اخر الروايات

رواية لمن القرار الخاتمة الثالثة 3 بقلم سهام صادق

رواية لمن القرار الخاتمة الثالثة 3 بقلم سهام صادق 


الجزء الثالث
***

تنهيدة طويلة خرجت عنها تنظر نحو هاتفها بنظرات حائرة بعدما أنهت مكالمتها مع خديجة لتُخبرها أن هناك أمر عاجل تحتاجها به.
خديجة استقبلت مكالمتها بشيء من الهدوء ولم يأخذها الفضول نحو تلك المسألة العاجلة التي تُريدها بها.

شردت بأفكارها نحو تلك النظرات القاسية التي رمقها بها ماهر فلم تكن إلا نظرات متهمة؛ فمن سيسعى لأختفاء شهيرة عنه إلا زوجها.
ألم طفيف شعرت به أسفل حوضها فعضت فوق شفتيها حتى بدء يتلاشى الألم ببطء؛ فهذا من تبِعات غضبها الذي ألقته فوق رأس هذا الرجل بعدما ظن أنها أتت اليوم إليه ليتلاعبون به هي وزوجها ويبعدوا عنهم شكوكه.

- يا ترى شهيرة أختفت بخديجة فين؟ وإيه اللي خلاها تعمل كده
تسألت بحيرة وهي تحك أسفل ذقنها تبحث عن جواب

- أخر مرة شوفتها فيها كانت مبسوطه، حتى صورها الأخيرة هي وخديجة وزوجها المتوحش المعروضه على صفحتها كانوا بيضحكوا ومبسوطين

همسها الخافت لفت نظرات سائقها إليها مما جعله يهتف متسائلًا

- في حاجه محتاجاها يا هانم

حدقت بالسائق للحظه وسرعان ما خرج صوتها في نحنحة خافته تنفي حاجتها لشيء وتهز رأسها.

عاد الشعور الذي تملكها عندما علمت بأختفاء شهيرة بخديجة يخترق فؤادها في قلق، فكيف ستخبر سليم بأختفاء شهيرة وابنته؟
...

صراخ ماهر بأحد رجاله المكلفين بمهمة البحث عن شهيرة جعل الخدم ينظرون لبعضهم في ربكة؛ فسيدهم الوقور الهاديء بطبعه صاروا يخشون غضبه والكل صار يتسأل أين أختفت سيدة المنزل التي لم يطول وجودها؟.

دلفت أحدى الخادمات لتلك الغرفة التي غادرها أحد رجال الحراسه تنظر بفزع لما حطمه سيدها وقد ارتجفت يديها بما تحمله من دواء وكأس ماء

- ماهر بيه

لم تكد تكمل حديثها حتى فرت من الغرفة تخشي من صراخه بعدما شيعها بنظرات قاسية

- تهربي مني يا شهيرة، بتعاقبيني بأختفائك

تمتم حديثه بهمس خافت بعدما تهاوى بجسده فوق الأريكة ينفث أنفاسه الثائرة.

أراد معاقبتها بهجرانه لها لعله يثأر لكبريائه ولكنه كالعادة كان هو المهزوم في الحكاية.
ابتسامة ساخرة داعبت شفتيه؛ فالحقيقة رغم مرارتها إلا إنها ستظل حقيقة دون تزيف، هو لم ينسى شهيرة يومًا ليس لأنه يحمل داخله نحوها حقد الماضي ورغبة الأنتقام بل لأنه يُحبها حب كان كالداء لا شفاء منه.

استرخى برأسه للخلف يغمض عيناه لعله يستطيع التفكير في زيارة زوجة سليم له اليوم وسؤالها عن شهيرة والصغيرة وهو الذي ظن أن شهيرة لجأت لسليم حتى تختفي عنه.
احتاجه الغضب مجددًا؛ فكيف لرجاله حتى اليوم لم يعثروا عليها.

..

