اخر الروايات

رواية لمن القرار الفصل الثامن والاربعين 48 بقلم سهام صادق

رواية لمن القرار الفصل الثامن والاربعين 48 بقلم سهام صادق 


الجزء الاول
*************

انسابت دموعها فوق خديها ومازال ذلك الحديث يخترق أذنيها، تعالت شهقاتها رغماً عنها وقد ازدادت حرقة عيناها من تقطيع حبات البصل..
التفت حولها لتتأكد من وجودها وحدها داخل المطبخ .. ،فقد اعطتها السيدة سعاد حرية الانغماس في أحزانها وبؤسها، بؤس لا نهاية لها منه وكأن البؤس كتب عليها

- جحيم فتحي كان أرحم ليا، ياريتني كنت سيبته يعمل فيا اللي عايزه

باتت نفسها ضعيفة، بعدما جعلتها الحياة تتجرع مرارتها وهي تري حالها تُهان تحت الأقدام

- كنتِ عايزه تبقى فتات ليل يا بسمة

خاطبت عقلها، حتى تفيق من شعور الضعف الذي أحتل روحها واخترق قلبها

- الكل جيه عليا، والدنيا بقت صعبة..
وسرعان ما كنت تستغفر ربها وتنفض رأسها من أفكارها

عادت لتقطيع حبات البصل بقوة.. ،تتذكر حديث تلك المرأة التي رأتها ذات ليلة، ليلة هربت فيها من حياتها البائسة ، لتسقط بعدها بين الأمواج تتلقفها داخل ظلمتها

دلفت السيدة سعاد المطبخ، وقد كانت حانقة ممتقعة الوجه مما هتفت به تلك المرأة التي تخلص منها رب عملها وطلقها

- أنتِ لسا بتقطعي البصل يا بسمه

واقتربت منها، بعدما شعرت بالقلق من صمتها..، لتري الدموع تغزو مقلتيها

- أنتِ كنتِ بتعيطي يا بنتِ

أسرعت بسمه في مسح دموعها، وتركت السكين بعدما أنتهت من تقطيع حبات البصل

- لا يا دادة مكنتش بعيط، البصل بس كان حامي على عيني

رمقتها السيدة سعاد بتوجس، وهي تعلم إنها تكذب عليها، اقتربت منها وقد ظنتها بسمة ستتناول منها وعاء الطبخ ولكن السيدة سعاد غمرتها بين ذراعيها

- بكره الدنيا تضحكلك يا بنتِ، واوعى تزعلي مني لما عملتك وحش، كان غصب عني.. أنا ست طول عمري في المطبخ معرفش حاجة عن اللي بقى بيحصل في الدينا

- أنا مش وحشه والله يا داده، طول عمري بعافر مع الدينا..نفسي ارتاح بقى

سقطت دموع السيدة سعاد وقد زاد ندمها، كلما تذكرت إنها للحظات ظنتها مخادعة، ابتعدت عنها بسمة بعدما استمعت لرنين جرس المنزل، فاسرعت في أزالت دموعها العالقة بأهدابها

- هروح اشوف مين بيرن الجرس

- لا يا بنتِ خليكي أنتِ بدل ما تطلع الحرباية اللي اسمها جيهان..، عارفه لو كانت هي

والتمعت عينين السيدة سعاد بشر، تنظر نحو حذائها المنزلي الثقيل الذي ترتديه

- هعرفها مين هي سعاد

ابتسمت بسمه وهي تري السيدة سعاد تغادر المطبخ، وقد تعالا صوتها بالوعيد..
هدء قلبها وعاد لسكينته فكلها أيام وسيفي عنتر بعرضه ويتزوجها وستكون له زوجة وفية مخلصة وستُحاول نسيان تلك الصورة التي شكلتها عنه، وعندما أخترق ذهنها ما فعله معها تلك الليلة..،ارتجف قلبها وهي تتخيل حياتها القادمة، إنها تقنع حالها بحياة تعلم نهايتها ومصيرها بها، حتى إنها تشعر بالنفور منه بسبب صورته القديمه التي أصبحت مستوطنه عقلها

- لا، لا يا بسمه فوقي..، عنتر هو الحل الوحيد قدامك..، مين هيقبل بيكِ ده مصيرك يا بسمه..، اللي زيك مينفعش يحلم

- بسمة، شوفتي البيه جابلك إيه هديه، والله البيه قلبه طيب بس هو للأسف عصبي زيادة

هتفت بها السيدة سعاد فور دلوفها المطبخ، تنظر نحو العلبة التي وضحت هوية ما بداخلها بعدما أخرجتها من تغليفتها

- تعالي يا بسمة شوفي، عمك مسعد السواق قالي إن الباشا اشتراه وطلب منه يروح يستلمه

طالعت بسمة الهاتف الحديث بعدما اخرجته السيدة سعاد بالكامل، ورغماً عنها كانت عيناها تتعلق بالهاتف

- جسار بيه قلبه طيب، خدي يا بنتِ افتحي وفرجيني عليه

مدَّت السيدة سعاد يدها به، ولكن يدها ظلت عالقة في الهواء..، تنظر نحو ملامح بسمة ونظراتها العالقة بالهاتف..، شجعتها السيدة سعاد بعينيها لتأخذه, ولكن سرعان ما اشاحت عيناها تقبض فوق قماش ثوبها وتبتلع غصتها بمرارة

- أنا مش محتاجه حاجة من حد، ولا محتاجه حد يحس بتأنيب الضمير ناحيتي، هو كتر خيره ساعدني بعد ما فرضت نفسي عليه والحمدلله قريب هريحه مني وأمشي

تلاشت سعادة السيدة سعاد بالهاتف، ووضعته جانباً واقتربت منها تمسح فوق ظهرها في صمت

- قوليله يا داده يمشي موضوع عنتر، أنا راضيه بعنتر
.........

وضع رأسه فوق سطح المكتب بعدما قذف كل ما عليه أرضاً، يزفر أنفاسه بقوة فقد افقدته هذه المرأة صوابه، المرأة التي تزوجها لأنه رأي فيها صوره زوجته الراحله

- لو مكنتيش سبتيني وموتى ،كان زمانا عايشين في سعادة..،اتخدعت فيها وشوفتها فيكِ يا ريماس..

