رواية مشاعر موقدة ( ربما تستقيم الافئدة ) الفصل الثامن والعشرين 28 بقلم فاطيما يوسف
كم تؤلم النفس تلك اللحظات التي نشعر فيها باهتزازِ الثقة في شخص كان الأقربَ إلى القلوب،وكان محطَّ الأملِ والرجاءِ في استمرار الودّ والوفاء، فعندما تتصدع هذه الثقة بسبب موقفٍ غادرٍ، أو إخلالٍ بالعهدِ، يتسرب الألمُ إلى الأعماقِ مثل سهمٍ يخترقُ الفؤادَ في صمتٍ عميق ، لقد كان اليقينُ في صدقِ العلاقةِ مثل سياجٍ يحمِي كلا الطرفينِ من سهامِ الخيانةِ والشكّ ، لكنَّ هذا اليقينَ ما لبث أن اهتزَّ بسببِ أفعالٍ أبعدت صاحبَهُ عن حسنِ الظنّ ، في تلك اللحظاتِ القاسيةِ يقفُ القلبُ محتارًا هل كان حسنُ نيَّتِه ضعفًا ؟
هل كان عفوُه تسامحًا في غير محله؟
هل كان إخلاصُه غفلة ؟
حقًّا، ليست الخسارةُ في شخصٍ يخون، بقدرِ الخسارةِ في اليقينِ الذي كان يجمع بين كلا الطرفينِ في محبةٍ صادقةٍ واحترامٍ متبادل ، ويظلّ عتابُ النفسِ على حسنِ ظنهِ أبقى في الذاكرهِ، أكثرَ إيلامًا من الخيانةِ ذاتِها، هكذا تتسعُ الفجوةُ في القلوبِ وتضيقُ فرصُ التلاقيِ مرة أخرى ،فعندما تهتزّ الثقة، تسقطُ الأقنعةُ، وينكشفُ ما كان محجوبًا، ويؤذنُ الخريفُ في علاقاتِ الربيعِ بالرحيلِ والنهاية.
كان اليخت يشق على باب البحر في هدوءٍ جميلٍ يخطف القلوب ويثير في النفوس تلك الذكريات الدفينة التي طال غيابُها بسبب مشاغل الدنيا وتعقيدات الحياة كان الماء يتلألأ في نور الغسق الخافت وهو ينساب على جانبي اليخت كخيوطٍ فضيةٍ تتناغم مع حركة الرياح الخفيفة التي تحمل في طياتها رائحة اليود والملح في تلك الأجواء كان المكان ممتلئًا بأصداء محبةٍ قديمةٍ تتجدد في هذا اللقاء الفريد
قال " يحيى " وهو يتنهد في ارتياحٍ عميق ويخطو نحو أصدقائه على سطح اليخت:
ـ الحمد لله إني شفتكم يا أندال على السلامة يا شباب نورتوا المركب بقى لنا كتير ما تجمعناش فينك يا عم " زيد " وفينك يا عم "هاشم " مختفيين من بقى لكم كتير .
كان الصوت محمَّلاً بألم الفراق بسبب الغياب لكنه في ذات الوقت كان ممتلئًا بأمل التلاقي مرة أخرى وكان في نظرات " يحيى " بريق محبةٍ يخبر أن تلك الصلة لم تنقطع أبداً على الرغم من مرور الأيام وتغير الأحوال والظروف ،
ردّ " زيد " وهو يبتسم وفي نظراته بريق محبّ والدعابة تملأ صوته :
ـ انت عارف ان انا أخيرا خطبت " ليلى " بقى والدنيا بقى لسه في أولها واحد خاطب بقى يا عم وبيتدلع هو وخطيبته علشان كده هيبص لأصحابه فين .
كان في كلماته قدرٌ من الفرح والنشوة بسبب بداية مشوارٍ طال انتظاره لكنه لم يمرّ دون عتابٍ صغيرٍ ممزوجٍ بالدعابة كان " زيد " في تلك اللحظات يستمتع بأحلى فترات حياته وهو يقطف ورود الأمل في بستان الرفاق والحب ،
ليقول " يحيى " وهو يقهقه بخفوتٍ بسبب تلك الدعابة:
ـ والله الدنيا ضحكت لك يا عم " زيد " ونسيت أصحابك ما هو من لقى أحبابه نسي أصحابه بكره لما تندهس معاك في مشاكل الخطوبة إياها هترجع تقول والنبي يا "يحيى" قل لي اعمل إيه ، والنبي يا "يحيى" أسوِي إيه ؟
كان في هذا التحذير محبةٌ ضمنيةٌ تنبع من تجربةٍ عاشها الأصحاب في محطات مختلفةٍ من الحياة وكان " يحيى " يتحدث وهو يضع يده على كتف " زيد " كأنه يؤكد له أن الأصحاب هم الملاذ في الأوقات الصعبة ،
ثم التفت " يحيى " نحو " هاشم " وهو يتابع في عتابٍ خلِّي محبّ:
ـ وانت يا عم " هاشم " فينك انت كمان من ساعه ما نقلت بيتك الجديد مع مراتك عشان تنقذها من المشاكل اللي ما بينها وما بين امك واخواتك وانت عايش في العسل وخصوصا بقى بعد ما عرفت ان هيجي لك نونو ما بقتش تسأل على "يحيى" ولا " زيد " خالص ،
وتابع عتابه وهو يضرب كفا بكف:
ـ جرى ايه يا جدعان فين ايام السهر والخروجات ما انا كمان كاتب كتابى جديد زيكم بس بسأل عليكم ومش مطنشكم ده مكانش عيش وملح ؟َ
كان في هذا الصوت قدرٌ من الحنين لأيام كان الأصحاب يجتمعون أكثر ويتسامرون حتى طلوع الفجر وكان في نظرات " يحيى " عتابٌ ممزوجٌ بالعتاب بسبب التغيرات التي أبعدت الأصحاب قليلًا بسبب ظروف الحياة ،
ردّ " هاشم " وهو يتنهد في أسى معلّقٍ نظراته بأفق البحر:
ـ معلش يا "يحيى" حقك عليا انت و"زيد" والله عقبال ما بخلص شغل المصنع واروح بلاقي " حنين " تعبانه مش عايز اقول لكم أول شهور الحمل دي عند الستات حاجة آخر قرف خالص ، شوية تعبانة ، شوية دايخة ، شوية عايزه تنام ، شويه بتتوحم على حاجات خزعبليه مش موجودة أصلاً ،
وطبعا لو سبتها هرمونات الحمل هتطفح على اللي خلفوني وهتنكد فما بالك بقى لو قلت لها ان انا خارج مع اصحابي هيبقى يوم مش معدِي معلش يا شباب اعذروني لحد اما الايام دي تعدِي انتم عارفين ان انا راجل مش بيتوتِي خالص لكن أهو ادي الله وادي حكمته .
كان في كلماته قدرٌ من الألم بسبب ضغط مسؤولية البيت لكنه كان ممزوجًا بالرضا بقضاء الله وكان في نظرات " هاشم " محبةٌ عميقةٌ لأصدقائه على الرغمِ من التغيرات التي طرأت على حياته بسبب مسؤولية أبٍ يترقب مولوده الأول ،ثم ضحك " زيد" وهو يلوّح بيده في الهواء:
ـ اه يعني انت يا عم " هاشم " كده دخلت القفص برجليك وبعد كده هتنسحب منّا شويه شويه والله ياض يا "يحيى" الشيف "هاشم" اللي ما كانش حد بيقول له بم اتجوّز وبقى مستقيم وبقى يسمع كلام قُرَّه عينيه .
كان في هذا المزاح قدرٌ من محبةٍ عميقةٍ وتفهمٍ للتغيرات التي يمر بها الأصحاب في محطات مختلفةٍ من العمر وكان في نظرات " يحيى " دعابةٌ تخفي محبة قوية تنبع من صدق علاقتهم ،
هتف " هاشم " وهو يلوّح بيده في إصرار:
ـ والنبي تبطل تريقه يا عم " زيد " انت و
" يحيى " عشان خاطر مش ناقصاكم يعني بكره نشوفك يا اخويا لما تتجوّز انت و
" ليلى " هنشوف هتعمل إيه طلعوني من دماغكم ياض التحفيل مش عليا يا نوغة منك ليه .
كان الصوت ممتلئًا بالدعابة والعتاب في آنٍ واحد في تلك اللحظات الدافئة على اليخت في عرض البحر وكان الأصحاب يجتمعون على محبةٍ أبقى في القلوب وتخطِّي الخلافات مهما كان ، ردّ " يحيى " وهو يهدّئ الأجواء في محبةٍ خالصة:
خلاص يا عمّنا ما تقفش قوي كده احنًا جايين ننبسط ونروق على حالنا ونستمتع بالجو ، كان اليخت يعلو على صفحات الماء في هدوءٍ أبديّ وكان الأصحاب يجتمعون على محبةٍ أبقى في القلوب وتخطِّي الخلافات مهما كان ثم سأل "زيد" هاشم ذاك السؤال الذي حيرهم كثيراً وهو يقـ.ـتله الفضول كي يعرف الإجابة وهو يتكئ على ظهر الأريكة ويفرد ذراعيه على متن اليخت وصدره متصدرا لهواء البحر يشم رائحته المميزة :
ـ إلا مقلتلناش يا شيف "هاشم" انت حبيت وطبيت في الحب وقلبك دق وبقيت متمسك بقرب حبيبك جمبك وبقيت بتحس زينا كدة إن فراقه دمار وخصوصاً بعد ما جربت الجواز العقلاني والاستقرار الجاف الصلب اللي انت كنت داخل بيه حياتك الزوجية ؟
كان اليخت يواصل شقَّ عباب الماء في هدوءٍ أبديٍّ يثير في النفوس مزيجًا من الأنس والعتاب كان "هاشم" وهو يقف في مقدمة اليخت، يتنهد في عمقٍ وهو يسترجع ذكرياته القريبة التي غمرت حياته بالدفء والطمأنينة كان يقف محاطًا بأصدقائه ومحاطًا بأمواجٍ صغيرة تتلاطم على جانب اليخت كأنها تؤنس تلك الخلوة وتبدد الخوف في النفس وهو يجيبه بعمق شديد وبكلمات لها جاذبية مميزة وكأن سحرها أتى من مياه البحر الصافية:
ـ والله "زيد" كنت في الأول كدة وفضلت مدة كبيرة كدة ، كنت تايه مش لاقى مرسايا ومرة قلبي يدق بخوف عليها ومرة تانية بخوف من ضياعها وبعدها عني وعند إحساس البعد بلاقي نفسي بيجي لي اختناق شديد لما يحصل موقف وتهدد بالبعد يعني بمعنى ،
كان اليخت ينساب في هدوءٍ أبديٍّ ويخترق ظلمة المكان بأضوائه الخافتة وهو يتحدث يسترجع في ذهنه تلك اللحظات الثقيلة التي كان يخشى فيها الفراق ويخشى على محبوبته أن تبتعد كان يتنهد في داخله وهو يقلب صفحات الذكرى كأنها كتابٌ مقدسٌ يخبر الأبدية بأعمق مشاعره الإنسانية :
ـ شفت نظرتى للبحر وأنا بتمنى يبعت لي نسايم هوا تنعشني هي بالنسبة لي بقت زي نسائم الهوا الباردة في عز الحر ومن غير وجودها جمبي بحس إني ناقص ومش كامل ، بقت حاجة كبيرة قووي ليا لاااا هي بقت كل حاجة ، عيونها ، وروحها ، ووجودها في بيتي احساس بالدفا مكنتش متخيل إني أحسه يا شباب ، عارفين زي ايه بالظبط زی اللي حاجز تذكرة عودة من غربة طويلة وقطع كل العلاقات وكل حاجة ترجعه للغربة دي تاني بس طبعاً رجوعه مفيهوش أمل لحاجة جديدة وراح لمطار العودة بکسل ولما وصل شاف أخر طِيارة هترجعه من غربته ووحدته هتقلع من مكانها فبقى بيجري كالمجنونعلشان يرجع وعينه على جناحات الطائرة مرة وعلى عجلها مرة وعلى سلمها مرةعلشان يطمن قلبه إنه يجريعلشان يلحق مكانه قبل ما سلمها تترفع درجاته ويرجعلوحدته من تاني ففضل يجرى ويعافر بكل اللي معاه والحمل الثقيل اللي شايله وهو بينهج جامد وحاسس إنه مش هيوصل ويرجع بعقله لأيام وحدته وغربته وإنه مكانش عايش وانه خلاص هيرجعلوطنه وإن إحتمال الرجوع يتأجل ويا عالم لامتى تاني بعد ما أخد قرار على نفسه إنه مش عايز يفضل متغرب وفضل يعافر يعافر ويجرى بأقصى سرعته لحد ما وصل أخيراً بعد عناء جسدي ونفسي وتحطم وخناقات مع عقله وقلبه واللي حواليه طلع درجات السلم في أخر لحظةعلشان يلحق مكانه وأول ما يطلع ويحس ان هو استقر ويقعد في مكانه ياخد نفسه اول حاجه بيعملهاعلشان يطمن انه خلاصقال هيرجع لوطنه امنيحزم نفسه بحزام الامان انه خلاص رجع لوطنه عارفين حزام الامان بالنسبه لي هو حضن "حنين" والوطن بتاعي بقى "حنين"، وما كنتش اعرف ولا اتخيل انِي هحبها الحب ده كله في يوم من الأيام بالنسبة لي بقيت كل حاجة واخاف تضيع مني .