قِطع من الكعك مع كأس من العصير تُقدمه لها خديجة وهي التي أتت إليها بأنفاس لاهثة ووجه يحمل الشحوب من شدة القلق خاصة على الصغيرة؛ فربما شهيرة أرادت معاقبة سليم بهذا الأمر واخذت أبنتها معها

- أنتِ لازم تدوقي عمايل أيديا يا فتون، شوفتي بقيت أدخل المطبخ وأكون ست بيت شاطره

ارتفع كلا حاجبي فتون وهي ترى خديجة تُجاورها وتمدّ لها طبق الحلوى.
"خديجة النجار" تمزح! فأين هما الصدمة والقلق الذي ظنتهم سيرتسموا فوق ملامحها حينا تُخبرها بأختفاء الصغيرة.

تحركت نظراتها نحو خديجة وطبق الحلوى ثم نفضت رأسها وشيء داخلها أخذ يُخبرها أن هدوء خديجة هذا يؤكد لها أمرًا واحدًا، خديجة تعرف أين اختفت شهيرة؟

- أنتِ عارفه مكان شهيرة

اعتدلت فتون في جلستها تُحملق بها بعدما سألتها وصارت متيقنه.
استكانت قسمات ملامح خديجة للحظات قبل أن تشيح وجهها عن فتون وتميل بجسدها قليلًا لتلتقط قطع الحلوى وتلتهمها ببطء

- مش عارفه يا فتون هقدر أرجع جسمي زي ما كان قبل الحمل ولا هفضل كده، لا أنا أكيد مش هقدر أكون بالجسم ده بعد الولاده

"خديجة النجار" تُجيد التلاعب كحال ابن شقيقها عندما يرغب في إصراف ذهنها عن شيء ما، هذه العائلة صارت تكشف لها يومًا بعد يوم أن صفاتهم مشتركة حتى ليندا التي قضت سنوات نشأتها في بلد أجنبيه تظن أنها ابنة رجل أخر صفاتها مثلهم

- أنا كان عندي هوس من زيادة الوزن لو زدت جرام واحد دلوقتي..
توقفت عن الحديث وهبطت بعينيها نحو تفاصيل جسدها ثم عادت تلتهم المتبقي من طبقها متلذذه بمذاق صنيعها

- مقولتليش يعني رأيك يا فتون

بزفرات متتالية زفرت فتون أنفاسها ؛ فهي تشعر بالقلق على الصغيرة وتخشى من ردة فعل سليم نحو اختفاء أبنته دون علمه وعمته تسألها عن مذاق الكعكة وتخبرها بأستياء عن زيادة وزنها.

استوعبت أخيرًا تهرب خديجة من الجواب ونهضت تلتقط حقيبتها حتى تُغادر

- أنا مكنتش عايزه اعرف مكان شهيره وخديجة فين، وأنا خلاص اطمنت

- فتون أنتِ رايحه فين

أسرعت خديجة بالتقاط ذراعها تشعر بالضيق من حالها وتزفر أنفاسها بضجر

- مش هقدر اقولك فين شهيره والبنت يا فتون ولا حتى هقدر اقول لسليم لأني وعدتها

بنظرة يائسة تعلقت عيناها بعينين فتون وعادت لجلوسها فوق الأريكة تطرق رأسها وتتذكر هيئة شهيرة قبل أيام عندما التقت بها تُخبرها بتوسل أنها تُريد مساعدتها؛ فهي الوحيدة من ستشعر بها

- ليه اختفت فجأة، ديه كانت سعيده في حياتها، صورها هي وجوزها بتقول أنهم مبسوطين سوا

عادت فتون لجلوسها تسترد في تساؤلاتها وهذا ما كانت تعلم بحدوثه خديجة؛ فسؤال سيتبعه سؤال أخر ومع كل سؤال سينفك اللسان بالحديث ولن يعد هناك سرًا

- هو ده اللي أنا كنت خايفه منه يا فتون

- خايفه من إيه؟
ببلاهه تسألت فتون، فانشقت ابتسامه واسعه فوق شفتي خديجة تربت فوق ذراعها
- إن السر ميبقاش سر

ظلت البلاهة مرتسمة فوق ملامح فتون تنظر نحو خديجة التي التقطت طبق الحلوى خاصتها واعطته لها

- مش هتدوقي بقى يا فتون عمايل أيديا وتقوليلي المقادير مظبوطه ولا لاء

- جوزها فاكر إن سليم وراء اختفائها
...

