اخر الروايات

رواية لمن القرار الفصل التاسع والاربعين 49 بقلم سهام صادق

رواية لمن القرار الفصل التاسع والاربعين 49 بقلم سهام صادق 


*********
تراقصت عينين شهيرة سعادة وهي تستمع لاصواتهم العالية، ليس صوتها من كان يصدح بل كان صوته وحده
سليم حانق، مستاءً..؛ فهل أخيراً بدء يستاء ويضجر؟

اقتربت بخطواتها من غرفتهم وقد أخذ قلبها يدق طبولاً، إنها حقاً سعيدة بل تتمني لو القي عليها الطلاق اليوم واراحها منها ومن رؤية هزيمتها, كلما رأتها وتسألت كيف واحده بفقرها وجمالها العادي وتدني مستواها استطاعت جذبه بل وكانت مستخدمه لديه وزوجة سائقه
سليم الذي كان حينا يتزوجهم سراً كان يخبرهم أنها علاقة فراش لا أكثر، علاقة لا مستقبل لها وجميعهن كانوا يقبلون فلا امرأة فيهم كانت تبحث عن علاقة طويلة
ولكنها بكل ما تملكه احبته، رغم فارق العمر بينهم إلا إنه الرجل الوحيد الذي علمها كيف تكون راغبة، متخمة من النشوة

- مش معنى إني متفهم الصله اللي بتجمعك بيهم ..، تكوني فاكرة إني راضي عن التقارب ده ..، أنا بحاول اديكي الثقة والحرية

- لكن أنا قولتلك يا سليم، إني موجوده عند جنات وهتغدا معاها، وإنها هتعزم أحمس

التقطت أذني شهيرة الأسم، تُحاول تذكر بعض المعلومات التي جمعتها من قبل عنها وعن محيطها من الأشخاص الذين يُماثلون حالها كادحين وراء لقمة العيش، يمشون جوار الحائط

- أحمس، ده اكيد الولد اللي كان شغال معاها في المطعم

اهتز هاتفها في يدها ومن حظها كان في وضع الصامت ، طالعت اسم شقيقها حامد في ضيق وانسحبت حانقة متذكره العزيمة التي عليها حضورها معه حتى يتم إتمام الصفقة التي ستعوض خسارتهم الأخيرة، و قد ضاع عليها سماع باقية حديثهم
وها هي صورتهم تقتحم مخيلتها وهي تبتعد ، تتذكر كيف كانت تسير جواره صباحاً مبتهجة ، وجهها يشع نضارة وتوهج..، نضارة تعرف سببها..، فالخادمة التي لا يميزها شئ قضت ليلتها منتشية تتمتع بما كان حق لها منذ أشهر وبغبائها اعطتها الفرصة

- قريب سليم هيرميكي لما يكتشف غلطته..

فارت دماءه وهو يلتقط اسم من اثار غضبه، هذا الشاب الذي لا يعرف من أي طريق خرج إليه

- وشوفتيني قفلت الخط، تقومي تكملي اليوم عادي

التمعت عيناها دون فهم، فاقترب منها وقد عاد الغضب يحتل ملامحه وهو يتذكر قربه منها.. قرب يعرف معناه تماماً

- فتون ما هو حاجه من اتنين لا أنتي فعلا بتستغبي وأحيانا عسر الفهم بيكون عالي عندك، أو أنتِ بتعاندي معايا وبتسلكي طريق صاحبتك

وبغباء أشد، قطبت حاجبيها متسائله

- قصدك جنات

- يارب امنحني الصبر، مش معقول يكون ليكِ طريق نجاح في مجال المحاماه

انكمشت ملامحها في استياء من كلماته التي باتت تشعرها بالتقليل

- أنا مقدرش أبعد عن جنات واحمس، دول عيلتي يا سليم.. كانوا معايا في اكتر وقت كنت محتاجه حد يطبطب عليا، بعد ما كلكم دوستوا ومرحمتونيش

تصلب جسده، ينظر إليها بألم مازال يشعر به.. يتذكر كيف أراد ليلتها أن يغتصبها، يريها ما تستحقه بعدما وسوس له شيطانه..، اضاف على بؤسها ذكرى بائسه وقد كان سببً في تلطيخ سمعتها وترك أهلها بلدتهم هاربين من ألسنه الناس، لولا عمته خديجة التي سعت في اعطائها حياة كريمة من قبل الجمعية التي تُديرها ما كانت أصبحت هنا، بل ظلت طيلت حياتها تعيش تحت الأقدام

