اخر الروايات

رواية لمن القرار الخاتمة الرابعة 4 بقلم سهام صادق

رواية لمن القرار الخاتمة الرابعة 4 بقلم سهام صادق 


الخاتمة (4)

1


***

+


تعلقت نظراتها بهم وقد تغلغلت كلمات الصغيرة ثنايا روحها، الصغيرة تبث لوالدها حزنها على بكاء والدتها، فهي لا تُريد أن تمس الدموع عينيها. 

+


قصت له بداية من هروب والدتها ليلًا من منزل العم "ماهر" الذي صارت تكرهه لأنه أحزن والدتها ثم لقائهم بعمتها "خديجة" التي رأت ملامحها بتشوش وهي شِبه غافية في أحضان والدتها ثم استيقظها في منزل تلك الجدة الطيبة التي استضافتهم في منزلها وأطعمتها طعامًا جميلًا ولكن والدتها كانت صامته وحزينة. 

+


- بابي ممكن متخليش مامي تعيط تاني. 

1


انسحبت "فتون" بعد تلك العبارة بعدما رأت نظرات "سليم" نحو ابنته وقد اعتلا الإرهاق ملامحه؛ فماذا عساه أن يفعل..

+


غفت الصغيرة تحت لمسات يديه؛ فاعتدل في رقدته حتى يتمكن من وضع رأسها فوق الوسادة برفق ودنى منها يلثم جبينها متنهدًا بأنفاس باتت ثقيلة. 

+


نظرة طويلة رمق فيها ملامح وجه صغيرته قبل أن يمدّ يده نحو زر الإضاءة ويُطفئ إضاءة الغرفة. 

+


جلست "فتون" فوق الفراش شاردة تنتظر قدومه ولكن انتظارها له قد طال. 

+


عيناها تعلقت بكفيها المضمومين قبل أن تنهض من فوق الفراش؛ فكيف لها أن تجلس هكذا منتظرة قدومه، لِما لا تكون المبادرة بعاطفتها ولهفتها. 

+


وكما توقعت وجدته ينئ حاله بغرفة مكتبه في الظلام، رأسه مدفونة بين ذراعيه غارق في ذنب لم يتمنى أن يحمله يومًا. 

+


وصوت والده يتردد صداه داخل أذنيه مع مشهد ظنه انمحى من ذاكرته. 

+


" هتكون زيي يا ابن "صفوان"، هتكون زيي" 

+


وهو يقف أمامه باكيًا يصرخ به، هو لن يكون مثله يومًا..

+


لن ينجب طفلًا يجعله يعيش كما عاش هو. 

+


- "سليم" 

+


همسها الخافت القريب اخترق أذنيه؛ فَـ أفاقه من ذكريات تدفقت على عقله. 

+


لمسات يديها فوق كتفيه جعلته يزيد من ضغطه فوق جفنيه ومازال صوتها الناعم يهمس اسمه. 

+


- "سليم" أنا أسفه، أنا عارفه إني بختار الوقت الغلط وبتكلم.. 

+


توقف الحديث على طرفي شفتيها وقد ازداد شعورها بالندم، فهي أكثر من يعرف أن "سليم" يُحاول جاهدًا أن يكون أبً صالحًا يُعوض ابنته  إنفصاله عن والدتها. 

+


- أنت عمرك ما كنت أناني يا "سليم" مع "خديجة" ، يمكن المواقف ساعات بتجبرك. 

+


تحركت يديها هذه المرة فوق فروة رأسه؛ فاسترخت ملامحه الجامدة تحت لمساتها. 

+


- "خديجة" محظوظة بيك. 

+


نطقتها بصدق وهي تتذكر لحظه التقاطه لابنته بين ذراعيه يضمها إليه بلهفة بعدما جلبها إليه "ماهر" ثم بعدها انطلق بسيارته. 

+



الصغيرة رغم بحثها عن والدتها بنظرات باكية بعدما استيقظت من غفوتها وتساؤلاتها أين هي والدتها إلا أن احتضانه لها وهتافه بها أنها هنا بمأْمَن في منزل والدها جعلها تستكين بين أحضانه. 

