اخر الروايات

رواية لمن القرار الفصل السابع والاربعين 47 بقلم سهام صادق

رواية لمن القرار الفصل السابع والاربعين 47 بقلم سهام صادق 


الجزء الاول
********
باتت الغيرة تعرف طريقها نحو قلبها، بعدما لم تعد تري نفسها مجرد زوجة مؤقتة في حياته..، بعدما جعلها في حبه أنانية..، جعلها لا تستطيع رؤية حياتها بدونه..
هي ليست غبية حتى لا تري نظرات الهيام التي تحتل عينين شهيرة، امرأة تحارب لتعيد طليقها إليها..
فلو كانت تسمح لبقائها في المنزل إحتراماً لقراره وحبها لحبه لابنته، ذلك الحب الذي يشعرها بالأمان معه..،
لكن ها هي غريمتها تثبت لها يوماً بعد يوم أنها مخطئة.. ،شهيرة لم تعود من أجل أبنتها التي أصبحت متشبثة بها، إنها عادت من أجله أو ربما من أجل كلاهما

- فتون

نهض عن مقعده، بعدما علقت عيناه بها وهو يري تلك الابتسامة التي تلاشت عن محياها فور أن وقعت عيناها على شهيرة التي وقفت جوارة تُطلعه على تنظيم حفلة عيدميلاد الصغيرة

امتقعت ملامح شهيرة وهي تراها قد عرفت طريقها لهنا، وبالتأكيد بعدما سينتشر خبر قدوم الزوجة الجديدة لرئيسهم.. سيبدء الجميع بالمقارنة بينهما وخصوصاً في العمر..، إنها تكره صغر سنها وحجمها الذي يشعرها وكأنها لعبة صغيرة بين ذراعي سليم وعلى ما يبدو أن ضئلة جسدها ما تزيد سليم رغبة بها.. فهي تشعره بمدي سطوته وهيمنته أثناء علاقتهما

ضمها إليه غير مصدق إنها أتت شركته اليوم حتى تفعلها له مفاجأة

- مش معقول فتون هانم اتنزلت وجات شركتي

هتف بها وهو يمسح فوق خديها، فازدادت ملامح شهيرة قتامة وهي ترصد ملامح غريمتها الصغيرة ، وقد لوت شفتيها تهكماً، فكم هو متواضع سليم ليخبر من جعل لها قيمة بين النساء وادخلها مجتمعهم بأنها من تنازلت وأتت إليه مكتبه

لم يخفي على فتون نظرة شهيرة الملتوية ولا ذلك الحديث الذي رأته في عينيها, ولكنها حاولت قدر استطاعتها تلاشي شعور الحنق داخلها، وسرعان ما كانت ترتخي ملامحها، ترسم فوق ملامحها ابتسامة جميلة وهي تبتعد عن احضانه..، فقطبت شهيرة حاجبيها منتظرة ما ستفعله تلك الخادمة التي باتت تتعلم أساليب النساء

- حبيت اعملها ليك مفاجأة، مفاجأة حلوه مش كده

القتها بفتنة ودلال، وهي تمسح فوق قميصه..فابتسم وهو يطوق خصرها بذراعه ويتجه بها نحو شهيرة التي تمالكت غضبها ورسمت فوق شفتيها ابتسامة مقتضبه، فلن تكون هي الشريرة في الحكاية بعدما باتت غريمتها تتلاعب معها

- مفاجأة طبعا جميلة يا حببتي، مش كده يا شهيرة

- فعلا يا سليم

واقتربت منهما، تحمل جهازها اللوحي.. تريها بعض اختياراتها عن ترتيبات حفل عيد ميلاد صغيرتها الذي تقدم عن موعده الحقيقي بسبب عملية شقيقها

- انا كنت عايزة اعمل للبنت حفلة كبيره، لكن الترتيبات اتغيرت لما سليم بلغني عن عملية اخوكي الصغير، طبعا احنا عيلة واحدة ولازم نقف جانب بعض

لمعت عينين سليم بتقدير رغماً عنه، عن مدي تعقل شهيرة وتقبلها للأمر..، فقد بدء يشعر أن شهيرة عادت لتوازنها وتقبلت فكرة خروجها من حياته

- أنا مضطرة أمشي دلوقتي يا سليم عشان اكمل الترتيبات مع المسئولة عن الحفلة

غادرت شهيرة مرغمة، تخفي خلف قناع هدوئها غيرة تحرق فؤادها..، فبعدما كانت هي من لها الحق فيه.. أصبحت لا شئ سوي إنها ام أبنته يحترمها من أجل الصغيرة حتى تنشأ بينهم في تفاهم دون صراعات واحقاد..
ليتها لم ترتكب ذلك الجرم حينا عرضت عليه الطلاق مقابل أن تحصل على إدارة شركة والدها من شقيقها حامد

- ممكن أعرف بقى سبب الزيارة السعيدة

تمتم بها سليم وهو يُحرك يديه فوق ذراعيها، وقد اعتلت شفتيه ابتسامة هادئة

- هو أنا جيت في وقت مش مظبوط أو مش تمام

ارتفع حاجبي سليم ذهولاً من عبارتها، التي فهم مقصدها تماماً، ثم تملصها من أسر ذراعيه وابتعادها عنه

- اممم، كلامك يا حببتي في تلميح وسوء فهم..، وأنا أكتر حاجة بكرهها في حياتي سوء الفهم

التوت شفتيها تهكماً، فعن أي سوء فهم يتحدث وشهيرة كانت قريبة منه للغاية..، تتنفس رائحته في هيام

- سوء فهم، لا ما شهيرة وضحت سوء الفهم..، وجودها عشان عيد ميلاد خديجة اللي كان ممكن تتكلم فيه معاك في البيت وقدامي وكنت هشارك معاكم عشان أسعد خديجة..، لكن لا إزاي البيت مش كفاية عليها، فتيجي الشركة كمان

وقف في ذهول تام وهو يستمع إليها، لقد خرجت قطته الصغيرة من جحرها الآمن

- ومتحاولش تقنعني إنها هنا عشان تنظم معاك الحفلة وبس، هي هنا عشانك

احتقنت ملامحه، فقد بدأت أكثر النقاط التي لا يحبها في النساء.. النقاش في أمور لا يراها إلا فراغة عقل..، فلو كان يريد العودة لشهيرة لعاد إليها، حاول قدر استطاعته أن يجعل ملامحه تلين واقترب منها يجتذبها إليه

- وأنا اللي كنت فاكر مراتي، جاية الشركة ليا تدلعني شوية.. تقولي كلمة حلوه..