رغم أنها من أصرت ليلة أمس أن يُلبوا دعوة عنتر وسميرة لحضور حفل أفتتاح مطعمهم الجديد إلا إنها اليوم تشعر بحاجز قوي يمنعها وقد عادت تلك الأحداث التي توالت عليها مؤخرًا تخترق عقلها وتدفعها نحو قوقعتها غير راغبة في ملاقات من كانوا سببً في أذاها يومًا.

غادرت المرحاض تشد من رابطة مئزرها حول خصرها تنظر نحو ثوبها المُلقى فوق الفراش.
بفتور التقطت ثوبها؛ فهي لا رغبة لها بالذهاب.

جلست فوق الفراش تضم الثوب إليها تغمض عيناها تُحاول بيأس دفع عقلها نحو اللحظات السعيدة التي عاشتها وتعيشها.
لم تنتبه على مرور الوقت إلا حينا دلوفه الغرفة ينظر إليها متعجبًا من جلوسها هكذا

- بسمه

اقترب منها وقد ازداد شعوره بالقلق نحوها وهو يراها تُحملق بثوبها ومازالت بمئزر الأستحمام

- أنتِ تعبانه يا حببتي

رفعت عيناها نحوه ودون شعور منها خرج صوتها بنبرة مهتزة يائسة تخبره وكأنها تُريد منه أن ينتشلها من ضياعها

- مش عارفه أشوف صور الحاجات الحلوه اللي عشتها وبعيشها، صورهم مش قادرة تبعد عن عينيا

لم تكن الكلمات ما يستطيع تقديمها لها هذه اللحظة.
غمرها بين ذراعيه يمسح فوق ظهرها وتركها تُخبره بما يعتلي فؤادها.
وكما أخبرته الطبيبة خاصتها ، ما تُعاني به زوجته تراكمات منذ الطفولة ولم يعد لدى عقلها قدرة ليُخزن المزيد.

الصمت الذي اتبعته في حياتها دون صراخ وتعبير عن وجعها، صار اليوم يُريد التحرر من محبسه.
تشبثت بحضنه بقوة وقد تبدل شعور الخوف والنفور منه لشعور الأمان

- حببتي إيه رأيك نروح يومين المزرعه

ابتعد عنها يُبحر بالنظر بمقلتيها الواسعتين وعلى شفتيه ارتسمت ابتسامته واسعة

- أنتِ مش دادة سعاد وعم جميل وحشوكي

أسرعت في تحريك رأسها له وخرج صوتها في خفوت

- والجامعه

حرك رأسه متفهمًا يتذكر أيام عطلتها بالجامعة

- هنسافر الأربعاء بعد محاضراتك ونرجع السبت

أشرقت ملامحها وسرعان ما كانت تختفي؛ فهي ذهبت لتلك البلدة التي بها مزرعته وقد تعرف عليها الناس بأنها مجرد قريبة للسيدة سعاد، فتاة تكرم عليها السيد لتعيش في منزله فلا أهل لها بعد وفاة والدها.

- لا مش عايزة أسافر

حاولت الأبتعاد عنه تُعلق عينيها بالثوب الذي مازالت تقبض عليه هاربة من نظراته ولكنه كان الأسرع في أجتذابها

- أحنا محتاجين نغير جو يا بسمه، وكمان أنا عايز كل الناس تعرف إنك مراتي

لم يتركها لتتحدث بحديث يعلمه، شفتيه عانقة شفتيها بقبلة دافئة ناعمة، اتبعتها أخرى أشد توقًا بعدما شعر بأستجابتها

- مش مهم نحضر حفلة أفتتاح المطعم يا حببتي

أعطته الجواب الذي كان يرغبه؛ فهو بالحقيقة لم يكن يُريد الأمر ولكن من أجلها تقبله ممتعضًا.

