رواية لمن القرار الخاتمة الثانية 2 بقلم سهام صادق
الجزء الثاني
**
اغمضت "جنات" عيناها باسترخاء مستمتعة بدفىء المياة وقد صارت أبسط الأشياء التي تفعلها متعة بالنسبة لها.
داعبت مخيلتها تخيلات عديدة لمواقف عدة عاشتها معه وبتنهيدة حارة خرج اسمه من بين شفتيها في همس.
" كاظم"
ابتسامة حلوة اتبعت تنهيداتها وقد ازدادت متعتها بدفىء المياة وذلك الهدوء الذي خلا من بكاء صغيرها.
بدء صراخ الصغير يتعالىٰ شيء فشيء وهي مازالت في غفوتها مع أحلامها.
ارتفع صراخ الصغير ومع ارتفاع صوت صرخاته كانت عيناها تفتح على وسعهما تنفض رأسها قبل أن تندفع ناهضة من حوض الاستحمام تلتقط المنشفة بعجالة حتى تُجفف جسدها.
- هما عشر دقايق بس ملحقتش.
استمر صراخ الصغير؛ فتعالىٰ معه صوتها تهتف به راجية أن ينتظرها حتى ترتدي مئزرها ولا بأس ببقية ملابسها الأخرى.
سقطت المنشفة منها بسبب ربكتها ولم يتوقف الأمر على سقوط المنشفة بل كادت أن تنزلق فوق الأرضية.
- يا حبيبي دقيقة واحده، أنا استاهل كل ده.. ما أنا اللي قولت جواز وجريت ورا أبوك لحد ما اتجوزته وبقى عندي نسخه تانية من "كاظم النعماني" بس ابوك مش زنان زيك يا "عبدالرحمن"، لا تصدق هو فعلا زنان ومتطلب وعنيف لكن بحبه وبحبك أنت كمان عشان أنت ولد شاطر والولاد الشاطرين مش بيعيطوا كتير.
توقف الصغير عن الصراخ وقد ظنت أن حديثها هذا قد أثمر بما أرادته.
- اهو خرجت ليك يا "عبدالرحمن" باشا واهو مكملتش حلمي الجميل مع ابوك ده أنا تخيلته...
- تخيلتي أبوه في إيه يا "جنات" هانم.
جحظت عيناها على وسعهما تزدرد لُعابها مع بقية حديثها وقد ارتسمت فوق ملامحها معالم الصدمة التي قابلتها ابتسامته الماكرة وهو يضم صغيره إليه منتظرًا جوابها.
بتوتر تراجعت بضعة خطوات تضم مئزرها إليها بإحكام وتتحاشى النظر إليه؛ فهل يحتاج زوجها الماكر لتفسير بقية حديثها.
- ما أنا مش هعدي كلامك ده يا "جنات" لأني عديت خلاص كلامك عني لابني بقى أنا راجل زنان ومتطلب وعنيف.
- لا أنا مقولتش عنيف.
رفع كلا حاجبيه يُحركهم في عبث وهو يراها تتهرب من النظر إليه مجددًا؛ فهو يعرف تمامًا مقصدها.
ارتفعت قهقهته عاليًا وهو يرى تخضب وجنتاها من شدة الخجل.
- مامي بقت أوفر وقاحه يا "عبدالرحمن".
رمقها بنظرات ماكرة بعدما ألقى عبارته وسرعان ما كان يتراجع بصغيره وهو يراها تندفع نحوه والشر يتطاير من عينيها.
- أنا أوفر وقاحة يا "كاظم"، هو حد علمني الوقاحه غيرك..
صدحت ضحكاته بقوة بعدما تهاوى فوق الفراش يُحاول جاهدًا تفادي ضرباتها.
- كانوا مُتنبئين ليا بمستقبل مشرق في شغلي وأنت ضيتعه، مستقبلي المهني ضاع معاك.
ندبت حظها الذي لم يكن مشرق على الإطلاق رغم ذكائها.
- الولد يا "جنات" بلاش شراسه، أنتِ لسا تعبانه وأنتِ عارفه غبائي في الهزار.
- شوفت أنت معترف إنك..
توقفت عن بقية حديثها كعادتها وهي تراه يُحملق بها منتظرًا تكلمة حديثها بعدما وضع صغيره جانبًا.
- أنت بتبصلي كده ليه يا "كاظم"، لا أنا مش خايفه.. وهقول اللي كنت عايزه اقوله.
- "جنات".
نهض من فوق الفراش بوجه جامد أجاد رسمه مستمتعًا بهيئتها متجاوزًا مناكفتهم التي لا معنى له.
- شوفتي لو كنتي جاوبتي على أول سؤال كان الموضوع تطور لحاجة حلوه مش شغل العيال ده لكن تموتي في لعب العيال يا "جنات".
- أنا عيله يا "كاظم".
تقهقرت للخلف مع تقدم خطواته منها تزم شفتيها فى عبوس.
-وتموتي في التركيز على الكلام اللي ميعجبكيش عشان تعرفي تهربي من السؤال المهم.
- هو إيه السؤال المهم يا "كاظم".
توقفت قدميه عن الحركة بعدما أبهرته بسؤالها.
- لا اوعي تورثي ابني الغباء يا "جنات".
ارتفع بكاء الصغير وكأنه قد ضجر أخيرًا من جنون والديه.
انسحب "كاظم" من الغرفة بعدما تعالىٰ رنين هاتفه في تلك اللحظة التي ارتفع فيها بكاء الصغير، مكالمته قد طالت كما طال وقت تهدأتها للصغير الذي استكان أخيرًا فوق حجرها.
انتهى أخيرًا من مكالمته وعاد أدراجه إلى الغرفة زافراً أنفاسه بقوة فعليه المغادرة بعد ساعتين من أجل اجتماع هام مع أحد شركائه.
علامات الأستياء التي ارتسمت منذ لحظات فوق ملامحه اتحولت لأخرى تحمل لمعان عينين صاحبها، اتسعت ابتسامته شيئًا فشيء وهو يرى صغيره يرضع بنهم وقد كف عن بكائه و "جنات" تتلمس خصلات شعره القليلة برفق وترمقه بنظرة خطفت فؤاده الذي عاش جائعًا كصاحبه لمشاعر لم يعرف معناها إلا عندما دخلت هي حياته وارغمته على وجودها.
نظراتها تحركت نحوه بعدما شعرت بقربه تُشير إليه أن ينظر إلى وداعة صغيرهم بعدما غفا أخيرًا.
- نام أخيرًا يا "كاظم"، شوف حلو إزاي وهو نايم.
جاورها فوق الفراش مداعبًا قدمي صغيره برفق سابحًا معه بلذة مشاعر جديدة صارت تقتحمه كلما وقعت عيناه عليه.
دموعه انسابت رغمًا عنه يتذكر العديد من مقتطفات الماضي و "جودة النعماني" يدفعه عنه ويُخبره إنه ليس بوالده.
لم تكن منتبهه على دموعه لدنوه نحو قدمي الصغير وتقبيلهم إلا عندما ابتعد عن الصغير واشاح وجهه عنها ورفع كفيه يمسح عيناه ولكنها التقطت دموعه العالقة بمقلتيه فهتفت بفزع.
- "كاظم" أنت..
لم تكد تكمل عبارتها حتى ابتلعت بقية أحرف كلماتها
تنظر نحو أصابعه التي يُحذرها بها ألا تنطقها.
- دموع الفرح يا "جنات" مش لازم تركزي.
واردف ماقتًا ما صار عليه.
- أعمل فيكِ إيه أنتِ السبب بقيت راجل عندي مشاعر وبتأثر بسهوله.
التقط منها الصغير حتى يضعه في مَهْدُه يتهرب من تساؤلاتها؛ فـ "جنات" لن تترك الأمر هكذا ولكنها اليوم خالفت ظنه ونهضت خلفه تنظر إليه دون حديث بعدما وضع الصغير في مَهْدُه وظل واقفًا يُطالعه في صمت.
شعر بذراعيها تطوق بهما خصره وتضع برأسها فوق ظهره.
- أنا مش ندمانه إني بدأت اللعبه يا "كاظم" واختارت دور عمري ما كنت افكر إني ممكن اعمله.
