن ترقص عليه

- مسعد

هتفت اسمه حتى تتأكد أن المشروب قد سحبه لنقطه بعيدة، حاول مسعد رفع رأسه يجتذبها إليه

- تعرفي إنك كنتِ خسارة فيه بس هو مات خلاص

ضاقت عيناها لا تفهم عما يتحدث عنه

- شكل المشروب اللي شربناه أثر عليك يا مسعد

- لا ده أنا جامد أوي

اجتذبها هذه المرة بقوة إليه، وقد أخذ عقله يصورها له كما بات هاتفه يتخذ الأمر في تصويرها كلما رصدها واتبعها في الأماكن التي باتت تذهب إليها

ضجرت دينا من محاصرته، فهي لا تُريد إلا أخذ تلك الفلاشة التي تعلم بوجودها داخل سترته حتى تُنفذ مهمتها وتأخذ المال الذي اتفقت عليه مع هذا الرجل

- مش وقته يا مسعد

- اشمعنا هما ، جيه دوري أنا كمان

بدأت دينا تفهم إنه لا يُخاطبها هي

- حسن أخدك وهو كمان خدك منه فاضل أنا يا فتون

تجمدت عينين دينا نحوه، فمن هي فتون التي يقصدها،
إنها لا تعرف غير واحده انتصرت عليها ونالت الرجل الذي لهثت خلفه لسنوات

أرادت ان تتأكد من صاحبة الاسم، فمالت نحوه تقبل شفتيه تُخبره إنها معه

- ابن النجار واخد ليه كل حاجه من الدنيا، كفايه عليه الفلوس


الجزء الثاني
*******

علقت عيناها به وهو يُغادر الغرفة دون كلمة، حاولت إلتقاط أنفاسها التي حبستها مترقبة ردة فعله ولكن كاظم لم يفعل معها إلا النظر إليها بتلك النظرة المرعبة التي شعرت معها وكأنه لا يوجهها لها وحدها.
مسحت فوق خديها لعلا وتيرة أنفاسها تهدء وتستجمع شتات نفسها.

عادت عيناها تتعلق هذه المرة ب باب الغرفة المفتوح تُعيد المشهد مرة أخرى على ذاكرتها تنظر نحو كف يدها الذي صفعته به

- أنا مش عارفة عملت ده إزاي، وليه أعمل كده؟

سقطت دموعها رغماً عنها فمنذ حملها وهي لم تعد تستوعب ما تفعله، تارة تكون راضية عن حالها وعنه وتشتاقه وتارة أخرى تكون ساخطة على حالها وكارهة له لا تتذكر منه إلا الكلمات القاسية وأكثر ما يُحيرها في نفسها إنها تتذكر كل فعل قاسي نالته منه كلما تقدم منها خطوة وأظهر لها حنانه ورعايته.

هي متأكده أن كاظم لم يحبها بعد، لكنه تقبلها في حياته التي يغلفها السواد وتُحيطها تلك الأسوار العالية التي أحاط حاله بها.

قاومت حالتها الكئيبة خاصة أن مكوثها أغلب الوقت بمفردها في المنزل وهي من أعتادت على العمل بدء يشعرها بالكآبة

- المفروض الغلطان ياخد خطوة الإعتذار يا جنات، كاظم القديم لو كان موجود كان ردلك بدل الصفعة صفعتين

حقيقة نطقها لسانها، فاسرعت في إتخاذ قرارها تقف مرتبكة بعض الشئ تُفكر كيف ستُلقي عليه كلمات إعتذارها وهل سيقبل أم سيعنفها بعجرفته ويُهينها كما اعتادت منه من قبل.

توقفت على بُعد خطوات منه تنظر إليه وهو جالس فوق الأريكة مغمض العينين ومازالت وتيرة أنفاسه مرتفعة يقبض فوق كفيه بقوة

أرادت التراجع بعدما عادت هيئته تبث فيها الرعب، ولكن في النهاية اتخذت قرارها واقتربت منه.

حاولت إخراج كلماتها ولكن كلما حاولت الحديث كان لسانها يخونها فتصمت، فلم تجد حلاً إلا مجاورته فوق الأريكة التي ربما ستشهد لحظة التقاطها أنفاسها الأخيرة بعدما يقبض فوق عنقها.