اطبق فوق جفنيه بقوة، يشعر بالندم لأنه أضاع ملك من يديه دون أن يُحاول جذبها إليه رغم إنها كانت زوجته إلا أن مشاعره كرجل كانت ضعيفة نحوها، لم يراها بتلك النظرة التي ينظر بها الرجال حينا يريدون النساء..، ويا للعجب جيهان من تمكنت من تحريك المياة الراكده داخله.. ،حركت غريزته كرجل وجعلته يلهث خلفها حتى ينالها ولن ينكر إنها بالفعل كانت تمنحه ما يريده ولكنه يكره الخيانة، يكره أن يستغفله أحداً

تعالا رنين هاتفه، فالتقطه ينظر نحو المتصل..، وقد كان لهاتفه نصيبًا من إفراغ شحنة غضبه..
القاه بقوة نحو الجدار، ينظر إليه بعدما سقطت قطعه منثورة على الأرض وقد توقف عن الرنين، يتمتم باسم من كان سببً في تلك الفوضى بحياته، وقد اختتمت بذلة لسانه عن زيجة يكاد عقله ينفجر من شدة التفكير
يتسأل داخله كيف نطقها؟
هل نهايته ستكون مع أمرأة ك بسمة من أصول متدنية، لا عائله لها ، كانت نموذج لحملته عن دعم شركته للفتيات اللاتي يُعانون من حياة الفقر وقسوة الأهل

- عنتر..
.........

توقفت السيارة أمام المشفى التي تم حجز بها أخيها الصغير حتى تتم عمليته ، طالعته وهو يضع هاتفه فوق اذنه يُهاتف صديقه الطبيب الذي سيقوم بإجراء عملية أخيها

تسارعت دقات قلبها وقد اختفت راحتها ثانية ، وهي تسمعه يسأله إذا حجز له لدي طبيبة نسائية بارعة في تخصصها

- ايوة يا سيدي مستعجل، وعايز طفل تاني

تمتم عبارته بابتسامة واسعة وقد علقت عيناه بها، ثم التقط يدها الباردة.. يشعر بالغرابة من برودتها وذلك الشحوب الذي أصاب ملامحها فور أن أخبرها صباحاً إنه حجز لها موعد لدي طبيبة نسائية، فلم يعد يطيق صبراً لرؤية طفلاً له منها

- اه عايز اربطها بيا، لتهرب مني..، بقيت سخيف يا دكتور

تعالت ضحكات رسلان، وهو يستمع لجواب صديقه

- يا بني مراتك لسا بتدرس وصغيرة، فتأخر الحمل في مصلحتكم

أستمع سليم لعبارة صديقه، هو يعلم أن التأخير في مصلحتها.، وسيكون الأمر مرهق عليها بسبب دراستها، ولكنه يتوق لحمل طفلاً منها، مدَّ كفه حتى يلامس وجنتها وكان حالها كحال كفها، باردة كالثلج

- حببتي مالك بردانه كده ليه؟

- جيه الزمن اللي عيشت وسمعت فيه، سليم النجار بيتعامل مع النساء برقة

تمتم بها رسلان الذي علقت عيناه بملك التي دلفت الغرفة للتو، تحمل فنجان قهوته

- بقيت رايق يا دكتور، رحلة أسوان تأثيرها واضح

- اه على رحلة أسوان وجمالها

توردت ملامح ملك وهي تستمع إليه، فمنذ الصباح وهو يحرجها أمام والدته, وكأنه يُريد اخبار الجميع إنه حصل على سعادته بعدما روي ظمأه

جذبها إليه، بعدما دفعته بقبضتها فوق صدره بعد أن كانت تقف أمامه تُغلق له ازرار قميصه

- العاشق الولهان رسلان عزالدين، ياريت تنسي رحلة أسوان وتيجي المستشفى..، بدل ما اجازيك بما أني شريك

- صاحبك مش ناوي يخرج من البيت يا سليم

صاحت بها ملك التي اختطفت الهاتف من رسلان، الذي عاد يفك ازرار قميصه حتى يقضي اليوم معها، فلا بأس أن يتغيب اليوم عن العمل، لعله يعوض سنين حرمانه منها

تعالت ضحكات سليم هذه المرة، ضحكات كانت السعادة تتخللها، فقد عاد صديقة للحياة، وتصالحت ملك مع الحياة ومعهم

- أخيراً يا ملك

هتف بها بحنين نحو الأيام القديمة التي جمعته مع عائلة رسلان، عائله كان يعجبه فيهم ترابطهم.. ،ولكن خلف هذا الترابط كان هناك ماضي مدفون أحرق كل شئ بعدما عادت الدفاتر تُفتح من جديد

نظرت إليه فتون مستفهمه عن حديثه الذي كان مفعم بالحرارة مع هذة المرأة الجميلة التي لم تنساها يوماً، منذ أن رأتها بالمزرعة عندما كانت زوجة السائق وذهبت للمزرعة للخدمة، إلى حفل الزفاف الذي ذهبت إليه وكانت العروس

- أنتِ نسيتي ملك يا حببتي

- لا منستهاش، بس كلامك غريب..، كأنها كانت مسافره ورجعت

ابتسم وهو يلتف بجسده، يلتقط رابطة النفاخات التي اتي بها للصغير وبضعة العاب تُسليه وتُسعده

- حكاية طويلة يا فتون

ثم ترجل من سيارته ، فترجلت بعده وقد عاد القلق يدّب داخل اوصالها من فكرة عرض حالتها على طبيبة مختصة

سارت جواره، تراه وهو يومئ برأسه لبعض الأطباء الذين طالعوه بابتسامة مرحبه

دلفت قبله غرفة الصغير، الذي علقت عيناه بالبلاين التي بيده، ثم الألعاب التي كان يحملها سليم

- فتون

انتبهت السيدة عبلة على صياح الصغير، بعدما طوت سجادة الصلاة وقد فرغت للتو من صلاة الضحى

- فتون، البلالين ديه بتاعتي لوحدي

ثم نظر نحو الألعاب وقد لمعت عيناه بالسعادة ونسي خوفه من المشفى وشوقه لأخوته والركض مع أبناء الجيران