وبتنهيدة قوية زفرت أنفاسها وهي تتذكر كل ما فعلته حتى يكون لها واتخذت دور المرأة اللعوب التي تُلقي بشباكها واردفت.
- لكن أنا لو معملتش كده كنت هعنس يا حبيبي.
ألقت عبارتها وضمت نفسها إليه أكثر مستمتعه بدفئ جسده غير واعية لعبارتها الطريفة التي تلاشى معها جموده وشعور الخزي الذي داعب فؤاده للحظات لأنه صار رجل أخر من أجلها.
ابتسامته الواسعة عادت تُداعب شفتيه ينظر نحو ذراعيها يفكهم عنه برفق؛ فزمت شفتيها مستاءة من فعلته.
ضحك بخفوت وهو يرى جفنيها الناعسين لا يُصدق أنها كادت أن تغفو وهي تحتضنه وهو من ظن أنها تلتصق به لتغويه قليلًا رغم أن حرمانه منها مازال قائم.
- أنتِ كنتِ واخده ضهري مخده يا "جنات" وأنا اللي قولت بتغويني وبتجر رجلي للمحظور.
عبست بشفتيها غير مُدركة هيئتها؛ فقد تراخت عقدة مئزرها وانفك شعرها المعقود.
التهمت عيناه تفاصيلها بجوع يشعر بالأسف على حاله وهو يحسب عدد الأيام المتبقية يتساءل داخله لما لا ترحمه وتبتعد عنه هذه اللحظة.
وما كان يرجوه صار بعيدًا؛ فهاهي تندفع نحوه مجددًا تدفن هذه المرة رأسها بصدره.
- ريحتك حلوه يا حبيبي.
تمتمت بعبارتها واغمضت عيناها متلذذه بدفئ جسده.
- كل حاجة فيك حلوه يا حبيبي.
زادت من التصاقها بها تتمسح بصدره وتعبث دون شعور منها بأزرار قميصه وتتسأل عن صمته وعدم مغازلته لها.
- أنت ساكت ليه يا "كاظم".
وسرعان ما كانت ترفع عيناها الناعستين تمد شفتيها إليه بعدما ارتفعت على أصابع قدميها تدعوه بدعوة صريحة لتقبيلها.
- "كاظم".
وهل "كاظم" سيكون لديه عقل وقدره على ضبط النفس بعد همسها المغوي وفي وهج قبلاته اخذ يهتف ويذكر حاله.
« بضعة قبلات، بضعة قبلات فقط "كاظم" »
...
تعلقت عيناها به بعدما التقط ذراعها واسقطها جواره فوق الفراش بخفة. أسرعت في إشاحة عيناها عنه تهرب بنظراتها منه كعادتها في الأيام الأخيرة بعدما استسلمت له ذلك اليوم برضاها.
سقطت عُلبة الدواء منها رغمًا عنها تزامنًا مع التفاف ذراعه حول خصرها والتصاقه بها، حاولت نفض حالها عنه ولكنه تشبث بها متسائلًا ببرائة صار يجيدها.
- هتفضلي تهربي مني لحد أمتى يا "بسمة"؟
تسارعت أنفاسها وهي تراه يزيد التصاقها به وقد دفن رأسه في تجويف عنقها مستطردًا.
- لو أنتِ ندمانه على استسلامك ليا أوعدك مافيش حاجة هتحصل غير برضاكِ.
- لكنه حصل برضايا.
تمتمت بها بخزي وهي تشعر بأنفاسه تلفح عنقها وقد خرجت زفراته بعد حديثها بمرارة بات صاحبها يتجرعها يومًا بعد يوم.
- حتى يوم ما سلمتك نفسي وأنت بتعرض عليا المقابل برضوه حصل برضايا.
ابتعد عنها بعدما هزته كلماتها ولكنه تفاجأ بها تجذب ذراعه الذي كان للتو يضمها به.
- حبك جيه متأخر أوي، جيه في الوقت اللي اتهزمت فيه من كل حاجة، جيه بعد ما قررت مستنهوش واقتنعت إن مش كل الأحلام من حقنا.
انهمرت دموع عجزها وتخبطها وبعدما كانت تجذبه إليها في حاجة، أخذت تدفعه عنها غير راغبة في شفقة سيزيلها الوقت بعد أن تنتهي حاجته منه ويُدرك أختلافهم.
- أنا آسف يا "بسمة"، آسف على اي وجع.. آسف أني حسيت بحبي متأخر لكن اوعدك عمري ما هتخلى عنك وهعوضك عن كل لحظة أسى عشتيها.
احاطها بكلا ذراعيه يُرغمها على السكون بين احضانه.
- أنا منستش الماضي اللي عيشته يا "بسمة" عشان اقولك انسي لكن نقدر نتخطى ده وإحنا سوا.
وبأنفاس متهدجة اردف ببقية عبارته.
- خليني اعوضك عن كل اللي عيشتيه صدقيني أنا محتاجك أكتر ما أنتِ محتاجني في حياتك.
ارادت أن تُخبره أنها من تحتاج لما يمنحه لها من حياة لم تحلم بها يومًا ودون ماله ستظل تُصارع حياة أكبر منها ولكنه سبق أي حديث كاد أن يخرج من شفتيها.
- أنا معرفتش إني بحبك يا "بسمة" غير لما لقيتك بتضيعي مني، مشكلتي دايمًا إني مبعرفش قيمة الأشياء غير لما بتروح من بين أيديا.
حقيقة أدركها ومازال يُدركها ويخشى عدم التعلم منها ولكنه سيفعل المستحيل حتى تعود تلك النظرة التي كان يفيض منها الحب.
التقط شفتيها في قُبلة رقيقة يُعبر فيها عن مدى شوقه لكل شعور يشعره معها؛ فهتفت بأنفاس مسلوبه وهي تشيح وجهها عنه.
- أنا روحت لدكتوره "هالة" عشان أتعالج معاها.
ولم تكن بمعلومة جديدة عليه ولكنه تظاهر بتفاجئه
يلتقط كفيها يحتويهم داخل كفيه هاتفًا.
- تأكدي إني دايمًا هدعمك في أي قرار تاخديه يا "بسمة".
كل شيء عاد يتحرك داخلها ثانيةً وهو كان متمهلًا في تحريك مشاعرها ببطء إليه.
لمساته الرقيقة فوق خديها ثم قبلاته التي وضعها فوق عنقها داعبت أنوثتها العطشة ورغم مخاوفها وتلك الرجفة التي لم تُغادر جسدها بعد ورغبتها بالهرب منه إلا أنه كان كالمزارع الصبور الذي عاد يرعى زرعته بصبر بعدما ذاق خسارة محصوله.
وليلة ثالثة كان ينعم بها معها ورغم محاولاتها العديدة في الإبتعاد عنه إلا أنه كان يعرف كيف يستخدم مهاراته كرجل لديه العديد من التجارب ولكن هي رغمًا عنها كانت تسقط في هاوية الحب ثانيةً.
...
حدق بها الجميع في دهشة وهي تخطو بخطوات واثقة، تحمل حقيبة حاسوبها وتحيي من تتلاقى عيناها به بإماءة صغيرة.
همساتهم وصلت إليها ولأول مرة تنتبه عما تغافلت عنه برغبتها؛ فالجميع يُلقبها بالمهندسة المميزة ثم يختم عبارته بضحكة خبيثة؛ فتميزها الواضح بالنسبة لهم هو إعجاب مديرهم بها.
نظرات حاقدة من بعضهن اتبعتها فلا شيء يروه مميز بها إلا أنها ابنة وزير سابق ومن عائلة ثرية وبسبب ثرائهم ذهبت لمنحة للخارج.
هكذا كان الحديث عنها وهي ساعدتهم به لانزوائها عنهم وكأنها ليست فرد من مؤسستهم الهندسية الخاصة بمجال الإلكترونيات.
دلفت لغرفتها أخيرًا تنظر للغرفة ومحتواها والمنظر الذي يُقابلها من الخارج وحقيقة أخرى أيضًا واضحة؛ فحتى الغرفة كانت مميزة رغم عدم وجودها بالشركة إلا القليل من الأيام.
عيناها دارت بالغرفة وكل شيء صار يخنقها وهي تتذكر أخر حديث بينهم عن العروس التي سيفاجئها بها وسيعرف كيف يتخطاها فلا مزيد من الإنتظار.
