اخر الروايات

رواية مشاعر موقدة ( ربما تستقيم الافئدة ) الفصل الثلاثون 30 بقلم فاطيما يوسف

رواية مشاعر موقدة ( ربما تستقيم الافئدة ) الفصل الثلاثون 30 بقلم فاطيما يوسف 


في لحظة يغمرها الضيق وتُثقلها سنين الانتظار الممتد، جلس "زيد" واضعًا كفيه فوق ركبتيه، ونظراته تتأرجح بين الأمل واليأس كأن قلبه يلهث تحت وطأة الصبر الذي ما عاد يُحتمل حتى استدار نحو "ليلى" بنظرة تائهة، كأنها المرفأ الأخير بعد سنوات التيه والتأجيل، ليطلق ما بداخله من تراكم السنين ،
أخذ نفسًا طويلًا كأنما يستنجد به على البوح ثم تكلم :

ـ شوفي بقى يا ست "ليلى" انا زهقت وجبت آخري خلاص وآخري جاب آخره من آخري بقى لي تلت سنين خاطبك غير قبلهم سنتين عمال أحب فيكي لحد ما خلاص قلبي شبع دوبان من حب الهانم ،
عايز أفهم بقى احنا متفقين إن إنتِ هتكملي آخر سنة عندي ليه بقى الدكتورة "شهيرة" مصممة إن انا أستنى سنة كمان
والله العظيم ما هستنى ولا لحظة تاني أنا تعبت تعبت يا عالم تعبت يا ناس هو أنا وإنتِ مش هنتزفت ويتقفل علينا باب واحد في أم السنين دي ؟!

في زاوية الغرفة جلست "ليلى" مطرقة الرأس كأنها تخفي خلف نظرتها شيئًا من الحرج وخوفًا من المواجهة ، كان كلامه يمزق سكون قلبها لكنها تحاول أن تتماسك، تارة تضعف وتارة تقوى، وبين الصدق والخجل تتعثر الكلمات في حلقها ،ثم أغمضت عينيها قليلًا ثم رفعت رأسها لترد بصوت يحمل من اللين والرجاء الكثير :

ـ انت بتزهق عليا ليه طيب أنا ذنبي إيه يا "زيد"؟!
أنا ما ينفعش إن أنا أقف قصاد ماما ولا أعترض كلامها باختصار يعني أنا بتكسف وبخجل جدًا من إنّي أفتح معاها موضوع زي ده .

هزّ "زيد" رأسه بيأسٍ ثقيل وارتكز بمرفقيه على ركبتيه وكأن الأرض لا تسنده بما يكفي
عيناه تحملان من العتب بقدر ما تحمل من الرجاء كأنه يتوسل صدقًا أو فعلًا بسيطًا يروي عطش قلبه فألقى بكلماته كسكين يفتح جراح القلب من جديد :

ـ للأسف يا "ليلى" انتِ ما بتحبينيش قد ما أنا ما بحبك ومش عايزة تبقي معايا زي ما أنا بعد الساعات والدقايق مش الأيام علشان تبقي معايا وتبقي في حضني أنا تعبت يا "ليلى" إزاي مش قادرة إنك تقولي لها إن احنا متفقين على كده وإنك نفسك إنك تستقري معايا إزاي "ليلى" تتكسفي من حاجة زي دي ؟!

تغيرت نبرة "ليلى" وكأن وجع الكلام اخترق جدار قلبها ولامس شيئًا موجوعًا بداخلها
أطبقت كفّيها على بعضهما وبدأ صوتها يرتجف، ليس خوفًا بل من فرط ما تُكنّه في قلبها ،نظرت له وكأنها تترجاه أن يصدق مشاعرها التي نضجت على نار الحنين:

ـ إزاي تقول كده يا "زيد" انت عارف قد إيه أنا بحبك ويومي ما بقاش يكتمل غير بيك انت علقتني بيك لدرجة إن أنا ما بقتش عايزة أتكلم مع حد غيرك ولا أسهر ليلتي اللي على مكالماتك وانت عارف كده كويس ؟

في تلك اللحظة ازداد احتراق "زيد" من الداخل وهو يراها تُنزِل عينيها من أمامه
كأنها تغلق أبواب الفهم بينهما وتزيد من غربتهما رغم كل ما جمعهما ،
أشار بيده نحو وجهها كأنما يريد منها نظرة تبقيه حيًا :

ـ طب بتنزلي عيونك في الأرض بعيد عني ليه طيب ؟!
حتى دول كمان بتبعديهم عني اللي هم أصلًا مصبريني على اللي أنا فيه
يعني مش كفاية مش قادر أقرب منك، مش قادر إن أنا أعبّر لك عن مشاعري وأنا قدامك ماسك نفسي بالعافية خمس سنين بحالهم كتير قوي عليا يا "ليلى" .

رفعت "ليلى" كفّها إلى صدرها تحاول تهدئة دقاته التي تسارعت بفعل كل كلمة نطق بها
وجهها تلوّن بخجلٍ واضح وكأن نار الحب تشتعل في وجنتيها رغم الهدوء الذي تحاول أن تصطنعه ، ثم قالت وهي تحاول الهروب بنصف ابتسامة :

ـ على فكرة انت بتكسفني قوي بنظراتك حاسة إن انت هاين عليك تاكلني بنظراتك دي خف عليا شوية يا حضرة الدكتور أنا مش حملك .

ضحك "زيد" ضحكة مريرة فيها شجن الرجل الذي لم يعد يحتمل صبرًا ثم مال بجسده قليلًا للأمام كأنما يقترب من الحقيقة التي يخشاها ويطلبها في آن ثم أردف بكلمات تخنقها نار الرغبة :

ـ طب بذمتك لما انتِ شايفة النظرات عاملة كده أمال بقى لما يبقى حبيبي بين إيديا إيه اللي هيحصل أنا خلاص يا "ليلى" مش قادر أستنى أكتر من كده أنا الصبر نفذ عندي وممكن أرتكب لكم جريمة هنا لو حضرة الماما الدكتورة "شهيرة" مبطلتش نشوفيه دماغها معايا .

رفعت "ليلى" رأسها هذه المرة وكأنها قررت أن تواجه ، أرادت أن تقطع تلك الدائرة من المراوغة والخجل الذي لم يعد يناسب ما بينهما، وتكلمت بصوت فيه شيء من القوة التي كانت تفتقدها :

ـ طب أنا إيه المطلوب مني دلوقتي أعمله وأنا مش هتأخر وهركن كسوفي على جنب علشان خاطر أنا نفسي زيك بالظبط ربنا يجمعنا في حلاله في بيت واحد .

ابتسم "زيد" ابتسامة مشوبة بالدهشة والفرح كأن قلبه لأول مرة يصدق أن هناك أملًا
أمسك بكفيها الاثنتين كأنه يحضن الفرصة
ورد بكلمة جعلت الدنيا تنقلب بهدوء في صدره :

ـ ياه بجد يا "ليلى" انت بتتمني كده زي ما أنا ما بتمنى بالظبط؟!