+


عيناه اتجهت إليها يخبرها بنظرات صامته راجية أن تستمر في حديثها، هو بحاجة لكلمات تجعله يعلم أنه ليس ڪ "صفوان النجار". 

+


- خلي حضنك مفتوح دايمًا ليها يا "سليم"، هتفضل طول عمرها محتاجاه. 

+


هربت بعينيها من نظراته تطرد دموعها العالقة بأهدابها، فلو أحتضنها والديها في صِغرها ما صارت بتلك الشخصية المحتاجة لإحتواء الأخرين لها. 

+


شهقة خافته صدرت منها وهي ترى حالها فوق فخذيه.

+


عانقها بشدة ورغم حاجتها لتراخي ذراعيه عنها قليلًا إلا أنها تركته يضمها كما يشاء واعية لحاجته أن تكون قريبة منه. 

+


أرخي ذراعيه عنها أخيرًا، وابتعد عنها ينظر إلى محاولتها لإلتقاط أنفاسها يلتقط كفيها يرفعهما نحو شفتيه ويلثمهما وكأنه يشكرها هكذا. 

+


... 

+


أيلومها على رحيلها بإبنتها ليلاً، أم يلومها أنها اختارت البُعد عنه قبل أن يلفظها من حياته أم يلومها على الحقيقة التي هزته. 

+


تراجع عنها ينظر إليها صامتًا بعدما نفضت ذراعه عنها تواجهه بقوة. 

+


-"ماهر" باشا بقى عامل زي المجنون مجرد ما اختفيت عنه، مع إنه من أيام كان شايف إن جوازنا مبقاش ليه لازمه بعد ما حقق إنجازه العظيم وقدر ياخد حقه مني ويسترد كرامته. 

+


انبثق الحديث من شفتيها في سخرية أصابتها قبل أن تُصيبه؛ فهي للأسف صدقت حبه لها. 

+


اشاحت عيناها عنه تخفي ذلك الشعور القاتل الذي يخترقها كلما تذكرت حديثه تلك الليلة وهي بين ذراعيه سعيدة لأنها وجدت أخيرًا مرساها لتستيقظ من حُلمها على حقيقة مؤلمة تعاون فيها هو و "سليم" معًا فغرزت في أنوثتها،هي كانت مجرد وسيلة في حياة كليهما.

+


"سليم" أراد المرأة الجميلة صعبة المنال أما هو أراد الانتقام منها على  ماضي لا ذنب لها فيه. 

+


اقتربت منه ولم يعد يتملكها إلا نيران اشعلها هو و "سليم" في فؤادها. 

+


- أنا ست متستحقش الحب، ست أنانية ومادية ومتنفعش تكون أم. 

+


توقفت عن الحديث تتجرّع من مرارة كلماتها. 

+


- ليه بتدخلوا حياتي، ليه بتخلوني أحس إني أستحق أتحب، ليه أنا بس السيئة في الحكاية. 

+


خارت ساقيها من تلك الهزيمة التي رفعت أخيرًا رايتها. 

+


- بتعاقب ليه منكم، أنا كده.. اتربيت وكبرت وحياتي خالية من المشاعر، المشاعر يعني ضعف.. ماينفعش "شهيرة الأسيوطي" تاخد حاجة قليلة، مينفعش تكون ضعيفة، مينفعش تدخل صفقة خسرانه، مينفعش.. مينفعش.. لحد ما عمري اتسرق مني وأنا بقول لنفسي مينفعش أنتِ "شهيرة الأسيوطي". 

+



        

          

                
انسابت دموعها التي كانت يومًا عزيزة تُقر بخسارتها. 

+


- كنت فاكره إن نجاحي وأنا بجني الصفقات والكل يقف يصقفلي ويحسدني على ذكائي. 

+


تعلقت عيناها به بنظرة أصابة قلبه العاشق لإمرأة أحبها بصدق رغم مرور السنوات. 

