رواية لمن القرار الفصل الحادي والخمسون 51 بقلم سهام صادق
الجزء الاول
************
التقطت أنفاسها تمسح فوق خصلات شعرها المشعثة، تنظر لهيئتها في مرآة سيارتها، ترى صورة لم تعهدها من قبل..، صورة مشوشة منها باهته
أزرار قميصها قد اغلقتها بأهمال منذ دقائق، دقائق مرت عليها تُخبرها بجرمها وهي تنهض من فوق الفراش عارية تبحث عن ثيابها وترثي حالها..
لا تتخيل أنها ستوصم حياتها بهذا الخزي
عادت أنفاسها تتسارع تضرب رأسها فوق عجلة القيادة، لا تُصدق أن كاظم النعماني كان من الممكن أن يراها في أحضان شقيقه بذلك الوضع
سقطت دموعها، تُحاول ضبط أعصابها حتى تتحرك بسيارتها مبتعده هاربة عن هنا
وها هي تلمح عبر مرآة سيارتها تلك السيارة التي اصطفت للتو ثم خرج منها كاظم النعماني ترافقه أمرأة
والمشهد منذ دقائق
كانت غارقة بين ذراعيه، تُحاوط عنقه بذراعيها مستمعه..، يهمس لها بكلمات عاشقة تتخللها الوقاحة في غزله بجسدها، وقاحة لم تعتاد عليها ولكنها كانت سعيدة منتشية
- أمير تليفونك
توقف هاتفه عن الرنين، ثم عاد الرنين مرة أخرى
زمجر رافضاً أي حديث يبعدهم عن متعتهم، وهي كانت مطيعة راغبه
وتآوه لذيذ كاد أن يخرج من بين شفتيها، ولكن رنين الهاتف كان يعود ثانية وتلك المرة هو من ابتعد عنها حانقاً متأففاً يلتقط هاتفه مقرراً إنه سيغلقه ولكن عيناه علقت برقم المتصل لا يستوعب إتصال أخيه بهذا الوقت،
ولكن شيئاً اجتذب اهتمامه وقد تجاهل تسألها بعدما اعتدلت فوق الفراش تنظر إليه بتوجس؛ فأخيه لا يُهاتفه من مصر
- مش معقول كاظم هنا في إيطاليا، إزاي مقاليش
والعبارة اخترقت اذني المترقبة لمعرفة هوية المتصل، لم يحتل الخوف ملامح أمير بل كانت الصدمه لمجئ أخيه دون إخباره
لكن الخوف والفزع احتلوا ملامحها في شحوب ، حاولت إفاقة حالها من الخوف والتقاط ملابسها المُلقى بعشوائية
توقف الرنين، فالجمه المشهد وهو يراها تلتقط ثيابها بتوتر وفزع تتمتم بكلمات خائفة وكأنها ضبطت في جرم
حاول إفاقة حاله من الذهول الذي أصابه، لا يُصدق أن الحال وصل به لهنا، زوجته تخشى الفضيحة، زوجته تُدني مكانتها وكأنها مجرد عاهرة قضت ساعات الليل في شقته وفوق فراشه
- أنتِ بتعملي إيه؟
تمتم بها وهو يراها تبحث عن حذائها في إنفعال، تُقاوم ذرف دموعها من شدة فزعها
أسرع في التقاط ذراعها حتى تتوقف عما تفعله بجنون
- أنتِ مراتي يا هانم، ليه مش قادرة تفهمي إنك مراتي..
- ابعد عني يا أمير خليني أمشي من هنا
- مش هتمشي يا خديجة، ويمكن الوقت جيه خلاص إن كاظم وكل الناس تعرف إنك مراتي
ازداد ذعرها وقد احاطها بذراعيه يُجبرها على التوقف مكانها، شفتيه عرفت طريقها نحو عنقها يلثمه ببطئ ثم خرج صوته بخفوت
- خديجة أنتِ مراتي، مكانك جانبي وفي حضني.. بلاش تضيعي الباقي من عمرك في خوف.. زي ما ضيعتي نفسك زمان على حاجه مالكيش ذنب فيها
انسابت دموعها وقد فقدت قدرتها على حبسها، خاصة بعدما أشار على ذكرى اغتصابها وكرهها للرجال وما عاشته لترمم حالها
شعر براحه وهو يرى سكونها بين ذراعيه، وفي لين وهدوء ادارها نحوه، يرفع كفيه يمسح دموعها التي هزته وهو يرى ضعفها الذي أصابه
- أنتِ مراتي يا خديجة
أراد أن يثبت لها، إنها ملكه وحده..، خانها جسدها للحظات ولكن عقلها كان يُحاربها حتى تفيق
وبين صراع الجسد والعقل.. دفعت نفسها عنه تضع كفها فوق شفتيها تنظر له بأسف ثم أسرعت في التقاط حقيبتها وغادرت مرتجفة لا تقوى على مقاومة رعشة جسدها
- خديجة
........
توقف كاظم مكانه مشدوهاً بهيئة أخيه، فحصه بنظراته متوجساً
تراجع أمير خطوتين يمسح فوق خصلات شعره الرطبة، يشعر بالتوتر من نظرات كاظم الثاقبة
- مبلغتنيش ليه بميعاد طيارتك؟
واردف متهكماً ينظر لعينينه يرى فيهم الشك
- ولا قولت تعملها ليا مفاجأة
- هي ديه حمدلله على السلامه يا أمير
تمتم بها كاظم وهو ينظر نحو جنات التي استندت إلى الحائط، دون أن تهتم بحديثهم..، انتبه أمير عليها أخيراً يشعر بالحرج مبتعداً عن الباب
دلفت جنات وقد تأكدت أن قلة الذوق شئ مؤصل بتلك العائلة، فالأخ الصغير لم يرمقها إلا ببضعة نظرات دون حديث وكأنها ليست مرئية
- كان معاك واحده هنا، إرتباكك ده فيه حاجة
ثم عاد يفحصه بعينيه مجدداً
- ورايح فين في الوقت ده، أنا جايبك هنا تشتغل وتبعد عن السرمحه ولياليك الحمرا
ولكن أمير كالعاده تركه يتحدث دون أهتمام بتعليقاته، احتقنت ملامح كاظم وهو يراه يسحب المعطف متمتما بجمود
- حمدلله على السلامه يا كاظم
انغلق الباب، فوقفت جنات خلفه وكأنها قد فاقت للتو
- سبحان الله حتى كلامك مع أخوك سد نفسه، وسابلك المكان ومشي
- جنات
صدح صوته بصراخ حاد، يقبض على كفيه بقوة.. مُلتفاً إليها
- ياريت تشوفيلك أوضه وتروحي تكملي نوم
ظنها ستنسحب من أمامه بعدما انتفض جسدها فزعاً من صوته، ولكنها اخدت تجول بعينيها في الشقة غير مهتمه بحديثه
احتدت ملامح كاظم، فهي لم تعد تهتم بأي حديث يُلقيه عليها
- أنتِ يا مدام مش بكلمك
استمرت في تحديقها الذي ازاده حنقاً ، فيكفيه الشكوك التي اقتحمت عقله وتأكده من حقيقة أن أخيه يواعد أمرأة
، يبعده عن مصر حتى تتوقف الفضائح عن سمعتهم..، فيأتي لهنا يُكمل مسيراته الغرامية
وجدها تتحرك من أمامه، فاسرع في التقاط ذراعها
- لو فاكره إنك بالطريقه ديه عايزانى أجيب أخري معاكِ، فخليكي متأكده إن الدرجة ديه مش بوصل ليها غير لما بكون عايز ده .. يعني بلاش تعلبي لعب الأطفال الفاشلة
حديثه الفظ لم يعد يُغضبها، فقد أصابها التبلد من معاشرته.. وكلها أيام وستنتهي رحلتهم ويعود كل منهما لحياته ولولا مشروعها الصغير الذي أقنعها به أحمس، لكانت تركت له المدينه بأكملها وبحثت عن مدينة أخرى تعيش بها
- عارف أكتر حاجة اتعلمتها منك إيه، كره الذات.. نجحت اوي في درسك يا كاظم باشا
قالتها بمرارة وهي تتحرك من أمامه ، وبنفس المرارة التي القت بها عبارتها.. كان يتجرعها هو داخل جوفه
كاظم النعماني بات يتألم من سماع بضعة كلمات، شعور مخزي كان بالنسبه إليه..
