رواية لمن القرار الفصل السابع والخمسون 57 بقلم سهام صادق
الجزء الاول
******
انتقلت كل النظرات التي تحمل الإتهام نحو كاميليا ، كاميليا التي ارجفها هول ما حدث وسُلبت أنفاسها من شدة الخوف، ستحمل الذنب طيلة عمرها إذا حدث لحفيدها شئ لأنها المتهمة الوحيدة في تخريب حياة أبنائها، فمن شدة عشقها لهم تُريدهم أن يعيشوا حياتهم سعداء والسعادة كانت من وجهة نظرها مختلفة
انزوت بعيداً تنتحب في صمت وتترقب معهم ما يُبلغهم به زوجها ورجاله بعدما استخدم سلطته
الجميع أخذ يُعبر عن مشاعره في صمت، إلا ملك التي ضمتها ميادة إليها تُشاركها البكاء وقد سقطت الصدمة فوق رأسهما خاصة بقوة لأنهم وجدوا رجال الشرطة بالمنزل عندما عادوا من رحلتهم القصيرة
.....
فتحت عيناها بثقل من أثر النعاس الذي يطبق على جفنيها بقوة، الفراش كان دافئ وهي كانت في أقصى درجة من الإسترخاء، ولكن استرخائها أخذ يزول شيئًا فشئ وهي تتذكر أين هي ولما هي هنا؟
وعلى ما يبدو أن الساعات الطويلة التي قضتها نائمة اذهبت عقلها قليلًا
انتفضت من فوق وسادتها تبحث عنه حولها ولكن سرعان ما وجدت رساله منه يُخبرها أن تهاتفه حينما تستيقظ
أسرعت في التقاط هاتفها لترى الوقت أولاً، فاتسعت حدقتيها وهي لا تُصدق إنها بالفعل غفت كل هذه المدة، فالساعة تشير للثالثة عصراً
- معقول نمت كل ده
حاولت فرك رأسها قليلًا من ذلك الضجيج الذي يطرق رأسها، وقررت مهاتفته أولاً ثم النهوض للمرحاض ولكن قبل أن تضغط على زر الأتصال كان باب الجناح يُفتح
تحركت من فوق الفراش لتتمكن من النهوض، ولكن وجدته يتقدم منها في صمت عجيب، يزيل عنه قميصه ثم القاه بفتور
- متقوميش من جانبي يا فتون
ضاقت عيناها في تساؤل بعدما استمعت لطلبه الغريب ، وازداد التساؤل داخلها وهي تراه يتسطح جوارها
أنفاسه كانت عالية وكأنه يُصارع شئ داخله، ضغطه الشديد فوق شفتيه يُشعرها أن هناك شئ يُزعجه
بتوتر تساءلت
- سليم هو في حاجة حصلت، وليه مجبتش خديجة معاك
بتهكم اجابها، يتذكر إلتصاق صغيرته بوالدتها وكأن دوره قد أنتهى من حياتها
- خديجة عايزه تفضل مع شهيرة ، بنتِ اللي أنا كنت رقم واحد في حياتها دلوقتي عايزه تكون مع أمها
ارتفعت وتيرة غضبه كلما تذكر كيف أخبرته أبنته بعدما اطرقت رأسها أرضًا، أنها تُريد العيش مع والدتها، والدتها ستجلب لهما شقة جميلة بعيدة عن قصر الوحش الذي يسكنه حامد، وستجلب لها الكثير من الألعاب وستحكي لها الحكايات التي تُحبها
- شهيرة دلوقتي فاقت وعرفت دورها، بعد ما أنا سمحت ليها تيجي تعيش معانا وتقرب من البنت، عايزة تاخدها خالص مني وتحرمني منها
اجتذب شرشف الفراش بغضب ثم القاه ، فعلقت عيناها به بفزع
- تعرف إيه هي عنها، أنا اللي كنت بقوم بدورها، وهي كانت بتجري وراء نجاحها
التمعت عيناه بالذكريات، فتهاوى بجسده فوق الفراش يحني جزعه العلوي لأسفل ويدفن رأسه بين راحتي كفيه، يتذكر أول مرة تحبو فيها أمام عينيه
- أول مرة زحفت فيها كانت معايا في الشركة، حطيتها وسط العابها وانشغلت في شغلي
داعبت الابتسامة شفتيه وهو يتذكر شعوره تلك اللحظه
- حسيت حاجة بتلعب في رجلي، لقيتها بتحاول ترفع نفسها ليا، فضلت باصص عليها بسأل نفسي هي جات عندي إزاي، لحد ما استوعبت إنها بدأت تتحرك، كبرت قدام عينيا ، كل خطوة أنا كنت معاها فيها، انا عارف إنهم مجرد اربع سنين من عمري معاها، لكن مع كل يوم كانت بتكبر فيه كانت بتغير سليم النجار
- أنا وحش أوي يا فتون، وحش لدرجة محدش يقدر يتخيلها ، لكن اتغيرت معاها
رغماً عنها خانتها دموعها تأثراً، هي لا تعرف هذا الشعور ليس لديها طفوله تجعلها متعلقة بوالديها ولم تحظى بشعور الأمومة ولكنها تفهمه وتشعر به
- خديجة بتحبك يا سليم، لكنها محتاجة مشاعر مامتها..، أنت نجحت لما قربتهم من بعض، بنتك هتكبر من غير ما تحس إن كان ناقصها حنان منكم، أنتوا الاتنين بتسعوا إنكم تدوها حبكم
علقت عيناه بها ، فتوقفت عن الحديث بعدما ظنت أن حديثها لم يُعجبه، ولكن عيناه تُخبرها إنه بحاجة لسماعها.
حاولت الحديث بمزيد من الكلمات ، ولكن نظراته اربكتها
تعالا رنين الهاتف، فوجدته يميل عائداً لتسطحه لا يُريد أن يُجيب على أحد
فاقتربت منه راغبة في التخفيف عنه، ولكن وجدته يغلق عينيه راغبًا بالنوم
جاورته لا تعلم كم مر من الوقت وهي تجلس جواره تارة تنظر إليه لتتأكد من ذهابه في النوم وتارة تسرح مع أفكارها، فلو كانت تحمل في احشائها طفلًا لكان كل شئ تغير.
نهضت أخيراً من فوق الفراش تشعر بالذنب لأنها مقصرة في أداء فرائضها
التقطت قميصه المُلقى أرضًا ثم هاتفه وخرجت به من الغرفه لتمنحه بعض الإسترخاء دون إزعاج
........
هل منزله كان هكذا ملئ بالضحكات والمزاح أم إنها عادة باتت مؤخراً في منزله ؟
وعلى ما يبدو أن عطلة الزواج المزيف ستجعله يكتشف الكثير في منزله الذي كان يلمئه الهدوء
بضيق ارتسم فوق ملامحه هبط الثلاث درجات التي صعدهم فوق الدرج قاصداً غرفته واستدار بجسده متجهًا نحو المطبخ ليرى الشئ الذي يجعلهم يضحكون هكذا
الضحكات كانت تتعالا دون توقف، السيدة سعاد تُقهقه بشدة والعم جميل يُخبرهم أنه سيعيد الأمر ثانية وإذا فشلوا سيتركهم عائداً لعمله بالحديقة بجانب أزهاره
ازداد فضوله كلما اقترب، وسرعان ما كان فضوله يتلاشى وهو يرى ما صدمه
إنهم يلتقطون الصور بالهاتف الجديد الذي أعطاه لها ، وكأنهم في جلسة تصويريه
انتبه العم جميل على وقفته وتحديقه بهم في جمود، مترقبًا ما يفعلوه بنظرات ثاقبة
- جسار بيه
والحرج الذي أصاب العم جميل، اخذ يرتسم أيضًا فوق ملامح السيدة سعاد التي وقفت بوقفة إستعراضيه ترفع معلقة المطبخ الخشبية لأعلى
هم اعتادوا على غيابه هذه الساعات في عمله، فتناسوا وجوده بغرفة المكتب
اسرعت السيدة سعاد في الوقوف بثبات ملتفة صوبه بحرج
- هو البيت بطبيعته كده ولا أنا بيتهيألي
نظراته كانت عالقة بتلك التي انشغلت في النظر صوب الهاتف تُحرك اصابعها فوق شاشته
- بصراحه يا بني من يوم ما بسمه جات البيت وكل حاجة اتغيرت وبقى ليها طعم
العم جميل بطبعه كان صريحًا، ولكنه أدرك فداحة صراحته عندما وجد نظرات السيدة سعاد تتجه نحوه
توتر العم جميل وانسحب مُعللاً لحاجة أزهاره إليه
- هو أنت كنت محتاج حاجة نعملها ليك يا بني
ارتكزت نظراته نحوها، وقد عادت بالأنشغال بالهاتف بطريقة أزعجته وأثارة حنقه
- يعني لو مافيش إزعاج لبسمة هانم ممكن تعمل مشروب الأعشاب اللي بتعمله ليا وتجيبهولي على أوضتي
غادر المطبخ تحت نظراتهم العالقة به، فاقتربت السيدة سعاد منها
- شكله اتضايق مني ومن عمك جميل، أصله متعود على الهدوء اعمليله الأعشاب وأنا اطلعها ليه يا بنتِ عشان أعتذرله
ابتسمت بسمة داخلها فهي تعرف ما ضايقه، بل و بدأت تستنتج السبب وعلى ما يبدو أن الكتاب الذي قرأت منه بضعة أسطر عن طباع الرجال بدء يُثمر بالنتائج
التجاهل يُريح وجسار اكثر ما يمقته أن يتجاهله أحد، أن يشعره بأنه ليس محور الكون
- أنتِ بتضحكي على إيه يا بسمه، اكيد افتكرتي شكلي وأنا واقفة بالمعلقة وعامله زي الأرجوز
انتبهت بسمة على حديث السيدة سعاد، فحاولت رسم ابتسامة واسعة فوق شفتيها حتى لا تُشعرها إنها لم تنتبه على حديثها
- حالاً هعمل الأعشاب
لم تعلق السيدة سعاد على جوابها، رغم إنها لم تكن تنتظر منها هذا الجواب
.......
استمر الهاتف في الرنين فاجبرها رنينه المتواصل هذه المرة لترى اسم المتصل
طالعت باب الغرفة المفتوح ثم الهاتف، وعادت تُحدق بالاسم قبل أن تتخذ قرارها وتُجيب
- سليم مش معقول مش عايز ترد عليا عشان مش متقبل وجود البنت معايا، فين التفاهم و الود اللي اتفقنا عليه عشان البنت
هتفتها شهيرة حانقة، بعدما ابتعدت قليلًا عن خديجة التي انشغلت في تقليب سلطة الفواكه خاصتها بالمعلقة دون شهية
- سليم نايم
تصلبت ملامح شهيرة قليلًا ولكن سرعان ما استرخت ملامحها، فحتى لو استمر عدم تقبلها لفتون إلا أن هناك حقيقة واحدة هي زوجته الحالية وهي طليقته وقد قررت الأنسحاب من حياتهم بعدما فشلت في إعادته إليها
- هو سليم رجع القاهرة ، مش معقول يكون لحق
شهيرة التي لم تكن تعلم بوجود فتون هنا معه
- لاء أنا اللي معاه هنا في الغردقة
تفهمت شهيرة الأمر، بل ولم ترغب في معرفة سبب وجودها المفاجئ
- خديجة زعلانه لأنه زعل منها ومش راضيه تاكل من غيره، وأنا عندي لقاء شغل ومضطرية أخرج من الفندق يعني ساعتين او تلاته وهرجع
- ممكن أنزل أخدها منك
طال صمت شهيرة بضعة ثواني، فشعرت فتون بالندم لتسرعها فهي تعلم عدم تقبل شهيرة لها بل ولا ترغب في تعامل أبنتها معها
- أوك يا فتون، مستنياكِ
اتسعت حدقتي فتون في صدمه، فهل بالفعل وافقت شهيرة دون أن ترفض بل و تحدثوا سوياً بطريقة هادئة حتى لو كانت باردة خالية من الود
أسرعت في تبديل ملابسها وغادرت الغرفة سعيدة إنها باتت تتعامل بمفردها دون اللجوء لأحد
بحثت عن شهيرة في البهو الواسع الخاص بالفندق، لتلوح لها شهيرة بيدها وتضع الهاتف فوق اذنها تُحادث أحدهم بجدية
انهت شهيرة محادثتها، فاقتربت منها فتون ببعض التوتر الذي بدء يتلاشى من داخلها
- فتون البنت مأكلتش حاجة من الصبح، خلي سليم يحاول معها
وبندم أخذ يتغلل داخلها
- فهمي سليم يا فتون إني محتاجه بنتِ حقيقي، أنتوا ممكن تخلفوا وتجيبوا أطفال لكن أنا لاء، أنا محتاجه البنت تكون معايا ومش هحرمه منها، لكن سليم بيعاند معايا وفكرني بعمل كده عشان اخليه يرجعلي
وبكبرياء كان لا يليق إلا بها اردفت
- أنا لو رجعت لسليم مش هتكوني أنتِ موجوده يا فتون، لأن ببساطة أنا مقبلش أكون زوجة تانية
الشحوب ارتسم فوق ملامح فتون، هذه المرأة كل يوم تثبت لها, أن التحدي بينهم لا يجعلها إلا خاسرة والشئ الوحيد الذي يقوي وجودها في حياة سليم هي زهوة الحب، فماذا سيحدث لها إذا اختفت هذه الزهوة ؟
- متخافيش هو زي ما متعلق بخديجة متعلق بيكِ، وأنا خلاص حالياً مبفكرش غير في بنتِ وشغلي وده سبب عدم سفري بعد ما كنت مقررة أبعد فترة
شهيرة لم تسافر للخارج من أجل الإبتعاد قليلاً لهذا السبب، شركة العائلة بدأت بالإنحدار نحو الهاوية، حتى وجودها بالغردقة ليس إلا من أجل بعض العمل والمساومة مع ماهر الذي لا تعرف لما قرر هو الأخر الإلتقاء هنا
- أتمنى إنكم توصلوا لحل يرضيكم أنتوا الاتنين ويريح خديجة لأنها ملهاش ذنب في حاجة
رمقتها شهيرة بنظرات صامته، فاقتربت منهن الصغيرة وطالعت فتون بترقب
- أروح عند بابي يامامي مع فتون
ابتسمت فتون وهي ترى نظراتها صوبها، نظرات لم تكن نافرة كما عهدتها في الأوان الأخيرة، وعلى ما يبدو أن شهيرة لم تعد تشوه صورتها أمام الصغيرة
- روحي يا حببتي، وصالحي بابي وأنا هخلص شغلي ونخرج سوا زي ما وعدتك
والصغيرة كانت سعيدة بأن والدتها لم تنسى ما وعدتها به هذا الصباح
.......
دلفت السيدة سعاد غرفته ببعض التوتر بعدما رتبت الحديث الذي ستخبره به إذ عاتبها على رؤيته لهم بهذا الوضع
وجدته واقف بالشرفة، يستند بكوعيه على سياج الشرفة
- هاتي الأعشاب وقربي يا بسمه
تمتم بها وهو يظن أن تلك الخطوات لها، فازداد توتر السيدة سعاد وهي تراه يظنها بسمه
- أنا يا بني قولت لبسمة تعمل الأعشاب وأنا اطلعها ليك
أشتدت تقطيبة حاجبيه واستدار ببطئ نحو السيدة سعاد، فمحدثة الفوضى في منزله خشت الصعود إليه وبعثت له السيدة سعاد
- والله يا بني ما كنا فاكرين صوتنا عالي، بس كنا فرحانين بالصور، ده أنا في صوره صغرت فيها ولا كأني بنت العشرين، وعمك جميل طلع شبه ممثل معرفش اسمه إيه، بس بسمه قالتلي إنه ممثل
- خلاص يا دادة مش لازم تبرري الموقف، الموضوع عدى خلاص
أسرعت في الأقتراب منه تضع له المشروب فوق الطاولة المستديرة بالشرفه
- يعني أنت مش زعلان مننا، ولا بتقول الست سعاد كبرت وخرفت
ورغماً عنه كان يبتسم، مقتربًا منها يقبل رأسها حتى يثبت لها إنه سعيد برؤيتها هي والعم جميل سعداء
- أنتِ والعم جميل عارفين إنكم عيلتي يا دادة
اتسعت ابتسامة السيدة سعاد، ف دائماً جسار يذكرهم بهذا الشئ إنهم عائلة واحدة ولا ينظر إليهم بأنهم مجرد عاملين لديه
- وبسمه يا بني، ما هي مراتك دلوقتي
تمتمت بها السيدة سعاد غير قاصدة شئ في نيتها وهو كان أكثر الناس دراية بها وبحديثها العفوي
- اهي كلمه مراتي ديه يا داده مش شايف ليها أي إثباتات
تلاعب بمكر وهو يعلم أن السيدة سعاد ستتعامل مع حديثه بسجيتها
- يعني طالب منها تجبلي الأعشاب اوضتي، المفروض كلامي يتنفذ
تلاشت تلك التقطيبة التي احتلت ملامح السيدة سعاد بعدما فهمت ما يقصده
- يا بني ما البنت عملت الأعشاب زي ما قولت وأنا اللي قولتلها أطلعلك بيها
استدار بجسده حتى يخفي ملامحه عن عينين السيدة سعاد
- برضوه يا دادة أوامري لازم تتسمع، ولا هي مش فالحه غير في عمايل الفوضى في بيتي وما شاء الله اخدت حريتها على الأخر
- أوعى يا بني تقولها كده، والله يا بني كل ما عشريتي ليها بتزيد يكتشف معدنها، بنت أصيله تفدي الواحد بروحه بس نصيبها حياتها تكون كده وأنت وعدت الست ملك هتعاملها كويس، الله يكرمك متزعلهاش وأنا هنزل المطبخ اطلعها ليك
وسرعان ما كانت تنظر للغرفة، نافرة من عدم ترتيبها
- هطلعها ترتبلك الأوضة، أنا عارفه إنك بتحب كل حاجة مترتبة
انصرفت السيدة سعاد قبل أن يهتف بشئ، ولكن ها هي ستصعد إليه ليُعاقبها على تجاهلها له ويُخبرها برحلتهم القصيرة التي كان سيرفضها.