+


ارتفع صوت لهاثها من شدة ذلك الشعور القاسي الذي صارت تشعر به منذ أن خلعت ذلك الثوب الذي أجبرها والدها و "حامد" شقيقها على ارتدائه، "شهيرة الأسيوطي" عليها أن تكون مثل الأسماك التي تتغذى على ماهو أصغر منها، عليها أن ترفع رأسها لأعلى دومًا، أن تُحارب بقوة حتى تنتصر في معاركها، والمعارك في قوانينهم ليست إلا المال وحصاد الصفقات الرابحة لكن المشاعر ليست من قوانينهم.

+


واختارت هي الطريق الذي صنعوه لها وكان الأمثل كلما نظرت لمرآتها ووجدت حالها الأقوى والكل ينظر إليها وكأنها نجمة صعب الوصول إليها. 

+


- عايزني أقولك إني اتهزمت يا "ماهر" ، عايزني اقولك إني عرفت خلاص مقامي بقى فين؟؟! 

+


أشتد لهاثها من قسوة كلماتها التي تجرعتها قبل أن تنطقها. 

+


- بقيت مجرد متعة للفراش، "شهيرة الأسيوطي" اللي كانت شايفه إن نجاح الست في حريتها وتخليها عن المشاعر بقت مجرد متعه لما يتزهق منها بتترمي، ما هي خلاص مبقتش تصلح والعمر سرقها. 

+


تجرعت من تلك المرارة التي اعتصرت فؤادها، ينظر إليها يتقدم بخطواته نحوها، فلو رفعت هي راية الإستسلام فهو رفع راية هزيمته واعترف هذه المرة لقلبه وعقله معًا أن الحب لا يَصْحَبه الإنتقام.. 

+


إما الأنسحاب أو أن القلب لم يعد يُحب. 

+


طرقت رأسها تضغط فوق شفتيها بقوة ثم عادت ترفع رأسها إليه. 

+


- ياريت تنفذ قرارك وتطلقني. 

+


... 

+


ابتسامة واسعة شقت شفتيها وهي تفتح عينيها فوق صدره الذي يستوطنها بدفئ دائم . 

+


أناملها تحركت فوق صدره بخفة وقد ازدادت ابتسامتها اتساعًا وهي تتذكر ليلة أمس بعدما ارتمى بحضنها بعد حديثها معه. 

+


بهمس خرج اسمه خافتًا من شفتيها وأقتربت منه تلثم شفتيه بقبلة خاطفة مقررة بعدها الإفراط في دلالة ولكنه دومًا يكون هو الأسبق. 

+


ابتسامه هادئة احتلت ملامحه وهو يفتح عيناه على أثر قبلتها يجتذبها إليه؛ فارتطمت بصدره. 

+


- صباح الخير. 

+


بهمس شديد تمتمت وهي تنظر لملامح وجهه. 

+


- صباح النور يا حبيبي. 

+


تهربت بعدها من نظراته تحاول النهوض من جواره ولكنه اجتذبها نحوه مجددًا مقهقهًا. 

+


- يا حبيبتي مش هعلق على حاجه متخافيش. 

+



        
          

                
- "سـلـيـم" 

+


صاحت به؛ فنظراته تُخبرها بالكثير. 

+


- بس أنا متفاجئ يا "فتون". 

+


- "سـلـيـم". 

+


تمتمت اسمه بخجل أشد وقد عادت ليلة أمس تطوف بعقلها. نظراته العابثة وقرب أنفاسه أشعلت وجنتيها توردًا ترفع أصبعها إليه محذرة. 

+


- ولا كلمة. 

+


ارتفعت ضحكاته مجددًا وهو يرى نظراتها المحذره وقد باتت ملامحها شهية. 

+


- غيرتيلي مزاجي يا بنت "عبدالحميد". 

+


زاد من ضمها إليه وهو يهتف بحديثه؛ فسكنت حركتها وقد عادت عيناها تتعلق بعينيه. 

+


- لسا بتحبني يا "سليم".. 

+


تلاشت تلك اللمعة التي أضاءت عيناها بهجة؛ فتلاشت معها ضحكاته وارتخت ذراعيه. 