ابتعلت تلك الغصة التي عادت تقتحم حلقها بمرارتها؛ فهي مثل ما يقولون بائسة مع الحب..؛ فالرجل الذي أحبته بالخارج وتزوجته دون علم أهلها أخذه الموت و آخر عندما بدأت تشعر بحبه هاهو يُخبرها أنه سيجد من تستحق حبه.
حاولت أن تشغل عقلها بالعمل حتى ميعاد الإجتماع الذي سيجتمع به عدد من المهندسين لمناقشة تطوير أحد التطبيقات ولكن رغمًا عنها كانت عيناها تخونها من حينًا لأخر وتأخذها بالنظر نحو باب الغرفة المغلق تتذكر لهفة "حسام" عليها كلما علم بوجودها.
- اهو ريحك من حبه خالص يا "ميادة" ارتاحتي دلوقتي.
رفرفت بأهدابها حتى تطرد تلك الدموع العالقة بها وعادت تشغل عقلها بأكواد البرمجة المعروضة أمامها حتى ضجرت من ذلك الضجيج الذي يخترق عقلها وأغلقت حاسوبها.
الوقت كان يمر ببطء وهي تنظر من حينًا لآخر نحو ساعة يدها حتى رحمها الوقت أخيراً وأتى موعد الإجتماع ولأول مرة تكون هي الملهوفة على رؤيته.
ابتسامة واسعة ظنته يرمقها بها؛ فابتسمت ولكن ابتسامتها تلاشت بعدما اكتشفت أن تلك الإبتسامة لم تكن لها بل كانت لصاحبة ذلك العطر الصارخ وقد تعالى صوته مرحبًا بها يُخبر الجميع أن يُرحبوا بها لإنضمامها لهم.
..
ابتسمت بسعادة وهي ترى نظرات حماها مصوبه نحو عقد الإيجار لذلك الطابق الذي أراد أن يكون مقر شركته الصغيرة.
تحولت نظراته إليها بفضول امتزج مع سعادته لأنه لم يكن يريد إلا تلك البناية وتأجير طابق بالكامل فيها ولكن الأمر كان عالق مع صاحب البناية فكيف حلته هي بل وأتت بعقد الإيجار؟
- معقول يا "ملك"، معقول الموضوع اتحل بسهوله كده مع صاحب العقار.
نهض "عز الدين" من فوق مقعده واقترب منها وقد غمرت السعادة وجهه.
- قولتلك سيبلي الموضوع يا عمي وأنا هحله بمعرفتي.
« عمها »
"ملك" عادت تدعوه بهذا اللقب كما كانت تدعوه من قبل.
ابتلع غصته بمرارة فما فعله بها مثلهم لا يُغتفر ولو غفرت له تلك اللحظة التي أخبرها فيها أن تبتعد عن ولده فهي لا تليق به لن يغفر لحاله.
- اللي ساعدني في تأجير المكان "جسار الراجي" طليقي.
همسها الخافت أخرجه من شروده وجعله يكبح دموعه وقد ضاقت عيناه وهو يراها تقترب منه وتكمل همسها بخفوت أشد.
- بلاش يا عمي "رسلان" يعرف حاجه زي كده يعني لو سألك إزاي عرفنا نقنع صاحب العقار.
تعالى رنين هاتفها هذه اللحظه؛ فانتفضت في وقفتها تنظر نحو شاشة هاتفها ثم لحماها الواقف ينصت إليها.
- ابنك بيجي على السيرة يا عمي تفتكر يكون سمعنا.
انشقت إبتسامة واسعة ثغر "عزالدين" رغم أنه بطبيعته رجل قليل التبسم.
غادرت "ملك" في لهفة أمام نظراته وقد احتلهم الندم وخانته دموعه التي قاوم ذرفهم أمامها.
- "رسلان" حبيبي.
هتفت بها بأنفاس لاهثة بعد مهاتفته للمرة الثانية تنظر نحو ملابسها الموضوعه فوق الفراش فهي لم تتجهز بعد للذهاب إليه للمشفى من أجل متابعتها.
التقط سرعة أنفاسها فتمتم متسائلًا.
- كنت بتجري على السلم مش كده يا "ملك" وقبل ما تقولي مبرر من مبرراتك اللي بقت تبهرني محرومه من بوكيه الورد النهاردة عشان تعرفي تجري كويس يا "ملك".
ألقى بحديثه يزفر أنفاسه حانقًا من تهورها - من فرط حركتها - منتظرًا سماع حجتها التي لن يتقبلها منها اليو.
- حبيبي هتجبلي الورد بلون إيه النهاردة، هاتو بلون البنفسج.
تمكنت بصعوبة من تڪميم فاهِها حتى لا يصدح صوت ضحكاتها تهتف متسائله.
- هتجبلي الورد مش كده يا حبيبي.
تحولت ملامحه الممتعضة لأخرى مذهوله وهو يجلس فوق مقعده مسترخيًا.
- عشان خاطر كلمة حبيبي اللي اتقالت في المكالمه ديه اكتر ما بتقوليها ليا وإحنا سوا.. هعفو عنك يا "ملك" هانم لكن قوليلي جهزتي وبلاش تكذبي هتدخلي النار يا حببتي.
انفجرت ضاحكة وهي تلتقط ثوبها بعدما القت الهاتف فوق الفراش وارتفع صوته عبر مكبر الصوت.
- أنا من أمتى يا حبيبي كذبت عليك ومن أمتى كنت منضبطه في مواعيدي يا حبيبي.
دار بمقعده مستمتعًا بنبرة صوتها الهادئة التي تحمل شغبًا صار يزيده هيامًا بها ويُخفف من روتين الحياة القاسية.
- لا النهاردة حبيبي خارجة منك بطعم تاني، طعم كنت محتاج ادوقه مع همسك ليها.
- وقح يا دكتور.
خرج صوتها فاعقبه قهقهته العالية وسرعان ما كان يعتدل في مقعده متنحنحاً بحرج بعدما دلفت مساعدته من طاقم التمريض.
- تمام يا حببتي كلميني اول ما توصلي.
استمعت لصوت مساعدته وهي تُخبره أن المريض الذي أجرى له عملية جراحية هذا الصباح قد فاق.
اغلق المكالمة؛ فابتسمت وهي تنظر لبطنها التي ظهر بروزها بوضوح تربت فوق أجنتها.
- هتكونوا السعادة اللي هتنضاف لحياتي.
...
ضاقت عينين "أحمس" بنظرات تحمل الدهشة وهو يرى "فتون" تدون في كشكولها مواعيد دورة اللغة الانجليزية وتتسأل مع من يُحادثها عن المادة العلمية التي سيتم تدريسها وكيف سيكون النظام؟
طالعها بتدقيق وهي تتحدث لا يُصدق أن من تتحدث أمامه بهذه الثقة هي "فتون" بل وتتحاور بالحديث مع الطرف الأخر.
انهت مكالمتها أخيراً تزفر أنفاسها وتغلق كتبها تنظر لـ "أحمس" الذي مازال يُحملق بها.
- هتشرحلي هنا ولا في المكتبة، انا مش فاهمه حاجه في المادة يا "أحمس".
عبست بملامحها وهي تنظر نحو كتاب المادة التي بالكاد تفهم محتواها؛ فجلس أمامها مُبتسمًا يُمازحها.
- خلينا في الكافتيريا هنا وياريت تطلبي ليا سندوتشاتي المفضلة ومشروباتي المفضله.
ارتفع كلا حاجبيها فقهقه عاليًا.
- مرات "سليم النجار" مقامها تعزمني في أفخم المطاعم لكن أنا راجل متواضع وراضي بسندوتشات عم "صابر".
انتهى "أحمس" من آخر رشفة رشفها من مشروب الشيكولاته الساخن المخلوط مع الحليب ينظر إليها بعدما أغلق الكتاب متسائلًا وهو يرى علامات الضيق مرتسمة فوق ملامحها.
- مش فاهمه حاجة يا "أحمس".
تمتمت بها بنبرة يائسة؛ فهي من اختارت دراسة القانون لتكون مثل "سليم" وليتها اختارت تخصص أخر.