تناست فتون كل شوية حولها وهي تقترب من أخيها الصغير، نحيل الجسد الذي انجبته والدتها بعد زيجتها من حسن

- أيوة يا حبيبي، خف أنت بس وهتلاقي مفاجأة حلوه عمو سليم عملها ليك

التمعت عينين الصغير، ونظر نحو سليم الذي اقترب منه واخذ يمسح فوق رأسه

- خف أنت بس يا بطل، وكل حاجه أنت عايزاها هتلاقيها مستنياك

- ربنا يكرمك يا جوز يا بنتِ، والله الواحد من غيرك مش عارف كان هيعمل إيه

- متقوليش كده يا حجة عبله، إحنا اهل

ربتت عبلة فوق ذراعه، تنظر إليه وإلى أبنتها

- ابن أصول، وبنتِ محظوظة بيك يا جوز بنتِ

ثم نظرت إليه تتفرس ملامحه، تخشي ألا يكون متقبلاً للفظها بزوج أبنتها

- اوعي تكون بتضايق مني لما بقولك يا جوز بنتِ....

- لا طبعا يا حجه عبلة، اضايق ليه ما ديه الحقيقه.. أنا جوز بنتك

اتسعت ابتسامة السيدة عبلة، تنظر إلى أبنتها التي فتح لها الله أبواب الخير

- والله أنت رجل ذوق يا جوز بنتِ، وكلامك بلسم

واردفت متحمسه تغمض عينيها تنتظر سماع تلك الكلمه منه

- قولي كده يا حماتي، عايزه اسمعها منك يا جوز بنتِ.. اكيد بتطلع من ولاد الذوات ليها طعم تاني

انفجر ضاحكاً رغما عنه، فوالدة زوجته الغالية تتحدث بسجيتها

- هو أنا قولت حاجة غلط يا حبيبي

تمالك ضحكاته بصعوبه، حتى ان الصغير الذي أنشغل بأشياءه ضحك، اما فتون علقت عيناها بوالدتها تزجرها لعلها تصمت..

- ابدا يا حماتي

تهللت اسارير السيدة عبلة، وهي تربت فوق ذراعه وقد زادتها الكلمه سعاده

- شايفه يا فتون كلمه حماتي طلعت منه ازاي

طالع نظرات فتون الجامده، وقد استعجب صمتها

- يا ما نفسي اشيل عيالكم

التمعت عيناه وهو ينظر نحو تلك الصامته وقد اتخذت دور المستمع

- ادعيلنا أنتِ بس يا حماتي

رفعت السيدة عبلة يداها تدعو لهم، تدعو لابنتها ان ترزق بالكثير من الاولاد من هذا الرجل الذي احبته، كانت تظنه إنه لن يقبل بهم بحياته ولن يرحب بهم في منزله ولكنها وجدت رجل اخر غير الصوره التي تخيلته عليها ، وقد فسرت عدم مجئ أبنتها إليهم وإقامة احتفالا بقريتهم تتفاخر به امام جيرانها بزواج أبنتها, كان بسبب إنه لا يرغب بأي صلة بينهم ويكفيهم المال الذي يرسله إليهم

- أنا ليا طلب عندك يا جوز بنتِ

- ماما كفاية كلام، سليم مش فاضي لكلامنا

رمقت السيدة عبلة أبنتها حانقة، مشيرة إليها أن تصمت

- أسكتِ أنتِ، جوز بنتِ معندهوش مانع يسمعني من هنا لبكره ولا إيه يا حبيبي

نظر نحو فتون بلوم، وقد اطرقت رأسها تخشي أن تطلب منه والدتها طلبً يكون فيه مال, لتجهيز اختها التي اقترب زواجها

- اطلبِ طبعا يا حجه عبلة اللي أنتِ عايزاه

- مش قولنا تقولي يا حماتي

ابتسم بلطف، ينظر لفتون متسائلاً بمزاح

- مطلعتيش للحجة عبلة ليه؟

اتسعت ابتسامة السيدة عبلة، تنظر لابنتها التي تصفها أنها عاشقة للفقر والكفاح كوالدها

- طالعه لابوها

ثم اردفت مستاءة، بعدما عدلت من غطاء رأسها

- مالك يا بت بتزجريني كده ليه، أنا لازم اقوله اللي ناس بتتكلم عليه من ساعه ما رجعنا بلدنا

انتبهت فتون تلك المرة على حديث والدته، ولم تلمح لها عن هذا الحديث من قبل، ذلك الحديث الذي طال عرضها بعدما شوهه حسن وخاض فيه، وأخبر أهل القرية إنه طلقها بسبب علاقتها برب عمله، ذلك السيد الذي يملك المال والسلطة..

اغمضت عيناها بقهر فقد اقتص الله لها منه، حينا مات مُلقي في الطرقات بجرعة مخدرات زائدة

تجمدت ملامح سليم، ينتظر سماع باقية حديثها

- يا بني الناس فاكرينا مجوزينك البت عرفي، جواز متعه لحد ما تزهق منها تقوم مرجعها لينا من تاني، محدش مصدق إن بيه زيك ليه اسمه.. يتجوز بنت عبدالحميد الراجل الغلبان، ده غير إن بنتِ مش بنت بنوت فترضي بيها على إيه

- كفاية، حرام عليكِ كفاية

هتفت بها فتون في قهر ، واسرعت لتُغادر الغرفة..، لتنظر السيدة عبلة نحو الواقف أمامها وقد تجهمت ملامحه، ثم تحرك خلفها, لكنه وقف مكانه بعدما وجد رسلان يدلف الغرفة برفقة الطبيب الذي تابع حالة الطفل قبل استلامه لتقاريره اليوم

- كويس إنك لسا موجود يا سليم
............