.........
قبلات متفرقة كانت تسقط فوق خديه كلما اشاح وجهه
- فتون بطلي لعب عيال، أنا محتاج أنام
نظرت فتون للصغيرة حتى تصمت كما اتفقوا، فاسرعت الصغيرة بوضع كفها فوق شفتيها
- أنا قاعده لوحدي يا سليم وزهقت
عادت الصغيرة لقبلاتها ولكنه لم يكن بمزاج يسمح له بتلك المداعبات
- فتون أنا حقيقي متضايق ومزاجي وحش
واستدار بجسده دون أن يفتح عيناه زافراً أنفاسه بضيق، تأوهت الصغيرة بعدما صدمها بذراعه
ظن إنه يتهيأ الصوت، ففتح عيناه ليتأكد
- شوفت كنت هتعورني يا بابي
اسرع في الإعتدال من رقدته، وقد تراجعت فتون للخلف منسحبة من الغرفة
- خديجة
ضمها إليه بقوة رغم إبتعادها عنه مجرد ساعات إلا إنه أشتاق إليها
- أنا و فتون قولنا نلعب معاك شويه
- حبيبت بابي كده تتفقي عليا مع فتون
التف برأسه باحثًا عنها هي الأخرى، فاجتذبت الصغيرة وجهه إليها بأطراف اصابعها حتى تخبره لما غادرت الغرفه
- فتون زعلت منك عشان أنت كنت وحش معاها يا بابي
- قوليلي أنتِ جيتي إزاي, مامي هي اللي جبتك
نفت الصغيرة برأسها، تخبره بما حدث
شعر بالندم، فلما يُحملها وضع اختاره هو لها
- المفروض بابي يقوم يصالح فتون، لأنها ممكن تعيط
اماءت له الصغيره برأسها، فقبلها بسعادة ونهض من فوق الفراش يشعر بالضيق من حاله
وجدها جالسة في صمت، تُحدق بالجدار الذي أمامها
- مراتي اللي بقت سوبر هيرو وبتخرج وبتطلع لوحدها، بتتقمص بسرعه
- فتون
استمر في ندائها دون جدوى، فسقطت دموعها دون أن تقوى على مقاومة ذرفها
- فتون مالك فيكِ إيه
استمرت في البكاء دون أن تعرف السبب، ولكنها لم تعد تستطيع التحمل، إنها تعيش وتقاوم في حياة لا تصلح لها
خرجت الصغيرة من الغرفة بعدما استمعت لصوت بكائها، وبأعين دامعة اقتربت منها مشفقة
- فتون متزعليش
- فتون مالك أنا بدأت أقلق، مش معقول أنتِ امبارح معملتيش كده والنهارده بتعيطي من غير سبب
بشهقات متقطعة تُحاول معها إلتقاط أنفاسها نطقت أخيراً
- سليم طلقني
والصغيرة تهتف بوالدها راجية
- بوسها يا بابي زي ما بتعمل معايا وهتسكت علطول
أبنته تعطيه الترياق الذي يفعله معها حينا يأخذها بين ذراعيه ويقبل خديها، والأخرى تُطالبه بالطلاق وقد باتت الكلمة في الأوان الأخيرة دوماً على لسانها
- فتون متعيطيش وخلي بابي يبوسك
وهي بينهم كانت في عالم أخر، إنها أصبحت مُثقلة بالهموم والخيبات والمخاوف
ولم يجد بالفعل إلا ليقبلها لعلها تصمت، يُحاول قدر أستطاعته تثبيتها ليتمكن من تقبيلها وعدم رؤية صغيرته لقبلته المختلفة عن خاصتها
........
اغضبه أنها بالفعل شرعت في ترتيب غرفته دون أن تُطالب مجدداً بامتيازاتها بحياته وحقها في نيل مكانتها
ازداد ضيقه وهو يراها تنحني نحو الفراش لتزيل شرشفه وتبدله بشرشف أخر
- بسمه
توقفت عما تفعله تُطالع نظراته الجامدة لا تفهم سببها
- أنا مطلبتش إنك تنضفي الأوضة
طالعته متعجبة فهذا ما اخبرتها به السيدة سعاد، أن غرفته ليست مُرتبة
- لكن دادة سعاد
- أنا طلبت تجبيلي الأعشاب بنفسك، لكن تنضيف أوضتي المفروض في واحده هتكون مسئوله عن تنضيف البيت
طالعت خطواته القريبة منها ، ثم عيناه العالقة بها
- مافيش مشكله، أقوم بالدور لحد ما يكون في بديل
عادت لما تفعله، غير مهتمه بمعرفة السبب الذي استدعاها من أجله
- هنسافر يومين ، للأسف شركائي لما عرفوا إننا مروحناش شهر عسل قرروا يعزمونا يومين في مزرعتهم في الفيوم ومعرفتش أرفض بعد إلحاحهم
طالت نظراتها هذه نحو وسادة الفراش، فعن أي رفقة يُطالبها بها وعن أي شركاء
- محتاجين نقعد نتكلم شويه عشان تعرفي هتتعملي إزاي قدامهم
.........
إنها تشعر بحالة من التخدير في سائر جسدها، بل إنها تشعر بنوع عجيب وجديد عليها من الإسترخاء
مازالت أنفاسه الساخنة تلفح عنقها تشعر بشعور أرادت قتله داخلها ولكن الشعور كان أقوى من سيطرة عقلها عليها
كاظم أعطاها لأول مرة شعور بأنها أمرأة حقيقية و زوجة له وليست مجرد رفيقة فراش، اخذها لسحابة أخرى ظنتها معدمة في الحياة الزوجية التي ارادت مغادرتها بضمير مرتاح دون التجربة ثانية
لمساته كانت حنونه، همسه لكلمات محبه دافئة، نطقه لاسمها ثم تلك الضمة التي ضمها بها إليه يسألها
هل عاملها برفق؟ أم فقد السيطرة على حاله لشدة توقه إليها
فارت القهوة كما فارت من قبل فشعرت بضيق من حالها، فكأنها عروس تعيد ذكريات ليلتها الماضية، فهي بالفعل حمقاء
أعادت صنع القهوة له مرة أخرى وتلك المرة كانت تُقاوم ما يعيده عليها قلبها من لقطات ليلة أمس المخجلة
- فوقي يا جنات، كاظم مش هيحبك بالسهولة ديه، انتوا مبيربطش بينكم غير علاقة جسدية وعمر العلاقة الجسدية ما توصل للحب، ده أعتياد هو قدم ليكِ اللي شايفك عايزاه
وهل تناست أمر الطفل الذي تربط وجوده بالليلة الأخيرة التي نالها فيها بمنتهى الوحشية
عاد كرهها لذاتها يندلع داخلها ، فاسرعت في صب القهوة إليه حتى تدلف غرفتها وتنفرد بحالها لتستعيد توازنها
وضعت له القهوة في عجالة، فضاقت عيناه في دهشة بعدما ازاح عيناه عن حاسوبه الشخصي
- جنات
توقفت مكانها تخشى أن تلتف صوبه فتعود ضعيفة
- عايز اخد رأيك في المشروع الجديد، مش أنتِ كنتِ شغاله في شركة سياحية قبل شغلك عند سليم النجار
استدارت نحوه، فهل بالفعل يُريد إستشارتها في عمله؟
رأها تنظر إليه في فضول، فقاوم تلك الابتسامة التي داعبت شفتيه
- مش معقول مش هستفاد من ذكائك
طالعته في شك، فاجتذبها من ذراعها حتى يريها خطة مشروعه
طالعت ما يعرضه لها على حاسوبه،فأخذت عيناها تلمع في شوق لعملها
اندمجت معه تخبره بوجهة نظرها، بالبداية ظنته لا يأخذ حديثها على محمل الجد ولكن تلك النظرة التي رأته يُطالعها بها، أدركت أنه بالفعل يُنصت إليها
- مكنتش فاكر إنك شاطرة اوي كده
التمعت عيناها بسعادة وهي تستمع لعبارات مدحه
- أنا كنت بشتغل في مجال السياحة لفترة طويله، من ساعة ما اتخرجت
- لو عرضت عليكي تشتغلي معايا، هتوافقي يا جنات
ضاقت عيناها وهي تسمع عرضه، فهل عرضه سيكون قائم حتى بعد أن ينفصلوا
- لكن إحنا هننفصل بعد ما نرجع مصر
رغم الضيق الذي ارتسم في عينيه إلا إنه تحكم في إخفاءه، فعن أي طلاق تتحدث بعد ما صار بينهم ليلة أمس وبعدما أكتشف حملها ورغبتها في إستمرارها باخفاء الأمر عليه
تجاهل أي ضيق يحتله منها، مقتربًا منها فلم يعد يفصلهما شيئًا سوى أنفاسهم
- إحنا بنتكلم في عرض الشغل يا جنات، مش في حياتنا الشخصية
بتوتر ازدردت لعابها، فلم تعد إلا أنفاسهم فاصل بينهم بل وصارت شديدة الالتصاق به
- يعني عرض الشغل قائم حتى لو اتطلقنا
- مش بقول إننا بنتكلم في عرض شغل يا جنات
- أنت مقرب كده ليه
طالع القرب الذي بينهم، فهي لم تعد إلا جالسة فوق ساقيه يأسرها بذراعيه مستمتعاً بنظراتها الهاربة منه ومقاومتها الواهنة
- هو إحنا كده مقربين يا جنات
طالعت الوضع الذي أصبحت به، تُحاول دفعه عنها حتى تفر إلى غرفتها
- أنت بتلعب بيا يا كاظم
داعبت ابتسامة ماكرة شفتيه، هي تراه يتلاعب وهو يرى حاله يعيش تلك اللحظات التي أصبحت تداعب مخيلته معها، هي وحدها من جعلته يحب ما لم يرى حاله سيفعله يوماً
- هو إحنا كده بنلعب يا جنات، لو ديه لعبه فهي لعبة جميلة
ارادت أن تتحدث ولكنه كان الأسرع في إثبات لها جمال لعبته، وشعور أخر كانت تدركه معه اليوم
ضاعت مقاومتها كما ضاعت في ليلة أمس، وهو كان يغرق معها في طريق اللاعودة، فلم يعد قادراً على الإبتعاد عنها ولولا خوفه على طفله لكان اثبت لها حتى أشرق الصباح بأنه بالفعل لم يرتوي منها.
.......
تهاوى بجسده فوق الأريكة خلفه، وقد اختفى كل شئ من حوله من هول الصدمة، أصواتهم حوله كانت تتعالا في تساؤل
- ناهد والولد حصلهم حاجة يا رسلان
خرج صوت كاميليا بصعوبة، بعدما سقط كأس الماء وحبة الدواء من يديها
أنفاسه بدأت تنسحب رويداً، يستمع لأصواتهم وكأنها أتية من بعيد
- رد عليا يا رسلان
اقتربت منه ملك وقد خانتها ساقيها، فسقطت قرب قدميه تُطالعه في رجاء أن يجيبها
- اوعى تقولها يا رسلان، اوعى توجع قلبي
يتبع بإذن الله
******
انتقلت كل النظرات التي تحمل الإتهام نحو كاميليا ، كاميليا التي ارجفها هول ما حدث وسُلبت أنفاسها من شدة الخوف، ستحمل الذنب طيلة عمرها إذا حدث لحفيدها شئ لأنها المتهمة الوحيدة في تخريب حياة أبنائها، فمن شدة عشقها لهم تُريدهم أن يعيشوا حياتهم سعداء والسعادة كانت من وجهة نظرها مختلفة
انزوت بعيداً تنتحب في صمت وتترقب معهم ما يُبلغهم به زوجها ورجاله بعدما استخدم سلطته
الجميع أخذ يُعبر عن مشاعره في صمت، إلا ملك التي ضمتها ميادة إليها تُشاركها البكاء وقد سقطت الصدمة فوق رأسهما خاصة بقوة لأنهم وجدوا رجال الشرطة بالمنزل عندما عادوا من رحلتهم القصيرة
.....
فتحت عيناها بثقل من أثر النعاس الذي يطبق على جفنيها بقوة، الفراش كان دافئ وهي كانت في أقصى درجة من الإسترخاء، ولكن استرخائها أخذ يزول شيئًا فشئ وهي تتذكر أين هي ولما هي هنا؟
وعلى ما يبدو أن الساعات الطويلة التي قضتها نائمة اذهبت عقلها قليلًا
انتفضت من فوق وسادتها تبحث عنه حولها ولكن سرعان ما وجدت رساله منه يُخبرها أن تهاتفه حينما تستيقظ
أسرعت في التقاط هاتفها لترى الوقت أولاً، فاتسعت حدقتيها وهي لا تُصدق إنها بالفعل غفت كل هذه المدة، فالساعة تشير للثالثة عصراً
- معقول نمت كل ده
حاولت فرك رأسها قليلًا من ذلك الضجيج الذي يطرق رأسها، وقررت مهاتفته أولاً ثم النهوض للمرحاض ولكن قبل أن تضغط على زر الأتصال كان باب الجناح يُفتح
تحركت من فوق الفراش لتتمكن من النهوض، ولكن وجدته يتقدم منها في صمت عجيب، يزيل عنه قميصه ثم القاه بفتور
- متقوميش من جانبي يا فتون
ضاقت عيناها في تساؤل بعدما استمعت لطلبه الغريب ، وازداد التساؤل داخلها وهي تراه يتسطح جوارها
أنفاسه كانت عالية وكأنه يُصارع شئ داخله، ضغطه الشديد فوق شفتيه يُشعرها أن هناك شئ يُزعجه
بتوتر تساءلت
- سليم هو في حاجة حصلت، وليه مجبتش خديجة معاك
بتهكم اجابها، يتذكر إلتصاق صغيرته بوالدتها وكأن دوره قد أنتهى من حياتها
- خديجة عايزه تفضل مع شهيرة ، بنتِ اللي أنا كنت رقم واحد في حياتها دلوقتي عايزه تكون مع أمها
ارتفعت وتيرة غضبه كلما تذكر كيف أخبرته أبنته بعدما اطرقت رأسها أرضًا، أنها تُريد العيش مع والدتها، والدتها ستجلب لهما شقة جميلة بعيدة عن قصر الوحش الذي يسكنه حامد، وستجلب لها الكثير من الألعاب وستحكي لها الحكايات التي تُحبها
- شهيرة دلوقتي فاقت وعرفت دورها، بعد ما أنا سمحت ليها تيجي تعيش معانا وتقرب من البنت، عايزة تاخدها خالص مني وتحرمني منها
اجتذب شرشف الفراش بغضب ثم القاه ، فعلقت عيناها به بفزع
- تعرف إيه هي عنها، أنا اللي كنت بقوم بدورها، وهي كانت بتجري وراء نجاحها
التمعت عيناه بالذكريات، فتهاوى بجسده فوق الفراش يحني جزعه العلوي لأسفل ويدفن رأسه بين راحتي كفيه، يتذكر أول مرة تحبو فيها أمام عينيه
- أول مرة زحفت فيها كانت معايا في الشركة، حطيتها وسط العابها وانشغلت في شغلي
داعبت الابتسامة شفتيه وهو يتذكر شعوره تلك اللحظه
- حسيت حاجة بتلعب في رجلي، لقيتها بتحاول ترفع نفسها ليا، فضلت باصص عليها بسأل نفسي هي جات عندي إزاي، لحد ما استوعبت إنها بدأت تتحرك، كبرت قدام عينيا ، كل خطوة أنا كنت معاها فيها، انا عارف إنهم مجرد اربع سنين من عمري معاها، لكن مع كل يوم كانت بتكبر فيه كانت بتغير سليم النجار
- أنا وحش أوي يا فتون، وحش لدرجة محدش يقدر يتخيلها ، لكن اتغيرت معاها
رغماً عنها خانتها دموعها تأثراً، هي لا تعرف هذا الشعور ليس لديها طفوله تجعلها متعلقة بوالديها ولم تحظى بشعور الأمومة ولكنها تفهمه وتشعر به
- خديجة بتحبك يا سليم، لكنها محتاجة مشاعر مامتها..، أنت نجحت لما قربتهم من بعض، بنتك هتكبر من غير ما تحس إن كان ناقصها حنان منكم، أنتوا الاتنين بتسعوا إنكم تدوها حبكم
علقت عيناه بها ، فتوقفت عن الحديث بعدما ظنت أن حديثها لم يُعجبه، ولكن عيناه تُخبرها إنه بحاجة لسماعها.