- لا كده استعيني بزوجك "سليم باشا النجار" أو بنت عمه.
وعند ذكر اسم "ليندا" التي صارت تترأس المؤسسة مع "حازم" هتف بهيام به أعجاب نحو ذكائها.
- ذكية جدا يا "فتون"، اول مره اعرف إن الذكاء والجمال ممكن يتجمعوا في شخص واحد.
استمر "أحمس" في مدح "ليندا" وكيف صار الجميع راغب بتوليها قضيته وهي مع حديثه كانت تستشيط من داخلها.
وها هي تعود للمنزل تتناول طعامها مع حرص السيدة "ألفت" في تدليلها وإعطائها تقرير اليوم عن "ليندا".
- مساء الخير.
تمتمت بها "ليندا" بالعربية وقد عادت للتو من الخارج تُلقي بحقيبة عملها فوق الأريكة وتنظر نحو "فتون" التي وضعت للتو طبق الفاكهة فوق الطاولة وكادت أن تنهض ولكنها عادت لموضع جلوسها ترمق هيئتها؛ فحتى وهي عائدة من عملها مبهرة بأناقتها.
- مساء الخير.
هتفت بها السيدة "ألفت" ثم "فتون" بعدما نفضت رأسها حتى تفيق من حملقتها المفضوحة بها.
- متى سيأتي "سليم" "فتون"، ألا يُحادثك.
« ألا يُحادثها »
تمتمت بها "فتون" داخلها؛ فهل تُريد هذه الفتاة إثارة غضبها.
- ألا يُحادثني؟ ، لا يا حببتي ده بيكلمني كل يوم وهيرجع بعد أسبوع.
كتمت السيدة "ألفت" صوت ضحكاتها لا تصدق أنها عاشت لترى سيدة المنزل الصغيرة تتخلى عن صمتها وتقذف بالحديث لتقصف الجبهات.
- أممم، رائع "فتون".
ألقت "ليندا" عبارتها والتقطت طبق الفاكهة ونهضت تتبختر في مشيتها؛ فقد باتت عاشقة لأثارة غضب "فتون" منها.
حملقت "فتون" بخطواتها وبتلك البذلة العملية الأنيقة التي ترتديها وداخلها كان يصدح هتافًا واحد، هتاف خلقته "ليندا" رغم أن "شهيرة" كانت مثلها في أناقتها وذكائها.
« أجتهدي "فتون" حتى تكوني فخورة بذاتك »
صعدت لغرفتها تُردد لحالها هذه العبارة حتى أصبحت فوق فراشها وحولها مذكراتها وطبق أخر مملوء بتلك الفطائر التي تُحبها والسيدة "ألفت" تهتف مشجعة لها قبل أن تُغادر.
- اتغذي يا بنتي كويس عشان اللي في بطنك وتعرفي تذاكري كويس.
تعالى رنين هاتفها بعدما غادرت السيدة "ألفت" تحدق بأتصال "سليم" عبر خاصية الفيديو وسرعان ما كانت تنتفض من فوق الفراش بعجالة حتى ترى هيئتها بالمرآة فخرجت شهقتها في صدمة من هيئة شعرها الذي صار اشعث
- كنت هرد عليه وأنا كده، هي ديه الأناقة والشياكة يا "فتون".
أسرعت في التقاط مشطها تمشط خصلاتها؛ فتوقف الهاتف عن الرنين وسرعان ما عاد الرنين ثانيةً فأسرعت في فتح المكالمة وجعلت الهاتف موجه نحو سقف الغرفة.
- حبيبي ثانية واحدة وهكون معاك.
اقترب من شاشة حاسوبه يُحملق بما ظهر إليه وقد ضاقت عيناه في تساؤل.
- هو ده سقف الأوضة بتاعتنا يا حببتي؟
تمتم بها متعجبًا وأردف وهو يبتعد عن شاشة الحاسوب.
- هو اه اوضتنا وحشتني لكن مش لدرجادي يا "فتون".
مزيد من الكلمات الساخرة كان سيُلقيها لكنه ابتلع بقية حديثه وهو يرى العديد من الكتب والملازم حولها.
- إيه ده يا "فتون"؟
سؤال يعلم أنه ليس بمحله ولكن متعجب من ذلك الاجتهاد الذي صارت عليه زوجته رغم حملها.
- حلو لون الروچ يا حبيبي مش كده.
- روچ إيه يا "فتون" اللي هسأل عنه وعموما لما ارجع هشوف موضوع الروچ اللي بقيت ملاحظ أنك على طول بتحطيه وإحنا بنتكلم، ده أنتِ يا بنت "عبدالحميد" مكنتش بتحطيه وأنا معاكِ.
ضمت شفتيها بإستياء من عبارته فهو لاحظ أخيرًا وضعها لطلاء الشفاة.
- شوفي لما بتتقمصي بتكوني لذيذه وعايزه تتاكلي، أنا هراعي ده دايمًا في علاقتنا.
حدقت به بنظرات ماقته تعقد ذراعيها أمامها بشفاة مزمومة كالأطفال.
- الرومانسية مبقتش تعرف طريقك يا "سليم".
ارتفع صوت قهقهاته عاليًا لا يستوعب أن "فتون" صارت بالفعل ذات لسان طويل.
- والله كان أقصى أمنياتي تقولي جملتين بس، دلوقتي ما شاء الله.
ازدادت ملامحها عبوسًا مما جعله يتوقف عن مزاحه.
- "فتون" روحتي متابعه الحمل؟؟ ، اخدتي معاكِ الست "صباح" ولا مين راح معاكِ؟؟
- روحت لوحدي.
تمتمت بها بعدما انفكت تكشيرة ملامحها وقبل أن يتساءل لما ذهبت بمفردها أخذت تُخبره بكل الأشياء التي صارت تفعلها بمفردها.
- أنا مش هفضل مسنوده على كل اللي حواليا يا "سليم" طول الوقت، كل واحد وعنده حياته.
- حبيبتي ده تفكير صح وأنا عايزك تكوني قوية وتقدري تاخدي قرارتك من نفسك لكن أنتِ مش شايفه التوقيت غلط أنتِ دلوقتي حامل وكفايه عليكي مجهود الكلية.
- عايزه ابني يكون فخور بيا، مش عايزه أكون أم سلبيه مش عايزه أفضل عايشة في دور الشخصية الضعيفة.
داعبت ابتسامة صغيرة شفتي "سليم" وقد أدرك أن الزمن كفيل أن يُعلم ويُغير، "فتون" لم تكن تحتاج إلا لوقت تنضج به وهي تتخبط مع الحياة حتى تعي ما تُريده.
- وحشتيني، مفتقدك أوي أنتِ و "خديجة".
زفر أنفاسه بقوة من ذلك الثقل الذي صار يجثم فوق قلبه مؤخرًا.
- "فتون" بكره روحي لـ "شهيرة" واطمني على "خديجة" بنفسك، ممكن يا حبيبتي.
استمرت مكالمته لقرابة الساعة بعدما وعدته أنها ستذهب غدًا لرؤية "شهيرة" والصغيرة حتى تطمئنه على صغيرته.
انتهت المكالمة فاضطجعت بعدها فوق الفراش تضم الوسادة إليها غير عابئة بالكتب المتناثرة حولها تتنهد بحالمية وتوق لعودته.
في الصباح قبل ذهابها لجامعتها نفذت ما طلبه منها وقد أدركت سبب قلقه على صغيرته؛ فهي صارت تجلس في حجرة الضيافة التي قادتها إليها الخادمة ما يزيد عن نصف ساعة ولم يأتي إليها أحد إلا تلك الخادمة الأخرى التي قدمت لها مشروب من العصير الطازج وأخبرتها أن السيد "ماهر" سيلتقي بها.
اقتحمتها أفكار عدة ولكن معرفتها بهذا الرجل لا تجعلها تظن أنه من الممكن أن يفعل شيء بـ "شهيرة" والصغيرة.
نهضت على الفور من فوق مقعدها؛ فلم يعد لديها قدرة على المزيد من الإنتظار وكادت أن تخرج من الغرفة حتى تهتف باسم الصغيره ولكنها تراجعت للخلف وقد انفلتت شهقتها رغمًا عنها وهي ترى "ماهر" يدلف الغرفة بملامح جامدة.