هي كانت ضحية حسن وضحيته هو أيضا

- هما بس اللي صدقوني، حتى اهلي كنت بشوف الشك في عينهم...، كلهم شافوني خاطية لكن هما لاء، جنات واحمس اخواتي

وبصمت كان يطبق فوق جفنيه بقوة ، يتذكر نظرة كاظم له ونظره هذا الشاب لها

- ولو قولتلك علاقتك باحمس تكون في الجامعة والمؤسسة وبس يا فتون غير كده مش عايز اشوفه

هزت رأسها رافضة

- دول عيلتي

- وأنا مش بحرمك منهم يا فتون
........

هل انتفضت للتو من فوق مقعدها، تنظر إليه بغضب ورفض
في البداية ذهولها أصابه ببعض الراحه وأكد له موافقتها التي أتت من عدم التصديق ، ولكن تلك النظرة الرافضة .. ،جعلته يشعر بالذهول

- اتجوزك أنت يا بيه، أكيد بتهزر..

امتقعت ملامحه ، وهو يُحاول قدر استطاعته إقصاء تلك النظرة النافورة التي رأها في عينيها

- ومن أمتي وأنا بهزر يا بسمه

- اومال إيه الكلام الفارغ ده، قال تتجوزني قال

النسخة الجديدة منها كانت تزيده مقتاً، ولكن في الحقيقة باتت تبهره.. ، بسمة عادت لنسختها القديمه فتاة الحارة.. الفتاة التي تقف أمام كل من يقلل منها، حتى إنها كانت تقف أمام فتحي شقيقها ولكن في النهاية كانت تنال نصيبها حتى تحتضن الأرض جسدها

- اقعدي واسمعيني يا بسمه، وبلاش شغل الحارات

ولو كانت بسمة القديمة، لكانت خنقتها عبارته
التوت شفتيها تهكماً بطريقة جعلته يحملق بها من شدة ذهوله

- شغل حارات مقبولة منك يا جسار بيه، شوف عشان مكانتك ومقامك هعمل نفسي مسمعتش حاجه

احتدت عيناه، يقبض فوق كفيه لعله يتحكم في غضبه

- ممكن يا بسمه هانم تقعدي و تسمعي اللي هقوله

"هانم" رددت تلك الكلمه تُطالعه في دهشة، ورغم نبرة التهكم التي تحدث بها إلا أن دهشتها تزداد بسبب هدوئه العجيب عليها

- أنا عارف يا بسمه إني اهانتك كتير، لكن متنسيش إن أنتِ اللي فرضتي نفسك على حياتي

ابتلعت مرارة عبارته، فما كان أمامها تلك الليلة إلا الهرب في سيارته

- شكرا يا بيه، وعشان كده أنا بخلصك مني وهتجوز عنتر.. ،ومتنساش إني قدمت المقابل لما خرجت اتكلم عن حياتي وظروفي في حملتكم

ورغم عنها سقطت دموعها تتذكر ذلك اليوم، الذي قدمت فيه مقابل أن تنال حلم دخولها الجامعة, الذي لن تناله بعد زيجتها بعنتر، وحتى إنها عاشت في بيته مجرد مستخدمه بعد إخباره لها بصريح العبارة أن لا مكان سيقبل بها حاليا حتى يتمكن من توظيفها

- كفاية يا بيه إهانه لحد كده

ضاقت أنفاسه، فهل وصل به الزمن ليكون بهذا اللطف

- هو عرض الجواز إهانه يا بسمه

لما تتحمل سماع عرضه الذي تراه غاية لشيئاً خفي، فهتفت صارخة

- عشان العرض ده وراه هدف في نيتك يا باشا، جسار باشا هيبص برضوه لواحده معيشها عنده إشفاقاً ومن كام يوم كان بيجرها زي المتسولين ويرميها في الشارع

إنها تضغط على قدرته في الصبر، و هو ليس بالرجل الصبور الذي يجلس ويستمع ولولا إحساسه بالذنب بسبب فعلته الأخيرة معها وكسرها بتلك الطريقه ما كان اجلسها هكذا وتحدث معها