كان اليخت يتناغم مع صفحات الماء في هدوءٍ أبديٍّ وهو يحمل على متنه تلك الذكريات الغالية كان "زيد"، وهو يتابع نظرات "هاشم"، يتنهد في إعجابٍ بهذا التحوُّل في مشاعره كان المكان مفعمًا بأصداء محبةٍ عميقةٍ تخطت حدود المكان والزمان كان الأصحاب يتشاركون تجربة الفرح في أبهى صور التضامن والنقاء وهتف بإعجاب مغلف بالدهشة:
ـ ياه يا "هاشم" قد ما انا و"يحيى" كنا بنقول ان انت جامد ومشاعرك صلبة وعمرك ما تحب قد ما طلعت في الحب ما لكش مثيل ، حاجة ولا انا ولا هو ولا أي حد قدر يوصل لها قبل كده ،
ازاي قدرت توصل للدرجة دي من الحب بعد ما كنت فاقدها لأبعد الحدود ؟
كان اليخت يتابع إبحاره في عرض البحر وفي المكان كان هناك فيضٌ من الذكريات التي تستحق أن تسطّر في صفحات الخلود كان "هاشم" وهو يتنهد في ارتياحٍ داخليٍّ عميقٍ، يجيب على تساؤل صاحبيه في صدقٍ أبديٍّ وفي محبةٍ تكاد أن تنبعث من نظرات عينيه :
ـ بسبب المطبات اللي بتقابلك في طريقك مطب ورا مطب لحد ما تحس ان انت تعبت من كتر ما اتهبدت وما صدقت رسيت على طريق السلامة مسكت فيه بايدك وسنانك وكانت هي طريق السلامة ليا .
تنهد "زيد" في محبةٍ عميقةٍ ويخفق قلبه بأخوَّةٍ صادقةٍ، يتابع كلام صاحبه بإعجابٍ غير متناهٍ كان المكان يتناغم مع تلك الذكريات ويؤثر في النفس تأثيرًا أبديًّا في تلك اللحظات الخالدة :
ـ ياه يا "هاشم" انت دلوقتي بقيت تستحق لقب سيد العاشقين علشان انت حبك ابتدى بعد الجواز فـمتلهف ان انت تستكشف اكتر واكتر في حبك وهتخاف عليه لأنك جربت الحرمان وجربت المشاعر الصلبة والجافة قبل ما تدخل للمرحلة دي بجد انت بهرتني يا "هاشم" انا و"يحيى" .
كان اليخت يواصل إبحاره في عرض البحر الهادئ في لوحةٍ جميلةٍ تنبعث منها الطمأنينة والدفء وفي هذا المكان الخالي إلا من محبة الأصحاب كان "هاشم"، "زيد"، و" يحيى"، يجددون عهد صداقتهم الخالصة التي تستعصي على تقلبات الزمان كان لقاؤهم متنفسًا للأرواح ومحفزًا على استمرار الحياة بأملٍ وتفاؤلٍ حيث يتشاركون الأحاديث والضحكات ويبددون الهموم في رحاب هذه الصحبة التي تستمد منها النفوس القوة على تخطِّي الصعاب وتؤمن أنَّ الخير في الرفقة الحقيقة التي تبقى أبقى من أي شيءٍ في هذه الدنيا.
********
كان المكان يغمره السكون في صالة البيت الواسعة تتسلل خيوط شمس العصر عبر النافذة الزجاجية لتسقط على الأريكات الخمرية وتثير بريقًا دافئًا على الخشب المعتق في المكان ، كان هناك مزيج من الترقب والعتاب في نظرات الدكتورة "شهيرة" وهي تستقر على "زيد" وهو يجلس في مقابلها في هدوء ظاهري يخفي داخله عاصفة قوية كان "زيد" يقبض يديه بقوة على ركبتيه ، يتنهد في محاولة للتغلب على التوتّر في نفسه
رفعت الدكتورة "شهيرة" نظراتها الثقيلة نحوه كان في نظرتها عتاب ممزوج بألم ،بأمومة تخشى على ابنتها وكان "زيد" يعي هذا جيدًا ،ويعلم أن خطأه كان له تأثير أبعد ممّا كان يتخيله ، وأخيراً تحدثت الدكتورة "شهيرة" في نظرات قوية ممزوجة بألم داخلي :
ـ انت جيت البيت كذا مرة يا "زيد" واتعلمت أصول البيت واحترامه لكن الي حصل كان أبعد ما كان يتخيله أي أب ولا أي ام ،
إنت ازاي تستغل براءة "ليلى"، تستغل حبّها لك وثقتها فيك ؟!
إنت ازاي تتقرّب لها بالشكل ده وانتم يا دوب في مرحلة الخطوبة وكمان بقى لكم كذا شهر ؟!
انا اديتك الثقة والأمان وانت للأسف خنتهم انا مش متصورة ولا متوقعة انك يحصل منك كده وانك تستخدم ذكائك في انك تقرب منها بالشكل ده المرفوض تماما وده طبعا لأنك ما شاء الله عليك متمرس بس انا قلت ان "ليلى" عندك غير بس الظاهر ان انا غلطانة ولأول مرة اشوف الشخصية اللي قدامي من وجهة نظري غلط .
"زيد" وهو يخفض بصره بألم ممزوج بالندم:
ـ والله العظيم يا دكتورة انا ما كانش في نيتي ابدا اني استغل طيبتها ولا براءتها زي ما انتِ ما بتقولي والحوار على فكرة مش حوار ان انا متمرس زي ما حضرتك بتقولي بردو انا بتعامل مع "ليلى" زي أي خطيب وخطيبته ولو ركزتي في الموضوع هتلاقي ان اغلب الشباب اللي بيخطبوا بيقربوا من خطابهم بالشكل ده يعني الموضوع في فطرة الشباب وهتلاقيه بين أغلب المخطوبين ،
وأكمل وهو يومئ بعينيه للأسفل بخزي من مافعله معها فتلك التبريرات التي ألقاها على مسامع الدكتورة "شهيرة" لم تكن إلا لحفظ ماء الوجه وليست تبرر خطأه الشنيع فيما فعله من اقترابه من "ليلى" بذاك الشكل الخطير :
ـ وده طبعا ما يبررش ان اللي انا عملته غلط
وان ما كانش ينفع اقرب منها بالشكل ده بس والله العظيم ده من حبي فيها وانا بعترف ان انا غلطان جدا واوعدك ان مش هيتكرر تاني زي ما وعدتك قبل كده وكنت بوفي بوعدي .
انتفض الغضب في نظرات الدكتورة "شهيرة" أكثر وانبعثت القوة في كلامها وتعلو نبرات الصوت في سياق عتابٍ أبويٍّ ممزوج بألم الخوف على ابنتها :
ـ ضعف ! ضعف ايه اللي انت بتتكلم عنه يا دكتور يا جامعي المفروض انك واعي وكبير وعديت سن المراهقة بتاع الشباب وكمان عارف ان الحاجات دي ممنوعة عندي هنا ومع "ليلى" بالذات والمفروض كنت تبقى حذر اكتر من كده في التعامل معاها وما تفكرش ان انت عشان خطبتها وحبتها وعلقتها بيك وخليتها تحبك بأي درجة وبأي شكل إن أنا مش هعرف أي حاجة عنها هي طول ما هي موجودة هنا في البيت ده ولسه تحت مسؤوليتي انا وباباها طول ما انا هعرف عنها كل حاجة وأي تفاصيل علشان دي مسؤوليتي كأم وما تفتكرش إنها مش هتحكي لي وهتخاف على حبها ليك اكتر من مصلحتها كإبنة ليا عودتها على الصراحة معايا من وهي طفلة صغيرة وانت عارف حدود العلاقة ما بيننا كويس،
يا ريت تحط في اعتبارك ان انا غلطة كمان وهنهي الموضوع ده خالص انا مش مستعدة بنتي تبدا حياتها معاك بغضب لربنا ولا انها تفقد احترامها لدينها ولا لنفسها ولا لابوها ولا امها .
انتفض "زيد" وهو يعتصر كفيه أكثر وهو يجيبها بما يشعر به مؤكدا عشقه لـ"ليلى" مهما حدث بينهم :
ـ انا عندى كامل الاستعداد اعمل أي حاجة عشان أبرهن لحضرتك على حسن نيتي ، انا عارف انى أخطأت لكن ربنا غفور رحيم واحكمِي إنتِ بالحق و انا هرضى بأى شرط تحطيه عشان تستردى كرامتك كأم ويكون عندك اليقين الكامل انى هحافظ على "ليلى" بعمري .
انتظر "زيد" إجابتها وهي تنظر إليه نظرة ممزوجة بألم أبويّ وفي داخلها صراعٌ ما بين الخوف على ابنتها وبين الأمل في حسن نيَّته :
ـ انا عندى شرط واحد يا "زيد" انك من جواك تكون رافض شكل العلاقة دي ما بينك وما بينها وانتم مخطوبين ، كفاية انك بتزورها يومين في الأسبوع تقعدوا تتكلموا مع بعض بكل احترام ورومانسية ومشاعر عادي خالص بدون لمس أو تخطي حدود الدين والأدب ،
ما تخليش الغريزة الجسدية تفضل تتحكم فيك وتحركك انك تعمل الغلط زي ما كانت بتتحكم فيك قبل كده، لازم تعمل ستوب عليها وتدي لنفسك فرصة انك تستوعب علاقة حلال من حبيبتك اللي قدامك في بيت باباها اللي واثق فيك ودخلك بيته واتمنك على بنته فلازم تكون قد الثقة دي ، انا مش حابه ان انا اقعد قدامك واقول لك الكلام ده ولا اني شكلك يبقى قدامي كده ولا انك تحمل نفسك خطأ كبير قوي زي ده ،
مش انا الأم اللي تعدي الحاجات دي بسهولة ولا انا الأم اللي تقول عادي دول واحدة وخطيبها وهو اللي هيتجوزها هتروح لمين يعني زي اللي بسمعه انا لا يمكن ارضى الحاجات المقرفة دي تحصل مع بنتي مرة تانية .
انحني "زيد" برأسه أكثر ويجيب وهو يتمتم بألمٍ ممزوج بأمل:
ـ انا موافق على شرط حضرتك انا هبرهن على حسن نيتي وهحافظ على "ليلى" ، هحافظ على حبِّي لها ،وهكون على قدر مسؤولية البيت الي هدخله واوعدك انه مش هيتكرر تاني ولا هيحصل مهما كان انا اسف جدا يا دكتورة .
انسحب التوتّر قليلًا وتخفّ حدَّته لكن الألم في نظرات كلا الطرفين يظل عالقًا ، نظرات الخوف على مستقبل فتاةٍ صغيرة نظرات التوبة والاعتراف بالخطأ ، نظرات الأمل في بدايةٍ مختلفة ،
ينتظر "زيد" بـعينين ممتلئتين بالرجاء أن تسامحه الدكتورة "شهيرة" ويؤكد لها أن حبَّه أبقى وأعمق من الخطأ لتنطق هي اخيرا بالعفو والصفح :
ـ تمام يـا"زيد" انا هقفل على الموضوع ده خالص وكأنه ما حصلش ومش هتكلم فيه تاني علشان انا بصدق وعودك يا ريت تكون قد الثقة اللي أنا بديها لك دايما وما تخلينيش أحس بالذنب ان أنا خليت "ليلى" تكمل علاقة زي دي انا أهم حاجة عندي هي مشاعر بنتي ما تتأثرش وما تتوترش ، انا مربياها على الهدوء النفسي والصراحة في كل شيء ،
ومربياها على إن ما فيش أي حاجة تخاف منها ولا تزعزعها نفسياً علشان في المستقبل لما تبقى أم تبقى سوية نفسياً مع ولادها وما يبقاش عندها عقد من وهي صغيرة من أي حاجة ولا أي موقف .
حرك رأسه بابتسامة وهو يشعر بالامتنان لتلك الأم التي لم يرى مثلها من قبل فهي قائدة عظيمه لمنزل يتمناه أي رجل ويتمنى أن تكون ليلاه كوالدتها في حسن التصرف والعقلية الذكية والحكيمة في حل كل الامور مهما كانت متضخمه لينطق أخيراً بما يريده :
ـ تمام يا دكتوره بس انا نفسي نكتب الكتاب انا و"ليلى" على الأقل لو حبيت أمسك ايديها في أي وقت ما احسش إن أنا عملت حاجة غلط ،والله العظيم ما هعمل حاجة أكتر من كده بس حابب إن انا اكون معاها مرتاح أكتر علشان التزم بوعدي معك .
حركت رأسها برفض تام لما يقوله وهي تقطع كل السبل أمامه بالموافقة على ذاك الموضوع وتفقده الأمل تماما لكي لا يفتحه مرة أخرى :
ـ معلش يا "زيد" موضوع كتب الكتاب ده مرفوض نهائي والمفروض ان انت تقدر تتحكم في اعصابك قدامها وفي غريزتك كراجل وتصبر طالما انت اللي اخترت "ليلى" ، وزي ما هي رضيت بيك بكل ماضيك وحواراتك انت كمان ترضى انك تستناها لحد ما تخلص المدة اللي احنا اتفقنا عليها من غير أي ضغوطات ،
اهدى يـا"زيد" وافتكر انت كنت فين وبقيت فين ، وافتكر برده ان انا ساعدتك وساندتك كتير، فموضوع كتب الكتاب ما تفتحهوش تاني ولا معايا ولا مع باباها ولو ما قدرتش تلتزم بوعدك تقول لي من دلوقتي ونفضها سيرة .