أخفضت "ليلى" رأسها وقد علا وجهها خجل طفولي لا يشبهه شيء ،ابتسمت من خلف توترها ثم حاولت أن ترد عليه ردًا يُبقي الأمور في حدّها ،ونطقت بحذر وهي تحاول إخفاء لهفتها :

ـ بس بقى يا "زيد" بطل حركاتك دي احنا اتفقنا إنك ما تتمدش إيدك دي خالص ولا تلمسني من بعيد لبعيد خلي ربنا يكمل لنا على خير .

مد "زيد" يده على الطاولة التي أمامه ثم أعادها بسرعة كأن شيئًا داخله ثار وسكن
اتسعت عيناه وقد اشتد صوته بين الجد والهزل لينطق بما لا يستطيع كتمانه أكثر :

ـ يا "ليلى" يا حبيبتي بعيد لبعيد إيه بس؟!
انتِ خلاص خلصتِ امتحانات والنتيجة بانت وكلها أسبوع بالظبط وهنكتب الكتاب والدكتورة "شهيرة" لازم توافق أنا خلاص مش قادر أتحمل أنا قربت أنهار يا ماما أنا واحد عنده ٣٣ سنة واللي من دوري وزمايلي اتجوزوا وخلفوا وأنا لسه قاعد جنبك حرام عليكم بقى كفاية .

تنهّدت "ليلى" تنهيدة طويلة كأنها تخلع معها كل حرجٍ تملكته سنين ونظرت في الأرض ثم رفعت وجهها بشجاعة مكتسبة وردت بصوت خافت لكنه صادق :

ـ خلاص هتكلم مع ماما إن انت لما تيجي تفتح معاها الموضوع توافق وربنا يديني القوة ويمنع عني الخجل إن أنا أتكلم مع ماما .

وضع "زيد" يده على قلبه وكأن ما قالته للتو أعاد إليه روحه وابتسم بعينين تلمعان بالحب وامتلأت كلماته بشوقٍ طفولي صافٍ ثم قال بصوت فيه لهفة لا تخفى :

ـ طب بقول لك إيه بحبك وهعيش أحبك وهموت وأنا بحبك يا أجمل "ليلى" في الكون كله.

ضحكت "ليلى" أخيرًا ضحكة خفيفة لكنها كانت تحمل كل الصدق ونظرت إليه بعينين فيهما دعابة خفيفة تخفف من شدة خجلها
وردت عليه بدلال لا يخلو من المحبة:

ـ آه ؛ده من باب إنك بتثبتني يعني حاضر يا حضرة المستر اللئيم علم وينفذ ويكون في معلومك أنا كمان بحبك وهعيش وأنا بحبك وهموت وأنا بحبك .

فجأة تغير وجه "زيد" وكأن ذكر الموت نغّص عليه لحظة الحلم واتسعت عيناه ومال بجسده للأمام كأن قلبه يريد أن يحتضنها ويبعدها عن كل سوء ثم قالها برجاء خافت خرج من أعمق نقطة في روحه :

ـ إيه ده ما تجيبيش سيرة الموت ربنا يخليكي ليا انتِ مش متصورة أنا بحلم باليوم ده قد إيه اليوم اللي يتقفل علينا باب واحد صدقيني وقتها مش عارف إحساسي هيبقى بيكي عامل إزاي بس بصراحة أنا هبقى خايف عليكي قوي مني يا "ليلى" .

ارتعشت أطراف "ليلى" من وقع كلماته التي لامست داخلها بكل خجل وهي لم تكن تتوقع أن يخاف هو عليها بقدر ما كانت هي ترتجف من مشاعره القوية فقالتها بشيء من الارتباك والتردد وكأنها تحاول الهروب من توترها من كلماته برقة :

ـ طب ليه بقى بتخوفني حرام عليك أنا لسه صغيرة على الحب الكبير قوي ده بالراحة عليا علشان أنا مش قدك .

ضحك "زيد" ضحكة قصيرة لكنها مفعمة بالمكر هو الآخر لم يكن يظن أن المشاعر التي تغمره قد تستوطن قلبه إلى هذا الحد ثم وضع يده أسفل ذقنها ورفع رأسها إليه وقابل عينيها بحب وقال كمن يُفكر بصوت مسموع :

ـ يا باشا ده أنا اللي مش قدك ده أنا اللي خايف على نفسي وخايف على جيش المشاعر اللي جوايا إنه يكسفني قدامك وما يديكيش حقك تالت ومتلت أصل أنا في الحقوق ما عنديش ياما ارحميني .

هزّت "ليلى" رأسها بدهشة ورفعت حاجبها متظاهرة بالغضب المصطنع وهي تراه يكرر نفس الحركات وأشاحت بوجهها عنه قليلًا لكنها كانت تبتسم من قلبها دون أن تريه
ثم نطقت بما يشبه العتاب الطفولي :

ـ يوه يا ابني قلت لك ابعد إيدك ١٠٠ مرة هو انت دايمًا إيدك سابقة لسانك .

رفع "زيد" يديه للأعلى كأنما يستسلم للحكم الصادر عليه ثم ابتسم بخبثٍ محبب وأمال رأسه وهو ينظر لها بعين فيها كثير من التحدي الجميل ثم قالها وكأنه يعلن بدء معركة من نوع آخر :

ـ بدربك يا لولتي على اللي جاي وعايزك بقى في اللي جاي تكوني عندك استعداد نفسي رهيب علشان هتبقى في معارك بجهز لها من بقى لي خمس سنين بحالهم إنتي متخيلة جيش مشاعر مكتوم بقاله خمس سنين يعني ايه ؟
يعني على وشك الانفجار اللي ممكن يدمـ.ـر الأخضر واليابس.

ضحكت "ليلى" ضحكة عالية هذه المرة لم تستطع أن تخفيها و غطّت فمها براحتها كأنها تحاول أن تُخفي حماقتها البريئة ثم ردّت عليه بنظرة فيها حرج وعتاب ناعم مثلها :

ـ يادي الغمزات والهمزات بتاعتك انت بجد سافل قوي على فكرة وعلمتني إن أنا أقول كلام وحش مع إن أنا ما كنتش كده خالص وعمري ما كنت أتصور إن أنا أقول كده أصلًا .

اقترب "زيد" قليلًا منها وهو يضع يده على صدره كأنه يقسم بشرف الرجال العاشقين
و ضحك بشقاوة وكأن شيئًا من روح الصبا لا يزال يسكنه فنطق بجملته بكل حب وصراحة :

ـ بذمتك هو في أحلى من السفالة اصبري انتِ بس ده انتِ هتموتي يا "سوسو" .

