رواية مشاعر موقدة ( ربما تستقيم الافئدة ) الفصل التاسع والعشرين 29 بقلم فاطيما يوسف
ـ تقدمت "حنين" في عنادها وهي تحاول أن تقنع "هاشم" بمدى رفضها للموقف، وجسدها ينتفض من التوتر والقلق الذي زرعه فيها وجود من ظلموها ذات يوم أمام باب بيتها، لم تكن كلماتها سوى محاولة دفاع عن ذاتها الجريحة.
ـ وانا بقى يا "هاشم" بقول لك لو فيها طلاقي انا مش هخرج للناس اللي بره دي ولا هقابلهم ولا طايقة أبص في وشّهم من الأساس .
ضاق صدر "هاشم" من عنادها، وتحركت عضلات وجهه في انفعال واضح، اقترب منها بخطوات حادة كمن يكبح جماح غضبه فقط احترامًا لموقفها الحرج :
ـ امي واقفه على الباب يا "حنين" واخواتي قاعدين بره لمي الدور ما ينفعش اللي انتِ بتعمليه ده نهائي من جالك بيتك جاب الحق عليك وانا معاكي اخلصي .
انكمشت "حنين" في نفسها واهتز صوتها بالرغم من محاولاتها التماسك، يدها تمس بطنها بخوف، وعيناها دامعتان من الذكرى التي لم تبرأ بعد :
ـ يا "هاشم" بالراحة عليا كفاية عصبية ارجوك انا مرعوبة مش قادره اشوف وشهم ؛حاسه اني لما اخرج كأني خارجة رايحة للقبر اللي دخلوني فيه، مش مستوعبة اني اتعامل معاهم تاني غصب عني وغصب عن ارادتي .
نظر إليها "هاشم" بحدة ممزوجة بالحيرة، يجهل لماذا لا تزال ممسكة بالماضي رغم محاولاته طيّه، صوته خرج ثقيلاً وهو يحدّق فيها :
ـ انت بتعيطي ليه دلوقتي انا نفسي افهم ايه اللي يستدعي العياط ومكبره الموضوع قوي زياده عن اللزوم ؟!
لازم تنسي حوار القبر ده خالص وتطلعيه من حسابك وخلي بالك مش هعدي لك الكلام اللي انتي قلتيه من شويه والله يا "حنين" ما هفوته لك.
بدت "حنين" متعبة، مجهدة، تشعر وكأن كل ما مرت به يعيد نفسه بشكل أكثر قسوة، ارتجفت وهي ترد عليه بخفوت :
ـ هو كل التعامل معاك بالعصبيه والزعيق والصوت العالي وتحمر لي عينيك حرام عليك يا "هاشم" بجد انا تعبت من طريقة التفاهم دي ومن العيشة دي .
تراجع "هاشم" خطوة واحدة، وكأنها أثرت في ضميره للحظة، لكنه سرعان ما شد على أنفاسه ورفع حاجبيه بحدة آمراً :
ـ مش وقته يا ماما الكلام ده خالص يلا اتفضلي قدامي معايا على بره وعايزك تتعاملي معاهم بكل ذوق وتضايفيهم كمان .
تراجعت "حنين" بخوف وهي ترى وجهه المتشنج وقلبها يزداد اضطرابًا، حاولت أن تتمسك ببقايا كرامتها :
ـ ما تخبطنيش على كتفي انت ما ينفعش تتعامل معايا بالطريقة المهينة دي ،
ماشي يا "هاشم" هخرج بس اعمل حسابك ان انا خارجه غصب عني وان دي حاجة فوق مستوى تحملي.
ثم استجمعت أنفاسها المتقطعة وتوجهت نحو باب الريسبشن، وهي تتصنع الثبات رغم الضعف الظاهر على ملامحها :
ـ مساء الخير يا ماما مساء الخير يا جماعة منورين .
استقبلت حماتها الرد بسخرية لاذعة، وعلى وجهها ابتسامة ممزوجة بالتحفز :
ـ مساء النور يا مرات ابني يا اللي لاطعانا من بقى لنا ساعة قاعدين لحد ما حضرتك شرفتي وحنيتي تخرجي تقابلي الناس اللي جايه بيتك ، مستكبره علينا ولا ايه يا ست "حنين" هانم ؟
تدخل "هاشم" ليهدئ الوضع، محاولًا ترميم الموقف بكلمات هادئة رغم توتره البادي :
ـ مفيش داعي للكلام ده يا امي "حنين" تعبانة من الحمل وكانت نايمة وانا ما قلتلهاش ان انتم جايين اصلا عقبال ما قامت من النوم ولبست هدومها أخدت وقت .
ثم أشار بيده نحو المقاعد مرحبًا بهم :
ـ اتفضلي اقعدي يا امي واستريحي بيتك ومطرحك يا ست الكل وانتِ واخواتي على راسي من فوق انا و"حنين" .
اختل توازن "حنين" داخليًا، فاختارت الهروب إلى المطبخ تحت ستار تقديم الضيافة، وهي تتحدث إلى نفسها بقهر :
ـ اهدي يا "حنين" اهدي يا ماما قلبك بيدق جامد كده ليه مفيش حاجة تستدعي اهدي
قدمت ما أعدته سابقًا وهي تأمل أن يمر الموقف بسلام لكن الهجوم لم يتأخر :
ـ اتفضلي يا ماما انتِ والبنات .
جاء رد حماتها جارحًا وكأنه سهام مسمومة توجه لقلبها مباشرة :
ـ هو ايه ده ان شاء الله؟!
انا ما بحبش الحاجات الملونة دي ولا باكل حاجة جايه من بره ولا القرف ده ينفعني كنتِ اسالينا عايزين نشرب ايه ولا احنا مش قد المقام ؟!
أجابت "حنين" بصوت مبحوح، وعينيها تطلبان إنصافًا من "هاشم" :
ـ والله ده جيلي يا ماما وانا اللي عاملاه في البيت مش جايباه جاهز .
ثم تنهدت وحاولت التراجع بلطف :
ـ لو تحبي اعمل لك حاجة تانية اؤمريني تشربي ايه وانا اعمله لك ؟
ردت حماتها باستياء بالغ وكأنها تبحث عن سبب لتفريغ غضبها :
ـ مالك قلبتي وشك كده ليه فيها ايه يعني لما اعترض على حاجة مش عاجباني انتي عاملاها ؟!
حاول "هاشم" إنهاء التوتر بإشارة منه :
ـ خلاص بقى يا امي لو مش عاجبك هي هتعمل لك الشاي اللي انتِ بتحبيه ادخلي يا "حنين" اعملي لماما شاي معلش .
وبصوت يغلبه الضيق تابع بعدما ذهبت زوجته :
ـ ينفع كده يا ماما المقابلة والمعاملة دي ، ليه تكسفيها كده قدام اخواتي وما يعجبكيش اللي هي مقدمه لك ؟!
انا نفسي افهم انتِ بتتعاملي معاها كده ليه ومش بتحبيها ليه ؟!
مع ان دي مراتي والمفروض تعامليها حلو زي ما بتعامليني .
سارعت والدته في الدفاع عن نفسها بنبرة مشحونة :
ـ الكلام ده يا عين امك لما تكون خارجة بنفس عشان تقابلنا اما الست هانم البرنسيسة اللي انت قعدت تتحايل عليها عشان تخرج تقابل امك واخواتك اللي ما بتفهمش في الأصول ما ينفعش تتعامل إلا بمعاملتها ،
يا واد ده انا سامعاها وهي بتقول لك مش خارجة يعني مش خارجة .
اشتد وجه "هاشم" انزعاجًا ومال برأسه في يأس :
ـ يا امي انا تعبت من المشاكل وتعبت من الحوارات وتعبت من الكلام الكتير خلاص بقى انتِ الكبيرة وبعدين بناتك عاملين فيها اللي مكفيينها وانتِ كمان لحد دلوقتي بتحلم بكوابيس رميتها في القبر، أرجوكِ يا امي هي خرجت وسمعت كلامي وقابلتكم كويس انتِ كمان تعاملي معاها كويس علشان انا اعرف اعيش .
وما أن أكمل حديثه حتى عاجلته والدته بهجوم جديد :
ـ انت ياض هتاخدني في دوكة ليه وبتبص لنا وانت بتجز على اسنانك كده ليه هو أنا قتـ.ـلت لك قتـ.ـيل ؟
اشتعلت نظرات شقيقتيه لتقول احداهن بنظرات ملتهبة بالسخرية وهي تراقب "هاشم"، كأنها تتحداه أن يرد أو ينطق، بينما كانت نبرة صوتها تنفث الحقد من قلبها :
ـ ولما مراتك يا "هاشم" بيه مش عايزه تقابل امك واخواتك كانت خرجت لنا ليه ؟!
عيب اللي هي بتعمله ده احنا كلنا متجوزين وفي بيوت ناس وعمرنا ما نستجري نعمل كده مع اهل اجوازتنا علشان امنا مربيانا على الأصول لكن شكل مراتك ما تعرفش الأصول.