حاولت الحديث بمزيد من الكلمات ، ولكن نظراته اربكتها
تعالا رنين الهاتف، فوجدته يميل عائداً لتسطحه لا يُريد أن يُجيب على أحد
فاقتربت منه راغبة في التخفيف عنه، ولكن وجدته يغلق عينيه راغبًا بالنوم
جاورته لا تعلم كم مر من الوقت وهي تجلس جواره تارة تنظر إليه لتتأكد من ذهابه في النوم وتارة تسرح مع أفكارها، فلو كانت تحمل في احشائها طفلًا لكان كل شئ تغير.
نهضت أخيراً من فوق الفراش تشعر بالذنب لأنها مقصرة في أداء فرائضها
التقطت قميصه المُلقى أرضًا ثم هاتفه وخرجت به من الغرفه لتمنحه بعض الإسترخاء دون إزعاج
........
هل منزله كان هكذا ملئ بالضحكات والمزاح أم إنها عادة باتت مؤخراً في منزله ؟
وعلى ما يبدو أن عطلة الزواج المزيف ستجعله يكتشف الكثير في منزله الذي كان يلمئه الهدوء
بضيق ارتسم فوق ملامحه هبط الثلاث درجات التي صعدهم فوق الدرج قاصداً غرفته واستدار بجسده متجهًا نحو المطبخ ليرى الشئ الذي يجعلهم يضحكون هكذا
الضحكات كانت تتعالا دون توقف، السيدة سعاد تُقهقه بشدة والعم جميل يُخبرهم أنه سيعيد الأمر ثانية وإذا فشلوا سيتركهم عائداً لعمله بالحديقة بجانب أزهاره
ازداد فضوله كلما اقترب، وسرعان ما كان فضوله يتلاشى وهو يرى ما صدمه
إنهم يلتقطون الصور بالهاتف الجديد الذي أعطاه لها ، وكأنهم في جلسة تصويريه
انتبه العم جميل على وقفته وتحديقه بهم في جمود، مترقبًا ما يفعلوه بنظرات ثاقبة
- جسار بيه
والحرج الذي أصاب العم جميل، اخذ يرتسم أيضًا فوق ملامح السيدة سعاد التي وقفت بوقفة إستعراضيه ترفع معلقة المطبخ الخشبية لأعلى
هم اعتادوا على غيابه هذه الساعات في عمله، فتناسوا وجوده بغرفة المكتب
اسرعت السيدة سعاد في الوقوف بثبات ملتفة صوبه بحرج
- هو البيت بطبيعته كده ولا أنا بيتهيألي
نظراته كانت عالقة بتلك التي انشغلت في النظر صوب الهاتف تُحرك اصابعها فوق شاشته
- بصراحه يا بني من يوم ما بسمه جات البيت وكل حاجة اتغيرت وبقى ليها طعم
العم جميل بطبعه كان صريحًا، ولكنه أدرك فداحة صراحته عندما وجد نظرات السيدة سعاد تتجه نحوه
توتر العم جميل وانسحب مُعللاً لحاجة أزهاره إليه
- هو أنت كنت محتاج حاجة نعملها ليك يا بني
ارتكزت نظراته نحوها، وقد عادت بالأنشغال بالهاتف بطريقة أزعجته وأثارة حنقه
- يعني لو مافيش إزعاج لبسمة هانم ممكن تعمل مشروب الأعشاب اللي بتعمله ليا وتجيبهولي على أوضتي
غادر المطبخ تحت نظراتهم العالقة به، فاقتربت السيدة سعاد منها
- شكله اتضايق مني ومن عمك جميل، أصله متعود على الهدوء اعمليله الأعشاب وأنا اطلعها ليه يا بنتِ عشان أعتذرله
ابتسمت بسمة داخلها فهي تعرف ما ضايقه، بل و بدأت تستنتج السبب وعلى ما يبدو أن الكتاب الذي قرأت منه بضعة أسطر عن طباع الرجال بدء يُثمر بالنتائج
التجاهل يُريح وجسار اكثر ما يمقته أن يتجاهله أحد، أن يشعره بأنه ليس محور الكون
- أنتِ بتضحكي على إيه يا بسمه، اكيد افتكرتي شكلي وأنا واقفة بالمعلقة وعامله زي الأرجوز
انتبهت بسمة على حديث السيدة سعاد، فحاولت رسم ابتسامة واسعة فوق شفتيها حتى لا تُشعرها إنها لم تنتبه على حديثها
- حالاً هعمل الأعشاب
لم تعلق السيدة سعاد على جوابها، رغم إنها لم تكن تنتظر منها هذا الجواب
.......
استمر الهاتف في الرنين فاجبرها رنينه المتواصل هذه المرة لترى اسم المتصل
طالعت باب الغرفة المفتوح ثم الهاتف، وعادت تُحدق بالاسم قبل أن تتخذ قرارها وتُجيب
- سليم مش معقول مش عايز ترد عليا عشان مش متقبل وجود البنت معايا، فين التفاهم و الود اللي اتفقنا عليه عشان البنت
هتفتها شهيرة حانقة، بعدما ابتعدت قليلًا عن خديجة التي انشغلت في تقليب سلطة الفواكه خاصتها بالمعلقة دون شهية
- سليم نايم
تصلبت ملامح شهيرة قليلًا ولكن سرعان ما استرخت ملامحها، فحتى لو استمر عدم تقبلها لفتون إلا أن هناك حقيقة واحدة هي زوجته الحالية وهي طليقته وقد قررت الأنسحاب من حياتهم بعدما فشلت في إعادته إليها
- هو سليم رجع القاهرة ، مش معقول يكون لحق
شهيرة التي لم تكن تعلم بوجود فتون هنا معه
- لاء أنا اللي معاه هنا في الغردقة
تفهمت شهيرة الأمر، بل ولم ترغب في معرفة سبب وجودها المفاجئ
- خديجة زعلانه لأنه زعل منها ومش راضيه تاكل من غيره، وأنا عندي لقاء شغل ومضطرية أخرج من الفندق يعني ساعتين او تلاته وهرجع
- ممكن أنزل أخدها منك
طال صمت شهيرة بضعة ثواني، فشعرت فتون بالندم لتسرعها فهي تعلم عدم تقبل شهيرة لها بل ولا ترغب في تعامل أبنتها معها
- أوك يا فتون، مستنياكِ
اتسعت حدقتي فتون في صدمه، فهل بالفعل وافقت شهيرة دون أن ترفض بل و تحدثوا سوياً بطريقة هادئة حتى لو كانت باردة خالية من الود
أسرعت في تبديل ملابسها وغادرت الغرفة سعيدة إنها باتت تتعامل بمفردها دون اللجوء لأحد
بحثت عن شهيرة في البهو الواسع الخاص بالفندق، لتلوح لها شهيرة بيدها وتضع الهاتف فوق اذنها تُحادث أحدهم بجدية
انهت شهيرة محادثتها، فاقتربت منها فتون ببعض التوتر الذي بدء يتلاشى من داخلها
- فتون البنت مأكلتش حاجة من الصبح، خلي سليم يحاول معها
وبندم أخذ يتغلل داخلها
- فهمي سليم يا فتون إني محتاجه بنتِ حقيقي، أنتوا ممكن تخلفوا وتجيبوا أطفال لكن أنا لاء، أنا محتاجه البنت تكون معايا ومش هحرمه منها، لكن سليم بيعاند معايا وفكرني بعمل كده عشان اخليه يرجعلي
وبكبرياء كان لا يليق إلا بها اردفت
- أنا لو رجعت لسليم مش هتكوني أنتِ موجوده يا فتون، لأن ببساطة أنا مقبلش أكون زوجة تانية
الشحوب ارتسم فوق ملامح فتون، هذه المرأة كل يوم تثبت لها, أن التحدي بينهم لا يجعلها إلا خاسرة والشئ الوحيد الذي يقوي وجودها في حياة سليم هي زهوة الحب، فماذا سيحدث لها إذا اختفت هذه الزهوة ؟
- متخافيش هو زي ما متعلق بخديجة متعلق بيكِ، وأنا خلاص حالياً مبفكرش غير في بنتِ وشغلي وده سبب عدم سفري بعد ما كنت مقررة أبعد فترة
شهيرة لم تسافر للخارج من أجل الإبتعاد قليلاً لهذا السبب، شركة العائلة بدأت بالإنحدار نحو الهاوية، حتى وجودها بالغردقة ليس إلا من أجل بعض العمل والمساومة مع ماهر الذي لا تعرف لما قرر هو الأخر الإلتقاء هنا
- أتمنى إنكم توصلوا لحل يرضيكم أنتوا الاتنين ويريح خديجة لأنها ملهاش ذنب في حاجة
رمقتها شهيرة بنظرات صامته، فاقتربت منهن الصغيرة وطالعت فتون بترقب
- أروح عند بابي يامامي مع فتون
ابتسمت فتون وهي ترى نظراتها صوبها، نظرات لم تكن نافرة كما عهدتها في الأوان الأخيرة، وعلى ما يبدو أن شهيرة لم تعد تشوه صورتها أمام الصغيرة
- روحي يا حببتي، وصالحي بابي وأنا هخلص شغلي ونخرج سوا زي ما وعدتك
والصغيرة كانت سعيدة بأن والدتها لم تنسى ما وعدتها به هذا الصباح
.......
دلفت السيدة سعاد غرفته ببعض التوتر بعدما رتبت الحديث الذي ستخبره به إذ عاتبها على رؤيته لهم بهذا الوضع
وجدته واقف بالشرفة، يستند بكوعيه على سياج الشرفة
- هاتي الأعشاب وقربي يا بسمه
تمتم بها وهو يظن أن تلك الخطوات لها، فازداد توتر السيدة سعاد وهي تراه يظنها بسمه
- أنا يا بني قولت لبسمة تعمل الأعشاب وأنا اطلعها ليك
أشتدت تقطيبة حاجبيه واستدار ببطئ نحو السيدة سعاد، فمحدثة الفوضى في منزله خشت الصعود إليه وبعثت له السيدة سعاد
- والله يا بني ما كنا فاكرين صوتنا عالي، بس كنا فرحانين بالصور، ده أنا في صوره صغرت فيها ولا كأني بنت العشرين، وعمك جميل طلع شبه ممثل معرفش اسمه إيه، بس بسمه قالتلي إنه ممثل
- خلاص يا دادة مش لازم تبرري الموقف، الموضوع عدى خلاص
أسرعت في الأقتراب منه تضع له المشروب فوق الطاولة المستديرة بالشرفه
- يعني أنت مش زعلان مننا، ولا بتقول الست سعاد كبرت وخرفت
ورغماً عنه كان يبتسم، مقتربًا منها يقبل رأسها حتى يثبت لها إنه سعيد برؤيتها هي والعم جميل سعداء
- أنتِ والعم جميل عارفين إنكم عيلتي يا دادة
اتسعت ابتسامة السيدة سعاد، ف دائماً جسار يذكرهم بهذا الشئ إنهم عائلة واحدة ولا ينظر إليهم بأنهم مجرد عاملين لديه
- وبسمه يا بني، ما هي مراتك دلوقتي
تمتمت بها السيدة سعاد غير قاصدة شئ في نيتها وهو كان أكثر الناس دراية بها وبحديثها العفوي
- اهي كلمه مراتي ديه يا داده مش شايف ليها أي إثباتات
تلاعب بمكر وهو يعلم أن السيدة سعاد ستتعامل مع حديثه بسجيتها
- يعني طالب منها تجبلي الأعشاب اوضتي، المفروض كلامي يتنفذ
تلاشت تلك التقطيبة التي احتلت ملامح السيدة سعاد بعدما فهمت ما يقصده
- يا بني ما البنت عملت الأعشاب زي ما قولت وأنا اللي قولتلها أطلعلك بيها
استدار بجسده حتى يخفي ملامحه عن عينين السيدة سعاد
- برضوه يا دادة أوامري لازم تتسمع، ولا هي مش فالحه غير في عمايل الفوضى في بيتي وما شاء الله اخدت حريتها على الأخر
- أوعى يا بني تقولها كده، والله يا بني كل ما عشريتي ليها بتزيد يكتشف معدنها، بنت أصيله تفدي الواحد بروحه بس نصيبها حياتها تكون كده وأنت وعدت الست ملك هتعاملها كويس، الله يكرمك متزعلهاش وأنا هنزل المطبخ اطلعها ليك
وسرعان ما كانت تنظر للغرفة، نافرة من عدم ترتيبها
- هطلعها ترتبلك الأوضة، أنا عارفه إنك بتحب كل حاجة مترتبة
انصرفت السيدة سعاد قبل أن يهتف بشئ، ولكن ها هي ستصعد إليه ليُعاقبها على تجاهلها له ويُخبرها برحلتهم القصيرة التي كان سيرفضها.
.........
قبلات متفرقة كانت تسقط فوق خديه كلما اشاح وجهه
- فتون بطلي لعب عيال، أنا محتاج أنام
نظرت فتون للصغيرة حتى تصمت كما اتفقوا، فاسرعت الصغيرة بوضع كفها فوق شفتيها
- أنا قاعده لوحدي يا سليم وزهقت
عادت الصغيرة لقبلاتها ولكنه لم يكن بمزاج يسمح له بتلك المداعبات
- فتون أنا حقيقي متضايق ومزاجي وحش
واستدار بجسده دون أن يفتح عيناه زافراً أنفاسه بضيق، تأوهت الصغيرة بعدما صدمها بذراعه
ظن إنه يتهيأ الصوت، ففتح عيناه ليتأكد
- شوفت كنت هتعورني يا بابي
اسرع في الإعتدال من رقدته، وقد تراجعت فتون للخلف منسحبة من الغرفة
- خديجة
ضمها إليه بقوة رغم إبتعادها عنه مجرد ساعات إلا إنه أشتاق إليها
- أنا و فتون قولنا نلعب معاك شويه
- حبيبت بابي كده تتفقي عليا مع فتون
التف برأسه باحثًا عنها هي الأخرى، فاجتذبت الصغيرة وجهه إليها بأطراف اصابعها حتى تخبره لما غادرت الغرفه
- فتون زعلت منك عشان أنت كنت وحش معاها يا بابي
- قوليلي أنتِ جيتي إزاي, مامي هي اللي جبتك
نفت الصغيرة برأسها، تخبره بما حدث
شعر بالندم، فلما يُحملها وضع اختاره هو لها
- المفروض بابي يقوم يصالح فتون، لأنها ممكن تعيط
اماءت له الصغيره برأسها، فقبلها بسعادة ونهض من فوق الفراش يشعر بالضيق من حاله
وجدها جالسة في صمت، تُحدق بالجدار الذي أمامها
- مراتي اللي بقت سوبر هيرو وبتخرج وبتطلع لوحدها، بتتقمص بسرعه
- فتون
استمر في ندائها دون جدوى، فسقطت دموعها دون أن تقوى على مقاومة ذرفها
- فتون مالك فيكِ إيه
استمرت في البكاء دون أن تعرف السبب، ولكنها لم تعد تستطيع التحمل، إنها تعيش وتقاوم في حياة لا تصلح لها
خرجت الصغيرة من الغرفة بعدما استمعت لصوت بكائها، وبأعين دامعة اقتربت منها مشفقة
- فتون متزعليش
- فتون مالك أنا بدأت أقلق، مش معقول أنتِ امبارح معملتيش كده والنهارده بتعيطي من غير سبب
بشهقات متقطعة تُحاول معها إلتقاط أنفاسها نطقت أخيراً
- سليم طلقني
والصغيرة تهتف بوالدها راجية
- بوسها يا بابي زي ما بتعمل معايا وهتسكت علطول
أبنته تعطيه الترياق الذي يفعله معها حينا يأخذها بين ذراعيه ويقبل خديها، والأخرى تُطالبه بالطلاق وقد باتت الكلمة في الأوان الأخيرة دوماً على لسانها
- فتون متعيطيش وخلي بابي يبوسك
وهي بينهم كانت في عالم أخر، إنها أصبحت مُثقلة بالهموم والخيبات والمخاوف
ولم يجد بالفعل إلا ليقبلها لعلها تصمت، يُحاول قدر أستطاعته تثبيتها ليتمكن من تقبيلها وعدم رؤية صغيرته لقبلته المختلفة عن خاصتها
........