- ما دام فوقتي ومزاجك لطيف أوي كده ، اعمليلي فنجان قهوة
توقفت مكانها، فهذا الرجل يبهرها يومياً..، وبداخلها توعدت أن تُجيبه بالرد الذي يستحقه.. فهل هو يأمرها؟
إنها حرب ولابد أن تنتصر فيها قبل أن تحصل على ورقة طلاقها
- ومن غير ردودك الجميله يا جنات، أنا فعلا محتاج فنجان قهوة وده مش أمر، حقيقي وإعتراف ممكن متسمعهوش مني تاني.. قهوتك ليها مذاق مختلف ووحشني طعمها
والغضب الذي احتلى عيناها منذ لحظات تحول إلى ذهول، لم ترى أي علامات من التهكم مرتسمة فوق ملامحه ، ولا تلك الغلاظة كما اعتادت.. بل كانت ملامحه مرهقة وعيناه عالقة بها بنظرة غريبة عليها منه
ابتلعت كلماتها الرافضه، وبتوتر تسألت
- فين المطبخ؟
وفي صمت تحركت خلفه نحو مطبخ عصري الطراز..، يلتقط ما يخص القهوة
لم تكن تشعر بحالها وهي تُطالعه بحيرة، ومازال صدى إعترافه بحبه لقهوتها يخترقها، إنها حقاً أصبحت حمقاء لتُسعدها كلمات مدح، وكأنه أخبرها بكلمات غزل المحبين
سرحت بخيالها، تتخيله يمنحها وردة حمراء.. يعترف لها بحبه وشوقه.. يضمها إليه بتلك الضمة التي تُمنح السلام وليست تلك الضمة القاسية التي يقبض بها فوق جسدها حتى يسيطر عليها
فاقت من شرودها مصعوقة من قربه منها ، تنظر إليه وهو يرفع ذراعه ليلتقط فنجانين ثم ابتعد عنها يضعهم فوق سطح رخامة المطبخ متمتماً
- يعني لو حبه تشربي قهوة
انتظر جوابها على أمل غريب عليه، فمند متى يأمل أن تشاركه امرأة قهوته الصباحيه بعدما كان يرى النساء حبات سكر لا مذاق لها تظنها ستمنحك مذاق حلو ولكن تجد قهوتك سادة بلا مذاق.., فالأفضل أن تشربها سادة وستمنحك مذاق مفضل بعد أن تعتادها ولن تفكر بعدها أن تشرب قهوتك بمذاق مختلف
والقاعدة التي وضعها، باتت تتضمحل، وشئ يصرخ به بأن يفيق من هذا الجنون
- أنا محتاجه أنام
اماء برأسه متفهماً، يمسح فوق وجهه ثم وقف يُتابعها بعينيه وهي تعد له قهوته في صمت
- أنا بعد ساعتين هخرج، رايح الشركة
والصدمة كانت تصعقه، فهو يُخبرها عن وجهته..، وكأنه يبحث عن حديث يخلقه معها
غادر المطبخ وقد احتلى الجمود ملامحه، يدور حول نفسه مصعوقاً، هو يريد منح زواجهم فرصة معللاً لنفسه إنه بات يحتاج امرأة في حياته بعدما ذاق قربهم
هو يحتاجها لحاجة جسديه، وتكوين أسرة بعد أن ظل ليالي يسأل حاله لمن يجني كل هذا المال والنجاح
- لا يا كاظم أنت لازم تفوق، مش معنى إنك عايز جوازكم ياخد فرصه.. تكون ضعيف كده .. أنت راجل مش معترف بالحب ولا عمرك هتعترف بي .. الجواز علاقة جسديه واطفال الست بتمنحهم للراجل وبس.. يعني شريكة فراش ووعاء
وبقناعة رجل يخدع نفسه، كان يعود لصلابته الواهية
جاءت إليه بفنجان القهوة، تضعه أمامه وقد تخلت عن حجابها وفكت بضعة أزرار من بلوزتها..، لم تكن تقصد أي مشهد ارتسم للتو في عقله..، فتحريرها لازرار بلوزتها كان بسبب تلك الحرارة التي شعرت بها عندما عاد قلبها لضعفه وتذكيرها بتلك الليالي التي كانت تذوب فيها بين ذراعيه راغبه منتشية
تأملها برغبة حارقة، ودون إدراك منه كان يقبض فوق كفها .. فانتفصت من لمسته بطريقة صعقته وربكته من خيانة جسده وذلك الذي أخذ يخفق بلوعة يُخبره عن توقه
فعلتها أثارت حفيظته ، فتمالك حاله يلثم كفها متمتماً بهدوء
- تسلم أيدك
وكامرأة لم تحظي بأهتمام الرجال يوماً، خدعتها فعلته.. هو كان متعطشاً لشئ أخر، للشئ الذي آثار فزعتها عندما قبض فوق كفها ولكنه كان بارع في إخفاء نيته الحقيقية بعدما رأى الفزع في عينيها من مشاعر أصبحت تنفرها، مشاعر باتت تُخبرها بالضعف وهي لن تكون ضعيفة مجدداً
ولكن ما فعله للتو اربكها، كاظم يفعل كل ما كانت تأمله معه في بداية زواجهم
وكم هم الرجال أغراب الأطوار ، فعندما تخلت عن التمسك به أصبح هو من يجتذبها إليه
ابتعدت عنه تُشيح عيناها عنه، نافضة عنها تلك المشاعر معلله لحالها إنه بسبب قلة النوم
- أنهي أوضة اقدر أنقل فيها حاجتي
رمقها لثواني، ثم التقط فنجان قهوته يرتشف منه متمتماً بجمود اثبت لها أن اضطراب النوم جعلها تتهيأ أشياء جديده وقد اتضحت لها الصورة
- اختاري الأوضه اللي تعجبك
- طيب واخوك، افرض رجع تاني
عاد يرتشف من فنجان قهوته، وقد انشغل في تصفح هاتفه
- أمير مش هيرجع ما دام عارف بوجودك
- المفروض كنا ننزل في الفندق، بدل ما هو اللي يبعد عن بيته بسببنا
تنهد بضجر زاد من تأكيدها.. أن لطافته كانت أضغاث أحلام
- متقلقيش هحجزله في فندق خمس نجوم
هتف بها مستهزءً، فامتقعت ملامحها تنفخ وجنتيها ثم أطلقت زفيراً يُعبر عن حنقها
- أنت حر مع أخوك
واردفت متمتمه بصوت خافت وهي تبتعد عن مكان جلوسه
- ده حتى اخوك طلع قليل الذوق زيك، عمل نفسه مش شايفيني وكأني هوا
التقط كاظم تمتمتها، يرفع حاجبيه مستنكراً مستمتعاً، وسرعان ما كان يتذكر هيئة شقيقه وهو يغادر بعجالة متمتماً
- يا ترى مين اللي مخلياك متمسك بوجودك هنا ؟
........
فرت شهيرة هاربة من المشهد، بعد أن اجتذبت انظارهم
هوت فوق فراشها تكتم صوت شهقاتها العالية، فالحقيقة ضربتها بقوة هذه المرة، تتذكر كيف كان ملهوفاً مستمعاً وهو يقتنص شفتيها في قبلة خطفت أنفاسهم معاً
ظنته سيغضب منها حينا يراها بالمطبخ تقوم بالدور الذي مهما اتنشلها منه عادت إليه.. "خادمة"
ظلت طيلة الليل مستيقظة، مترقبة قدومه وثورته عليها بتمسكها بصورة الخادمة مهما ارتقى بها
وآه ملتاعة أخرجت من شفتيها، لقد خسرت ما كان ملك لها يوماً
وبفتور نهضت من فوق الفراش تقترب من مرآتها، ترى صورة باتت مشوهة باهته
.......
توقف بأنفاس لهاثة أمام باب منزلها يدق الجرس لمرات ولكن لا مُجيب رغم وجود سيارتها أمام البناية
- خديجة أنا عارف إنك جوه افتحي يا خديجة
استمر في دقه وندائه، حتى أستمع إلى صوت شهقاتها ورجائها بأن يرحل
- أمشي يا أمير، ارجوك امشي من هنا
- قولتيلي متسبنيش مهما عملت، وأنا بقولك اه مش همشي من هنا غير لما تفتحي..
- ارجوك يا أمير
- أمير إيه وزفت إيه.. أنتِ بتعملي فينا كده ليه؟
تعالت شهقاتها، تهتف بتوسل
- أرجوك يا أمير، أرجوك كفاية فضايح
"فضائح"، اصابته الكلمه في مقتل.. فابتعد عن الباب مصعوقاً
- حبِ ليكي وجري وراكي فضايح يا خديجة
عضت شفتيها في حرقة، وهي تراه يبتعد.. لوهلة قاومت مشاعرها
وببطئ كانت تفتح له الباب، تنظر إليه بعدما توقف عن سيره
التف إليها، وقد صدمته هيئتها المدمرة..
السيدة القوية ،سيدة الأعمال الناجحه التي ركض خلفها الكثير من الرجال لاهثين.. باتت يائسه محطمه
اسرع إليها، يلتقفها قبل أن تخونها ساقيها
- ليه بتعملي فينا كده، بتعذبي نفسك وبتعذبيني معاكِ
والصمت وحده كان طريقها، تشبثت به بقوة وبين العقل والقلب كانت هي الضائعة
.......
طالع وقفتها بعدما ابتعدت عنه صامته، عادت لانشغالها في صنع الكعكه، فاقترب منها يفرك رأسه لا يفهم سبب ذلك الصمت الذي اتخذته بعد رؤية شهيرة لهم
- أنا عارف إن الوضع ده غلط، وقريب كل حاجة هتتصلح
اغمضت عينيها متألمه، تتذكر نظرات شهيرة نحوهم.. نظرات كانت تعبر عن الحسرة والألم، ألم اخترق بالفعل فؤادها
إنها لن تتحمل أن تعيش هذا الألم وترى أخرى مكانها تتمتع بما كان لها، شعور قاسي لا تتمنى أن تناله يوماً
- أنت ظلمتها لما جبتها تعيش معانا، كرهتني أكتر.. شهيره لسا بتحبك يا سليم.. ، نظرتها ليا كره بس نظرتها ليك عتاب وحزن
اصابته كلماتها، هو لا يُريد أن يكون رجلاً ظالماً وخاصة معها هي أم أبنته، رابط لن ينتهي مهما حدث بينهم
- أنا عارف إنه كان قرار غلط، لكن..
التفت إليه ، تمنعه عن إكمال حديثه
- كان عندك حلول كتير يا سليم، كان ممكن تتفقوا سوا على أيام معينة البنت تكون بينكم أنتم الاتنين..، وجودها معاك لوحدك مش هيفرحها.. ومهما قدمت لخديجة من حب هتكون ظالمها..
- أنتِ مش فاهمه حاجة يا فتون، بنتِ مش هتتربي مع شهيره وده قراري..
- ليه ؟
طالعته في تسأل تنتظر جوابه، لكنه تحرك من أمامها
- عشان أتنزلت ليك عنها، هو أنتوا بتتنزلوا على حتت أرض ولا شركة من شركتكم يا سليم
توقف مشدوهاً من حديثها، ملتفاً إليها يُضيق عيناه ، يُنظر إليها متفحصاً خلجاتها
انسابت دموعها، ولم تكن دموعها تلك المرة إلا على غريمتها التي رأتها كيف فرت هاربة من الوجع بعدما شاهدتهم
- أنت لأول مرة متعرفش تاخد قرار صح يا سليم
تجمدت ملامحه وعاد يقترب منها متسائلاً
- اتوجعتي عشانها عشان شافتنا يا فتون، رغم إنك مراتي وهي طليقتي
- تخيلت نفسي مكانها، كرهها ليا نابع من الوجع أنا اخدت كل حاجة منها
والجواب كان يتبعه سؤالاً، وليس جوابً على ردها
- ولو قولت إن بنتِ هتفضل عايشه معايا
- ده قراركم أنتم الأتنين، حبِ لخديجة مش هيكون زي حبكم ليها
ارتجف جسدها، تنظر إليه بعدما رفع كفيه ومدّهم نحو خديها يمسح فوقهما
- أنا معترف بغلطي
- مافيش ست قوية يا سليم
ورغماً عنه كان يبتسم، غامزاً لها
- شكل جو المطبخ ليه تأثير عليكي يا حبيبتي
- شوف لو فتون اللي كانت من كام ساعه، كنت اخدت كلامك إهانه..
ارتفع حاجبيه في دهشة، فعن أي إهانة تتحدث زوجته، وسرعان ما كان يفهم مقصدها.. فارتسم الحنق فوق ملامحه يلطم جبهتها بخفه
- يعني بعد الدور المذهل اللي قدمتي، تقوليلي أفهم كلامك إهانة.. كل يوم بتأكد إنك هتشرفيني في مجال المحاماه يا حببتي
- بتتريق يا سليم
اماء برأسه، يشعر ببعض الإرهاق وتأنيب الضمير
- خد بالك وده قرار أخدته خلاص، شهادة المحاماه هاخدها وهعلقها جانب شهادتك في المكتب.. لكن أنا هشتغل الشغلانه اللي بحبها..
وببطئ لفظت عبارتها
- هرجع افتح المطعم من تاني
...........
اقتربت بنعاس منه بدء يُغادر جفنيها، تضع اطباق الفطور أمامه فوق طاوله المطبخ
- مش كنا استنينا الكل يصحى، ونفطر كلنا سوا يا رسلان
امتقعت ملامحه، ينظر إليها حانقاً
- عايز افطر معاكي لوحدنا ، اكلك وتأكليني.. غمزه كده، كلمه كده..
ثم اردف مستاءً
- بدل الحصار اللي بكون فيه
ارتفع حاجبيها في ذهول، ثم انفجرت ضاحكة من عبارته
- بتضحكي، انا عايز أحس إني اتجوزت
تمالكت ضحكاتها ، تغمس لقمه من الطعام في الطبق ثم اقتربت منه تدسها داخل فمه
- ديه تاني جوازه ليك يا دكتور
عبست ملامحه، يمضغ اللقمه بضيق بعدما ذكرته بزيجته الأولى
- أنتِ جوازتي الأولى يا ملك، وبلاش تفكريني بأكبر غلط عملتها في حياتي
نهض عن طاولة الطعام، وقد ضاعت جميع أحلامه عن فطار هادئ تُزينه الدعابات وربما القبلات
- رسلان أنت مش هتكمل فطارك
- نفسي أتسدت خلاص، ورايح أنام
أسرعت في التقاط ذراعه، تهتف نادمه
- رسلان رغم إن جوازك من مها امر واقع وحقيقه، واكبر دليل ولادك.. لكن أنا اسفه
ولزمتها إيه الأسف، بعد الحقيقه المره اللي فكرتيني بيها
قالها مازحاً ينفض عنه ذلك الشعور الذي اقتحمه، فرفعت حاجبها الأيسر متسائله، رغم علمها الإجابة
- بتهزر يا دكتور
- طبعا بهزر يا عيون الدكتور
تمتم بها وهو يُطاوق خصرها بذراعيه يُقربها منه
- تصدقي النوم طار، وجوه عقلي حاجات مش ولا بد
لم تتمكن من السيطرة على صوت ضحكاتها، فرسلان يبهرها كل يوم بشخصيته الجديده المتطوره
- اتغيرت يا رسلان
قربها إليه بشدة، يُداعب أنفها بأنامله
- والتغير حلو ولا وحش
- كل حاجه في حياتي بقت حلوه يا رسلان..، حاسه إني اتولدت من جديد ورجعت أحبك كمان من جديد
ارتسمت الصدمه فوق ملامحه، سرعان ما أدركت إنه يُشاكسها بتعبيرات وجهه
- رجعتي تحبيني من جديد، لا لا الموضوع محتاج كلام كتير وشكلي
ابتعد عنها بأنفاس لاهثه كحالها، ينظر إليها مستمتعاً بدفن رأسها في صدره
- وأنا قلبي محبش غيرك يا ملك، ولا عمره وقف عن حبك
وقفت ناهد مستمعه لحديثهم تقبض فوق الخاتم الذي سيكون ثمن لجريمتها الجديدة
ضاعت ذكرى أبنتها، وقد وضعوها خلف ظهورهم ومضوا.. ينعمون بحياتهم, مكملين طريقهم وابنتها وحدها من أخذها الموت وحرمت من أن تعيش شبابها
........