نظر "هاشم" إليها بنظرة محمّلة بالغضب المكبوت، ثم التفت نحوها ليقاطعها بنفاد صبر وهو يضغط على أعصابه كي لا ينفـ.ـجر فيهم جميعًا :
بس انتِ يا حـ.ـريقة اطلعي منها انتِ واختك سيبيني انا وماما نتفاهم مع بعض وبعدين هو انتم جايين في صلح ولا جايين تفتحوا حوارات تانية وكفاية بقى كلام علشان هي خارجة دلوقتي بالشاي ويا ريت يا ماما نتعامل كويس مع بعض .
تحركت "حنين" بخطوات ثقيلة وهي تمسك بالصينية المرتجفة بين يديها، تحمل أكواب الشاي التي أعدّتها على مضض، قلبها يطرق في صدرها وكأنها تمشي نحو مواجهة لا تطيقها :
ـ الشاي يا ماما .
مدّت "أم هاشم" يدها بتكاسل نحو كوب الشاي ثم نظرت إلى "حنين" نظرة استخفاف قبل أن تهمس بنبرة تملؤها المرارة المستترة خلف المجاملة :
ـ تسلم ايدك يا مرات ابني ولو اني زعلانة منك علشان من ساعة ما جيت الشقه دي ما رفعتيش سماعة التليفون وسألتي عليا انا برده في مقام امك .
توسعت عينا "حنين" بتوتر لكنها تماسكت، محاوِلة أن تبقي صوتها هادئًا رغم غصّة الحزن التي علقت بحلقها :
ـ معلش يا ماما تعبانة من الحمل وبدوخ كتير وما بقدرش اخرج حتى ماما هي اللي بتجيلي اغلب الوقت علشان تشوفني محتاجة ايه في البيت وتساعدني .
أجفلت "أم هاشم" للحظة ثم أمالت رأسها بتصنع، وابتسمت ابتسامة مصطنعة وهي ترمي بجملتها التالية وكأنها تلقي بحجر في ماء راكد :
ـ مبروك على الحمل ربنا يكمل لك على خير عايزين نشوفك بقى بعد كده انتِ و"هاشم" انتم معزومين عندي يوم الجمعة.
تجمّدت ملامح "حنين" تمامًا، ثم بدأت تنسحب نظراتها نحو "هاشم" ببطء، بينما تسلل الذعر لعينيها وكأن ذكرى مؤلمة قد بُعثت فجأة من القبر، ورجفة مرت بجسدها كأنها خيط برد عابر :
ـ أممممم.. "هاشم" هيجي لكن انا مش بقدر اكل اي حاجه انا عايشه على الجبنة الرومي والتفاح فقط لا غير الحمل جاي لي مش قابلة أي أكل ولا ريحة أي أكل ولا بدخل المطبخ من الأساس.
قهقهت "أم هاشم" بضحكة خافتة ثم تطلعت إليها باندهاش مصطنع :
ـ؛يا عيني عليك يا ابني امال بتاكلي ايه جبنة رومي وتفاح معاكي من غير ما تطبخي له لقمه هنية تسري على بدنه ؟
نطقت "حنين" مسرعة، وكأنها تحاول الدفاع عن نفسها من سيل الاتهامات المبطنة الذي ينهال عليها :
ـ لااا والله ماما بتيجي تطبخ لي الأكل اللي يكفيني يومين لأني مش بقدر اقف في المطبخ ولا أشم ريحة الأكل.
أشاحت "أم هاشم" وجهها ونظرت إلى "هاشم" باستنكار واضح، ثم زفرت من أنفها طيلة جلستها معهم حتى انتهت وغادرو المكان أخيراً.
*******
كانت الريح تسري في الأجواء وكأنها تحمل معها غضبًا قديمًا لا يريد أن يهدأ، وكانت السماء ملبدة بالغيوم في يومٍ ليس كغيره من الأيام، وكأنها تعكس توترًا دفينًا يسكن القلوب. جلس "رسلان" أمام والدته، ينظر في عينيها بتردد، لكنه كان عازمًا هذه المرة على ألا يتراجع، مهما علا الصوت واشتد الهجوم:
ـ انت بتقول إيه يا "رسلان"؟ انت عايز تتجوز من الفلاحين؟! انت إزاي تجرؤ تفكر في حاجة زي دي؟ أنا طول عمري بعداك عن هناك، اعمل حسابك، الموضوع ده يستحيل يتم. أنا عمري ما هوافق إنك تتجوز الجوازة دي مهما تعمل. انسى الموضوع ده نهائي.
اشتعل قلب "رسلان" بغضب مكبوت، حاول جاهدًا أن يبقي صوته هادئًا، لكنه لم يعد يحتمل هذا النوع من الاحتقار لأحلامه ومشاعره. كانت كلماته تخرج منه بشجاعة رجل قرر أن يتحرر من قيود قديمة:
ـ ليه يا "ماما" بتقولي كده؟ "دعاء" على فكرة بنت أختك، وأنا حبيتها وتعلقت بيها، وأنا وهي طول الشهور اللي فاتت دي بنتكلم مع بعض، ووعدتها إن أنا هاجي أخطبها. مش بعد ده كله عايزاني أروح أقول لها إن أنا مش راجل ومش متربي وإن أنا مش قد وعدي معاكي؟!
ارتسم الذهول على وجه "نعمات"، لم تصدق ما تسمعه من ابنها، شعرت وكأن العالم ينهار تحت قدميها، فصرخت بأعلى صوتها وقد انفلتت أعصابها تمامًا:
ـ هاااااا يا نهارك مش فايت يا "رسلان"! بتتكلم وتحب بنت خالتك من ورايا؟! وشهور كمان؟! وأنا آخر من يعلم؟! إزاي تعمل عاملة زي دي، وانت عارف إن أنا ما فيش بيني وبين أختي أي مودة ولا اتصال خالص، وأنا وهي مش بنستريح لبعض! إزاي عايزني أخطب بنتها ليك؟! إزاي تعمل كده؟!
كان "رسلان" يدرك أن تلك المواجهة كانت حتمية، وها قد حانت اللحظة، نظر لأمه بحزم لكنه كان يحاول أن يكون عادلًا، فالمشاعر لا تعرف العداوات العائلية:
ـ والله يا "ماما" اللي بينك وبين "خالتو" أنا ما ليش علاقة بيه، وما تدخلينيش في الحوارات والمشاكل اللي دايمًا ما بينكم. أنا و"دعاء" بنحب بعض، وبعدين "خالتو" عمرها ما قابلتني وحش، ولا تعاملت معايا وحش، ولا كلمتني بطريقة مش كويسة زي اللي انت بتعاملي بيها "دعاء" لو اتقابلنا في أي مناسبات.
أشاحت "نعمات" بنظرها بعيدًا، كانت الكلمات تلسعها كما النار، تحاول أن تحمي كبرياءها، لكن الغضب كان يفيض منها كما الفيضان:
ـ آه، ما هي "خالتك" لازم تمسك فيك بإيدها وسنانها وتعاملك حلو! ما انت صيدة سهلة وحلوة وهتلاقي جوازة لبنتها أحسن من دي فين!
أغلقت الحقيبة الجلدية الصغيرة التي كانت على الطاولة، ونظرت لساعة يدها كمن يريد أن يهرب من حديث لا يُطاق، ثم تابعت ببرود مستفز:
ـ بص، أنا مش فاضية للكلام ده دلوقتي، أنا ورايا اجتماع في الجمعية، واعمل حسابك، الموضوع ده منهي ومش هنتكلم فيه تاني. ما فيش جواز من "دعاء" دي نهائي، وإذا كان ولابد إنك عايز تتجوز، أخطب لك بنت "سلوى" صاحبتي. بنت من عيلة وشيك، وإذا كان على الجمال مش هقول لك بقى، حاجة واو.
لمعت عينا "رسلان" بالحزن والخذلان، لم يكن يتخيل أن أمه ستقف بهذا الشكل القاسي أمام حبه، لكنها دائمًا كانت تضع المكانة الاجتماعية قبل القلوب:
ـ آسف يا "ماما"، أنا لا هخطب بنت صاحبتك ولا أي واحدة انت هتجيبيها لي. أنا عايز واحدة ست بيت، فاهمة يعني إيه جواز ومسؤولية، فاهمة يعني إيه تربية أطفال لما نخلف في يوم من الأيام. أنا مش مستعد ولادي يعيشوا اللي أنا عشته معاكي انتِ و"بابا".
تقدمت "نعمات" خطوة للأمام وقد علا صوتها بغضب، كانت تشعر أن هيبتها بدأت تنهار أمام ابنها، فحاولت استعادة السيطرة ولو بالتخويف:
ـ انت تقصد إيه يا ولد؟! انت مش محترم علشان تتكلم مع مامتك بالشكل ده؟! اعمل حسابك يا "رسلان"، ما تستدعيش غضبي عليك أكتر من كده، ويكون في معلومك أنا خلصت كلامي. لا أنا ولا "بابا" هنيجي معاك تخطبها، ابقى روح بطولك بقى.
من خلف الباب، أطل "الجد" بخطوات بطيئة، لكنه كان حاضرًا بقلبه وعقله، تابع الحوار بصمت، ثم اقترب ليقول كلمته، لكن "رسلان" سبقه إلى الرد:
ـ ويروح بطوله ليه يا بنت "أبوكي"؟! "جدو" أهو عايش، حاسه في الدنيا، يروح معاه يخطبه له ويجوزها له، ولا الحوجة ليكي ولا انتِ ولا أبوكِ اللي ما تعرفوش عنه حاجة.