اغضبه أنها بالفعل شرعت في ترتيب غرفته دون أن تُطالب مجدداً بامتيازاتها بحياته وحقها في نيل مكانتها
ازداد ضيقه وهو يراها تنحني نحو الفراش لتزيل شرشفه وتبدله بشرشف أخر
- بسمه
توقفت عما تفعله تُطالع نظراته الجامدة لا تفهم سببها
- أنا مطلبتش إنك تنضفي الأوضة
طالعته متعجبة فهذا ما اخبرتها به السيدة سعاد، أن غرفته ليست مُرتبة
- لكن دادة سعاد
- أنا طلبت تجبيلي الأعشاب بنفسك، لكن تنضيف أوضتي المفروض في واحده هتكون مسئوله عن تنضيف البيت
طالعت خطواته القريبة منها ، ثم عيناه العالقة بها
- مافيش مشكله، أقوم بالدور لحد ما يكون في بديل
عادت لما تفعله، غير مهتمه بمعرفة السبب الذي استدعاها من أجله
- هنسافر يومين ، للأسف شركائي لما عرفوا إننا مروحناش شهر عسل قرروا يعزمونا يومين في مزرعتهم في الفيوم ومعرفتش أرفض بعد إلحاحهم
طالت نظراتها هذه نحو وسادة الفراش، فعن أي رفقة يُطالبها بها وعن أي شركاء
- محتاجين نقعد نتكلم شويه عشان تعرفي هتتعملي إزاي قدامهم
.........
إنها تشعر بحالة من التخدير في سائر جسدها، بل إنها تشعر بنوع عجيب وجديد عليها من الإسترخاء
مازالت أنفاسه الساخنة تلفح عنقها تشعر بشعور أرادت قتله داخلها ولكن الشعور كان أقوى من سيطرة عقلها عليها
كاظم أعطاها لأول مرة شعور بأنها أمرأة حقيقية و زوجة له وليست مجرد رفيقة فراش، اخذها لسحابة أخرى ظنتها معدمة في الحياة الزوجية التي ارادت مغادرتها بضمير مرتاح دون التجربة ثانية
لمساته كانت حنونه، همسه لكلمات محبه دافئة، نطقه لاسمها ثم تلك الضمة التي ضمها بها إليه يسألها
هل عاملها برفق؟ أم فقد السيطرة على حاله لشدة توقه إليها
فارت القهوة كما فارت من قبل فشعرت بضيق من حالها، فكأنها عروس تعيد ذكريات ليلتها الماضية، فهي بالفعل حمقاء
أعادت صنع القهوة له مرة أخرى وتلك المرة كانت تُقاوم ما يعيده عليها قلبها من لقطات ليلة أمس المخجلة
- فوقي يا جنات، كاظم مش هيحبك بالسهولة ديه، انتوا مبيربطش بينكم غير علاقة جسدية وعمر العلاقة الجسدية ما توصل للحب، ده أعتياد هو قدم ليكِ اللي شايفك عايزاه
وهل تناست أمر الطفل الذي تربط وجوده بالليلة الأخيرة التي نالها فيها بمنتهى الوحشية
عاد كرهها لذاتها يندلع داخلها ، فاسرعت في صب القهوة إليه حتى تدلف غرفتها وتنفرد بحالها لتستعيد توازنها
وضعت له القهوة في عجالة، فضاقت عيناه في دهشة بعدما ازاح عيناه عن حاسوبه الشخصي
- جنات
توقفت مكانها تخشى أن تلتف صوبه فتعود ضعيفة
- عايز اخد رأيك في المشروع الجديد، مش أنتِ كنتِ شغاله في شركة سياحية قبل شغلك عند سليم النجار
استدارت نحوه، فهل بالفعل يُريد إستشارتها في عمله؟
رأها تنظر إليه في فضول، فقاوم تلك الابتسامة التي داعبت شفتيه
- مش معقول مش هستفاد من ذكائك
طالعته في شك، فاجتذبها من ذراعها حتى يريها خطة مشروعه
طالعت ما يعرضه لها على حاسوبه،فأخذت عيناها تلمع في شوق لعملها
اندمجت معه تخبره بوجهة نظرها، بالبداية ظنته لا يأخذ حديثها على محمل الجد ولكن تلك النظرة التي رأته يُطالعها بها، أدركت أنه بالفعل يُنصت إليها
- مكنتش فاكر إنك شاطرة اوي كده
التمعت عيناها بسعادة وهي تستمع لعبارات مدحه
- أنا كنت بشتغل في مجال السياحة لفترة طويله، من ساعة ما اتخرجت
- لو عرضت عليكي تشتغلي معايا، هتوافقي يا جنات
ضاقت عيناها وهي تسمع عرضه، فهل عرضه سيكون قائم حتى بعد أن ينفصلوا
- لكن إحنا هننفصل بعد ما نرجع مصر
رغم الضيق الذي ارتسم في عينيه إلا إنه تحكم في إخفاءه، فعن أي طلاق تتحدث بعد ما صار بينهم ليلة أمس وبعدما أكتشف حملها ورغبتها في إستمرارها باخفاء الأمر عليه
تجاهل أي ضيق يحتله منها، مقتربًا منها فلم يعد يفصلهما شيئًا سوى أنفاسهم
- إحنا بنتكلم في عرض الشغل يا جنات، مش في حياتنا الشخصية
بتوتر ازدردت لعابها، فلم تعد إلا أنفاسهم فاصل بينهم بل وصارت شديدة الالتصاق به
- يعني عرض الشغل قائم حتى لو اتطلقنا
- مش بقول إننا بنتكلم في عرض شغل يا جنات
- أنت مقرب كده ليه
طالع القرب الذي بينهم، فهي لم تعد إلا جالسة فوق ساقيه يأسرها بذراعيه مستمتعاً بنظراتها الهاربة منه ومقاومتها الواهنة
- هو إحنا كده مقربين يا جنات
طالعت الوضع الذي أصبحت به، تُحاول دفعه عنها حتى تفر إلى غرفتها
- أنت بتلعب بيا يا كاظم
داعبت ابتسامة ماكرة شفتيه، هي تراه يتلاعب وهو يرى حاله يعيش تلك اللحظات التي أصبحت تداعب مخيلته معها، هي وحدها من جعلته يحب ما لم يرى حاله سيفعله يوماً
- هو إحنا كده بنلعب يا جنات، لو ديه لعبه فهي لعبة جميلة
ارادت أن تتحدث ولكنه كان الأسرع في إثبات لها جمال لعبته، وشعور أخر كانت تدركه معه اليوم
ضاعت مقاومتها كما ضاعت في ليلة أمس، وهو كان يغرق معها في طريق اللاعودة، فلم يعد قادراً على الإبتعاد عنها ولولا خوفه على طفله لكان اثبت لها حتى أشرق الصباح بأنه بالفعل لم يرتوي منها.
.......
تهاوى بجسده فوق الأريكة خلفه، وقد اختفى كل شئ من حوله من هول الصدمة، أصواتهم حوله كانت تتعالا في تساؤل
- ناهد والولد حصلهم حاجة يا رسلان
خرج صوت كاميليا بصعوبة، بعدما سقط كأس الماء وحبة الدواء من يديها
أنفاسه بدأت تنسحب رويداً، يستمع لأصواتهم وكأنها أتية من بعيد
- رد عليا يا رسلان
اقتربت منه ملك وقد خانتها ساقيها، فسقطت قرب قدميه تُطالعه في رجاء أن يجيبها
- اوعى تقولها يا رسلان، اوعى توجع قلبي
يتبع بإذن الله
الجزء الثاني
*******
تظن أنك وحدك من تتلقفك الأمواج العاتية، ولكن حينا تُلقي عيناك بنظرة خاطفة نحو من حولك ستجد أن الجميع مثلك يُصارعون الحياة وأنفسهم بضراوة.
داعبت نسمات من الهواء خديها رغم حرارة الجو وقد احتضنت الشمس كل ما حولها بحرارتها.
كعادتها باتت مؤخراً، تستيقظ في الرابعة فجراً تُصلي فرضها، تُرتل بخشوع وردها اليومي وتظل مستيقظة حتى يشرق الصباح بنوره ثم تقف في وقفتها التي اعتادت عليها منذ أن أتوا لهذا المنزل الذي اشتراه رسلان بعيداً عن صخب المدينة.
اختارت العزلة وأختار هو أن يمنحها ما اختارته وأرادته وقد عادت إلى وحدتها وألامها, وقد أبى كلاهما مفارقتها.
صوت الطيور بدء يتعالا من حولها وقد اختفت تلك الزقزقات اللطيفة التي تُداعب أذنيها في الصباح الباكر، حتى تلك النسمات الباردة بعض الشئ غادرتها البرودة.
ليت الضجيج وذلك اليوم يُغادر ذاكرتها، اغمضت عيناها وهي تشم رائحته وقد اقترب منها بخطواتً هادئة
- هتأخر النهاردة في المستشفى
أخبرها بعبارته الروتينية، فاستدارت بجسدها إليه ودلفت من الشرفة تنظر إليه دون حديث.
إنها تحتاجه كما يحتاجها ولكن كل منهما عزل نفسه عن الأخر منذ ما حدث.
- محتاجه حاجة
وبحركة من رأسها كانت تُخبره إنها ليست بحاجة لشئ، بل ما تحتاجه هو الراحة وعدم الشعور بالذنب، لقد اخلفت وعدها لشقيقتها ولم تحافظ على أحد صغيريها
احتضنتها ذراعيه يمنحها ويمنح حاله بعض السلام، شعرت بقبلته فوق رأسها ثم ابتعده عنها يسمح هذه المرة لكفيه أن يُداعبا خديها، بتعلثم هتفت وهي تعلم الجواب
- مش هتفطر
- هفطر في المستشفى
غادر المنزل؛ فعلقت عيناها بطيفه، هو يتألم أكثر منها ولكنها أضعف من أن تزيل عنه ألمه وتُسانده.
خرج بسيارته من بوابة المزرعة الصغيرة التي اِبتاعها في مدينة الفيوم بعد ما حدث منذ شهراً ، كان مثلها يُريد الإبتعاد عن الجميع وعن كل شئ.
اتخذ جانب الطريق، ووقف بسيارته يسمح لانفاسه الهادرة أن تتحرر لعلها تُخفف ما يشعر به وأغمض عيناه للحظات يستعيد ذكرى تلك الليلة.
يهرول داخل المشفى بأنفاس لاهثة بعدما هاتفه والده وأخبره أنهم وجدوا خالته و عزالدين ثم انقطع الاتصال.
شعور قاسي كان يقبض فوق فؤاده، يشعر بأن أنفاسه تنسحب.
اقترب منه والده بعدما رأه قادم ثم احتضنه بقوة باكياً
- أنت مؤمن يا بني بقضاء الله
وها هي الحقيقة تُقال، رحل صغيره.. رحل مع المرأة التي جعلته يعيش كل شعور سئ بحياته وأخذت معها أغلى ما لديه.
.........
اقتربت ملك من الصغير تُحاول رسم ابتسامتها، طالعها الصغير بعدما ازاح يد مربيته عن إطعامه.
امتدَّت يديه الصغيرتين لها راغبًا أن تمنحه حضنها. توقفت عن الاقتراب تخشى أن يسألها ما أجبرها على تجنبه، فما الذي ستخبره به إذا سألها مجدداً عن توأمه.
ورغمًا عنها كانت دموعها تناسب فوق خديها، فاسرعت في اشاحت وجهها عنه تمسح دموعها، تزفز أنفاسها دفعات متتالية حتى تستطيع أن تأخذه بأحضانها وتُخبره إنها لم تعد مريضة كما أخبروه فلذلك ابتعدت عنه
- ماما أنتِ صحيتي من النوم، متناميش تاني كتير
الكلمات خرجت من فمه غير واضحه، ولكنها كانت أكثر من يفهمهم ، وقد ضاعت هم وبقى لها واحداً يهتف اسمها، يناديها أن تقترب منه
نفضت رأسها عما تشعر به وعادت تقترب من الصغير، انسحبت المربية التي تعتني بكل ما يخص الصغير منذ أن تم تعينها.
- حبيبي ليه مخلصتش أكلك
والصغير يتمسح بها غير عابئ بطعامه
- ماما أنا بحبك أوي
لم تشعر ملك بدموعها التي انسابت فوق خديها، تبعده عنها لترى ملامحه وكم يؤلمها حينا تنظر إليه وترى لمعان الدموع بعينيه، فهل يشتاق لتوأمه؟
- وأنا كمان بحبك أوي يا قلب ماما، سامحني يا حبيبي لو مكنتش سافرت وبعدت عنكم مكنش ده حصل
والصغير لا يفهم شئ من اعتذاراتها بل يرفع كفيه الصغيرين ليزيل عنها دموعها، حتى إنه كان اليوم رحيمًا بها ولم يسأل عن توأمه رغم بحثه عنه بعينيه.
........
نوبة من القيء اصابتها بشدة رغم محاولتها المستميته في تناول كل ما هو حامض هذا الصباح إلى أن يُغادر ويتركها في إنهاكها ، فقد أوشكت على دخول شهرها الثالث.
اندفع خلفها دورة المياة بعدما افزعه هرولتها و توقف مكانه وهو يراها منحنية بجسدها تُحاول النهوض عن تلك الوضعية بعدما افرغت كل ما في معدتها
عيناها علقت به وهي تستدير، يراها تنظر إليه في خوف وترقب
- هنروح للدكتور
وبتهكم اردف قبل أن تمنحه الجواب الذي لو القته على مراهق سينفجر ضاحكًا
- بيتهيألي إن دور البرد طول اوي معاكِ يا جنات
ازداد شحوبها ، فتلميحات كاظم المبطنة باتت تُشعرها بل تؤكد لها إنه يعي كل شئ ولكنه يتخذ دور المتفرج
داهمها الدوار لكنها حاولت أن تقف ثابتة.
رمقها كاظم بجمود يقبض فوق كفيه بقوة فهي مازالت مصرة أن تضعه في الخانة التي وضعتها به مهما بات يفعل لها ، جنات لا تصدق مشاعره رغم تجاوبها معه بل تظن إنه يتلاعب بها، يكاد يُجن منها ومن عقلها الأبله.
انتبه على ترنحها في خطواتها، فاسرع مقتربً منها يسندها بذراعيه
- كفايه عناد وخلينا نروح للدكتور
انسحبت أنفاسها فقد ضاعت جميع حججها وطالت رحلتهم هنا، عليها أن تُخبره بأمر الطفل ولكنها مازالت خائفة من غدره
- هنام شوية واصحى كويسة
حاولت أن تبتعد عنه حتى تثبت له صدق ما تقول ولكنه ضمها إليه يسير بها نحو الفراش
- اتحركِ براحه وبلاش كلام كتير
- هتتأخر على اجتماعك
سطحها فوق الفراش برفق متجاهلًا ما تقوله، يضع رأسها فوق الوسادة ينظر لوجهها الشاحب ضغطًا فوق شفتيه بقوة، إنه يُسيطر على حاله بصعوبة ليثبت لها إنه غافلاً عن خدعتها .
حاول تهدأت حاله من الغضب الذي يحتله كلما رأها مستمرة في كذبتها عليه، فهل ستنتظر حتى يولد الطفل لتخبره
- أنا هنام متقلقش، روح أجتماعك
تُحاول صرفه حتى تتمكن من أخذ موعد لدى الطبيبة التي بحثت عنها عبر مواقع الانترنت
لم يمنحها الجواب، بل منحه لمديرة مكتبه يُخبرها أن تلغي جميع مواعيده الهامة فهو لن يأتي الشركة اليوم
- بلغي بشمهندس أمير يحضر اجتماع النهاردة والتقرير يكون عندي بكره بكل حاجة تمت
أنهى مكالمته دون أن تحيد عيناه عنها، فاخذت تزدرد لعابها ببطئ فقد ضاع أول موعد لها مع الطبيبة
ازال عنه سترته يُتابع خلجات وجهها مستمتعاً بلعبتهم السخيفة سوياً
- شايفك مش مبسوطة
- أنا
تسألت وهي تتحاشى النظر إليه، فابتسم وقد اتخذ مكانه قربها
- يعني حاسس إنك مكنتيش عايزاني ألغي الاجتماع، لكن يا ترى عشان مصلحتي ومصلحة الشغل ولا عشان حاجة تانية
أراد أن ينفجر ضاحكاً وهو يراها تُطالعه عقب عبارته تارة بشر وتارة بعدم فهم
ازداد قربه منها فاصبح يُحاوطها بذراعيه، متلذذاً من تلك الرجفة الخفيفة التي شعر بها عندما لمسه لجسدها
- جنات أنتِ بتاخدي حبوب منع الحمل
تجمد جسدها أسفل لمساته، فما الذي يفعله بها هذا الرجل، هل هو فاهم لكل شئ أم جاهلًا؟
ارتفع كلا حاجبيه بعدما أصبح وجهه مقابل لوجهها، ينتظر سماع جوابها
- كنت باخد لكن..