وقفت في الشرفة شاردة، تُفكر في خطوتها القادمة وهو الرحيل من هنا..، لقد أضاع كاظم كل شئ داخلها، ليتها ظلت وحيده، ليتها قتلت حالها حينما فكرت بهذا الرجل واقحمت نفسها داخل حياته المظلمة

استمعت لخطوات خلفها، فاغمضت عيناها بقهر وهي تتذكر تفاصيل تلك الليلة

- جهزي شنطتك، الطيارة بعد ساعات

التفت إليه، وقد ضاقت عينيها وهي تستمع لباقية حديثه

- هنسافر، إيطاليا عندي شغل مهم هناك

- مش هسافر معاك

هتفت بها، فعن أي سفر يتحدث وهي تُخطط للرحيل عنه

- أنا همشي من هنا، ولو مسبتنيش امشي..، هفضحك يا كاظم على مواقع التواصل الاجتماعي

ثم رفعت هاتفها نحوه، لتأكد له ما ستفعله

- هخليك تعرف إني مش طماعه وبس، لا كمان مجنونه

اتسعت ابتسامته وهو يستمع إليها، يري الوعيد في عينيها

- معنديش مشكله، الصحافة طول عمرها بتطلع عليا إشاعات

احتدت عيناها، وهي تراه يقترب منها بعدما هتف بحديثه اللامبالي بتهديدها

- بعد ما نرجع من رحلتنا، نبقى نتفاهم يا جنات في موضوع الطلاق

قطبت حاجبيها وهي لا تستوعب، كيف تغير بهذه السرعه ويُحادثها بهدوء

- يعني هنتطلق

طالت نظراته إليها، يمنحها الجواب ببساطة، وليت كان قلبها وجسدها وفياً لها، فقد ارتجف كلاهما فور أن نطقها

- هيحصل اللي أنتِ عايزاه يا جنات، لكن بعد ما نرجع
..........

حدقت السيدة سعاد بغرفة المكتب، تتسأل داخلها لما عاد باكراً، بل ومُجهم الوجه.. حتى إنه لم يرد على تحيتها..، فهي تُريد اخباره بما حدث اليوم وما فعلته تلك الشمطاء التي أتت المنزل وقد هتفت بحديث يخوض في الأعراض

اقتربت منها بسمة، تنظر نحو الباب المغلق متسائله

- هو جسار بيه رجع

اماءت لها السيدة سعاد برأسها، فاسرعت نحو المطبخ حتى تجلب علبة الهاتف لتعطيه له، فهي لا تحتاج من أحد شئ وخاصة هو

- أنتِ رايحة فين يا بسمة، البيه مش طايق نفسه.. بلاش يا بنتِ

توقفت بسمة عند الباب، تلتف برأسها للسيدة سعاد

- هو من أمتي البيه مش متعصب، ومبيخرجش غضبه فيا

طالعتها السيدة سعاد، تلطم كفيها ببعضهما.. ، تنظر إليها وهي تدلف لداخل الغرفة تترقب سماع ما سيحدث
.........

ابتسم عنتر وهو يُقود سيارته، يرافقه فتحي الذي أسترخي بمقعده ينفث دخان السيجارة التي اعطها له عنتر

- سيجارة فخمه زي صاحبها

رمقه عنتر بنظرة سريعة، يشعر بالغبطة لأنه سينال ما يُريده أخيراً وستصبح بسمة زوجته

عاد خياله يسبح مع تلك الأحلام التي تخيلها بها، خيالات كانت وقحه ، فلم يشتهي أمرأة من قبل كما اشتهاها هي

- قولي يا عنتر بيه، السيارة ديه بتاعتك

افاقه سؤال فتحي من نشوته مع خيالاته، فستاءت ملامحه متمتماً

- يعني هكون سرقها

- ده كلام يا جوز اختي

تمتم بها فتحي وقد جالت عيناه بالسيارة

- أنا بسأل عشان عايز اشتري زيها

امتقعت ملامح عنتر، فاردف فتحي وقد ارتسمت فوق ملامحه ابتسامه واسعه.. وهو يرسم الأحلام في مخليته...،فسوف يجني من هذه الزيجة الكثير من المال

- بدل ما تقولي متغلاش عليك يا ابو نسب ياغالي

كشر عنتر بملامحه، بعدما لفظ بقول بذئ

- أوعى تكون فاكر، إني هدفع أكتر من العشر آلاف..، لا فوق كده ده أنت تحمد ربنا إني عايز اتجوز اختك على سنه الله ورسوله..

- ليه كده بس، ما احنا كنا حلوين وصحاب مزاج

استمرت ثرثرة فتحي، حتى ضجر عنتر زافراً أنفاسه بقوة.. ، يلوم حاله لأنه بحث عنه حتى يزوجه شقيقته و يأخذها من ذلك المتغطرس الذي يفرض سيطرته عليها وكأنها ملكً له، وسرعان ما كان يعود لخيالاته بها، يقضم فوق شفتيه

- الليلة هتكوني مراتي يا بسمه

يتبع بإذن الله ( قراءة متتعة)


الجزء الثاني
*********
وعلى بعداً منها، توقف بخطواته ولهفته..،توقف مطمئناً وهو يراها جالسه فوق أحد المقاعد الخشبية خارج المشفى، تُطالع ما حولها في صمت.

زفر أنفاسه وقد عاد الاسترخاء يرتسم فوق ملامحه واكمل تقدمه نحوها، يُدقق النظر فيها، وكلما كانت تقع عيناه عليها وعلى خلجات وجهها، كان يتأكد من حقيقة واحده بات يُدركها تماماً، زوجته مازالت طفله صغيره، طفله تبحث عن طفولتها التي ضاعت في النضج بين والدين لم يكونوا مؤهلين لأن يكون لديهم طفلاً واحداً وليس سبعة أطفال

جاورها في جلستها، وقد علقت عيناها به..، لم ينظر إليها بل ترك كفه الضخم الذي عانق كفها الصغير يُخبرها عما أراد إخبارها به

فالتمعت عيناها بالدموع وهي تنظر نحو كفيهم المتشابكين

- كلام والدتك كان صح يا فتون، الغلطه غلطتي أنا، لكن الغلطة هتتصلح

- وتفتكر الناس برضوه هتسكت، ساعتها هيسألوا نفسهم إزاي أنت اتجوزتني، ازاي قبلت تتجوز مرات السواق

حدق بها، وقد ألجمته عبارتها التي هتفت بها بأنفاس مثقلة وحرقة شعر بها في صوتها، لا يُصدق أنها مازالت تشعر معه بالنقص

- أنا هفضل في نظر الناس، الخدامه اللي قدرت تغوي السيد فاتجوزها

قالتها بمرارة، فكلما باتت تظهر أمام مجتمعه.. أصبح الجميع يتسأل كيف تمكنت هذه الفتاة التي لا يميزها شئ أن تنال رجلاً كسليم النجار، رجلاً لم يكن يوماً من الرجال الذين يفضلون النساء صاحبات المستويات المتدنية

السيد والخادمة بل وزوجة سائقه، فما الشئ الذي قدمته له حتى يتزوجها بعد زوجته التي تفوقها في كل شئ

امتقعت ملامحه، وقد تركها تهذي بما تُريده..