أخذ "الجد" نفسًا عميقًا، كان يحاول أن يتمالك أعصابه، ووجه حديثه لابنته بصوت رخيم يحمل الكثير من العتاب والحسم:
ـ وتاني مرة لما تيجي تتكلمي عن أختك اللي من لحمك ومن دمك، تتكلمي بطريقة كويسة. احذري غضبي عليكِ المرة دي يا بنت، المرة الجاية مش هعمل لكِ أي اعتبار. ولازم بقى تفهمي إن "رسلان" ما بقاش صغير، ومن حقه يختار الزوجة اللي هتعيش معاه.
ثم التفت إلى "رسلان"، ونظر له بعينين فاضلتين بالحنان والفخر، وقال له كلماته التي طالما انتظر أن يقولها:
ـ وانت يا "رسلان" يا ابني، يا زين ما اخترت، "دعاء" زينة البنات، دي اللي هتشيلك في عينيها وهتحافظ على بيتك، وهتحافظ على شرفك، وهتبقى ليك زي ما تتمنى وأكتر. انت اختيارك يا ابني في محله، وأنا المرة دي هفضل جنبك لحد ما أجوزها لك بنفسي سواء أمك رفضت أو وافقت.
كان الهواء في الغرفة ثقيلًا، مليئًا بالكلمات غير المنطوقة والقرارات القاسية التي اقترب موعد إعلانها. كانت "نعمات" تقف في منتصف الغرفة وقد شاب وجهها ملامح الغضب والعناد، بينما جلس "رسلان" إلى جوار "جده" كمن يستمد منه القوة الأخيرة ليقف في وجه أكثر معاركه مصيرية:
ـ معلش بقى يا "بابا"، اطلع انت بقى من الحوار ده، وتهديداتك اللي انت بتهددها لي كل مرة وأنا بخضع لأوامرك مش هتمشي عليّا، ولا الولد ده هيتجوز الجوازة اللي مش من مستوانا خالص دي وبراحتك، البيت بيتك برضه.
كانت الكلمات الأخيرة كالسهم الذي نفذ في صدر "رسلان"، شعر بأن كل ما بينه وبين والدته قد انكسر، نهض من مكانه بخطوات ثابتة، ولكن قلبه كان يرتجف من الداخل:
ـ طب معلش، انتِ بقى، أنا الكيل طفح منك، أنا فعلا همشي، ومش داخل لكِ البيت ده تاني.
في تلك اللحظة، تحرك "الجد" من مكانه، نظر إلى "رسلان" بعينين فيهما حنو وقلق، ثم تكلم بصوت خافت لكنه حاسم، فأومأ "رسلان" برأسه وأجاب بإصرار:
ـ هتيجي معايا يا "رسلان"، ولا هتفضل قاعد هنا؟
أدار "رسلان" وجهه إلى "جده"، وهو يقاوم دمعة كادت تخونه، وقال كلماته وكأنها قسمٌ لا رجعة فيه، كانت كلماته تخرج من قلبه كما هي دون تنميق :
ـ أنا هقعد هنا لمين يا "جدو"؟! أكلم الحيطان ولا أتعامل مع الشغالين اللي موجودين في البيت؟! أنا ما ليش غيرك هنا بتكلم معاه وفضفض معاه، انت كل حاجة ليا في الدنيا يا "جدو"، ولو خرجت من الباب ده أنا معاك، ومش هسيبك، ما اقدرش أعيش أصلًا من غيرك.
احمر وجه "نعمات" من الغيظ، لم تكن تتخيل أن يصل بها ابنها إلى هذه الدرجة من التحدي، فاتجهت نحوه بعينين تقدحان شررًا، وقالت بحدة:
ـ آه يعني انت و"جدك" اتفقتوا عليّا؟! اعمل حسابك، لو خرجت من هنا مش هصرف ولا مليم على جوازك، ولا هتشوف مني أي حاجة. وتسيب مفتاح العربية والكريدت كارد قبل ما تخرج.
كان وقع كلماتها على "رسلان" مؤلمًا، لكنها لم تكن مفاجئة، فأمه دائمًا ما استخدمت المال كأداة للتحكم، فرد عليها بنبرة هادئة لكنها حاسمة:
ـ عايزة تاخدي مني العربية والكريدت كارد يا "ماما"؟!
تنهد طويلًا وهو يشعر بالخذلان الكامل، كان الأمر أشبه بمن يُسحب منه آخر خيط كان يربطه ببيتٍ لم يعرف فيه سوى البرد والجفاء :
ـ حتى الحاجات اللي انتِ اديتيها لي وسمحتي لي بيها مش ملكي؟! يعني انتِ بتقولي لي ملكش أب وملكش أم لا بالاسم ولا بالفعل؟! شكرًا يا "ماما" على كل حاجة عملتيها معايا، من مشاعر مفقودة من الأم لابنها، من الحضن اللي عمري ما شفته منك، من أي اهتمام مش موجود أنا لو خرجت مع "جدو" المرة دي يا "ماما"، اعملي حسابك إن أنا مش راجع البيت ده تاني.
صرخت "نعمات" بأعلى صوتها وقد بدأت تفقد سيطرتها، كأنها تحاول أن تستعيد ما سُلب منها، ولكن الزمن كان قد فات :
ـ انت بتهددني يا ولد؟! هي دي التربية اللي انت متربيها؟! سكة السلامة، انت حر، وانت الخسران! وزي ما بتهددني، أنا كمان بعرفك لو خرجت من الباب ده، اعمل حسابك مش هتدخله تاني.
رفع "رسلان" حاجبيه ساخرًا، ثم ابتسم ابتسامة مريرة وهو يوجه كلماته الأخيرة، كمن يُعلن خروجه من السجن إلى الحياة:
ـ ها، أنا هخرج من السجن يا "ماما" انتِ دلوقتي بتديني حريتي، شكرًا ليكي جدًا على الكادو الجامدة دي يا "نعمات هانم"، يلا يا "جدو".
نهض "الجد" بهدوء من مكانه، ومد يده إلى حفيده، وقال كلمته الأخيرة، وكأنها وثيقة عهد بينهما:
ـ يلا يا ابني، اطلع لمّ هدومك هنمشي من هنا، كفاية علينا تحمل قسوة وجبروت لحد كده.
كان خروج "رسلان" من البيت كأنما تحرر من عبء سنوات طويلة، لكنه لم يكن يعلم أن كلماته الأخيرة قد تركت نارًا مشتعلة خلفه.
ـ مع السلامة يا "رسلان"، مش مسامحاك يا "بابا" علشان قويت ابني عليّا، وخليته يستكبر على أمه وما يسمعش كلامها. مش مسامحاك خالص.
وقف "الجد" عند الباب، ثم التفت نحو ابنته بنظرة حزينة، ولكنها مليئة بالصدق، وقال لها ما لم تكن تتوقع سماعه أبدًا:
ـ انتِ اللي زيك يا بنتي أعمى القلب والنظر، واللي زيك ربنا ما يقبلش منهم مسامحة ولا غير مسامحة. الله يهديك يا بنتي، ويرجعك عن العنطزة والكبر اللي انتِ فيهم دول. الله يهديكي، اعملي حسابك، أنا هتمم جوازة "رسلان" و"دعاء" بنت أختك، سواء وافقتي أو ما وافقتيش، وصرفتي أو ما صرفتيش. أنا "أبوكي" خيره مغرقك من ساسك لراسك، وكل ما أملك من أرض وفلوس في البنك، ما بعملش بيها حاجة. هجوز بيها "رسلان"، وهجيب له عربية بدل اللي انتِ أخدتيها منه، وهوصله لبر الأمان، وهفتح له صيدلية كبيرة كمان. وانتِ بقى، الله يعينك على نفسك.
اقترب خطوة منها، وقال كلماته الأخيرة، وكأنها وصية من أبٍ حزين على ضياع ابنته:
ـ وأنا مش بقول لكِ كده علشان خاطر ألوي دراعك لا سمح الله، أنا بقول لكِ كده علشان تراجعي نفسك، وتعرفي إن ابنك مش مستني فلوسك، ولا محتاجها أصلًا، ولا هيرجع لكِ علشان خاطر هتذليه بالفلوس أنا بقول لكِ كده علشان تفكري إنك زي ما بتزرعي في قلب ابنك قسوة، هتحصدي قسوة، وانتِ ما لكيش غيره، وهو اللي هيشيلك انتِ وأبوه في كبركم. فلما يخرج من هنا، هيعرف إن انتِ عملتيه بقسوة، وما شافش منك حنية في يوم من الأيام علشان كده حصادك هيبقى معاه قسوة لما تكبري اللهم بلغت، اللهم فاشهد. أنا كده خلصت ضميري من ربنا معاكي في كل حاجة الله يعينك على حالك يا بنتي.
********
ظلت مقابلتهم تلك ثقيلة كالحجر على صدرها حتى غادروا وانفرد "هاشم" بها حتى هدر بها :
ـ ما جرالكيش حاجة يعني لما خرجتي قابلتي ماما واخواتي بس يا "حنين" عمري ما هنسالك كلامك اللي انتِ قلتيه ولا انك خليتيني اقف اتحايل عليكِ عشان تخرجي تقابليهم ولا الموقف البايخ العرة اللي انتِ حطيتيني فيه ده .