احمر وجه "ليلى" خجلًا من عبارته المعتادة
لكنها رغم الحرج لم تستطع أن تمنعه من الضحك معها وبصوت منخفض قالتها وهي تخفي وجهها بكفيها :

ـ يوه يادي "هتموتي يا سوسو" بتاعتك دي على فكرة بقى انت بتكسفني قوي بطل بقى طريقتك دي يا "زيد" .

أخذ "زيد" نفسًا طويلًا وهو ينظر لها كما لو كان ينظر إلى حلم تأخر كثيرًا ثم رفع حاجبيه متعجبًا وقالها بصوت ممتزج بالجد والمزاح معًا وكأنه يُبرر كل مشاعره المتدفقة التي لا يعرف كيف يوقفها :

ـ بس بقى يا زيد ! بكسفك ايه يا ماما !
أنا خاطبك بقى لي تلت سنين يعني المفروض أنا وإنتِ أصلًا كان زماننا متجوزين من بقى لنا سنين ومخلفين كمان لأن أنا كنت أعرفك من قبلها يعني من الآخر أنا وإنتِ بقينا حافظين بعض على الآخر شيلي بقى موضوع الخجل ده من ما بينا علشان مش لايق خالص صراحة .

شعرت "ليلى" أن الوقت يسرقها بين كل هذه المشاعر والأحلام المؤجلة ، نظرت له بعينين مملوءتين بحنانٍ صامت لكنها هذه المرة لم تعارض وتعمقت به بنطراتها الحالمة وهو يكمل :

ـ من الآخر يا "لولو" أنا عايزك تفكي علشان ربنا يبارك لنا في الأيام اللي جاية دي علشان أنا مش هحل الدكتورة "شهيرة" إلا لما نتفق على الفرح بعد شهر على طول احنا تقريبًا مجهزين كل حاجة ومختارين كل حاجة بدل المرة ٢٠ مرة اللي تخص الفرح وفستانك اخترناه والميك أب أرتست اللي انتِ هتروحي لها والقاعة وكل حاجة جاهزة على أمل إن انتِ هتخلصي والنتيجة هتبان وما فيش أسبوعين ونتجوز لكن ماما تصدمني الصدمة دي ده أنا قـ.ـتيل في أم الليالي دي .

أتاهم صوت أنثوي حازم من الخلف يردد :

ـ جرى إيه يا أستاذ "زيد" سامعة صوتك وانت عمال تجلجل في المكان وتعترض أكيد انت قاصد تسمعني الكلمتين اللي عمال تحفظهم للبنت.

وقف "زيد" في منتصف الغرفة كأن صوته قد نادى إليها دون أن يقصد وعيناه تتنقل بين الأرض والسقف كمن يبحث عن شيء يثبّت به غضبه حاول أن يتمالك نفسه لكنه وجدها الفرصة المناسبة ليفرغ ما بداخله من حنق ومشاعر مضغوطة منذ شهور خصوصًا بعدما شعر أن الأمور تُماطل بلا داعٍ واضح :

ـ الحمد لله إنك جيتِ يا دكتورة أنا أصلًا كنت هاستدعيكي دلوقتي شوفي بقى يا حضرة "ماما شهيرة هانم" أنا خلاص جبت آخري انتِ مش اتفقنا إن أنا أقول لك يا ماما وانتِ تعتبريني ابنك والحوار ده كده من بقاله سنة ونص مثلًا طب اعتبريني بقى ابنك بحق وحقاني ؛بقى ترضيها يا شيخة إن ابنك يفضل خاطب السنين دي كلها وييجي خلاص على ميعاد جوازه وتقولي له نأجل سنة كمان؟!

جلست "شهيرة" على الكرسي المقابل له وهي تخفي مكرها بابتسامة أمومتها المصطنعة وبعينٍ تراقبه بدقة لا تخلو من خبث العارف بما يريد كانت تعلم أن اعتراضه سيتحول إلى تنازل لحظة تشعره بأنه قد يخسر "ليلى" لذلك قررت أن تُطيل الأمر قليلًا لتضمن ما تريد منه دون أن تظهر ذلك صراحة :

ـ بصراحة بقى يا "زيد" انت لعبي قوي وأنا أخاف على مستقبل بنتي يتأثر وتشغلها معاك أصل أنا فاهماك كويس واللي صبر السنين دي كلها فيها إيه يعني لما يستنى سنة كمان مش كتير خالص .

ارتفعت حرارة "زيد" فجأة كأنها أحرقت أعصابه من الداخل فتراجع خطوة ثم عاد للأمام ووقف بثبات يشبه قرارًا نهائيًا لا رجعة فيه لم يعد يرى أي مبرر لهذا التأجيل وهو الذي تحمل سنوات الانتظار بنية طيبة ورغبة حقيقية في تكوين بيت يضم من يحب:

ـ لا وألف لا والله ما يحصل بقى يا ماما أنا و"ليلى" هنتجوز في خلال شهر بالكتير أنا ما أقدرش أصبر أكتر من كده أنا جبت آخري.

أمالت "شهيرة" رأسها قليلًا كأنها تدرس رد فعله بحذر ورفعت حاجبها بسخرية ناعمة تخفي بها إعجابها الداخلي بتصميمه لكنها لم تكن من النساء اللاتي يظهرن القبول سريعًا بل أرادت أن تراه يصر أكثر ويتشبث أكثر حتى تستخلص منه ما تريد من التزام واستعداد:

ـ وبتحلف عليا كمان يا أستاذ "زيد" لا ده إحنا اتطورنا خالص ده انت كنت في الأول وانت قاعد قدامي إيدك بتترعش دلوقتي بقيت بتحلف عليا.

رفع "زيد" يده بعصبية لكنه تراجع سريعًا ثم جلس وهو يمرر أصابعه في شعره كأنما يفتش عن ما يثبّته في هذه اللحظة المتوترة ظل يردد لنفسه أنه صبر كثيرًا وتحمل أكثر مما يحتمل رجل في سنه وبدأ صوت الظلم الداخلي يتعالى في صدره:

ـ لا يا ماما ما أنا خلاص بقيت صاحب بيت ده أنا الجيران بتوعكم بقوا بيستغربوا أنا إزاي أصلًا عندي قوة الصبر دي كلها أنا بقيت حاسس إن أنا التحفيل عليا بالجامد قوي والتنمر زاد زيادة عن اللزوم ده أنا أصحابي ما بقاش لهم شغلة غير إنهم يتريقوا عليا وبعد ده كله عايزاني أستنى أنا آسف إحنا متفقين اتفاق رجالة واتفاقات الرجالة لا يمكن نرجع فيها أبدًا.

أظهرت "شهيرة" حينها ابتسامة صغيرة لا تخلو من خبث ورفعت يدها في هدوء وكأنها تضع حجرًا في بركة ساكنة كانت تريده أن يثور لكنها أيضًا تريد أن ترسم له مسارًا نحو ما تخطط له من البداية شرطٌ لا يبدو تعجيزيًا لكنه كفيل بجرّه نحو وجهتها التي اختارتها بعناية:

ـ تمام يا "زيد" يا حبيبي أنا موافقة بس عندي شرط لازم تنفذه قبل ما أوافق على جوازك من "ليلى" وأخلي باباها يوافق هو كمان.