- سليم أنا بغير، لو كنت بسكت..

وقبل أن تتمم عبارتها، كانت شفتيه تعانق شفتيها... يبثها مشاعره وحاجته إليها..، اغمضت عيناها.. بعدما أسبلت جفنيها؛ فابتسم مرغماً يمدّ كفيه نحو خديها يمسح فوقهما

- لازم تكوني واثقة فيا يا فتون، متجوزتكيش غير بعد ما اتغيرت.. لو كنت سليم النجار القديم كنت هقول عندها حق.. راجل لعبي.. بيزهق بسرعه.. لكن أنا مش شايف في حياتي غيرك وغير خديجة

- أنت بتسكتني بكلمتين ، عشان عارف إني بصدقك علطول

انفرجت شفتيه في ضحكة صغيرة، وهو يري احتقان ملامحها بعدما هدأت ثورتها؛ فاجتذب رأسها نحو صدره وقد عادت ضحكاته تتعالا

- طبعا، لأنى زوج مسيطر يا حببتي.. ،مش سليم النجار اللي كان عنده قايمة نساء متتعدش

دفعته عنها بضراوة، فهي اكثر من كان يعلم عن صورته القديمة وركض النساء خلفه

- يا سبحان الله، كنت بس عايزك تناقشيني.. دلوقتي بتناقشي وصوتك عالي وايدك كمان بقت طويلة.. بركاتك يا حجة عبلة.. كام يوم بس وبركاتك ظهرت في حياتي.. صحيح الحموات سرهم باتع

- سليم

تعالت ضحكاته وقد علقت عيناه بملامحها المتجهمة، وتلك النظرة الغاضبة التي تذكره بغضب صغيرته خديجة

- إيه رأيك نخرج نتغدى بره، وبعدين نروح نشتري ليكِ فستان عشان عيد ميلاد خديجة ونجيب هديتها سوا

تلاشي الاستياء من فوق ملامحها، وهي تراه بالفعل تحرك نحو مكتبه يغلق حاسوبه، ثم التقط سترته ووقف يهندم هيئته

- بس أنت جايبلي فساتين كتير، ممكن البس أي حاجة من عندي

التف إليها وهو يعدل من هندام لياقة قميصه

- مافيهاش حاجة لما نشتري حاجة جديدة

تقدمت منه، وقد أنطفأت غيرتها قليلاً.. بعدما استطاع اجتذابها في الحديث بحنكته

- سليم، قولي بحبك يا فتون

رأي في عينيها حاجتها لتأكيد حبه ، فمدّ لها ذراعه لتقترب منه وسرعان ما كان يضمها نحو قلبه

- مش لازم اقولهالك ديما يا فتون، لكن خليكي متأكده إنك الست الوحيدة اللي دخلت قلبي وحبها كل يوم بيزيد..

- قولي برضوه بحبك

ضحك مرغماً، وهو يستمع لاصرارها لسماع الكلمة، فرفع انامله نحو انفها , يداعبها قبل أن يدنو منها ويخبرها بأنفاس مثقلة
- بحبك يا فتون، مبسوطه كده

.......

ابتسم بسعاده، وهو يري السعادة مرتسمة فوق ملامحها.. تخبره عن مدي فرحتها وهي تستمع لعبارات المدح من قبل استاذها بالجامعه بعدما عرض البحث الذي سلمته لزملائها وقد نالت وحدها الدرجة كامله

- كنت مبسوطة أوي يا سليم، كنت عايزه اقوله إني تلميذة لأستاذ في القانون مافيش قضيه كانت بتخرج من تحت ايده، بس من شطرته ساب الساحة وبقي بيزنس مان

انفرجت شفتيه في ابتسامة واسعة، يُطالعها بنظرة حنونة

- أنتِ تلميذة مجتهدة يا حببتي، وعايزة تكوني محامية شاطرة.
ضحكت مرغمة، ف للأسف سليم يمدحها في شئ تعلم تماماً إنها لن تكون بارعة فيه..، لأنها بدأت تكتشف أن مجال المحاماه ليس لها.. وأنها اختارت هذا المجال انبهاراً بنموذج سليم

- بس أنا مش حاسة إني هكون شاطرة في مجال المحاماه، لولا مساعدتك مكنتش هعرف اكمل في الكلية ولا حتى في المؤسسة

ضاقت عيناه، وقد توقف عن تناول طعامه..، بعدما استوقفه حديثها

- أنتِ شايفه نفسك كده لأنك لسا في البداية يا حببتي، فتون أنا عايزك تمسكِ المؤسسة مع حازم بعد ما تتخرجي..