لأول مرة كانت تنتبه على صوت عقارب الساعة المزعجة، وتلك الألوان المتداخلة في البساط الفخم المفترش أسفل قدميهم ولم يتوقف التحديق عند هذا الحد بل أخذت تُحدق بملامحه القوية وقد زاده الغضب هيمنة ووسامة.

التصقت به، فنهرها بحدة

- جنات ممكن تروحي تكملي نومك أو تبعدي خالص من هنا

ابتعدت عنه وقد شعرت بالضيق من حالها، فها هو ينهرها ويجتذب ذراعه عنها متحاشياً النظر لها

- أنا أسفه يا كاظم

هتفتها بهمس خافت وسرعان ما كانت تنفجر بالبكاء، ضاقت عيناه وهو يراها بالفعل تبكي بقوة دون سبب فماذا كانت ستفعل إذا صفعها مثل صفعتها الحمقاء؟

عادت النيران تشتعل داخله، فكيف تمكن في التحكم من غضبه وعدم صفعها، أين هو قسمه أن لا يجعل أمرأة تتجاوز حدها معه مهما كانت

- أنا عايزه أرجع مصر، كل حاجة هنا بدأت تخنقني أنت جايبني هنا عشان تخليني أتجنن من القاعده لوحدي

حدقها في تعجب فعن أي جنان هي تتحدث

- ممكن أعرف بتعيطي ليه دلوقتي، أظن أنا اللي كفك طرقع على خدي مش العكس

أسرعت في مسح دموعها، تنظر إليه بعدما ألقى عليها عبارته

- ما أنا قولتلك أسفه

- بتقوليها وأنتِ شيفاها كلمه كبيرة يا جنات، وده يجبرني أشوفها إهانه تانية

هتف بها وهو ينهض من مكان جلوسه حتى يترك لها المكان وينهي هذه الليلة

طالعته وهو ينهض ويتحاشا النظر إليها، فاسرعت في الوقوف أمامه

- قولي أعتذرلك إزاي، أنا بعترف إني غلطانه، مش عارفه إزاي عملتها

- عملتيها لأنك ببساطه شوفتي مني تنازلات كتيره يا جنات

الجمها ما تفوه به، هل هو يفسر فعلتها هكذا ولكنه كاظم النعماني فماذا ستنتظر هي منه؟

- أنا عارفه ومتأكده مهما وضحت ليك مش هتصدقني لأنك عايز ديماً تشوفني في صوره وحشه يا كاظم

استدارت بجسدها مبتعده عنها وقد ضاعت جميع الأحلام التي بدأت ترسمها متأمله معه حياة جديدة.
شعرت بالألم من اجتذابه لذراعها يُقربها منه

- عارفه لو كنتي عملتي شئ بسيط رضيتي بي غروري كانت المشكله اتحلت رغم إنها كبيره، أنا عارف إنك متقصديش ده لكن أنا راجل بطبعي ديما شايفكم بالصوره اللي فضلت طول عمري حطتها عنكم
ثم ترك ذراعها سامحًا لها بالإبتعاد

- روحي نامي يا جنات

حديثه أخترق أذنيها، تشعر بمرارة كلماته تتسأل داخلها كيف عاش هذا الرجل أطوار حياته، هي سعت وراء الصورة الخارجية من كاظم، رجل قوي يهابه الجميع ذو سلطه ونفوذ ولكن كاظم الذي صارت تراه هنا رجلا مختلف.

حركتها مشاعرها الحقيقية نحوه بعدما أدركت إنها لا تُريد كاظم بأمواله بل تُريد حنان وحب هذا الرجل

شبت فوق أطراف أصابعها تلثم الخد الذي صفعته

- شكراً على البرقوق وشكراً لأنك تمالكت غضبك وفهمت إني مكنتش قصد

ومع كل كلمة شكر كانت تلثم خده، مال بوجهه نحوها حتى تتلاقى عيناهم.

انفاسهم صارت قريبة وقد ارتفعت يدها نحو خده تتحسسه فالتف بذراعه حول خصرها يقربها منه

- تفتكري مين هيعلم فينا التاني الحب يا جنات

كادت أن تتحرك شفتيها لتخبره إنها بالطبع من ستعلمه ولأنه كان يعلم الجواب كان يترك لشفتيه مهمة ابتلاع حديثها هامساً لها بأنفاس هادرة

- خلينا نبدء أول درس يا جنات

ارتسمت الحيرة في عينيها فعن أي درس يقصد ولكن كان وحده من يعلم عنوان الدرس.