يتبع بإذن الله
**
اغمضت "جنات" عيناها باسترخاء مستمتعة بدفىء المياة وقد صارت أبسط الأشياء التي تفعلها متعة بالنسبة لها.
داعبت مخيلتها تخيلات عديدة لمواقف عدة عاشتها معه وبتنهيدة حارة خرج اسمه من بين شفتيها في همس.
" كاظم"
ابتسامة حلوة اتبعت تنهيداتها وقد ازدادت متعتها بدفىء المياة وذلك الهدوء الذي خلا من بكاء صغيرها.
بدء صراخ الصغير يتعالىٰ شيء فشيء وهي مازالت في غفوتها مع أحلامها.
ارتفع صراخ الصغير ومع ارتفاع صوت صرخاته كانت عيناها تفتح على وسعهما تنفض رأسها قبل أن تندفع ناهضة من حوض الاستحمام تلتقط المنشفة بعجالة حتى تُجفف جسدها.
- هما عشر دقايق بس ملحقتش.
استمر صراخ الصغير؛ فتعالىٰ معه صوتها تهتف به راجية أن ينتظرها حتى ترتدي مئزرها ولا بأس ببقية ملابسها الأخرى.
سقطت المنشفة منها بسبب ربكتها ولم يتوقف الأمر على سقوط المنشفة بل كادت أن تنزلق فوق الأرضية.
- يا حبيبي دقيقة واحده، أنا استاهل كل ده.. ما أنا اللي قولت جواز وجريت ورا أبوك لحد ما اتجوزته وبقى عندي نسخه تانية من "كاظم النعماني" بس ابوك مش زنان زيك يا "عبدالرحمن"، لا تصدق هو فعلا زنان ومتطلب وعنيف لكن بحبه وبحبك أنت كمان عشان أنت ولد شاطر والولاد الشاطرين مش بيعيطوا كتير.
توقف الصغير عن الصراخ وقد ظنت أن حديثها هذا قد أثمر بما أرادته.
- اهو خرجت ليك يا "عبدالرحمن" باشا واهو مكملتش حلمي الجميل مع ابوك ده أنا تخيلته...
- تخيلتي أبوه في إيه يا "جنات" هانم.
جحظت عيناها على وسعهما تزدرد لُعابها مع بقية حديثها وقد ارتسمت فوق ملامحها معالم الصدمة التي قابلتها ابتسامته الماكرة وهو يضم صغيره إليه منتظرًا جوابها.
بتوتر تراجعت بضعة خطوات تضم مئزرها إليها بإحكام وتتحاشى النظر إليه؛ فهل يحتاج زوجها الماكر لتفسير بقية حديثها.
- ما أنا مش هعدي كلامك ده يا "جنات" لأني عديت خلاص كلامك عني لابني بقى أنا راجل زنان ومتطلب وعنيف.
- لا أنا مقولتش عنيف.
رفع كلا حاجبيه يُحركهم في عبث وهو يراها تتهرب من النظر إليه مجددًا؛ فهو يعرف تمامًا مقصدها.
ارتفعت قهقهته عاليًا وهو يرى تخضب وجنتاها من شدة الخجل.
- مامي بقت أوفر وقاحه يا "عبدالرحمن".
رمقها بنظرات ماكرة بعدما ألقى عبارته وسرعان ما كان يتراجع بصغيره وهو يراها تندفع نحوه والشر يتطاير من عينيها.
- أنا أوفر وقاحة يا "كاظم"، هو حد علمني الوقاحه غيرك..
صدحت ضحكاته بقوة بعدما تهاوى فوق الفراش يُحاول جاهدًا تفادي ضرباتها.
- كانوا مُتنبئين ليا بمستقبل مشرق في شغلي وأنت ضيتعه، مستقبلي المهني ضاع معاك.
ندبت حظها الذي لم يكن مشرق على الإطلاق رغم ذكائها.
- الولد يا "جنات" بلاش شراسه، أنتِ لسا تعبانه وأنتِ عارفه غبائي في الهزار.
- شوفت أنت معترف إنك..
توقفت عن بقية حديثها كعادتها وهي تراه يُحملق بها منتظرًا تكلمة حديثها بعدما وضع صغيره جانبًا.
- أنت بتبصلي كده ليه يا "كاظم"، لا أنا مش خايفه.. وهقول اللي كنت عايزه اقوله.
- "جنات".
نهض من فوق الفراش بوجه جامد أجاد رسمه مستمتعًا بهيئتها متجاوزًا مناكفتهم التي لا معنى له.
- شوفتي لو كنتي جاوبتي على أول سؤال كان الموضوع تطور لحاجة حلوه مش شغل العيال ده لكن تموتي في لعب العيال يا "جنات".
- أنا عيله يا "كاظم".
تقهقرت للخلف مع تقدم خطواته منها تزم شفتيها فى عبوس.
-وتموتي في التركيز على الكلام اللي ميعجبكيش عشان تعرفي تهربي من السؤال المهم.
- هو إيه السؤال المهم يا "كاظم".
توقفت قدميه عن الحركة بعدما أبهرته بسؤالها.
- لا اوعي تورثي ابني الغباء يا "جنات".
ارتفع بكاء الصغير وكأنه قد ضجر أخيرًا من جنون والديه.
انسحب "كاظم" من الغرفة بعدما تعالىٰ رنين هاتفه في تلك اللحظة التي ارتفع فيها بكاء الصغير، مكالمته قد طالت كما طال وقت تهدأتها للصغير الذي استكان أخيرًا فوق حجرها.
انتهى أخيرًا من مكالمته وعاد أدراجه إلى الغرفة زافراً أنفاسه بقوة فعليه المغادرة بعد ساعتين من أجل اجتماع هام مع أحد شركائه.
علامات الأستياء التي ارتسمت منذ لحظات فوق ملامحه اتحولت لأخرى تحمل لمعان عينين صاحبها، اتسعت ابتسامته شيئًا فشيء وهو يرى صغيره يرضع بنهم وقد كف عن بكائه و "جنات" تتلمس خصلات شعره القليلة برفق وترمقه بنظرة خطفت فؤاده الذي عاش جائعًا كصاحبه لمشاعر لم يعرف معناها إلا عندما دخلت هي حياته وارغمته على وجودها.
نظراتها تحركت نحوه بعدما شعرت بقربه تُشير إليه أن ينظر إلى وداعة صغيرهم بعدما غفا أخيرًا.
- نام أخيرًا يا "كاظم"، شوف حلو إزاي وهو نايم.
جاورها فوق الفراش مداعبًا قدمي صغيره برفق سابحًا معه بلذة مشاعر جديدة صارت تقتحمه كلما وقعت عيناه عليه.
دموعه انسابت رغمًا عنه يتذكر العديد من مقتطفات الماضي و "جودة النعماني" يدفعه عنه ويُخبره إنه ليس بوالده.
لم تكن منتبهه على دموعه لدنوه نحو قدمي الصغير وتقبيلهم إلا عندما ابتعد عن الصغير واشاح وجهه عنها ورفع كفيه يمسح عيناه ولكنها التقطت دموعه العالقة بمقلتيه فهتفت بفزع.
- "كاظم" أنت..
لم تكد تكمل عبارتها حتى ابتلعت بقية أحرف كلماتها
تنظر نحو أصابعه التي يُحذرها بها ألا تنطقها.
- دموع الفرح يا "جنات" مش لازم تركزي.
واردف ماقتًا ما صار عليه.
- أعمل فيكِ إيه أنتِ السبب بقيت راجل عندي مشاعر وبتأثر بسهوله.
التقط منها الصغير حتى يضعه في مَهْدُه يتهرب من تساؤلاتها؛ فـ "جنات" لن تترك الأمر هكذا ولكنها اليوم خالفت ظنه ونهضت خلفه تنظر إليه دون حديث بعدما وضع الصغير في مَهْدُه وظل واقفًا يُطالعه في صمت.
شعر بذراعيها تطوق بهما خصره وتضع برأسها فوق ظهره.
- أنا مش ندمانه إني بدأت اللعبه يا "كاظم" واختارت دور عمري ما كنت افكر إني ممكن اعمله.