شعرت بالتوتر وهي تستمع لعبارته، فالتقطت بشوكتها قطعة من الطعام تمضغها

- مع كل سنة تجيبي فيها امتياز ليكي عندي هدية كبيرة

حاولت رسم ابتسامة فوق شفتيها، تومئ له برأسها.. فيجب عليها أن تنجح حتى يأتي اليوم الذي يفتخر بها أمام رفقائه ومجتمعه

انتهي الغداء، وقد استمتعت باطلالة المطعم الرائعة..،وها هي تبدء جولة أخرى معه في سعادة أخرى وهو ينتقي معها ثوبها

- هيليق عليكِ ده ، ادخلي اقسيه

طالعت الفستان بنظرة فاحصة، تنظر إلى تصميمه الرائع

- حساه ممكن يكون ضيق عليا

فحصها بعينيه، مقتربًا منها هامساً

- لا ياحببتي أنتِ متخنتيش ولا حاجة، بس جسمك اختلف شوية

التقطت منه الثوب بحرج، بعدما فهمت مغزي عبارته.. فضحك علي هيئتها الخجوله واندفاعها نحو غرفة القياس

- سليم

أخرجت رأسها من غرفة القياس، وهي تراه مازال واقف ينتقي بين الأثواب ما يُلائمها..، كانت العاملة ملتصقة به تخبره عن الأفضل ولكنه لم يكن يبالي بحديثها..، وفور أن أستمع لصوتها التف لها يُركز اهتمامه معها.. فوجد على ملامحها علامات الحنق

اقترب منها، فاجتذبته داخل غرفة القياس، فانفجر ضاحكاً وهو ينظر حوله

- كده نتفهم غلط يا حببتي

- اقفل السوسته يا سليم، ومش كل شوية الاقي ست بتحوم حواليك وأنت ما شاء الله مغناطيس في جذب الستات

- وبقينا نركز في التفاصيل كمان، بركاتك يا حماتي..

ضحكت رغماً عنها، فسليم بات يظن أن هذه النصاحة أتت مع قدوم والدتها..، ولكن الشئ الوحيد الذي وضعته والدتها داخلها هو الخوف من فقده والعودة لحياتها القديمة

- امممم شايف الفستان ضيق شوية فعلا

- بس مش ضيق اوي يا سليم، وممكن البسه عادي

ابتعد عنها ليفحص الثوب بتدقيق فوق جسدها، ولكن ملامحه قد امتعضت وهو يري الثوب يفصل جسدها

- يا حببتي ضيق، ومفصل جسمك..، هخرج اجبلك الفستان التاني

- لكن عجبني

ظنته سيرضخ، ولكنه فجأها بتشبثه بقراره

- قولت هنختار واحد بديل يا فتون، لكن ما دام عجبك ده..، مافيش مشكله ناخده وتلبسيه في البيت

انصرف دون أن ينتظر سماع اعتراضها، ولكنها كانت سعيدة..، تسألت داخلها لما كان يسمح لشهيرة أن تكون متحررة في ثيابها..، رغم إنها كانت في عصمته
عاد لها بثوب اخر، فالتقطته منه متذمرة

- خدي قيسي الفستان، وبلاش مط شفايفك.. أنتِ محجبة يا فتون لازم تحترمي حجابك

- حاضر يا سليم

ابتسم بعدما أعطاها ظهره، وتحرك نحو الأثواب مجدداً.. لتقع عيناه على ثوب فاضح.. فالتمعت عيناه وهو يلتقطه

- هناخد ده كمان

وجولة أخرى من جولاتهم كانت تنتهي، وقد أتى دور هدايا صغيرته..، وذلك الصغير الذي سوف يجري جراحته بعد أيام، وبالطبع حماته العزيزة

وقفت سعيدة وهي تراه يختار هدية شقيقها

- تفتكري هتعجبه

ثم انحنت نحو الدراجة، مبتسمه بسعادة وهي تتخيل سعادة شقيقها

- جدا يا سليم

وسرعان ما كانت تندفع إليه، تحتضنه دون أن تفكر بمن حولهم

- هيفرح اوي اوي، ربنا يخليك ليا

توقفوا عن اختيار الألعاب، تنظر إليه بعدما اخرج هاتفه.. ينظر لرقم شهيرة وفور أن التقطت اسمها.. ابتعدت عنه ببعض الضيق وركزت في الألعاب المعروضه حتى تُلهي حالها إلى أن ينتهي من مكالمته

- أنت فين يا سليم، لو أنت قريب من وسط البلد.. خلينا نتقابل ونجيب هديه لخديجة سوا

تعالت الأصوات حوله، فابتعد قليلاً حتى يستطيع سماعها

- شهيرة أنا برة مع فتون، وبنجيب هدية خديجة ..

- ديه هدية بنتِ يا سليم، المفروض أكون أنا معاك مش هي

- شهيرة الصوت بيقطع، هضطر أقفل المكالمه

أغلق الهاتف، وقد عاد الأرهاق يحتل ذهنه.. شهيرة تعلق الأمال على عودتهم مجدداً، تضع ابنتهما بينهم..

دلك جبهته، واتجه نحو تلك الواقفة وقد علقت عيناها بدمية..

فاقت من شرودها والتفت نحوه بعدما استمعت لصوته وهو يخبر العامل بلف الهدايا ومنهم تلك الدمية التي ذكرتها بدمية صغيرة من القماش..، مزقتها لها والدتها حينما تلاهت عن شقيقتها الرضيعة بدميتها وسقطت أرضاً.. ،
طفلة ذو سبع أعوام تربي اخواتها بدلاً من الركض واللعب مع الأطفال

ابتلعت غصتها وهي تتذكر طفولتها المريرة، فابتسم إليها بحب

- لو في حاجة شيفاها مناسبه نجيبها
حركت رأسها نافية، فلم يترك شئ يراها منجذبه له إلا واشتراه.. كان يوم مميز..، مميز للغاية يوماً أثبت لها مكانتها الطبيعية في حياته.. هي زوجة وشريكة حياتها ويجب عليها أن تدافع عن حياتها معه حتى لا تخسر مثل شهيرة.

......