بعد مرور يومان كان المكان يغمره هدوءٌ محملٌ بألمٍ داخليّ في غرفة استقبال البيت الواسعة كان نور الغرفة الخافت يتسلل عبر النافذة الزجاجية ويتناغم مع قطع الأثاث الخمرية في المكان فيضفي على الأرجاء ظلالًا دافئة ، كان الجو مشحونًا بأحاسيس مختلطة أبصرت "ليلى" مقعدًا في زاوية الغرفة وجلست عليه غير قادرة على رفع نظراتها كان الخجل والعتاب يتصارعان في صدرها في تلك الأثناء وفي مقابلها كان يقف "زيد"، متكئًا بيديه على سياج الشرفة وهو يحدق في الأفق ، نظراتٍ يائساتٍ محملة بالعتاب كان يعلم في داخله أن ما بدر منه كان بسبب محبته لها لكنه لم يتخيل أن يتم التعامل مع تلك محبته بهذا الشكل أبداً كان تنفس "ليلى" مضطربًا، وكانت ضربات قلبها تتسارع وكأن هناك عاصفة داخلية تتخمر في صدرها كان كلاهما في لحظاتٍ فاصلةٍ تنسج خيوط الألم والعتاب في علاقتهما كان المكان شاهداً على تلك المواجهة التي طال انتظارها كان "زيد" يقف عاقد الذراعين في محاولةٍ للتماسك لكنه كان على وشك أن ينهار داخليا بسبب ما فعلته "ليلى"، كان هناك صمتٌ يخيم على المكان حتى كسره "زيد"، وهو يقطب حاجبيه في عتابٍ ممزوجٍ بألم :
ـ انا زعلان جدا يا "ليلى" علشان حكيتي لمامتك على اللي حصل ما بينا وخليتي شكلي وحش قوي قدامها ، كان ممكن تاخدي مني انتِ الوعد اللي انا اديته لها ، كان ممكن نحل المشكلة ما بينا بكل بساطة من غير مامتك ما تعرف ومن غير ما الأسرار اللي بينا تطلع ،
هيحصل بينا حاجات كتير قوي معقولة كل مره هتروحي تقولي لمامتك على اي موقف يحصل ما بيننا والمفروض ان انا اقعد زي التلميذ قدامها كل مرة أتحاكم وتاخذ مني عهود ،
انا بصراحة مصدوم من اللي حصل منك واللي ما كنتش متوقعه اصلا وخصوصا اني وعدتك اني مش هعمل كده تاني .
كانت نظرات "ليلى" محبوسة في الأرض كانت تخشى أن ترفع عينيها وتلتقي بعيني "زيد" فينكشف ضعفها ، كان الصوت يقطر أسى وهو يجيب على عتابه:
ـ غصب عني يا"زيد" كان لازم أحكي لـماما أنا متعودة دايما ان انا أحكي لها على أي حاجة غلط عملتها واسمع توجيهها ونصيحتها من وأنا طفلة صغيرة ونشأت في الدنيا طلعت كده بحكي لها على أي حاجة بعملها سواء كانت صح او غلط واللي حصل ما بيني وما بينك بصراحة ضايقني من نفسي جدا وانا ببقى مكشوفة قوي قدام ماما لما بكون عاملة حاجة غلط لأني اتعودت إني أحكي لها على كل حاجه فبالتالي صارحتها زي كل مرة باللي انا عملته وطبعا عاتبتني جامد ولأول مرة كمان تكون معايا قاسية في العتاب ؛ لكن والله العظيم أي مشاعر ما بيني وما بينك أي حاجة انت بتحكيها لي عن نفسك أي حاجة خاصة ما بينا في الحوارات اللي بتحصل بين أي خطيب وخطيبته ماما مش بتعرف عنها حاجة هي أصلا معرفاني حدود اللي انا أحكيه واللي انا مش هحكيه لها غصب عني قلت لها .
كانت نظرات "زيد"، تنبعث منها الخيبة والحزن وهو يقبض على سياج الشرفة بأصابعه حتى كادت أن تتكسر كان يتنهد بألمٍ داخلي وهو يرد:
ـ طب فين الخصوصية ما بيني وما بينك يا "ليلى" في أي حاجة تحصل يعني أي حاجة غلط هتحصل مننا احنا الاتنين المفروض ان احنا نروح نحكيها لوالدتك سواء انا او انتِ !
المفروض ان احنا بدأنا حياة جديدة احنا لو عملنا غلط نصلحه لنفسنا، لو حد فينا زعل التاني المفروض نداوي الزعل لنفسنا ما ندخلش حد تالت ما بينا حتى لو كان الحد ده امي او امك، أرجوكِ يا "ليلى" انا عايز أبدأ معاكي حياه كلها وضوح وكلها ماشيه على خطوط مستقيمة علشان نقدر نتخطى كل الصعاب اللي هتواجهنا .
كانت نظرات "ليلى" محملة بألمٍ أبدي كانت تتراجع في مقعدها تخفي يديها في حجرها وتضغط عليهما بقوةٍ لتمنع ارتجافهما كان الصوت يخنق في حلقها بسبب الخوف والعتاب الذاتي:
ـ انا كان عندى حسن نية كان عندى الخوف على نفسي، كان عندى الخوف على حبك لكن أبداً محبتش أضيع ولا أهين كرامتك، انا كان لازم أراجع نفسي كان لازم أسمع كلام مامتي الي بتربينى على الخوف على الخوف من ربنا في كل تصرفاتي وعموما يا "زيد" هحاول اسيطر على نفسي اكتر من كده في اني احكي كل حاجة بعد كده بس لو ما لقيتش منك انك بتقدر تتحكم في نفسك وان انت مش هتوديني في طريق انا مش حباه ما اوعدكش ان انا هقدر اكمل في وعدي ده .
كان "زيد" يقف في محله تتسابق دقات قلبه بسبب الألم كان صدره يعلو ويهبط كان داخله شعورٌ مميت كأن شيئا يتمزق داخله كان يتنهد وهو يقول في ضعفٍ ممزوجٍ بألم:
ـ خلاص يا "ليلى" اللي حصل حصل انا اصلا مخنوق من نفسي من بعد ما والدتك شايفاني بالنظرة دي لكن كله هيعدي علشان خاطرك انت يا حبيبتي اتحمل أي حاجة وخصوصا ان انا اللي أشعلت الفتيل للدكتورة "شهيرة" فلازم اتحمل علشان خاطر حبيبة قلبي .
بعد الهدوء كان نور أباجورة صغيرة يتسلل عبر النافذة فيرسم ظلالًا على الجدران كان هناك سكونٌ محبَّب يحيط بأرجائه في هذا الجو الرومانسي كان يقف أمامها في زاوية الغرفة يضمّ يديه يقبض عليهما بقوةٍ بسبب التوتّر في صدره كان يخشى أن تخدش كلماته حياء "ليلى" لكنه في الوقت ذاته كان يريد أن يبوح لها بما في نفسه كان يريد أن يقول لها كم يعشقها، كم يتنفس حبّها مع كلّ شهيق ،
اقترب "زيد"، بخطواتٍ بطيئة حتى وصل إليها وجلس أمامها وهو ينظر إليها بهيام ويتوه في عينيها الخجلتين وهو يغازلها :
ـ انا عارف يا "ليلى"، ان الايام الي عدت كان فيها ضغط، كان فيها عتاب ، كان فيها كلام كتير عن اللي حصل لكن انا عايز أؤكد لك إني بحبك ،بحبك أكتر من الدنيا ،بحبك بعقلي ، بقلبي ، بأحاسيسي، انا عارف انك مختلفة، انك بنت أصول، بنت بتخاف على كرامتها عشان كده انا لازم أكون قد كرامتك لازم أكون قد حبك ، إنتي استسنائية يا لولا حاجة مش موجودة .
كان "ليلى"، تتنهد في ضعفٍ في ارتعاشةٍ محبَّبة كان تنفسها يتسارع وكان في نظرات عينيها بريقٌ دافئ محمَّل بأحاسيس الخوف والرجاء في آنٍ واحد لتنطق بخجل :
ـ انا بخاف على حبِّي ليك ربنا ميباركش فيه بخاف على بيتنا في المستقبل الي هينتج بسبب حبِّنا الطاهر بخاف علينا لكن أبداً أبداً محبّتِي ليك مش هتتغير ولا هتنقص انا بحبك، بحبك بعقلي وبـقلبي، دقات قلبي الي بتنبض باسمك في كلّ لحظة .
كان "زيد" ينظر إليها بأمل ووله لما تلقيه عليه من عبارات حالمة أثلجت صدره وجبرت مشاعره الموقدة وهو ينظر إلى كف يدها ويتمنى أن يقبل باطنه قبلة عميقة تحمل في همساتها اشواق وأشواق عاشق حتى النخاع وكأنه يخبر تلك الخطوط في كفّها بقسَم أبدي على استمرار هذا الحبّ على التضحيَّات التي سيقدّمانها في سبيله على الأمل في بدايةِ أسَرِيَّهٍ صغيرةٍ مليئةٍ بالدفء بالرحمة بالسعادة.
############
في غرفة الجلوس الواسعة في منزل والدة "هاشم" كان الجو مشحونًا بالعتاب والنفور والنفاذ في الكلمات كان المكان ممتلئًا بأثاث كلاسيكي عتيق وكانت صورة أبِي "هاشم" تتوسط الغرفة في إطار ذهبي ،كان هناك قدرٌ من الترقب في نظرات الفتاتين وهن يتنهدن في أسى ويتحدثن بأصوات ممسوسة بالعتاب والرجاء المغلف بالمنَّة لهدف ما في نفوسهم:
ـ يا ماما انا واختِي عايزين نروح نزور "حنين" مرات "هاشم" وانت كمان تيجي معانا علشان نكسب وده بدل ما هو مخاصمنا كده منشفها على اجوازتنا في الشغل وبيحاسبهم بالسحتوت بصراحة ابنك طلع زعله وحش قوي .
في تلك اللحظات ارتفعت نظرات الوالدة نحو ابنتِيها وفي عيونها نظرات مختلفة ما بين الألم والعتاب والحسرة على ما وصل إليه أبنائها ، تنهدت بغل في صدرها وكادت أن تبدي ضعفًا داخليا لكن القوة التي عرفت بها أبت على ضعفها أن يسيطر على ملامح وجهها :
ـ والله عندك حق يا اختِي وطبعا علشان نكسب ود الباشا "هاشم" اخونا لازم نكسب ود "حنين" مراته ونصالحها بعد اللي حصل مننا كلنا ما كنتش اعرف انه بيحبها قوي كده وهيبقى دلدول ليها ويفضلها على اخواته .
ثم مالت إحدى الفتاتين في مقعدها وعقدت ذراعيها في غضب داخلي يتقد في صدرها، وتحدثت والدتهم بعتاب ممزوج بالمرارة والعتب على ما وصل إليه حال أسرتهم بسبب تلك الخلافات :
ـ والله يا يابت منك ليها انتوا اللي عقارب وانتم السبب اللي خليته ابني يسيب البيت ويتفرق عن اخواته لما قومتوها في دماغى ان انا اروح ارميها في التربة علشان تتخض وتحمل انتوا السبب في بعاد ابني عنى .
في تلك الأثناء التقطت الفتاة الثانية أنفاسها بقوة وكادت أن تنفجر بسبب هذا التحقير غير العادل في نظريها:
ـ والله دلوقتي يا ماما بتقولي احنا السبب امال لما كنا بنجيلك كنت بتقعدِي تشتكي منها وتقولي ما بتنزلش وما بشوفهاش ورايحة عند امها وراجعه من عند امها وعامله نفسها بنت بارم ديلو ومش زي سلايفها وانتِ اللي كنتِ بتشتكي منها جايه دلوقتي تقولي اننا إحنا السبب علشان نصحناكي بنصيحة تخليها تحمل وتجيب لك الحفيد وابنك الصغير اخر العنقود يخلف زي اخواته دلوقتي احنا السبب برده .
هزت الوالدة كتفيها بألم داخلي في محاولة للتوازن وعدم الخضوع لمشاعر الضعف في هذا التوقيت الخطِر :
ـ ما انا ما كنتش اعرف ان اخوك "هاشم" اللي طول عمره مشاعره صلبة وبليدة يحب الكونتيسة مراته بالشكل ده لكن هنعمل ايه مضطرة ان انا اسايسه علشان خاطر يجيب مراته ويرجع البيت تاني منظرنا بقى وحش قدام الناس لما اخوكو خد مراته وخرج .
ردت الفتاة الثانية بقوة وعناد أبى الخضوع، وكأن الغضب كان يغلي في عروقها :
ـ يعني انتِ يا ماما كل اللي همك المنظر قدام الناس مش همك انه ركبها عليكِ ونفذ لها اللي هي عايزاه وخرجها من البيت المفروض كمان هو اللي يتصل ويعتذر وهو اللي يجيبها ويرجع هو في حد يعمل في امه وأبوه كده ويسيبهم ويمشي .
نظرت الوالدة نظرة قوية مليئة بالعتاب والمرارة في عيون ابنتِيها وكأنها تسترجع الذكريات الخائبة في علاقتهم بأخيهن :
ـ انتِ عارفة اخوكِ يا بت دماغه ناشفه وعمره ما بيتراجع عن اللي في نفوخه مهما حصل المهم انتم عايزين ايه دلوقتي عشان صدعتوني ؟
ردت الفتاتان في وقت واحد كأن على قلبيهما رجاء واحد لما سيخططون له ويأملون في استرداده :
ـ عايزينك تقولي له ان احنا هنروح نزور مراته وان احنا هنفتح صفحة جديدة معاها وهنعتذر لها عن اللي حصل انا واختِي وانتِ كمان تباركي لها على حملها ونجر ناعم معاها علشان خاطر يفتحها شوية على اجوازتنا في الشغل ويزود لهم الفلوس بدل ما هو منشفها علينا كده .
زفرت الوالدة بحنق وكأن هذا الحمل الثقيل يتسرب من صدرها ببطء :
ـ حاضر يا بتاعة مصلحتك منك ليها هكلمه اهو .
رفعت الوالدة سماعة التليفون واتصلت بابنها كان الصوت على الخط يرنّ حتى أجاب :
ـ الو ،ايوه يا "هاشم" ازيك يا اللي ما بتسالش على امك خالص وما بتجيش تزورني غير كل فين وفين قد كده خروجك من البيت من بعيد عن حضن امك واخواتك وابوك نساك ان لك عيلة واهل اخص عليك .
رد "هاشم" بأدبٍ واحترامٍ على عتابِ أمه وهو يخفي في نفسه الألم بسبب الخلافات الأسرية التي طالت البيت :
ـ معلش يا أمي انتِ عارفه شغل المصنع ما بينتهيش وعقبال ما بخلص واروح البيت بكون همدان حقك عليا انا عارف ان انا مقصر في حقك ما تزعليش مني .