+


- بيقولوا الحب بيضيع مع الوقت يا "سليم". 

+


توقفت عن الحديث تنظر إليه منتظرة جوابه؛ فهل مازال يُحبها أم ضاع حبه لها ولم يعد يربطهم إلا طفلًا منه تضمه أحشائها. 

+


- تفتكري إيه يا "فتون" ؟! 

+


هتف بها متسائلًا وهو يعتدل بها من رقدته ويحتويها هذه المرة بين ذراعيه بوضعية مختلفة. 

3


- قوليلي قلبك حاسس بإيه؟ 

+


أشار بإصبعه فوق قلبها الذي تسارعت دقاته ترفع كفيها نحو وجهه تتلمسه بأناملها الصغيرة. 

+


- "سليم النجار" بيحب "فتون" بنت "عبدالحميد". 

+


قالتها مبتسمة؛ فقلبها يؤكد لها حبه الذي لن ينضب يومًا لأنها ستظل ترعاه فقد باتت متأكده أنها وحدها بيدها سعادتها. 

+


بابتسامة واسعة طالعها سعيدًا بمشاكستها، لا يستوعب دلال بوقاحة ليلة أمس واليوم تشاكسه بحديث لطيف مع ابتسامة واسعة تسلب فؤاده. 

+


- جبتي الثقة ديه كلها منين يا حببتي ما يمكن يكون قلبي بيكدب عليكي. 

+


تمتم بها منتظرًا رؤية ردة فعلها وسرعان ما كانت ترتفع قهقهته عاليًا وهو يسمع ردها. 

+


- قلبك وعيونك يا حبيبي مرايتي. 

2


- لا دا قلبي أنا اللي هيقف النهاردة. 

+


انفلتت شهقتها عاليًا بعدما صار يعلوها مستمتعًا بتلاعبها به. 

+


- كده كتير يا "فتون" على قلبي. 
... 

+


ناعمة ورقيقة هي ولكنها كسولة للغاية عندما يتعلق أي شيء به وكأنها تتخذ دلالها هكذا. 

+


تتمطأ داخل حضنه وكلما شاكسها مداعبًا بأنامله خصلاتها ووجهها تنفض رأسها عنه ثم تعود لتندس داخل أحضانه تُخبره بحاجتها للنوم فيكفيه دلالًا. 

1


- "رسلان"

+


همست أحرف اسمه بتناغم أرهق قلبه؛ فدنى منها يُحرك لحيته برفق فوق خديها. 

+



        
          

                
- عيون وقلب "رسلان". 

+


لاحت ابتسامة خاطفة فوق شفتيها؛ فالتقطت عيناه استمتاعها بمداعباته مهمهمًا قبل أن يعود ويغدقها بقبلاته. 

+


- لا.. أنا محتاج أعوض اللي ضاع مني. 

+


كتم شهقتها بشفتيه يُعيد معها ذكريات ليلة أمس بتوق أشد. 

+


لم يعد يتغلغل روحه ذلك الهاجس الذي كان يسيطر على علقه كلما كان معها ولم يعد يرى صورة "مها" فيها، كل شيء كان يُقاومها بضراوة حتى لا تُفسد علاقتهم صار يختفي شيئًا فشيء منذ أن توفت "ناهد" وصار السحر يتلاشى من علاقتهم. 

3


وهي كانت مثله تُصارع نفس الشيء تُجبر حالها على مقاومة نفورها منه. 

+


بابتسامة واسعة استقبل ابتسامتها إليه يجتذبها نحو صدره يرغمها على الغفيان مجددًا. 
... 

+


ابتسامة واسعة احتلت شفتيها وهي تراه يهبط الدرج حاملًا صغيرته بين ذراعيه يُخبرها أنها إذا تناولت فطورها سيهاتف - من أجلها- والدتها لتُحادثها. 

+


تعلقت عيناه بها وقد اقتربت "فتون" منهما تحمل طبق به فطائر شهية أعدتها خصيصًا للصغيرة. 