وضعت السيدة سعاد فنجان القهوة أمامه بحرج ، فرفع عينيه عن الأوراق التي كان يقرأها ..، وقد ظنها بسمة من أتت لتقدمها له بعدما أمر السيدة سعاد أن تعطيها لها وتأتي إليه مكتبه حتى يتحدث معها

- أصلها يا بني خرجت تحط أكل للقطه، أنت عارف بتحب أد إيه القطط

واردفت السيدة سعاد بصعوبة، وقد ازداد حرجها منه

- لو عايزاها في حاجة مهمه، بلغني وأنا هبلغها يا بني

امتقعت ملامح جسار، وهو يُلقي الأوراق التي كان يمسكها فوق سطح مكتبه

- إيه لعب العيال ده، اخرجي اندهيها يا دادة.. عرفنا إنها زعلانه وإني زودتها معاها وقبلت شروطها في رجوعها

ليتذكر شرطها الذي كلما تذكره، يشعره بالحنق منها.. يتمنى داخله لو استطاع خنق ذلك الذي خرج له ليُعكر صفو حياته

" هتحترمني لحد ما عريسي يا خدني، واوعدك مش هتشوف وشي تاني يا جسار بيه"

لقد جعلته عريسها، عنتر الذي حاول اغتصابها.. تراه الزوج الذي سينجدها من حياتها البائسة لديه

انصرفت السيدة سعاد، بعدما رأت غضبه..، وفور أن رأت بسمه تدلف من باب المطبخ أسرعت إليها

- يا بنتِ عايزك في حاجة مهمه، البيه عصبي استحملي يا بنتِ لحد ما تتجوزي

رغم الوجع الذي امتلكها وهي تتذكر المصير الذي ألقت حالها به، إلا إنها تجاوزته وابتلعت غصتها واتجهت نحو صنبور الماء تغسل كفيها

- مافيش كلام بينا، أنا هنا مجرد ضيفه وقريب وهمشي من هنا

- يا بنتِ مش اتفقتوا تكونوا في هدنه لحد ما يسلمك لعريسك

- ايوة طبعا عنتر عريسي

اخترقت العبارة اذني جسار، وهو يراها كيف تنطقها في سعادة ..وقد دلف المطبخ للتو ، توقفت السيدة سعاد عن الحديث وطالعته برجاء أن يتحملها..، ومن نظرة عينيه فهمت إنه يصرفها ليتحدث معها

كانت بسمة غافلة عن دلوفه وانسحاب السيدة سعاده، فاستطردت في حديثها تُحاول إقناع حالها عن حياة تعرف نهايتها

- شوفتي عنتر طلع راجل إزاي يا دادة، وندم على اللي عمله فيا.. وجيه يصلح غلطه وطلب أيدي للجواز

واردفت وهو تمسح رخام المطبخ بالمنشفة المبتلة

- تفتكري امتى هيجي يا داده ويتقدم رسمي، ولا جسار بيه هيماطل في الحكاية.. ويفضل يقول اشعاراته الفارغة..

ثم تنهدت، تخرج الحديث من بين شفتيها بمرارة

- أنا واحده من الشارع اخوها رد سجون.. يعني أحمد ربنا إن أتقدم ليا واحد زيه ابن ناس.. صحيح خمورجي وبتاع ستات بس هحاول اغيره

- لا ما شاء الله خطتي لحياتك معاه، وإزاي هتعرفي تغيريه

جمدها صوته، فتوقفت يدها عما تفعله.. فاقترب منها وقد شعرت بظله خلفها، يقبض فوق يديه بقوة

- يوم ما تهربي من عيشه.. اهربي لعيشه ترفعك وتضمن ليكي حياة كريمة.. مش واحد عارفه ومتأكده إنه هيرميكي بعد ما ياخد غرضه منك

..........

علقت عينين جنات بالورقة التي أعطاها لها، وكأنه كان متأكد من موافقتها على شروطه

- مجهز كل حاجة، وكأنك كنت ضامن موافقتي

ابتسم كاظم بزهو، وهو يبتعد عنها.. يجلب القلم من فوق سطح مكتبه.. حتى توقع على الشروط..، عاماً ستمنحه فيه نفسها وقتما يُريد دون اعتراض..، والمقابل حقوق ستتمتع بها ومظهر اجتماعي ومال سيجعلها من سيدات الأعمال إذا أرادت انشاء مشروع لها

- أنا راجل ابن سوق وبعرف أفهم كويس اللي قدامي

والجمود عاد يرتسم فوق ملامحه، يُعطيها نبذة صغيرة عن حياته القديمة

- اوعي تفتكري البدلة والعز ده كله جيه من فراغ..

لم تشعر بالدهشة من حديثه، فقد أصبحت تعلم الكثير عن حياته وطفولته..، وكيف استطاع بناء ثروته من لا شئ

انتبهت على القلم الذي وضعه أمامها، فازدردت لعابها ورفعت رأسها في شموخ وفي لحظة لم يتوقعها.. كان يري فتات من أوراق العقد تتناثر تحت أقدامهم.. ينظر إليها غير مصدقاً فعلتها

- صحيح وافقت على عرضك، لكن أنا مش بيعة وشروة يا كاظم باشا.. نصيب والدي في الأرض في رقبة جودة باشا، فلوسك وفرها لنفسك

- يعني إيه؟

والجواب كان يأخذه منها وهو يري ثوبها يسقط أسفل قدميها

- جسمي مقابل حريتي منك، حرية قلبي اللي سعي ورا الراجل الغلط.. ده عقابه

يتبع بإذن الله ( قراءة ممتع

الجزء الثاني
**************

ألقت عبارتها، وانتظرت أن تري ردة فعله..، لكنها لم تري إلا الجمود الذي أرتسم فوق ملامحه وذلك الصراع الذي لأول مرة تراه في عينين رجل مثله بقسوته ، صراع يُخبرها إنه مازال يشك بأمرها
هل هي صادقة أم مجرد لعبة تخدعه بها لتظهر له بصورة المرأة العفيفة ؟

وببطئ كان يقترب منها وصورة واحده كانت تظهر أمامه، صورة اختارها عن النساء وجعلها مرسخة داخله.. ،جميعهن لا يستحقون أن تظن بهم الصدق والوفاء، جميعهن يقودنك نحو الهلاك..
ولحظة خاطفة أرتجف فيها قلبه, ليُخبره إنه مازال يحيا داخل اضلعة، وحتى يخمد ثورة مشاعره كان يدمغها بقبلة قاسية عانقت شفتيها، يجتذبها إليه بعنف وكأنه يُعاقبها على تلك اللحظة التي أخطأت فيها وظنته سيكون بالصورة التي تخيلتها..