- عارفة يا فتون، الحاجه الوحيدة اللي بتثبت ليا إني عمري ما شوفتك زي ما شوفت اي ست مرت في حياتي

توقف عن الحديث، وقد علقت عيناها به تنتظر سماع باقية حديثه

- إن أنا راجل بحب أي شئ مميز، ست تكون واثقة من نفسها.. لكن معاكِ أنتِ اختياري كان مختلف

توقفت عن ذرف دموعها، تنظر إليه بتشوش وضياع وهو ينهض من جوارها

- شكلي حسدت الدروس التثقيفيه وحسدت نفسي، مش عارف متعلمتيش مني ليه الثقة بالنفس

تمتم عبارته حانقاً، فزوجته الحمقاء..كلما ظن إنهم تجاوزوا تلك النقطة عن حياتها السابقه..، تعود وتتحدث عنها

- أنا مش هنفع في أي حاجة يا سليم

ازدادت تقطيبة ملامحه وهو يسمعها، وقد بدء يشعر أن هناك شئ بها تخفيه عنه، شيئاً يراه في عينيها منذ الصباح

- فتون في حاجة مخبياها عني، أنتِ متعودة طول عمرك علي كلام الحجة عبلة، فمافيش حاجة جديدة.. ،لكن في حاجة تانية

وعند تلك النقطة كانت تلمع عيناه، وهو يتذكر شحوب وجهها عندما أخبرها بحجز موعد لدي الطبيبة

اخفضت رأسها أرضاً، تفرك يداها لا تعرف كيف ستخبره بعلتها وتطلب منه الصبر او فقد الأمل إذا لم تستطع الإنجاب

- فتون

رفعت عيناها إليه، فعاد يُجاورها ينتظر سماعها

- خايفة يا سليم

سردت له التفاصيل التي اخبرتها به الطبيبه، وذلك الدواء الذي تتناوله حتى تحل مشكله ذلك الخلل الذي حدث في هرموناتها بسبب تناول أقراص منع الحمل ، وبحشرجة تمتمت بعدما تمكنت من مسح دموعها

- لكن الدكتوره قالتلي، إن الموضوع بتاع ربنا.. ممكن يطول العلاج وممكن لاء

لانت ملامحه، وهو لا يستوعب إنها تخاف من أن يكتشف أمراً وارد حدوثه بل ويحدث

- فتون معقول خوفك وصل لدرجادي مني

- لو مخلفتش مش هيكون لوجودي أي أهمية معاك، هتزهق مني بعد فترة وترميني

احتقنت عيناه، وهو يسمعها..، مهما خرجت زوجته من قوقعتها ستظل تابعه لغيرها، تترك لهم أذنيها..، وتستمع لهم

يُخبروها إنها ناقصة..، فتجيبهم بنعم
يُخبروها إنه سيتركها.. ، فترثي حالها مصدقة على كلامهم

رمقها بنظرة، احتدت معها عينيه مؤسفًا عليها وعلى تذبذبها

- كويس إننا لسا مجبناش طفل يا فتون

وانسحب من أمامها، لا يفسر حديثها إلا إنها تخشي أن يكون رجلاً نذلاً معها
والحمقاء لم تدرك حتى اليوم إنه احبها بجميع نواقصها، احبها لدرجة أصبح لا يُصدق إنه نفس الرجل الذي كان عليه منذ سنوات، رجلا يختار نسائه بعناية
........

وقفت أمامه تهذي بالكثير من الحديث عن الكرامه وعن عدم حاجتها لشئ منه، وقد فعل ما أوجب عليه فعله حينا ادخلها بيته وبالطبع كل ذلك كان إكراماً لملك التي لولاها ما كان ساعدها يوماً

وبأنفاس متسارعة كتفت ذراعيها أمام صدرها، تنظر نحو علبة الهاتف الذي وضعته فور أن دلفت فوق سطح مكتبه..، تنتظر سماع أي حديث منه أو حتى أن ينظر لها ولكنه كان جامد مكانه ينظر نحو ما وضعته أمامه بملامح جامده

- أمتي هتجوز عنتر يا بيه؟

أخيراً سمحت للسانها بالسؤال عن الموعد المرتقب لذلك الزواج الذي كلما فكرت به، ارتفعت أنفاسها وانقبض روحها

- هو أنا هفضل اكلم نفسي كتير

وجسار كان صامتً، يُقاوم ذلك الضجيج الذي يخترقه.. لا يُصدق أن غضبه أجبره على التفوه بكلمة زواج ومن من..، من تلك التي اشفق عليها وادخلها منزله..
فهل ينطقها مجدداً ويُخبرها إنه سيتزوجها حتى يجعل طليقته تتحسر على حديثها معه، تتحسر على تلك الساعة التي تلاعبت فيها معه.. وعن سمعته التي أصبحت على الألسنة بسبب فتاة شديدة الغباء متمسكة برجل أراد اغتصابها يوماً

- عموما يا بيه، هديتك عندك..تقدر تديها للخدامة الجديدة

احتدت ملامح جسار، وقد صوب عيناه نحوها أخيراً..، فارتجف جسدها من نظراته ولكن سرعان ما كانت تقف في ثبات وتحدي

ولدهشتها هذا اليوم، إنه لم يتحدث، بل نهض مغادراً غرفة مكتبه بعدما رمقها بنظرة طويلة ذبذبتها ولم تفهم لها معنى

اقتربت منها السيدة سعاد، بعدما أصابها الذهول تنظر إليها غير مصدقة أن السيد لم يتحدث بشئ

- لا، لا البيه فيه حاجة مش طبيعيه..، ده سابك تتكلمي من غير ما يتكلم..

- عندك حق يا دادة، ده بصلي بنظرة غريبة..، نظرة مش عارفة افسرها هي غضب ولا لوم ولا...