- بسمه أنا مضطر اتجوزك، وقبل ما تتكلمي.. اعرفي إنه بسببك كل ده حصل

ألجمها حديثه، لتتعلق عيناه بها

- الجوازه ديه لازم تتم
- لاء

عاد رفضها يصدمه، فاحتدت عيناه

- هو إيه اللي لاء، أنتِ كنتِ تحلمي يا بت أنتِ

أصابتها الإهانة في أعماقها، ولكنها لم تعد الفتاة القديمه الحالمه بحب السيد

- مبقتش أحلم يا بيه، والفضل يرجعلك..، أنا هلم حاجتي وامشي وكمل جميلك معايا وكلم عنتر لو لسا عايز يتجوزني يجي ياخدني لو خلاص صرف نظر.. أرض الله واسعه

- عنتر مش هيجي يا بسمه، لأن الجوازه هتم..، ولو أرض الله واسعة دلوقتي بالنسبالك فبأشارة مني مش هتكون غير أضيق من خرم الأبرة

هتف بوعيد، يري الرجفة التي احتلت سائر جسدها للحظات

- بلاش تشوفي صورة تانيه عني يا بسمه، خلينا نتفاهم ديه جوازة مؤقته ما أنا أكيد مش هكمل عمري معاكي

قبضة قوية أعتصرت قلبها ، سيظل رجلاً قاسياً مهما أظهر إليها من نبل

- هتخلصي سنين جامعتك وأنتِ مراتي، عايشه في بيتِ معززه مكرمه..، لما نطلق هوفرلك حياة كريمه ومستقبل.. فكري في كل ده

انسابت دموعها رغماً عنها، فما زالت عبارته تطعنها رغم إنها كانت تعلم إنه لن ينظر إليها يوماً ولن يرغبها

- لاء

- سميرة حامل من عنتر يا بسمه

سقط الحديث على مسمعها دون شعور، والجواب كانت تمنحه له مجدداً

- لاء يا بيه

- هسيبك الليله تفكري يا بسمه

واقترب منها يدور حولها كالنمر المتربص لفريسته

- تفتكري أنا عايز الجوازه ديه، لكن الظروف اضطرتني

..........

حدقت به بأنفاس مسلوبة، تنظر نحو هيئة جسده الرطبه وصوره واحده تقتحم عقلها، ارخت اهدابها تُقاوم خفقان قلبها من حقيقة موجعه، حقيقة لن تتحمل حتى توقعها بل ارادتها لتجده سببً لتبتعد عنه

- مالك واقفة مكانك يا خديجة، تعالي ادخلي رغم إني مستغرب إن خديجة هانم تجيلي بنفسها

طالت وقفتها، ثم تلاقت عيناهم.. وقد عادت أنفاسها لمعدلها الطبيعي

- إظاهر إن حالة الندم جاتلك، عموما الباب مفتوح.. هدخل البس هدومي لأن منظري بالفوطه مش تمام

ترك لها الباب، وعاد للداخل يزفر أنفاسه يائساً..،أستمع لباب الشقة يُغلق ثم طرقعات كعب حذائها واقترابها منه

توقفت يداه عن فك عقده منشفته وهو يشعر بيدها تلمس ظهره العاري ثم سرعان ما كانت تطوق جسده بذراعيها، تسند خدها فوق ظهره
لحظات ظلوا هكذا، وحدها أنفاسهم ما كانت تتعالا في ضجيج وصخب

كان غاضباً بقدر ما كان مشتاقاً لها، استمر صمتهم حتى شعر بقبلتها فوق ظهره وكأنها هكذا تُخبره بشوقها

يداها بدأت تتخذ مهمة العبث، ازدرد لعابه واغمض عيناه يُقاوم مشاعره نحوها

- أمير
همست اسمه، تنتظر أن يُبادلها ما كان أساس علاقتهم..، ولكنه ظل مكانه جامد الحركة

- أنت لسا زعلان مني

- لو جايه عشان عايزه الحاجة الوحيده اللي بتجمعنا، فأنا مش فاضي يا خديجة

تصلب جسدها، وارتخت ذراعيها وقد جف حلقها.. وهي تراه يزيل عنه ذراعيها ويتجه نحو ملابسه يلتقطها ويشرع في ارتدائها

- انا جتلك بنفسي عشان اصالحك

هتفت بها وقد تعلقت عيناها به وهو يرتدي ملابسه.. ،تزدرد لعابها في شوق إليه

- أنتِ جاية عشان ننام سوا يا خديجة

اوجعتها الحقيقة، هي بالفعل أتت إليه بعدما شعرت بحاجتها لذلك الشعور الذي يمنحه لها وهي بين ذراعيه..