وضع جسار هاتفه فوق أذنه، يسمح للمتصل هذه المرة بالحديث وإلقاء الأوامر
- النهاردة يا باشا، هجيب المأذون .. واخوها بنفسه هيجوزهاني عشان ميبقاش عندك حجه
- خلصت كلامك
أراد عنتر أن يستفره بحديثه
- عايز اكلم العروسه، أشوفها لو محتاجه حاجة
واردف مستمعاً بعدما وجده عاد لصمته لا يستمع إلا لصوت أنفاسه
- ولا اقولك الايام جايه كتير، مش هتبقى مراتي يا باشا
يتبع بإذن الله (قراءة متتعة)
************
التقطت أنفاسها تمسح فوق خصلات شعرها المشعثة، تنظر لهيئتها في مرآة سيارتها، ترى صورة لم تعهدها من قبل..، صورة مشوشة منها باهته
أزرار قميصها قد اغلقتها بأهمال منذ دقائق، دقائق مرت عليها تُخبرها بجرمها وهي تنهض من فوق الفراش عارية تبحث عن ثيابها وترثي حالها..
لا تتخيل أنها ستوصم حياتها بهذا الخزي
عادت أنفاسها تتسارع تضرب رأسها فوق عجلة القيادة، لا تُصدق أن كاظم النعماني كان من الممكن أن يراها في أحضان شقيقه بذلك الوضع
سقطت دموعها، تُحاول ضبط أعصابها حتى تتحرك بسيارتها مبتعده هاربة عن هنا
وها هي تلمح عبر مرآة سيارتها تلك السيارة التي اصطفت للتو ثم خرج منها كاظم النعماني ترافقه أمرأة
والمشهد منذ دقائق
كانت غارقة بين ذراعيه، تُحاوط عنقه بذراعيها مستمعه..، يهمس لها بكلمات عاشقة تتخللها الوقاحة في غزله بجسدها، وقاحة لم تعتاد عليها ولكنها كانت سعيدة منتشية
- أمير تليفونك
توقف هاتفه عن الرنين، ثم عاد الرنين مرة أخرى
زمجر رافضاً أي حديث يبعدهم عن متعتهم، وهي كانت مطيعة راغبه
وتآوه لذيذ كاد أن يخرج من بين شفتيها، ولكن رنين الهاتف كان يعود ثانية وتلك المرة هو من ابتعد عنها حانقاً متأففاً يلتقط هاتفه مقرراً إنه سيغلقه ولكن عيناه علقت برقم المتصل لا يستوعب إتصال أخيه بهذا الوقت،
ولكن شيئاً اجتذب اهتمامه وقد تجاهل تسألها بعدما اعتدلت فوق الفراش تنظر إليه بتوجس؛ فأخيه لا يُهاتفه من مصر
- مش معقول كاظم هنا في إيطاليا، إزاي مقاليش
والعبارة اخترقت اذني المترقبة لمعرفة هوية المتصل، لم يحتل الخوف ملامح أمير بل كانت الصدمه لمجئ أخيه دون إخباره
لكن الخوف والفزع احتلوا ملامحها في شحوب ، حاولت إفاقة حالها من الخوف والتقاط ملابسها المُلقى بعشوائية
توقف الرنين، فالجمه المشهد وهو يراها تلتقط ثيابها بتوتر وفزع تتمتم بكلمات خائفة وكأنها ضبطت في جرم
حاول إفاقة حاله من الذهول الذي أصابه، لا يُصدق أن الحال وصل به لهنا، زوجته تخشى الفضيحة، زوجته تُدني مكانتها وكأنها مجرد عاهرة قضت ساعات الليل في شقته وفوق فراشه
- أنتِ بتعملي إيه؟
تمتم بها وهو يراها تبحث عن حذائها في إنفعال، تُقاوم ذرف دموعها من شدة فزعها
أسرع في التقاط ذراعها حتى تتوقف عما تفعله بجنون
- أنتِ مراتي يا هانم، ليه مش قادرة تفهمي إنك مراتي..
- ابعد عني يا أمير خليني أمشي من هنا
- مش هتمشي يا خديجة، ويمكن الوقت جيه خلاص إن كاظم وكل الناس تعرف إنك مراتي
ازداد ذعرها وقد احاطها بذراعيه يُجبرها على التوقف مكانها، شفتيه عرفت طريقها نحو عنقها يلثمه ببطئ ثم خرج صوته بخفوت
- خديجة أنتِ مراتي، مكانك جانبي وفي حضني.. بلاش تضيعي الباقي من عمرك في خوف.. زي ما ضيعتي نفسك زمان على حاجه مالكيش ذنب فيها
انسابت دموعها وقد فقدت قدرتها على حبسها، خاصة بعدما أشار على ذكرى اغتصابها وكرهها للرجال وما عاشته لترمم حالها
شعر براحه وهو يرى سكونها بين ذراعيه، وفي لين وهدوء ادارها نحوه، يرفع كفيه يمسح دموعها التي هزته وهو يرى ضعفها الذي أصابه
- أنتِ مراتي يا خديجة
أراد أن يثبت لها، إنها ملكه وحده..، خانها جسدها للحظات ولكن عقلها كان يُحاربها حتى تفيق
وبين صراع الجسد والعقل.. دفعت نفسها عنه تضع كفها فوق شفتيها تنظر له بأسف ثم أسرعت في التقاط حقيبتها وغادرت مرتجفة لا تقوى على مقاومة رعشة جسدها
- خديجة
........
توقف كاظم مكانه مشدوهاً بهيئة أخيه، فحصه بنظراته متوجساً
تراجع أمير خطوتين يمسح فوق خصلات شعره الرطبة، يشعر بالتوتر من نظرات كاظم الثاقبة
- مبلغتنيش ليه بميعاد طيارتك؟
واردف متهكماً ينظر لعينينه يرى فيهم الشك
- ولا قولت تعملها ليا مفاجأة
- هي ديه حمدلله على السلامه يا أمير
تمتم بها كاظم وهو ينظر نحو جنات التي استندت إلى الحائط، دون أن تهتم بحديثهم..، انتبه أمير عليها أخيراً يشعر بالحرج مبتعداً عن الباب
دلفت جنات وقد تأكدت أن قلة الذوق شئ مؤصل بتلك العائلة، فالأخ الصغير لم يرمقها إلا ببضعة نظرات دون حديث وكأنها ليست مرئية
- كان معاك واحده هنا، إرتباكك ده فيه حاجة
ثم عاد يفحصه بعينيه مجدداً
- ورايح فين في الوقت ده، أنا جايبك هنا تشتغل وتبعد عن السرمحه ولياليك الحمرا
ولكن أمير كالعاده تركه يتحدث دون أهتمام بتعليقاته، احتقنت ملامح كاظم وهو يراه يسحب المعطف متمتما بجمود
- حمدلله على السلامه يا كاظم
انغلق الباب، فوقفت جنات خلفه وكأنها قد فاقت للتو
- سبحان الله حتى كلامك مع أخوك سد نفسه، وسابلك المكان ومشي
- جنات
صدح صوته بصراخ حاد، يقبض على كفيه بقوة.. مُلتفاً إليها
- ياريت تشوفيلك أوضه وتروحي تكملي نوم
ظنها ستنسحب من أمامه بعدما انتفض جسدها فزعاً من صوته، ولكنها اخدت تجول بعينيها في الشقة غير مهتمه بحديثه
احتدت ملامح كاظم، فهي لم تعد تهتم بأي حديث يُلقيه عليها
- أنتِ يا مدام مش بكلمك
استمرت في تحديقها الذي ازاده حنقاً ، فيكفيه الشكوك التي اقتحمت عقله وتأكده من حقيقة أن أخيه يواعد أمرأة
، يبعده عن مصر حتى تتوقف الفضائح عن سمعتهم..، فيأتي لهنا يُكمل مسيراته الغرامية
وجدها تتحرك من أمامه، فاسرع في التقاط ذراعها
- لو فاكره إنك بالطريقه ديه عايزانى أجيب أخري معاكِ، فخليكي متأكده إن الدرجة ديه مش بوصل ليها غير لما بكون عايز ده .. يعني بلاش تعلبي لعب الأطفال الفاشلة
حديثه الفظ لم يعد يُغضبها، فقد أصابها التبلد من معاشرته.. وكلها أيام وستنتهي رحلتهم ويعود كل منهما لحياته ولولا مشروعها الصغير الذي أقنعها به أحمس، لكانت تركت له المدينه بأكملها وبحثت عن مدينة أخرى تعيش بها
- عارف أكتر حاجة اتعلمتها منك إيه، كره الذات.. نجحت اوي في درسك يا كاظم باشا
قالتها بمرارة وهي تتحرك من أمامه ، وبنفس المرارة التي القت بها عبارتها.. كان يتجرعها هو داخل جوفه
كاظم النعماني بات يتألم من سماع بضعة كلمات، شعور مخزي كان بالنسبه إليه..