رفع "زيد" حاجبيه بدهشة وانتصبت قامته وكأن الحياة عادت إليه في ثانية واحدة لم يتوقع أن تُفتح له أبواب القبول بهذا الشكل لكنه أيضًا يعلم جيدًا أن الأمر ليس بهذه البساطة فهو يعرف "شهيرة" ويعرف أنها لا تعطي شيئًا بلا مقابل:

ـ بجد! بجد يا ماما شرط إيه هو وأنا هنفذه لك من عيني ده انتِ لو قلتي لي هات لبن العصفور هجيبه؟

اتسعت ابتسامة "شهيرة" بشكل خفي وهي ترى كم الحماس الذي يسكن صوته ورأت أن الوقت قد حان لتسقط عليه مطلبها الثقيل بثوبٍ ديني نبيل تعلم أنه لن يستطيع الرفض لكن في داخله سيشعر بالاختبار الحقيقي لنضجه ومسؤوليته:

ـ أنا مهر بنتي سورة البقرة تحفظها كاملة وهي تسمعها لك في وجودي هجوزكم في أسبوعين غير كده انسى.

تجمد وجه "زيد" من وقع الجملة كأن أحدًا ألقى عليه ماءً باردًا في عز الشتاء لم يكن يتوقع هذا الشرط بالتحديد فرغم كل شيء لم يكن مُهيأً لمجهودٍ من هذا النوع في هذا التوقيت لكنه أيضًا لا يستطيع التراجع:

ـ هااااا ! عايزاني أقعد أحفظ سورة البقرة بحالها علشان أتجوز "ليلى" بجد حرام عليكِ يا دكتورة الشرط ده صعب عليا.

ضحكت "شهيرة" في سرّها وأدركت أن سهمها أصاب موضعه تمامًا فهي لم تكن تنوي أن تمنعه بل أن تُلزمه بما يقنعها أكثر برجولته وجديته وجعلت المخرج الوحيد له هو باب الالتزام القرآني حتى يكون الارتباط مباركًا وملزمًا في آن واحد:

ـ وليه صعب إن شاء الله انت ما شاء الله عليك بتسمع أغاني وحافظها زي الاكس فسيبك بقى من حوار الأغاني خالص وإن ما كنتش هتحفظها يبقى بنتي مش هتتجوزك إلا بعد سنة والحمد لله انت ما وراكش دروس كتير اليومين دول الأولاد أخذوا إجازتهم والامتحانات خلصت يعني قدامك فرصة إنك تجيني بما معك من القرآن ألا وهو سورة البقرة.

أخفض "زيد" رأسه قليلًا وكأن كلماتها أعادت ترتيب تفكيره بدا عليه الإرهاق لكنه لم يكن ليستسلم بسهولة وإن كان في داخله يعرف أن المطلب صعب إلا أن اسم "ليلى" وحده كفيل بتحريك الجبال في قلبه:

ـ والله العظيم أنا منحوس حرام عليكم اللي انتم بتعملوه فيا ده عمومًا حاضر يا ماما هعمل اللي انتِ عايزاه علشان خاطر "ليلى" لو هبيع كليتي حتى تمام.

رفع وجهه فجأة وقد بدا في عينيه بريق التحدي وشعور المتسابق الذي قَبِل الرهان لكنه لن يُظهر ضعفه أراد أن يقلب الطاولة ويثبت لهم جميعًا أنه على قدر الوعد والرجولة وأنه ليس مجرد متكلم بل فاعل إذا أراد:

ـ ولعلمك بقى يا "ماما شهيرة" أنا الدكتور "زيد" عندي سرعة بديهة في الحفظ والفهم وهبهرك هم يومين اتنين وهتلاقيني حافظ السورة وجاي لك بيها مهر الدكتورة "ليلى".

أومأت "شهيرة" برأسها بهدوء فيه كثير من الرضا لكنها كانت تُخفي فرحتها بانتصار خطتها فها هو قد قبل التحدي دون أن يعلم أنها كانت تنوي الموافقة من البداية لكنها فقط أرادت هذا الالتزام كبرهان على استحقاقه لابنتها:

ـ تمام تحفظ السورة نتفق على كتب الكتاب والجواز على طول وانتم كده كده مخلصين كل حاجة وربنا يبارك لكم بإذن الله .

وقد كان ففي غصون ثلاثة أيام أتقن فيهم "زيد" حفظ سورة البقرة ببراعة وقام بإلقائها عليهم مما أذهلهم في لحظة خاشعة تقشعر لها الأبدان ،فقد كان بطلا مضحياً ، فارساً من أجل حبيبته ، وأخيراً انتهت مهلة الأسبوعين وأتى موعد زفاف "زيد" و"ليلى" بعد رحلة من العناء والشقاء قضياها اثنتيهما في معارك شديدة حتى انتصر الحب ،

*********

في تلك الليلة التي بدت وكأنها مرصعة بالبهاء لم تكن الأنوار وحدها من تشع من كل زاوية في القاعة بل كانت القلوب أيضًا مزدانة بالفرحة والأنفاس مترقبة للحظة الحُلم التي طال انتظارها فبعد أعوام من الصبر والاختبارات كان كل شيء مهيأً كي يُسجّل في ذاكرة الجميع كأعذب الذكريات ،

لم يكن الدخول إلى القاعة مجرد لحظة عابرة بل كان ظهورًا أسطوريًا يشبه طيفًا نازلًا من عالمٍ آخر حين انفتحت الأبواب الواسعة وامتد السجاد الأبيض تحت الأقدام تقدم "زيد" ممسكًا بكف "ليلى" وعيناه لا تغادر وجهها كأنها كنزه الذي عثر عليه بعد طول غياب كان المشهد ساحرًا حد الذهول ،

كانت "ليلى" كأنها ملكة خرجت من حكايات ألف ليلة تتهادى بفستان أبيض طويل تزينه تطريزات دقيقة أشبه بخيوط الفجر على صفحة ماء ساكن شعرها المغطى تحت الطرحة المعتمة بحياء لم يعد موجوداً كثيرا كان كلوحة فنية لم تعبث بها يد الزمن عيناها الواسعتان تحملان مزيجًا من الرهبة والفرحة أما ابتسامتها فكانت مرآة لقلب صافٍ ينتقل من بيت إلى قلب ،

أما "زيد" فكان بكامل وسامته يرتدي بدلة سوداء أنيقة تفصّلها تفاصيل وجهه الحاد الذي ازداد إشراقًا حين أمسك بكفها بثقة رجل أدرك أن الحُلم لم يعد بعيدًا وأن العمر بات له طعم جديد بجانب من يحب عيناه كانتا تلمعان ببريق رجولي دافئ بينما خطواته إلى الأمام تشي بالعزيمة والامتنان ،