.......

اغمض عيناه محاولا إبتلاع تلك الغصة المؤلمة كلما نظر نحو غرفة صغيرته التي باتت خالية ، شعوراً لم يرغب بالعيش به يوماً ولكن هذا كان نصيبه وقراره.

بخطوات رتيبة سار نحو غرفته يزيل عن جسده سترته بفتور يطرد تلك المشاعر التي تجتاحه فلا ذنب لها في إختيار أبنته للعيش مع والدتها وتركه، لأنه ببساطه اختار هو أيضا مع من يُريده العيش .

علقت عيناه بها ودون شعوراً منه كان يبتسم على رؤيتها لها نائمة بتلك الوضعية وعلى ما يبدو إنها قاومت بشدة قبل أن تسقط غافية محتضنة الوسادة بين ذراعيها.

اقترب منها بخطوات هادئة حتى لا يجعلها تستيقظ يشعر بالندم على تأخيره، يمدَّ ذراعيه ليعدل من وضيعة نومها

- حببتي حاولي تتعدلي معايا، رقبتك هتوجعك

همس لها حتى تستجيب في تحريك جسدها معه ولكن عيناه ضاقت وهو يُحدق بهذا الثوب الذي تذكره تماما وكيف ينساه وقد اختاره لها بنفسه وتمنى أن ترتديه له ذات ليله.

تعالت فوق شفتيه ابتسامة عذبة وهو يتأملها بتدقيق ، ثم تحركت يديه بخفه فوق ذراعيها ليتحكم في وضع رأسها برفق فوق الوسادة

- يعني يوم ما ترضي عني وتلبسي الفستان تنامي برضوه يا فتون

بصعوبة فتحت عيناها بعدما شعرت بتلك اللمسات الخفيفة التي تُداعبها

- سليم

همست اسمه بخفوت وعادت تغمض عيناها مقتربه منه تدفن رأسها في حضنه

- اتأخرت زي كل ليله بتوعدني فيها ترجع بدري، أنت بقيت زي كل الرجاله يا سليم

عاتبته وهي مغمضة العينين متشبثة به، حدقها بذهول يُحاول إستيعاب عتابها ثم غفيانها بهذه السرعه

- فتون أنتِ نمتي، أنا أول مره أشوف ست تعاتب جوزها وتنام

وها هو يعود ليندس جوارها أسفل الغطاء الخفيف يعدل من وضع وسادته قبل أن يجتذبها إليه ويعيدها لحضنه ويغفو براحة.

ارتفع كلا حاجبيه في دهشة وهو يراها تتخذ صدره وسادتها وتريح رأسها متشبثة به.
ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة عابثة يرمق فعلتها متفحصًا ملامح وجهها

- وتفتكري هصدق إنك فعلا نايمه، شكلك اتعلمتي المكر من الأربعين يوم هجر وعدم الإهتمام اللي حسباهم بالدقايق والثواني يا فتون هانم

- أنا فعلا نايمة يا سليم

ارتفعت زاوية شفتيه سخرية ينظر إليها مستخفًا من تلاعبها

- وبتكلميني من الحلم يا حببتي مش كده

خرجت شهقتها بعدما أجفلها بحركتها، تُحدق به وهو يعلوها بجسده ويُحاصرها بذراعيه يتفرس ملامحها المذعورة ومحاولتها في إلتقاط أنفاسها

- بقينا نعرف نمثل ونلعب يا فتون، وأنا اللي قولت حرام أصحيها واسيبها نايمة

- أنا فضلت مستنياك، أنت اللي خلفت وعدك معايا يا سليم

ازدادت نظراته جرأة ينظر إلى ما أظهره ثوبها بسخاء

- ممكن نتفاهم الصبح يا فتون وأوعدك هسمع كل الشكاوي المرفوعة من فتون عبدالحميد ضد سليم النجار

تمنعت عنه بدلال رافضة ما يسعى إليه بمراوغة تُحرك رأسها رافضة تلك القبلة اللحوحة كصاحبها

- فتون هانم زعلانه وبتتمنع مع إني شايف في عينيها حاجات تانية

لم يمهلها الحديث والمزيد من التمنع الذي فتنه وزاد من لهيب توقه.
أغرقها في طوفان مشاعره وهي كانت كما أخبرها تتمنع ولكنها أكثر منه توقًا ولهفة.