وابتعلت مرارة غصتها، تخشي الإعتراف بينها وبين حالها أن نظرته كان يملئها الازدراء
- يا بنتِ ما بعد كلامك ده ،كويس إن البيه اكتفي بمجرد نظرة
.........

انتبهت على صوت الخادمة الذي تكرر لمرات وقد اقتربت منها، بعدما ظنتها لم تسمعها

تعلقت عينين جنات بها، وقد نفضت رأسها وفاقت من أفكارها وحزنها الذي لا تفهم له معنى بعدما أخبرها بأطلاق سراحها فور عودتهم من رحلتهم القصيرة

- بتقولي حاجة

ابتسمت الخادمة بتوتر، وهي تنظر نحو سيدتها.. تلك العروس البائسة التي تتسأل داخلها كلما نظرت إليها وإلى رب عملها.. كيف تتحمل رجل مثله، شديد الصرامة، لا يهتف إلا بالأوامر والقوانين، لا يتبسم، وجهه دوما جامد، غاضب اغلب الوقت، ذو مزاج قاتم

- في ضيفة مستنياكِ تحت يا هانم، بتقول إنها صديقتك

- فتون

هتفت بها جنات، وهي تنهض عن فراشها.. ، فهي لا تملك غير فتون واحمس أصدقاء لها، بعدما قطعت صداقتها بالكثير اللاتي لم يكونوا بحياتها إلا في خانة فارغة

صديقه لا تخبرها بخطبتها، لأنها تخشي الحسد
واخرى لا تُهاتفها، إلا لتندب حظها او تخبرها بما يفعله لها زوجها وما يُجلبه لها وكم هي حمقاء لأنها حتى هذا العمر لم تتمكن من لفت أنظار رجلاً إليها رغم إنها تعمل وتخرج وتُقابل الكثير من الرجال ..، فكان سبيلها الوحيد أن تترك تلك الصداقات البائسة التي لا تشعرها إلا بالحسرة

أسرعت في الخروج من غرفتنا، وفور أن علقت عيناها بفتون ورأت هيئتها اكملت خطواتها ركضاً صوبها تلقفها بين ذراعيها متمتمه بخشية

- اوعي تقوليلي، إن في حاجة وحشة حصلت معاكِ

- سليم، جالي إن كويس مخلفناش لحد دلوقتي يا جنات..

ابتعدت عنها جنات، تخشي سماع ما هو قادم..، لا تستوعب أن حظهم بائس لهذة الدرجة، بل وسيجتمعون مجدداً في شقتها مطلقتين..

- فتون ، كفاية عياط..، وتعالي نقعد وفهميني براحه إيه اللي حصل

- أنا تعبت يا جنات، تعبت ومش عارفة اخرج من الخوف اللي أنا عايشه فيه..، ولا حتى اتعالج من قلة الثقة بالنفس

وبشهقات متقطعة، حاولت تمالك أنفاسها التي أخذت تتسارع

- أنا ليه ضعيفة الشخصية يا جنات، مهما حاولت مافيش حاجة بتتغير جوايا

اجلستها جنات، وقد غامت عيناها بالحزن لأجل كلتاهما.. فلا الثقة والقوة نفعتها، ولا ضعف الشخصية والتأثر بحديث الناس نفع تلك التي أتتها ركضاً ترتمي بين ذراعيها تُطالبها بالنصح والأمان وهما متفقدهم هي الأخرى

- لأن البنت اللي اتسرقت طفولتها، لسا جواكي يا فتون.. فتون حبِ نفسك وأديها قيمتها قبل ما تستنى الناس هي اللي تحبك الأول

سقطت دموعها بعجز، لا هي تستطيع أن تخرج من عباءة الطفلة الصغيرة التي كبرت قبل أوانها، ولا هي تستطيع أن تكون المرأة التي تتمنى أن تكون عليها

- جواكِ لسا طفله يا فتون، طفلة اتولدت أم تراعي اخواتها اللي اصغر منها..

- أنا مشوهه من جوه يا جنات، مهما حاولت اكون زيكم.. مبعرفش.. حتى الكلية مش عارفه اكون شبه زمايلي.. لولا احمس

عادت دموعها للأنهمار، فلولا وجودهم حولها ما تمكنت على التقدم
اطبقت جنات فوق جفنيها بقوة تشعر بالندم لأنها تعاونت مع سليم حتى تتم تلك الزيجة، اقنعتها لتتزوجه رغم إنها كانت بحاجة لأن يشب عودها وتنضج وتري حياتها بنظرة مختلفة..، بنظرة بعيدة عن حياة سليم النجار .. الرجل الذي يذكرها بماضيها البائس الذي لم تتجاوزه

- أنا اسفه يا فتون، انا السبب.. ياريتني ما خليتك تتجوزي سليم على الأقل كنتِ شوفتي حياتك وسعيتِ ورا أحلامك.. من غير ما تفضلي تحسي بالنقص قدامه طول العمر

- سليم عمره ما حسسني بالنقص يا جنات، أنا اللي ديما بحسسه إني اقل من إني اكون مراته

- وده عيبك يا فتون، وبسببه بتخلي الكل يقلل منك

ازداد حزنها، وعادت تدفن رأسها بين كفيها منتحبة بشدة

- كل ما افتكر إني خلاص قدرت اوصل للصوره اللي هو عايزها افشل

ضمتها جنات إليها، تغمض عينيها متحسرة على حالها..، وعلى شعورها بهذا النقص الذي لم يُغادرها

- كفاية عياط يافتون، أنتِ معندكيش حاجة تمنعك من الخلفة.. يمكن التأخير ده في مصلحتك

وبثقة كانت دائماً تثير إعجابها نحو الجالسة أمامها

- هتكوني قوية عشان نفسك يا فتون، لا عشان سليم ولا عشان الناس.. هتنجحي وتفتخري بنفسك يا فتون

ارتسمت فوق شفتي جنات ابتسامة حزينة ، تضمها إليها بعدما عانقتها

- ياريت كنت زيك يا جنات

والكل يتمني أن يكون مثل الأخر، ولا يدري أن حياته يتمناها الغير، فدمعت عينين جنات تُخبرها بألم خافت