شعرت "حنين" بحرارة خديها تشتعل، وانخفض صوتها وهي تحاول تبرير نفسها، وكأنها تُجلد بكلمات لا تقوى على ردّها "
يا "هاشم" والله غصب عني ما كنتش مؤهلة نفسي ان انا اخرج وكمان انت ما قلتليش انهم جايين قبل ما يجوا غصب عني رد الفعل نتج بتهور مني لأني ما كنتش عاملة حسابي على كده .
نفخ "هاشم" من أنفه بعصبية، ثم أشار بيده وهو يحدق بها بحدة وكأنه يوبخها أمام الجميع :
ـ كنت بتقولي عن التربية وعن امك والحوارات دي الأصول بتقول يا هانم لو انتِ شايفه ان انت بتفهمي فيها ان من جالك بيتك جاب الحق عليك وهم جايين علشان يقعدوا معاكي ويباركوا لك على الحمل ويراضوكي على اللي حصل منهم وانتِ بكل بجاحه تعلي صوتك عليا وتقولي مش خارجة لدرجة ان امي واخواتي سمعوكي وانتِ بتتكلمي بالطريقة دي صدقيني يا "حنين" انا انصدمت فيكِ انتِ خذلتيني قوي .
عينا "حنين" تغرورقان بالدموع، ويداها ترتجفان وهي ترد بصوت متهدج ممزوج بين الغضب والانكسار :
ـ يا "هاشم" حرام عليك كل شوية مشاكل وحوارات انا تعبت من ساعة ما اتجوزت من كتر المشاكل ومن كتر الحوارات اللي انا داخلة فيها أنا حاسة إن أنا الوحيدة اللي في الدنيا اللي عايشه في مشاكل ، حماتها مضايقاها واخوات جوزها مش راضيين يسيبوها في حالها من اول ثانية دخلت فيها البيت وانا عايشه معاك في صراعات ومعاهم هم كمان انا تعبت ونفسيتي تعبت انا كرهت الدنيا وكرهت نفسي يا رب اموت يا شيخ عشان تستريح .
ارتفع صوت "هاشم" فجأة وقد نفد صبره، فاهتز صوته بالغضب والخذلان :
ـ انتِ بجد إنسانة مستفزة ما عندكيش حاجة غير انك تعيطي وتقابلي المواقف بضعف زيك بالظبط ، الدنيا كلها في مشاكل والدنيا كلها في حوارات وما فيش حد خالي من الهموم بس في حاجة اسمها عقل لازم تستخدميه في مواجهتك للأمور وعياطك المرة دي مش هيشفع لك عندي يا "حنين" .
عادت "حنين" تتحدث، هذه المرة وهي تضع يديها على بطنها وتكاد تتوسل في صوتها :
ـ هو انت مش ملاحظ ان انا حامل وفي بدايه حملي وهرمونات الحمل عندي تعباني وجايبه لي اكتئاب ليه مش قادر تحتويني ولا تحتوي مشاعري وزعلي وحزني وخوفي ؟!
لو مش خايف عليا خاف على اللي في بطني يا "هاشم" وبلاش تتعامل معايا بالطريقة دي آخر مره الدكتور قال لك بلاش تتعصب عليها وبلاش تخرجها عن شعورها عشان ده خطر على الجنين .
انخفض صوت "حنين" أكثر وكأنها تلقي اعترافًا نابعًا من قلبها المرهق، بينما كانت تحدق في الأرض :
يا "هاشم" انا ما صدقت ان انا حملت وخلصت من ملامات الناس وكلامهم ارجوك انا مش عايزه اعيش في مشاكل ، مش عايزه رعب، مش عايزه نفسيتي انا واللي في بطني يتأثروا بأي حاجة ممكن تحصل منهم في اي وقت لو رجعت تعاملت معاهم تاني، انا المرة اللي فاتت كنت هموت يا "هاشم" لما اترميت في القبر.
رمقها "هاشم" بنظرة طويلة صامته، ثم أدار وجهه وهو يتمتم بغضب مكتوم وحزن خفي.
ـ مهما تقولي انا مش طايق ابص في وشك ولا طايق اسمع منك ولا كلمة ولا أي مبررات وبجد انا قرفت من العيشة معاكِ انا دايما في اي مواقف بتحصل ضدك منهم كنت بدعمك، دايما كنت ضهرك وسندك ، عمري ما قلت دي امي وما ينفعش ، كنت دايما بنصفك عليهم علشان انا عارف ان انتِ مظلومة ،ما راعيتيش حاجة زي دي ولا راعيتي جوزك وكبرتيني وخرجتي من غير ما اقعد اتحايل عليكِ وتسمعيني كلام زي السم ؟!
مش كنتِ من شويه بتقولي لي لو على طلاقي وعايزه تخربي البيت علشان عقلك الصغير انا بجد مصدوم فيكِ صدمة عمري .
أطلق تنهيدة طويلة، ثم مشى نحو الباب وهو يلوّح بيده دون أن ينظر خلفه :
ـ عياط عياط اديني غاير وسايب لك البيت حاجه تقرف وعيشه تزهق .
*********
مرّ أكثر من شهرين على ذلك الخصام الموجع الذي فرّق بين قلبين كانا لا يفترقان، وكأن الزمن قرر أن يمرّ ببطء ثقيل، يسكب مرارته في كل لحظة من لحظات "حنين"، أيامها كانت متشابهة، صامتة، لا يُسمع فيها سوى أنينها الخافت، ونظرات "هاشم" الباردة التي تمرّ عليها كالسكاكين، لا تلمسها إلا لتُوجع، ولا تستقر في عينيها إلا لتزيدها خذلانًا ،
لم يكن "هاشم" ذلك الزوج الذي يعرف اللين في الخصام أو يُداري ضعفات الحب ، بدا كأن داخله انطفأ وكأن شيئًا من الجليد تسرّب إلى قلبه، فلم يعد يرى "حنين" إلا صورة باهتة من موقفها في تخطي رجولته وعنادها عليه ، كانت كل محاولاتها تبوء بالفشل، كأن بينهما حائطًا من العناد والخذلان لا يُكسر، كلما اقتربت خطوة عاد هو للخلف خطوتين ،
حاولت أن تُحادثه، أن تعتذر، أن تُبرّر حتى بدموعها المرتبكة وخوفها الذي يسكن ملامحها، لكنه ظل جامدًا، لا يلتفت، لا يرد، لا يُلين صمته ولا يُذيب قسوته مهما زاد اشتياقه لها ، كان يعاملها بنديّة صلبة، لا ينطق بكلمة إلا إن اقتضت الضرورة، وإن نظر لها فبعين غاضبة لا تخلو من العتاب المرّ ،
لياليها الطويلة لم تكن تنتهي إلا بدمعة، ونهاراتها تمرّ كأنها عقاب يتجدّد، تحيا في نفس البيت، ولكنّها تغدو كغريبة تُقيم في قلب من لا يرى فيها إلا كرامته المبعثرة لم تُغتفر بعد ، كانت تُعدّ الأيام بين لحظة وأخرى، لعل قلبه يلين، أو يحنّ لصوتها، أو يسأل عن جنينها الذي يكبر في أحشائها، ولكن عبثًا، فقد أصرّ "هاشم" على العقاب، وأقسم بصمته أنه لن يصفح بسهولة ،
عاد "هاشم" من عمله متعبًا كعادته، خطواته مثقلة بالصمت والخذلان، وجهه يعلوه الإرهاق، فتح باب الغرفة بنية أن يبدّل ملابسه، كمن اعتاد الوحدة حتى في حضرة من أحب ،
لكنّه ما إن خطت ساقيه الغرفة حتى توقفت قدماه عند العتبة ،
فقد كانت "حنين" واقفة أمام المرآة، وقد تأنّقت بعناية لا تخفى على قلبه قبل عينيه. ترتدي فستانًا بسيطًا بلون هادئ، شعرها مسدول على كتفيها كجدولٍ من السكون، وعطرها القديم، ذاك الذي يضرب في أعماق ذاكرته، يملأ المكان كأنّه نداءٌ خافت للرحمة ،
تجمّد "هاشم" مكانه ،عيناه ارتفعتا ببطء، مرّتا على ملامحها كأنهما يراها للمرة الأولى بعد غياب طويل، نظراته حملت شيئًا من الدهشة، شيئًا من الضعف الذي حاول إخفاءه خلف حاجبيه المتجهمين ،
أما هي، فاستدارت نحوه بهدوء، لم تتكلم، فقط نظرت نظرة فيها كل ما لم يُقال، وكل ما تمنّت أن يسمعه منها دون كلمات ،
لكنه تمالك نفسه سريعًا، أشاح وجهه عنها، وتقدّم نحو الخزانة ليمدّ يده إلى ملابسه كل حركة منه تقاوم رعشة داخله، وكل عضلة في وجهه تتشبث بالجمود، رغم أن قلبه ارتجف من لحظة رؤيتها بتلك الهيئة المهلكة ،
تقدّمت "حنين" نحوه بخطواتٍ متردّدة، لكنها مشبعة بالشوق، كأنّ كل نبضة في صدرها تدفعها نحوه رغم خوفها من ردّه، رغم صمته الذي طال وتجمّده أمامها كانت عيناها تراقب ملامحه، تبحث عن منفذٍ صغير يدخلها إلى قلبه الذي أغلق أبوابه دونها ،
ارتجفت أناملها وهي تلامس كتفه، ثم امتدّت ذراعاها ببطء لترتمي حول عنقه قلبها يخفق بقوة، وشفتيها ترتجفان، كأنّها تهمس بكل ما لم يُقال طيلة شهورٍ من الخصام، وضعت كفّيها على وجهه، ورفعت عينيها لتغوص في عمق عينيه، تبحث عن أثرٍ لبقايا الحنين، عن ملامح رجلٍ أحبها بصدق ذات يوم وهي خذلته ،
أما"هاشم" لم يتحرك، جسده متيبّس، لكن روحه كانت تمور تحت جلده كبركانٍ مكبوت ، كم تاق إلى هذا القرب، كم اشتاق لعناقها، لصوتها، لأن تلمس يدها وجهه بهذا الحنان ، لكنه تراجع داخل نفسه، تمسّك بكبريائه كدرعٍ يحميه من الانكسار ،
عيناه لم تفلت عينيها، قلبه ينتفض وهو يشعر بحرارة أنفاسها، ودفء لمستها ،كان على شفا الاعتراف، على شفا الانهيار، لولا ذلك الجدار الشاهق الذي أقامه بينه وبينها اسمه الكرامة فتحمحم بنبرة خشنة وهو يحاول إبعاد يدها عنها :
ـ عايزة ايه ؟
أجابته وهي تقترب منه أكثر حتى التصقت بصدره وقد اشتـ.ـعلت روحها من الابتعاد عنها حتى قالت بهمس ناعم يشبهها مما جعله ارتبك حتى برزت عروق رقبته من اقترابها ورائحتها المسكرة له وهو يستمع إلى همسها الرقيق في مطالبتها بقربه صراحة دون أن تخجل :
ـ عايزاك ، عايزة قربك ، وحشني حضنك وريحتك ، وحشتني كلك يا "هاشم" كفاية بقى ،كده كتير قووي عليا بقى لك اكتر من تلت شهور وانت متجاهلني تماما وأنا خلاص جبت أخري .