انسابت دموعها، فقد خسرت مرة أخرى حينا اقنعت قلبها انها ستتمكن من تغييره وتحريك قلبه إليها وستعيش حكاية نسجتها من حكايات الخيال

كانت جامدة بين ذراعيه، رغم لمساته التي أحرقتها إلا إنها لم تكن تشعر إلا بالمهانة، حمقاء هي لأنها اقنعت نفسها ذات ليلة.. أن تسرق من الحياة سعادتها، السعادة التي رأتها في رجلاً رغم علمها بقسوته إلا إنه أعجبها،
ولا بأس أن نسعي وراء ما نريده بكل الطرق ما دامت الصُدف لا تجمعنا بما نريد، اقتناع احمق اقنعت به عقلها بقلب كان أشد غباءً من صاحبته.. أراد التجربة.

نالها بوحشية وقسوة وكأنه يُريد معاقبتها على ما تفوهت به، يلطم خدها كلما اشاحت عينيها عنه بعدما احتضنتهم الأرض سوياً في غرفة مكتبه

- أنتِ ملكِ يا جنات، وهتفضلي ملكِ

وبانفاس لاهثة كان يبتعد عنها، بعدما انتهي العرض الذي قدمته وأجاب عليه بطريقته ..، دفع قميصه نحوها حتى ترتديه ثم اقترب من سطح مكتبه يلطم فوقه بقوة، لا يُصدق إنه عاشرها بقوة بعدما رأي تبلدها وجمودها معه
لا يريدها هكذا، يريدها امرأة راغبة، تذوب من لمساته وتُسلم له جسدها في توق, والحقيقة التي ينكرها بين طيات نفسه إنه يريُدها امرأة محبه، يُريد حبها.

عاد الجمود يرتسم فوق ملامحه، والتف إليها، ينظر لها ورغم الألم الذي ارتسم داخل عينيها، إلا إنه رأي نظرة ساخرة باردة

- كنت فاكره إن في أمل، لكن الصورة وضحت

وبصعوبة كانت تتحرك، تغادر الغرفة بذل أخر، تخبر حالها عليها أن ترحل من هنا، حتى لو فرت هاربة.

وقف يُطالع أثرها، لا يستوعب أن الحال وصل به لهنا، يأسرها في منزله..، رغم كل رغباته من قبل في التخلص منها وطلاقها، لقد وصل به الحال أن يكون رجل شهواني ، هو قاسي كالحجر، لكنه لم يشتهي يوماً النساء رغم الصورة التي جعل الجميع يصدقها عنه، ودون أن يشعر كان يقذف كل شئ أمامه صارخاً بعدما اكتشف بشاعة الحقيقة

- أنت محبتهاش، أنت اتعودت عليها يا كاظم.. اوعاك تتألم على حد
.........

يُخبرها بالحقيقة التي تعلمها، يُخبرها أن الرجل الوحيد الذي أراد الزواج منها رغم كل صفاته السيئة ودنائته.. لا يُريدها إلا لنيل ما كان يبحث عنه في جسد سميرة، ما كان يُريد نيله منها حينا هجم عليها وأراد اغتصابها..
فهي لا تحتاج لتسمع منه مصيرها المحتوم، فما الذي تملكه غير ما يبحث عنه عنتر وأمثاله

عادت لقوتها ولامبالاتها بعدما ابتلعت غصتها المريرة

- يرميني او يخليني عنده..، مش هتفرق يا باشا..، ما دام الراجل عايزني في الحلال نديله فرصه

وبأمل زائف تُحاول التمسك به

- مش يمكن يكون تاب

ازدادت ملامحه احتقانًا وهو يستمع لما تمنحه لنفسها من أمل يراه مستحيلاً في رجل كعنتر لا يبحث إلا عن نزواته

- تاب

تمتم بها مستنكراً، فعنتر مازال يتوافد على الملاهي الليلة ويلتقي برفقاء السوء

- و مالك بتنطقها كده يا باشا..، كأن التوبة مش مسموحه لينا

وسرعان ما كنت تلطم كفوفها ببعضها مستغفرة ،تلوي شفتيها تهكماً

- لو افترضنا إنه تاب فعلا يا بسمه، هيتوب عشان يتجوزك ولا الإنسان بيتوب لربنا الأول

- موافقة برضوه عليه يا باشا، عنتر احسن من ناس كتير عرفتهم في حياتي

ارتفعت وتيرة أنفاسه بعدما نال الغضب منه، فهي مُصرة على الزواج منه

- ولو اتجوزتوا ، وصحي فجأة من توبته..

كأنه كان يضع لها العقدة بالمنشار، ولكنها لم تعد تأبى شئ.. ، وقد اختارت حياتها مع عنتر

- متخافش يا باشا مش هرجعلك تاني، واقولك انقذني وساعدني، لو كنت خايف يعني

إنها تُريد بالفعل إصابته بجلطة دماغية، اغمض عينيه لعله يهدء من وتيرة أنفاسه المرتفعة

- تقدري تعملي مشروعك يا بسمه، ولو على التليفون أنا..
وقبل أن يكمل عبارته ويُخبرها إنه سيجلب لها هاتف جديد بامكانيات حديثة

- أنت نسيت يا باشا إن عنتر عنده مطعم كبير، وكنت شغاله فيه..، فعلا المشاغل الكتير بتنسي الواحد

القت عبارتها ثم علت دقات قلبها، وتراقصت السعادة في عينيها وهي تُشاهده يُدلك جبينه ويزفر أنفاسه بقوة بعدما أصبحت عبارتها تصيب هدفها

- عنتر دلوقتي بقي الفانوس السحري بالنسبالك

ظن أن همسه خرج خافتاً، ولم يُدرك إنها استمعت لعبارته، اخفت ابتسامتها عندما علقت عيناه بها