........

اقترب من فراشها ككل ليلة حتى يتأكد من غفيانها براحة دون تلك الكوابيس التي عادت تقتحم أحلامها.

طالت نظراته نحوها ونحو صغيره في دهشة، فما الذي حدث في تلك الساعات الماضية وجعلها تخرج من قوقعتها وتعود كما عهدها أمرأة تعطي دون مقابل، تصفعها الحياة بقسوتها فتعود تفتح لها ذراعيها تأمل بحياة جديدة.

تخلص من حذائه وسترته واقترب من الجهة الخالية يشعر بالتوق لنوم ساعات من الراحة دون أي ذكرى من تفاصيل هذا اليوم وما عرفه من سائق الأجرة بعدما فاق من غيبوبته بعد أسبوعاً من الحادث.

تمنى أن لا تشعر بثقله جوارهم فوق الفراش ولكن أمله خاب ليشعر بالذنب وهو يراها تفتح عيناها بصعوبة مبتسمه له

- حلمت حلم جميل أوي يا رسلان، حلمت أن في نور بيحاوطني وكنت حامل في طفل

وسقطت دموعها وهي تتذكر شقيقتها وهي تحمل عزالدين طفلها وتقبله دامعة العينين

- شوفت مها يا رسلان، قالتلي خلي معايا عزالدين يا ملك أنا عايزاه ، عبدالله أمانة عندك لحد ما نتقابل

اعتدلت في رقدتها تكتم صوت شهقاتها، فاسرع نحوها يحيطها بذراعيه

- كفايه يا ملك، كفايه أرجوكِ

- عزالدين كان فرحان يا رسلان، كان زي الملاك بيطير واختارها هي مع إني فضلت أنادي عليه وأقوله أني بحبه ووحشني أوي

اغرقت الدموع خديها، فأحاط وجهها بكفيه يمسح عنها دموعها ولكن دموعه خانته.
اختنق صوته من شدة الوجع وقسوة ما يشعر به

- ليه أخدته معاها، ليه وجعتني تاني مع إن عمري ما كرهتها ده أنا بدعيلها يا رسلان مهما عملت فهي ربتني مع بنتها، صحيح محبتنيش لكني فضلت شيفاها أمي

ضمها إليه لعله يُخفف عنه وعنها هذا الألم

- ماتت خلاص يا ملك، صحيح خدت حته مننا وهفضل طول عمري حاسس بالذنب لأني محمتش ولادي منها وصدقت إنها عايزه تعيش اللي فاضل من عمرها وسط أحفادها لكن الحقد كان عمى قلبها من زمان

ابعدها عنه بعدما تمالك دموعه ينظر إليه متأملاً عيناها الدامعة ووجهها المُبلل

- قوة إيمانك بتخليكي تعرفي تسامحي يا ملك ، لكن أنا للأسف مبعرفش أسامح

اعادها لحضنه دون إنتظار سماع أي حديث أخر، سكنت داخل احضانه كما سكن هو ناعماً بدفئ ورائحة جسدها.

..........

استيقظت بسمة باكراً هذا اليوم بعدما أتفقت مع العم جميل بأن تُعاونه في الحديقة و زراعة الورود التي رغبت في زراعتها.

طالعها العم جميل الذي كعادته يستيقظ باكراً ينظر لها مستفتحاً بيومه الذي يراه جميلاً منذ أن أتت وعاشت بينهم

- صباح الخير يا عم جميل يا راجل يا جميل

تعالت ضحكات العم جميل وهو يستمع لعبارتها المشاكسة وكيف تتغنى باسمه

- صباح الجمال يا ست البنات

- صحيت نشيطه ، ولبست زي الشغل

عادت ضحكات العم جميل تعلو وهو يتأمل هيئتها في ملابسها البسيطة وتلك الربطة التي عقدت بها حجابها

- يا بنتِ بلاش تبهدلي نفسك وخليني أنا أعمل الأحواض

حاول العم جميل ثنيها عن قرارها ، فهي صارت سيدة المنزل مهما كانت الحقيقة واضحة له

- شكلك كده مش عايزني أتعلم سر المهنة منك

ضحك العم جميل ينظر إليها وهي تُشمر عن ساعديها وقد بدأت في مهمتها.