تدفقت مشاعر "هاشم" داخله كالسيل يشتهي قربها حدّ الوجع، يتوق للمسةٍ تُعيد إليه دفءَ قلبه المُتجمد، همسها الناعم اخترق جدار صمته، فأشـ.ـعل في جسده وعقله ثورةً من الاشتياق المكبوت لكنه ظلّ متجمداً، مشلولاً بين رغبةٍ عارمة في احتضانها وكبرياءٍ جريح يردعه عن الانكسار أمامها حتى أغمض عينيه وهو يحاول جمح مشاعره واهتزاز جسده في اقترابها ويضم أصابع يده بقوة حتى آلمه عروقها من ضمته القوية ويغمض عينيه وكأنه يهرب من سحر عينيها اللامعتين حتى خللت أصابعها بين خصلات شعره من الخلف وهي تقترب منه وقبلته من وجنته قبلة رقيقة أطاحت بثبات ذاك الـ"هاشم" حتى سمع اعتذارها :
ـ أنا آسفة حقك عليا يا حبيبي أنا عرفت إني كنت غلطانة وأوعدك هحاول أفهمك أكتر بعد كدة بس بالله عليك كفاية بعد ،
ثم أمسكت يده ووضعتها على بطنها وهي تحركها بحركة دائرية وبملمس ناعم كي تكمل على ما تبقى من ثباته الواهي :
ـ أنا والبيبى بنقول لك وحشتنا يا بابي قووي ، والدكتورة قالت لي النهاردة إني هخلف بنوتة وهتطلع قمر لباباها ، سلم على بنوتك بقى وبوسها واحضنها علشان تحس بيك .
بدهاء أنثوي فطري، راحت "حنين" تنسج خيوط فتنتها حوله بصمتٍ محسوب، تدرك مواطن ضعفه وتُشعلها دون أن تنبس ببنت شفة ، نظراتها مشتاقة متعمّدة، تتنقّل بين ملامحه برقةٍ خادعة، كأنها تزرع نداءات خفية تحت تأثره البادئ على معالمه بخطواتها المحسوبة لقربه ومصالحته، نبرتها هامسة، وعطرها يعبث بأنفاسه كلما اقتربت منه ،لم تكن تتوسل، بل تُغريه بالحنين، وتستدعي رجولته كي تتحرر من كبريائه وخصامه اللعين هي لا تتركه يفكر بل تُجيد لغة العيون واللمحات، تفتح له باب العودة دون كلمة، وتترك له شرف المبادرة، كأنها تُذكي نيـ.ـران الشوق بلمحة ثم تختفي تاركة قلبه يتقلب بين لهفةٍ وغرام حتى هتف بنبرة حزينة :
ـ بس أنا مش قادر أتخطى زعلى منك ولا انك قدرتي تكسري كلمتي ولا قادر أشوفك غير انك واحدة عايزة تركب وتدلدل وانا مش الراجل اللي تمشيه ست يا "حنين" .
رفعت "حنين" عينيها إليه بنظرة مبللة بالدموع، تفيض بالندم والرجاء، كأنها تنطق بما لم تسعفها به الكلمات تسللت أناملها المرتجفة إلى يده، فاحتضنتها بين كفيها برقةٍ خجولة، وانحنت تقبّل باطنها قبلةً تلو الأخرى، وكل قبلة تحمل في طياتها رجاءً صامتًا، واعترافًا صريحًا بخطئها وكانت نظراتها تنطق "سامحني،لا تهجرني ،قل لي إنك ما زلت تحبني هاشمي نظراتها تُلملم ما تبعثر بينهما من ود، ودموعها تسقي بقايا العتاب علّها تُزهر وصالًا جديدًا ،وبين كل قبلة ونظرة، كان قلبها يهمس له برجاءٍ خافت ؛اغفر لي وامنحني فرصةً لأُصلح ما انكسر وهي تردد برجاء:
ـ خلاص والله العظيم ما هتتكرر تاني انا عمري ما هرد لك كلمه تاني وهسمع كلامك في كل اللي انت عايزه مني بس ارجوك كله الا البعد والجفا المده الطويله دي كلها يا هاشم انت خصمك صعب قوي وانا بصراحه ما بقتش قادره اتحمل اكثر من كده بعدك عني انت وحشتني يا هاشم وحشتيني قوي وحشني حضنك وريحتك وكل حاجه فيك وحشتني وحشني كلامك وحشني ضمتك اللي كانت بتكسر ضلوعي وانا بين ايديك .
ما إن شعر "هاشم" بحرارة قبلاتها المتفرّقة على باطن يده حتى انفرجت أسوار كبريائه دون مقاومة، لم يستطع الصمود أمام عتاب عينيها وارتجافة أناملها، فقد كانت كل حركة منها تُوقظ فيه رجولةً متعطشة، وحنينًا كاد يقتله بصمته ،هو أيضًا كان في حاجة إليها، إلى دفء وجودها، إلى أنفاسها التي تنثر الطمأنينة في قلبه ،
ثم اقترب منها ببطء، كأن خطواته تمحو ما كان بينهما من خصام، رفع يده يمسح دموعها بطرف أصابعه، لم يكن يطيق رؤيتها منكسرة، وبداخلها هذا الكم الهائل من الرجاء ثم انحنى يقبّل عينيها كمن يُكرّم أمانه ضائعة ،
ثم احتواها بذراعيه في حضنٍ طال انتظاره، حضن اشتياق لا يشبه أي حضن، وكأنهما يستعيدان من خلاله كل ما سُلب منهما في لحظات الجفاء، قبِل اعتذارها بصمتٍ ناعم، وانسابت الليلة بين أنفاسهما المتشابكة، كأنها ولادة حبّ جديد ، ليلتهما تلك لم تكن مجرّد لحظة تصالح، بل كانت انفجارًا من المشاعر العميقة، منحنية في حضنٍ جمع ما فرّقته العناد والخصام حتى قال وهو يشدد من احتضانها أخيراً:
ـ أنا بعشقك قووي يا "حنين" إنتي حبي المتمرد اللي مش قادر على كبح جماحه .
***********
كانت القاعة مزينة بأنوارٍ تتراقص كقلوب الحاضرين، والورود البيضاء تتفتح كأنها تشارك في الاحتفال بفرحٍ طال انتظاره ،
كل شيء في المكان يشبه الحلم، والموسيقى تعزف لحنًا لا يُشبه سوى قصة حب نبتت رغم الألم ، اصطف الحضور على الجانبين، وارتفعت الهواتف تلتقط اللحظة التي ينتظرها الجميع، لحظة دخول "نور" و"يحيى"
ظهرا من بوابة القاعة بخطواتٍ هادئة تنبض بالرقي، "يحيى" بثيابه الكلاسيكية الأنيقة ونظرته التي لا تغادر وجه عروسه ،
أما "نور" فكانت كأنها ضوءُ قمرٍ يمشي على الأرض، بفستانٍ أبيض ينساب كالماء، وتاجٍ صغير يزين رأسها كأنها ملكة ،
اقتربا من منتصف القاعة والأنظار تتبع خطواتهما كأن العالم كله توقف ينتظر هذه اللحظة ثم مال "يحيى" برأسه نحوها يهمس لها والابتسامة لا تفارق وجهه :
ـ أنا مش مصدق إنك بقيتي مراتي بجد
النهاردة أنا شايفك زي القمر اللي بينور لي الدنيا ،أنا كنت دايمًا بحلم باليوم ده من غير ما أعرف شكله ، بس النهاردة شكله أجمل بكتير من اللي كنت متخيله .