- ما دام فوقتي ومزاجك لطيف أوي كده ، اعمليلي فنجان قهوة
توقفت مكانها، فهذا الرجل يبهرها يومياً..، وبداخلها توعدت أن تُجيبه بالرد الذي يستحقه.. فهل هو يأمرها؟
إنها حرب ولابد أن تنتصر فيها قبل أن تحصل على ورقة طلاقها
- ومن غير ردودك الجميله يا جنات، أنا فعلا محتاج فنجان قهوة وده مش أمر، حقيقي وإعتراف ممكن متسمعهوش مني تاني.. قهوتك ليها مذاق مختلف ووحشني طعمها
والغضب الذي احتلى عيناها منذ لحظات تحول إلى ذهول، لم ترى أي علامات من التهكم مرتسمة فوق ملامحه ، ولا تلك الغلاظة كما اعتادت.. بل كانت ملامحه مرهقة وعيناه عالقة بها بنظرة غريبة عليها منه
ابتلعت كلماتها الرافضه، وبتوتر تسألت
- فين المطبخ؟
وفي صمت تحركت خلفه نحو مطبخ عصري الطراز..، يلتقط ما يخص القهوة
لم تكن تشعر بحالها وهي تُطالعه بحيرة، ومازال صدى إعترافه بحبه لقهوتها يخترقها، إنها حقاً أصبحت حمقاء لتُسعدها كلمات مدح، وكأنه أخبرها بكلمات غزل المحبين
سرحت بخيالها، تتخيله يمنحها وردة حمراء.. يعترف لها بحبه وشوقه.. يضمها إليه بتلك الضمة التي تُمنح السلام وليست تلك الضمة القاسية التي يقبض بها فوق جسدها حتى يسيطر عليها
فاقت من شرودها مصعوقة من قربه منها ، تنظر إليه وهو يرفع ذراعه ليلتقط فنجانين ثم ابتعد عنها يضعهم فوق سطح رخامة المطبخ متمتماً
- يعني لو حبه تشربي قهوة
انتظر جوابها على أمل غريب عليه، فمند متى يأمل أن تشاركه امرأة قهوته الصباحيه بعدما كان يرى النساء حبات سكر لا مذاق لها تظنها ستمنحك مذاق حلو ولكن تجد قهوتك سادة بلا مذاق.., فالأفضل أن تشربها سادة وستمنحك مذاق مفضل بعد أن تعتادها ولن تفكر بعدها أن تشرب قهوتك بمذاق مختلف
والقاعدة التي وضعها، باتت تتضمحل، وشئ يصرخ به بأن يفيق من هذا الجنون
- أنا محتاجه أنام
اماء برأسه متفهماً، يمسح فوق وجهه ثم وقف يُتابعها بعينيه وهي تعد له قهوته في صمت
- أنا بعد ساعتين هخرج، رايح الشركة
والصدمة كانت تصعقه، فهو يُخبرها عن وجهته..، وكأنه يبحث عن حديث يخلقه معها
غادر المطبخ وقد احتلى الجمود ملامحه، يدور حول نفسه مصعوقاً، هو يريد منح زواجهم فرصة معللاً لنفسه إنه بات يحتاج امرأة في حياته بعدما ذاق قربهم
هو يحتاجها لحاجة جسديه، وتكوين أسرة بعد أن ظل ليالي يسأل حاله لمن يجني كل هذا المال والنجاح
- لا يا كاظم أنت لازم تفوق، مش معنى إنك عايز جوازكم ياخد فرصه.. تكون ضعيف كده .. أنت راجل مش معترف بالحب ولا عمرك هتعترف بي .. الجواز علاقة جسديه واطفال الست بتمنحهم للراجل وبس.. يعني شريكة فراش ووعاء
وبقناعة رجل يخدع نفسه، كان يعود لصلابته الواهية
جاءت إليه بفنجان القهوة، تضعه أمامه وقد تخلت عن حجابها وفكت بضعة أزرار من بلوزتها..، لم تكن تقصد أي مشهد ارتسم للتو في عقله..، فتحريرها لازرار بلوزتها كان بسبب تلك الحرارة التي شعرت بها عندما عاد قلبها لضعفه وتذكيرها بتلك الليالي التي كانت تذوب فيها بين ذراعيه راغبه منتشية
تأملها برغبة حارقة، ودون إدراك منه كان يقبض فوق كفها .. فانتفصت من لمسته بطريقة صعقته وربكته من خيانة جسده وذلك الذي أخذ يخفق بلوعة يُخبره عن توقه
فعلتها أثارت حفيظته ، فتمالك حاله يلثم كفها متمتماً بهدوء
- تسلم أيدك
وكامرأة لم تحظي بأهتمام الرجال يوماً، خدعتها فعلته.. هو كان متعطشاً لشئ أخر، للشئ الذي آثار فزعتها عندما قبض فوق كفها ولكنه كان بارع في إخفاء نيته الحقيقية بعدما رأى الفزع في عينيها من مشاعر أصبحت تنفرها، مشاعر باتت تُخبرها بالضعف وهي لن تكون ضعيفة مجدداً
ولكن ما فعله للتو اربكها، كاظم يفعل كل ما كانت تأمله معه في بداية زواجهم
وكم هم الرجال أغراب الأطوار ، فعندما تخلت عن التمسك به أصبح هو من يجتذبها إليه
ابتعدت عنه تُشيح عيناها عنه، نافضة عنها تلك المشاعر معلله لحالها إنه بسبب قلة النوم
- أنهي أوضة اقدر أنقل فيها حاجتي
رمقها لثواني، ثم التقط فنجان قهوته يرتشف منه متمتماً بجمود اثبت لها أن اضطراب النوم جعلها تتهيأ أشياء جديده وقد اتضحت لها الصورة
- اختاري الأوضه اللي تعجبك
- طيب واخوك، افرض رجع تاني
عاد يرتشف من فنجان قهوته، وقد انشغل في تصفح هاتفه
- أمير مش هيرجع ما دام عارف بوجودك
- المفروض كنا ننزل في الفندق، بدل ما هو اللي يبعد عن بيته بسببنا
تنهد بضجر زاد من تأكيدها.. أن لطافته كانت أضغاث أحلام
- متقلقيش هحجزله في فندق خمس نجوم
هتف بها مستهزءً، فامتقعت ملامحها تنفخ وجنتيها ثم أطلقت زفيراً يُعبر عن حنقها
- أنت حر مع أخوك
واردفت متمتمه بصوت خافت وهي تبتعد عن مكان جلوسه
- ده حتى اخوك طلع قليل الذوق زيك، عمل نفسه مش شايفيني وكأني هوا
التقط كاظم تمتمتها، يرفع حاجبيه مستنكراً مستمتعاً، وسرعان ما كان يتذكر هيئة شقيقه وهو يغادر بعجالة متمتماً
- يا ترى مين اللي مخلياك متمسك بوجودك هنا ؟
........
فرت شهيرة هاربة من المشهد، بعد أن اجتذبت انظارهم
هوت فوق فراشها تكتم صوت شهقاتها العالية، فالحقيقة ضربتها بقوة هذه المرة، تتذكر كيف كان ملهوفاً مستمعاً وهو يقتنص شفتيها في قبلة خطفت أنفاسهم معاً
ظنته سيغضب منها حينا يراها بالمطبخ تقوم بالدور الذي مهما اتنشلها منه عادت إليه.. "خادمة"
ظلت طيلة الليل مستيقظة، مترقبة قدومه وثورته عليها بتمسكها بصورة الخادمة مهما ارتقى بها
وآه ملتاعة أخرجت من شفتيها، لقد خسرت ما كان ملك لها يوماً
وبفتور نهضت من فوق الفراش تقترب من مرآتها، ترى صورة باتت مشوهة باهته
.......
توقف بأنفاس لهاثة أمام باب منزلها يدق الجرس لمرات ولكن لا مُجيب رغم وجود سيارتها أمام البناية
- خديجة أنا عارف إنك جوه افتحي يا خديجة
استمر في دقه وندائه، حتى أستمع إلى صوت شهقاتها ورجائها بأن يرحل
- أمشي يا أمير، ارجوك امشي من هنا
- قولتيلي متسبنيش مهما عملت، وأنا بقولك اه مش همشي من هنا غير لما تفتحي..
- ارجوك يا أمير
- أمير إيه وزفت إيه.. أنتِ بتعملي فينا كده ليه؟
تعالت شهقاتها، تهتف بتوسل
- أرجوك يا أمير، أرجوك كفاية فضايح
"فضائح"، اصابته الكلمه في مقتل.. فابتعد عن الباب مصعوقاً
- حبِ ليكي وجري وراكي فضايح يا خديجة
عضت شفتيها في حرقة، وهي تراه يبتعد.. لوهلة قاومت مشاعرها
وببطئ كانت تفتح له الباب، تنظر إليه بعدما توقف عن سيره
التف إليها، وقد صدمته هيئتها المدمرة..
السيدة القوية ،سيدة الأعمال الناجحه التي ركض خلفها الكثير من الرجال لاهثين.. باتت يائسه محطمه
اسرع إليها، يلتقفها قبل أن تخونها ساقيها
- ليه بتعملي فينا كده، بتعذبي نفسك وبتعذبيني معاكِ
والصمت وحده كان طريقها، تشبثت به بقوة وبين العقل والقلب كانت هي الضائعة
.......
طالع وقفتها بعدما ابتعدت عنه صامته، عادت لانشغالها في صنع الكعكه، فاقترب منها يفرك رأسه لا يفهم سبب ذلك الصمت الذي اتخذته بعد رؤية شهيرة لهم
- أنا عارف إن الوضع ده غلط، وقريب كل حاجة هتتصلح
اغمضت عينيها متألمه، تتذكر نظرات شهيرة نحوهم.. نظرات كانت تعبر عن الحسرة والألم، ألم اخترق بالفعل فؤادها
إنها لن تتحمل أن تعيش هذا الألم وترى أخرى مكانها تتمتع بما كان لها، شعور قاسي لا تتمنى أن تناله يوماً
- أنت ظلمتها لما جبتها تعيش معانا، كرهتني أكتر.. شهيره لسا بتحبك يا سليم.. ، نظرتها ليا كره بس نظرتها ليك عتاب وحزن
اصابته كلماتها، هو لا يُريد أن يكون رجلاً ظالماً وخاصة معها هي أم أبنته، رابط لن ينتهي مهما حدث بينهم
- أنا عارف إنه كان قرار غلط، لكن..
التفت إليه ، تمنعه عن إكمال حديثه
- كان عندك حلول كتير يا سليم، كان ممكن تتفقوا سوا على أيام معينة البنت تكون بينكم أنتم الاتنين..، وجودها معاك لوحدك مش هيفرحها.. ومهما قدمت لخديجة من حب هتكون ظالمها..
- أنتِ مش فاهمه حاجة يا فتون، بنتِ مش هتتربي مع شهيره وده قراري..
- ليه ؟
طالعته في تسأل تنتظر جوابه، لكنه تحرك من أمامها
- عشان أتنزلت ليك عنها، هو أنتوا بتتنزلوا على حتت أرض ولا شركة من شركتكم يا سليم
توقف مشدوهاً من حديثها، ملتفاً إليها يُضيق عيناه ، يُنظر إليها متفحصاً خلجاتها
انسابت دموعها، ولم تكن دموعها تلك المرة إلا على غريمتها التي رأتها كيف فرت هاربة من الوجع بعدما شاهدتهم
- أنت لأول مرة متعرفش تاخد قرار صح يا سليم
تجمدت ملامحه وعاد يقترب منها متسائلاً
- اتوجعتي عشانها عشان شافتنا يا فتون، رغم إنك مراتي وهي طليقتي
- تخيلت نفسي مكانها، كرهها ليا نابع من الوجع أنا اخدت كل حاجة منها
والجواب كان يتبعه سؤالاً، وليس جوابً على ردها
- ولو قولت إن بنتِ هتفضل عايشه معايا
- ده قراركم أنتم الأتنين، حبِ لخديجة مش هيكون زي حبكم ليها
ارتجف جسدها، تنظر إليه بعدما رفع كفيه ومدّهم نحو خديها يمسح فوقهما
- أنا معترف بغلطي
- مافيش ست قوية يا سليم
ورغماً عنه كان يبتسم، غامزاً لها
- شكل جو المطبخ ليه تأثير عليكي يا حبيبتي
- شوف لو فتون اللي كانت من كام ساعه، كنت اخدت كلامك إهانه..
ارتفع حاجبيه في دهشة، فعن أي إهانة تتحدث زوجته، وسرعان ما كان يفهم مقصدها.. فارتسم الحنق فوق ملامحه يلطم جبهتها بخفه
- يعني بعد الدور المذهل اللي قدمتي، تقوليلي أفهم كلامك إهانة.. كل يوم بتأكد إنك هتشرفيني في مجال المحاماه يا حببتي
- بتتريق يا سليم
اماء برأسه، يشعر ببعض الإرهاق وتأنيب الضمير
- خد بالك وده قرار أخدته خلاص، شهادة المحاماه هاخدها وهعلقها جانب شهادتك في المكتب.. لكن أنا هشتغل الشغلانه اللي بحبها..