- أمير حاول تفهمني، صدقني أنا ضايعه ومشتته.. غصب عني غصب عني

انسابت دموعها في ضعف، ضعف لأول مره تشعر به..، ضعف مكبوت، ضعف جعلها تُدرك إنها تحتاج لرجل بعدما ظنت إنها تكرههم جميعاً

- محدش هيقبل علاقتنا، أنت بالنسبالي...

وقبل أن تنطق ما يعلمه، هتف بها ساخراً

- اوعي تقوليلي مجرد عيل يا خديجة، أنا لا مراهق ولا لسا شاب في اوائل العشرينات..

ابتعد عنها، يبحث عن مفاتيح سيارته وهاتفه

- لما تعرفي تاخدي قرار نهائي في علاقتنا...

وها هو القرار تتخذه، قرار جنوني..، تخبره بالطريقه الوحيده التي علمها لها كيف يضعف القلب والجسد معاً وينهزم العقل

......

عريساً من عائلة مرموقة يتقدم لها، هكذا جلست كاميليا أمام أبنتها تُحادثها

- اعملي حسابك الناس هيجوا أخر الاسبوع..، مش هتفضلي قعدالي في اكتئاب ولا كأن بينكم كانت عشرة سنين

وخز الألم قلبها، فما الذي تظنه والدتها في المشاعر.. هل مجرد زر نكبس عليه، فننسي الذكريات وأصحابها

- كل ما افتكر عملتك السوده، دمى يتحرق..، ده أنا مش عارفه هجيبها للناس ازاي واقولهم بنتي المحترمه اتجوزت الدكتور بتاعها في اليابان بعقد مدني عشان تقدر تضغط علينا ونوافق عليه

اردفت بها كاميليا حانقة، وما كان يزيدها حنقاً صمت أبنتها الذي أصبح يصيبها بالضجر

- كفاية قعاد عند أخوكِ، هيبقى أنتِ وخالتك

- يااا يا ماما، دلوقتي بقيتي تدوري على سعادة رسلان.. رسلان اللي اجبرتي يتجوز بنت أختك ويسيب الدنيا كلها ويبعد..، حسيتي بي بعد ما حرمك منه

تجمدت ملامح كاميليا، تبتلع تلك المرارة في حلقها..، تري نظرات اللوم في عينين أبنتها

- ليه عايزه ديما تحسسيني بالذنب يا ميادة، أنا بدور على سعادتكم..، يمكن بتخوني الاختيارات.. بس أنتوا ولادي

- لأن محمد ورسلان ذنبهم في رقبتك يا ماما، كنتِ ديما بتسعي تجوزيهم بنات الحسب والنسب اللي يليقوا بمكانة بابا، محمد وعايش تعيس مع مراته وبسبب صورته ومكانته الاجتماعيه مش عارف ياخد قرار الانفصال ده غير مكانة اهل مراته ، ورسلان لولا القدر وحكمة ربنا كان فضل مهاجر وتعيس هو كمان، حتى أنك فرضه خالتي في حياتهم وانتي عارفه إنها مهما ظهرت رغبتها في جواز ملك ورسلان إلا إنها هتفضل شايفه ملك سرقت حياة بنتها، وإنها هتكون نسخة منها لأنها عارفه وأنتِ عارفة كل حاجه سلف ودين

لم تتحمل كاميليا سماع المزيد منها، لترفع كفها عالياً تصفعها فوق خدها.. ترمقها بنظرة مزدرية

- للأسف معرفتش أربيكِ

غادرت كاميليا الغرفة بملامح غاضبه، فعلقت عيناها بعينين ملك التي كانت جالسة بجوار أحد الصغار تطعمه حتى تعطيه دوائه

- ابقى عقلي صاحبتك

غادرت كاميليا ، وقد شيعتها عينين ناهد بشماته.. فلما لا تتعذب شقيقتها مثلها

أغلقت ملك خلفها الباب، تُطالع ميادة المنكمشة على حالها لا تُصدق أن التي أصبحت أمامها هي ميادة صديقتها التي كانت دائما تركض هنا وهناك تستمتع بكل ما هو متاح أمامها، تري الحياة بعينين مبتهجة.. ، تسعي وراء سعادتها وتقتنصها مهما كلفها الأمر، تطمح بأن يكون لها شأن