ابتسمت "نور" برقةٍ تحمل كل خجل الدنيا، ورفعت عينيها إليه كأنها تراه لأول مرة في عُمرها :
ـ وأنا كمان مش مصدقة إني داخلة فرحي وإنت جنبي ، كنت دايمًا بفتكر إن الأحلام مش ليا وإن الفرحة بتعدي من غيري بس وجودك جنبي خلاني أصدق إن ربنا بيعوض
وحسيت إن كل حاجة وحشة فاتت كانت علشان اللحظة دي ،
واصلا طريقهما على سجادٍ طويل تحفّه الورود من الجانبين، وكل خطوة تحمل ذكرى
ذكرى دمعة، ضحكة، حلم ضائع، ثم حلم تحقّق بين يديّ القدر ، جلسا أخيرًا على كوشةٍ تتلألأ بلون الذهب الخفيف، وجلس بجوارهما الفرح نفسه ،أنوار القاعة انعكست على عيني "نور" فزادتهما بريقًا كأنهما مرآتان تعكسان روحًا صافية ،التفت "يحيى" إليها من جديد، يرمقها بعين لا تشبع من رؤيتها :
ـ أنا عايز الليلة دي تفضل محفورة جواكي دايمًا ،كل ضحكة وكل لحظة فيها تبقى ذكرى بنرجع لها كل ما الدنيا تتعبنا ،أنا مش عايز غير إنك تكوني مبسوطة، مش عايز أشوف غير الفرح في عينيكي كل يوم .
أمسكت "نور" بيده بخفة وضغطت عليها ثم اقتربت منه أكثر :
ـ طالما إنت جنبي عمري ما هعرف غير الفرح
أنا مشيت كتير لوحدي ودلوقتي بقيت ماشية معاك حاسّة إني بقيت قوية بيك
حاسّة إن اللي جاي معاك أجمل من أي حاجة فاتت .
صوت الأغاني ارتفع من حولهما، والناس ترقص، لكنهما كانا في عزلةٍ تخصهما وحدهما
كأن العالم كله خارج هذه اللحظة، وهما فقط من يعرفان عمق ما يشعران به ،اقترب "يحيى" من أذنها، وهمس لها بخفة وصوت متهدج بالحب :
ـ كل نظرة من عنيكي بتسرق قلبي أكتر
كل مرة تضحكي فيها بحس إني ملكت الدنيا
أنا مش عايز غير اللحظة دي تفضل ثابتة
أنا جنبك هنا ومش ناوي أسيبك لحظة .
ضحكت "نور" ضحكة قصيرة، وغطت وجهها بيدها كأنها تخفي فرحتها التي لا تُخفى :
ـ ده أنا حتى لما كنت بحاول أخفي فرحي منك عن الناس كان قلبي بيفضحني
كنت بحاول أكون عادية وسط الكل بس عنيك كانوا بيسحبوني ، كنت كل ما تبص لي أحس إني مش شايفة حد غيرك
وكل مرة كنت بعدي فيها جنبك كان قلبي بيجري قبل رجلي ، بحبك يا "يحيى"
قبلها من كلتا يديها ثم قبلها من جبينها وهو يشعر بسعادة العالم أجمع :
ـ وأنا بعشقك يا قلب وعمر وروح "يحيى" بعشق يا نور العين .
طلب المصور منهما أن يقفا لأخذ صورةٍ وسط القاعة فابتعد "يحيى" ومد يده ليمسك بخصرها برقة فاستندت "نور" إليه كأنها تسند العالم ، الكاميرا التقطت لحظة لا تُلتقط حبٌ صافٍ لا تشوبه لحظة تردد، ولا ظلال ماضٍ ،
ثم جلسا من جديد، وبدأ الجميع يصعد للتهنئة، أحضان، دعوات، دعابات صغيرة، لكن أعينهم ظلت متشابكة لا تنقطع ،
انحنى "يحيى" إليها مرة أخرى وقال بنظرة محمّلة بكل ما لا يُقال :
ـ فاكرة وإحنا صغيرين لما كنتي بتعيطي وأنا أجبلك شوكولاتة علشان تسكتي
دلوقتي نفسي كل دمعة كانت بتنزل منك تبقي في إيدي أنا ، أنا عايز أكون دايمًا أول واحد يفرّحك وآخر واحد يحزّنك
أنا مش بس جوزك أنا كمان ظهرك وسندك وكل حاجتك اللي نفسك فيها .
نظرت إليه "نور" وكأنها لا تريد غير وجهه، ثم ردّت وهي تضع يدها على قلبه :
ـ كل اللي كنت بتمناه في الدنيا اتحقق النهاردة
كنت عايزة قلب يحبني من غير شروط من غير حسابات ،
كنت عايزة ضهر حقيقي مايقعش ومايبيعش
ولقيت كل ده فيك وإنت قدامي دلوقتي .
زغاريد ارتفعت من الجهة الأخرى، ورقصات بدأت تزداد حرارة، والمكان صار احتفالًا حقيقيًا لكن "يحيى" لم يكن يرى شيئًا إلا "نور"، وكل ضوء في عينيه انعكس على ملامحها ،وفي لحظة هدوء، وسط صخب المكان، قال لها بنبرة مختلفة :
ـ أنا مش بس بحبك يا "نور"
أنا بقيت شايف فيكي نفسي ومستقبلي وعيالي وضحكتي وكل حاجتي كنت فاكر إني هبقى فرحان يوم فرحي بس اكتشفت إني مش فرحان أنا دايب في الفرح كله دوب.
لم ترد "نور" بكلمات، بل بعينين تلمعان، فيهما وعد ألا تنتهي هذه الفرحة ما دام قلباهما يخفقان سويًا .
كان الليل ساكنًا إلا من خفقات قلبين وصلا أخيرًا إلى مأواهما البيت الذي دخلاه الآن ليس مجرد جدران بل وطن جديد لقلبين أنهكهما الشوق والانتظار ،
دلف "يحيى" إلى الداخل حاملاً "نور" بين يديه بخطوات بطيئة كأنهما يتذوقان أول لحظة من حياة طويلة تنتظرهما ،
أنوار خافتة تنتشر في أرجاء المكان وعبق العود يملأ الجو بطمأنينة دافئة ،أغلق "يحيى" الباب خلفهما بهدوء ثم استدار نحوها وعيناه تتأملها كما لو أنها المرة الأولى التي يراها فيها
كانت تقف أمامه بفستانها الأبيض وقد انحنى تاجها قليلًا وكأن التعب تسلل إلى ملامحها لكن الجمال ما زال مشعًا منها كضوء قمر في ليلة ناعسة ،
تقدم منها خطوة تلو الأخرى حتى صار على بُعد أنفاس صوت أنفاسه يتسارع وكأن قلبه لم يتوقف عن الركض منذ أن رآها تقترب منه على السجادة الحمراء ،
ثم قال بصوت خفيض يوشك أن ينكسر من شدة اللهفة :
ـ أنا مش عارف أبدأ منين ولا أقولك إيه
بس كل اللي عارفه إني مستني اللحظة دي قوي كنت بحلم بيها كل يوم وأنا بتمنى تبقي ليا ،دلوقتي إنتي قدامي وكل حاجة كانت صعبة بقت ولا ليها قيمة إنتي بقيتي لـ"يحيى" يا نوري .
نظرت إليه "نور" بخجلٍ امتزج بالحب والطمأنينة فهزّت رأسها بخفة وابتسمت
ثم اقتربت منه خطوة وتعلقت أناملها بأطراف كمه كأنها تطلب الأمان من حيث هو :
ـ أنا كمان كنت مستنياك اللحظة دي
كنت بعد الدقايق علشان أكون جنبك
مكنتش مصدقة إننا هنعيشها كل اللي كنت بتمناه إني أحس بالأمان في حضنك .
رفع "يحيى" يده ببطء وكأنها شيء مقدس لا يُمس ثم وضعها على خدها بلطف
كانت بشرتهما تتلامس للمرة الأولى بروح العشق الكامل وكان للكهرباء بينهما معنى أعمق من الجسد اقترب حتى صار وجهه قريبًا من وجهها همس فوق جبينها بقبلة خفيفة كأنها وعدٌ لا يُنكث :
ـ أنا حاسس إني بقيت طفل بيجري في حضن أمه أول مرة ، حاسس إني لقيت نفسي لقيت قلبي اللي كان تايه ،أنا كل ما ببص في عنيكي بحس إني ملكت الدنيا ،مفيش كلام هيكفي يوصف اللي جوايا .
أغلقت "نور"عينيها حين لامست شفتاه جبينها كانت اللحظة أعمق من القدرة على التعبير
جسدها كله ارتجف من رقة اللمسة من دفء الحضن الذي كان حلمًا وصار الآن حياة
أمسك بكفها ووضعه على صدره كانت أنامله ترتجف من شدة الشوق :
ـ حاسس إن قلبي بيرجف من مكانه لما بلمسك ،أنا مش مصدق إن إيدي حاصنة إيدك دلوقتي ، إنتي كنتي حلم ومين يصدق إن الأحلام بتعيش أنا بقيت عايز اللحظة دي ماتخلصش .