وببطئ لفظت عبارتها
- هرجع افتح المطعم من تاني
...........
اقتربت بنعاس منه بدء يُغادر جفنيها، تضع اطباق الفطور أمامه فوق طاوله المطبخ
- مش كنا استنينا الكل يصحى، ونفطر كلنا سوا يا رسلان
امتقعت ملامحه، ينظر إليها حانقاً
- عايز افطر معاكي لوحدنا ، اكلك وتأكليني.. غمزه كده، كلمه كده..
ثم اردف مستاءً
- بدل الحصار اللي بكون فيه
ارتفع حاجبيها في ذهول، ثم انفجرت ضاحكة من عبارته
- بتضحكي، انا عايز أحس إني اتجوزت
تمالكت ضحكاتها ، تغمس لقمه من الطعام في الطبق ثم اقتربت منه تدسها داخل فمه
- ديه تاني جوازه ليك يا دكتور
عبست ملامحه، يمضغ اللقمه بضيق بعدما ذكرته بزيجته الأولى
- أنتِ جوازتي الأولى يا ملك، وبلاش تفكريني بأكبر غلط عملتها في حياتي
نهض عن طاولة الطعام، وقد ضاعت جميع أحلامه عن فطار هادئ تُزينه الدعابات وربما القبلات
- رسلان أنت مش هتكمل فطارك
- نفسي أتسدت خلاص، ورايح أنام
أسرعت في التقاط ذراعه، تهتف نادمه
- رسلان رغم إن جوازك من مها امر واقع وحقيقه، واكبر دليل ولادك.. لكن أنا اسفه
ولزمتها إيه الأسف، بعد الحقيقه المره اللي فكرتيني بيها
قالها مازحاً ينفض عنه ذلك الشعور الذي اقتحمه، فرفعت حاجبها الأيسر متسائله، رغم علمها الإجابة
- بتهزر يا دكتور
- طبعا بهزر يا عيون الدكتور
تمتم بها وهو يُطاوق خصرها بذراعيه يُقربها منه
- تصدقي النوم طار، وجوه عقلي حاجات مش ولا بد
لم تتمكن من السيطرة على صوت ضحكاتها، فرسلان يبهرها كل يوم بشخصيته الجديده المتطوره
- اتغيرت يا رسلان
قربها إليه بشدة، يُداعب أنفها بأنامله
- والتغير حلو ولا وحش
- كل حاجه في حياتي بقت حلوه يا رسلان..، حاسه إني اتولدت من جديد ورجعت أحبك كمان من جديد
ارتسمت الصدمه فوق ملامحه، سرعان ما أدركت إنه يُشاكسها بتعبيرات وجهه
- رجعتي تحبيني من جديد، لا لا الموضوع محتاج كلام كتير وشكلي
ابتعد عنها بأنفاس لاهثه كحالها، ينظر إليها مستمتعاً بدفن رأسها في صدره
- وأنا قلبي محبش غيرك يا ملك، ولا عمره وقف عن حبك
وقفت ناهد مستمعه لحديثهم تقبض فوق الخاتم الذي سيكون ثمن لجريمتها الجديدة
ضاعت ذكرى أبنتها، وقد وضعوها خلف ظهورهم ومضوا.. ينعمون بحياتهم, مكملين طريقهم وابنتها وحدها من أخذها الموت وحرمت من أن تعيش شبابها
........
وضع جسار هاتفه فوق أذنه، يسمح للمتصل هذه المرة بالحديث وإلقاء الأوامر
- النهاردة يا باشا، هجيب المأذون .. واخوها بنفسه هيجوزهاني عشان ميبقاش عندك حجه
- خلصت كلامك
أراد عنتر أن يستفره بحديثه
- عايز اكلم العروسه، أشوفها لو محتاجه حاجة
واردف مستمعاً بعدما وجده عاد لصمته لا يستمع إلا لصوت أنفاسه
- ولا اقولك الايام جايه كتير، مش هتبقى مراتي يا باشا
يتبع بإذن الله (قراءة متتعة)
الجزء الثاني
*********
وقفت تنظر لما صنعته بيديها راضيه، تملئها السعادة بعمل قامت به وهي محبة له، ورغم الإرهاق الذي حصدته بعد ليلة قضتها دون نوم إلا أن رؤية الأنبهار في أعين الخدم وهم ينظرون لصنع سيدة المنزل الصغيرة ومدحهم لها ازادها فخراً
- تسلم ايدك يا هانم، ده أنتِ طلعتي أشطر مننا
هتفت بها "وردة" الخادمة بعدما التقطت من الفطائر المحلاة تمضغها داخل فمها مستمتعه بمذاقها الحلو، وقد أكتشفت اليوم إنها ذو روح مرحة
وكظتها هدى بعدما زجرتها بعينيها بعد حديثها، فسيدة المنزل كانت مثلهن من قبل مجرد خادمة، فلا داعي لحديثها الأحمق
ابتلعت وردة ما مضغته، تضع بكفها فوق شفتيها لا تستوعب أن حديثها الذي قالته بحسن نية ستأخذه سيدتها الصغيره إهانة
ترقبت السيدة ألفت ملامح فتون، وانتظرت أن ترى ردة فعلها
- كان عندي جارة جميله أسمها الست إحسان، علمتني حاجات كتير في صنع الحلويات، غير إن كان عندي مطعم صغير يعني زي ما تقولوا كده عندي خبرة
تعلقت عينين السيدة ألفت بها سعيدة بحديثها الذي اذهلها، ابتسمت الخادمتين براحة بعدما وجدوا سيدتهم الصغيره تتجاذب معهم ببعض الأحاديث عن حياتها القديمة، وقد زاد إنبهارهم وتعجبهم من الواقع، فالسيدة الصغيرة انتقلت من حال إلى حال أخر أكثر ثراء, ورجل تتمناه الكثيرات وقد اختارها هي
غادرت فتون المطبخ، متذكره إنها تحتاج لقسط من الراحة
- يا سلام لو الواحد يكون محظوظ كده يا بت يا هدى
- ياختي انا شوفت نصيبي خلاص، والشقا طلع ورايا ورايا
امتقعت ملامح وردة تزم شفتيها مستاءة من حال رفيقتها بالعمل
- هو أنا ليه كل ما اقولك عن أحلامي، ديما كده منزلاني على أرض الواقع وبتسدي نفسي
التوت شفتي هدى، فوردة فتاة حالمه ولكن هي لا تحب إلا العيش في الواقع
- يا.. يا هدى لو لقيت راجل كده زي
- وردة
صرخت السيدة ألفت، بعدما لم يعد يعجبها الحديث الدائر بينهم
- مش قولت مليون مرة نخلينا في شغلنا
انتفض جسد وردة، وقد انتبهت للتو على نظرات السيدة ألفت الغاضبة
- غصب عني يا مدام ألفت، اصل حكاية الهانم ولا في الأحلام..
وعادت لأحلامها بعدما أقتحم رأسها المشهد الذي وجدت فيه رب عملها وهو واقف جوار سيدتها الصغيرة يُعاونها في تزين بعض الحلوى، سيدها الوقور الثري يقف في المطبخ, شئ إلى الأن لا تُصدقه ولم تخبر به رفيقتها هدى حتى هذه اللحظة بسبب وجود السيدة ألفت
- وردة، قولت إيه شوفي شغلك
أجفلها صراخ السيدة ألفت كالعادة، تسأل حالها لما لا تمنحها السيدة ألفت فرصة مع أحلامها
- حاضر يا مدام ألفت، ده حتى النهاردة يوم طويل
.........
صعدت درجات الدرج تأمل أن تكون أدت مهمتها بجناح وتتمكن من إسعاد قلب الصغيرة، وسرعان ما تحقق ما كانت تأمل له ، فالصغيرة أخذت تهبط الدرج بخفة تحمل دميتها الصغيرة بيد وباليد الأخرى حملت مشطها الوردي الصغير
اتسعت ابتسامتها بغبطة وهي ترى هيئتها الجميلة ، إنها بالفعل أميرة صغيرة
خطفتها طلتها الطفولية بفستانها الوردي كعالمها واشيائها..
- فستانك جميل أوي يا ديدا
هتفت بها فتون وهي تقترب منها وعلى وجهها ابتسامة واسعة، انكمشت الصغيرة على حالها تُشيح عيناها عنها
أوجعتها ردة فعل الصغيرة، ولكنها باتت تعتاد معاملتها النافرة، تعذرها لصغر سنها وتعلقها الشديد بوالدها
- أنا واثقة إنك هتطلعي النهاردة شبه الأميرات
التف إليها الصغيرة وقد اعطتها حركتها أملاً بأن مدحها أعجبها وستتحدث معها كما كانت تفعل ولكن نظرات الصغيرة صعقتها كما صعقها حديثها
- أنتِ وحشه وأنا مش بحبك
واسرعت الصغيرة راكضة نحو غرفتها، تصعد فراشها وتجذب الغطاء نحو جسدها منكمشة باكية ومشهد والدتها المنهار صباحاً مازال يقتحم عقلها الصغير
- أنا مش بحبك أنت كمان يا بابي
اختفت سعادة فتون وقد أضاعت نظرة الصغيرة أي سعادة كانت تحتل فؤادها
دلفت غرفتها حزينة تبتلع غصتها.. ، إنها تحبها حقاً لا تتمنى لها طفولة بائسة كحالها.. تتمنى لها أن تحصد الكثير من السعادة في طفولتها حتى تكبر وتكون شابة قوية مشبعة بالحنان والحب
استمعت لصوت الطرقات، فاسرعت في مسح دمعتها تلتف نحو السيدة ألفت التي دلفت للتو تُطالعها بنظرات حانية
- متزعليش من كلام خديجة، البنت صغيرة وبتتأثر من كل حاجة حواليها
ابتلعت فتون تلك المرارة، وقد بدء الصداع يطرق رأسها
- شهيرة هانم النهاردة الصبح كانت نفسيتها مدمرة، ومن غير ما تحس زعقت في البنت
منحتها السيدة ألفت عذراً للصغيرة، اصابتها الكلمات تتذكر مشهد شهيرة بعدما رأته يُقبلها ويُحاوطها بذراعيه
- الأطفال في السن ده بيتأثروا بأي حاجه يا بنتِ
وهي كانت خير من يعلم عن هذا، هي لم تعش تلك الطفولة التي تسمع عنها، طفوله حاوطها الحرمان من كل شئ
- انفصال الأهل.. الطفل مش بيقدر يتجاوزه بسرعه والبنت صغيره متعرفش يعني إيه إن الأب يكون مع ست تانيه
- سليم ناوي يصلح الموضوع ده يا مدام ألفت، خديجة كرهتني اوي وهي شيفاني موجودة مع وجود مامتها
وادرفت متفهمة لمشاعر الصغيرة
- أنا عامله زي اللي جيه غلط في الصورة لما اتلقطت
اقتربت منها السيدة ألفت مبتسمه، تمدّ كفها تمسح فوق خدها
- بالعكس يا فتون أنتِ وجودك كان صح في حياة سليم بيه
والتمعت عيناها متذكره مشهده وهو يغادر المطبخ مُلطخ الملابس
- أنا متأكده إن بعد حفلة عيد ميلاد خديجة، سليم بيه هياخد القرار الصح هو وشهيرة هانم
صدح رنين الهاتف، فتوقفت السيدة ألفت عن الحديث
أسرعت في التقاط هاتفها، فتوهجت نظراتها لرؤية اسمه يُضئ فوق شاشة الهاتف، أتاها صوته فور أن أجابت
- تعرفي طول ما أنا قاعد في الاجتماع عمال اوزع ابتسامات، فكريني قصدهم ميعرفوش إن في حد تاني خالص في بالي
ضحكت رغماً عنها وهي تسمعه مستمتعه بما يُخبرها به،
اشار لمديرة مكتبه بأن تعود لمكتبها إلى أن ينتهي من مكالمته، ثم اخذ يدور بمقعده مسترخياً رغم الإرهاق
- تعرفي إنها كانت مغامرة حلوه
توردت وجنتيها، تتحاشا النظر للسيدة ألفت التي اصرفت سمعها عن حديثهم واطرقت رأسها
- الفطاير كانت لذيذة بشكل
- الفطاير! هحاول أصدق إنك تقصد الفطاير
خرج صوتها متحشرجاً، فانفرجت شفتيه في ضحكة قوية اذابت مشاعرها
- أحبك وأنتِ ذكية يا حببتي وبتفهمي
واردف مازحاً بوقاحة هي في الأساس من طباعه
- حقيقي التحلية كانت جميله بشكل
- سليم باشا، هو أنت فجأة بقيت فاضي
توقف بمقعده عن الحركة، يحك فروة رأسه مبتسماً
- مش عارف ليه أنا مبسوط النهاردة، مش بقولك الفطاير كان ليها سحر
أسبلت اهدابها في خجل تسمح لأذنيها بسماع حديثه الذي يُداعب أنوثتها, يصف لها كيف كان مذاق الفطائر هذا الصباح، بالطبع لم يكن مذاق الفطائر لكن سليم كان متلاعبً بحديثه يقسم داخله إنه بالتأكيد تسمعه وهي تعض باطن خدها من شدة خجلها
- روحتي فين يا حببتي؟
وبهمس اجابته وقد تناست أمر وجود السيدة ألفت التي اتخذت الصمت وتركت لسيدتها الصغيرة فرصة الحديث مع رب عملها الذي عاشرته لسنوات طويلة
- معاك، بسمعك
اتسعت ابتسامته شيئاً فشئ ولكنه فاق على طرقات مديرة مكتبه، فرمق ساعة يده ممتعض الوجه..، فقد حان وقت مقابلته لأحد العملاء
- أنا مضطر اقفل يا حببتي، وهسيب ليكِ اختيار البدلة.. أختاريلي على ذوقك بقى
هامت للحظات في مكالمته متنسية بؤسها حتى إنها تناست وجود السيدة ألفت
- فتون يا بنتِ
أجفلها صوت السيدة ألفت، فاتسعت حدقتيها غير مصدقة أنها تناست وجودها
- مدام ألفت
تعالت ضحكات السيدة ألفت سعيدة بما تراه
- شكلي اتناسيت، معلشي يا بنتِ مكنتش أعرف المكالمه هتطول كده.. كنت نزلت المطبخ
ارتبكت فتون، لا تعرف بما تجيبها به
عادت السيدة ألفت تقترب منها، ومن نظرتها علمت فتون أن هناك خطب ما تُريد إخبارها به
- فتون يا بنتِ أنا عارفه إنك عاقلة وهتكوني متفهمه اللي هقوله ليكِ، وبلاش تسأليني عن السبب
........