- يمكن ضعفك ده نعمه يا فتون

تعالا رنين الهاتف يقطع عليهم لحظة عناقهم، الذي منح كلتاهما السلام
أخرجت فتون هاتفها تنظر نحو رقم المتصل وصورته المحبه لقلبها التي ترفقها مع الرقم، لتفهم جنات سر ابتسامتها

- سليم مش كده

اماءت لها برأسها والسعاده ترتسم فوق شفتيها، فها هو لا يتركها حزينة لوقت طويلا ولا يُعاقبها على ثغراتها الحمقاء

- ردي عليه، وأنا هقوم اقولهم في المطبخ يحضروا لينا الغدا

- لا لا غدا إيه أنا همشي، غير إن جوزك بصراحه يرهب، ده أنا حمدت ربنا إنه مش موجود

- متخافيش يا فتون، واقولك حاجه كمان هتصل باحمس يجي يتغدا معانا..، خلينا نتجمع قبل ما اسافر معاه

توقف الهاتف عن الرنين، وقد اتسعت عينين فتون تنظر إليها تُحاول استعاب ما سمعته

- تسافري تروحي فين؟

عاد رنين هاتفها يصدح من جديد، لتنظر إليها جنات مبتسمه قبل أن تنسحب من أمامها

- متخافيش ديه رحله قصيره لايطاليا اه حتى اشوف الليدي خديجة النجار عمة جوزك واتعلم منها الاستغناء عن الرجال

وبداعبة أردفت

- ردي بس على جوزك اللي خايفة يسيبك.. وهو اصلا مبيقدرش يستغنى عنك

اتسعت ابتسامة فتون، فما هذا التذبذب الذي تعيشه كلما ذكرها أحداً بأنها لا تليق بذلك الرجل الذي اختارها هو بارادته بل وأصر على تزوجها دون أن تسعي إليه

- فتون

هتفت بها جنات بعدما التفت بجسدها، تفرد اصابعها الخمس امام وجهها

- قولي الله اكبر في عيني يا بنتِ

ورغماً عنها كانت تنفرج شفتي فتون في ضحكة قويه، وقد ضغطت على زر الإجابة، فأتاها صوته

- بتضحكِ، وأنا واقف قدام المستشفى قلقان عليكِ.. وبلوم نفسي ازاي سيبتك ومشيت

- أنا أسفه يا سليم

توقف مكانه بعدما كان يتحرك بضيق هنا وهناك، غاضباً منها

- فتون أنتِ فين، ده انا سايبك معيطه ومنكدين على بعض..

- أنا أسفه، أنا لسا بخاف يا سليم..، بخاف من الناس ومن السعادة

تلاشت ابتسامته السعيدة، وهو يسمعها تخبرها عن مخاوفها وضايعها

- فتون أنتِ فين، قوليلي مكانك فين..

رفعت كفها تزيل عن عينيها دموعها

- عند جنات

فتح باب سيارته وصعدها وقد اطمئن قلبه

- هاجي اخدك، نص ساعه وأكون عندك

اسرعت في الهتاف، بعدما تذكرت جنات

- سليم خليني شويه عند جنات، هتغدا معاها ممكن

- لو وجودك معاها هيريحك شويه مافيش مشكله يا حببتي

متفهماً هو بطبعه، يبحث معها عن سعادتها.. يشجعها على الصعود وتحقيق أحلامها، لكن العيب بها هي.. هي التي عاشت سنواتها القليلة فى ثوب أمرأه عجوز

- سليم أنا باخد العلاج من ساعه ما طلبت مني ابطل الحبوب

هتفت بها، تستمع لصوت أنفاسه العاليه..

- هنتكلم في الموضوع ده يا فتون، هنتكلم ونتعاتب لكن دلوقتي خليكي مبسوطة

تهللت اساريرها، تعبر له عن مدى سعادتها..

- أنت بطلي يا سليم

اخترقت مسمعه عبارتها، ليكتشف اليوم أن زوجته بمزاج متقلب كأبنته خديجة..،يحمد الله إنه صار أب قبل أن يتزوجها حتى يكون بهذا التفهم والصبر

- من شوية كنت راجل ندل، هرميكي بعد مستفدتش منك بحاجة، كأنك صفقة في حياتي يا فتون

عاتبها ولم يكن يريد عتابها عبر الهاتف

- شوفت اه انت لسا زعلان مني

- فتون خلاص خلينا نكمل عتابنا واحنا سوا، اول ما تخلصي عند جنات كلميني

اماءت برأسها وكأنه أمامها، لتدرك حماقة فعلتها متمتمه

- حاضر

كادت أن تغلق الهاتف، لتتذكر اكثر ما يزيده غضباً

- جنات عزمت أحمس على الغدا

وفي ثواني كانت تشعر بالصدمة وهي تستمع لعبارته قبل أن يغلق الهاتف بوجهها يلعنها ويلعن اصدقائها
وقد ضاعت صورة البطل، وصار البطل رجلا مثل باقية الرجال
..........

دلف لغرفة الطعام التي تعالا الضجيج بها يُرافقه سليم وقد أصر على ضيافته اليوم بعدما أخبرته خادمته بضيوف زوجته الغالية
تلاشي عبوس كاظم وهو يري ملامحها التي تبدلت.. ،كانت مبتهجة سعيدة تضحك وتمزح وكأنها ليست نفس المرأة التي تركها صباحاً

توقفت فتون عن تناول الطعام، وقد علقت عيناها بذلك الواقف يرمقها بجمود

- سليم

انحشرت لقمة الطعام داخل حلقها، فاسرع احمس بالتقاط كأس الماء بلهفة يُعطيه لها

- فتون أنتِ كويسه

تمتم بها أحمس وقد ظهر القلق في نظراته، لتتعلق عينين كاظم بالمشهد يقسم داخله أن هذا الشاب ينظر لزوجة شريكة بنظرة رجل معجب وليس أخً كما تخبره زوجته التي ظنت أن عزيمتها اليوم لضيوفها ستزيد حنقه بل وستظهره بصورة الرجل الجلف

- اتفضل يا سليم، حببتي اطلبِ من الخدم يحطوا اطباق إضافية

تمتم بها كاظم وقد علقت عيناه بتلك التي وقفت ترمقه بنظرات ضيقه وكأنها تنتظر صورة أخرى له