- هتتخلي عن أحلامك يا بسمه عشان تتجوزي

وقد ابهرته اليوم بالدور الجديد الذي تقمصته و أجادته، والجواب الأخير كانت تخبره به, بعدما التفت بجسدها وعادت تنشغل بتنظيف ما تقع عليه يديها

- بكره أحققها مع عنتر.. ، يا جسار بيه

إنه حقاً أصبح يشعر بالصدمة والذهول لإصرارها على رجلاً أراد اغتصابها، بل وكان يحتل كوابيسها، والجواب الوحيد الذي كان يخترق أذنيه بعدما عادت ملامحه لتجهمها

- إصرارك على عنتر، ملهوش تفسير غير كلام زميلتك في المطعم كان صح

اخترقت عبارته أذنيها، فها هو يفسر تصميمها على زيجة كان هو السبب الوحيد في دفعها إليها كما يحلو، حمقاء هي حينا ظنت هذا الرجل خلاصها بل كانت غبية حينا أغرمت به، وظنت أنه سينظر لها يوماً بنظرة أخرى

عادت تلتف إليه، تنظر إلى عينيه تري فيهما إتهاماً، ولكنها لم تعد تهتم لنظرة أحد نحوها

- واحده من الشارع.. تفتكر هتكون إيه يا باشا

طالت تحديقه بها ، بعدما ألجمته عبارتها.. فانسحب صامتاً يقبض فوق كفيه بقوة يخبر حالها, فلتذهب للجحيم الذي تريده.
........

وقفت خلفه في شرفة المنزل، بعدما غادرت دورة المياة وبحثت عنه في ارجاء الغرفة

- أنتِ عارفه أنا بثق إزاي في قرارتك يا خديجة

دلكت خديجة جبينها بأرهاق، وهي تتابع الحديث معه حول صفقتهم في شراكة جديدة ستدخلها مجموعتهم الأستثمارية

- لازم تكون في الغردقة الاسبوع الجاي يا سليم، مستر فايق جاي هو وزوجته يقضوا كام يوم في مصر يستمتعوا بالأجواء، وطبعا يشوف المنتجع السياحي عشان يتمم صفقة الشراء

- صوتك مش عجبني يا خديجة

تجاوز الحديث عن عملهم، بعدما شعر بذلك الفتور الذي اخترق نبرة صوتها، ومع سماع صوت تنهيداتها كان يتأكد أن عمته الجميلة بها شئ تخفيه عنه

- محتاجه انزل مصر كام يوم يا سليم، محتاجه اشحن طاقتي منك ومن خديجة الصغيرة

ورغم البسمة التي ارتسمت فوق ملامحه بعدما أخبرته بنيتها في القدوم إليهم، إلا أن كلماتها زادته يقينًا أنها ليست بخير

- كلامك بيأكد ليا احساسي يا خديجة

- قول لديدا إن هديتها هتوصلها

وها هي تهرب من الحديث بحديثًا أخر، شعر بذراعين فتون حول خصره وكأنها تخبره بوجودها معه في الشرفة

- خديجة النجار بتهرب من الإجابة، اوعي تكوني بتحبي يا ديدا ومكسوفة تحكيلي

تجمدت ملامح خديجة، ورغم نبرته المازحة في طرح سؤاله، إلا أن الخوف أحرق فؤادها..،
ثقلت أنفاسها وقد تخيلت اللحظة التي ستظهر فيها حقيقة زواجها من أمير، أمير الذي جاء لينفذ صفقة معهم بعدما بعثة شقيقه كاظم النعماني، لينتهي بها الأمر معه أمرأة تحترق رغبة في قربه وبعده عنها

- حببتي ادخلي جوه، الجو برد عليكِ

انتبهت على الحديث الدائر بين سليم وفتون، ولا تعرف لما أتت صورة فتون القديمة إليها، فتاة صغيرة تنظر نحو سيدها بنظرة حالمة، وكأنها تري فيه بطلاً من أبطال الحكايات، وابن شقيقها لديه سحر مع النساء لا يُقاوم، والصغيرة زوجة..، زوجة وقعت بشرك الخطيئة..، خطيئة الحب

فاقت من شرودها على صرخة خافتة، ثم هتاف سليم بها قبل أن يُنهي الحديث معها

- خديجة مضطر اقفل معاكِ، نكمل كلامنا بكرة..

وبلهفة قلقة تسألت

- مالها فتون، صرخت ليه؟

ورغما عنه كان يضحك بقوة

- سلام يا ديدا

علقت عينين خديجة بالهاتف، بعدما أغلق هو.. تُحاول فهم سبب عدم جوابه عليها، لتنفرج شفتيها في ضحكة قوية مريرة غير مصدقة ما وصل إليه عقلها.
........

أسرعت فتون لداخل الغرفة حتى تتمكن من رفع منامتها العلوية ، فعلقت عيناها بذلك الأحمرار الذي أحدثته يده العابثة بعدما قرصها في خصرها

- عمتك هتقول عليا إيه دلوقتي، أنا بقيت في نظرها وقحة

حدقها سليم للحظات، ثم انفجر ضاحكاً وهو يراها كيف تعدل من هندم ثوبها

- أنا كنت في كامل جديتي و وقاري، لكن مراتي كبرت وبقت تحب تشاغب..