توقف فتحي أمام بوابة المنزل الراقي مُلتفاً حوله غير مصدقاً تلك الحياة التي تعيشها شقيقته
- يا حلاوة يا ولاد، بيت زي بيوت البهوات وشارع أنضف من حياتي.. طلعتي محظوظة يا بت يا بسمه
عادت عيناه تفحص المكان ثانية، ثم رفع كفه نحو ذقنه يُحكه به مستطرداً
- قال إيه أبوكِ كان خايف يموت ويسيبك أمرمطك.. ،ميعرفش إن بنته ناصحة ومدوراها
- أنت واقف عندك بتعمل إيه يا أخينا
انتفض فتحي فزعاً بعد سماعه لصوت الواقف خلفه
- بسم الله الرحمن الرحيم
- بقولك بتعمل إيه يا أخينا
التوت شفتي فتحي إستنكاراً، ينظر لقصر قامه الواقف ويده التي وضعها فوق كتفه العريض
- هو ده ترحيب أهل البلد برضوه
- ما تخلص يا أفندي قول عايز مين ولا عايز إيه.. أو خد بعضك وامشي من هنا..
نفض فتحي يده عن كتفه،ثم رفع كفيه يعدل من هندام قميصه الذي أخذه من عنتر بعد أن أعجبه عليه.. ،فلا بأس إنه سيكون زوج شقيقته
- ايدك يا عم، أنا فتحي أخو بسمه
ابتعد عنه الرجل يرمقه بنظرات قويه فاحصة، يتذكر أوامر سيده هذا الصباح متمتماً بصوت خافت
- سبحان الله زي ما وصفك جسار بيه بالظبط، اول ما هشوفك مش هطيقك لله في لله
- بتقول حاجة يا أخ
- البيه مستنيك
استاءت ملامح فتحي، ولكن سرعان ما عادت عيناه تنشغل بالتحديق بالمكان
- هي أختي بسمه بتشتغل إيه هنا؟
اتخذ العم صالح الصمت، حتى توقف أمام الباب الداخلي للمنزل متلفاً إليه يرمقه بنظرات ماقتة
- هو أنت جاي دلوقتي تسأل أختك شغاله إيه وتدور عليها
- هي البت بسمة ديما مسوءه سمعتي قدام الناس
انفتح الباب، وبنفس النظرة التي شيعه بها العم صالح وهو يشير نحوه يُخبر الواقفة بهويته ، كانت السيدة سعاد ترمقه بها
- فتحي أخو بسمه يا ست سعاد
التوت شفتي السيدة سعاد تنظر إليه بنظرة مستنكرة
- يا خسارة على الرجاله
ضاقت عينين فتحي، يرمقهما بتأفف
- تحبوا تاخدوا صورة معايا
احتقنت ملامح السيدة سعاد، تبتعد عن الباب حتى يدلف بعدما ضاقت أنفاسها من رؤيته
- أدخل يا اخويا ادخل
- يا ساتر عليكم ناس متعرفش كرم الضيف
............ ..
انتقت له البذلة التي سيرتديها اليوم كما أخبرها ، و وضعت له كل ما سيحتاجه حينا يأتي من عمله ولن يتبقى معه إلا القليل من الوقت ليستعد لاستقبال ضيوفه
تعلم إنها ليست حفل عيد ميلاد فقط بل حفلة لإظهار شهيرة مكانتها حتى اليوم في منزل سليم وحياته وإنها ربما عادت لعصمته دون أن يصرح بالأمر
اشياء كثيرة دارت بخلدها بعدما غادرت السيدة ألفت غرفتها
" خليكِ النهاردة الجندي المجهول يا بنتِ، أنا عارفه إن من حقك تظهري وسط الناس معاه لكن خليكِ المرادي بعيده وسيبي شهيرة هانم على الساحه وسط ضيوفها"
كانت تتمنى أن تمنحها السيدة ألفت السبب، ولكن السيدة ألفت أحتفظت به لنفسها
عادت عيناها تتعلق بأشيائه الخاصة، تتسأل متى سيأتي اليوم
الذي سترافقه به بأحقية
- أنتِ أتنزلتي كتير عن حقك فيه يا فتون، مجتش من النهاردة
واردفت متحسرة تتذكر حماسها في حضور الحفل وارتداء الثوب الذي انتقته معه
- فعلا ده الأفضل ليكي يا فتون، عشان خاطر خديجة البنت بقت شيفاني الساحره الشريره
وبمرارة أسرعت في نفض أفكارها البائسة، واتجهت لتلتقط ورقة وقلم تكتب له أين هي، وحينا تنقضي الحفل ستعود
والقرار الذي كانت ستتراجع عنه بعدما غادرت غرفتها، زادها الأمر يقيناً أن بعدها اليوم هو الأفضل خاصة عندما رأتها شهيرة ورمقتها بنظرة خاوية ثم اتجهت نحو غرفة أبنتها
خرجت زفراتها بثقل وهي تُعلق حقيبتها الصغيرة فوق كتفها متمتمه
- هو مين الضيف ومين صاحب البيت
.........
بتوتر جلس فتحي أمام جسار، ينظر كل منهما للآخر في صمت
حاول فتحي صرف نظره عنه، فنظراته تزيد من توتره وبهمس أخذ يتسأل
- هو عنتر اتأخر بالمأذون ليه؟
اعتدل جسار في جلسته، ومال للأمام قليلاً.. فازدرد فتحي لعابه بخوف, فهيئة جسار ونظراته تذكره بأشخاص لا يحب تذكرهم وهم رجال الشرطة
اسرع فتحي في تحسس عنقه، لتتعلق عينين جسار به سعيداً بتوتره
- مالك يا فتحي، شايفك متوتر
- أنا يا باشا ، بالعكس ده أنا مبسوط خالص ده حتى النهاردة فرح بسمه اختي
وسرعان ما كان القلق يتلاشي من فوق ملامح فتحي بمجرد أن خرج جسار عن صمته
- هنتمم الجواز وناخد العروسه نعملها احلى زفه
ثم اردف مستفسراً
- هي بسمه عجبها الفستان، لأحسن عنتر كان قلقان لاحسن ميجيش مقاسها ..، طلعت البت بسمه اختي شاطرة وبتعرف تجذب الرجاله
تجهمت ملامح جسار ولم تُخفي عن نظرات فتحي الذي تراجع عن حديثه متمتماً
- أنت هتكون شاهد على الجواز مش كده يا باشا
- ولو قولتلك إني هكون العريس مش شاهد يا فتحي
- ها
خرج صوت فتحي مدهوشاً مما سمع، وقد اتبعه فتح فمه على وسعه
نهض جسار عن مقعده، يعرض عليه الأمر بوضوح وثبات دون مقدمات
- عايز اتجوز أختك يا فتحي
الجمت الصدمه فتحي مجدداً، فاتسعت حدقتيه ثم رفع كفيه ينفض بهم أذنيه
- تتجوز مين يا بيه؟
تمتم بها فتحي بعدما نهض عن مقعده هو الأخر ومازال الذهول يحتل قسمات وجهه ، وقد وقف ينفض رأسه كحال أذنيه لعلا ما سمعه كان خطأ
- بسمه أختك يا فتحي
هز فتحي رأسه لا يستوعب ما يطلبه منه
- يا بيه هو أنت متأكد بتقول إيه، بسمة أختي هتتجوز عنتر.. الراجل جاي بالمأذون في الطريق
واردف حانقاً، فهو قد أتي لهنا بعدما جاء إليه عنتر منطقته باحثًا عنه يطلب منه يد شقيقته..، التي لم يظن يوماً أن يقبل بها أحداً..، وعلى ما يبدو أن شقيقته لم تكن سهله.. فقد جعلت رجلاً مثل جسار يُريدها أيضاً ، رجلاً يشعر بضئلته أمامه ويرتعب من ذكر اسمه واحبابه بالداخلية
- لا محدش يلغبطني، أنت مش يا باشا بعت عنتر ليا يطلب ايدها مني عشان ميبقاش عندك حجة وتجوزهاله
واستطرد في الحديث وهو ينظر نحو جسار الذي أخذ يزفر أنفاسه ضجراً
- يا باشا انا بصراحه حاسس إنكم بتلعبوا بيا، ما هي بسمة أختي ما يدفعش فيها فلوس..
التمعت عينين جسار بحدة، فور أن أستمع لعبارته.. وسرعان ما كان يلتقطه من ملابسه
- دفعلك كام؟
ارتعب فتحي وهو يري نظرات جسار القوية إليه
- عشر آلاف يا باشا
- هتفضل كلب فلوس طول عمرك
حاول فتحي تخليص حاله منه، حتى نجح وأبتعد عنه يلتقط أنفاسه..