حتى في هذا الخضمّ كان "هاشم" يتمسك بأخلاقه ويبرّ بأمه قدر استطاعته، على الرغمِ مما كان يجده في البيت بسبب الخلافات والنفور :
ـ عموما ماشي يا "هاشم" هنمشيها زي ما انت ما عايز المهم احنا كنا عايزين نروح نبارك لمراتك على حملها انا واخواتك البنات وقلنا نقول لك قبل ما نروح .
انتفض "هاشم" داخليا في تلك اللحظات واختلطت مشاعره ما بين الخوف والقلق والفرح بسبب الحمل في آن واحد :
ـ لااا ، ها ، أصل ، ماشي يا ماما انا هعدِي عليكم اخدكم بنفسي لـ"حنين" علشان تباركو لها .
فعليًا كان الخوف يقطر من كلماته وهو يتخيل ما قد يحدث اذا التقى أهله مع "حنين" دون أن يتواجد هو في المكان :
ـ مالك اتخضيت واتصدمت كده ليه كأن لدغك عقرب هو انت مش عايز أمك واخواتك يدخلوا بيتك ولا يبقى ليهم صلة ولا علاقة بمراتك تاني ؟!
ولا انت عايز مراتك تخلف وما يعرفوش ان ليهم عمات ولا جدة ولا جد ولا أهل خالص من الأساس ؟
جرى لك ايه يا "هاشم" انت خايف على مراتك مننا من امك واخواتك البنات عيب يا "هاشم" مش لازم تيجي تحرسنا علشان خاطر نزور مراتك .
رد "هاشم" وهو يتمالك نفسه ويكظم غضبه في هذا الموقف الدقيق:
معلش يا ماما انا هاجِي بنفسي اوصلكم علشان ما تتعبيش وبعدين "حنين" لوحدها في البيت وكمان علشان دي لسه اول زيارة ليكم بعد الحوار اللي حصل وانا لازم ابقى موجود .
ردت الوالدة في النهاية بمرارة في الصوت وتقطيع في الكلمات بسبب ما وصل إليه حال أبنائها وهي تشعر بالحسرة من ولدها والغيرة والغل تزدادان من تلك الـ"حنين" اكثر فأكثر:
ـ عموما براحتك يا "هاشم" بيه خليك مزعل امك وجاي عليها قوي علشان مراتك ادينا مستنينك علشان نروح نزور البرنسيسة اللي معززة نفسها علينا قوي .
بعد مرور ما يقرب من ساعة اخذ والدته وشقيقتيه ووصل إلى شقته وأدخلهم لمكان استقبال الضيوف مما استدعى حنقهم للغاية ثم ذهب إلى "حنين" كي يعلمها بقدوم والدته وشقيقتيه لزيارتها للاطمئنان عليها ،
في غرفة النوم كان الجو مشحونًا بأحقاد مختلفة وكبرياءٍ جريحٍ يتمدد في المكان كظِلٍّ أسود يخنق النفس ويعصر القلوب. كان "هاشم" واقفًا عند باب الغرفة يضغط على مقبضه بأصابعه القوية التي ارتعشت قليلًا بسبب التوتّر الداخليّ في نفسه نظرات عينيه كانت تتنقل ما بين الأرضية الخالية والنفاذة التي يتسلل عبرها نورٌ باهتٌ من الخارج كان هناك في داخله صراعٌ يتضارب بين محبته لها وبين رجولته التي يظن أنها تمسّ في هذا الخضوع ،
حتى قال بصوتٍ مختنقٍ غمره الترقب والنفاذ وهو متيقن من ردها حينما علمت بقدومهم واستمعت إلى صوتهم في الخارج ورأى نظراتها المحتدة:
ـ يا "حنين"، ماما واخواتِي البنات جايين يباركوا لك على الحمل ويطمنوا عليكِ وعايزين يفتحوا معكِ صفحة جديدة ممكن تخرجي تقابليهم هم قاعدين بره في الريسبشن ؟
انتفضت "حنين" في فراشها كمن لدغت بأفعى و ارتعشت يديها على الغطاء في محاولة يائسة للتشبث بأشياء تبقي لها قدرًا من التوازن الداخليّ في هذا الخريف العاطفيّ الثقيل، كان صدرها يعلو ويهبط بعنف بسبب تسارع أنفاسها ، نظرت بعينين غائرتين في محجريهما بسبب الألم والمرارة التي عاشته بسبب تلك العائلة كان الصوت يقطر أسى في كلّ حرفٍ تنطقه:
ـ ايِييه انت ازاي تجيبهم هنا يا "هاشم" من غير ما تقول لي ولا تستاذني ولا تشوف مشاعري ولا تراعي نفسيتي في انِي أقابلهم بعد اللي عملوه فيا ؟!
مش المفروض كنت تعرفني الأول قبل ما تجيبهم ، انا بصراحة مش قادره اشوفهم ولا قادره اتكلم معاهم ولا قادره انِي أتعامل معاهم من الأساس بعد اللي حصل ولايمكن أخرج لهم.
قطب "هاشم" حاجبيه في غضبٍ داخليّ كان يتمدد في عروقه كالنـ.ـار في الهشيم ثم ضغط على أسنانه بقسوةٍ وهو يقبض على مقبض الباب أكثر وكأن تلك الخبطة على الخشب الخشن تنفّس جزءًا صغيرًا من ضغطه، كان في نظراته عتابٌ ممزوجٌ بألمِ الخسارات التي عاشها بسبب الخلاف العائليّ :
ـ معلش يا "حنين"، اللي حصل كان من بقاله كذا شهر والمفروض تكون نسيتي ، وبعدين انا مش هقاطع أمي واخواتِي ولا ولادي اللي هيجوا للدنيا، لازم يعرفوا ان لهم أهل، جد وجدة وعمات واعمام ، انا مش حابب ان ولادي يبقوا منبوذيين من اللي حواليهم، ولازم تتعاملي مع الامور كأنها موقف وحصل وعدى وخلاص وهم اللي جايين يصالحوكي اهم يعني العيب عداهم حاولي تصفي قلبك انتِ كمان ناحيتهم لان دي برضو أمي ودول برضو اخواتِي وكمان مش قاعدين معانا ولا هنختلط بيهم غير في زيارات عابرة كل فين وفين فلازم تعدي الموقف يا "حنين" من فضلك .
هتفت برفض قاطع :
ـ انت بتقول ايه ازاي اصلا بعد اللي امك عملته فيا عايزني اتعامل معاها تاني، انا مش قادره اتصور انك جبتهم لحد هنا كمان يا "هاشم"، على فكرة امك رمتني في التربة مش قالت لي كلمتين ضايقوني وخلاص ما تحاولش تتجاهل اللي حصل انا ما طلبتش منك انك تبعد عن امك ولا عن اخواتك لكن برده ما تجبرنيش ان انا اتعامل معاهم ولا اولادي كمان انا عمري ما هسامحهم مهما حصل ولا عمري هصفى لهم.
احمرت عينا "هاشم"، واتسعتا في غضبٍ مكتومٍ كالقنبلة الموقوتة كان تنفّسُه يعلو ويهبط وكأنّه يلهث بسبب ضغط الدم في عروقه اقترب خطوة ثم مدَّ يده في إشارة قوية وكاد أن يقبض على ذراع زوجته لكنه توقف في منتصف الطريق محاولًا كبح جماح غضبه ،
ـ انت بتقولي ايه انت اتجننتِي يعني ايه تحكمي على ولادي انهم ما يعرفوش أهلي انتِ شكلك دلعي ليكِ زياده على اللازم نساكي انِي هنا الراجل وانك لازم تسمعي كلامِي ومش على عشان بعزّك واخد لكِ حقك في كلّ مرة هتركبيني ما ينفعش اصلا اتحايل عليكِ عشان تخرجي تقابلي أمي واخواتِي وتضّيفِيهم كمان واذا كانوا عملوا فيكي حاجه طاق انا خدت لك حقك عسر طقان فتكبريني وتعتبري كلمتي سيف وتسمعي الكلام زي ما انا ما بعمل لك كل اللي انتِ عايزاه .
انتفضت "حنين" أكثر وتراجعت خطوة إلى الوراء وكأنّ سياجًا غير مرئيٍّ كان يقف بينها وبين "هاشم" و نظرت نظرة اليائسِ الخائف ، نظرة التمرّد على الخضوع نظرت نظرة مفعمة بألمٍ شديد :
ـ والله ما يحصل يا "هاشم"، ولا هخرج لهم ولا هتعامل معاهم من الأساس، انا اصلا مش طايقة أبص في وشهم ، انا لحد دلوقتي بتجيلي كوابيس من اللي امك عملته فيا، ولحد دلوقتي مش قادره انسى، وفي الآخر تقولي بقى لنا كم شهر !
انا عايزه لي كم سنة عشان انسى اللي حصل واللي امك عملته فيا وبرضه مش هخرج اقابلهم.
انتفخت عروق "هاشم"، وتشنّجت عضلة فكّيه بسبب الغضب المتعاظم داخله كان يقف وسط الغرفة مثل أسد محبوس في زاوية تتسارع أنفاسه وتشتعل نظراته بالحدَّة والامتعاض :
ـ ما تستدعيش غضبي عليكِ اكتر من كده ما ينفعش اللي انتِ بتعملي دة اخرجي قابليهم كانهم ضيوف عاديه يا ستي وما تصغّرينيش قدام أمي ولا اخواتِي وتطلعيني عيل ومش راجل قدامهم ،ما ينفعش اللي انتِ بتعمليه ده نهائِي، وبعدين أنا معاكي ما حدّش فيهم هيقدر يمسك بكلمة ولا حدّ هيقدر يقول لكِ تلت التلاته كام ، فضِي الحوار ده يا "حنين"، واخرجي لو سمحتِ وما تكبّريش المشكلة.
رفعت "حنين" نظراتٍ محمَّلة بألمٍ ثقيل نظراتٍ تخبر بأشياءٍ يعجز اللسان أن يبوح بها كان صدرها يتمزق وكان الخوف يتمادى في عروقها لكنَّ الكرامة كان لها الصوت الأعلى في تلك المواجهة :
ـ وانا بقول لك يا "هاشم"، انا مش هخرج مش عايزة اعرف العالم دِي تاني ولا عايزه اشوف وشّهم، انا مش قادره اسمع صوتهم ، ولا قادره اتخيل ان انا هقعد قدامهم تاني، انت مش متصور انت بتقول لي ايه كأنك بتقول لي ارمي نفسي في النار والله العظيم لو قلتِ لي كده أرحم من انِي أخرج أقابلهم كان لازم تستئذني قبل ما تدخلهم البيت.
احتقن وجه "هاشم" واحمرَّت عيناه أكثر كان الغضب يتمدد في داخله وهو يعي أن كلمته لم تعد لها سلطان على تلك المرأة التي طالما أحبّها لكنّ رجولته أبت أن تستسلم :
ـ انتِ شكلك اتجننتِي في دماغك وملكيش كبير غير دماغك الوسخة دِي، اعقلي يا "حنين"، وانتِ بتتكلمي مع جوزك، اعرفِي ان انا هنا الراجل وانك لازم تسمعي كلامِي ومش على عشان بعزّك واخد لكِ حقك في كلّ مرة هتركبيني ما ينفعش اصلاً اتحايل عليكِ عشان تخرجي تقابلي أمي واخواتِي وتضّيفِيهم كمان.
انتفضت "حنين" في غضبٍ عارم وتراجعت أكثر نحو زاوية الغرفة وكأنّ المكان يضيق حولها نظرت نظرة التمرد على الخضوع نظرت نظرة مفعمة بخوف شديد وهي تتذكر لحظات القبر المؤلمة :
ـ انت بتمسكنِي من دراعي بتهزّني كده ليه وناقص تضـ.ـربني كمان انا بقول لك مش هخرج يعني مش هخرج ومش هقابلهم يعني مش هقابلهم انا أمي اصلا عمرها ما تعمل معاك كده عشان انا أمي ست متربية وتعرف ربنا وتعرف الأصول كويس.
تشنَّجت عضلةٌ في صدغ "هاشم"، واشتدَّت يده على ذراع "حنين"، كان الغضب في نظراته يخترق المكان وكأنّ نظراته سياطٌ تجلد الروح قبل الجسد :
ـ إنتِ تقصدي ايه ان انا أمي قليلة الأدب مثلاً ؟!
يكون في معلومك هتتأدّبي على الكلام ده كويس قوي بس بعد ما تخرجي وبعد ما هم ما يمشوا يلا انجزي والبسي عشان تخرجي تقابلي أمي واخواتِي وتقابليهم حلو.
تسارعت دقات قلب "حنين"، وتعلّقت نظرات الخوف في عيونها لكنّ عزمها كان أقوى أبت أن تستسلم، أن تخضع، أن تنكّسر رأسها مرة أخرى :
ـ وانا بقى يا "هاشم"، بقول لك لو فيها طلاقي انا مش هخرج للناس اللي بره دِي ولا هقابلهم ولا طايقة أبص في وشّهم من الأساس.
في تلك اللحظات الثقيلة على النفس، كانت نظراته كخنجر يغرس في الأعماق وخصوصاً حينما استمع لمناداة والدته ويبدوا أن صوتهم كان عالياً واستمعوا اليهم وهو يوزع نظراته بين الباب ووالدته في الخارج وهي في الداخل وكلماتها كسكاكين تمزق ما تبقّى من الأمل في قلبه، فلم يتخيل أبداً أن تكون تلك هي ردَّة فعله أن يقف صامتًا في مواجهتها وكأنّ الألم الذي كان يعتصر صدره لم يصل إليها إطلاقًا ، شعر بالخذلان يتسلل في عروقه، يتفشى في كلّ جزءٍ من جسده، حتى غمره اليأس ، كان هناك وعدٌ بالوفاء والثقة، لكنه تبخر في لحظاتٍ بسبب نظرة باردة وكلمة مبتورة بينهم هكذا انكسرت الأحلام في زاوية الخريف القاسي بسبب صدمةٍ لم تكن في الحسبان أبداً.