+


- إيه الريحة الطيبة دي؟؟ 

+


اتسعت ابتسامة "فتون" وهي ترى "سليم" يُحرك أنفه نحوه فطائرها حتى يُشبع أنفاسه برائحتها. 

+


- الفطاير المحشية دي معموله على شرف رجوع بابا، وبابا عشان كريم هيأكلك معاه يا "ديدا" عشان تعرفي بابي بيحبك أد إيه. 

+


داعب صغيرته بقبلاته الحنونه حتى يبدل مزاجها وصغيرته كعادتها يُرضيها كل ما يقدمه لها مادامت تشعر أنها مازالت أميرة والدها. 

+


ارتفعت ضحكات الصغيرة وأسرعت في اشاحت وجهها عنه تضع بكلا كفيها فوق وجنتيها. 

+


- لكن الفطاير ديه معموله عشان "خديجة" يا حبيبي. 

+


نظرات الصغيرة العالقة بوالدها انتقلت نحو "فتون" تنظر نحو الفطائر و "فتون" تُحرك لها رأسها أنها صنعتها لها. 

+


- أنا عملتها مخصوص لـ "خديجة". 

+


وأسرعت بالإقتراب من الصغيرة تهمس لها قرب أذنها. 

+


- أوعي يضحك عليكِ وياكلها منك. 

+


حديثها الذي ظنته هامسًا اخترق أذنيه؛ فصدحت ضحكاته. 

+


- ماشي يا "فتون" ..

+


تخطاها بابنته يرفع كلا حاجبيه ثم توقف عن السير والتف إليها؛ فأسرعت في إخفاء ابتسامتها عنه. 

+


- بنتي حنينه مش زي ناس.. تاخد مصلحتها وبعدين تنكر الجميل. 

+


عيناها اتسعت على وسعهما بعدما فهمت مقصده وقد أعطاها ظهره واستكمل خطواته نحو طاولة الطعام مبتسمًا. 

+


- متزعلش يا بابي.. هناكل الفطاير سوا. 

+


- حبيبت بابي.. 

+


نظراته عادت إليها ولكنه وجدها تُسرع نحو المطبخ؛ فتعلقت بها عينين السيدة "ألفت" وقد ضاقت عيناها وهي ترى تورد ملامحها وتوترها. 

+



        
          

                
طاولة الفطور هذا اليوم كان بها شيء مختلف، شيء لمسته هي لا هو؛ فلأول مرة يغمرها شعور الراحة والسعادة معًا. 

+


- مالك يا حببتي، طبقك ليه زي ما هو..

+


طالعته بتلك الإبتسامة التي تشعره أنه يرى "فتون" أخرى اليوم. 

+


- بحب اتفرج عليك أنت و "خديجة"، بحب حنانك عليها ودلعك ليها. 

+


خفق قلبه بشدة مع كلماتها التي تُخبره بها دومًا ولكنه اليوم استشعرها بالفعل، عيناه التهمتها بعشق كلما ظنه ينضب عاد يزهر وكأنهم مازالوا في بداية اللقاء. 

+


- وأنا معنديش أغلى منكوا أنتوا الاتنين وطبعا حبيب بابا اللي هيشرف قريب. 

+


تحركت يده من فوق الطاولة نحو بطنها يمسح فوقها برفق يُؤكد لصغيره أنه سيحبه. 

+


- بابي خلصت الطبق بتاعي كله.. هنكلم مامي أمتى؟ 

+


انقطع سحر اللحظه؛ فعلت شفتيه ابتسامة عريضة ينقل نظراته نحو صغيرته. 

+


- شاطرة يا حببتي، روحي اغسلي ايدك الأول واطلبي من دادة "ألفت" تعمل قهوة لبابي. 

+


ولأنه أكثر من يعرف صغيرته طلب منها أن تبلغ السيدة "ألفت" بصنع القهوة له رغم انتهائه للتو من ارتشافها.

+


تعالت الدهشة فوق ملامح "فتون" وهي ترى الصغيره تصيح متناسية أمر مكالمة والدتها. 

+


- لا أنا هعملها ليك يا بابي. 