- لو عايزاها أنت كمان يا باشا ومن غير جواز خدها، لكن راضيني بقرشين.. اه ادفع للراجل فلوسه
طاح فتحي أرضاً يدلك فكه من أثر اللكمة ، ينظر نحو جسار الذي اقترب منه بملامح لا تنبأ إلا بالشر
- مش عايز فلوس يا باشا، هات المأذون أجوزهالك
........
امتدت يدي جنات في ذهول نحو القطعة النسائية التي وجدتها للتو أسفل الفراش بعدما قررت ترتيب المنزل بعد أن أخذت قسط من الراحه واستعادة نشطها
قلبت القطعه بين يديها لا تُصدق الحياة التي يعيشها الأخ الصغير
أخذت تفاصيل اليوم تسير أمامها, تتذكر نظرات كاظم لأخيه وتوتر الأخر ومغادرته في عجالة
علقت عيناها بالفراش ثم عادت عيناها تتعلق بالقطعة النسائية
- ابن جودة النعماني ومنال هانم مستنيه يكون إيه
- جنات
اتسعت عيناها تنظر نحو القطعة القابعة في يدها وقد انتبهت على صوته بعدما أغلق الهاتف الذي تصدح منه النغمات
صوت خطواته كانت قريبة منها يسألها مستفهماً
- واقفة عندك بتعملي إيه؟
ظلت قابعة مكانها دون حركة، فهذه عادتها حينا تتوتر وببطئ كانت تلتف إليه تُداري ما تمسكه خلف ظهرها تُجيبه بتعلثم
- بنضف الأوضة، أصل الشقة مكنتش نضيفه فقررت أنضفها
تجاهل كاظم حديثها، وقد ضاقت عيناه بتوجس بما تخفيه خلفها
- إيه اللي مخبياه ورا ضهرك يا جنات
- ولا حاجة
قطب ما بين حاجبيه وقد أثاره الأمر، وسرعان ما كانت تدرك خطأها
- قصدي ديه الفوطه اللي بلمع بيها
والقماشة التي كانت تتحدث عنها، لا تعرف متى ولا كيف أصبحت عالقه في أصبعه ينظر إليها وإلى ما يحمله
*********
وقفت تنظر لما صنعته بيديها راضيه، تملئها السعادة بعمل قامت به وهي محبة له، ورغم الإرهاق الذي حصدته بعد ليلة قضتها دون نوم إلا أن رؤية الأنبهار في أعين الخدم وهم ينظرون لصنع سيدة المنزل الصغيرة ومدحهم لها ازادها فخراً
- تسلم ايدك يا هانم، ده أنتِ طلعتي أشطر مننا
هتفت بها "وردة" الخادمة بعدما التقطت من الفطائر المحلاة تمضغها داخل فمها مستمتعه بمذاقها الحلو، وقد أكتشفت اليوم إنها ذو روح مرحة
وكظتها هدى بعدما زجرتها بعينيها بعد حديثها، فسيدة المنزل كانت مثلهن من قبل مجرد خادمة، فلا داعي لحديثها الأحمق
ابتلعت وردة ما مضغته، تضع بكفها فوق شفتيها لا تستوعب أن حديثها الذي قالته بحسن نية ستأخذه سيدتها الصغيره إهانة
ترقبت السيدة ألفت ملامح فتون، وانتظرت أن ترى ردة فعلها
- كان عندي جارة جميله أسمها الست إحسان، علمتني حاجات كتير في صنع الحلويات، غير إن كان عندي مطعم صغير يعني زي ما تقولوا كده عندي خبرة
تعلقت عينين السيدة ألفت بها سعيدة بحديثها الذي اذهلها، ابتسمت الخادمتين براحة بعدما وجدوا سيدتهم الصغيره تتجاذب معهم ببعض الأحاديث عن حياتها القديمة، وقد زاد إنبهارهم وتعجبهم من الواقع، فالسيدة الصغيرة انتقلت من حال إلى حال أخر أكثر ثراء, ورجل تتمناه الكثيرات وقد اختارها هي
غادرت فتون المطبخ، متذكره إنها تحتاج لقسط من الراحة
- يا سلام لو الواحد يكون محظوظ كده يا بت يا هدى
- ياختي انا شوفت نصيبي خلاص، والشقا طلع ورايا ورايا
امتقعت ملامح وردة تزم شفتيها مستاءة من حال رفيقتها بالعمل
- هو أنا ليه كل ما اقولك عن أحلامي، ديما كده منزلاني على أرض الواقع وبتسدي نفسي
التوت شفتي هدى، فوردة فتاة حالمه ولكن هي لا تحب إلا العيش في الواقع
- يا.. يا هدى لو لقيت راجل كده زي
- وردة
صرخت السيدة ألفت، بعدما لم يعد يعجبها الحديث الدائر بينهم
- مش قولت مليون مرة نخلينا في شغلنا
انتفض جسد وردة، وقد انتبهت للتو على نظرات السيدة ألفت الغاضبة
- غصب عني يا مدام ألفت، اصل حكاية الهانم ولا في الأحلام..
وعادت لأحلامها بعدما أقتحم رأسها المشهد الذي وجدت فيه رب عملها وهو واقف جوار سيدتها الصغيرة يُعاونها في تزين بعض الحلوى، سيدها الوقور الثري يقف في المطبخ, شئ إلى الأن لا تُصدقه ولم تخبر به رفيقتها هدى حتى هذه اللحظة بسبب وجود السيدة ألفت
- وردة، قولت إيه شوفي شغلك
أجفلها صراخ السيدة ألفت كالعادة، تسأل حالها لما لا تمنحها السيدة ألفت فرصة مع أحلامها
- حاضر يا مدام ألفت، ده حتى النهاردة يوم طويل
.........
صعدت درجات الدرج تأمل أن تكون أدت مهمتها بجناح وتتمكن من إسعاد قلب الصغيرة، وسرعان ما تحقق ما كانت تأمل له ، فالصغيرة أخذت تهبط الدرج بخفة تحمل دميتها الصغيرة بيد وباليد الأخرى حملت مشطها الوردي الصغير
اتسعت ابتسامتها بغبطة وهي ترى هيئتها الجميلة ، إنها بالفعل أميرة صغيرة
خطفتها طلتها الطفولية بفستانها الوردي كعالمها واشيائها..
- فستانك جميل أوي يا ديدا
هتفت بها فتون وهي تقترب منها وعلى وجهها ابتسامة واسعة، انكمشت الصغيرة على حالها تُشيح عيناها عنها
أوجعتها ردة فعل الصغيرة، ولكنها باتت تعتاد معاملتها النافرة، تعذرها لصغر سنها وتعلقها الشديد بوالدها
- أنا واثقة إنك هتطلعي النهاردة شبه الأميرات
التف إليها الصغيرة وقد اعطتها حركتها أملاً بأن مدحها أعجبها وستتحدث معها كما كانت تفعل ولكن نظرات الصغيرة صعقتها كما صعقها حديثها
- أنتِ وحشه وأنا مش بحبك
واسرعت الصغيرة راكضة نحو غرفتها، تصعد فراشها وتجذب الغطاء نحو جسدها منكمشة باكية ومشهد والدتها المنهار صباحاً مازال يقتحم عقلها الصغير
- أنا مش بحبك أنت كمان يا بابي
اختفت سعادة فتون وقد أضاعت نظرة الصغيرة أي سعادة كانت تحتل فؤادها
دلفت غرفتها حزينة تبتلع غصتها.. ، إنها تحبها حقاً لا تتمنى لها طفولة بائسة كحالها.. تتمنى لها أن تحصد الكثير من السعادة في طفولتها حتى تكبر وتكون شابة قوية مشبعة بالحنان والحب
استمعت لصوت الطرقات، فاسرعت في مسح دمعتها تلتف نحو السيدة ألفت التي دلفت للتو تُطالعها بنظرات حانية
- متزعليش من كلام خديجة، البنت صغيرة وبتتأثر من كل حاجة حواليها
ابتلعت فتون تلك المرارة، وقد بدء الصداع يطرق رأسها
- شهيرة هانم النهاردة الصبح كانت نفسيتها مدمرة، ومن غير ما تحس زعقت في البنت
منحتها السيدة ألفت عذراً للصغيرة، اصابتها الكلمات تتذكر مشهد شهيرة بعدما رأته يُقبلها ويُحاوطها بذراعيه
- الأطفال في السن ده بيتأثروا بأي حاجه يا بنتِ
وهي كانت خير من يعلم عن هذا، هي لم تعش تلك الطفولة التي تسمع عنها، طفوله حاوطها الحرمان من كل شئ
- انفصال الأهل.. الطفل مش بيقدر يتجاوزه بسرعه والبنت صغيره متعرفش يعني إيه إن الأب يكون مع ست تانيه
- سليم ناوي يصلح الموضوع ده يا مدام ألفت، خديجة كرهتني اوي وهي شيفاني موجودة مع وجود مامتها
وادرفت متفهمة لمشاعر الصغيرة
- أنا عامله زي اللي جيه غلط في الصورة لما اتلقطت
اقتربت منها السيدة ألفت مبتسمه، تمدّ كفها تمسح فوق خدها
- بالعكس يا فتون أنتِ وجودك كان صح في حياة سليم بيه
والتمعت عيناها متذكره مشهده وهو يغادر المطبخ مُلطخ الملابس
- أنا متأكده إن بعد حفلة عيد ميلاد خديجة، سليم بيه هياخد القرار الصح هو وشهيرة هانم
صدح رنين الهاتف، فتوقفت السيدة ألفت عن الحديث
أسرعت في التقاط هاتفها، فتوهجت نظراتها لرؤية اسمه يُضئ فوق شاشة الهاتف، أتاها صوته فور أن أجابت
- تعرفي طول ما أنا قاعد في الاجتماع عمال اوزع ابتسامات، فكريني قصدهم ميعرفوش إن في حد تاني خالص في بالي
ضحكت رغماً عنها وهي تسمعه مستمتعه بما يُخبرها به،
اشار لمديرة مكتبه بأن تعود لمكتبها إلى أن ينتهي من مكالمته، ثم اخذ يدور بمقعده مسترخياً رغم الإرهاق
- تعرفي إنها كانت مغامرة حلوه
توردت وجنتيها، تتحاشا النظر للسيدة ألفت التي اصرفت سمعها عن حديثهم واطرقت رأسها
- الفطاير كانت لذيذة بشكل
- الفطاير! هحاول أصدق إنك تقصد الفطاير
خرج صوتها متحشرجاً، فانفرجت شفتيه في ضحكة قوية اذابت مشاعرها
- أحبك وأنتِ ذكية يا حببتي وبتفهمي
واردف مازحاً بوقاحة هي في الأساس من طباعه
- حقيقي التحلية كانت جميله بشكل
- سليم باشا، هو أنت فجأة بقيت فاضي
توقف بمقعده عن الحركة، يحك فروة رأسه مبتسماً
- مش عارف ليه أنا مبسوط النهاردة، مش بقولك الفطاير كان ليها سحر
أسبلت اهدابها في خجل تسمح لأذنيها بسماع حديثه الذي يُداعب أنوثتها, يصف لها كيف كان مذاق الفطائر هذا الصباح، بالطبع لم يكن مذاق الفطائر لكن سليم كان متلاعبً بحديثه يقسم داخله إنه بالتأكيد تسمعه وهي تعض باطن خدها من شدة خجلها
- روحتي فين يا حببتي؟
وبهمس اجابته وقد تناست أمر وجود السيدة ألفت التي اتخذت الصمت وتركت لسيدتها الصغيرة فرصة الحديث مع رب عملها الذي عاشرته لسنوات طويلة
- معاك، بسمعك
اتسعت ابتسامته شيئاً فشئ ولكنه فاق على طرقات مديرة مكتبه، فرمق ساعة يده ممتعض الوجه..، فقد حان وقت مقابلته لأحد العملاء
- أنا مضطر اقفل يا حببتي، وهسيب ليكِ اختيار البدلة.. أختاريلي على ذوقك بقى
هامت للحظات في مكالمته متنسية بؤسها حتى إنها تناست وجود السيدة ألفت
- فتون يا بنتِ
أجفلها صوت السيدة ألفت، فاتسعت حدقتيها غير مصدقة أنها تناست وجودها
- مدام ألفت
تعالت ضحكات السيدة ألفت سعيدة بما تراه
- شكلي اتناسيت، معلشي يا بنتِ مكنتش أعرف المكالمه هتطول كده.. كنت نزلت المطبخ
ارتبكت فتون، لا تعرف بما تجيبها به
عادت السيدة ألفت تقترب منها، ومن نظرتها علمت فتون أن هناك خطب ما تُريد إخبارها به
- فتون يا بنتِ أنا عارفه إنك عاقلة وهتكوني متفهمه اللي هقوله ليكِ، وبلاش تسأليني عن السبب
........