العمل كان ممتع مع جو الصباح ، بسمه التي تُشاكس العم جميل والعم جميل الذي يصر على ما يراه صحيحاً.

كانت ترى فيه والدها الراحل وهو يراها كأبنة له، شاركتهم السيدة سعاد صباحهم ضاحكة على هيئة بسمة .

جسار الذي إعتاد على استنشاق الهواء كل صباح عند استيقاظه من شرفته ولكن المنظر الذي استقبله اليوم في حديقة منزله كان مختلفًا.

ضحكات السيدة سعاد والعم جميل وبسمه التي تُحاول تنظيف وجهها بيديها المتسخة تنظر نحوهم متذمرة.

تأمل هيئتها في تلك الملابس التي أعتاد على رؤيتها فيها منذ أن اختار لها الملابس التي عليها ارتدائها بالمنزل أو خارج المنزل.

اصرف عيناه عنها بعدما وجد نظراته قد طالت نحو جسدها وملامحها

- كفايه كده واطلعي يا بسمه غيري هدومك يا بنتِ زمان جسار بيه صحي من النوم

اتجهت السيدة سعاد للمطبخ، فنظرت للعم جميل ثم اتجهت بعينيها نحو ملابسها

- ألحق أغير هدومي بدل ما جسار بيه يسمعني كلمتين حلوين عن الاتيكيت

ضحك العم جميل وهو يطالعها بعدما أسرعت خلف السيدة سعاد مهرولة بطريقة طفوليه

- والله البيه معاه جوهرة لكن مش مقدر

وقف جسار يُهندم ملابسه ينثر عطره الباهظ ينظر نحو خصلات شعره بعدما لفت نظره بضعة شعيرات البيضاء بدأت تغزو خصلاته
التقط ساعة معصمه الثمينه لتضيق عيناه وهو يتذكر أن عليه إعطائها مصروفها الشهري.
.........

توقف أمير بسيارته أمام مقر الشركة لا يُصدق أن كاظم يُريده في هذه الساعة من الصباح ويُصر على قدومه من أجل أمراً هامً رغم إنه يعلم بضرورة إستعداده لرحلة الصين.

الشركة كانت خالية من الموظفين إلا من موظفي الأمن.
اتجه نحو المصعد ثم مكتب شقيقه وقد بدء يشعر بالقلق، فكاظم لن يأتي به بهذا الوقت إلا إذا كان هناك أمراً عاجلًا

- اتمنى بعد المخالفة اللي اخدتها على الطريق يكون فعلاً الموضوع مهم وضروي

أستمر كاظم في وقفته يُحدق بالطريق

- كاظم، أنت مصحيني من النوم وعايزني فوراً عشان أشاركك صمتك ونقف نتفرج على المدينه من هنا

اقترب منه أمير حتى يشاركه وقفته، وقد وجد أن هذا الوقت هو الأنسب ليُخبره عن علاقته بخديجة النجار وزواجهم

تجمد أمير في حركته وقد إستدار كاظم أخيراً نحوه ينتظر سماع جوابه

- خطة منال هانم ولا جودة باشا، مين فيهم اللي رسملك الخطه

وسرعان ما كان يتعالا تصفيق كاظم مقتربًا منه

- ست زي خديجة النجار ماظنش إنها هتفضل في اوضتك طول الليل وفي سريرك كمجرد عشيقه يا ابن جودة النعماني

.......

طرق جسار غرفتها بضعة طرقات وقد تأكد من عدم جوابها إنها ليست بالغرفة.

دلف غرفتها وهو يرى إنه أفضل قرار اتأخذه، أن يترك لها المال في غرفتها حتى لا يرى تلك النظرة التي أصبح يراها كلما أعطاها المال

وضع المال وقرر الخروج من الغرفة قبل صعودها ولكن عيناه تجمدت وهو يسمع تلك الشهقة التي اخترقت أذنيه ثم سقوط المنشفة التي كانت تُحاول إحكام عقدتها حول جسدها.


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close