معذره على التاخير حبيباتي بس انا كنت واخده اجازه عشان كان عندي ظروف وانا عمري ما اعتذرت عن اي فصل عايزه بقى تفاعل على الفصل ده عشان لو ما لقيتش ريفيوهات ترج الجروب هزعل منكم ومش هكتب تاني خالص
وانا محضره لكم حوارات في ابطال الغرام رهيبه عايزه تفاعل الفصل يا بنات مش مسامحه اي حد يقرا ويمشي ارجوكم اللايك قبل القراءه والتعليق والريفيو بعد القراءه على فكره الفصل ما يقرب من 7000 كلمه يعني كبير جدا يعتبر بمقام فصلين فعايزه بقى تفاعل يرضيني وان شاء الله ميعادنا بعد كده حد وخميس كالمعتاد دمتم في رعايه الله وامنه
هل كان عفوُه تسامحًا في غير محله؟
هل كان إخلاصُه غفلة ؟
حقًّا، ليست الخسارةُ في شخصٍ يخون، بقدرِ الخسارةِ في اليقينِ الذي كان يجمع بين كلا الطرفينِ في محبةٍ صادقةٍ واحترامٍ متبادل ، ويظلّ عتابُ النفسِ على حسنِ ظنهِ أبقى في الذاكرهِ، أكثرَ إيلامًا من الخيانةِ ذاتِها، هكذا تتسعُ الفجوةُ في القلوبِ وتضيقُ فرصُ التلاقيِ مرة أخرى ،فعندما تهتزّ الثقة، تسقطُ الأقنعةُ، وينكشفُ ما كان محجوبًا، ويؤذنُ الخريفُ في علاقاتِ الربيعِ بالرحيلِ والنهاية.
كان اليخت يشق على باب البحر في هدوءٍ جميلٍ يخطف القلوب ويثير في النفوس تلك الذكريات الدفينة التي طال غيابُها بسبب مشاغل الدنيا وتعقيدات الحياة كان الماء يتلألأ في نور الغسق الخافت وهو ينساب على جانبي اليخت كخيوطٍ فضيةٍ تتناغم مع حركة الرياح الخفيفة التي تحمل في طياتها رائحة اليود والملح في تلك الأجواء كان المكان ممتلئًا بأصداء محبةٍ قديمةٍ تتجدد في هذا اللقاء الفريد
قال " يحيى " وهو يتنهد في ارتياحٍ عميق ويخطو نحو أصدقائه على سطح اليخت:
ـ الحمد لله إني شفتكم يا أندال على السلامة يا شباب نورتوا المركب بقى لنا كتير ما تجمعناش فينك يا عم " زيد " وفينك يا عم "هاشم " مختفيين من بقى لكم كتير .
كان الصوت محمَّلاً بألم الفراق بسبب الغياب لكنه في ذات الوقت كان ممتلئًا بأمل التلاقي مرة أخرى وكان في نظرات " يحيى " بريق محبةٍ يخبر أن تلك الصلة لم تنقطع أبداً على الرغم من مرور الأيام وتغير الأحوال والظروف ،
ردّ " زيد " وهو يبتسم وفي نظراته بريق محبّ والدعابة تملأ صوته :
ـ انت عارف ان انا أخيرا خطبت " ليلى " بقى والدنيا بقى لسه في أولها واحد خاطب بقى يا عم وبيتدلع هو وخطيبته علشان كده هيبص لأصحابه فين .
كان في كلماته قدرٌ من الفرح والنشوة بسبب بداية مشوارٍ طال انتظاره لكنه لم يمرّ دون عتابٍ صغيرٍ ممزوجٍ بالدعابة كان " زيد " في تلك اللحظات يستمتع بأحلى فترات حياته وهو يقطف ورود الأمل في بستان الرفاق والحب ،
ليقول " يحيى " وهو يقهقه بخفوتٍ بسبب تلك الدعابة:
ـ والله الدنيا ضحكت لك يا عم " زيد " ونسيت أصحابك ما هو من لقى أحبابه نسي أصحابه بكره لما تندهس معاك في مشاكل الخطوبة إياها هترجع تقول والنبي يا "يحيى" قل لي اعمل إيه ، والنبي يا "يحيى" أسوِي إيه ؟
كان في هذا التحذير محبةٌ ضمنيةٌ تنبع من تجربةٍ عاشها الأصحاب في محطات مختلفةٍ من الحياة وكان " يحيى " يتحدث وهو يضع يده على كتف " زيد " كأنه يؤكد له أن الأصحاب هم الملاذ في الأوقات الصعبة ،
ثم التفت " يحيى " نحو " هاشم " وهو يتابع في عتابٍ خلِّي محبّ:
ـ وانت يا عم " هاشم " فينك انت كمان من ساعه ما نقلت بيتك الجديد مع مراتك عشان تنقذها من المشاكل اللي ما بينها وما بين امك واخواتك وانت عايش في العسل وخصوصا بقى بعد ما عرفت ان هيجي لك نونو ما بقتش تسأل على "يحيى" ولا " زيد " خالص ،
وتابع عتابه وهو يضرب كفا بكف:
ـ جرى ايه يا جدعان فين ايام السهر والخروجات ما انا كمان كاتب كتابى جديد زيكم بس بسأل عليكم ومش مطنشكم ده مكانش عيش وملح ؟َ
كان في هذا الصوت قدرٌ من الحنين لأيام كان الأصحاب يجتمعون أكثر ويتسامرون حتى طلوع الفجر وكان في نظرات " يحيى " عتابٌ ممزوجٌ بالعتاب بسبب التغيرات التي أبعدت الأصحاب قليلًا بسبب ظروف الحياة ،
ردّ " هاشم " وهو يتنهد في أسى معلّقٍ نظراته بأفق البحر:
ـ معلش يا "يحيى" حقك عليا انت و"زيد" والله عقبال ما بخلص شغل المصنع واروح بلاقي " حنين " تعبانه مش عايز اقول لكم أول شهور الحمل دي عند الستات حاجة آخر قرف خالص ، شوية تعبانة ، شوية دايخة ، شوية عايزه تنام ، شويه بتتوحم على حاجات خزعبليه مش موجودة أصلاً ،
وطبعا لو سبتها هرمونات الحمل هتطفح على اللي خلفوني وهتنكد فما بالك بقى لو قلت لها ان انا خارج مع اصحابي هيبقى يوم مش معدِي معلش يا شباب اعذروني لحد اما الايام دي تعدِي انتم عارفين ان انا راجل مش بيتوتِي خالص لكن أهو ادي الله وادي حكمته .
كان في كلماته قدرٌ من الألم بسبب ضغط مسؤولية البيت لكنه كان ممزوجًا بالرضا بقضاء الله وكان في نظرات " هاشم " محبةٌ عميقةٌ لأصدقائه على الرغمِ من التغيرات التي طرأت على حياته بسبب مسؤولية أبٍ يترقب مولوده الأول ،ثم ضحك " زيد" وهو يلوّح بيده في الهواء:
ـ اه يعني انت يا عم " هاشم " كده دخلت القفص برجليك وبعد كده هتنسحب منّا شويه شويه والله ياض يا "يحيى" الشيف "هاشم" اللي ما كانش حد بيقول له بم اتجوّز وبقى مستقيم وبقى يسمع كلام قُرَّه عينيه .
كان في هذا المزاح قدرٌ من محبةٍ عميقةٍ وتفهمٍ للتغيرات التي يمر بها الأصحاب في محطات مختلفةٍ من العمر وكان في نظرات " يحيى " دعابةٌ تخفي محبة قوية تنبع من صدق علاقتهم ،
هتف " هاشم " وهو يلوّح بيده في إصرار:
ـ والنبي تبطل تريقه يا عم " زيد " انت و
" يحيى " عشان خاطر مش ناقصاكم يعني بكره نشوفك يا اخويا لما تتجوّز انت و
" ليلى " هنشوف هتعمل إيه طلعوني من دماغكم ياض التحفيل مش عليا يا نوغة منك ليه .
كان الصوت ممتلئًا بالدعابة والعتاب في آنٍ واحد في تلك اللحظات الدافئة على اليخت في عرض البحر وكان الأصحاب يجتمعون على محبةٍ أبقى في القلوب وتخطِّي الخلافات مهما كان ، ردّ " يحيى " وهو يهدّئ الأجواء في محبةٍ خالصة:
خلاص يا عمّنا ما تقفش قوي كده احنًا جايين ننبسط ونروق على حالنا ونستمتع بالجو ، كان اليخت يعلو على صفحات الماء في هدوءٍ أبديّ وكان الأصحاب يجتمعون على محبةٍ أبقى في القلوب وتخطِّي الخلافات مهما كان ثم سأل "زيد" هاشم ذاك السؤال الذي حيرهم كثيراً وهو يقـ.ـتله الفضول كي يعرف الإجابة وهو يتكئ على ظهر الأريكة ويفرد ذراعيه على متن اليخت وصدره متصدرا لهواء البحر يشم رائحته المميزة :
ـ إلا مقلتلناش يا شيف "هاشم" انت حبيت وطبيت في الحب وقلبك دق وبقيت متمسك بقرب حبيبك جمبك وبقيت بتحس زينا كدة إن فراقه دمار وخصوصاً بعد ما جربت الجواز العقلاني والاستقرار الجاف الصلب اللي انت كنت داخل بيه حياتك الزوجية ؟
كان اليخت يواصل شقَّ عباب الماء في هدوءٍ أبديٍّ يثير في النفوس مزيجًا من الأنس والعتاب كان "هاشم" وهو يقف في مقدمة اليخت، يتنهد في عمقٍ وهو يسترجع ذكرياته القريبة التي غمرت حياته بالدفء والطمأنينة كان يقف محاطًا بأصدقائه ومحاطًا بأمواجٍ صغيرة تتلاطم على جانب اليخت كأنها تؤنس تلك الخلوة وتبدد الخوف في النفس وهو يجيبه بعمق شديد وبكلمات لها جاذبية مميزة وكأن سحرها أتى من مياه البحر الصافية:
ـ والله "زيد" كنت في الأول كدة وفضلت مدة كبيرة كدة ، كنت تايه مش لاقى مرسايا ومرة قلبي يدق بخوف عليها ومرة تانية بخوف من ضياعها وبعدها عني وعند إحساس البعد بلاقي نفسي بيجي لي اختناق شديد لما يحصل موقف وتهدد بالبعد يعني بمعنى ،
كان اليخت ينساب في هدوءٍ أبديٍّ ويخترق ظلمة المكان بأضوائه الخافتة وهو يتحدث يسترجع في ذهنه تلك اللحظات الثقيلة التي كان يخشى فيها الفراق ويخشى على محبوبته أن تبتعد كان يتنهد في داخله وهو يقلب صفحات الذكرى كأنها كتابٌ مقدسٌ يخبر الأبدية بأعمق مشاعره الإنسانية :
ـ شفت نظرتى للبحر وأنا بتمنى يبعت لي نسايم هوا تنعشني هي بالنسبة لي بقت زي نسائم الهوا الباردة في عز الحر ومن غير وجودها جمبي بحس إني ناقص ومش كامل ، بقت حاجة كبيرة قووي ليا لاااا هي بقت كل حاجة ، عيونها ، وروحها ، ووجودها في بيتي احساس بالدفا مكنتش متخيل إني أحسه يا شباب ، عارفين زي ايه بالظبط زی اللي حاجز تذكرة عودة من غربة طويلة وقطع كل العلاقات وكل حاجة ترجعه للغربة دي تاني بس طبعاً رجوعه مفيهوش أمل لحاجة جديدة وراح لمطار العودة بکسل ولما وصل شاف أخر طِيارة هترجعه من غربته ووحدته هتقلع من مكانها فبقى بيجري كالمجنونعلشان يرجع وعينه على جناحات الطائرة مرة وعلى عجلها مرة وعلى سلمها مرةعلشان يطمن قلبه إنه يجريعلشان يلحق مكانه قبل ما سلمها تترفع درجاته ويرجعلوحدته من تاني ففضل يجرى ويعافر بكل اللي معاه والحمل الثقيل اللي شايله وهو بينهج جامد وحاسس إنه مش هيوصل ويرجع بعقله لأيام وحدته وغربته وإنه مكانش عايش وانه خلاص هيرجعلوطنه وإن إحتمال الرجوع يتأجل ويا عالم لامتى تاني بعد ما أخد قرار على نفسه إنه مش عايز يفضل متغرب وفضل يعافر يعافر ويجرى بأقصى سرعته لحد ما وصل أخيراً بعد عناء جسدي ونفسي وتحطم وخناقات مع عقله وقلبه واللي حواليه طلع درجات السلم في أخر لحظةعلشان يلحق مكانه وأول ما يطلع ويحس ان هو استقر ويقعد في مكانه ياخد نفسه اول حاجه بيعملهاعلشان يطمن انه خلاصقال هيرجع لوطنه امنيحزم نفسه بحزام الامان انه خلاص رجع لوطنه عارفين حزام الامان بالنسبه لي هو حضن "حنين" والوطن بتاعي بقى "حنين"، وما كنتش اعرف ولا اتخيل انِي هحبها الحب ده كله في يوم من الأيام بالنسبة لي بقيت كل حاجة واخاف تضيع مني .