+


- أنت شرير يا "سليم". 

+


هتفت بها "فتون" بعدما فهمت ما وراء طلبه، فالصغيرة ستصر عليهم بالمطبخ أن تضع هي مقادير القهوة وانتظار نضجها ثم سكبها وربما يأخذ الأمر نصف ساعة حتى يتم تجهيز فنجان قهوة. 

+


ارتفعت قهقهاته بالتتابع مع انفلات شهقتها بعدما سحبها من فوق مقعدها يُجلسها فوق فخذيه. 

+


- عايز أدلعك يا حببتي شويه وبصراحه النهاردة أنا مزاجي عال العال وده طبعا يرجع لـ... 

+


أسرعت في تكميم فمه تُحملق به بنظرة محذرة ألا يستمر في حديثه المخجل ولكنه أخبرها أنه اليوم بمزاج يسمح له بالعبث، عبث اختار عيشه مع زوجته هاربًا من كل أعباء العمل والمشاكل التي تسقط على كاهله. 

+


بنظرات ثاقبة وقفت "ليندا" تُسلط نظراتها نحوهم تتعجب من عودة "سليم" باكرًا من رحلة عمله. 

+


كلا حاجبيها ارتفعا بعدما تراجعت بضعة خطوات للخلف حتى لا ينتبهوا على وجودها تنظر إليهم مندهشة من روحانية ظنتهم يفتقروها بزواجهم، فمنذ عيشها معهم وهي ترى حياة باردة تُرجعها لجهل زوجته فمعلوماتها عن ابن عمها أنه كان محترفًا بجدارة ولم يتوب عن النساء إلا بعد إنجابه لـ "خديجة". 

+


التمعت عيناها وهي تراه يهم بتقبيل "فتون" ثم ارتفعت ضحكاته عاليًا بعدما انفلتت من بين ذراعيه وابتعدت عنه تُخبره أن يتأدب.

+



        
          

                
- "سـلـيـم"

+


رغم استمتاع "ليندا" بما تشاهده إلا أن كلمة تأدب جعلتها تنفجر ضاحكه تلطم كفيها ببعضهم تنظر إليهم بعدما انتبهوا على وجودها وتطلعها بهم. 

+


- تأدب "سليم" ، لقد راقت لي ابن عمي.. أرغب في تسجيل هذا المشهد. 

+


عادت ضحكاتها تتعالا بعدما رأت علامات الحنق مرتسمة فوق ملامح "سليم" ، و"ليندا" مستمتعه بالإسترسال بحديثها. 

+


ازدادت ملامح "سليم" مقتًا يقبض فوق كفيه بقوة قبل أن يتقدم بخطواته منها. 

+


- لا تغضب "سليم" أنا أمزح معك ولكني لا أستطيع تصديق رؤيتك وأنت يُقال لك تأدب من أجل قُبلة، أنتِ حقًا ممتعة "فتون". 

+


- "لـيـنـدا". 

+


صاح بها "سليم" عاليًا بعدما شعر بتماديها في الحديث ولولا تلك الدماء التي تربطه بها واحترامه لذكرى عمه بعد علمه بحقيقة نشأتها القاسية وعدم علمها بأصولها إلا بعدما صرحوا لها، عاشت في عالم قذر ومن حظها أنه تم إقصائها عن حياتهم. 

+


المُدهش في المشهد لم يكن بسبب سخرية "ليندا" التي ابتلعت بقية حديثها وتوقفت عن هرائها، ولكن وقوف "فتون" أمام "سليم" بعدما ازاحته جانبًا ثم وضعها كلا ذراعيها فوق خصرها تنظر نحو "ليندا" بنظرة تحمل نفس سخريته. 

+


نظرات "ليندا" اتسعت كحال "سليم" ، فـ زوجته القطة الوديعة التي لا تخدش أحدًا تقف مستعدة لحرب نسائية مع ابنة عمه التي ضجر من طباعها التي سيضع لها حدًا ولكنه سيكون مراعيًا ولن يحرجها أمام زوجته وصغيرته التي أتت مع الخادمة بفنجان قهوته.