ـ أنا كمان قلبي بيدق بسرعة مش طبيعية
مش عارفة ده خوف ولا فرحة ولا لهفة بس أنا حاسة بكل حاجة ،كل لمسة منك بتطمنني
أنا عمري ما حسيت بالراحة دي قبل كده وكأني بفرح لأول مرة .
اقترب منها أكثر وضمها إلى صدره لأول مرة
كان حضنًا طويلًا دافئًا ممتلئًا بكل ما عجز عنه الكلام ،في لحظةٍ تلاشى فيها كل ماضيهما المؤلم ولم يبقَ سوى صوت أنفاس متقاطعة وقلبين خاضعين للحب ، كانت أنفاس "نور" على عنقه كهمسات ناعمة تسري في دمه
وكانت أصابعه تتحسس ظهرها بخفة كأنه يتحقق من أنها حقيقية وليست حلمًا آخر :
ـ كنت خايف ألمسك قبل كدة وبستحرم على نفسي حتى لمسة ايدك مش علشان مش عايز
بس علشان كل مرة كنت بشوفك فيها بحس إنك أنضف من الدنيا ، دلوقتي بس حاسس إني استحقك ،حاسس إني بقيت راجل بجد علشان بقيتي مراتي .
رفعت "نور" رأسها إليه بعينين دامعتين من فرط الامتنان والطمأنينة ثم قالت بصوت خافت لكنه واضح :
ـ إنت حنين قوي يا "يحيى"
أول مرة أحس إن الحضن ده بيحميني مش بيوجعني ، أنا مش عايزة حاجة من الدنيا تاني .
ضمها "يحيى" أكثر كأنها امتداد لجسده
ثم رفع وجهها إليه ونظر لعينيها طويلًا لم يكن يستعجل شيئًا وكانت اللحظة أغلى من أن تُمرّ بسرعة لتعترف بعشقه مراراً و تكراراً :
ـ أنا بحبك يا "يحيى" ،بحبك من قبل ما أفهم يعني إيه حب ،ومن قبل ما قلبي يعرف يبوح
كنت دايمًا بدعي تبقى ليا ودلوقتي ربنا حقق لي أكتر من اللي كنت بتمناه .
جلسا على طرف السرير وكانا لا يزالان ممسكين بأيدي بعض الصمت بينهما لم يكن فراغًا بل لغة أعمق من أي صوت
ثم حنى "يحيى" رأسه وطبع قبلة أخرى على يدها ،
ثم أطفأ "يحيى" الأنوار وبقي ضوء خافت ينسدل من المصباح الجانبي
ووسط هدوء الليل تلامسا للمرة الأولى
ليس شوقًا للجسد فقط بل امتزاج أرواح بحثت طويلًا حتى اهتدت أخيرًا .
**********
مرت شهور الحمل ثقيلة على قلب "حنين" لكنها كانت تحتمي في عينين "هاشم" كأنها تستمد صبرها منه كلما تقلبت بها الآلام وها هو اليوم المنتظر قد حل أخيرًا ذلك اليوم الذي كانت تضع فيه يدها على بطنها وتهمس لجنينها بكلمات حب وتوعده بأنها ستكون له أمًا حنونة وقلبًا لا يغلق أبدًا ،
النهار كان هادئاً والدنيا ساكنة بشكل غريب والجو فيه رهبة مميزة تشبه شعور الولادة كانت الشمس تطل من الشباك وترسم خطوط ذهبية على الأرضية والفضاء كله في الشقة ينتظر صرخة حياة جديدة ،
فجأة صرخت "حنين" بصوت وجع حقيقي :
ـ "هاشم" الحقني يا "هاشم" بطني بتشد قوي وألم الم الولادة شكله بدأ .
اتنفض من مكانه كأنه جندي في ساحة حرب ثم ركض إليها وهو يحاول أن يمسك أعصابه :
ـ استني يا حبيبتي انا معاكِ اهو شكلك هتولدي خلاص الدكتور قال امبارح انك قدامك وقت بسيط ، هلبسك العباية بسرعة ونروح على المستشفى ما تخافيش كل حاجة هتعدي بخير بإذن الله .
عينيه كانت تنطق الما وهو يراها تتلوى من الوجع لكنه حاول جاهداً أن يبقى قويا أمامها يداري ضعفه كي يطمئنها ؤ
وصلوا المسشفى والدنيا حولهم أصبحت مثل السراب ،خطوات الأطباء والممرضات وتحركاتهم السريعة وأصوات أجهزة القلب وأجهزة قياس الضغط جميعها كانت كسيمفونية متوترة تسبق لحظة الميلاد ،
دخلت "حنين" غرفة الولادة في حضور والدتها وشقيقها ووالدته ايضا فقد هاتفهم "هاشم" جميعا وهو واقف امام باب غرفة الولادة يتمشى في الطرقة مثل طفل تائه عيناه ليست ثابتة وقلبه يدق بسرعة وكل ثانية تمر كأنها سنة ،
كان يتمتم بينه وبين نف?
٢٩ الجزء الثاني
دخلت "حنين" غرفة الولادة في حضور والدتها وشقيقها ووالدته ايضا فقد هاتفهم "هاشم" جميعا وهو واقف امام باب غرفة الولادة يتمشى في الطرقة مثل طفل تائه عيناه ليست ثابتة وقلبه يدق بسرعة وكل ثانية تمر كأنها سنة ،
كان يتمتم بينه وبين نفسه وهو يشد في اصابعه بتوتر وهو يدعو لها بدعوة صادقة:
ـ يا رب يا رب عدّيها على خير يا رب ما تحرمنيش منها ولا من البنت اللي جايه يا رب انت أحن عليا من الدنيا كلها .
مرت ساعات الولادة كأنها دهر وأخيرًا خرجت الممرضة بابتسامة :
ـ مبروك يا أستاذ "هاشم" جت بنت زي القمر ومراتك بخير والحمد لله .
قفز من مكانه كأن أحدا حرره من قيوده أخيرا:
ـ بجد؟ الحمد لله الحمد لله يا رب ، يعني انا بقيت أب ؟
تنقل بسرعة على غرفة "حنين" دخل و قلبه يدق فرح ودموع ، فرحة عارمة تملؤ عينيه بمولودته التي شرفت الدنيا أخيراً ثم قبلها من رأسها وسألها :
ـ يا حنيني عاملة ايه؟ حمد لله على سلامتك يا حبيبتي .
ردت بصوت مرهق لكنه ممتلئ بالحب :
ـ انا كويسة يا "هاشم" بس تعبانة شوية البنت كانت شقية وطلعتني الروح ، بس طمني هي حلوة .
اقترب منها وقبل جبينها وهو يطمئنها :
ـ تعبك على راسي وانا عارف انك اتعذبت بس ربنا كافأك بأحلى هدية في الدنيا بنوتة زي القمر تشبه مامتها بالظبط أظن مفيش أحلى من كده .
دخلت الممرضة وهي تحمل الطفلة الصغيرة الملفوفة في غطاء وردي وعيينها ما زالت مغمضة لكن شفاها تتحرك كأنها تحكي أسرار السما ، اقترب "هاشم" منها وقلبه بيترجف :
ـ يااااه دي رقيقة خالص يا "حنين" دي زي القمر فعلاً اللهم بارك .
أجابته وهي تبتسم بضعف :
ـ عايز تسميها ايه؟
انطلق لسانه بالاسم الذي يليق بملاكه الصغير:
ـ "رُقى" اسمها هيبقى رقى لأنها راقية زيك بالظبط .
ابتسمت "حنين" وهي تحاول أن تمسك يده معربة عن إعجابها بالاسم:
ـ الله الاسم جميل قوي حنين وناعم قوي يا ابو "رُقى"
حضنهم كان دافئا بشدة داخل تلك الصغيرة و تلك اللحظة كانت أصدق من كل الكلام ،
ثم احتضن الطفلة بين يديه لأول مرة وأحس بأنه يحمل الكون كله بين يديه ، فكانت ابنته خفيفة كأنها نسمة هواء منعشة ، ثم اعترف أمام صغيرته :
ـ انا هبقى سندك طول عمرك يا "رُقى" وهخاف عليكي زي ما عمري ما خفت على حد تاني .
ثم أشار بها لـ"حنين" وهو يتحدث بسعادة :
ـ شايفة بنتنا شبهك في كل حاجة من الواضح ان انا طلعت بحبك اكتر ما انت ما بتحبيني واخده بالك انتِ .
ضحكت "حنين" وهي تحاول رفع نفسها بصعوبه بالغة نظرا لحالتها المزرية بعد عملية الولادة الصعبة :
ـ هاتها في حضني بقى عايزة اشم ريحتها وأبوسها .
نقل "هاشم" الطفلة بحنية لحضن أمها وهو ينظر عليهم بعين فيها حب وفخر وطمأنينة وعندما تركت أحضان أبيها واستقرت في أحضان والدتها في تلك اللحظة دي صرخت "رقى" أول صرخة لها لينظر كليهما إلى الآخر وهما يضحكان سويا حتى قالت "حنين" وهي تمط شفتيها للأمام بحزن مصطنع:
ـ ياه! معقولة اول ما سبتي حضن بابا وجيتي في حضن ماما تعيطي كده ؟!
لا احنا كده مش هنتفق مع بعض يا "رقى" هانم .