وبتنهيدة قوية زفرت أنفاسها وهي تتذكر كل ما فعلته حتى يكون لها واتخذت دور المرأة اللعوب التي تُلقي بشباكها واردفت.
- لكن أنا لو معملتش كده كنت هعنس يا حبيبي.
ألقت عبارتها وضمت نفسها إليه أكثر مستمتعه بدفئ جسده غير واعية لعبارتها الطريفة التي تلاشى معها جموده وشعور الخزي الذي داعب فؤاده للحظات لأنه صار رجل أخر من أجلها.
ابتسامته الواسعة عادت تُداعب شفتيه ينظر نحو ذراعيها يفكهم عنه برفق؛ فزمت شفتيها مستاءة من فعلته.
ضحك بخفوت وهو يرى جفنيها الناعسين لا يُصدق أنها كادت أن تغفو وهي تحتضنه وهو من ظن أنها تلتصق به لتغويه قليلًا رغم أن حرمانه منها مازال قائم.
- أنتِ كنتِ واخده ضهري مخده يا "جنات" وأنا اللي قولت بتغويني وبتجر رجلي للمحظور.
عبست بشفتيها غير مُدركة هيئتها؛ فقد تراخت عقدة مئزرها وانفك شعرها المعقود.
التهمت عيناه تفاصيلها بجوع يشعر بالأسف على حاله وهو يحسب عدد الأيام المتبقية يتساءل داخله لما لا ترحمه وتبتعد عنه هذه اللحظة.
وما كان يرجوه صار بعيدًا؛ فهاهي تندفع نحوه مجددًا تدفن هذه المرة رأسها بصدره.
- ريحتك حلوه يا حبيبي.
تمتمت بعبارتها واغمضت عيناها متلذذه بدفئ جسده.
- كل حاجة فيك حلوه يا حبيبي.
زادت من التصاقها بها تتمسح بصدره وتعبث دون شعور منها بأزرار قميصه وتتسأل عن صمته وعدم مغازلته لها.
- أنت ساكت ليه يا "كاظم".
وسرعان ما كانت ترفع عيناها الناعستين تمد شفتيها إليه بعدما ارتفعت على أصابع قدميها تدعوه بدعوة صريحة لتقبيلها.
- "كاظم".
وهل "كاظم" سيكون لديه عقل وقدره على ضبط النفس بعد همسها المغوي وفي وهج قبلاته اخذ يهتف ويذكر حاله.
« بضعة قبلات، بضعة قبلات فقط "كاظم" »
...
تعلقت عيناها به بعدما التقط ذراعها واسقطها جواره فوق الفراش بخفة. أسرعت في إشاحة عيناها عنه تهرب بنظراتها منه كعادتها في الأيام الأخيرة بعدما استسلمت له ذلك اليوم برضاها.
سقطت عُلبة الدواء منها رغمًا عنها تزامنًا مع التفاف ذراعه حول خصرها والتصاقه بها، حاولت نفض حالها عنه ولكنه تشبث بها متسائلًا ببرائة صار يجيدها.
- هتفضلي تهربي مني لحد أمتى يا "بسمة"؟
تسارعت أنفاسها وهي تراه يزيد التصاقها به وقد دفن رأسه في تجويف عنقها مستطردًا.
- لو أنتِ ندمانه على استسلامك ليا أوعدك مافيش حاجة هتحصل غير برضاكِ.
- لكنه حصل برضايا.
تمتمت بها بخزي وهي تشعر بأنفاسه تلفح عنقها وقد خرجت زفراته بعد حديثها بمرارة بات صاحبها يتجرعها يومًا بعد يوم.
- حتى يوم ما سلمتك نفسي وأنت بتعرض عليا المقابل برضوه حصل برضايا.
ابتعد عنها بعدما هزته كلماتها ولكنه تفاجأ بها تجذب ذراعه الذي كان للتو يضمها به.
- حبك جيه متأخر أوي، جيه في الوقت اللي اتهزمت فيه من كل حاجة، جيه بعد ما قررت مستنهوش واقتنعت إن مش كل الأحلام من حقنا.
انهمرت دموع عجزها وتخبطها وبعدما كانت تجذبه إليها في حاجة، أخذت تدفعه عنها غير راغبة في شفقة سيزيلها الوقت بعد أن تنتهي حاجته منه ويُدرك أختلافهم.
- أنا آسف يا "بسمة"، آسف على اي وجع.. آسف أني حسيت بحبي متأخر لكن اوعدك عمري ما هتخلى عنك وهعوضك عن كل لحظة أسى عشتيها.
احاطها بكلا ذراعيه يُرغمها على السكون بين احضانه.
- أنا منستش الماضي اللي عيشته يا "بسمة" عشان اقولك انسي لكن نقدر نتخطى ده وإحنا سوا.
وبأنفاس متهدجة اردف ببقية عبارته.
- خليني اعوضك عن كل اللي عيشتيه صدقيني أنا محتاجك أكتر ما أنتِ محتاجني في حياتك.
ارادت أن تُخبره أنها من تحتاج لما يمنحه لها من حياة لم تحلم بها يومًا ودون ماله ستظل تُصارع حياة أكبر منها ولكنه سبق أي حديث كاد أن يخرج من شفتيها.
- أنا معرفتش إني بحبك يا "بسمة" غير لما لقيتك بتضيعي مني، مشكلتي دايمًا إني مبعرفش قيمة الأشياء غير لما بتروح من بين أيديا.
حقيقة أدركها ومازال يُدركها ويخشى عدم التعلم منها ولكنه سيفعل المستحيل حتى تعود تلك النظرة التي كان يفيض منها الحب.
التقط شفتيها في قُبلة رقيقة يُعبر فيها عن مدى شوقه لكل شعور يشعره معها؛ فهتفت بأنفاس مسلوبه وهي تشيح وجهها عنه.
- أنا روحت لدكتوره "هالة" عشان أتعالج معاها.
ولم تكن بمعلومة جديدة عليه ولكنه تظاهر بتفاجئه
يلتقط كفيها يحتويهم داخل كفيه هاتفًا.
- تأكدي إني دايمًا هدعمك في أي قرار تاخديه يا "بسمة".
كل شيء عاد يتحرك داخلها ثانيةً وهو كان متمهلًا في تحريك مشاعرها ببطء إليه.
لمساته الرقيقة فوق خديها ثم قبلاته التي وضعها فوق عنقها داعبت أنوثتها العطشة ورغم مخاوفها وتلك الرجفة التي لم تُغادر جسدها بعد ورغبتها بالهرب منه إلا أنه كان كالمزارع الصبور الذي عاد يرعى زرعته بصبر بعدما ذاق خسارة محصوله.
وليلة ثالثة كان ينعم بها معها ورغم محاولاتها العديدة في الإبتعاد عنه إلا أنه كان يعرف كيف يستخدم مهاراته كرجل لديه العديد من التجارب ولكن هي رغمًا عنها كانت تسقط في هاوية الحب ثانيةً.
...
حدق بها الجميع في دهشة وهي تخطو بخطوات واثقة، تحمل حقيبة حاسوبها وتحيي من تتلاقى عيناها به بإماءة صغيرة.
همساتهم وصلت إليها ولأول مرة تنتبه عما تغافلت عنه برغبتها؛ فالجميع يُلقبها بالمهندسة المميزة ثم يختم عبارته بضحكة خبيثة؛ فتميزها الواضح بالنسبة لهم هو إعجاب مديرهم بها.
نظرات حاقدة من بعضهن اتبعتها فلا شيء يروه مميز بها إلا أنها ابنة وزير سابق ومن عائلة ثرية وبسبب ثرائهم ذهبت لمنحة للخارج.
هكذا كان الحديث عنها وهي ساعدتهم به لانزوائها عنهم وكأنها ليست فرد من مؤسستهم الهندسية الخاصة بمجال الإلكترونيات.
دلفت لغرفتها أخيرًا تنظر للغرفة ومحتواها والمنظر الذي يُقابلها من الخارج وحقيقة أخرى أيضًا واضحة؛ فحتى الغرفة كانت مميزة رغم عدم وجودها بالشركة إلا القليل من الأيام.
عيناها دارت بالغرفة وكل شيء صار يخنقها وهي تتذكر أخر حديث بينهم عن العروس التي سيفاجئها بها وسيعرف كيف يتخطاها فلا مزيد من الإنتظار.