- ليه بتعملي في نفسك كده يا ميادة

رفعت ميادة عينيها نحوها، فاقتربت منها ملك وقد أسرعت في خطواتها بعدما رأتها تنهار في البكاء

- قلبي موجوع يا ملك، أنا عرفت دلوقتي ليه رسلان هرب وسافر لندن زمان وكره ولاده، وليه أنتي بعدتي وقبلتي تتجوزي راجل تساعديه في محنته وعيشتي مشتته في مشاعرك وضايعة ..، شعور صعب يا ملك.. انا كنت بحبه، كنت بحبه اوي..، أنا اللي كان حلمي كله أنجح واخد الدكتوراه وارجع مصر.. بقي حلمي ازاي اهلي هيقبلوا براجل من بلد تانية بعيد عن ثقافتنا ومعتقداتنا

وبأنفاس لاهثة متقطعه بعدما دفنت وجهها بين راحتي كفيها اردفت

- ديه مش عايزانى أحزن، عايزة تجوزني بأي طريقه كأن اللي عملته عار.. ياريتني كنت سيبته يمتلكني بالكامل عشان كنت جبتلها العار اكتر..

ورغم الألم الذي شعرت به ملك ، بعدما عادت الذكريات تقتحمها

- الوجع بيتداوي مع الأيام يا مياده

وفي عناق طويل، كفت ميادة عن البكاء تهتف برجاء

- اطلبي من رسلان يقف جانبي يا ملك في قرار ماما وبابا مش عايزه اقابل العريس ارجوكِ يا ملك، هنهار صدقيني..

.........

غادر المريض الذي كان سعيداً بأن حالة قلبه ليست سيئة، وأن عمليته ستتم بتكلفة أقل في المشفى الخاص التي يمتلك شراكتها هو وسليم و شريك أخر ، بعد أن شرح له الرجل وضعه المادي الذي لا يُسمح بتكلفتها بالكامل

- أدخل المريض اللي بعده يا دكتور

تمتمت بها سكرتيرة عيادته، تنتظر ما سيأمرها به

- استنى خمس دقايق يا سوسن ، وبعد كده دخليه

- حاضر يا دكتور

اغلقت الباب خلفها، تعطيه الوقت الذي طلبه منها.. حتى يستعيد تركيزه ثانية بنشاط

تعالا رنين هاتفه، فالتقطت عيناه اسم المتصل.. فاسرع في الاجابه مبتسماً مازحاً

- مش معقول أكون لحقت أوحشك يا ملك

- رسلان، طنط كاميليا كانت هنا..، وأنت عارف إيه اللي بيحصل لميادة كل ما بيتم حديث بينهم

استمعت لصوت تنهيداته ثم تسأل مستفهماً

- في عريس مش كده، أنا مش عارف ماما مش صابره ليه عليها وكأنها عايزة تتخلص من عارها

- ما طنط كاميليا للأسف بتتعامل معاها كده، حتى انت يا رسلان

- أنا يا ملك

جلست فوق فراشها، تُجيبه بما هو غافل عنه

- ايوة يا رسلان، نظراتك كلها فيها لوم، ميادة غلطت في تصرفها وهي عارفه كده كويس، بس مين فين مبيغلطش يا رسلان

انتظرت سماع رده، ولكنه اتخذ الصمت مفكراً..

- لو ليا خاطر عندك يا رسلان، ارجع احتوي ميادة من تاني.. الحب صعب يا رسلان وللأسف الحاجه الوحيدة اللي بتضعفنا هو

- حاضر

والجواب كان يمنحه لها، في كلمه واحده..،ابتسمت براحه، فرسلان دوماً متعقل لا يتجادل في أخطائه

- مافيش كلمة حلوه قبل ما اقفل، ده انا هرجع الفجر من المستشفى وهكون جعان نوم..، يا دوبك هاخد بوسه واخد السرير بالحضن

انفرجت شفتيها بضحكة خافته ، استطاعت كتمها بصعوبه

- روح شوف المرضى بتوعك يا دكتور

- قلبك قاسي يا حببتي، عموما هتوحشيني الكام ساعه دول

وفي سعادة وراحه كان ينهض عن مقعده، مستعداً لمريضه الذي دلف للتو

غادرت غرفتها حتى تري الصغار، وقد اسرعوا إليها يُطالبونها بحملهم

- حبايبي مادام صاحين وفايقين كده، تعالوا احميكم بقى..وانتوا أكتر حاجه بتكرهوها المية

تمتمت بها بعدما قبلتهم تحت نظرات ناهد .. ، التمعت عينين ناهد بشر بعد أن استمعت لعبارتها الأخيرة التي هتفت بها بأمومه

- الدنيا برد عليهم، أنتِ عايزة تموتيهم

شحبت ملامح ملك وقد اخترقت عبارتها أذنيها ،فاسرعت ناهد نحو الصغار تجذبهم صوبها
فصدمتها الحقيقة التي تغافلت عنها، ناهد كما هي لم تتغير.. وقد صدق رسلان حينا أخبرها إنها مهما فعلت معها فستظل خالته بنفس سوءها وانانيتها

........