هل صارت تتوق هي أيضاً لعلاقتهم سويًا، هل صار الأمر يُسعدها؟

والجواب كانت تراه أمام عينيها في صدمه وهي تجذبه إليها في لهفة؛ فتراخت قبضتيها عنه تشعر بالصدمة من حالها

- حببتي أنت مراتي، ده من حقك.. كل حاجه بتعشيها معايا من حقك

ابتسامة مرتعشة احتلت شفتيها تسبل جفنيها بأستسلام، هو من حقها، عليها تكرار هذه العبارة داخل عقلها كحال بقية العبارات التي تدفعها نحو عقلها لتتعافى من تراكمات الماضي.

اعادها لشعور الشبق الذي حاولت انتشال حالها منه حتى لا يأتي يومًا وتُدرك أن ما عاشته معه لم يكن إلا حُلمًا جميلًا أراده قلبها وعقلها معًا.
أما هو كان متفهمًا لمشاعرها المتخبطة في علاقتهم وقد جاء دوره ليكون رجًلا صبورًا.

...

حدقت فتون بهاتفها بملامح ذاهله لا تُصدق أنه أغلق بوجهها الهاتف بعدما أخبرته بالحقيقة التي يتغافل عنها
" هو ليس بمثالي وعِند نَعَتَهُ لشهيرة بالأنانية فهو مثلها يحمل نفس الصفة والضحية بينهم أبنتهم"

- هو أنا زودتها أوي ، بيقولي كفايه يا فتون وبلاش الشجاعه تخدك اوي النهاردة وأنا شريط راديو وأتفتح

عادت تُحدق بهاتفها تُخاطب حالها وسرعان ما كانت تخرج شهقتها وهي تتذكر أخر عبارة أخبرها بها

" خسارة فيكي الهدايا اللي جبتهالك "

خرج صياحها في صدمة تنظر نحو هاتفها تُعيد الأتصال به لمرات

- هو أنا غلطت في، ما هي ديه الحقيقه، كل شويه أنا سليم النجار أنا سليم النجار، قرب يفرقع في وشي

انفتح الخط دون أن تنتبه ومن سوء حظها أنه هذه المرة أجاب عليها حتى يسألها" هل أساء هذا الرجل معاملتها؟" بعد اتهامه أنه من جعل شهيرة تهرب بطفلته عنه ولكن سماع حديثها جعله ينسى هذا ما أراد متمتمًا قبل أن يغلق الخط بوجهها ثانية

- قلبك بقى قوي يا فتون، ما انا اللي سمحت ليكي بالحريه ماشي يا بنت عبدالحميد

..

ارتفعت ضحكات جنات عاليًا وهي تستمع لما تقصه عليها فتون وتهز ساقيها حتى يظل صغيرها صامتًا ويتلاعب بأصابعه

- قالك قلبك قوي وخسارة فيكي الهدايا، سليم النجار طلع راجل طبيعي زي بقية الرجاله وأنا اللي كنت فاكره بطل من ورق وأقول تربية ولاد الذوات

أتمزح جنات معها؟ وهي التي تُريدها أن تُهدىء من رَوْعِهِا

- جنات هي ليه الحقيقة بتزعل

حاولت جنات التقاط أنفاسها بعد نوبات ضحكاتها ولكنها رغمًا عنها انفلتت ضحكاتها مجددًا

- لأنها حقيقة يا فتون وأهو الحقيقة حرمتك من الهدايا اللي جايلك من إيطاليا

- جنات سليم زعل مني، بصراحة هو مش أناني مع بنته لو مكنش أتجوزني كانوا عاشوا سوا

امتقعت ملامح جنات من ذلك الحديث الذي تعيده عليها فتون من حينًا لأخر وكأنها هدمت العش السعيد الذي كان يُحاوطهم

- سليم و شهيرة جوازهم من بدايته غلط، جواز نتج عنه طفله عرف بوجودها بعد ما اتولدت، ده غير هما الاتنين شبه بعض عمليين لأبعد حد والمصالح هي اللي بتحكمهم

وسرعان ما اندمجت جنات في تحليل شخصياتهم ووصفهم غير دارية بوجود كاظم الذي وقف مستندًا بجسده على الحائط ويعقد ساعديه أمامه

- يعني هو مثلا مندمج معاكي يا فتون لأنك بسيطه مش متكلفة في التعامل بمعنى أصح هابله وعبيطه

- أنا هابله يا جنات!