كان اليخت يتناغم مع صفحات الماء في هدوءٍ أبديٍّ وهو يحمل على متنه تلك الذكريات الغالية كان "زيد"، وهو يتابع نظرات "هاشم"، يتنهد في إعجابٍ بهذا التحوُّل في مشاعره كان المكان مفعمًا بأصداء محبةٍ عميقةٍ تخطت حدود المكان والزمان كان الأصحاب يتشاركون تجربة الفرح في أبهى صور التضامن والنقاء وهتف بإعجاب مغلف بالدهشة:
ـ ياه يا "هاشم" قد ما انا و"يحيى" كنا بنقول ان انت جامد ومشاعرك صلبة وعمرك ما تحب قد ما طلعت في الحب ما لكش مثيل ، حاجة ولا انا ولا هو ولا أي حد قدر يوصل لها قبل كده ،
ازاي قدرت توصل للدرجة دي من الحب بعد ما كنت فاقدها لأبعد الحدود ؟
كان اليخت يتابع إبحاره في عرض البحر وفي المكان كان هناك فيضٌ من الذكريات التي تستحق أن تسطّر في صفحات الخلود كان "هاشم" وهو يتنهد في ارتياحٍ داخليٍّ عميقٍ، يجيب على تساؤل صاحبيه في صدقٍ أبديٍّ وفي محبةٍ تكاد أن تنبعث من نظرات عينيه :
ـ بسبب المطبات اللي بتقابلك في طريقك مطب ورا مطب لحد ما تحس ان انت تعبت من كتر ما اتهبدت وما صدقت رسيت على طريق السلامة مسكت فيه بايدك وسنانك وكانت هي طريق السلامة ليا .
تنهد "زيد" في محبةٍ عميقةٍ ويخفق قلبه بأخوَّةٍ صادقةٍ، يتابع كلام صاحبه بإعجابٍ غير متناهٍ كان المكان يتناغم مع تلك الذكريات ويؤثر في النفس تأثيرًا أبديًّا في تلك اللحظات الخالدة :
ـ ياه يا "هاشم" انت دلوقتي بقيت تستحق لقب سيد العاشقين علشان انت حبك ابتدى بعد الجواز فـمتلهف ان انت تستكشف اكتر واكتر في حبك وهتخاف عليه لأنك جربت الحرمان وجربت المشاعر الصلبة والجافة قبل ما تدخل للمرحلة دي بجد انت بهرتني يا "هاشم" انا و"يحيى" .
كان اليخت يواصل إبحاره في عرض البحر الهادئ في لوحةٍ جميلةٍ تنبعث منها الطمأنينة والدفء وفي هذا المكان الخالي إلا من محبة الأصحاب كان "هاشم"، "زيد"، و" يحيى"، يجددون عهد صداقتهم الخالصة التي تستعصي على تقلبات الزمان كان لقاؤهم متنفسًا للأرواح ومحفزًا على استمرار الحياة بأملٍ وتفاؤلٍ حيث يتشاركون الأحاديث والضحكات ويبددون الهموم في رحاب هذه الصحبة التي تستمد منها النفوس القوة على تخطِّي الصعاب وتؤمن أنَّ الخير في الرفقة الحقيقة التي تبقى أبقى من أي شيءٍ في هذه الدنيا.
********
كان المكان يغمره السكون في صالة البيت الواسعة تتسلل خيوط شمس العصر عبر النافذة الزجاجية لتسقط على الأريكات الخمرية وتثير بريقًا دافئًا على الخشب المعتق في المكان ، كان هناك مزيج من الترقب والعتاب في نظرات الدكتورة "شهيرة" وهي تستقر على "زيد" وهو يجلس في مقابلها في هدوء ظاهري يخفي داخله عاصفة قوية كان "زيد" يقبض يديه بقوة على ركبتيه ، يتنهد في محاولة للتغلب على التوتّر في نفسه
رفعت الدكتورة "شهيرة" نظراتها الثقيلة نحوه كان في نظرتها عتاب ممزوج بألم ،بأمومة تخشى على ابنتها وكان "زيد" يعي هذا جيدًا ،ويعلم أن خطأه كان له تأثير أبعد ممّا كان يتخيله ، وأخيراً تحدثت الدكتورة "شهيرة" في نظرات قوية ممزوجة بألم داخلي :
ـ انت جيت البيت كذا مرة يا "زيد" واتعلمت أصول البيت واحترامه لكن الي حصل كان أبعد ما كان يتخيله أي أب ولا أي ام ،
إنت ازاي تستغل براءة "ليلى"، تستغل حبّها لك وثقتها فيك ؟!
إنت ازاي تتقرّب لها بالشكل ده وانتم يا دوب في مرحلة الخطوبة وكمان بقى لكم كذا شهر ؟!
انا اديتك الثقة والأمان وانت للأسف خنتهم انا مش متصورة ولا متوقعة انك يحصل منك كده وانك تستخدم ذكائك في انك تقرب منها بالشكل ده المرفوض تماما وده طبعا لأنك ما شاء الله عليك متمرس بس انا قلت ان "ليلى" عندك غير بس الظاهر ان انا غلطانة ولأول مرة اشوف الشخصية اللي قدامي من وجهة نظري غلط .
"زيد" وهو يخفض بصره بألم ممزوج بالندم:
ـ والله العظيم يا دكتورة انا ما كانش في نيتي ابدا اني استغل طيبتها ولا براءتها زي ما انتِ ما بتقولي والحوار على فكرة مش حوار ان انا متمرس زي ما حضرتك بتقولي بردو انا بتعامل مع "ليلى" زي أي خطيب وخطيبته ولو ركزتي في الموضوع هتلاقي ان اغلب الشباب اللي بيخطبوا بيقربوا من خطابهم بالشكل ده يعني الموضوع في فطرة الشباب وهتلاقيه بين أغلب المخطوبين ،
وأكمل وهو يومئ بعينيه للأسفل بخزي من مافعله معها فتلك التبريرات التي ألقاها على مسامع الدكتورة "شهيرة" لم تكن إلا لحفظ ماء الوجه وليست تبرر خطأه الشنيع فيما فعله من اقترابه من "ليلى" بذاك الشكل الخطير :
ـ وده طبعا ما يبررش ان اللي انا عملته غلط
وان ما كانش ينفع اقرب منها بالشكل ده بس والله العظيم ده من حبي فيها وانا بعترف ان انا غلطان جدا واوعدك ان مش هيتكرر تاني زي ما وعدتك قبل كده وكنت بوفي بوعدي .
انتفض الغضب في نظرات الدكتورة "شهيرة" أكثر وانبعثت القوة في كلامها وتعلو نبرات الصوت في سياق عتابٍ أبويٍّ ممزوج بألم الخوف على ابنتها :
ـ ضعف ! ضعف ايه اللي انت بتتكلم عنه يا دكتور يا جامعي المفروض انك واعي وكبير وعديت سن المراهقة بتاع الشباب وكمان عارف ان الحاجات دي ممنوعة عندي هنا ومع "ليلى" بالذات والمفروض كنت تبقى حذر اكتر من كده في التعامل معاها وما تفكرش ان انت عشان خطبتها وحبتها وعلقتها بيك وخليتها تحبك بأي درجة وبأي شكل إن أنا مش هعرف أي حاجة عنها هي طول ما هي موجودة هنا في البيت ده ولسه تحت مسؤوليتي انا وباباها طول ما انا هعرف عنها كل حاجة وأي تفاصيل علشان دي مسؤوليتي كأم وما تفتكرش إنها مش هتحكي لي وهتخاف على حبها ليك اكتر من مصلحتها كإبنة ليا عودتها على الصراحة معايا من وهي طفلة صغيرة وانت عارف حدود العلاقة ما بيننا كويس،
يا ريت تحط في اعتبارك ان انا غلطة كمان وهنهي الموضوع ده خالص انا مش مستعدة بنتي تبدا حياتها معاك بغضب لربنا ولا انها تفقد احترامها لدينها ولا لنفسها ولا لابوها ولا امها .
انتفض "زيد" وهو يعتصر كفيه أكثر وهو يجيبها بما يشعر به مؤكدا عشقه لـ"ليلى" مهما حدث بينهم :
ـ انا عندى كامل الاستعداد اعمل أي حاجة عشان أبرهن لحضرتك على حسن نيتي ، انا عارف انى أخطأت لكن ربنا غفور رحيم واحكمِي إنتِ بالحق و انا هرضى بأى شرط تحطيه عشان تستردى كرامتك كأم ويكون عندك اليقين الكامل انى هحافظ على "ليلى" بعمري .
انتظر "زيد" إجابتها وهي تنظر إليه نظرة ممزوجة بألم أبويّ وفي داخلها صراعٌ ما بين الخوف على ابنتها وبين الأمل في حسن نيَّته :
ـ انا عندى شرط واحد يا "زيد" انك من جواك تكون رافض شكل العلاقة دي ما بينك وما بينها وانتم مخطوبين ، كفاية انك بتزورها يومين في الأسبوع تقعدوا تتكلموا مع بعض بكل احترام ورومانسية ومشاعر عادي خالص بدون لمس أو تخطي حدود الدين والأدب ،
ما تخليش الغريزة الجسدية تفضل تتحكم فيك وتحركك انك تعمل الغلط زي ما كانت بتتحكم فيك قبل كده، لازم تعمل ستوب عليها وتدي لنفسك فرصة انك تستوعب علاقة حلال من حبيبتك اللي قدامك في بيت باباها اللي واثق فيك ودخلك بيته واتمنك على بنته فلازم تكون قد الثقة دي ، انا مش حابه ان انا اقعد قدامك واقول لك الكلام ده ولا اني شكلك يبقى قدامي كده ولا انك تحمل نفسك خطأ كبير قوي زي ده ،
مش انا الأم اللي تعدي الحاجات دي بسهولة ولا انا الأم اللي تقول عادي دول واحدة وخطيبها وهو اللي هيتجوزها هتروح لمين يعني زي اللي بسمعه انا لا يمكن ارضى الحاجات المقرفة دي تحصل مع بنتي مرة تانية .
انحني "زيد" برأسه أكثر ويجيب وهو يتمتم بألمٍ ممزوج بأمل:
ـ انا موافق على شرط حضرتك انا هبرهن على حسن نيتي وهحافظ على "ليلى" ، هحافظ على حبِّي لها ،وهكون على قدر مسؤولية البيت الي هدخله واوعدك انه مش هيتكرر تاني ولا هيحصل مهما كان انا اسف جدا يا دكتورة .
انسحب التوتّر قليلًا وتخفّ حدَّته لكن الألم في نظرات كلا الطرفين يظل عالقًا ، نظرات الخوف على مستقبل فتاةٍ صغيرة نظرات التوبة والاعتراف بالخطأ ، نظرات الأمل في بدايةٍ مختلفة ،
ينتظر "زيد" بـعينين ممتلئتين بالرجاء أن تسامحه الدكتورة "شهيرة" ويؤكد لها أن حبَّه أبقى وأعمق من الخطأ لتنطق هي اخيرا بالعفو والصفح :
ـ تمام يـا"زيد" انا هقفل على الموضوع ده خالص وكأنه ما حصلش ومش هتكلم فيه تاني علشان انا بصدق وعودك يا ريت تكون قد الثقة اللي أنا بديها لك دايما وما تخلينيش أحس بالذنب ان أنا خليت "ليلى" تكمل علاقة زي دي انا أهم حاجة عندي هي مشاعر بنتي ما تتأثرش وما تتوترش ، انا مربياها على الهدوء النفسي والصراحة في كل شيء ،
ومربياها على إن ما فيش أي حاجة تخاف منها ولا تزعزعها نفسياً علشان في المستقبل لما تبقى أم تبقى سوية نفسياً مع ولادها وما يبقاش عندها عقد من وهي صغيرة من أي حاجة ولا أي موقف .
حرك رأسه بابتسامة وهو يشعر بالامتنان لتلك الأم التي لم يرى مثلها من قبل فهي قائدة عظيمه لمنزل يتمناه أي رجل ويتمنى أن تكون ليلاه كوالدتها في حسن التصرف والعقلية الذكية والحكيمة في حل كل الامور مهما كانت متضخمه لينطق أخيراً بما يريده :
ـ تمام يا دكتوره بس انا نفسي نكتب الكتاب انا و"ليلى" على الأقل لو حبيت أمسك ايديها في أي وقت ما احسش إن أنا عملت حاجة غلط ،والله العظيم ما هعمل حاجة أكتر من كده بس حابب إن انا اكون معاها مرتاح أكتر علشان التزم بوعدي معك .
حركت رأسها برفض تام لما يقوله وهي تقطع كل السبل أمامه بالموافقة على ذاك الموضوع وتفقده الأمل تماما لكي لا يفتحه مرة أخرى :
ـ معلش يا "زيد" موضوع كتب الكتاب ده مرفوض نهائي والمفروض ان انت تقدر تتحكم في اعصابك قدامها وفي غريزتك كراجل وتصبر طالما انت اللي اخترت "ليلى" ، وزي ما هي رضيت بيك بكل ماضيك وحواراتك انت كمان ترضى انك تستناها لحد ما تخلص المدة اللي احنا اتفقنا عليها من غير أي ضغوطات ،
اهدى يـا"زيد" وافتكر انت كنت فين وبقيت فين ، وافتكر برده ان انا ساعدتك وساندتك كتير، فموضوع كتب الكتاب ما تفتحهوش تاني ولا معايا ولا مع باباها ولو ما قدرتش تلتزم بوعدك تقول لي من دلوقتي ونفضها سيرة .
بعد مرور يومان كان المكان يغمره هدوءٌ محملٌ بألمٍ داخليّ في غرفة استقبال البيت الواسعة كان نور الغرفة الخافت يتسلل عبر النافذة الزجاجية ويتناغم مع قطع الأثاث الخمرية في المكان فيضفي على الأرجاء ظلالًا دافئة ، كان الجو مشحونًا بأحاسيس مختلطة أبصرت "ليلى" مقعدًا في زاوية الغرفة وجلست عليه غير قادرة على رفع نظراتها كان الخجل والعتاب يتصارعان في صدرها في تلك الأثناء وفي مقابلها كان يقف "زيد"، متكئًا بيديه على سياج الشرفة وهو يحدق في الأفق ، نظراتٍ يائساتٍ محملة بالعتاب كان يعلم في داخله أن ما بدر منه كان بسبب محبته لها لكنه لم يتخيل أن يتم التعامل مع تلك محبته بهذا الشكل أبداً كان تنفس "ليلى" مضطربًا، وكانت ضربات قلبها تتسارع وكأن هناك عاصفة داخلية تتخمر في صدرها كان كلاهما في لحظاتٍ فاصلةٍ تنسج خيوط الألم والعتاب في علاقتهما كان المكان شاهداً على تلك المواجهة التي طال انتظارها كان "زيد" يقف عاقد الذراعين في محاولةٍ للتماسك لكنه كان على وشك أن ينهار داخليا بسبب ما فعلته "ليلى"، كان هناك صمتٌ يخيم على المكان حتى كسره "زيد"، وهو يقطب حاجبيه في عتابٍ ممزوجٍ بألم :
ـ انا زعلان جدا يا "ليلى" علشان حكيتي لمامتك على اللي حصل ما بينا وخليتي شكلي وحش قوي قدامها ، كان ممكن تاخدي مني انتِ الوعد اللي انا اديته لها ، كان ممكن نحل المشكلة ما بينا بكل بساطة من غير مامتك ما تعرف ومن غير ما الأسرار اللي بينا تطلع ،
هيحصل بينا حاجات كتير قوي معقولة كل مره هتروحي تقولي لمامتك على اي موقف يحصل ما بيننا والمفروض ان انا اقعد زي التلميذ قدامها كل مرة أتحاكم وتاخذ مني عهود ،
انا بصراحة مصدوم من اللي حصل منك واللي ما كنتش متوقعه اصلا وخصوصا اني وعدتك اني مش هعمل كده تاني .