ارادت أن تطمئن عليها قبل أن تبدء بترتيب ملابسها في حقيبة سفرها بعد أن رفضت أن تفعل لها الخادمة الأمر، شعرت بالخجل من حالها لو كانت هي من اصابتها بالعين بعدما رأت أهتمامه بها

- فتون هو انا عيني وحشه ولا إيه، ده انا عماله اقول لنفسي يا سلام لو اقابل راجل زي سليم النجار، رغم إني في الأول مكنتش بطيقه...

واردفت حانقة من حالها، لأنها السبب فيما حدث..، فكثيراً ما نبهت أحمس على نظراته التي تخونه نحو فتون التي لم تعد جارته الضعيفه التي يجب عليه حمايتها والإعتناء بها بطريقة ملفته

- أنا قولتلك، قولي الله اكبر في عيني..، طلعت عيني وحشه

لم تتحمل فتون حديثها الذي اجبرها على الضحك

- ايوة كده اضحكي، اللي انتوا بقيتوا فيه ده يا فتون حاجه عاديه في الجواز.. ، مع الوقت هتلاقي نفسك لا انتي عارفه ليه بتتخانقي ولا هو عارف السبب ..

- كأنك خبرة يا جنات

ارتسم الألم فوق ملامح جنات، ولكن سرعان ما تمالكت تأثرها

- فتون، سليم بيحبك وديه حقيقه كل يوم بتأكد منها.. فحافظي عليه وحاولي تتكلمي معاه، بلاش كل معلومه بتاخديها تطبيقها عشان تظهري ليه بصورة الست الناضجة، وفي نفس الوقت حاولي تتجاوزي صورة الخدامه اللي لو فضلتي حطاها في دماغك هتفضلي شايفه نفسك قليلة..، شوفي نفسك عالية يا فتون

وبتعقل أصبح مختلف لدي جنات، فهي لا تُريد لها أن تفشل زيجتها الثانية وتعيش طيلة عمرها بأحلام خائبة

- اقفى قدام المراية، وشوفي فتون الجديدة..، فتون اللي قدرت تتجاوز كل شئ وتدخل كلية الحقوق..، فتون اللي قدرت تخطف قلب راجل زي سليم النجار.. ، فتون اللي كلها تلت سنين وتتخرج من الجامعه وتدخل المحكمه تدافع عن الناس..

اقتربت فتون من مرآتها، تنظر لهيئتها.. شعر معقود بترتيب، ملامح متوردة رغم تورم عيناها من البكاء..، جسد بدء ينضج وليست تلك الصورة التي مهما هربت منها مازالت مرسخة في عقلها

صورة الخادمة ذات الضفائر والجلباب البسيط

- جوزك بيغير عليكِ يا فتون..، وأي راجل بيحب مراته هيغير عليها حتى لو كان أحمس بالنسبه ليكِ مجرد اخ وأصغر منك

هتفت بها جنات بعدما استجمعت قواها وابتلعت المرارة التي استوطنتها، تُعطيها الجواب على سؤالها الذي سألته لها في بداية مكالمتهم، لما كاظم لا ينظر لاحمس كما ينظر له سليم

..........

تراجع كاظم بخطواته عن غرفتها، بعدما أستمع لحديثها بالكامل
دلف غرفته، واقترب من فراشه يجلس فوقه بعدما ثقلت أنفاسه بشعور غريب عليه..