نطقتها مستاءة من تشبيه جنات لها بما تعلمه بشخصيتها ولكنها تمقت هذه الصفة بها

- خلاص نمسحها من سياق الحديث يا فتون ولا تزعلي

- جنات أنتِ مش ملاحظة إنك بقيتي خفيفة الدم
حدقت جنات بصغيرها بعدما كشر بملامحه لها وكأنه يُخبرها هو أيضًا أنها أصبحت خفيفة الظل

- كاظم بقى يقولي كده طول الوقت، تفتكري يا فتون بسبب قعدتي في البيت

واردفت بعدما خرج عويلها بدراما على حالها

- مستقبلي المهني ضاع يا فتون، كنت امرأة عامله

هذه المرة ارتفعت قهقهت فتون؛ فمن فيهن سيحتاج الدعم الأن.
صوت موسيقى عالية أخترق أذنيها؛ فضاقت عينين فتون تنظر حولها تهتف بعجالة أن عليها إغلاق المكالمة.

انتابَ الفضول جنات تنظر لصغيرها الذي غفا فوق ساقيها
- ارثي حالي وأحزاني لمين دلوقتي

دراما يعيشها هو مع هذه المرأة، جنات التي يراها الكثير امرأة ذو عقل وحنكة هي في الأصل نسخة أخرى يُعاني منها يوميًا وفي الحقيقة هي معاناه جميله تضيف بهجة لحياته وكم صار عاشق لصفاتها.

- أتجننتي يا حببتي وبتكلمي بنفسك

عيناها اتسعت على وسعهما قبل أن تضم صغيرها إليها وتستدير بجسدها نحوه

- أنت هنا من أمتى يا كاظم

ارتفع كلا حاجبيه في مكر يتلاعب بهم وكله توق للتلاعب معها

- عايزه تعرفي أنا هنا من أمتى يا حببتي

صمت لثواني حتى يتظاهر بمحاولته في التذكر

- من بداية تحليلك لشخصيات الناس

رفرفت بأهدابها عدة مرات تظنه سيمدحها

- تفتكري يا جنات لو حللنا شخصيتك هتكون إزاي

جلس جوارها؛ فاعتدلت بكامل جسدها فوق الفراش وانتظرت أن تسمع بقية حديثه بحماس ولكن الحماس تلاشى وهل هو بشيء جديد عليها مع كاظم؟

- للاسف شخصيتك يا حببتي مافيش حد يعرف يحللها، أنا عزوبيتي ضاعت على مافيش

طالع صغيره الذي صار بين ذراعيه بعدما دفعته نحوه قبل نهوضها

- وأنا كمان عزوبيتي ضاعت على مافيش ومحتاجه ارجع أفوق لنفسي وارجع لأناقتي وانوثتي

انفلتت قهقهته بقوة بعض الشيء؛ فتملل الصغير بين ذراعيه ينظر إليه أسفًا من جنون والدته

- كنت متجوزها عاقله لكن اظاهر انضحك عليا

اكتسح الشر نظراتها وملامحها بطريقة مضحكة ؛ فكبت ضحكاته بصعوبة قبل أن يضع صغيره فوق الفراش وينهض مجتذبًا لها نحو غرفة أخرى

- لا إحنا نتفاهم في مكان تاني
والتفاهم الذي كان يرغبه أخذ ينفذه بطريقته الخاصة.

بأنفاس لاهثة أبتعد عنها يمسح فوق خصلاتها برفق يهمهم بهمس خافت

- ليه ظهرتي ليا متأخر يا جنات
ضمها إليه؛ فداعبت عنقه بأنفاسها الساخنة وحركت أناملها

- كنت قدامك من زمان يا كاظم بس أنت كنت عايش الدور

وابتعدت عنه تهتف ضاحكة بعدما استطاعت تمالك حالها بعد اجتياحه له بمشاعر ألْهَبَتْها

- يا واد يا تقيل

ارتفعت ضحكاته بقوه مجددًا لا يُصدق أن وجهه المتسم بالجمود وقلبه الذي لم يكن يعرف الضحك يومًا، صار الضحك يعرف طريقهم.