وأقترب منها بنظراته العابثة التي شملتها.. ،فاطرقت رأسها خجلاً وهي تتذكر إنها هي من وقفت خلفه تحتضنه، وتعبث معه..بأفعال لا تصدق أنها أصبحت تفعلها

- تفتكري هحرمك من مشاغبتي

- أنت السبب، أنا بقيت بتعلم منك

تعالت صوت ضحكاته بقوة، يقسم داخله إنه لم يضحك هكذا من قبل،فاحتقنت ملامحها وهي تراه لا يستوعب ما وصلت إليه بسببه

- أنا يا حببتي، ده أنتِ الست الوحيدة.. اللي بقيت على ايديها راجل محترم

تجهمت ملامحها وقد ذكرها بنزواته القديمة، فالتقطت ذراعها بعدما رأها تشيح عيناها عنه تتمتم بكلمات مبهمه

- ده الفضل كله يرجع للدورات التثقيفية، بس كفايه دورات يا حببتي، هبدء اخاف على نفسي منك

- سليم

تعالا صوتها في صراخ، تنظر إليه بملامح محتقنه.. ،تراه وهو يتراجع ضاحكاً وكأنه اليوم في مزاج يسمح له بالعبث معها وإحراجها

- سليم النهاردة في مزاج عالي

عقدت ساعديها أمامها، وارتفع حاجبها الأيسر وقد راودها الشك، تتسأل بنبرة حانقة

- والسبب؟

والجواب كان يمنحه لها وهي بين ذراعيه، يضمها إليه بحب

- يمكن عشان قضيت اغلب اليوم مع مراتي الجميلة العاقلة

- سليم أنت هتفضل تحبني ديماً، مش هتتخلي عني أبداً..
واردفت بمرارة احرقتها

- متخلهومش يشاوروا عليا ويقولوا ما هي ديه النهاية، كلهم مستنينك تطلقني يا سليم..، حتى أنا مستنيه اصحى من الحلم الجميل

احرقته عبارتها، حتى أن شعور الخوف من نفسه ليخذلها يوماً عاد إليه ، فكم كان يسمع وعود والده لجده أو والدته بالتغير والخلاص من نزواته ، فالجميع يوعد والقليل من يفي بوعده حتى النهاية

وفي صمت كان يضمها إليه بقوة أكبر ، يمنحها جوابه في صمته..
شعر بسكونها بين ذراعيه؛ فاطبق فوق جفنيه متنهداً

- مش معقول حبِ ليكِ كدب يا فتون، مش معقول أكون في غيبوبة وهصحي منها

همس عبارته لحاله، يُقاوم ذلك الصراع الذي يقتحمه كلما أخبرته بخوفها من خذلانه لها بعدما جعلها لا تستطيع العيش دونه، نفض رأسه من تلك الأفكار فلو كانت زوجته مازالت صغيره تجهل تفسير مشاعرها ومشاعره ، فهو رجلاً ناضج ذو تجارب.. يعرف حاله ويدرس اختياراته

- أنا برضوه قولت بعد الضحك اللي ضحكته..، في حاجة هتحصل.. ، ما شاء الله عليكِ يا حببتي ضيعتي المزاج العالي وقلبناها مخاوف من المستقبل

ابتعدت عنه، تمسح دموعها..، لا تستوعب مزاحه

- المفروض بعد كل المخاوف اللي اتكلمت فيها معاك، تطمني يا سليم..، مقالوش كده في الدروس التثقفية

ضاقت عيناه للحظات، ينظر إليها وقد وجدها بالفعل تنتظر جوابه بجديه

- هو أنتِ يا حببتي كل ما بتتعلمي حاجة، بتكوني منتظرة ردة فعل

اماءت برأسها بنظرة مستاءة، فلم يشعر بحاله إلا وهو يلطم كفوفه ببعضهما

- لا أنتِ متحضريش دورات تاني، أنا هعلمك بنفسي

- ولما أنت تعلمني، أنا هطبق مع مين..

طالعها مصدوماً من فك عقدة لسانها، وقد ارتفع كلا حاجبيه دهشة

- هو أنا أه عايز تغيير، لكن مش للدرجادي.. ،إظاهر اندماجك مع الناس كتير وخروجك الزيادة هكون أنا ضحيته يا حببتي

واردف ممتقع الوجه، ينظر إليها يفحصها بعينيه

- كفاية دورات تثقيفية، ودورات تنمية بشرية..، وكتب فلسفة..

استمر في تذمره حتى توقف عن حديثه، وقد اتسعت عيناه ذهولاً وهو يراها تبتعد عنه بأنفاس لاهثة، لا يُصدق أنها اقتربت منه و بادرته لأول مرة مشاعر الحب دون خجل ولم يكن يستوعب صدمته الأولى، ليراها تقترب منه تمسح فوق خديه بأنفاس هادرة

- علمني التنس يا سليم، زي ما علمت شهيرة زمان

وها هي صغيرته، تنتبه على أحاديث شهيرة وذكرياتهم القديمة معاً.
.........

انتبه رسلان على الاصوات التي بدأت تتضح إليه بالخارج ، بعدما اعتدل في رقدته، لقد أخبر والدته بموعد عودته ولكنه أخبرها أيضا إنه سيأتي ليلاً هو و ملك ليأخذوا الصغار

- رسلان

هتفت ملك بنعاس بعدما شعرت بتحركه جوارها ، تنظر إليه تستفهم منه، هل هناك أصوات بالخارج وقبل أن تتسأل كانت ناهد تقتحم الغرفة بأحد الصغار..

أسرعت ملك في الاعتدال تضم الغطاء حول جسدها في صدمة وخجل

المشهد لم يكن بعيد عن خيال ناهد، بعدما جعلت الصغار يصرخون منذ الأمس حتى صباح اليوم باسم والدهم بعد أن علمت بعودتهم ورغبتهم بالأنفراد بشقتهم بضعة ساعات ليرتاحوا من رحلتهم، لقد قتلتها الغيرة والخوف من أن تنال كل ما حرمت منه صغيرتها مها و اطفالها

وبنظرة عدوانية كان ينظر رسلان إلى خالته، بعدما نهض من الفراش يلتقط منها صغيره عبدالله، ويجذبها معه نحو الخارج، ينظر إلي والدته بضيق

- أنا مش قولت إني هاجي بنفسي أخد الولاد بليل

ارتبكت كاميليا، بعدما صرفت الخادمة التي جلبتها معها، ونظرت نحو شقيقتها التي اتخذت مكاناً بعيداً عنهم