أضاءت القاعة بالكامل وتصاعدت الموسيقى الهادئة كأنها تحتفي بهما لا كعروسين فحسب بل كملحمة حب تُختتم بلحظة انتصار وبدأت الزفة تمضي بهما بين صفوف الحاضرين الذين وقفوا جميعًا يصفقون ويهتفون ويصورون تلك اللحظة التي تشبه بداية فصل جديد من الحكاية ،

ووسط الهدوء الذي سبق المفاجأة انطفأت أنوار القاعة فجأة وبقيت الأضواء فقط على شاشة العرض الكبيرة التي انتبهت لها العيون وتسمرت القلوب أمامها حين ظهر وجه مألوف كان "سيف" أخو "ليلى" يقف أمام الكاميرا يبتسم ابتسامة باهتة تخفي حزنًا ناعمًا ،

كان يقف في صالة بيتهم يرتدي ملابس بسيطة ولكن نظراته لم تكن بسيطة كانت تنطق بالشوق والوداع والدهشة من أنه سيعود للبيت الليلة دون أخته :

ـ بصي يا "ليلى" انا مش عارف أبدأ منين ولا أقولك إيه بس اللي انا متأكد منه انك هتوحشيني قوي قوي البيت من غيرك هيبقى فاضي ،مش متخيل اني هدخل المطبخ مش ألاقي ريحتك ولا صوتك ولا أفوق من النوم ألاقيك نايمه جنبي في الصاله علشان ما سبتينيش لوحدي بعد خناقه ، ولا اني بعد ما ارجع من الشغل والاقيكي قاعدة في البلكونة مستنياني بالقهوة نقعد نهزر ونضحك ونتكلم مع بعض لحد ما النوم يغلبنا واحنا قاعدين مكاننا ، انتي مش أختي وبس انتي أنا يا "ليلى" احنا الاتنين عمرنا ما افترقنا عن بعض ولا زعلنا بعض ابدا .

كان صوته مهتزًا لكنه يبتسم وهو يحاول يتمالك نفسه ثم غيّر نبرته فجأة وقال :

ـ فاكره لما كنتِ بتعملي لي كوباية النسكافيه مخصوص قبل ما أنزل الشغل وتقولي لي اشربه للآخر ؟
وفاكره لما كنتِ بتسخني لي هدومي على الدفاية في الشتا علشان ما ألبسهاش ساقعة
أنا عمري ما هنسى كل ده يا "ليلى" عمري ما هنسى ضحكتك ولا خناقك ولا حضنك
بس بصراحة انتي تستاهلي تكوني مبسوطة ويارب تكوني مبسوطة ،
ويارب ربنا يفرح قلبك مع "زيد" زي ما دايمًا فرحتيني.

بدأت الدموع تنزل من عيني "ليلى" دون إرادتها كانت اللحظة أكبر من أن تحتويها وكانت الصورة على الشاشة تبدو كأنها تحكي عن جزء منها كانت تعرف كم يحبها "سيف" لكنها في هذه اللحظة شعرت بقيمة تلك الذكريات العميقة ،

وما إن انتهى الفيديو حتى انطفأت الشاشة لتعود أنوار القاعة مجددًا وظهر "سيف" يتقدم من الخلف في مفاجأة ثانية لم تكن "ليلى" تتوقعها ،
اقترب منها وهو يفتح ذراعيه وقال بصوت خافت :

ـ تعالي في حضني يا "ليلى" علشان آخر حضن قبل ما تبقي مش ليا لوحدي الف مليون مبروك يا حبيبتي ربنا يتمم لك على خير وتبقي أجمل عروسة في الكون كله .

اندفعت "ليلى" إليه واحتضنته بقوة دموعها تبلل كتفه وهو يربت على ظهرها بحنان صادق بينما صمت الجميع احترامًا لهذه اللحظة المفعمة بالحب الصافي وهي ترد مباركته بصوت مختنق من أثر فراق شقيقها الغالي :

ـ ربنا يخليك ليا يا حبيبي انا عمري ما هبعد عنكم ولا اقدر اصلا وهتلاقيني نطلكم كل شويه ربنا يخليك ليا يا "سيف" وما يحرمنيش منك ابدا انت اجمل اخ في الدنيا .

وقف "زيد" خلفها ينظر إلى المشهد بابتسامة ممتنة فهو يعرف كم يعني لها "سيف" وكم كان لهذا الظهور في هذه اللحظة قيمة لا تُقدّر،

ووسط زينة القاعة التي ما زالت تتوهج من سحر اللحظة وبعد أن هدأ التصفيق حتى ظهرت شاشة العرض من جديد وانخفضت الإضاءة فخيم السكون على الحضور واستعدت القلوب لمفاجأة جديدة ،

ظهرت صورة "الدكتورة شهيرة" على الشاشة جالسة في مكتبها ترتدي حجابًا أبيض وابتسامة دافئة ترتسم على وجهها كانت ملامحها مشعة بمزيج من الفخر والقلق والحب الكبير الذي لم تعد تستطيع كبته،

نظرت في الكاميرا نظرة أم تنقل مشاعرها لأول مرة بصوت عال أمام الجميع تنهدت ببطء ثم قالت :

ـ "زيد" يا بني انا عايزه اطلب منك طلب كبير قوي بس بسيط في نفس الوقت خليك دايمًا سند لـ"ليلى" وراعيها بحنيتك بحبك باحترامك دي مش بس بنتي دي قلبي اللي كان بيعيش جنبي وهي طيف ملايكه كده في البيت صوتها نسيم في عز الحر وضحكتها كانت بترجع لي روحي في أقسى الأيام .

كانت عيناها تلمعان رغم صلابتها المعهودة وصوتها يرتجف قليلًا لكنها أكملت :

ـ اوعى تزعّلها ولا تكسفها ولا تكسر قلبها دي رقيقة زي الندى وشفافة زي الميه وكلها خير وبركة دي كانت دايمًا بتسندني من غير ما تطلب مني حاجة كنت بصحى ألاقيها جمبي بتساعدني من غير كلام .

ثم أخذت نفسًا طويلًا وكأنها تهيئ قلبها لما ستقوله بعد ذلك :

ـ "ليلى" يا حبيبتي أنا عارفه انك خلاص مش هتبقي في حضني كل يوم بس قلبي دايمًا معاكي وبدعي لك من قلبي ان ربنا يرزقك السعادة والسكينه وراحة البال خلي بالك من "زيد" هو دلوقتي نصك التاني هو سكنك وسكينتك .

توقفت لحظة وعيناها بدأت تدمع لكنها لم تمسح دموعها بل تركتها تنزل بهدوء كأنها تبارك بها المشهد :

ـ اسمعي كلامه يا بنتي وأطيعيه لأن طاعة الزوج من طاعة ربنا والبيت عمره ما يقوم إلا لما يبقى مبني على الود والطاعة والرضا .