- أمتى الحصار هيتفك يا جنات

نظراته العابثة نحو حمالة ثوبها الذي اخد يتلاعب به جعلها تدفعه عنها مبتعده

- خليك مؤدب يا حبيبي

كادت أن تركض من أمامه ولكنه كان اسرع منها فالتقطها عائدًا بها لداخل الغرفة
- ما أنا مؤدب يا حببتي، وبضعة قبلات لا ضرر منها مع قليلٌ من العبث
...

اتسعت عيناها على وسعهما تُحملق بذهول كحال الخادمات وقد صعدوا لأعلى بعدما صدحت نغمات الموسيقى الشرقية بالأرجاء.
وقفوا متعجبين ورغمًا عنهم كانوا يطبقون ما تفعله ضيفتهم الأجنبية من تحريك خصرها كما تعلمت في مدرسة الرقص.
تصلبت أجسادهن ينظرون نحو سيدتهم هامسين اسمها بخفوت

- ست فتون

أشارت لهم فتون بالصمت ومازالت تُحدق ب ليندا التي أخذت تهز خصرها.
لم تكن ليندا غافلة عن نظراتهم المتلصصة بل كانت مستمتعه وهي تراهم يحدقون بها بذهول.

مسحت حبات العرق عن جبينها واتجهت نحو هاتفها واغلقت اللحن الشعبي واتجهت بأنظارها نحوهم قبل أن يفروا من أمام حجرتها

- أراكم مستمتعين

فرت الخادمتين تاركين سيدتهم واقفة وقد شعرت بالحرج؛ فكيف لها أن تقف مستمتعه هكذا برقص ليندا التي صارت عدوتها في حرب نسائية بلا مكائد ولكنها تغار منها.

- سجلت أمس في دورة رقص، أشعر بأن طاقتي السلبية قد غادرتني، أراكِ صباحًا على طاولة الفطور فتون

تمتمت بها ليندا وهي تغلق باب غرفتها بوجهها واردفت من خلف بابها مستمتعه بنظرات فتون لها

- فطائر أمس كانت رائعة وشهيه اصنعي لنا مثلها فتون، فأنتِ ماهرة بالطبخ ولكنك لستِ جيده في تدليل حالك كأنثي

" أنثى؟" هل تقصد عمود الأنارة كما صارت تُلقبها أنها ليست بأنثى؟
امتقعت ملامح فتون واتجهت نحو غرفتها تزفر أنفاسها بقوة متوعدة لها بالكثير ولكنها في النهاية لا تفعل شيء، هي لا تجيد صفات كيد النساء ولكنها تتوعد فقط.

مرآتها هذه اللحظة كانت خير دليل لها، مازالت تحب عقد شعرها بالضفائر حتى منامتها اختارتها تتناسب مع مزاجها اليوم "زرقاء اللون".

- إزاي مردتش عليها، إشمعنا سليم لساني بيجي معاه وينطق وعند الناس بقف ولا كأني خرسه

جلست فوق فراشها تزفر أنفاسها حانقة من حالها تتلمس موضع جنينها وتُحادثه
- مش لازم أكون شبه حد، مش كده يا حبيبي

...

انطلق رسلان بسيارته يلتقط يدها ويشبك أصابعه بأصابعها؛ فأخيرًا سيستطيع الأنفراد بها ليوم كامل.

- لا تقولي الولد ولا تقولي بفكر في حد غيرك

ارتفعت ضحكات ملك تُشير نحو فمها إنها ستكون مطيعه اليوم ولن تُفكر بغيره

- حاضر مش هفكر غير فيك يا حبيبي
- أه يا قلبي

تجلجلت ضحكتها بنبرة رنانة تنظر إليه وهو يقود متجهًا بها نحو المكان الذي يصطحبها له

- سلامة قلبك يا حبيبي

بنظرة خاطفة تأملها يرفع كفها نحو شفتيه يلثمه

- أنا بقول نخلي اليوم.. يومين ونتبسط يا ملك وكده كده ميادة موجوده
...