تعلثمت في نطق كلماتها، نظراته كانت مراوغة لكنها لم تكن في موضع يسمح لها بفهم نظراته
هي باتت هذه الأيام ضعيفة في كل شئ، لا تفكر إلا في المخاوف التي تقتحمها، هذه العائلة تعلم تماماً أن دمائهم خبيثة ، يجيدون التلاعب حتى ينالوا ما يريدون، فعلها والده من قبل مع والدها وهي لعبتها معه حتى تتزوج بالحصان الرابح الذي اعجبها.
حمقاء هي حواء، تظن إنها تُجيد التلاعب في ساحة الرجال ولا تعلم أن تلاعبها ينبع من رغبتها في القرب
- مش فاهم يا جنات، يعني كنتِ و دلوقتي وقفتي الحبوب
اماءت برأسها تنتظر أن ترى ردة فعله التي ستشجعها في كشف سرها
- أنت عايزني ارجع اخدها
وعلى ما يبدو إنه يوم إرتفاع صوت ضحكاته الصاخبة، ألمته معدته من شدة الضحك،
فحاولت الإبتعاد عنه وهي تراه يضحك بتلك القوة، تشعر بالإهانة من عدم جوابه
- إيه يا حببتي هو أنتِ زعلتي عشان بضحك
حاول جاهداً تمالك حاله ولكن سرعان ما كانت ضحكاته تتعالا مرة أخرى
دفعته عنها ولكنه كان اسرع منها في تثبيتها بين ذراعيه
- هي حبوب منع الحمل بقت تتاخد بعد ما الجهود العظيمة بتثمر
اتسعت حدقتيها فزعًا وهي تراه يرمقها بنظرة شديدة القتامة
- تعرفي كنت هشك في قدراتي يا زوجتي العزيزة
تسارعت أنفاسها تُطالعه في صدمة، كاظم كشف أوراقه
- كنت عايز اكمل لعب معاكِ شوية، لكن الموضوع بقى سخيف، شايفك ساكته ومصدومة يا جنات
ضاقت عيناه وهو يراها ساكنة اسفله ولولا رؤيته لأنفاسها تعلو وتهبط لظنها فقدت وعيها
- حببتي هو أنتِ لدرجادي شيفاني راجل مغفل مش بفهم
- أنت هتاخده مني
حمقاء وغبية وعمياء هكذا كان ينعتها داخله هذه اللحظه.
اغمض عيناه قليلاً لعله يُهدء من وتيرة غضبه، لقد بات يفعل لها كل شئ حتى يثبت لها حسن نيته، صحيح لم يصارحها بحبه صراحة والأفضل ألا تنتظر منه هذا الأمر ولكنه بات يُعبر عن مشاعره بكل صراحة.
يُعانقها، يُدللها حتى الأزهار اشتراها لها، يستمع إليها في صبر، يتركها تخرج عليه بعض من مزاجها السئ
إنه تغير لدرجة أصبح يشعر بالصدمة من حاله، وقد صار لديه نقطة ضعف وذاق ما اقسم أن لا يذوقه يوماً
فهل لفظ كلمات الحب، ما ستجعلها تُصدق إنه لم يعد يتلاعب بها ولن يأخذ منها الطفل
- لأول مرة اكتشف إني صبور أوي يا جنات، صبور لدرجة إني عايز اعمل تصرف مش هيعجبك لكني مسيطر على غضبي
حررها أخيراً من أسر ذراعيه وابتعد عنها ناهضًا من فوق الفراش، يُطالعها وهي تزدرد لعابها في خوف ثم اعتدلت من تسطحها الذي بات غير مريح
- أنت عارف من ساعة ما اتعشينا مع خديجة النجار
واسرعت في ربط أحداث اليوم تضع بيدها فوق شفتيها
- نفس الليلة اللي رجعنا نقرب فيها من بعض
وفي صدمة نطقت وكأنها أخيراً فاقت من غيبوبة لا تعلم كيف احتلت عقلها
- يعني كل اللي بتعمله ده عشان الطفل
تجمدت عيناها نحوه وهي تراه يُحدق بها في صمت
- أنتِ عرفاني كويس يا جنات، أنا راجل صريح حتى لو هوجع اللي قدامي بصراحتي وعشان أنهي لعبتنا اللي طالت ومبقاش ليها داعي خلاص، ف الأجابة اه ديه كانت نيتي في البداية
الجمتها الصدمة لقد صدق حدسها كاظم يخدعها، إنه ابن جودة النعماني فماذا كانت تنتظر منه؟
- مفكرتيش ليه كنت بتجاهل تاخدي حبوب منع الحمل، مفكرتيش ليه مكنتش بدور وراكي ولا بهتم، لأني فكرت فيها كويس، أنت خلتيني أعمل حاجة مكنتش عايزاها يا جنات ف بالتالي مش لازم أخرج خسران، ومش هخسر حاجة لما يبقالي طفل منك، ست قوية وجريئة قدرت تخليني اتجوزها، فديه مميزات كفية إنها تخليني اشوفك أم لطفل من صلبي
- كفاية
انسابت دموعها فوق خديها، إنه قاسي حتى في إعترافه، اقترب منها يتلقفها بين ذراعيه بعدما كادت أن تسقط
- كل حاجة اتغيرت يا جنات،قربي منك هنا مش خدعه كل لحظة جمعتنا هنا كانت مشاعري فيها صادقه
- أنت كداب
ورغمًا عنه كان يبتسم، حاولت التخلص من ذراعيه ولكنه كان أشد منها إصراراً في إحتجازها داخل احضانه
- أهي اكتر صفة مش فيا الكدب، و أوحش صفة فيا إني عامل زي البحر موجه غدار يا جنات
تمكنت من الفكاك منه أخيراً، فارتسمت ابتسامة لا تعرف مهيتها أهي خبيثه ام دافئة يُطمئنها بها
ازداد عيناه قتامة وهو يراها تتراجع عنه تحتضن بطنها بذراعيها
- كل اللحظات اللي جمعتنا الأيام اللي فاتت شيفاها كدب يا جنات، لدرجادي أنا بارع في التمثيل عشان اكون بخدعك بشعور أكبر منك ومني
- البحر لما بتتلقفك أمواجه مرة وتاخدك لقاعه بتعلمك إنك تخاف وأنت علمتني اخاف من غدرك يا كاظم، علمتني ووجعتني
- أنتِ اللي اختارتي البداية يا جنات، اختارتي البداية الغلط
بمرارة واحتقار لذاتها تمتمت
- عشان كنت عايزة اوصلك، لو مكنتش عملت كده مكنتش اتجوزتني
- عايزة إيه يا جنات، عايزة تتحرري مني ولا عايزة تفضلي معايا لأني شايف مهما بعمل ديما عندك شك في مشاعري
سقطت دموعها لأنها اختارت طريقها معه، فقد انتهت إشعارات الكرامة والكبرياء التي اسمعتها لحالها في ليالي كنت تغفو محتقرة حالها
- عايزة تحبني، مش عايزة اكون ست جسمك بيتفاعل مع جسمها لأن اللي بينكم مجرد كيميا
هو لن يُنكر أن لحظاتهم كانت اغلبها تنتهي بالفراش، وكأنه يُخبرها بهذه الطريقة هكذا هو يُحبها
- ألبسي خليني لنروح المستشفى
هكذا انسحب من الجواب، هو يُحبها وهذه حقيقة بات متأكداً منها ولكن لا يستطيع نطقها لكنه يبرهنها لها.
.......
ترجلت من سيارة الأجرة تمنح السائق أجرته بابتسامة صافية، إنها حقاً باتت سعيدة، باتت تشعر أن لها كيان تسعى لتحقيقه وقد خرجت من عباءة الذل التي أراد فتحي اطماسها فيها.
دلفت صائحة باسم السيدة سعاد واسرعت بالدلوف إليها المطبخ
- جعانه جدا يا دادة
طالعتها السيدة سعاد بابتسامة صادقة محبة تسألها عن يومها بالمعهد وكان اهم سؤال أصبحت السيدة سعاد تُحب السؤال عنه منذ أن صارحتها بسمة بنظرات المُحاضر الشاب واهتمامه بها رغم إنها اقل جمالاً من الفتيات اللاتي يحضرون معها دورة الحاسوب
- قوليلي بصلك كام بصه النهاردة
تعالت ضحكات بسمة غير مصدقة ان السيدة سعاد أصبحت مهتمه بالأمر رغم إنه كان مجرد حديث عابر بينهم
- خليتي الاربع نظرات اللي حكتلك عنهم عدد يا داده
وكظتها السيدة سعاد بخفه مستمتعه بذلك التورد الطفيف الذي أحتلى ملامحها
- ما هي بتبدء بنظرة إيش فهمك أنتِ
تعالت ضحكات بسمة عالياً، يبدو أن السيدة سعاد كانت امرأة حالمة بشدة في صباها
- النهاردة مدح فيا قدام زمايلي وقالي إني ذكية وبفهم بسرعة
طالعت السيدة سعاد فرحتها، بسمة منذ أن بدأت تتعلم مهارات جديدة وتخرج من ذلك الإطار الذي وضعت حالها داخله وقد بدأت تخطو أول خطواته، إنها باتت مطمئنة أنها حينا تغادر حياة السيد جسار ستكون قوية، لقد استغلت ما قدم لها بإصرار
- العلام حلو يا بنتِ والست الذكية هي اللي متخليش حلمها مجرد وردة وراجل وحكاية بتخلص زي الحواديت، كل ده بيجي في وقته لكن الأفضل يجي بعد ما تبني ذاتك يا بسمة
ابتلعت بسمة تلك المرارة التي احتلت حلقها كلما لاحت أحدى الذكريات داخلها،عليها أن تنجح وتصبح أمرأه عاملة مستقلة، عليها أن تؤكد لعقلها كل ليلة أن ما تعيشه تحت كنفه سينتهي يوماً لأنها ليست باقية بحياته بل هي مرحلة أتخذها بأرادته وكانت هي الرابحة إذ فكرت بالعقل دون حساسية.
انتبهت على صياح السيدة سعاد ثم تحركها من أمامها بعجالة حتى تُنهي تحضير الطعام
- جسار بيه على وصول وأنا لسا مخلصتش الأكل
- هطلع أغير هدومي وأنزل اساعدك يا دادة
رمقتها السيدة سعاد بنظرة دافئة وهي تُغادر، تزفر أنفاسها بتنهيدة طويلة فماذا سوف تفعل عندما ترحل بسمة عن حياتهم حينا يُطلقها السيد جسار؟
........
بثقل القت حقيبتها فوق الفراش، تميل برفق للخلف لتتسطح قليلاً
- مالك يا بسمة، المفروض تكوني سعيدة، بقى عندك كل حاجة ومبقاش حد عارف إنك اخت واحد رد سجون حتى هو بقى يعملك كويس صحيح معاملته اتغيرت لإنه بقى متعاطف معاكِ أكتر لكن على الاقل مبقاش يوجعني لا بنظراته ولا كلامه
والذكرى المريرة عادت تقتحم ذاكرتها، تلك الليلة أقسمت أن تجعل لنفسها شأن وترفع رأسها غير عابئة بنظرات أحد
منذ أكثر من شهر، أخذها معه لتلك الرحلة القصيرة التي دعاه لها أحد شركائه لقضاء يومين والتمتع بعطلة الزواج القصيرة.
كان بيت ريفي يُحاوطه كل مظاهر الريف ولكن بأهتمام وعناية، سنوات عمرها قضتها في الشوارع الضيقة المعبئة بالأدخنة وصياح البائعين ولكن هنا كانت الحياة مختلفة
- المكان جميل أوي
تمتمت بها بعدما جالت عيناها بنظرة سريعة بالمكان
- بلاش أنبهارك الشديد بأي حاجة تشوفيها هنا
سقطت قسوة كلماته على مسمعها، هي لا تنبهر بشئ لأنها تعرف تماماً أن الكثير من ترف الحياة ليس لها لكنها كانت مجرد كلمات قالتها لأنها احبت المكان الذي أتت إليه مجبرة
- أنا حافظة الدرس كويس يا جسار بيه
هتفت بها وهي تمدّ يدها نحو باب السيارة تفتحه، فعلقت يدها في الهواء وهي تشعر قبضة كفه فوق ذراعها
- أهي أول حاجتين غلط بيأكدوا إنك متعلمتيش أي حاجة، في واحدة تقول لجوزها بيه وكمان من التحضر تستنيني أنزل من العربية وافتح الباب, أنتِ ناسية إننا عرسان جداد
ترددت صدى الكلمات داخل أذنيها، فاطبقت فوق جفنيها بقوة لعلها تستطيع زفر أنفاسها
- السيد شريف و زوجته السيدة رقية جايين علينا، ارسمي ابتسامة على وشك الناس اللي زي ديه بتهتم بالعلاقات الزوجية
غادر سيارته ليُطبق ما يراه صحيحاً في العلاقات ولكن معها كل شئ يُمثله بإحتراف
فتح لها باب السيارة وساعدها في الترجل منها يرسم فوق شفتيه ابتسامة واسعة
- متعرفش أنا اتبسطت أد إيه لما بلغتني بترحيبك للفكرة
رحب به السيد شريف بحرارة، كما رحبت زوجته بها، وقد حاولت أن تجيد الدور الذي حفظته ، لا تُثرثر كثيراً بضعة كلمات تكفي
السيدة رقية رغم لطافتها إلا إنها كانت شديدة الاهتمام بالتفاصيل، تتسأل عن المكان الذي تجلب منه ثيابها وعن مصفف الشعر الذي تذهب إليه وعن النادي الرياضي الذي يجب عليها الإشتراك فيها إن لم تكن عضوة به
- أنتِ خريجة إيه يا بسمة
وها هي تذهب لنقطة أخرى من الأسئلة، علقت عيناها بجسار وقد وقف جوار السيد شريف يرتشوف قهوتهم ويتحدثون عن العمل
- أنا...
حاولت ترتيب كلماتها لتُخبرها إنها بعد شهران وستبدء أول فصل دراسي لها لأنها أجلت دراستها لظروف ما مرت بحياتها ومنها موت والدها.
هكذا اتفقوا إذا سألها أحداً عن مستوى تعليمها ولكن السيدة رقية لم تنتظرها أن تتحدث عن حالها بل أخذت تتحدث عن تعليمها واصلها و والديها الأطباء وشقيقها الضابط وشقيقتها الصغرى التي أتت أخيراً من أمريكا بعد إتمام دراستها وقد اقترحت على جسار و زوجها أن تعمل معهم وتدير خطة التسويق
" سيرين" تلك الفتاة التي صارت تسمع اسمها في بعض مكالمات الصباح.
زفراتها الحارة خرجت بحرقة لا تعلم سببها، تلوم حالها لأنها مازالت حتى اليوم تنظر لهذا الرجل بنفس النظرة التي نظرتها له في أول مرة أتى فيها حارتهم وطرق باب ملك.
.......
هي كما قال لها إنها لا تعرف ماذا تُريد، صحيح تلك العبارة أوجعتها ذلك اليوم الذي انفجرت فيه باكية تُطالبه بالطلاق ولكن مع الأيام الأخيرة صارت تُدرك حقيقة ما أخبرها به.
غادرت الجمعية وقد أصبحت مواظبة على الذهاب إليها ، يومين بالأسبوع ويومين آخرين خصصتهم للرياضة حتى تزيل عنها تلك الطاقة السلبية التي تأتيها من حيناً إلى أخر والمحافظة على رشاقتها.
فتون صارت تهتم بجسدها وبهيئتها إنه لشئ عجيب على شخصيتها ولكن بعد رحلة الغردقة و رؤيتها لتلك القوة والأنوثة المتسلحة بهم شهيرة باتت تتسأل لماذا لا تكون هكذا جميلة وصاحبة قرار ؟
ليتها لم تترك الجمعية عندما صارت زوجة لسليم، ليتها انضمت إليهم بعدما باتت تملك ما يجعلها تُقدم المساعدة.
استقلت السيارة بعدما ترجل السائق ليفتح لها الباب وقد أصبحت فكرة تعلمها القيادة تراودها بشدة لما لا تتعلم قيادة السيارة.
ورغماً عنها كانت تبتسم لحالها، إنها باتت ترغب بما لا لم ترى فيه حالها، وعلى ما يبدو أن التوازن الذي احدثته في حياتها اثمر بفوائده.
يومين مع تلك الطبقة التي ينتمي إليها سليم في النادي الرياضي الذي لا يرتاده إلا من يملكون المال، ويومين بالجمعية ترى من هي منهم وهم منها، تستمع وتقدم النصائح التي لا تعلم إنها تمتلكها.
اليوم كلفتها السيدة سحر بأمر رأته محرج ولكن وحدها من تستطيع فعله، لقد اقترب الإحتفال السنوي لمجموعة النجار وهم يحتاجون فرصة لتسليط الضوء نحوهن، هن بحاجة لبعض الوظائف فمنهن ليس لديه حرفة أو هواية، منهن من تحتاج لوظيفة ولديها الشهادة الجامعية ولكن الفرصة لم تُمنح لها.