- ليه بدأت تتحرك، أنت كنت مت من زمان.. مت مع القسوة

لم يمنحه قلبه الجواب، فالراحه باتت بعيده عنه منذ أن دخلت حياته، إنه بدء يُهزم.. يُهزم في طريق الحب الذي يعرف نهايته السقوط دون رجعه

وفي خضم معركته مع مشاعره، كانت تندفع داخل الغرفه تهتف به بملامح جامدة أجادة رسمها

- أعمل حسابك اول ما تخلص الرحله ونرجع مصر، هرجع شقتي علي طول و ورقة الطلاق توصلني..، لا إلا المحاكم هتكون بينا

والذهول وحده ما كان يرتسم فوق ملامحها، وهي تراه يضحك بقوة وكأنها تُخبره بمزحه

فاقت من ذهولها واقتربت منه حانقة، وقد ارتسم التهكم فوق شفتيها

- بيتهيألي مقولتش نكته، عشان تضحك بالطريقة ديه

توقف عن الضحك، وهو يراها تطالعه بمقت.. تهز ساقيها مستاءه تنتظر جوابه وإقراره بالموافقة على حديثها،
وسرعان ما كانت تشهق صارخه، بعدما أجفلها وجذب ذراعها نحوه لتصبح بين ذراعيه

- مش عارف قولتها ليكِ قبل كده، ولا لاء..

حاولت أن تتملص من أسر ذراعيه، ولكنه احكم قبضته حول جسدها

- ابعد عني

- كاظم النعماني مبياخدش أوامره من حد

تعالت أنفاسها ترمقه بحقد، تدفعه ..، ثم اشاحت عيناها عنه، فرفع كفه نحو وجهها حتى يعيد نظراتها الثائرة نحوه..
حاولت دفعه مجدداً ولكنه كان مُصّر على نيل ما يريده هذه اللحظه بعدما ثارت مشاعره

وقبله عنيفة كان يقتنصها، قبلة كانت جامدة فيها مهما حاول في إبطائها حتى يشعر بذلك الشعور الذي كان يشعره معها..، عندما كانت راغبه مستمتعه بين ذراعيه

دفعته عنها بكل قوتها، تمسح فوق شفتيها بعنف..، ترمقه بازدراء أصابه ولكنه تجاوزه ينظر إليها مستمتعاً وهو يلعق شفتيه، يراها تخرج من الغرفة بنفس العاصفة التي دلفت بها

- ياريت تكوني جاهزة بعد ساعه، عشان ميعاد الرحلة

..........

خرجت شهيرة من المطعم بملامح حانقة، لا تستوعب حتى الأن كيف لابن السائق الذي كان والده مستخدم لديهم.. أصبح من المستثمرين وقد عاد للوطن ليستثمر فيه

- اوعي تكون اتضايقت من أسلوب شهيرة يا ماهر باشا

طالعه الجالس بعدما اشاح نظراته الجامدة التي كانت عالقة بها وهي تُغادر، شهيرة الأسيوطي المرأة الجميلة التي ورثت جمود المشاعر والكبر وقله الذوق من عائلتها

- مافيش مشكله يا حامد باشا، خلينا نرجع لكلامنا

ابتسم حامد، فمازال باشا كما هو ولكنه نسي إنه منذ لحظات كان ينعته أيضا بنفس اللقب وقد تساوت الرؤوس

توقفت شهيرة أمام سيارتها، بعدما تعالا رنين هاتفها.. زفرت أنفاسها بحنق وهو تري رقم دينا وبتأفف كانت تُجيبها

- خير يا دينا، وياريت لو معندكيش حاجه تفيد تقفلي.. لأني مزاج مش تمام

ابتسمت دينا، تنظر لذلك الذي كان يُشاركها الفراش منذ ساعات..

- بدل ما تباركيلي على خطوبتي

امتقعت ملامح شهيرة، فما الجديد الذي تعيشه هذه المرأة إلا الزواج والطلاق

- أنا فكرت في حاجة تحرق دمها، زي ما هي حارقه دمك..

وبوداعه اردفت ،بعد أن وجدت شهيرة تترك لها أذنيها وتسمعها خاصة بعدما صمتت

- متهونيش عليا يا شهيرة تفضلي في كفة الست المهزومه، وسيرتك على كل لسان في النادي والحفلات

- مين اللي بيتكلم عني، قوليلي مين يا دينا وبلاش شغل التلميح ده

- دول كتير يا شهيرة، بس محدش يقدر يتكلم قدامك

اطبقت شهيرة فوق هاتفها بغضب ، تلعنهم جميعاً وتلعنها معهم

- خليني اقولك تحرقي دمها إزاي، وتخلي الكل يعرف إنها لسا خدامه عند سليم..

يتبع بإذن الله (قراءة ممتعة)



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close