+


- مالكم واقفين كده؟؟ 

+


خرج صوت "خديجة" بتسأل وحيرة وقد دلفت المنزل للتو تتعجب من وقوفهم هكذا. 

+


... 

+


اخترقت أذنيها تلك الهمسات التي صارت تسمعها منذ أن أتت للبلده التي يعود أصوله إليها. 

+


لم تكن زيارتها الأولى بل أتت من قبل مع السيدة "سعاد" التي عرفتها على الجميع بأنها قريبتها وتعيش معها في منزل السيد "جسار" وتُساعدها في شئون المنزل. 

+


الجميع تعرف عليها من قبل بأنها واحدة منهم ومثلهم ولكن هذه المرة الجميع يُحدق بها بفضول ويتسألون بنظرات واضحة تفهمها، كيف تزوجها ابن عائلة "الراجي" وهي ليست بالجميلة وتعيش في منزله كمستخدمة في أعمال المنزل؛ فلو كانت قريبة السيدة "سعاد" حقًا فالجميع يعلم أن أقارب السيدة "سعاد" ليسوا ذو خلفية إجتماعية. 

+


"جسار الراجي" ابن العائلة المخملية وأصحاب المناصب العُليا.. اختار هذه المرة زوجة عادية تمامًا فلما لم يختار من فتيات قريتهم وهم أجمل منها ويحملون شهادة جامعية عليا.

+


تسألوا و "بسمة " كانت تسمعهم وتراهم ولكن في المقابل كانت تسمع من يتمنى حظها. 

+


أخذتها قدميها دون شعور منها نحو الأراضي الزراعية المملوكة لعائلة "الراجي" وقد تهللت ملامح العم "جميل" عندما التقطتها عيناه فهتف بسعادة. 

+



        
          

                
- الأرض نورت يا بنتي والبلد كلها نورت والله بمجيتكم الحلوة. 

+


استدار "جسار" بجسده بعدما أستمع لترحيب العم "جميل" بها؛ فأخيرًا قررت السير في البلدة بحرية دون قلق من نظرات أهلها إليها. 

+


اقترب منها وقد شقت شفتيه ابتسامة واسعة يجتذبها إليه. 

+


- كويس إنك جيتي يا حببتي، الجو وسط الخضرا غير.. تعالي أفرجك على المحصول. 

+


تعلقت نظرات العم "جميل" بهم بعدما ابتعدوا قليلًا عنه لا يُصدق أن من يراه هذه الأيام هو السيد "جسار" حقًا. 

+


- تعرفي إن كان نفسي أكون مهندس زراعي. 

+


توقفت عن السير واستدارت نحوه بنظرات ضائقة وقد اجتذبها حديثه. 

+


- مستغربه كلامي مش كده. 

+


- مش عارفه، أو يمكن مش متخيلاك كده..

+


اتسعت ابتسامته شيئًا فشيء ينتظر سماع المزيد منها ولكنها اشاحت عيناها عنه هاربة من نظراته إليها. 

+


- افهم من كده إن ثوب رجال الأعمال مناسب لشخصيتي. 

+


تسأل مع قُرب خطواته منها وعندما أرادت الهرب من نظراته مجددًا أمتدت يديه تلتقط يديها. 

+


- ها يا "بسمة"، مش هتقوليلي المهنة المناسبة لشخصيتي. 

+


ارتبكت ملامحها تنظر حولهم؛ فقد ابتعدوا بعض الشيء عن مكان العاملين بالأرض. 

+


- لايق عليك تكون ظابط أكتر. 

+


أسرعت في سحب يدها بعدما أخبرته بما أراده وهكذا بدء خيط الحديث بينهم.

+


أخبرها كم كان ضابطً متعجرفًا بعض الشيء وكم كانت الفتيات تسعى ورائه، ضحكاته ارتفعت وهو يقص عليها بعض طرائفه القديمة وقد أخذته الذكريات نحو خمسة عشر عامًا. 

+


- ما أنا مش معقول هكون مغفل لفترة طويلة. 