توقف فتحي أمام بوابة المنزل الراقي مُلتفاً حوله غير مصدقاً تلك الحياة التي تعيشها شقيقته
- يا حلاوة يا ولاد، بيت زي بيوت البهوات وشارع أنضف من حياتي.. طلعتي محظوظة يا بت يا بسمه
عادت عيناه تفحص المكان ثانية، ثم رفع كفه نحو ذقنه يُحكه به مستطرداً
- قال إيه أبوكِ كان خايف يموت ويسيبك أمرمطك.. ،ميعرفش إن بنته ناصحة ومدوراها
- أنت واقف عندك بتعمل إيه يا أخينا
انتفض فتحي فزعاً بعد سماعه لصوت الواقف خلفه
- بسم الله الرحمن الرحيم
- بقولك بتعمل إيه يا أخينا
التوت شفتي فتحي إستنكاراً، ينظر لقصر قامه الواقف ويده التي وضعها فوق كتفه العريض
- هو ده ترحيب أهل البلد برضوه
- ما تخلص يا أفندي قول عايز مين ولا عايز إيه.. أو خد بعضك وامشي من هنا..
نفض فتحي يده عن كتفه،ثم رفع كفيه يعدل من هندام قميصه الذي أخذه من عنتر بعد أن أعجبه عليه.. ،فلا بأس إنه سيكون زوج شقيقته
- ايدك يا عم، أنا فتحي أخو بسمه
ابتعد عنه الرجل يرمقه بنظرات قويه فاحصة، يتذكر أوامر سيده هذا الصباح متمتماً بصوت خافت
- سبحان الله زي ما وصفك جسار بيه بالظبط، اول ما هشوفك مش هطيقك لله في لله
- بتقول حاجة يا أخ
- البيه مستنيك
استاءت ملامح فتحي، ولكن سرعان ما عادت عيناه تنشغل بالتحديق بالمكان
- هي أختي بسمه بتشتغل إيه هنا؟
اتخذ العم صالح الصمت، حتى توقف أمام الباب الداخلي للمنزل متلفاً إليه يرمقه بنظرات ماقتة
- هو أنت جاي دلوقتي تسأل أختك شغاله إيه وتدور عليها
- هي البت بسمة ديما مسوءه سمعتي قدام الناس
انفتح الباب، وبنفس النظرة التي شيعه بها العم صالح وهو يشير نحوه يُخبر الواقفة بهويته ، كانت السيدة سعاد ترمقه بها
- فتحي أخو بسمه يا ست سعاد
التوت شفتي السيدة سعاد تنظر إليه بنظرة مستنكرة
- يا خسارة على الرجاله
ضاقت عينين فتحي، يرمقهما بتأفف
- تحبوا تاخدوا صورة معايا
احتقنت ملامح السيدة سعاد، تبتعد عن الباب حتى يدلف بعدما ضاقت أنفاسها من رؤيته
- أدخل يا اخويا ادخل
- يا ساتر عليكم ناس متعرفش كرم الضيف
............ ..
انتقت له البذلة التي سيرتديها اليوم كما أخبرها ، و وضعت له كل ما سيحتاجه حينا يأتي من عمله ولن يتبقى معه إلا القليل من الوقت ليستعد لاستقبال ضيوفه
تعلم إنها ليست حفل عيد ميلاد فقط بل حفلة لإظهار شهيرة مكانتها حتى اليوم في منزل سليم وحياته وإنها ربما عادت لعصمته دون أن يصرح بالأمر
اشياء كثيرة دارت بخلدها بعدما غادرت السيدة ألفت غرفتها
" خليكِ النهاردة الجندي المجهول يا بنتِ، أنا عارفه إن من حقك تظهري وسط الناس معاه لكن خليكِ المرادي بعيده وسيبي شهيرة هانم على الساحه وسط ضيوفها"
كانت تتمنى أن تمنحها السيدة ألفت السبب، ولكن السيدة ألفت أحتفظت به لنفسها
عادت عيناها تتعلق بأشيائه الخاصة، تتسأل متى سيأتي اليوم
الذي سترافقه به بأحقية
- أنتِ أتنزلتي كتير عن حقك فيه يا فتون، مجتش من النهاردة
واردفت متحسرة تتذكر حماسها في حضور الحفل وارتداء الثوب الذي انتقته معه
- فعلا ده الأفضل ليكي يا فتون، عشان خاطر خديجة البنت بقت شيفاني الساحره الشريره
وبمرارة أسرعت في نفض أفكارها البائسة، واتجهت لتلتقط ورقة وقلم تكتب له أين هي، وحينا تنقضي الحفل ستعود
والقرار الذي كانت ستتراجع عنه بعدما غادرت غرفتها، زادها الأمر يقيناً أن بعدها اليوم هو الأفضل خاصة عندما رأتها شهيرة ورمقتها بنظرة خاوية ثم اتجهت نحو غرفة أبنتها
خرجت زفراتها بثقل وهي تُعلق حقيبتها الصغيرة فوق كتفها متمتمه
- هو مين الضيف ومين صاحب البيت
.........
بتوتر جلس فتحي أمام جسار، ينظر كل منهما للآخر في صمت
حاول فتحي صرف نظره عنه، فنظراته تزيد من توتره وبهمس أخذ يتسأل
- هو عنتر اتأخر بالمأذون ليه؟
اعتدل جسار في جلسته، ومال للأمام قليلاً.. فازدرد فتحي لعابه بخوف, فهيئة جسار ونظراته تذكره بأشخاص لا يحب تذكرهم وهم رجال الشرطة
اسرع فتحي في تحسس عنقه، لتتعلق عينين جسار به سعيداً بتوتره
- مالك يا فتحي، شايفك متوتر
- أنا يا باشا ، بالعكس ده أنا مبسوط خالص ده حتى النهاردة فرح بسمه اختي
وسرعان ما كان القلق يتلاشي من فوق ملامح فتحي بمجرد أن خرج جسار عن صمته
- هنتمم الجواز وناخد العروسه نعملها احلى زفه
ثم اردف مستفسراً
- هي بسمه عجبها الفستان، لأحسن عنتر كان قلقان لاحسن ميجيش مقاسها ..، طلعت البت بسمه اختي شاطرة وبتعرف تجذب الرجاله
تجهمت ملامح جسار ولم تُخفي عن نظرات فتحي الذي تراجع عن حديثه متمتماً
- أنت هتكون شاهد على الجواز مش كده يا باشا
- ولو قولتلك إني هكون العريس مش شاهد يا فتحي
- ها
خرج صوت فتحي مدهوشاً مما سمع، وقد اتبعه فتح فمه على وسعه
نهض جسار عن مقعده، يعرض عليه الأمر بوضوح وثبات دون مقدمات
- عايز اتجوز أختك يا فتحي
الجمت الصدمه فتحي مجدداً، فاتسعت حدقتيه ثم رفع كفيه ينفض بهم أذنيه
- تتجوز مين يا بيه؟
تمتم بها فتحي بعدما نهض عن مقعده هو الأخر ومازال الذهول يحتل قسمات وجهه ، وقد وقف ينفض رأسه كحال أذنيه لعلا ما سمعه كان خطأ
- بسمه أختك يا فتحي
هز فتحي رأسه لا يستوعب ما يطلبه منه
- يا بيه هو أنت متأكد بتقول إيه، بسمة أختي هتتجوز عنتر.. الراجل جاي بالمأذون في الطريق
واردف حانقاً، فهو قد أتي لهنا بعدما جاء إليه عنتر منطقته باحثًا عنه يطلب منه يد شقيقته..، التي لم يظن يوماً أن يقبل بها أحداً..، وعلى ما يبدو أن شقيقته لم تكن سهله.. فقد جعلت رجلاً مثل جسار يُريدها أيضاً ، رجلاً يشعر بضئلته أمامه ويرتعب من ذكر اسمه واحبابه بالداخلية
- لا محدش يلغبطني، أنت مش يا باشا بعت عنتر ليا يطلب ايدها مني عشان ميبقاش عندك حجة وتجوزهاله
واستطرد في الحديث وهو ينظر نحو جسار الذي أخذ يزفر أنفاسه ضجراً
- يا باشا انا بصراحه حاسس إنكم بتلعبوا بيا، ما هي بسمة أختي ما يدفعش فيها فلوس..
التمعت عينين جسار بحدة، فور أن أستمع لعبارته.. وسرعان ما كان يلتقطه من ملابسه
- دفعلك كام؟
ارتعب فتحي وهو يري نظرات جسار القوية إليه
- عشر آلاف يا باشا
- هتفضل كلب فلوس طول عمرك
حاول فتحي تخليص حاله منه، حتى نجح وأبتعد عنه يلتقط أنفاسه..
- لو عايزاها أنت كمان يا باشا ومن غير جواز خدها، لكن راضيني بقرشين.. اه ادفع للراجل فلوسه
طاح فتحي أرضاً يدلك فكه من أثر اللكمة ، ينظر نحو جسار الذي اقترب منه بملامح لا تنبأ إلا بالشر
- مش عايز فلوس يا باشا، هات المأذون أجوزهالك
........
امتدت يدي جنات في ذهول نحو القطعة النسائية التي وجدتها للتو أسفل الفراش بعدما قررت ترتيب المنزل بعد أن أخذت قسط من الراحه واستعادة نشطها
قلبت القطعه بين يديها لا تُصدق الحياة التي يعيشها الأخ الصغير
أخذت تفاصيل اليوم تسير أمامها, تتذكر نظرات كاظم لأخيه وتوتر الأخر ومغادرته في عجالة
علقت عيناها بالفراش ثم عادت عيناها تتعلق بالقطعة النسائية
- ابن جودة النعماني ومنال هانم مستنيه يكون إيه
- جنات
اتسعت عيناها تنظر نحو القطعة القابعة في يدها وقد انتبهت على صوته بعدما أغلق الهاتف الذي تصدح منه النغمات
صوت خطواته كانت قريبة منها يسألها مستفهماً
- واقفة عندك بتعملي إيه؟
ظلت قابعة مكانها دون حركة، فهذه عادتها حينا تتوتر وببطئ كانت تلتف إليه تُداري ما تمسكه خلف ظهرها تُجيبه بتعلثم
- بنضف الأوضة، أصل الشقة مكنتش نضيفه فقررت أنضفها
تجاهل كاظم حديثها، وقد ضاقت عيناه بتوجس بما تخفيه خلفها
- إيه اللي مخبياه ورا ضهرك يا جنات
- ولا حاجة
قطب ما بين حاجبيه وقد أثاره الأمر، وسرعان ما كانت تدرك خطأها
- قصدي ديه الفوطه اللي بلمع بيها
والقماشة التي كانت تتحدث عنها، لا تعرف متى ولا كيف أصبحت عالقه في أصبعه ينظر إليها وإلى ما يحمله