- ممكن نغير طريقنا ونروح لسليم الشركة يا عم محمد
والعم محمد يُنفذ ما يؤمر به
ترجلت من السيارة وسارت بخطوات واثقة، ترتسم فوق شفتيها ابتسامة لطيفة.
استقبلتها سكرتيرته بترحيب لأنها باتت على معرفة بأنها زوجته رغم إنها لم تلقاها إلا مرة واحدة.
دلفت دون أن تطرق الباب لتجده مندمج في عمله، يُحاوطه الكثير من الأوراق
- حطي الورق اللي عايز يتمضي يا هدى
ولكن مع اقتراب الخطوات منه دون طرقعت الحذاء بدء يعلم إنها ليست سكرتيرته.
رفع عيناه عن الأوراق وقد ارتسمت ابتسامة دافئة فوق شفتيه وهو يراها واقفة، تراجع قليلًا للخلف بعيداً عن ملاصقته لسطح مكتبه يمدَّ لها ذراعه يدعوها للأقتراب منه
- إيه المفاجأة الحلوه ديه يا حببتي
تقدمت منه بابتسامة واسعة
- مبقتش اعرف أشوفك في البيت قولت أجيلك الشركة
شعر بالندم لتقصيره معها، فمنذ أن غادرت ابنته منزله واختارت العيش مع والدتها بعدما كابر وعاند الأمر ولكن في النهاية رضخ فلم يعد يطيق المكوث في المنزل
- معلش يا حببتي الشغل كتير الفترة ديه
تعلم إنه يكذب عليها ولكنها كانت تعطيه كامل حريته في الإبتعاد حتى يعتاد ولكنها لم تعد تتحمل بعده، وقد أدركت أنها دونه لا شئ، سليم أخبرها ذات يوم إنها ابنته قبل أن تكون زوجته وقد جاء الوقت لتنال حقها،
وقد صار لديها الكثير من الأحاديث لتخبره بها.
لقد بدأت تشعر بالتحرر داخلها خاصه إنها صارت تتعامل مع الحياة بمفردها دون مساعدة أحد.
هو ينئ بنفسه بعيداً عنها بعدما غادرت ابنته منزله، جنات قد طالت رحلة سفرها، وأحمس بات مندمجًا في تدريبه بالمؤسسة والسيد حازم يتنبأ له بمستقبل رائع في هذا المجال حتى والدتها رحلت بشقيقها وعادت لبلدتهم بعد شفائه.
- أنت كان ديما عندك شغل وكنت بتهتم بيا يا سليم
ابتسم رغماً عنه وهو يرى الحنق مرتسم فوق ملامحها
- انا بقى عندي مغامرات كتير عايزه أحكيهالك
اندمج معها مستمتعاً باستياءها وعلى ما يبدو أن صمتها وصبرها قد أنتهى وقتهما
- مغامرات؟ مجرد أيام بتسميهم مغامرات
- أربعين يوم مش مجرد أيام ، ده شهر وعشرة أيام
ضاقت عيناه في ذهول، فتون صارت تعد الأيام بل وبدقة
- أنتِ كمان حسباهم، قوليلي بقى كام ساعه وكام دقيقة وكام ثانية
ضحكت وهي تتراجع للخلف بعدما استندت بذراعيها فوق سطح مكتبه، طالعها مبتسماً وهو يراها بهذا الإسترخاء
- مش لدرجادي يا سليم، هترجع بدري مش كده
طالت نظراته إليها إنه يشتاقها ولكنه أصابه بعض الفتور، فبات يبتعد عنها وهي اخذت دور الصمت كعادتها ولكن اليوم يرى الشوق يفيض من عينيها.
مالت نحوه بعدما لم تجد إلا أن عليها هي من تعيد تلك الحرارة لحياتهم
- سليم أنت بقيت بعيد عني أوي من ساعت ما خديجة مشيت من البيت
اطبق فوق جفنيه بقوة فهو حتى اليوم رافض فكرة إبتعاد صغيرته عنه
- خديجة عندها حضن تاني يا سليم لكن أنا معنديش غيرك
فتح عيناه يراه تُطالعه بنظرة جعلته يجذبها إليه غير عابئ بتلك الأوراق التي تناثرت أسفل مكتبه
ضمها إليه بقوة فارجفتها ضمته التي اشتاقت إليها
- خايف تبعدي أنتِ كمان عني
سليم يخاف من إبتعادها عنه ولكنها هي من كانت تخاف، لقد تجاوزوا الكثير من المراحل معاً ولكن إبتعاد ابنته عنه وإنسحاب شهيرة عنهما بطريقة متحضرة كانت أصعب مرحلة لم تظن إنها ستكون فيها الطرف المنتصر وتظل معه حتى لو أصاب علاقتهما بعض الفتور.
اشتد عناقه وقد صارت لمساته أكثر جراءة، تتنفس عبق رائحته التي باتت معبقة برائحة سجائره وقد بات يدخن بشراهة رغم إنها كانت من قبل نادراً ما تراه يُدخن.
صار لديها مهمه أخرى عليها فيها أن تثبت وجودها كزوجة
- كنتِ جاية عشان الحضن ده، إظاهر إننا المرادي بدأنا نتغير فعلًا
داعبها بحديثه الذي أشتاقت إليه، فحاولت التحرر من أسر ذراعيه والابتعاد عنه حتى تتمكن من ترتيب سترتها الأنيقة وبلوزتها
- فعلا كنت محتاجة لحضنك يا سليم
تعالت ابتسامته وهو يستمع لتصريحها دون خجل عن توقها إليه
- لكن في سبب تاني، سبب وراه إستغلال بس إستغلال جميل وعارفه إنك مش هترفضه
ارتفع حاجبه الأيمن لأعلى في دهشة، فمن التي تتحدث معه اليوم.
عادت تقترب منه تُخبره بحديث سريع عما تُريد إستغلالها فيه
- لكن الموضوع هيكون صعب شويه، لو وفرت فرصه اكيد هتكون إلا لناس تستحق ده
- أنت هتوفر فرصه او فرصتين، شريك ليك هكذا وشريك لشريك ليك هيعمل كده هتلاقينا عملنا حاجة مؤثرة وساعدنا ستات وبنات محتاجه شغل، ارملة، مطلقة، بنت بتعول أسرتها او بتعول نفسها لأنها ملقتش اللي يساعدها
داعبت ابتسامة واسعة شفتيه وهو يراها ملتصقة به، تتلاعب بأزرار قميصه دون شعور منها أن حركتها صارت مغرية
- إيه كمية كلمة شريك اللي اتقالت في كلامك ، أنتِ فرعتي أوي الموضوع يا حببتي, ديه مجرد حفلة سنوية للشركة والشركاء بيكونوا ضيوف مش أكتر، مقدرش أجبر حد فيهم يقدم مساعده
طالعته في عبوس ، فهل ضاع ما تحمست إليه؟
- أنت مش هتجبر حد يا سليم لكن هتكون أنت البداية لينا، لما تعلن تقديمك فرصة زي ديه لفردين مثلا هتلاقي غيرك بيعمل كده، هو أنا برضوه اللي هقولك
ارتفع هذه المرة كلا حاجبيه، فهل اختلاطها مع أعضاء الجمعية وطلبه من السيدة سحر أن تدمجها في الكثير من الانشطة والاجتماعات أثمر بهذه السرعة؟
- فتون يا حببتي، أنتِ فتحتي نص ازرار القميص وأنتِ مش حاسه والموضوع كده هيروح في ناحية تانية
طالعته دون فهم تنظر إليه ثم إلى موضع يديها، انتفضت عنه لا تستوعب أين كان عقلها
ومنذ مدة لم يضحك هكذا، ألمته معدته من شدة الضحك ينظر إليها وهي تمسح فوق خديها
- يا حببتي أنا بوضحلك الموضوع ، لكن أنا مرحب والله
- سليم
هتفتها وهي تشيح عيناها عنه ولكنها كانت سعيدة لأنه عاد يهتم بها ويتجاذب معها الحديث
- عموما موافق يا فتون، رتبي الموضوع مع سكرتيرتي ورشحي ليا العدد بس متوعديش حد بحاجة لسا مش مضمونه وانسي إنك مراتي في الحاجات ديه لأن الشغل محتاج حد جدير ويستحق
...........
ركضت الصغيرة نحو والدتها بعدما فتحت لها الخادمة ورحبت بها
- أنتِ كذبتي عليا كمان النهاردة يا مامي وقولتيلي هترجعي بدري
ارتسم الندم فوق ملامح شهيرة، فالأعمال متراكمة والشركة تحتاج لوجودها، فلن تنهزم أمام شقيقها ولا أمام ذلك الشريك الذي اجبرها شقيقها على تحمله وبالطبع لم يكن إلا ماهر الذي بات يُعاملها كند له بعدما فشلت محاولته معها بالزواج
- أسفه يا حببتي! مامي غصب عنها, اوعدك بكرة اخدك ونروح النادي ونتغدا كمان هناك
ابتعدت عنها الصغيرة، فذلك الوعد صارت توعده به دوماً ولكنها في النهاية تقضي يومها مع مربيتها
- كل مره تقوليلي كده، بابي مكنش بيكذب عليا
أسرعت الصغيرة نحو غرفتها تجر خلفها دميتها، هي باتت تُصدق أن سليم كان أجدر منها في رعاية الصغيرة ولكنها ستُحاول حتى تفهم صغيرتها أن كل ما تفعله من أجلها
زفرت أنفاسها بأرهاق، ليت كانت حياتها سهلة ليتها كانت مجرد أمراة بسيطة لا يثقلها الأعمال والصراعات
- أحضر العشا يا هانم
اماءت برأسها للخادمة وعادت تلتقط أنفاسها، ترسم فوق شفتيها ابتسامة واسعة، تتجه نحو غرفة صغيرتها
- ديدا
اشاحت الصغيرة عيناها عنها، فاقتربت منها وقد اورثها سليم من طباعه العناد والتذمر السريع
- مامي تعبانه ومش هتخف غير لما تاخد منك حضن كبير
اخذت شهيرة تقص لها عن يومها المشحون حتى بدأت الصغيرة تستمع إليها
- أنتِ بتعملي ده كله يا مامي لوحدك
حركت شهيرة لها رأسها، ولم تكن تنتظر من صغيرتها إلا النظر إليها وتفهمها
ورغمًا عنها كانت دموعها تنساب فوق خديها وهي ترى أبنتها تُحاوطها بذراعيها
- خلاص يا مامي أنا مش زعلانه، متخافيش بكره لما اكبر هساعدك ومش هتتعبي تاني
...........
ودع كاظم ذلك الصديق الذي لم يراه منذ زمن وكان من حظه أن يراه هنا في إيطاليا.
صديقه غادر بعجالة بعدما تلقى إتصالًا هامًا معتذراً منه، فقد أراد الجلوس معه لفترة أطول.
طالع هاتفه بتوجس بعدما رأي رسالتها، وقد ضاقت عيناه مدهوشًا من طلبها
" عايزة برقوق يا كاظم"
ركز بالرسالة لمرات، هي تصف له حجم ولون وطعم البرقوق الذي تُريده
ورغمًا عنه كان يبتسم مجيبً على رسالتها
- برقوق لونه أخضر وطعمه مزز اجيبهولك منين ده يا جنات
اصطدم دون قصد منه بأحد الأشخاص، فالتف معتذراً منه
تقبل العامل اعتذاره. فتوقف مكانه للحظات يُحملق في جسد المرأة التي أخذت خطواتها تقترب من المصعد، هي لم تراه لانشغاله بمطالعة الهاتف.
وعبارة واحدة عادت تقتحم ذاكرته هذه المرة بأهتمام، صديقه الذي التقاه وغادر قبله الفندق اخبره إنه رأي شقيقه أمير فهو يتذكر شكله ولم يتمكن من مصافحته وتذكيره بنفسه لأنشغاله بمكالمة هاتفيه
أمير هنا في الفندق، و خديجة النجار تخفي عينيها بإحدى النظارات تسير بخطوات مرتبكة بعض الشئ
- معقول خديجة النجار عشيقة أمير
يتبع بإذن الله (
*******
تظن أنك وحدك من تتلقفك الأمواج العاتية، ولكن حينا تُلقي عيناك بنظرة خاطفة نحو من حولك ستجد أن الجميع مثلك يُصارعون الحياة وأنفسهم بضراوة.
داعبت نسمات من الهواء خديها رغم حرارة الجو وقد احتضنت الشمس كل ما حولها بحرارتها.
كعادتها باتت مؤخراً، تستيقظ في الرابعة فجراً تُصلي فرضها، تُرتل بخشوع وردها اليومي وتظل مستيقظة حتى يشرق الصباح بنوره ثم تقف في وقفتها التي اعتادت عليها منذ أن أتوا لهذا المنزل الذي اشتراه رسلان بعيداً عن صخب المدينة.
اختارت العزلة وأختار هو أن يمنحها ما اختارته وأرادته وقد عادت إلى وحدتها وألامها, وقد أبى كلاهما مفارقتها.
صوت الطيور بدء يتعالا من حولها وقد اختفت تلك الزقزقات اللطيفة التي تُداعب أذنيها في الصباح الباكر، حتى تلك النسمات الباردة بعض الشئ غادرتها البرودة.
ليت الضجيج وذلك اليوم يُغادر ذاكرتها، اغمضت عيناها وهي تشم رائحته وقد اقترب منها بخطواتً هادئة
- هتأخر النهاردة في المستشفى
أخبرها بعبارته الروتينية، فاستدارت بجسدها إليه ودلفت من الشرفة تنظر إليه دون حديث.
إنها تحتاجه كما يحتاجها ولكن كل منهما عزل نفسه عن الأخر منذ ما حدث.
- محتاجه حاجة
وبحركة من رأسها كانت تُخبره إنها ليست بحاجة لشئ، بل ما تحتاجه هو الراحة وعدم الشعور بالذنب، لقد اخلفت وعدها لشقيقتها ولم تحافظ على أحد صغيريها
احتضنتها ذراعيه يمنحها ويمنح حاله بعض السلام، شعرت بقبلته فوق رأسها ثم ابتعده عنها يسمح هذه المرة لكفيه أن يُداعبا خديها، بتعلثم هتفت وهي تعلم الجواب
- مش هتفطر
- هفطر في المستشفى
غادر المنزل؛ فعلقت عيناها بطيفه، هو يتألم أكثر منها ولكنها أضعف من أن تزيل عنه ألمه وتُسانده.
خرج بسيارته من بوابة المزرعة الصغيرة التي اِبتاعها في مدينة الفيوم بعد ما حدث منذ شهراً ، كان مثلها يُريد الإبتعاد عن الجميع وعن كل شئ.
اتخذ جانب الطريق، ووقف بسيارته يسمح لانفاسه الهادرة أن تتحرر لعلها تُخفف ما يشعر به وأغمض عيناه للحظات يستعيد ذكرى تلك الليلة.
يهرول داخل المشفى بأنفاس لاهثة بعدما هاتفه والده وأخبره أنهم وجدوا خالته و عزالدين ثم انقطع الاتصال.
شعور قاسي كان يقبض فوق فؤاده، يشعر بأن أنفاسه تنسحب.
اقترب منه والده بعدما رأه قادم ثم احتضنه بقوة باكياً
- أنت مؤمن يا بني بقضاء الله
وها هي الحقيقة تُقال، رحل صغيره.. رحل مع المرأة التي جعلته يعيش كل شعور سئ بحياته وأخذت معها أغلى ما لديه.
.........
اقتربت ملك من الصغير تُحاول رسم ابتسامتها، طالعها الصغير بعدما ازاح يد مربيته عن إطعامه.
امتدَّت يديه الصغيرتين لها راغبًا أن تمنحه حضنها. توقفت عن الاقتراب تخشى أن يسألها ما أجبرها على تجنبه، فما الذي ستخبره به إذا سألها مجدداً عن توأمه.
ورغمًا عنها كانت دموعها تناسب فوق خديها، فاسرعت في اشاحت وجهها عنه تمسح دموعها، تزفز أنفاسها دفعات متتالية حتى تستطيع أن تأخذه بأحضانها وتُخبره إنها لم تعد مريضة كما أخبروه فلذلك ابتعدت عنه
- ماما أنتِ صحيتي من النوم، متناميش تاني كتير
الكلمات خرجت من فمه غير واضحه، ولكنها كانت أكثر من يفهمهم ، وقد ضاعت هم وبقى لها واحداً يهتف اسمها، يناديها أن تقترب منه
نفضت رأسها عما تشعر به وعادت تقترب من الصغير، انسحبت المربية التي تعتني بكل ما يخص الصغير منذ أن تم تعينها.