ثم ابتسمت من قلبها ابتسامة حزينة ولكن مطمئنة :

ـ بحبك يا "ليلى" وفرحانة بيكِ من قلبي ويارب تبقي دايمًا فرحانة وناجحة وتضحكي ضحكتك اللي بحبها يا أجمل وأحلى.عروسة في الكون كله .

انتهى الفيديو على صورة "شهيرة" وهي تنظر للكاميرا بعينين دامعتين وخلفها أرفف كتبها الطبية ودرجاتها التي كانت دومًا تفخر بها لكنها في هذه اللحظة لم تكن فخورة بشيء أكثر من كونها أم "ليلى" ،

ما إن عادت الأنوار للقاعة حتى نهضت "شهيرة" من مقعدها وسارت بخطوات ثابتة نحو ابنتها وضمتها إلى صدرها بقوة كأنها تحاول أن تحتفظ بهذا الحضن لأطول وقت ممكن :

ـ مبروك يا بنتي مبروك يا حتة من قلبي ، ربنا يتمم لكم على خير وتعيشي أحلى أيامك معاه وتبقي أم وتفرحي بيهم زي ما انا فرحانه بيكي النهاردة.

دموع "ليلى" كانت تنساب بصمت بين ذراعي والدتها بينما "زيد" وقف يراقب المشهد وقلبه ممتن لأن الله جمعه بتلك الروح التي نشأت في هذا الحضن المبارك ظ

وكان الختام دعاء من أم وقبلة على الجبين ورسالة أمانٍ حقيقية تنقش في القلب ولا تُنسى،

ثم عادت "ليلى" إلى "زيد" بهدوء وهي تمسح دموعها بأطراف أصابعها ووالدتها تتراجع للوراء تاركًا لها طريقًا جديدًا تسلكه دون خوف

أمسك "زيد" بكفها من جديد وهمس لها :

ـ جاهزه نبدأ فرحتنا يا فرحة عمري كله ؟

ضحكت وهي تهز رأسها بالإيجاب ثم بدأ اللحن الهادئ يعزف وأمسك بها برقة ووضع يده الأخرى على خصرها وبدأوا يرقصون ببطء ،

دارت الدنيا بهم وهم يدورون وسط القاعة بينما العيون تحسدهم والقلوب تباركهم والموسيقى تحضن لحظتهم الخاصة كأنها تكتب للعالم كله أن الحب حين يكون صادقًا لا بد أن يُتوّج بنهاية تشبه الأحلام ،

وكانت تلك الرقصة أول مشهد من حكاية تبدأ الليلة ولا يعرف أحد إلى أين ستقودهم لكنها بلا شك ستظل في قلب كل من حضر لحظة دخولهم الأسطوري وحضن الوداع وأول رقصة
ثم اقترب علي وجهها وأسند جبهته بجبهتها وتحدث وهو ينظر داخل عيناها ويتنفس أنفاسها ،كان يقترب منها ببطء وكأن اللحظة تُنسج بخيوطٍ من الشوق المقدس وكأن الهواء المحيط بهما لم يعد مجرد هواء بل بات خدرًا ناعمًا يسري في الأرواح ليهدئ روع الاشتياق سنين طويلة من الانتظار كانت تُلخص الآن في خطوات تقترب وفي عينين لا ترمش خشية أن تفوت جزءًا من هذا المشهد :

ـ ياه مش مصدق ان انت في حضني ولا اني شامم ريحتك اللي ياما تخيلت عطرها انقى من عطر أجمل الزهور مش مصدق ان انا قدام عيونك وايدي حضناكي بالتملك ده !
ما انا ليا حق ما اصدقش بعد السنين دي كلها اخيرا يا "ليلى" نفذت وعدي وعهدي انك هتكوني لـ "زيد"، بجد انا اللحظة دي مش اسعد لحظة في حياتي بس ده ما فيش تعبيرات في الدنيا توصفها .

كان جسد "ليلى" يرتجف قليلا ليس خوفًا بل لأن أنوثتها كانت تلامس رجولة طالما احتوتها من بعيد كانت في عينيها دمعة مختلطة بضحكة وفي قلبها ألف نبضة تتلاحق تبحث عن مستقر بين ضلوع رجل طالما انتظرها دون أن يلمسها وكانت الآن أمامه بكامل ملامحها الحيية :

ـ انا كمان حاسه اني مبسوطه قوي وانا بين ايديك حاسه زيك باشواق كبيره ناحيتك ما تقلش عنك يا "زيد" وسعادتك بوجودنا مع بعض ما تقلش عن سعادتي وانا في حضنك ولاول مره بقول لك كل الكلام ده وانا مش مكسوفه منك مش مكسوفه وانا بقول لك حضنك حلو قوي دافي ناعم في امان ما كنتش متخيله اني هحس بيه اول ما اسكنه.

كان "زيد" يطوّق كفها بكفه كأنما يعاهدها ألا يدع هذا الرابط ينقطع أبدًا وكانت عيونه تعانق وجهها بحنان رجل يُقبل قلبًا لا جسدًا وكان ما بين ضلوعه يحتدم حبًا رقيقًا لا يشبه الهيام ولا الجنون بل يشبه يقينًا خاشعًا أن هذه الأنثى هي رزقه من السماء:

ـ ياه يا "ليلى" أخيراً ، عارفة نفسي ايه في ايه دلوقتي نفسي ايدك تسكن ايدي قوي من كتر ما انا اتمنيت ان ايدك ما تفارقش ايدي السنين اللي فاتت دي كلها وكنت بمنع نفسي بالعافية من اني اقرب منك علشان احافظ على عهدي مع ماما ، لو تعرفي انا بحبك قد ايه والله لاصعب عليكِ من كتر ما انا بقوم وبنام مش شايف غيرك في الدنيا بحبك قوووي يا عشق "زيد" .

كانت "ليلى" تبتسم له بخجلٍ لا يمنع الأنوثة أن تتفتح كزهرة ليل تحت ضوء القمر وبين يديه لم تكن مجرد عروس بل كانت أنثى تشعر بالأمان أخيرًا كأن قلبها وجد مكانه وسكنه ودفأه في عين رجل لا يحتاج أن يثبت شيئًا سوى وجوده :

ـ وانا بحبك قوي يا عشق "ليلى" وكل كيانها ربنا يخليك لقلبي ولعمري واقدر اسعدك واكون ليك زي ما بتتمنى واكتر .