اقترب الصغير من حضن عمته ينظر إليها متأملًا ملامحها الحزينة

- أنتِ زعلانه يا ميمو، عشان بابي ومامي راحوا مكان حلو وإحنا لاء

تمتم بها الصغير بشفتين مذمومتين وكأنه يظن حزنها على عدم أخذ والديه لها.

إنشقت ابتسامتها على ثغرها وضمته إليها، لقد كبر الصغير ويشعر بحزن عمته

- إزاي ازعل وعبدالله باشا معايا

ابعدته عنها وانهالت عليه بالقبلات تُدغدغه في بطنه والصغير يُقهقه بسعادة اطربت فؤادها.

غفا الصغير أخيرًا في حضنها تتلمس خصلات شعره برفق وقد عاد الحزن يسيطر على ملامحها ومازالت أحداث هذا اليوم تقتحم عقلها.

"حسام" قرر أن يُجافيها بنظراته وحديثه وهو من كان يُشعرها أن مازال أحدًا يهتم لأمرها.

انسابت دموعها فوق خديها وداخلها شعور يُخبرها أن هذه المهندسة التي كانت لهم زميلة بالجامعه ولكنها تصغرهم بعامين ستكون الخيار الأمثل بالنسبة له وقد انتهى وقت الأنتظار.

- كنتِ فاكرة هيفضل يحبك لحد أمتى؟

أخذها عقلها إلى اللحظات التي جمعتهم وكانت ترى في عينيه الحب والغيرة وهي لا تكف عن محادثته عن رجل أخر كان بحياتها.

شاشة هاتفها اخذت تُضاء ولولا محاولتها في تعديل وضيعة نوم الصغير ما كانت رأته.
اتسعت عيناها بلهفة وأشرقت ملامحها تُحملق بشاشة هاتفها، فهل هو حسام من يُهاتفها بالفعل؟
أسرعت بالجواب عليه قبل أن ينقطع الرنين وقد حملت نبرة صوتها لهفتها

- حسام

اخترق صوتها قلبه قبل أذنيه،وهكذا هو يُهزم كما انهزم منذ دقائق وهو يصارع رغبة قلبه للأطمئنان عليها.
...

تجمدت ملامحها من شدة الصدمة وهي تراه يقف أمامها وخلفه رجلين من رجاله.
بخطوات متعثرة تراجعت تستمع لصوت تلك المرأة العجوز التي هي والدة أحدى صديقات خديجة النجار.

- كنتِ فاكراني مش هعرف أوصلك يا شهيرة

حدقت المرأة العجوز بهم تتسأل عن هوية هذا الرجل
- مين يا بنتي
ابتسامة حملت معها نبرته الساخرة وهو ينظر إليها ثم للمرأة العجوز مُعرفًا حاله لها

- جوز المدام

لا تعرف كيف أصبحت هي وابنتها في سيارته وخلفهما سيارة بها رجاله.
الصغيرة كانت غافية بالمقعد الخلفي تنظر لها من حينًا لأخر من مقعدها.

هاتفها برقمه الجديد تعالا رنينه برقم خديجة التي وقفت تنظر لسليم الواقف أمامها بملامح جامدة

- ردي على تليفونك، مش خديجة هانم النجار برضوه

ازدادت ملامح شهيره شحوبًا؛ فنظرات ماهر إليها وجمودة ملامحه تجعلها تشعر بالتوجس
ازدردت لعابها وفتحت الخط وخديجة تهتف بها

- شهيرة
بخفوت خرج صوتها
- خديجة أنا..

لم يدعها ماهر تُكمل حديثها؛ فالتقط الهاتف منها وعلى شفتيه ارتسمت ابتسامة خبيثة

- خديجة هانم اللي بتعرف تتآمر كويس، عموما بلغي سليم باشا بنته هتكون بعد دقايق في بيته

تعلقت عيناه بشهيرة بنظرات حملت الوعيد لقرار هو من أجبرها على إتخاذه
- لكن مراتي و أنا هنعرف نتفاهم كويس مع بعض

يتبع بإذن الله "ب حلقة النهاية"


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close