- حبيبي ليه مخلصتش أكلك
والصغير يتمسح بها غير عابئ بطعامه
- ماما أنا بحبك أوي
لم تشعر ملك بدموعها التي انسابت فوق خديها، تبعده عنها لترى ملامحه وكم يؤلمها حينا تنظر إليه وترى لمعان الدموع بعينيه، فهل يشتاق لتوأمه؟
- وأنا كمان بحبك أوي يا قلب ماما، سامحني يا حبيبي لو مكنتش سافرت وبعدت عنكم مكنش ده حصل
والصغير لا يفهم شئ من اعتذاراتها بل يرفع كفيه الصغيرين ليزيل عنها دموعها، حتى إنه كان اليوم رحيمًا بها ولم يسأل عن توأمه رغم بحثه عنه بعينيه.
........
نوبة من القيء اصابتها بشدة رغم محاولتها المستميته في تناول كل ما هو حامض هذا الصباح إلى أن يُغادر ويتركها في إنهاكها ، فقد أوشكت على دخول شهرها الثالث.
اندفع خلفها دورة المياة بعدما افزعه هرولتها و توقف مكانه وهو يراها منحنية بجسدها تُحاول النهوض عن تلك الوضعية بعدما افرغت كل ما في معدتها
عيناها علقت به وهي تستدير، يراها تنظر إليه في خوف وترقب
- هنروح للدكتور
وبتهكم اردف قبل أن تمنحه الجواب الذي لو القته على مراهق سينفجر ضاحكًا
- بيتهيألي إن دور البرد طول اوي معاكِ يا جنات
ازداد شحوبها ، فتلميحات كاظم المبطنة باتت تُشعرها بل تؤكد لها إنه يعي كل شئ ولكنه يتخذ دور المتفرج
داهمها الدوار لكنها حاولت أن تقف ثابتة.
رمقها كاظم بجمود يقبض فوق كفيه بقوة فهي مازالت مصرة أن تضعه في الخانة التي وضعتها به مهما بات يفعل لها ، جنات لا تصدق مشاعره رغم تجاوبها معه بل تظن إنه يتلاعب بها، يكاد يُجن منها ومن عقلها الأبله.
انتبه على ترنحها في خطواتها، فاسرع مقتربً منها يسندها بذراعيه
- كفايه عناد وخلينا نروح للدكتور
انسحبت أنفاسها فقد ضاعت جميع حججها وطالت رحلتهم هنا، عليها أن تُخبره بأمر الطفل ولكنها مازالت خائفة من غدره
- هنام شوية واصحى كويسة
حاولت أن تبتعد عنه حتى تثبت له صدق ما تقول ولكنه ضمها إليه يسير بها نحو الفراش
- اتحركِ براحه وبلاش كلام كتير
- هتتأخر على اجتماعك
سطحها فوق الفراش برفق متجاهلًا ما تقوله، يضع رأسها فوق الوسادة ينظر لوجهها الشاحب ضغطًا فوق شفتيه بقوة، إنه يُسيطر على حاله بصعوبة ليثبت لها إنه غافلاً عن خدعتها .
حاول تهدأت حاله من الغضب الذي يحتله كلما رأها مستمرة في كذبتها عليه، فهل ستنتظر حتى يولد الطفل لتخبره
- أنا هنام متقلقش، روح أجتماعك
تُحاول صرفه حتى تتمكن من أخذ موعد لدى الطبيبة التي بحثت عنها عبر مواقع الانترنت
لم يمنحها الجواب، بل منحه لمديرة مكتبه يُخبرها أن تلغي جميع مواعيده الهامة فهو لن يأتي الشركة اليوم
- بلغي بشمهندس أمير يحضر اجتماع النهاردة والتقرير يكون عندي بكره بكل حاجة تمت
أنهى مكالمته دون أن تحيد عيناه عنها، فاخذت تزدرد لعابها ببطئ فقد ضاع أول موعد لها مع الطبيبة
ازال عنه سترته يُتابع خلجات وجهها مستمتعاً بلعبتهم السخيفة سوياً
- شايفك مش مبسوطة
- أنا
تسألت وهي تتحاشى النظر إليه، فابتسم وقد اتخذ مكانه قربها
- يعني حاسس إنك مكنتيش عايزاني ألغي الاجتماع، لكن يا ترى عشان مصلحتي ومصلحة الشغل ولا عشان حاجة تانية
أراد أن ينفجر ضاحكاً وهو يراها تُطالعه عقب عبارته تارة بشر وتارة بعدم فهم
ازداد قربه منها فاصبح يُحاوطها بذراعيه، متلذذاً من تلك الرجفة الخفيفة التي شعر بها عندما لمسه لجسدها
- جنات أنتِ بتاخدي حبوب منع الحمل
تجمد جسدها أسفل لمساته، فما الذي يفعله بها هذا الرجل، هل هو فاهم لكل شئ أم جاهلًا؟
ارتفع كلا حاجبيه بعدما أصبح وجهه مقابل لوجهها، ينتظر سماع جوابها
- كنت باخد لكن..
تعلثمت في نطق كلماتها، نظراته كانت مراوغة لكنها لم تكن في موضع يسمح لها بفهم نظراته
هي باتت هذه الأيام ضعيفة في كل شئ، لا تفكر إلا في المخاوف التي تقتحمها، هذه العائلة تعلم تماماً أن دمائهم خبيثة ، يجيدون التلاعب حتى ينالوا ما يريدون، فعلها والده من قبل مع والدها وهي لعبتها معه حتى تتزوج بالحصان الرابح الذي اعجبها.
حمقاء هي حواء، تظن إنها تُجيد التلاعب في ساحة الرجال ولا تعلم أن تلاعبها ينبع من رغبتها في القرب
- مش فاهم يا جنات، يعني كنتِ و دلوقتي وقفتي الحبوب
اماءت برأسها تنتظر أن ترى ردة فعله التي ستشجعها في كشف سرها
- أنت عايزني ارجع اخدها
وعلى ما يبدو إنه يوم إرتفاع صوت ضحكاته الصاخبة، ألمته معدته من شدة الضحك،
فحاولت الإبتعاد عنه وهي تراه يضحك بتلك القوة، تشعر بالإهانة من عدم جوابه
- إيه يا حببتي هو أنتِ زعلتي عشان بضحك
حاول جاهداً تمالك حاله ولكن سرعان ما كانت ضحكاته تتعالا مرة أخرى
دفعته عنها ولكنه كان اسرع منها في تثبيتها بين ذراعيه
- هي حبوب منع الحمل بقت تتاخد بعد ما الجهود العظيمة بتثمر
اتسعت حدقتيها فزعًا وهي تراه يرمقها بنظرة شديدة القتامة
- تعرفي كنت هشك في قدراتي يا زوجتي العزيزة
تسارعت أنفاسها تُطالعه في صدمة، كاظم كشف أوراقه
- كنت عايز اكمل لعب معاكِ شوية، لكن الموضوع بقى سخيف، شايفك ساكته ومصدومة يا جنات
ضاقت عيناه وهو يراها ساكنة اسفله ولولا رؤيته لأنفاسها تعلو وتهبط لظنها فقدت وعيها
- حببتي هو أنتِ لدرجادي شيفاني راجل مغفل مش بفهم
- أنت هتاخده مني
حمقاء وغبية وعمياء هكذا كان ينعتها داخله هذه اللحظه.
اغمض عيناه قليلاً لعله يُهدء من وتيرة غضبه، لقد بات يفعل لها كل شئ حتى يثبت لها حسن نيته، صحيح لم يصارحها بحبه صراحة والأفضل ألا تنتظر منه هذا الأمر ولكنه بات يُعبر عن مشاعره بكل صراحة.
يُعانقها، يُدللها حتى الأزهار اشتراها لها، يستمع إليها في صبر، يتركها تخرج عليه بعض من مزاجها السئ
إنه تغير لدرجة أصبح يشعر بالصدمة من حاله، وقد صار لديه نقطة ضعف وذاق ما اقسم أن لا يذوقه يوماً
فهل لفظ كلمات الحب، ما ستجعلها تُصدق إنه لم يعد يتلاعب بها ولن يأخذ منها الطفل
- لأول مرة اكتشف إني صبور أوي يا جنات، صبور لدرجة إني عايز اعمل تصرف مش هيعجبك لكني مسيطر على غضبي
حررها أخيراً من أسر ذراعيه وابتعد عنها ناهضًا من فوق الفراش، يُطالعها وهي تزدرد لعابها في خوف ثم اعتدلت من تسطحها الذي بات غير مريح
- أنت عارف من ساعة ما اتعشينا مع خديجة النجار
واسرعت في ربط أحداث اليوم تضع بيدها فوق شفتيها
- نفس الليلة اللي رجعنا نقرب فيها من بعض
وفي صدمة نطقت وكأنها أخيراً فاقت من غيبوبة لا تعلم كيف احتلت عقلها
- يعني كل اللي بتعمله ده عشان الطفل
تجمدت عيناها نحوه وهي تراه يُحدق بها في صمت
- أنتِ عرفاني كويس يا جنات، أنا راجل صريح حتى لو هوجع اللي قدامي بصراحتي وعشان أنهي لعبتنا اللي طالت ومبقاش ليها داعي خلاص، ف الأجابة اه ديه كانت نيتي في البداية
الجمتها الصدمة لقد صدق حدسها كاظم يخدعها، إنه ابن جودة النعماني فماذا كانت تنتظر منه؟
- مفكرتيش ليه كنت بتجاهل تاخدي حبوب منع الحمل، مفكرتيش ليه مكنتش بدور وراكي ولا بهتم، لأني فكرت فيها كويس، أنت خلتيني أعمل حاجة مكنتش عايزاها يا جنات ف بالتالي مش لازم أخرج خسران، ومش هخسر حاجة لما يبقالي طفل منك، ست قوية وجريئة قدرت تخليني اتجوزها، فديه مميزات كفية إنها تخليني اشوفك أم لطفل من صلبي
- كفاية
انسابت دموعها فوق خديها، إنه قاسي حتى في إعترافه، اقترب منها يتلقفها بين ذراعيه بعدما كادت أن تسقط
- كل حاجة اتغيرت يا جنات،قربي منك هنا مش خدعه كل لحظة جمعتنا هنا كانت مشاعري فيها صادقه
- أنت كداب
ورغمًا عنه كان يبتسم، حاولت التخلص من ذراعيه ولكنه كان أشد منها إصراراً في إحتجازها داخل احضانه
- أهي اكتر صفة مش فيا الكدب، و أوحش صفة فيا إني عامل زي البحر موجه غدار يا جنات
تمكنت من الفكاك منه أخيراً، فارتسمت ابتسامة لا تعرف مهيتها أهي خبيثه ام دافئة يُطمئنها بها
ازداد عيناه قتامة وهو يراها تتراجع عنه تحتضن بطنها بذراعيها
- كل اللحظات اللي جمعتنا الأيام اللي فاتت شيفاها كدب يا جنات، لدرجادي أنا بارع في التمثيل عشان اكون بخدعك بشعور أكبر منك ومني
- البحر لما بتتلقفك أمواجه مرة وتاخدك لقاعه بتعلمك إنك تخاف وأنت علمتني اخاف من غدرك يا كاظم، علمتني ووجعتني
- أنتِ اللي اختارتي البداية يا جنات، اختارتي البداية الغلط
بمرارة واحتقار لذاتها تمتمت
- عشان كنت عايزة اوصلك، لو مكنتش عملت كده مكنتش اتجوزتني
- عايزة إيه يا جنات، عايزة تتحرري مني ولا عايزة تفضلي معايا لأني شايف مهما بعمل ديما عندك شك في مشاعري
سقطت دموعها لأنها اختارت طريقها معه، فقد انتهت إشعارات الكرامة والكبرياء التي اسمعتها لحالها في ليالي كنت تغفو محتقرة حالها
- عايزة تحبني، مش عايزة اكون ست جسمك بيتفاعل مع جسمها لأن اللي بينكم مجرد كيميا
هو لن يُنكر أن لحظاتهم كانت اغلبها تنتهي بالفراش، وكأنه يُخبرها بهذه الطريقة هكذا هو يُحبها
- ألبسي خليني لنروح المستشفى
هكذا انسحب من الجواب، هو يُحبها وهذه حقيقة بات متأكداً منها ولكن لا يستطيع نطقها لكنه يبرهنها لها.
.......
ترجلت من سيارة الأجرة تمنح السائق أجرته بابتسامة صافية، إنها حقاً باتت سعيدة، باتت تشعر أن لها كيان تسعى لتحقيقه وقد خرجت من عباءة الذل التي أراد فتحي اطماسها فيها.
دلفت صائحة باسم السيدة سعاد واسرعت بالدلوف إليها المطبخ
- جعانه جدا يا دادة
طالعتها السيدة سعاد بابتسامة صادقة محبة تسألها عن يومها بالمعهد وكان اهم سؤال أصبحت السيدة سعاد تُحب السؤال عنه منذ أن صارحتها بسمة بنظرات المُحاضر الشاب واهتمامه بها رغم إنها اقل جمالاً من الفتيات اللاتي يحضرون معها دورة الحاسوب
- قوليلي بصلك كام بصه النهاردة
تعالت ضحكات بسمة غير مصدقة ان السيدة سعاد أصبحت مهتمه بالأمر رغم إنه كان مجرد حديث عابر بينهم
- خليتي الاربع نظرات اللي حكتلك عنهم عدد يا داده
وكظتها السيدة سعاد بخفه مستمتعه بذلك التورد الطفيف الذي أحتلى ملامحها
- ما هي بتبدء بنظرة إيش فهمك أنتِ
تعالت ضحكات بسمة عالياً، يبدو أن السيدة سعاد كانت امرأة حالمة بشدة في صباها
- النهاردة مدح فيا قدام زمايلي وقالي إني ذكية وبفهم بسرعة
طالعت السيدة سعاد فرحتها، بسمة منذ أن بدأت تتعلم مهارات جديدة وتخرج من ذلك الإطار الذي وضعت حالها داخله وقد بدأت تخطو أول خطواته، إنها باتت مطمئنة أنها حينا تغادر حياة السيد جسار ستكون قوية، لقد استغلت ما قدم لها بإصرار
- العلام حلو يا بنتِ والست الذكية هي اللي متخليش حلمها مجرد وردة وراجل وحكاية بتخلص زي الحواديت، كل ده بيجي في وقته لكن الأفضل يجي بعد ما تبني ذاتك يا بسمة
ابتلعت بسمة تلك المرارة التي احتلت حلقها كلما لاحت أحدى الذكريات داخلها،عليها أن تنجح وتصبح أمرأه عاملة مستقلة، عليها أن تؤكد لعقلها كل ليلة أن ما تعيشه تحت كنفه سينتهي يوماً لأنها ليست باقية بحياته بل هي مرحلة أتخذها بأرادته وكانت هي الرابحة إذ فكرت بالعقل دون حساسية.
انتبهت على صياح السيدة سعاد ثم تحركها من أمامها بعجالة حتى تُنهي تحضير الطعام
- جسار بيه على وصول وأنا لسا مخلصتش الأكل
- هطلع أغير هدومي وأنزل اساعدك يا دادة
رمقتها السيدة سعاد بنظرة دافئة وهي تُغادر، تزفر أنفاسها بتنهيدة طويلة فماذا سوف تفعل عندما ترحل بسمة عن حياتهم حينا يُطلقها السيد جسار؟
........
بثقل القت حقيبتها فوق الفراش، تميل برفق للخلف لتتسطح قليلاً
- مالك يا بسمة، المفروض تكوني سعيدة، بقى عندك كل حاجة ومبقاش حد عارف إنك اخت واحد رد سجون حتى هو بقى يعملك كويس صحيح معاملته اتغيرت لإنه بقى متعاطف معاكِ أكتر لكن على الاقل مبقاش يوجعني لا بنظراته ولا كلامه
والذكرى المريرة عادت تقتحم ذاكرتها، تلك الليلة أقسمت أن تجعل لنفسها شأن وترفع رأسها غير عابئة بنظرات أحد
منذ أكثر من شهر، أخذها معه لتلك الرحلة القصيرة التي دعاه لها أحد شركائه لقضاء يومين والتمتع بعطلة الزواج القصيرة.