كانت خطواتهما على أرض القاعة تتناغم ببطء كأن الزمن يخجل أن يقطع عليهما هذه الرقصة كان كل التفاف منه حولها هو وعد جديد وكان كل اتساع في ابتسامتها هو عهد أن هذا الفرح لن يُنسى أبدًا :

ـ انا واثق ومتاكد انك هتسعديني انا اصلا مش عايز حاجه من الدنيا غير اني اصحى على صورتك جنبي واصحى على عيونك الحلوين دول وشفايفك اللي ياما حلمت ادوق طعمهم تصوري واحد خاطب بقاله خمس سنين وما قدرتش اقرب منك يا "ليلى" تصوري بقى لما تبقي بين ايديا ايه اللي هيحصل ؟

ثم نظرت إليه بحياءٍ تتمنى أن تخبئ نفسها فيه وكان قلبها يدق خجلًا لا من كلامه بل من حبها له الذي يكاد ينفجر في عينيها كانت تتنفسه في لحظتها كأنها لم تتنفس من قبل:

ـ بس بقى يا "زيد" علشان انت بتكسفني قوي واحنا قدام الناس وانا مش قدك خالص على فكرة.

**********
كانت الشقة ساكنة هادئة كما لو أنها تتنفس معهما لأول مرة كل زاوية فيها تشهد على حلم طال انتظاره وكان المساء حانيًا يميل بضوءه على ملامحهما كأنه يبارك لحظة وصالٍ طاهر جمع قلبين عاشا الحب في صمت الصبر ،

دلفا إلى الداخل ويد "زيد" لا تزال تمسك بكف "ليلى" بخفة لكنها تمسك بقوة من انتظر هذا الدفء عمرًا كانت أنفاسها متلاحقة خفيفة ترتجف من الحياء رغم أنها أمام رجل هو حبيبها وزوجها ورفيق دربها كانت كمن تسير في حلم تخشى أن تصحو منه ،

اقترب "زيد" منها خطواته كانت بطيئة لكنها محمّلة بكل شوق الدنيا وعينيه تسبحان في وجهها كأنها الآية التي لم يقرأ غيرها طوال عمره رفع كفه بهدوء وأشار إلى طرف حجابها وصوته ناعم كنسمة ليل ولكن أولاً أجلسها على أقرب أريكة وهو يرفع فستانها مما أدهشها على تسرعه ولكن طمئنها بعينيه لتفتح عينيها على وسعيهم وهي تراه يساعدها في خلع حذائها نظرا لثقل فستان زفافها وانها لن تستطيع فكاكه مما أبهرها بشدة وجعلها تنظر إليه بعينين كادت أن تلتهمه من عشقها الظاهر بهما ثم ساعدها على القيام وهو يمد يده اليها كفارس جواد لتحتضن الكفوف بنعومة وأخذها إلى غرفتهم الخاصة وما ان استقر حتى همس في أذنيها وهو يعرض مساعدته عليها في خلع حجابها عنها:

ـ تحبي أساعدك تفكيه يا "ليلى" انا عايز راحتك على الآخر علشان الليلة تبقى مباركة كده وتسيبي لي نفسك خالص يا لولا .

خفضت "ليلى" رأسها واللون الوردي يملأ وجنتيها ولم تستطع الرد إلا بإيماءة صغيرة ثم همست بخجل وهي تحاول الابتعاد عنه قليلا من شدة توترها وخجلها منه ومن تلك اللحظة ككل:

ـ خليني انا اجرب براحتي ابعد بس شوية انا متوترة قوي ممكن تسيبني أغير لوحدي على ما آخد على المكان بس يا "زيد" .

لم يدعها وشأنها ولم تتحرك قدماه إنشاً واحداً واقترب من وجهها وقبلها من عينيها مرددا بتصميم بأن يفعل لها كل شئ بيديه فهذه ليلته وأمامه مهرته ولها منه كل الحنان والهيام والغرام ومع كل قبلة من عينيها المغلقتين بخجل يردد:
ـ ده إنتي بتحلمي يا لولا أنا مش هسيبك ثانية واحدة ولا هبعد ولا هتحرك من مكاني انا هنا يا ماما قائد سفينة الملكة شهريار "ليلى" هانم .

كان قلبها يدق كطبول عرس في صدرها لكن خطواته كانت تُطمئنها كان يقترب منها لا لينزع عنها سترها بل ليحتضن قلبها أولًا رفع الحجاب عن رأسها بحنان ويده تكاد ترتجف وهو يرى شعرها لأول مرة وعينيه تسمرت أمام جمالها الآخاذ ،

كان شعرها ناعمًا ينسدل كخيوط الفجر تفوح منه رائحة عطرها التي طالما تخيلها فابتسم "زيد" وهو يمرر أنامله فيه برقة ثم قرّب أنفه وهمس في أذنها بصوت أجش من فرط إحساسه بها :

ـ ريحته زي الجنة يا "ليلى" ياه على اللحظة دي مش قادر غير إني أتعامل معاكِ فيها بتمهل علشان أتنعم بكل لحظة قرب معاكِ .

أغمضت "ليلى" عينيها من فرط الخجل وشعرت بأن الأرض تذوب من تحت قدميها لكنه كان يحتويها بأحضانه ،بنبرة صوته وبهدوء أنفاسه التي تنبئها بأنها في أمانٍ تام ،

ثم مرر أصابعه على أطراف شعرها وكأنه يكتب اسمه عليه ثم نظر لعينيها وقال بصوت هامس :

ـ تحبي تغيري الفستان وأساعدك تفكيه ؟

ارتبكت "ليلى" ولم تعرف كيف ترد فضمّت كفيها إلى صدرها وهمست :

ـ أممم.. تقيل قووي انا مش عارفه اعمل ايه ؟

ضحك "زيد" بخفة وقبل طرف إصبعها وقال:

ـ ولا يهمك انا موجود علشانك يا قلبي مش عايزك تتوتري ولا تقلقي خالص ،
وبعدين مالك وشك احمر قوي كده ليه من كتر الخجل على فكرة احنا واخدين على بعض جامد مش للدرجة دي جسمك بيرتعش و حاسس ان اعصابك مفكوكة يا بنتي اهدي خالص كل حاجه بالراحة .

اقترب منها أكثر وبدأ يساعدها في فك الأزرار واحدة تلو الأخرى بحذر شديد كانت أنامله كأنها تعتذر لكل زرٍ يُفتح ولكل قطعة قماش تنسحب كانت "ليلى" تحاول أن تخفي وجهها بيديها لكنه كل مرة يبعد يدها بهدوء ويقول :

ـ بصي لي يا ليلى انا مش عايز لحظة زي دي تعدي وانا مش شايف عيونك ، افتحي عيونك يا بابا خليني اشوف فيهم عشق "زيد" خليني أشوفني جواهم يا "ليلى" .

نظرت إليه بعينين تملؤهما رهبة وفرح وحب بلا حدود فاقترب منها أكثر حتى أصبحت بين ذراعيه وهمس في أذنها بنعومة أذابتها :

ـ اخيرًا انتي بين ايديا تعالي يا "ليلى" طفي أشواقي ليكِ خلاص مش قادر أتحمل .