- لا شكراً يا كاظم، أنا هاخد المدام ونمشي.. معزومين على العشا بليل وأنت مسافر بعد كام ساعه

ابتلعت فتون لعابها، تنظر نحو سليم الذي اشار إليها بالنهوض
طالعتهم جنات، وقد فاقت للتو من حالة شرودها

- أنت بتقول إيه يا سليم بيه، مش معقول اول مرة تيجي بيتنا وتمشي كده، كاظم اعمل حاجه

ارتفع حاجبي كاظم مستمتعاً لأول مرة بحياته بذلك الدور الدرامي الذي يؤدوه سوياً

- مره تانية

تلاقت عينين أحمس به، وقد ازدرد لعابه من نظراته، فاقتربت جنات من فتون تحضنها هامسه

- جوزك غيران من أحمس

- فتون

تعالا صوته، فاسرعت فتون بالمغادرة بعدما اماء لها كاظم لأول مرة برأسه بنظرة لطيفة

أصبحت الغرفة خالية إلا بهم ثلاثتهم

- نورت يا استاذ أحمس

تمتم بها كاظم وهو يمدّ كفه مصافحاً، فازداد توتر أحمس وهو يري نظرات هذا الأخر إليه

- شكراً يا استاذ كاظم، جنات أنا همشي أنا كمان

- أنت رايح فين ، لا اقعد كمل أكلك..

توتر أحمس من تلك النظرات التي يحدقه بها كاظم، لتعلو ابتسامة متهكمة فوق شفتي كاظم وهو يري توتره
فالشاب مازال عوده لم يشبّ ولكنه رجلاً وسليم النجار سيكون أحمقاً إذ لم يلاحظ نظراته نحو زوجته

- اقعد يا استاذ...

ثم حك ذقنه قليلا يُحاول تذكر اسمه الغريب عليه

- أحمس

جذبته جنات من يده، لتجلسه عنوة

- أقعد واحكيلي هنبدء تنفيذ مشروعنا أمتي

توقفت كاظم عن مضغ قطعه اللحم التي التقطها للتو بشوكته، وهو يستمع لمخططها وبدأها في رسم حياتها وكأنها تخلصت منه، ولكنه كان يزداد تصميماً في استمرار زيجتهم إستمرارها لوقت بات يجهله
..........

اقتربت ناهد من باب المطبخ الذي دلف إليه رسلان منذ دقائق بعد أن علم بتواجدها فيه حتى تنهي إعداد وجبة العشاء..

تعلقت عيناها بهم، وهي تري اجسادهم في تلاحم.. رسلان طبيب العائلة الوقور، الذي لا تظن أن السنوات التي كان فيها زوج لابنتها الغاليه عاملها هكذا او كان متلهفاً عليها بتلك الطريقه التي تراها في عينيه

- رسلان الاكل على النار

ولكن رسلان كان غائب معها في رحلة شوقة وظمأه الذي لم يرتوي منه بعد

- رسلان

- عيون وقلب رسلان، وحشتيني

ضحكت مرغمه، فقد أصبحت تنسى العالم بين ذراعيه.. عالم لا تعرف لما هربت منه، لما تركتهم يحرمونها من سعاده كانت مقدرة لها لكن كانت مؤجله

- وحشتك إيه بس يا رسلان، دول كام ساعه بس اللي غبتهم في المستشفى والمفروض تكون في العياده بعد ساعه

وبأنفاس منتشية كان يخبرها بحاجته إليها، سقط كوب الماء من يدي ناهد.. ،فانتفضت ملك عنه مبتعده تربت فوق منامتها القصيره خجلاً

- كنت عايزة ميه

هتفت بها ناهد بتعلثم وبحروف متقطعه..، تنظر إليهم بنظرات كان يفهمها
انسحبت ناهد من المكان وقد وخز الألم فؤادها متحسرة علي أبنتها التي توارت خلف التراب وضاع حقها في حياة ارادتها لها، ليتها لم تطلب من ملك العودة لحياة احفادها
..........

توقفت أمام باب شقته، تشعر بالصراع داخل قلبها..، شئ يجذبها للهرب من ذلك الجنون الذي دلفته بقدميها كمراهقة، وشئ يُطالبها بحقها في العيش.. واقتناص سعادتها

بتردد كانت تدق جرس الباب، استمرت في وقفتها تنتظر فتح الباب ولولا رؤيتها لسيارته لظنت إنه ليس بالمنزل
أصابها الشك، لا تتخيل إنه من الممكن أن يكون بين أحضان أمرأه شابة تمنحه حالها دون أن تستيقظ بعد شغفهم تخبره برغبتها في ابتعادها عنه

ودمعة سخية كانت تهبط فوق خدها، وقد امتلكها الشك بعد أن طالت وقفتها

التفت بجسدها حتى تغادر البناية، ولكن وقفت مكانها وهي تستمع لصوته الذي يحمل أثر الدهشة

- خديجة

ببطئ كانت تلتف نحوه، لتتجمد عيناها وتشحب ملامحها وهي تراه يلف المنشفه حول خصره ويُطالعها في ذهول
........

تدلف لمكتبه تحمل بطاقتها والصور التي طلبها منها..،تضعها أمامه وقد اوضحت لها السيدة سعاد سبب طلبه لهم..، فعلي ما يبدو أن عنتر أتم كل شئ معه وسيكون عقد قرانهم بالغد

- مش المفروض أقعد معاه الأول ونتفاهم يا بيه

رمقها جسار بنظرات هادئه مختلفة

- عايزه تقعدي معاه وتتفاهمي

اماءت رأسها بتوتر، تنظر إليه بتوجس بعدما نهض عن مقعده واقترب منها

- من حقي يا بيه

- فعلا من حقك يا بسمة

وبملامح جامده، كانت عيناه تتعلق باحد المقاعد

- اقعدي يا بسمه

طالعت بسمة المقعد وقد زاد توترها من نظراته التي باتت تشعر بغرابتها

- اقعد ليه يا بيه..

- مش عايزه تتفاهمي وتقعدي مع العريس

وبدهشة تسألت وهي تنظر حولها بالمكان

- هو فين عنتر يا بيه؟

يتبع بإذن الله (قراءة متتعة)


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close