كانت نظرات "ليلى" محبوسة في الأرض كانت تخشى أن ترفع عينيها وتلتقي بعيني "زيد" فينكشف ضعفها ، كان الصوت يقطر أسى وهو يجيب على عتابه:
ـ غصب عني يا"زيد" كان لازم أحكي لـماما أنا متعودة دايما ان انا أحكي لها على أي حاجة غلط عملتها واسمع توجيهها ونصيحتها من وأنا طفلة صغيرة ونشأت في الدنيا طلعت كده بحكي لها على أي حاجة بعملها سواء كانت صح او غلط واللي حصل ما بيني وما بينك بصراحة ضايقني من نفسي جدا وانا ببقى مكشوفة قوي قدام ماما لما بكون عاملة حاجة غلط لأني اتعودت إني أحكي لها على كل حاجه فبالتالي صارحتها زي كل مرة باللي انا عملته وطبعا عاتبتني جامد ولأول مرة كمان تكون معايا قاسية في العتاب ؛ لكن والله العظيم أي مشاعر ما بيني وما بينك أي حاجة انت بتحكيها لي عن نفسك أي حاجة خاصة ما بينا في الحوارات اللي بتحصل بين أي خطيب وخطيبته ماما مش بتعرف عنها حاجة هي أصلا معرفاني حدود اللي انا أحكيه واللي انا مش هحكيه لها غصب عني قلت لها .
كانت نظرات "زيد"، تنبعث منها الخيبة والحزن وهو يقبض على سياج الشرفة بأصابعه حتى كادت أن تتكسر كان يتنهد بألمٍ داخلي وهو يرد:
ـ طب فين الخصوصية ما بيني وما بينك يا "ليلى" في أي حاجة تحصل يعني أي حاجة غلط هتحصل مننا احنا الاتنين المفروض ان احنا نروح نحكيها لوالدتك سواء انا او انتِ !
المفروض ان احنا بدأنا حياة جديدة احنا لو عملنا غلط نصلحه لنفسنا، لو حد فينا زعل التاني المفروض نداوي الزعل لنفسنا ما ندخلش حد تالت ما بينا حتى لو كان الحد ده امي او امك، أرجوكِ يا "ليلى" انا عايز أبدأ معاكي حياه كلها وضوح وكلها ماشيه على خطوط مستقيمة علشان نقدر نتخطى كل الصعاب اللي هتواجهنا .
كانت نظرات "ليلى" محملة بألمٍ أبدي كانت تتراجع في مقعدها تخفي يديها في حجرها وتضغط عليهما بقوةٍ لتمنع ارتجافهما كان الصوت يخنق في حلقها بسبب الخوف والعتاب الذاتي:
ـ انا كان عندى حسن نية كان عندى الخوف على نفسي، كان عندى الخوف على حبك لكن أبداً محبتش أضيع ولا أهين كرامتك، انا كان لازم أراجع نفسي كان لازم أسمع كلام مامتي الي بتربينى على الخوف على الخوف من ربنا في كل تصرفاتي وعموما يا "زيد" هحاول اسيطر على نفسي اكتر من كده في اني احكي كل حاجة بعد كده بس لو ما لقيتش منك انك بتقدر تتحكم في نفسك وان انت مش هتوديني في طريق انا مش حباه ما اوعدكش ان انا هقدر اكمل في وعدي ده .
كان "زيد" يقف في محله تتسابق دقات قلبه بسبب الألم كان صدره يعلو ويهبط كان داخله شعورٌ مميت كأن شيئا يتمزق داخله كان يتنهد وهو يقول في ضعفٍ ممزوجٍ بألم:
ـ خلاص يا "ليلى" اللي حصل حصل انا اصلا مخنوق من نفسي من بعد ما والدتك شايفاني بالنظرة دي لكن كله هيعدي علشان خاطرك انت يا حبيبتي اتحمل أي حاجة وخصوصا ان انا اللي أشعلت الفتيل للدكتورة "شهيرة" فلازم اتحمل علشان خاطر حبيبة قلبي .
بعد الهدوء كان نور أباجورة صغيرة يتسلل عبر النافذة فيرسم ظلالًا على الجدران كان هناك سكونٌ محبَّب يحيط بأرجائه في هذا الجو الرومانسي كان يقف أمامها في زاوية الغرفة يضمّ يديه يقبض عليهما بقوةٍ بسبب التوتّر في صدره كان يخشى أن تخدش كلماته حياء "ليلى" لكنه في الوقت ذاته كان يريد أن يبوح لها بما في نفسه كان يريد أن يقول لها كم يعشقها، كم يتنفس حبّها مع كلّ شهيق ،
اقترب "زيد"، بخطواتٍ بطيئة حتى وصل إليها وجلس أمامها وهو ينظر إليها بهيام ويتوه في عينيها الخجلتين وهو يغازلها :
ـ انا عارف يا "ليلى"، ان الايام الي عدت كان فيها ضغط، كان فيها عتاب ، كان فيها كلام كتير عن اللي حصل لكن انا عايز أؤكد لك إني بحبك ،بحبك أكتر من الدنيا ،بحبك بعقلي ، بقلبي ، بأحاسيسي، انا عارف انك مختلفة، انك بنت أصول، بنت بتخاف على كرامتها عشان كده انا لازم أكون قد كرامتك لازم أكون قد حبك ، إنتي استسنائية يا لولا حاجة مش موجودة .
كان "ليلى"، تتنهد في ضعفٍ في ارتعاشةٍ محبَّبة كان تنفسها يتسارع وكان في نظرات عينيها بريقٌ دافئ محمَّل بأحاسيس الخوف والرجاء في آنٍ واحد لتنطق بخجل :
ـ انا بخاف على حبِّي ليك ربنا ميباركش فيه بخاف على بيتنا في المستقبل الي هينتج بسبب حبِّنا الطاهر بخاف علينا لكن أبداً أبداً محبّتِي ليك مش هتتغير ولا هتنقص انا بحبك، بحبك بعقلي وبـقلبي، دقات قلبي الي بتنبض باسمك في كلّ لحظة .
كان "زيد" ينظر إليها بأمل ووله لما تلقيه عليه من عبارات حالمة أثلجت صدره وجبرت مشاعره الموقدة وهو ينظر إلى كف يدها ويتمنى أن يقبل باطنه قبلة عميقة تحمل في همساتها اشواق وأشواق عاشق حتى النخاع وكأنه يخبر تلك الخطوط في كفّها بقسَم أبدي على استمرار هذا الحبّ على التضحيَّات التي سيقدّمانها في سبيله على الأمل في بدايةِ أسَرِيَّهٍ صغيرةٍ مليئةٍ بالدفء بالرحمة بالسعادة.
############
في غرفة الجلوس الواسعة في منزل والدة "هاشم" كان الجو مشحونًا بالعتاب والنفور والنفاذ في الكلمات كان المكان ممتلئًا بأثاث كلاسيكي عتيق وكانت صورة أبِي "هاشم" تتوسط الغرفة في إطار ذهبي ،كان هناك قدرٌ من الترقب في نظرات الفتاتين وهن يتنهدن في أسى ويتحدثن بأصوات ممسوسة بالعتاب والرجاء المغلف بالمنَّة لهدف ما في نفوسهم:
ـ يا ماما انا واختِي عايزين نروح نزور "حنين" مرات "هاشم" وانت كمان تيجي معانا علشان نكسب وده بدل ما هو مخاصمنا كده منشفها على اجوازتنا في الشغل وبيحاسبهم بالسحتوت بصراحة ابنك طلع زعله وحش قوي .
في تلك اللحظات ارتفعت نظرات الوالدة نحو ابنتِيها وفي عيونها نظرات مختلفة ما بين الألم والعتاب والحسرة على ما وصل إليه أبنائها ، تنهدت بغل في صدرها وكادت أن تبدي ضعفًا داخليا لكن القوة التي عرفت بها أبت على ضعفها أن يسيطر على ملامح وجهها :
ـ والله عندك حق يا اختِي وطبعا علشان نكسب ود الباشا "هاشم" اخونا لازم نكسب ود "حنين" مراته ونصالحها بعد اللي حصل مننا كلنا ما كنتش اعرف انه بيحبها قوي كده وهيبقى دلدول ليها ويفضلها على اخواته .
ثم مالت إحدى الفتاتين في مقعدها وعقدت ذراعيها في غضب داخلي يتقد في صدرها، وتحدثت والدتهم بعتاب ممزوج بالمرارة والعتب على ما وصل إليه حال أسرتهم بسبب تلك الخلافات :
ـ والله يا يابت منك ليها انتوا اللي عقارب وانتم السبب اللي خليته ابني يسيب البيت ويتفرق عن اخواته لما قومتوها في دماغى ان انا اروح ارميها في التربة علشان تتخض وتحمل انتوا السبب في بعاد ابني عنى .
في تلك الأثناء التقطت الفتاة الثانية أنفاسها بقوة وكادت أن تنفجر بسبب هذا التحقير غير العادل في نظريها:
ـ والله دلوقتي يا ماما بتقولي احنا السبب امال لما كنا بنجيلك كنت بتقعدِي تشتكي منها وتقولي ما بتنزلش وما بشوفهاش ورايحة عند امها وراجعه من عند امها وعامله نفسها بنت بارم ديلو ومش زي سلايفها وانتِ اللي كنتِ بتشتكي منها جايه دلوقتي تقولي اننا إحنا السبب علشان نصحناكي بنصيحة تخليها تحمل وتجيب لك الحفيد وابنك الصغير اخر العنقود يخلف زي اخواته دلوقتي احنا السبب برده .
هزت الوالدة كتفيها بألم داخلي في محاولة للتوازن وعدم الخضوع لمشاعر الضعف في هذا التوقيت الخطِر :
ـ ما انا ما كنتش اعرف ان اخوك "هاشم" اللي طول عمره مشاعره صلبة وبليدة يحب الكونتيسة مراته بالشكل ده لكن هنعمل ايه مضطرة ان انا اسايسه علشان خاطر يجيب مراته ويرجع البيت تاني منظرنا بقى وحش قدام الناس لما اخوكو خد مراته وخرج .
ردت الفتاة الثانية بقوة وعناد أبى الخضوع، وكأن الغضب كان يغلي في عروقها :
ـ يعني انتِ يا ماما كل اللي همك المنظر قدام الناس مش همك انه ركبها عليكِ ونفذ لها اللي هي عايزاه وخرجها من البيت المفروض كمان هو اللي يتصل ويعتذر وهو اللي يجيبها ويرجع هو في حد يعمل في امه وأبوه كده ويسيبهم ويمشي .
نظرت الوالدة نظرة قوية مليئة بالعتاب والمرارة في عيون ابنتِيها وكأنها تسترجع الذكريات الخائبة في علاقتهم بأخيهن :
ـ انتِ عارفة اخوكِ يا بت دماغه ناشفه وعمره ما بيتراجع عن اللي في نفوخه مهما حصل المهم انتم عايزين ايه دلوقتي عشان صدعتوني ؟
ردت الفتاتان في وقت واحد كأن على قلبيهما رجاء واحد لما سيخططون له ويأملون في استرداده :
ـ عايزينك تقولي له ان احنا هنروح نزور مراته وان احنا هنفتح صفحة جديدة معاها وهنعتذر لها عن اللي حصل انا واختِي وانتِ كمان تباركي لها على حملها ونجر ناعم معاها علشان خاطر يفتحها شوية على اجوازتنا في الشغل ويزود لهم الفلوس بدل ما هو منشفها علينا كده .
زفرت الوالدة بحنق وكأن هذا الحمل الثقيل يتسرب من صدرها ببطء :
ـ حاضر يا بتاعة مصلحتك منك ليها هكلمه اهو .
رفعت الوالدة سماعة التليفون واتصلت بابنها كان الصوت على الخط يرنّ حتى أجاب :
ـ الو ،ايوه يا "هاشم" ازيك يا اللي ما بتسالش على امك خالص وما بتجيش تزورني غير كل فين وفين قد كده خروجك من البيت من بعيد عن حضن امك واخواتك وابوك نساك ان لك عيلة واهل اخص عليك .
رد "هاشم" بأدبٍ واحترامٍ على عتابِ أمه وهو يخفي في نفسه الألم بسبب الخلافات الأسرية التي طالت البيت :
ـ معلش يا أمي انتِ عارفه شغل المصنع ما بينتهيش وعقبال ما بخلص واروح البيت بكون همدان حقك عليا انا عارف ان انا مقصر في حقك ما تزعليش مني .
حتى في هذا الخضمّ كان "هاشم" يتمسك بأخلاقه ويبرّ بأمه قدر استطاعته، على الرغمِ مما كان يجده في البيت بسبب الخلافات والنفور :
ـ عموما ماشي يا "هاشم" هنمشيها زي ما انت ما عايز المهم احنا كنا عايزين نروح نبارك لمراتك على حملها انا واخواتك البنات وقلنا نقول لك قبل ما نروح .