- الولاد طول الليل بيبكوا يا رسلان، ومكنش قدامي حل غير أني اجبهم ليك ولملك

ازداد عبوسه، ينظر نحو ناهد التي انكمشت على حالها وكأنها لم تعد تسمعهم

- شايف الولاد مبسوطين ازاي إنهم شافوك

استرخت ملامح رسلان، وقد اعاد له صغيريه شعور السكينة الذي يتلاشى داخله كلما علقت عيناه بخالته التي كانت يوماً يراها كوالدة له

- صباح الخير

همست بها ملك بعدما خرجت من غرفتها.. فاسرعت كاميليا نحوها تحتضنها
اصابتها الصدمة من احتضان كاميليا لها بتلك الحرارة، ورغماً عنها كانت تغمض عيناها بألم، تُحاول الشعور بالسلام داخل حضن كاميليا التي يوماً نبذتها من حياتها
ابتعد عنها كاميليا أخيراً، تنظر إلى ملامح ابنها السعيدة بفعلتها الودودة ، وكأنها تُخبره إنها لم تعد تريد سوي سعادته

- حبايب ماما... ، مافيش ليا حضن

والصغار كانوا يدفعون والدهم، حتى يكونوا بين ذراعيها.. ضمتهم بشوق تخبرهم عن اشتياقها لهم

- وحشتوني أوي، مش هروح أي مكان تاني من غيركم

ضمها رسلان إليه، ينظر إلى والدته التي وقفت مستمتعه برؤية ولدها واحفادها معاً

- ليل، نهار مش على لسانها غير أنا عايزه الولاد يا رسلان، خلينا نرجع بقى
ضحكت كاميليا وهي تري فرحة الصغار بعودة والديهم

- ماهي الأم كده يا حبيبي

اخترقت الكلمه أذنين ناهد، التي كانت تُطالع المشهد في حسرة، أبنتها ماتت وعاشت من نبذتها عن حياتهم في السعادة التي حلمت بها لأبنتها، بل ويريدون سرقة أطفالها..

كانت تري العشق في عينين رسلان، ذلك العشق الذي دفعت المال من أجل إخماده ولكن لا شئ تغير..، رسلان كما هو عاشق لملك..، أرادت ملك مجرد مربية لابناء أبنتها، كانت مطمئنه أنهم سيعيشون معاً كالأخوة دون إتمام الزواج مهما طال العمر ومر بينهم..، ولكنها كانت خاسرة

- عايزه اشوف حفيد قريب، و تكون بنت يا ولاد سامعين

وها هي شقيقتها ترغب في حفيد أخر، حفيد من ملك، حفيد سينسيهم أطفال أبنتها.
.........

اخترق أذنيه ذلك الضجيج الذي صدح بالخارج، إنه يعرف صاحبة هذا الصوت، وهل ينساها يوماً من حياته..، جيهان طليقته تلك المرأة التي استطاعت خداعه ولم تكف عن فضحه في الوسط ، إلا عندما نالت منه المال لتبتعد عن حياته

انفتح الباب، لتدلف وخلفها سكرتيرته التي حاولت منعها

- نفس البنت اللي جبتها معاك قبل ما تطلقني..، كنت عايز تطلقني عشان تخلص مني بعد ما لقيت صيده جديده ورخيصة

تعالا صراخها بحديثها الذي زاده تجهماً، فاقترب منها وقد ازدادت ملامحه قتامة وهي يري بعض الموظفين بالخارج يستمعون إليهم..
أشار لسكرتيرته بالخروج وإغلاق الباب خلفها، ولكن جيهان كانت مصممه على فضحه

- خليهم يشوفوا مديرهم العظيم، أخلاقه وصلت لفين، طلق مراته عشان يعرف يعيش مع عشيقته..

- اخرسي، أنا مش قولت مش عايز اشوف وشك تاني..

التقط ذراعها ،يدفعها خارج الغرفة التي فتحت بابها للتو حتى تجعل حديثهم على الملئ

- سهير اطلبِ الأمن خليهم يرموها بره

- بتطرد مراتك يا جسار

احتقنت ملامحه ، فعن اي زواج تتحدث وقد تم الطلاق منذ فترة وانسحبت من حياته لتبحث عن صيد جديد يعوض خسارتها

- قصدك طلقيتي...، سهير فين الأمن

توترت سكرتيرته بعدما وضعت الهاتف، تنظر لما يحدث في صدمة، هذه هي الفضيحة الثانية لمديرها في الشركة عن امرأة تقطن لديه، ولم تكن إلا نفسها تلك الفتاة التي استعانت بها شركتهم في الحملة الدعائية وقد اخفي رئيسهم صورتها حتى لا يعرفها أحداً، الجميع بات يتحدث ويثرثر..، ينتظرون جواب رئيسهم عما يُقال ولكنه كالعادة لا يتحدث

- الأمن طالع فوراً يا جسار بيه

- بتطردني يا جسار، بتطردني بدل ما تطرد عشقتك

- قولت اخرسي، اللي بتتكلمي عنها ديه مراتي سامعه

تجمدت ملامح جيهان، لا تصدق إنه تزوج بعدها وقد تمكن من نسيانها

- ما دام الكل واقف ومتابع، صاحبة نجاح الحملة التسويقية، البنت اللي هربت من اخوها عشان تحافظ على شرفها..، البنت اللي كافحت عشان تعيش بشرفها.. هي مراتي

والكلمه اخترقت اذنين الواقفين، رئيسهم يقف ينهي الحديث عن حياته الخاصه، يخبرهم عن زواجه، يصف إليهم زوجته و كم هي امرأة شريفة عفيفة

انتهت المسرحية الدرامية، وهو يري جيهان تسير مع رجال الأمن ومازالت الصدمة مرتسمة فوق ملامحها
ليُدرك للتو، إنه نطق ما لم يظن يوماً أن ينطقه.. بسمة زوجته،
كيف نطقها..؟

يتبع بإذن الله ( قراءة ممتعة)


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close