كان السكون يغلف المكان إلا من أنفاسهما المتناغمة وكل لمسة منه كانت تختصر ألف وعد بالاحتواء لم يكن يسرع ولم يكن يتكلم كثيرًا كان فقط يحبها بنظراته بصمته بطريقة مسموعة لقلبها وحده ،

كانت "ليلى" ترتجف أحيانًا وتبتسم أحيانًا لكنها كانت مطمئنة تمامًا كأنها وجدت مكانها أخيرًا في الحياة بين ذراعي رجل يفهم كيف يلامس الروح قبل الجسد ،

كانت أنفاس الليل تتهادى على نوافذ الغرفة كأنها تدعو لهما بطمأنينة وسكينة وكانت النجوم تشهد من عليائها على تلك اللحظة التي اختُتم فيها اليوم الأكثر انتظارًا في عمريهما لحظة لم تكن مجرد نهاية لليلة زفاف بل كانت بداية لحياة جديدة كُتبت بحبر المودة وخُتمت بخاتم الرحمة ،

كان "زيد" يحتضن "ليلى" بين ذراعيه بعد أن أكملا ليلتهما بطمأنينة لم يعرفاها من قبل لم يكن فيها سوى الحنان العميق والكلمات التي لا تُقال بل تُفهم من رعشة الأجساد وسكون الروح ،

مد يده خلف ظهرها وجذبها إليه أكثر ثم قبّل جبينها قبلة طويلة باردة كأنها صلاة شكر ثم قال بصوت متهدج من الحب :

ـ يااااه طلع حضنك حلو قوي يا "ليلى" ، ناعم وطاهر وجميل ، طلع الأيام اللي انا استنيتها علشان خاطر تبقي بين ايديا ولا حاجة جنب إحساسي بيكِ دلوقتي ،طلع ان انا كان عندي حق فاني أصمم عليكِ انك تكوني ليا انا مش مصدق اني بقيت معاك بالشكل ده يا "ليلى" واني شوفتك وانتي بين ايديا كأنك هدية من السما نازلة لقلبي اللي كان تايه ومش لاقي راحته غير لما لقاكي انتي .

أغمضت "ليلى" عينيها وقد استقرت في حضنه كأنها وُلدت هناك شعرت بدفء لم تعرفه من قبل وشكرت الله في سرها ثم قالت بصوت خافت بالكاد يُسمع من خجلها:

ـ انا مش هنسى ابدا اللي عملته معايا النهاردة يا "زيد" انت خلتني أحس اني ملكة حقيقية وان وجودي بين ايديك أمان ما بعده أمان انت ما لمستنيش غير لما روحي نفسها طاوعتك وسلمتك أغلى ما تملك بكل الرضا والحب .

ضمّها أكثر وكأن العالم كله اختفى وبقى فقط هذا الكائن الرقيق بين ذراعيه وقال لها بنبرة ممتنة :

ـ انتي تستاهلي كل حنية في الدنيا يا "ليلى" والله ما كان عندي حلم اكبر من اني اشوفك مطمنة ومرتاحة وانا اللي جنبك في أول ليلة لينا في العمر كله .

مرّت يده برفق على شعرها وهمس من بين شفتيه:

ـ انا بحبك بحبك بمعنى اني عايز افضل جنبك طول العمر، احميكي من كل حاجة توجعك واكون حضنك وقت التعب وكتفك وقت الخوف وعيونك وقت الدموع .

أخذت "ليلى" نفسًا عميقًا ثم همست:

ـ لو كان في حد في الدنيا يستحق اني احط قلبي بين ايده من غير خوف فهو انت يا "زيد" انت علمني يعني ايه راجل بجد وعارف ازاي يحتويني من غير ما يخليني اخاف ،

ثم أكملت وهي تهمس أمام عينيه دون خجل :

ـ انت دوبت "ليلى" يا "زيد" معاك بهمسك ولمسك ورجولتك وحنيتك .

ابتسم وهو يسمع كلماتها وضمها بقوة أكبر ثم قال:

ـ انا مش عايز حاجة غير اني اشوفك كده دايمًا مرتاحة وجميله ونايمه في حضني انا عايز الدنيا كلها تسكت وتسِيبنا في حالنا كده للابد.

شعرت "ليلى" أن جسدها يذوب من الراحة بين ذراعيه وابتسمت بعينيها وأغمضتهما وهمست :

ـ خليك جمبي يا "زيد" لاخر نفس في عمري ما تبعدش عني ابدا ، خليك قصاد عيني علشان عيني مش عايزة تشوف غيرك.

ردّ عليها وهو يُمرر كفه على ظهرها بنعومة:

ـ انا جمبك وهفضل جمبك ليوم الدين يا احلى نعمه ربنا رزقني بيها .

وبهدوء تسلل النوم إليهما وهما بين ذراعي بعض وكأن قلبيهما اتفقا ان يسكنا معًا قبل أن يسكن الجسد جسدًا آخر ليلة ختمت بدفء المشاعر وأمان السكنى وابتسامة لا تُرى على شفاه كلٍّ منهما لكنها نُقشت على الأرواح ،

وأهداها خاطرته الناعمة التي تشبهها ؛

جاء كيوبيد الحب برسالة عشق إلى حضرة الملكة "ليلى" من شهرزاد العاشق الولهان "زيد" والتي كان نصُّها مرصعاً بحبرِ الورد يخبرك فيها كالآتي :
أولاً زهرتي الجميلة ليلتي الماضية ولياليَّ القادمة لكِ مني باقات من الورود والزهور مالا يحصى ولا يُعدْ،
زينتها بعبق أنفاسي، ونقشتُ على أوراقها أول الحروف من اسمك بمنتهى الود ،علّها تُوصل لكِ شوقي كلما ذبلت، وتهمس لكِ بما يعجز لساني عن وصفه حين أراكِ وتكونين بين يداي من الغد ،
ثانيًا يا قمرًا اكتمل في سماء قلبي، إنّي أفتقدكِ في كل لحظة تمر، كأنّ الزمان يتوقف حين تغيبين، ويدور بسرعة جنونية حين أراكِ، فأنتِ ميزان الوقت لديّ، ومحراب دعائي كل فجر، ومنتهى أحلامي كل مساء ،
أتعلمين حين أنطق اسمك "ليلى" أشعر وكأني أرتشف شيئًا من الجنة، شيء لا يُفسَّر، لكنه يجعل قلبي يخفق كأني أراكِ لأول مرة في كل مرة ،

ثالثًا ... يا وردة بين يديّ، لو أني أستطيع أن أكون نسيمًا يلامس خدّك، أو ظلًا يرافقكِ في كل درب، لفعلت، فكل ما فيّ ملكٌ لكِ، وإن عزّ اللقاء، فقلبي يلقاكِ كل يومٍ في صمته وحنينه ،
وفي ختام الرسالة، أُقبل طيفكِ، وأرسمكِ على صفحة قلبي، وأختم بكلمةٍ واحدة لا تكفيكِ لكنها تحويكِ "احبك" ،
إمضاء ؛ زيد الساكن على عتبة قلبكِ.


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close