رد "هاشم" وهو يثير حنقها بدعابة :
ـ حبيبة بابي أنا أصلاً حضني مفتوح لها من قبل ما تتولد وشكلنا كده هنعمل حزب عليكِ يا ست ام "رقى" .
*********
كان "زيد" يجلس على حافة الكنبة في غرفة الضيوف بمنزل "ليلى"، يتأمل الأرض بنظرات شاردة متوترة، وأصابعه تعبث في أطراف حلته ، كانت أنفاسه مضطربة، كأن قلبه على وشك أن يثور من بين ضلوعه، لم يَعُد قادرًا على كتمان ما يشعر به؛ الغليان بداخله تصاعد حتى وصل إلى الحلق، وملامحه تشكّلت بين الضيق والانكسار، بين الحيرة والاحتجاج ، عينيه المحمرتين تفضحان سهر الليالي، وفمه المرتعش لا يعرف كيف يبدأ الحديث دون أن ينفجر ، مرت عليه لحظات كثيرة ظلّ يُقنع فيها نفسه أن يتحمّل، أن يكون الرجل الناضج الصبور، لكن كل شيء داخله كان يُكذّب هذا الهدوء المصطنع ، سنوات خمس قضاها بين وعدٍ وانتظار، بين كلمة "قريباً" التي لم تأتِ، وبين "لم يحن الوقت" التي طالت أكثر من اللازم ،وكان الحب كافيًا لكنه لم يعُد وحده يكفي ،
ثم نظر إلى "ليلى" طويلاً، كأنّه يبحث في وجهها عن آخر ذرة أمل، ثم فجأة انتفض واقفًا وصرخ من أعماق قلبه كأن الكلمات خرجت دون إرادته، بل خرجت لتُنقذه قبل أن يضيع تمامًا:
ـ شوفي بقى يا ست "ليلى" انا زهقت وجبت أخري خلاص وأخري جاب آخره من أخري بقى لي تلت سنين خاطبك غير قبلهم سنتين عمال احب فيكي لحد ما خلاص قلبي شبع دوبان من حب الهانم ،
عايز افهم بقى احنا متفقين ان إنتِ هتكملي آخر سنة عندي ؛ ليه بقى الدكتورة "شهيرة" مصممة ان انا أستنى سنة كمان ؟!
والله العظيم ما هستنى ولا لحظة تاني أنا تعبت ، تعبت يا عالم ، تعبت يا ناس ، هو أنا وانتِ مش هنتزفت يتقفل علينا باب واحد في أم السنين دي ؟!
دخلت "حنين" غرفة الولادة في حضور والدتها وشقيقها ووالدته ايضا فقد هاتفهم "هاشم" جميعا وهو واقف امام باب غرفة الولادة يتمشى في الطرقة مثل طفل تائه عيناه ليست ثابتة وقلبه يدق بسرعة وكل ثانية تمر كأنها سنة ،
كان يتمتم بينه وبين نفسه وهو يشد في اصابعه بتوتر وهو يدعو لها بدعوة صادقة:
ـ يا رب يا رب عدّيها على خير يا رب ما تحرمنيش منها ولا من البنت اللي جايه يا رب انت أحن عليا من الدنيا كلها .
مرت ساعات الولادة كأنها دهر وأخيرًا خرجت الممرضة بابتسامة :
ـ مبروك يا أستاذ "هاشم" جت بنت زي القمر ومراتك بخير والحمد لله .
قفز من مكانه كأن أحدا حرره من قيوده أخيرا:
ـ بجد؟ الحمد لله الحمد لله يا رب ، يعني انا بقيت أب ؟
تنقل بسرعة على غرفة "حنين" دخل و قلبه يدق فرح ودموع ، فرحة عارمة تملؤ عينيه بمولودته التي شرفت الدنيا أخيراً ثم قبلها من رأسها وسألها :
ـ يا حنيني عاملة ايه؟ حمد لله على سلامتك يا حبيبتي .
ردت بصوت مرهق لكنه ممتلئ بالحب :
ـ انا كويسة يا "هاشم" بس تعبانة شوية البنت كانت شقية وطلعتني الروح ، بس طمني هي حلوة .
اقترب منها وقبل جبينها وهو يطمئنها :
ـ تعبك على راسي وانا عارف انك اتعذبت بس ربنا كافأك بأحلى هدية في الدنيا بنوتة زي القمر تشبه مامتها بالظبط أظن مفيش أحلى من كده .
دخلت الممرضة وهي تحمل الطفلة الصغيرة الملفوفة في غطاء وردي وعيينها ما زالت مغمضة لكن شفاها تتحرك كأنها تحكي أسرار السما ، اقترب "هاشم" منها وقلبه بيترجف :
ـ يااااه دي رقيقة خالص يا "حنين" دي زي القمر فعلاً اللهم بارك .
أجابته وهي تبتسم بضعف :
ـ عايز تسميها ايه؟
انطلق لسانه بالاسم الذي يليق بملاكه الصغير:
ـ "رُقى" اسمها هيبقى رقى لأنها راقية زيك بالظبط .
ابتسمت "حنين" وهي تحاول أن تمسك يده معربة عن إعجابها بالاسم:
ـ الله الاسم جميل قوي حنين وناعم قوي يا ابو "رُقى"
حضنهم كان دافئا بشدة داخل تلك الصغيرة و تلك اللحظة كانت أصدق من كل الكلام ،
ثم احتضن الطفلة بين يديه لأول مرة وأحس بأنه يحمل الكون كله بين يديه ، فكانت ابنته خفيفة كأنها نسمة هواء منعشة ، ثم اعترف أمام صغيرته :
ـ انا هبقى سندك طول عمرك يا "رُقى" وهخاف عليكي زي ما عمري ما خفت على حد تاني .
ثم أشار بها لـ"حنين" وهو يتحدث بسعادة :
ـ شايفة بنتنا شبهك في كل حاجة من الواضح ان انا طلعت بحبك اكتر ما انت ما بتحبيني واخده بالك انتِ .
ضحكت "حنين" وهي تحاول رفع نفسها بصعوبه بالغة نظرا لحالتها المزرية بعد عملية الولادة الصعبة :
ـ هاتها في حضني بقى عايزة اشم ريحتها وأبوسها .
نقل "هاشم" الطفلة بحنية لحضن أمها وهو ينظر عليهم بعين فيها حب وفخر وطمأنينة وعندما تركت أحضان أبيها واستقرت في أحضان والدتها في تلك اللحظة دي صرخت "رقى" أول صرخة لها لينظر كليهما إلى الآخر وهما يضحكان سويا حتى قالت "حنين" وهي تمط شفتيها للأمام بحزن مصطنع:
ـ ياه! معقولة اول ما سبتي حضن بابا وجيتي في حضن ماما تعيطي كده ؟!
لا احنا كده مش هنتفق مع بعض يا "رقى" هانم .
رد "هاشم" وهو يثير حنقها بدعابة :
ـ حبيبة بابي أنا أصلاً حضني مفتوح لها من قبل ما تتولد وشكلنا كده هنعمل حزب عليكِ يا ست ام "رقى" .
*********
كان "زيد" يجلس على حافة الكنبة في غرفة الضيوف بمنزل "ليلى"، يتأمل الأرض بنظرات شاردة متوترة، وأصابعه تعبث في أطراف حلته ، كانت أنفاسه مضطربة، كأن قلبه على وشك أن يثور من بين ضلوعه، لم يَعُد قادرًا على كتمان ما يشعر به؛ الغليان بداخله تصاعد حتى وصل إلى الحلق، وملامحه تشكّلت بين الضيق والانكسار، بين الحيرة والاحتجاج ، عينيه المحمرتين تفضحان سهر الليالي، وفمه المرتعش لا يعرف كيف يبدأ الحديث دون أن ينفجر ، مرت عليه لحظات كثيرة ظلّ يُقنع فيها نفسه أن يتحمّل، أن يكون الرجل الناضج الصبور، لكن كل شيء داخله كان يُكذّب هذا الهدوء المصطنع ، سنوات خمس قضاها بين وعدٍ وانتظار، بين كلمة "قريباً" التي لم تأتِ، وبين "لم يحن الوقت" التي طالت أكثر من اللازم ،وكان الحب كافيًا لكنه لم يعُد وحده يكفي ،
ثم نظر إلى "ليلى" طويلاً، كأنّه يبحث في وجهها عن آخر ذرة أمل، ثم فجأة انتفض واقفًا وصرخ من أعماق قلبه كأن الكلمات خرجت دون إرادته، بل خرجت لتُنقذه قبل أن يضيع تمامًا:
ـ شوفي بقى يا ست "ليلى" انا زهقت وجبت أخري خلاص وأخري جاب آخره من أخري بقى لي تلت سنين خاطبك غير قبلهم سنتين عمال احب فيكي لحد ما خلاص قلبي شبع دوبان من حب الهانم ،
عايز افهم بقى احنا متفقين ان إنتِ هتكملي آخر سنة عندي ؛ ليه بقى الدكتورة "شهيرة" مصممة ان انا أستنى سنة كمان ؟!
والله العظيم ما هستنى ولا لحظة تاني أنا تعبت ، تعبت يا عالم ، تعبت يا ناس ، هو أنا وانتِ مش هنتزفت يتقفل علينا باب واحد في أم السنين دي ؟!