ابتعلت تلك الغصة التي عادت تقتحم حلقها بمرارتها؛ فهي مثل ما يقولون بائسة مع الحب..؛ فالرجل الذي أحبته بالخارج وتزوجته دون علم أهلها أخذه الموت و آخر عندما بدأت تشعر بحبه هاهو يُخبرها أنه سيجد من تستحق حبه.
حاولت أن تشغل عقلها بالعمل حتى ميعاد الإجتماع الذي سيجتمع به عدد من المهندسين لمناقشة تطوير أحد التطبيقات ولكن رغمًا عنها كانت عيناها تخونها من حينًا لأخر وتأخذها بالنظر نحو باب الغرفة المغلق تتذكر لهفة "حسام" عليها كلما علم بوجودها.
- اهو ريحك من حبه خالص يا "ميادة" ارتاحتي دلوقتي.
رفرفت بأهدابها حتى تطرد تلك الدموع العالقة بها وعادت تشغل عقلها بأكواد البرمجة المعروضة أمامها حتى ضجرت من ذلك الضجيج الذي يخترق عقلها وأغلقت حاسوبها.
الوقت كان يمر ببطء وهي تنظر من حينًا لآخر نحو ساعة يدها حتى رحمها الوقت أخيراً وأتى موعد الإجتماع ولأول مرة تكون هي الملهوفة على رؤيته.
ابتسامة واسعة ظنته يرمقها بها؛ فابتسمت ولكن ابتسامتها تلاشت بعدما اكتشفت أن تلك الإبتسامة لم تكن لها بل كانت لصاحبة ذلك العطر الصارخ وقد تعالى صوته مرحبًا بها يُخبر الجميع أن يُرحبوا بها لإنضمامها لهم.
..
ابتسمت بسعادة وهي ترى نظرات حماها مصوبه نحو عقد الإيجار لذلك الطابق الذي أراد أن يكون مقر شركته الصغيرة.
تحولت نظراته إليها بفضول امتزج مع سعادته لأنه لم يكن يريد إلا تلك البناية وتأجير طابق بالكامل فيها ولكن الأمر كان عالق مع صاحب البناية فكيف حلته هي بل وأتت بعقد الإيجار؟
- معقول يا "ملك"، معقول الموضوع اتحل بسهوله كده مع صاحب العقار.
نهض "عز الدين" من فوق مقعده واقترب منها وقد غمرت السعادة وجهه.
- قولتلك سيبلي الموضوع يا عمي وأنا هحله بمعرفتي.
« عمها »
"ملك" عادت تدعوه بهذا اللقب كما كانت تدعوه من قبل.
ابتلع غصته بمرارة فما فعله بها مثلهم لا يُغتفر ولو غفرت له تلك اللحظة التي أخبرها فيها أن تبتعد عن ولده فهي لا تليق به لن يغفر لحاله.
- اللي ساعدني في تأجير المكان "جسار الراجي" طليقي.
همسها الخافت أخرجه من شروده وجعله يكبح دموعه وقد ضاقت عيناه وهو يراها تقترب منه وتكمل همسها بخفوت أشد.
- بلاش يا عمي "رسلان" يعرف حاجه زي كده يعني لو سألك إزاي عرفنا نقنع صاحب العقار.
تعالى رنين هاتفها هذه اللحظه؛ فانتفضت في وقفتها تنظر نحو شاشة هاتفها ثم لحماها الواقف ينصت إليها.
- ابنك بيجي على السيرة يا عمي تفتكر يكون سمعنا.
انشقت إبتسامة واسعة ثغر "عزالدين" رغم أنه بطبيعته رجل قليل التبسم.
غادرت "ملك" في لهفة أمام نظراته وقد احتلهم الندم وخانته دموعه التي قاوم ذرفهم أمامها.
- "رسلان" حبيبي.
هتفت بها بأنفاس لاهثة بعد مهاتفته للمرة الثانية تنظر نحو ملابسها الموضوعه فوق الفراش فهي لم تتجهز بعد للذهاب إليه للمشفى من أجل متابعتها.
التقط سرعة أنفاسها فتمتم متسائلًا.
- كنت بتجري على السلم مش كده يا "ملك" وقبل ما تقولي مبرر من مبرراتك اللي بقت تبهرني محرومه من بوكيه الورد النهاردة عشان تعرفي تجري كويس يا "ملك".
ألقى بحديثه يزفر أنفاسه حانقًا من تهورها - من فرط حركتها - منتظرًا سماع حجتها التي لن يتقبلها منها اليو.
- حبيبي هتجبلي الورد بلون إيه النهاردة، هاتو بلون البنفسج.
تمكنت بصعوبة من تڪميم فاهِها حتى لا يصدح صوت ضحكاتها تهتف متسائله.
- هتجبلي الورد مش كده يا حبيبي.
تحولت ملامحه الممتعضة لأخرى مذهوله وهو يجلس فوق مقعده مسترخيًا.
- عشان خاطر كلمة حبيبي اللي اتقالت في المكالمه ديه اكتر ما بتقوليها ليا وإحنا سوا.. هعفو عنك يا "ملك" هانم لكن قوليلي جهزتي وبلاش تكذبي هتدخلي النار يا حببتي.
انفجرت ضاحكة وهي تلتقط ثوبها بعدما القت الهاتف فوق الفراش وارتفع صوته عبر مكبر الصوت.
- أنا من أمتى يا حبيبي كذبت عليك ومن أمتى كنت منضبطه في مواعيدي يا حبيبي.
دار بمقعده مستمتعًا بنبرة صوتها الهادئة التي تحمل شغبًا صار يزيده هيامًا بها ويُخفف من روتين الحياة القاسية.
- لا النهاردة حبيبي خارجة منك بطعم تاني، طعم كنت محتاج ادوقه مع همسك ليها.
- وقح يا دكتور.
خرج صوتها فاعقبه قهقهته العالية وسرعان ما كان يعتدل في مقعده متنحنحاً بحرج بعدما دلفت مساعدته من طاقم التمريض.
- تمام يا حببتي كلميني اول ما توصلي.
استمعت لصوت مساعدته وهي تُخبره أن المريض الذي أجرى له عملية جراحية هذا الصباح قد فاق.
اغلق المكالمة؛ فابتسمت وهي تنظر لبطنها التي ظهر بروزها بوضوح تربت فوق أجنتها.
- هتكونوا السعادة اللي هتنضاف لحياتي.
...
ضاقت عينين "أحمس" بنظرات تحمل الدهشة وهو يرى "فتون" تدون في كشكولها مواعيد دورة اللغة الانجليزية وتتسأل مع من يُحادثها عن المادة العلمية التي سيتم تدريسها وكيف سيكون النظام؟
طالعها بتدقيق وهي تتحدث لا يُصدق أن من تتحدث أمامه بهذه الثقة هي "فتون" بل وتتحاور بالحديث مع الطرف الأخر.
انهت مكالمتها أخيراً تزفر أنفاسها وتغلق كتبها تنظر لـ "أحمس" الذي مازال يُحملق بها.
- هتشرحلي هنا ولا في المكتبة، انا مش فاهمه حاجه في المادة يا "أحمس".
عبست بملامحها وهي تنظر نحو كتاب المادة التي بالكاد تفهم محتواها؛ فجلس أمامها مُبتسمًا يُمازحها.
- خلينا في الكافتيريا هنا وياريت تطلبي ليا سندوتشاتي المفضلة ومشروباتي المفضله.
ارتفع كلا حاجبيها فقهقه عاليًا.
- مرات "سليم النجار" مقامها تعزمني في أفخم المطاعم لكن أنا راجل متواضع وراضي بسندوتشات عم "صابر".
انتهى "أحمس" من آخر رشفة رشفها من مشروب الشيكولاته الساخن المخلوط مع الحليب ينظر إليها بعدما أغلق الكتاب متسائلًا وهو يرى علامات الضيق مرتسمة فوق ملامحها.
- مش فاهمه حاجة يا "أحمس".
تمتمت بها بنبرة يائسة؛ فهي من اختارت دراسة القانون لتكون مثل "سليم" وليتها اختارت تخصص أخر.
- لا كده استعيني بزوجك "سليم باشا النجار" أو بنت عمه.