+


توقفت عن السير جواره وقد زادها الحديث فضولًا تسأله كيف أستطاع التفرقة بينهم. 

+


- إزاي عرفت تفرق بينهم وأنت بتقول إن الشبه بينهم كبير أوي. 

+


طالعها للثواني قبل أن يركز أنظاره نحو العصاه التي التقطها. 

+


- واحده فيهم كان فيها حسنة في رقبتها. 

+


- حسنه؟!! 

+


هتفت بها تستعجب جوابه وقد احتقن وجهها من تخيل العلاقة التي ربطته بهاتين الفتاتين. 

+


لم تُخفى ملامحها المحتقنة عنه؛ فارتسمت فوق ملامحه ابتسامة استطاع محوها سريعًا ينظر إليها بسعادة غمرته دون سبب. 

+


- لا أوعي تظني فيا ظن غلط، أنا أه كنت مقضيها بس موصلش الموضوع زي ما أنتِ فاكرة. 

+


بدعابة هتف واستطرد وهو يُكمل رسم تلك الدوائر العشوائية  فوق الأرضية الرطبة. 

+


- هما مكنوش محجبات، وكانت واحدة فيهم بتحب دايمًا تلعب في شعرها وهي اللي كانت الحسنه في رقبتها وبصراحه الموضوع كان فاتني أوي. 

+


قالها بوقاحة قاصدًا إثارة غضبها وهي لم تكن ندًا له في حرب سُلب منها الراء ورُفعت فيها راية النصر. 

+


- لا النظرة ديه مش حلوه يا حببتي فيها حاجات تدل إنك فهماني غلط. 

+


- والصح إزاي بقى. 

+


ابتسم وهو يراها تصد حديثه بحديث أخر ممزوج بالاستياء ولكن لا بأس مادامت تتحاور معه، هو لا يريدها أن تظل في قوقعتها صامته مستسلمة لحياة يشعر وكأنه أجبرها عليها أو ربما الظروف أجبرتها. 

+


- الموضوع مكنش فاتني ولا حاجة لكن كان ملفت وعلى النقيض اختها التوأم، لكن بالصدفه في يوم عاصف طبعا شعرها كان بيطير حواليها وأنا كراجل جينتل قولت بقى فرصتي. 

+


لم يكن بحاجة أن يُخبرها بتلك الفرصة التي أتته على طبق من ذهب؛ فتاة ورجل في يوم عاصف يعطيها سترته لترتديها مع بضعة لمسات وقبلة خاطفة نال بها شفتيها. 

+


- ممكن نعدي الكلام في الموضوع ده عشان ديه أعراض. 

+


لم يشعر بحاله وهو ينفجر ضاحكًا وحديثها يتردد صداه داخل أذنيه وخاصة تلك الكلمة. 

+


- أعراض، حاضر يا حببتي مع إني مقولتش حاجة أنتِ اللي اتخيلتي وعماله تجرجريني بالكلام. 

+


سبقته في السير بضعة خطوات بعدما أشاحت وجهها عنه ولكنها عادت تستدير نحوه بعد أن صمت. 

+


- وبعدين عرفت تكشفهم إزاي. 

+


- ما أنا كنت ساعتها ظابط يا حببتي، وبصراحه من ساعتها بقيت كل ما أصاحب واحده اسألها ليكي توأم ما أنا مش معقول واحده تقولي أنا "ماهي" وتكون "منار" و "منار" تطلع "ماهي" أنا مش عارف لما اتجوزوا بيعرفوهم إزاي من بعض. 

+


- من الحسنه اللي في رقبتها أكيد. 

+


تمتمت بها بملامح احتلها المزاح دون أن تُدرك أنها تشاركه مزاحه وهو كان سعيدًا لما حققه معها اليوم وكما أخبرته الطبيبة، زوجته بحاجة أن تشعر بوجودها في حياة من حولها.
...

+


يُتبع ♥️ سـيـمـو..." هينزل الفصل الثاني بعد ساعه ان شاء الله وبعده الثالث وديه الفصول النهائية" 

+


#لمن_القرار ❤️

+



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close