انتفض "هاشم" داخليا في تلك اللحظات واختلطت مشاعره ما بين الخوف والقلق والفرح بسبب الحمل في آن واحد :
ـ لااا ، ها ، أصل ، ماشي يا ماما انا هعدِي عليكم اخدكم بنفسي لـ"حنين" علشان تباركو لها .
فعليًا كان الخوف يقطر من كلماته وهو يتخيل ما قد يحدث اذا التقى أهله مع "حنين" دون أن يتواجد هو في المكان :
ـ مالك اتخضيت واتصدمت كده ليه كأن لدغك عقرب هو انت مش عايز أمك واخواتك يدخلوا بيتك ولا يبقى ليهم صلة ولا علاقة بمراتك تاني ؟!
ولا انت عايز مراتك تخلف وما يعرفوش ان ليهم عمات ولا جدة ولا جد ولا أهل خالص من الأساس ؟
جرى لك ايه يا "هاشم" انت خايف على مراتك مننا من امك واخواتك البنات عيب يا "هاشم" مش لازم تيجي تحرسنا علشان خاطر نزور مراتك .
رد "هاشم" وهو يتمالك نفسه ويكظم غضبه في هذا الموقف الدقيق:
معلش يا ماما انا هاجِي بنفسي اوصلكم علشان ما تتعبيش وبعدين "حنين" لوحدها في البيت وكمان علشان دي لسه اول زيارة ليكم بعد الحوار اللي حصل وانا لازم ابقى موجود .
ردت الوالدة في النهاية بمرارة في الصوت وتقطيع في الكلمات بسبب ما وصل إليه حال أبنائها وهي تشعر بالحسرة من ولدها والغيرة والغل تزدادان من تلك الـ"حنين" اكثر فأكثر:
ـ عموما براحتك يا "هاشم" بيه خليك مزعل امك وجاي عليها قوي علشان مراتك ادينا مستنينك علشان نروح نزور البرنسيسة اللي معززة نفسها علينا قوي .
بعد مرور ما يقرب من ساعة اخذ والدته وشقيقتيه ووصل إلى شقته وأدخلهم لمكان استقبال الضيوف مما استدعى حنقهم للغاية ثم ذهب إلى "حنين" كي يعلمها بقدوم والدته وشقيقتيه لزيارتها للاطمئنان عليها ،
في غرفة النوم كان الجو مشحونًا بأحقاد مختلفة وكبرياءٍ جريحٍ يتمدد في المكان كظِلٍّ أسود يخنق النفس ويعصر القلوب. كان "هاشم" واقفًا عند باب الغرفة يضغط على مقبضه بأصابعه القوية التي ارتعشت قليلًا بسبب التوتّر الداخليّ في نفسه نظرات عينيه كانت تتنقل ما بين الأرضية الخالية والنفاذة التي يتسلل عبرها نورٌ باهتٌ من الخارج كان هناك في داخله صراعٌ يتضارب بين محبته لها وبين رجولته التي يظن أنها تمسّ في هذا الخضوع ،
حتى قال بصوتٍ مختنقٍ غمره الترقب والنفاذ وهو متيقن من ردها حينما علمت بقدومهم واستمعت إلى صوتهم في الخارج ورأى نظراتها المحتدة:
ـ يا "حنين"، ماما واخواتِي البنات جايين يباركوا لك على الحمل ويطمنوا عليكِ وعايزين يفتحوا معكِ صفحة جديدة ممكن تخرجي تقابليهم هم قاعدين بره في الريسبشن ؟
انتفضت "حنين" في فراشها كمن لدغت بأفعى و ارتعشت يديها على الغطاء في محاولة يائسة للتشبث بأشياء تبقي لها قدرًا من التوازن الداخليّ في هذا الخريف العاطفيّ الثقيل، كان صدرها يعلو ويهبط بعنف بسبب تسارع أنفاسها ، نظرت بعينين غائرتين في محجريهما بسبب الألم والمرارة التي عاشته بسبب تلك العائلة كان الصوت يقطر أسى في كلّ حرفٍ تنطقه:
ـ ايِييه انت ازاي تجيبهم هنا يا "هاشم" من غير ما تقول لي ولا تستاذني ولا تشوف مشاعري ولا تراعي نفسيتي في انِي أقابلهم بعد اللي عملوه فيا ؟!
مش المفروض كنت تعرفني الأول قبل ما تجيبهم ، انا بصراحة مش قادره اشوفهم ولا قادره اتكلم معاهم ولا قادره انِي أتعامل معاهم من الأساس بعد اللي حصل ولايمكن أخرج لهم.
قطب "هاشم" حاجبيه في غضبٍ داخليّ كان يتمدد في عروقه كالنـ.ـار في الهشيم ثم ضغط على أسنانه بقسوةٍ وهو يقبض على مقبض الباب أكثر وكأن تلك الخبطة على الخشب الخشن تنفّس جزءًا صغيرًا من ضغطه، كان في نظراته عتابٌ ممزوجٌ بألمِ الخسارات التي عاشها بسبب الخلاف العائليّ :
ـ معلش يا "حنين"، اللي حصل كان من بقاله كذا شهر والمفروض تكون نسيتي ، وبعدين انا مش هقاطع أمي واخواتِي ولا ولادي اللي هيجوا للدنيا، لازم يعرفوا ان لهم أهل، جد وجدة وعمات واعمام ، انا مش حابب ان ولادي يبقوا منبوذيين من اللي حواليهم، ولازم تتعاملي مع الامور كأنها موقف وحصل وعدى وخلاص وهم اللي جايين يصالحوكي اهم يعني العيب عداهم حاولي تصفي قلبك انتِ كمان ناحيتهم لان دي برضو أمي ودول برضو اخواتِي وكمان مش قاعدين معانا ولا هنختلط بيهم غير في زيارات عابرة كل فين وفين فلازم تعدي الموقف يا "حنين" من فضلك .
هتفت برفض قاطع :
ـ انت بتقول ايه ازاي اصلا بعد اللي امك عملته فيا عايزني اتعامل معاها تاني، انا مش قادره اتصور انك جبتهم لحد هنا كمان يا "هاشم"، على فكرة امك رمتني في التربة مش قالت لي كلمتين ضايقوني وخلاص ما تحاولش تتجاهل اللي حصل انا ما طلبتش منك انك تبعد عن امك ولا عن اخواتك لكن برده ما تجبرنيش ان انا اتعامل معاهم ولا اولادي كمان انا عمري ما هسامحهم مهما حصل ولا عمري هصفى لهم.
احمرت عينا "هاشم"، واتسعتا في غضبٍ مكتومٍ كالقنبلة الموقوتة كان تنفّسُه يعلو ويهبط وكأنّه يلهث بسبب ضغط الدم في عروقه اقترب خطوة ثم مدَّ يده في إشارة قوية وكاد أن يقبض على ذراع زوجته لكنه توقف في منتصف الطريق محاولًا كبح جماح غضبه ،
ـ انت بتقولي ايه انت اتجننتِي يعني ايه تحكمي على ولادي انهم ما يعرفوش أهلي انتِ شكلك دلعي ليكِ زياده على اللازم نساكي انِي هنا الراجل وانك لازم تسمعي كلامِي ومش على عشان بعزّك واخد لكِ حقك في كلّ مرة هتركبيني ما ينفعش اصلا اتحايل عليكِ عشان تخرجي تقابلي أمي واخواتِي وتضّيفِيهم كمان واذا كانوا عملوا فيكي حاجه طاق انا خدت لك حقك عسر طقان فتكبريني وتعتبري كلمتي سيف وتسمعي الكلام زي ما انا ما بعمل لك كل اللي انتِ عايزاه .
انتفضت "حنين" أكثر وتراجعت خطوة إلى الوراء وكأنّ سياجًا غير مرئيٍّ كان يقف بينها وبين "هاشم" و نظرت نظرة اليائسِ الخائف ، نظرة التمرّد على الخضوع نظرت نظرة مفعمة بألمٍ شديد :
ـ والله ما يحصل يا "هاشم"، ولا هخرج لهم ولا هتعامل معاهم من الأساس، انا اصلا مش طايقة أبص في وشهم ، انا لحد دلوقتي بتجيلي كوابيس من اللي امك عملته فيا، ولحد دلوقتي مش قادره انسى، وفي الآخر تقولي بقى لنا كم شهر !
انا عايزه لي كم سنة عشان انسى اللي حصل واللي امك عملته فيا وبرضه مش هخرج اقابلهم.
انتفخت عروق "هاشم"، وتشنّجت عضلة فكّيه بسبب الغضب المتعاظم داخله كان يقف وسط الغرفة مثل أسد محبوس في زاوية تتسارع أنفاسه وتشتعل نظراته بالحدَّة والامتعاض :
ـ ما تستدعيش غضبي عليكِ اكتر من كده ما ينفعش اللي انتِ بتعملي دة اخرجي قابليهم كانهم ضيوف عاديه يا ستي وما تصغّرينيش قدام أمي ولا اخواتِي وتطلعيني عيل ومش راجل قدامهم ،ما ينفعش اللي انتِ بتعمليه ده نهائِي، وبعدين أنا معاكي ما حدّش فيهم هيقدر يمسك بكلمة ولا حدّ هيقدر يقول لكِ تلت التلاته كام ، فضِي الحوار ده يا "حنين"، واخرجي لو سمحتِ وما تكبّريش المشكلة.
رفعت "حنين" نظراتٍ محمَّلة بألمٍ ثقيل نظراتٍ تخبر بأشياءٍ يعجز اللسان أن يبوح بها كان صدرها يتمزق وكان الخوف يتمادى في عروقها لكنَّ الكرامة كان لها الصوت الأعلى في تلك المواجهة :
ـ وانا بقول لك يا "هاشم"، انا مش هخرج مش عايزة اعرف العالم دِي تاني ولا عايزه اشوف وشّهم، انا مش قادره اسمع صوتهم ، ولا قادره اتخيل ان انا هقعد قدامهم تاني، انت مش متصور انت بتقول لي ايه كأنك بتقول لي ارمي نفسي في النار والله العظيم لو قلتِ لي كده أرحم من انِي أخرج أقابلهم كان لازم تستئذني قبل ما تدخلهم البيت.
احتقن وجه "هاشم" واحمرَّت عيناه أكثر كان الغضب يتمدد في داخله وهو يعي أن كلمته لم تعد لها سلطان على تلك المرأة التي طالما أحبّها لكنّ رجولته أبت أن تستسلم :
ـ انتِ شكلك اتجننتِي في دماغك وملكيش كبير غير دماغك الوسخة دِي، اعقلي يا "حنين"، وانتِ بتتكلمي مع جوزك، اعرفِي ان انا هنا الراجل وانك لازم تسمعي كلامِي ومش على عشان بعزّك واخد لكِ حقك في كلّ مرة هتركبيني ما ينفعش اصلاً اتحايل عليكِ عشان تخرجي تقابلي أمي واخواتِي وتضّيفِيهم كمان.
انتفضت "حنين" في غضبٍ عارم وتراجعت أكثر نحو زاوية الغرفة وكأنّ المكان يضيق حولها نظرت نظرة التمرد على الخضوع نظرت نظرة مفعمة بخوف شديد وهي تتذكر لحظات القبر المؤلمة :
ـ انت بتمسكنِي من دراعي بتهزّني كده ليه وناقص تضـ.ـربني كمان انا بقول لك مش هخرج يعني مش هخرج ومش هقابلهم يعني مش هقابلهم انا أمي اصلا عمرها ما تعمل معاك كده عشان انا أمي ست متربية وتعرف ربنا وتعرف الأصول كويس.
تشنَّجت عضلةٌ في صدغ "هاشم"، واشتدَّت يده على ذراع "حنين"، كان الغضب في نظراته يخترق المكان وكأنّ نظراته سياطٌ تجلد الروح قبل الجسد :
ـ إنتِ تقصدي ايه ان انا أمي قليلة الأدب مثلاً ؟!
يكون في معلومك هتتأدّبي على الكلام ده كويس قوي بس بعد ما تخرجي وبعد ما هم ما يمشوا يلا انجزي والبسي عشان تخرجي تقابلي أمي واخواتِي وتقابليهم حلو.
تسارعت دقات قلب "حنين"، وتعلّقت نظرات الخوف في عيونها لكنّ عزمها كان أقوى أبت أن تستسلم، أن تخضع، أن تنكّسر رأسها مرة أخرى :
ـ وانا بقى يا "هاشم"، بقول لك لو فيها طلاقي انا مش هخرج للناس اللي بره دِي ولا هقابلهم ولا طايقة أبص في وشّهم من الأساس.
في تلك اللحظات الثقيلة على النفس، كانت نظراته كخنجر يغرس في الأعماق وخصوصاً حينما استمع لمناداة والدته ويبدوا أن صوتهم كان عالياً واستمعوا اليهم وهو يوزع نظراته بين الباب ووالدته في الخارج وهي في الداخل وكلماتها كسكاكين تمزق ما تبقّى من الأمل في قلبه، فلم يتخيل أبداً أن تكون تلك هي ردَّة فعله أن يقف صامتًا في مواجهتها وكأنّ الألم الذي كان يعتصر صدره لم يصل إليها إطلاقًا ، شعر بالخذلان يتسلل في عروقه، يتفشى في كلّ جزءٍ من جسده، حتى غمره اليأس ، كان هناك وعدٌ بالوفاء والثقة، لكنه تبخر في لحظاتٍ بسبب نظرة باردة وكلمة مبتورة بينهم هكذا انكسرت الأحلام في زاوية الخريف القاسي بسبب صدمةٍ لم تكن في الحسبان أبداً.
معذره على التاخير حبيباتي بس انا كنت واخده اجازه عشان كان عندي ظروف وانا عمري ما اعتذرت عن اي فصل عايزه بقى تفاعل على الفصل ده عشان لو ما لقيتش ريفيوهات ترج الجروب هزعل منكم ومش هكتب تاني خالص