وعند ذكر اسم "ليندا" التي صارت تترأس المؤسسة مع "حازم" هتف بهيام به أعجاب نحو ذكائها.
- ذكية جدا يا "فتون"، اول مره اعرف إن الذكاء والجمال ممكن يتجمعوا في شخص واحد.
استمر "أحمس" في مدح "ليندا" وكيف صار الجميع راغب بتوليها قضيته وهي مع حديثه كانت تستشيط من داخلها.
وها هي تعود للمنزل تتناول طعامها مع حرص السيدة "ألفت" في تدليلها وإعطائها تقرير اليوم عن "ليندا".
- مساء الخير.
تمتمت بها "ليندا" بالعربية وقد عادت للتو من الخارج تُلقي بحقيبة عملها فوق الأريكة وتنظر نحو "فتون" التي وضعت للتو طبق الفاكهة فوق الطاولة وكادت أن تنهض ولكنها عادت لموضع جلوسها ترمق هيئتها؛ فحتى وهي عائدة من عملها مبهرة بأناقتها.
- مساء الخير.
هتفت بها السيدة "ألفت" ثم "فتون" بعدما نفضت رأسها حتى تفيق من حملقتها المفضوحة بها.
- متى سيأتي "سليم" "فتون"، ألا يُحادثك.
« ألا يُحادثها »
تمتمت بها "فتون" داخلها؛ فهل تُريد هذه الفتاة إثارة غضبها.
- ألا يُحادثني؟ ، لا يا حببتي ده بيكلمني كل يوم وهيرجع بعد أسبوع.
كتمت السيدة "ألفت" صوت ضحكاتها لا تصدق أنها عاشت لترى سيدة المنزل الصغيرة تتخلى عن صمتها وتقذف بالحديث لتقصف الجبهات.
- أممم، رائع "فتون".
ألقت "ليندا" عبارتها والتقطت طبق الفاكهة ونهضت تتبختر في مشيتها؛ فقد باتت عاشقة لأثارة غضب "فتون" منها.
حملقت "فتون" بخطواتها وبتلك البذلة العملية الأنيقة التي ترتديها وداخلها كان يصدح هتافًا واحد، هتاف خلقته "ليندا" رغم أن "شهيرة" كانت مثلها في أناقتها وذكائها.
« أجتهدي "فتون" حتى تكوني فخورة بذاتك »
صعدت لغرفتها تُردد لحالها هذه العبارة حتى أصبحت فوق فراشها وحولها مذكراتها وطبق أخر مملوء بتلك الفطائر التي تُحبها والسيدة "ألفت" تهتف مشجعة لها قبل أن تُغادر.
- اتغذي يا بنتي كويس عشان اللي في بطنك وتعرفي تذاكري كويس.
تعالى رنين هاتفها بعدما غادرت السيدة "ألفت" تحدق بأتصال "سليم" عبر خاصية الفيديو وسرعان ما كانت تنتفض من فوق الفراش بعجالة حتى ترى هيئتها بالمرآة فخرجت شهقتها في صدمة من هيئة شعرها الذي صار اشعث
- كنت هرد عليه وأنا كده، هي ديه الأناقة والشياكة يا "فتون".
أسرعت في التقاط مشطها تمشط خصلاتها؛ فتوقف الهاتف عن الرنين وسرعان ما عاد الرنين ثانيةً فأسرعت في فتح المكالمة وجعلت الهاتف موجه نحو سقف الغرفة.
- حبيبي ثانية واحدة وهكون معاك.
اقترب من شاشة حاسوبه يُحملق بما ظهر إليه وقد ضاقت عيناه في تساؤل.
- هو ده سقف الأوضة بتاعتنا يا حببتي؟
تمتم بها متعجبًا وأردف وهو يبتعد عن شاشة الحاسوب.
- هو اه اوضتنا وحشتني لكن مش لدرجادي يا "فتون".
مزيد من الكلمات الساخرة كان سيُلقيها لكنه ابتلع بقية حديثه وهو يرى العديد من الكتب والملازم حولها.
- إيه ده يا "فتون"؟
سؤال يعلم أنه ليس بمحله ولكن متعجب من ذلك الاجتهاد الذي صارت عليه زوجته رغم حملها.
- حلو لون الروچ يا حبيبي مش كده.
- روچ إيه يا "فتون" اللي هسأل عنه وعموما لما ارجع هشوف موضوع الروچ اللي بقيت ملاحظ أنك على طول بتحطيه وإحنا بنتكلم، ده أنتِ يا بنت "عبدالحميد" مكنتش بتحطيه وأنا معاكِ.
ضمت شفتيها بإستياء من عبارته فهو لاحظ أخيرًا وضعها لطلاء الشفاة.
- شوفي لما بتتقمصي بتكوني لذيذه وعايزه تتاكلي، أنا هراعي ده دايمًا في علاقتنا.
حدقت به بنظرات ماقته تعقد ذراعيها أمامها بشفاة مزمومة كالأطفال.
- الرومانسية مبقتش تعرف طريقك يا "سليم".
ارتفع صوت قهقهاته عاليًا لا يستوعب أن "فتون" صارت بالفعل ذات لسان طويل.
- والله كان أقصى أمنياتي تقولي جملتين بس، دلوقتي ما شاء الله.
ازدادت ملامحها عبوسًا مما جعله يتوقف عن مزاحه.
- "فتون" روحتي متابعه الحمل؟؟ ، اخدتي معاكِ الست "صباح" ولا مين راح معاكِ؟؟
- روحت لوحدي.
تمتمت بها بعدما انفكت تكشيرة ملامحها وقبل أن يتساءل لما ذهبت بمفردها أخذت تُخبره بكل الأشياء التي صارت تفعلها بمفردها.
- أنا مش هفضل مسنوده على كل اللي حواليا يا "سليم" طول الوقت، كل واحد وعنده حياته.
- حبيبتي ده تفكير صح وأنا عايزك تكوني قوية وتقدري تاخدي قرارتك من نفسك لكن أنتِ مش شايفه التوقيت غلط أنتِ دلوقتي حامل وكفايه عليكي مجهود الكلية.
- عايزه ابني يكون فخور بيا، مش عايزه أكون أم سلبيه مش عايزه أفضل عايشة في دور الشخصية الضعيفة.
داعبت ابتسامة صغيرة شفتي "سليم" وقد أدرك أن الزمن كفيل أن يُعلم ويُغير، "فتون" لم تكن تحتاج إلا لوقت تنضج به وهي تتخبط مع الحياة حتى تعي ما تُريده.
- وحشتيني، مفتقدك أوي أنتِ و "خديجة".
زفر أنفاسه بقوة من ذلك الثقل الذي صار يجثم فوق قلبه مؤخرًا.
- "فتون" بكره روحي لـ "شهيرة" واطمني على "خديجة" بنفسك، ممكن يا حبيبتي.
استمرت مكالمته لقرابة الساعة بعدما وعدته أنها ستذهب غدًا لرؤية "شهيرة" والصغيرة حتى تطمئنه على صغيرته.
انتهت المكالمة فاضطجعت بعدها فوق الفراش تضم الوسادة إليها غير عابئة بالكتب المتناثرة حولها تتنهد بحالمية وتوق لعودته.
في الصباح قبل ذهابها لجامعتها نفذت ما طلبه منها وقد أدركت سبب قلقه على صغيرته؛ فهي صارت تجلس في حجرة الضيافة التي قادتها إليها الخادمة ما يزيد عن نصف ساعة ولم يأتي إليها أحد إلا تلك الخادمة الأخرى التي قدمت لها مشروب من العصير الطازج وأخبرتها أن السيد "ماهر" سيلتقي بها.
اقتحمتها أفكار عدة ولكن معرفتها بهذا الرجل لا تجعلها تظن أنه من الممكن أن يفعل شيء بـ "شهيرة" والصغيرة.
نهضت على الفور من فوق مقعدها؛ فلم يعد لديها قدرة على المزيد من الإنتظار وكادت أن تخرج من الغرفة حتى تهتف باسم الصغيره ولكنها تراجعت للخلف وقد انفلتت شهقتها رغمًا عنها وهي ترى "ماهر" يدلف الغرفة بملامح جامدة.
يتبع بإذن الله