كان بيت ريفي يُحاوطه كل مظاهر الريف ولكن بأهتمام وعناية، سنوات عمرها قضتها في الشوارع الضيقة المعبئة بالأدخنة وصياح البائعين ولكن هنا كانت الحياة مختلفة
- المكان جميل أوي
تمتمت بها بعدما جالت عيناها بنظرة سريعة بالمكان
- بلاش أنبهارك الشديد بأي حاجة تشوفيها هنا
سقطت قسوة كلماته على مسمعها، هي لا تنبهر بشئ لأنها تعرف تماماً أن الكثير من ترف الحياة ليس لها لكنها كانت مجرد كلمات قالتها لأنها احبت المكان الذي أتت إليه مجبرة
- أنا حافظة الدرس كويس يا جسار بيه
هتفت بها وهي تمدّ يدها نحو باب السيارة تفتحه، فعلقت يدها في الهواء وهي تشعر قبضة كفه فوق ذراعها
- أهي أول حاجتين غلط بيأكدوا إنك متعلمتيش أي حاجة، في واحدة تقول لجوزها بيه وكمان من التحضر تستنيني أنزل من العربية وافتح الباب, أنتِ ناسية إننا عرسان جداد
ترددت صدى الكلمات داخل أذنيها، فاطبقت فوق جفنيها بقوة لعلها تستطيع زفر أنفاسها
- السيد شريف و زوجته السيدة رقية جايين علينا، ارسمي ابتسامة على وشك الناس اللي زي ديه بتهتم بالعلاقات الزوجية
غادر سيارته ليُطبق ما يراه صحيحاً في العلاقات ولكن معها كل شئ يُمثله بإحتراف
فتح لها باب السيارة وساعدها في الترجل منها يرسم فوق شفتيه ابتسامة واسعة
- متعرفش أنا اتبسطت أد إيه لما بلغتني بترحيبك للفكرة
رحب به السيد شريف بحرارة، كما رحبت زوجته بها، وقد حاولت أن تجيد الدور الذي حفظته ، لا تُثرثر كثيراً بضعة كلمات تكفي
السيدة رقية رغم لطافتها إلا إنها كانت شديدة الاهتمام بالتفاصيل، تتسأل عن المكان الذي تجلب منه ثيابها وعن مصفف الشعر الذي تذهب إليه وعن النادي الرياضي الذي يجب عليها الإشتراك فيها إن لم تكن عضوة به
- أنتِ خريجة إيه يا بسمة
وها هي تذهب لنقطة أخرى من الأسئلة، علقت عيناها بجسار وقد وقف جوار السيد شريف يرتشوف قهوتهم ويتحدثون عن العمل
- أنا...
حاولت ترتيب كلماتها لتُخبرها إنها بعد شهران وستبدء أول فصل دراسي لها لأنها أجلت دراستها لظروف ما مرت بحياتها ومنها موت والدها.
هكذا اتفقوا إذا سألها أحداً عن مستوى تعليمها ولكن السيدة رقية لم تنتظرها أن تتحدث عن حالها بل أخذت تتحدث عن تعليمها واصلها و والديها الأطباء وشقيقها الضابط وشقيقتها الصغرى التي أتت أخيراً من أمريكا بعد إتمام دراستها وقد اقترحت على جسار و زوجها أن تعمل معهم وتدير خطة التسويق
" سيرين" تلك الفتاة التي صارت تسمع اسمها في بعض مكالمات الصباح.
زفراتها الحارة خرجت بحرقة لا تعلم سببها، تلوم حالها لأنها مازالت حتى اليوم تنظر لهذا الرجل بنفس النظرة التي نظرتها له في أول مرة أتى فيها حارتهم وطرق باب ملك.
.......
هي كما قال لها إنها لا تعرف ماذا تُريد، صحيح تلك العبارة أوجعتها ذلك اليوم الذي انفجرت فيه باكية تُطالبه بالطلاق ولكن مع الأيام الأخيرة صارت تُدرك حقيقة ما أخبرها به.
غادرت الجمعية وقد أصبحت مواظبة على الذهاب إليها ، يومين بالأسبوع ويومين آخرين خصصتهم للرياضة حتى تزيل عنها تلك الطاقة السلبية التي تأتيها من حيناً إلى أخر والمحافظة على رشاقتها.
فتون صارت تهتم بجسدها وبهيئتها إنه لشئ عجيب على شخصيتها ولكن بعد رحلة الغردقة و رؤيتها لتلك القوة والأنوثة المتسلحة بهم شهيرة باتت تتسأل لماذا لا تكون هكذا جميلة وصاحبة قرار ؟
ليتها لم تترك الجمعية عندما صارت زوجة لسليم، ليتها انضمت إليهم بعدما باتت تملك ما يجعلها تُقدم المساعدة.
استقلت السيارة بعدما ترجل السائق ليفتح لها الباب وقد أصبحت فكرة تعلمها القيادة تراودها بشدة لما لا تتعلم قيادة السيارة.
ورغماً عنها كانت تبتسم لحالها، إنها باتت ترغب بما لا لم ترى فيه حالها، وعلى ما يبدو أن التوازن الذي احدثته في حياتها اثمر بفوائده.
يومين مع تلك الطبقة التي ينتمي إليها سليم في النادي الرياضي الذي لا يرتاده إلا من يملكون المال، ويومين بالجمعية ترى من هي منهم وهم منها، تستمع وتقدم النصائح التي لا تعلم إنها تمتلكها.
اليوم كلفتها السيدة سحر بأمر رأته محرج ولكن وحدها من تستطيع فعله، لقد اقترب الإحتفال السنوي لمجموعة النجار وهم يحتاجون فرصة لتسليط الضوء نحوهن، هن بحاجة لبعض الوظائف فمنهن ليس لديه حرفة أو هواية، منهن من تحتاج لوظيفة ولديها الشهادة الجامعية ولكن الفرصة لم تُمنح لها.
- ممكن نغير طريقنا ونروح لسليم الشركة يا عم محمد
والعم محمد يُنفذ ما يؤمر به
ترجلت من السيارة وسارت بخطوات واثقة، ترتسم فوق شفتيها ابتسامة لطيفة.
استقبلتها سكرتيرته بترحيب لأنها باتت على معرفة بأنها زوجته رغم إنها لم تلقاها إلا مرة واحدة.
دلفت دون أن تطرق الباب لتجده مندمج في عمله، يُحاوطه الكثير من الأوراق
- حطي الورق اللي عايز يتمضي يا هدى
ولكن مع اقتراب الخطوات منه دون طرقعت الحذاء بدء يعلم إنها ليست سكرتيرته.
رفع عيناه عن الأوراق وقد ارتسمت ابتسامة دافئة فوق شفتيه وهو يراها واقفة، تراجع قليلًا للخلف بعيداً عن ملاصقته لسطح مكتبه يمدَّ لها ذراعه يدعوها للأقتراب منه
- إيه المفاجأة الحلوه ديه يا حببتي
تقدمت منه بابتسامة واسعة
- مبقتش اعرف أشوفك في البيت قولت أجيلك الشركة
شعر بالندم لتقصيره معها، فمنذ أن غادرت ابنته منزله واختارت العيش مع والدتها بعدما كابر وعاند الأمر ولكن في النهاية رضخ فلم يعد يطيق المكوث في المنزل
- معلش يا حببتي الشغل كتير الفترة ديه
تعلم إنه يكذب عليها ولكنها كانت تعطيه كامل حريته في الإبتعاد حتى يعتاد ولكنها لم تعد تتحمل بعده، وقد أدركت أنها دونه لا شئ، سليم أخبرها ذات يوم إنها ابنته قبل أن تكون زوجته وقد جاء الوقت لتنال حقها،
وقد صار لديها الكثير من الأحاديث لتخبره بها.
لقد بدأت تشعر بالتحرر داخلها خاصه إنها صارت تتعامل مع الحياة بمفردها دون مساعدة أحد.
هو ينئ بنفسه بعيداً عنها بعدما غادرت ابنته منزله، جنات قد طالت رحلة سفرها، وأحمس بات مندمجًا في تدريبه بالمؤسسة والسيد حازم يتنبأ له بمستقبل رائع في هذا المجال حتى والدتها رحلت بشقيقها وعادت لبلدتهم بعد شفائه.
- أنت كان ديما عندك شغل وكنت بتهتم بيا يا سليم
ابتسم رغماً عنه وهو يرى الحنق مرتسم فوق ملامحها
- انا بقى عندي مغامرات كتير عايزه أحكيهالك
اندمج معها مستمتعاً باستياءها وعلى ما يبدو أن صمتها وصبرها قد أنتهى وقتهما
- مغامرات؟ مجرد أيام بتسميهم مغامرات
- أربعين يوم مش مجرد أيام ، ده شهر وعشرة أيام
ضاقت عيناه في ذهول، فتون صارت تعد الأيام بل وبدقة
- أنتِ كمان حسباهم، قوليلي بقى كام ساعه وكام دقيقة وكام ثانية
ضحكت وهي تتراجع للخلف بعدما استندت بذراعيها فوق سطح مكتبه، طالعها مبتسماً وهو يراها بهذا الإسترخاء
- مش لدرجادي يا سليم، هترجع بدري مش كده
طالت نظراته إليها إنه يشتاقها ولكنه أصابه بعض الفتور، فبات يبتعد عنها وهي اخذت دور الصمت كعادتها ولكن اليوم يرى الشوق يفيض من عينيها.
مالت نحوه بعدما لم تجد إلا أن عليها هي من تعيد تلك الحرارة لحياتهم
- سليم أنت بقيت بعيد عني أوي من ساعت ما خديجة مشيت من البيت
اطبق فوق جفنيه بقوة فهو حتى اليوم رافض فكرة إبتعاد صغيرته عنه
- خديجة عندها حضن تاني يا سليم لكن أنا معنديش غيرك
فتح عيناه يراه تُطالعه بنظرة جعلته يجذبها إليه غير عابئ بتلك الأوراق التي تناثرت أسفل مكتبه
ضمها إليه بقوة فارجفتها ضمته التي اشتاقت إليها
- خايف تبعدي أنتِ كمان عني
سليم يخاف من إبتعادها عنه ولكنها هي من كانت تخاف، لقد تجاوزوا الكثير من المراحل معاً ولكن إبتعاد ابنته عنه وإنسحاب شهيرة عنهما بطريقة متحضرة كانت أصعب مرحلة لم تظن إنها ستكون فيها الطرف المنتصر وتظل معه حتى لو أصاب علاقتهما بعض الفتور.
اشتد عناقه وقد صارت لمساته أكثر جراءة، تتنفس عبق رائحته التي باتت معبقة برائحة سجائره وقد بات يدخن بشراهة رغم إنها كانت من قبل نادراً ما تراه يُدخن.
صار لديها مهمه أخرى عليها فيها أن تثبت وجودها كزوجة
- كنتِ جاية عشان الحضن ده، إظاهر إننا المرادي بدأنا نتغير فعلًا
داعبها بحديثه الذي أشتاقت إليه، فحاولت التحرر من أسر ذراعيه والابتعاد عنه حتى تتمكن من ترتيب سترتها الأنيقة وبلوزتها
- فعلا كنت محتاجة لحضنك يا سليم
تعالت ابتسامته وهو يستمع لتصريحها دون خجل عن توقها إليه
- لكن في سبب تاني، سبب وراه إستغلال بس إستغلال جميل وعارفه إنك مش هترفضه
ارتفع حاجبه الأيمن لأعلى في دهشة، فمن التي تتحدث معه اليوم.
عادت تقترب منه تُخبره بحديث سريع عما تُريد إستغلالها فيه
- لكن الموضوع هيكون صعب شويه، لو وفرت فرصه اكيد هتكون إلا لناس تستحق ده
- أنت هتوفر فرصه او فرصتين، شريك ليك هكذا وشريك لشريك ليك هيعمل كده هتلاقينا عملنا حاجة مؤثرة وساعدنا ستات وبنات محتاجه شغل، ارملة، مطلقة، بنت بتعول أسرتها او بتعول نفسها لأنها ملقتش اللي يساعدها
داعبت ابتسامة واسعة شفتيه وهو يراها ملتصقة به، تتلاعب بأزرار قميصه دون شعور منها أن حركتها صارت مغرية
- إيه كمية كلمة شريك اللي اتقالت في كلامك ، أنتِ فرعتي أوي الموضوع يا حببتي, ديه مجرد حفلة سنوية للشركة والشركاء بيكونوا ضيوف مش أكتر، مقدرش أجبر حد فيهم يقدم مساعده
طالعته في عبوس ، فهل ضاع ما تحمست إليه؟
- أنت مش هتجبر حد يا سليم لكن هتكون أنت البداية لينا، لما تعلن تقديمك فرصة زي ديه لفردين مثلا هتلاقي غيرك بيعمل كده، هو أنا برضوه اللي هقولك
ارتفع هذه المرة كلا حاجبيه، فهل اختلاطها مع أعضاء الجمعية وطلبه من السيدة سحر أن تدمجها في الكثير من الانشطة والاجتماعات أثمر بهذه السرعة؟
- فتون يا حببتي، أنتِ فتحتي نص ازرار القميص وأنتِ مش حاسه والموضوع كده هيروح في ناحية تانية
طالعته دون فهم تنظر إليه ثم إلى موضع يديها، انتفضت عنه لا تستوعب أين كان عقلها
ومنذ مدة لم يضحك هكذا، ألمته معدته من شدة الضحك ينظر إليها وهي تمسح فوق خديها
- يا حببتي أنا بوضحلك الموضوع ، لكن أنا مرحب والله
- سليم
هتفتها وهي تشيح عيناها عنه ولكنها كانت سعيدة لأنه عاد يهتم بها ويتجاذب معها الحديث
- عموما موافق يا فتون، رتبي الموضوع مع سكرتيرتي ورشحي ليا العدد بس متوعديش حد بحاجة لسا مش مضمونه وانسي إنك مراتي في الحاجات ديه لأن الشغل محتاج حد جدير ويستحق
...........
ركضت الصغيرة نحو والدتها بعدما فتحت لها الخادمة ورحبت بها
- أنتِ كذبتي عليا كمان النهاردة يا مامي وقولتيلي هترجعي بدري
ارتسم الندم فوق ملامح شهيرة، فالأعمال متراكمة والشركة تحتاج لوجودها، فلن تنهزم أمام شقيقها ولا أمام ذلك الشريك الذي اجبرها شقيقها على تحمله وبالطبع لم يكن إلا ماهر الذي بات يُعاملها كند له بعدما فشلت محاولته معها بالزواج
- أسفه يا حببتي! مامي غصب عنها, اوعدك بكرة اخدك ونروح النادي ونتغدا كمان هناك
ابتعدت عنها الصغيرة، فذلك الوعد صارت توعده به دوماً ولكنها في النهاية تقضي يومها مع مربيتها
- كل مره تقوليلي كده، بابي مكنش بيكذب عليا
أسرعت الصغيرة نحو غرفتها تجر خلفها دميتها، هي باتت تُصدق أن سليم كان أجدر منها في رعاية الصغيرة ولكنها ستُحاول حتى تفهم صغيرتها أن كل ما تفعله من أجلها
زفرت أنفاسها بأرهاق، ليت كانت حياتها سهلة ليتها كانت مجرد أمراة بسيطة لا يثقلها الأعمال والصراعات
- أحضر العشا يا هانم
اماءت برأسها للخادمة وعادت تلتقط أنفاسها، ترسم فوق شفتيها ابتسامة واسعة، تتجه نحو غرفة صغيرتها
- ديدا
اشاحت الصغيرة عيناها عنها، فاقتربت منها وقد اورثها سليم من طباعه العناد والتذمر السريع
- مامي تعبانه ومش هتخف غير لما تاخد منك حضن كبير
اخذت شهيرة تقص لها عن يومها المشحون حتى بدأت الصغيرة تستمع إليها
- أنتِ بتعملي ده كله يا مامي لوحدك
حركت شهيرة لها رأسها، ولم تكن تنتظر من صغيرتها إلا النظر إليها وتفهمها
ورغمًا عنها كانت دموعها تنساب فوق خديها وهي ترى أبنتها تُحاوطها بذراعيها
- خلاص يا مامي أنا مش زعلانه، متخافيش بكره لما اكبر هساعدك ومش هتتعبي تاني
...........
ودع كاظم ذلك الصديق الذي لم يراه منذ زمن وكان من حظه أن يراه هنا في إيطاليا.
صديقه غادر بعجالة بعدما تلقى إتصالًا هامًا معتذراً منه، فقد أراد الجلوس معه لفترة أطول.
طالع هاتفه بتوجس بعدما رأي رسالتها، وقد ضاقت عيناه مدهوشًا من طلبها
" عايزة برقوق يا كاظم"
ركز بالرسالة لمرات، هي تصف له حجم ولون وطعم البرقوق الذي تُريده
ورغمًا عنه كان يبتسم مجيبً على رسالتها
- برقوق لونه أخضر وطعمه مزز اجيبهولك منين ده يا جنات
اصطدم دون قصد منه بأحد الأشخاص، فالتف معتذراً منه
تقبل العامل اعتذاره. فتوقف مكانه للحظات يُحملق في جسد المرأة التي أخذت خطواتها تقترب من المصعد، هي لم تراه لانشغاله بمطالعة الهاتف.
وعبارة واحدة عادت تقتحم ذاكرته هذه المرة بأهتمام، صديقه الذي التقاه وغادر قبله الفندق اخبره إنه رأي شقيقه أمير فهو يتذكر شكله ولم يتمكن من مصافحته وتذكيره بنفسه لأنشغاله بمكالمة هاتفيه
أمير هنا في الفندق، و خديجة النجار تخفي عينيها بإحدى النظارات تسير بخطوات مرتبكة بعض الشئ
- معقول خديجة النجار عشيقة أمير
يتبع بإذن الله (
