رواية مشاعر موقدة ( ربما تستقيم الافئدة ) الفصل السابع والعشرين 27 بقلم فاطيما يوسف
حينما اقترح "الجد" على "رسلان" فكرة السفر إلى العزبة، لم يكن يدرك أن الأمر قد يتعدى كونه مجرد نزهة عابرة للهروب من ضيق المدينة وحرارة الحزن، بل سيتحول إلى بداية لاكتشاف جديد، لا لشيء خارجي، بل لما كان مطموسًا داخله من أوجاع وبالرغم من مرور عدة أشهر عليها إلا أن الذكريات الحزينة ما زالت عالقة في عقله ،
كان "رسلان" في حالة من الوجوم لا تليق بوجهه الذي اعتاد الناس أن يروه مبتسمًا أو ساخرًا أو حتى ساخطًا، لكنه لم يكن يومًا بهذا الانكسار الهادئ، كأن روحه تتكئ على عكاز الحزن وتجر خيبتها في صمت ،
في طريقهما إلى العزبة، لم يتكلما كثيرًا، فقط أصوات الحقول والهواء المتحرك على استحياء هما ما ملأ الأجواء، ووجه "الجد" كان مطمئنًا كأن في الأمر خطة خفية، يريد بها أن يُبدّل من حال حفيده دون أن يُشعره ،
حين وصلا، كان النهار في منتصفه، والضوء يتسلل بين سعف النخل وأغصان الجميز كأنما يُلقي تحية دافئة على العائدين نزل "رسلان" من السيارة ومدّ بصره يتأمل المكان الذي لم يزره منذ سنوات الطفولة، حين كانت أمه تجرّه جراً رافضة تمامًا أن يتعلق بتلك الأجواء، أو بأولئك الناس ،
وما إن دخلا إلى البيت المقصود حيث نزل الجد على ابنته الكبيرة لزيارتها أولاً فوجئ بصوت فتاة رقيق يرحب بهما بحفاوة بالغة ، استدار ليجد أمامه فتاة ترتدي ثوبًا محتشمًا أنيقًا بحجاب بسيط يزيد وجهها إشراقًا فــكانت "دعاء" ابنة خالته التي لم يرها منذ أن كان طفلًا صغيرًا لكنها لم تكن تلك الفتاة التي طالما رسمت له أمه صورتها المتهكمة ،
بقي واقفًا مذهولًا يحدق فيها كأنما يراها للمرة الأولى، وهي كذلك لم تبادره سوى بابتسامة رزينة وعيون تفحصه دون أن تُشعره لكنها قرأت في نظراته شيئًا يشبه الذهول الممزوج بالحيرة ، ارتمت سريعاً داخل أحضان جدها الحانية :
ـ جدو وحشتني قووي قوووي وكنت لسه بقول لماما اني عايزة أشوفك فقالت لي انها كلمتك وعرفت ان انت هتيجي قريب .
بادلها الجد الأحضان بحرارة وهو يعانقها بوحشة حقيقية :
ـ وإنتي كمان وحشتي جدوا يا شقية ، إنتي أصلا روح قلب الجدو .
اقتربت ابنته من "رسلان" وهي تحتضنه بحب حقيقي فليس له ذنب في معاملة والدته المتعجرفة معها :
ـ حبيب خالتك عامل ايه ، وحشتني خالص.
بادلها عناقها بمحبة فهو يحبها بشدة فقد كبر على أحاديث جده عنها وعن جدعنتها وأنها ربت أبنائها وحدها بعد وفاة زوجها :
ـ وإنتِ كمان يا خالتوا وحشتيني قووي ،
ثم نظر حوله وهو يتغزل في جمال المكان وهدوئه :
ـ المكان هنا يجنن يا خالتوا فيه ريحة القعدة الهادية الرايقة والهوا الجميل بجد اتغير خالص عن ما كنت صغير وباجي هنا .
ثم جلسوا جميعًا في المجلس الريفي، الذي تفوح منه رائحة الذرة والشاي بالنعناع وأثاث بسيط يحتضن الذاكرة يتبادلوا أحاديث خفيفة حتى تلقى "الجد" رسالة من حفيده الآخر المقيم في فرنسا ناول الهاتف لـ"دعاء" وقال:
ـ تعالي يا بنتي شوفي ابن خالك كاتب لي إيه في الرسالة دي بعتهالي بالفرنساوي وأنا عقلي خلاص ما بقاش يستوعب اللغة دي.
ابتسمت "دعاء" برقة وقالت وهي تمد يدها تاخذ منه الهاتف:
ـ حاضر يا جدو اقرأهالك حالًا من عيوني يا نور عيوني انت تؤمر .
نظر إليها "رسلان" بدهشة وقال:
ـ ايه ده هو إنتي بتعرفي فرنساوي يا دعاء ؟
نظرت له "دعاء" نظرة امتزج فيها الألم بالكبرياء، ثم أجابته بفخر :
ـ أنا في كلية لغات وترجمة قسم فرنساوي كنت حابة أدرس حاجة تساعدني أشتغل في السفارة أو الترجمة الفورية، بحب اللغات من زمان.
شعر "رسلان" كأن الأرض تميد تحته، لم يتوقع ذلك أبدًا فكل تصوراته عنها كانت محصورة في صورة البنت الريفية ذات الثوب الفضفاض والعقلية المحدودة كما زرعت أمه في ذهنه ،
بدأت "دعاء" تقرأ الرسالة وتترجمها بدقة بالغة مستخدمة مفردات راقية نطق هادئ، وثقة مدهشة :
ـ بيقولك يا جدو إنك وحشته قووي وبيشكر حضرتك على دعمك ليه، وبيقول إنه هيبعتلك قريب هدية بسيطة تعبير عن امتنانه لأنك بتفكره دايما بالقيم الإسلامية والمبادئ الدينية اللي كل يوم بيطبق منها كتير وبيقولك إنه علم تيمو صاحبه منها حاجات كتير وبيقول له دايما انه كان نفسه يبقي ليه جد زيي ،
وفي نهاية الرسالة بيقول لك أنا فخور انك جدوا .
ضحك "الجد" وقال:
ـ ربنا يبارك فيه، ويبارك فيكِ يا بنتي، برافو عليكي والله ترجمتي الرسالة بروح حفيدي اللي في الغربة وكأنه موجود زيكم بالظبط.
ابتسمت "دعاء" بخجل وهي ترى نظرات ذاك المنبهر وكأنها فعلت مالم يُفعل فماذا كان يظن أيها الأبله ان بنات الريف مغمورون تحت البهائم ولم يتعلمون أو يتقدمون فأحمق أنت أيها الـ"رسلان" :
ـ حبيبي يا جدوا انت اللي أجمل حاجة في الدنيا والله .
ظل "رسلان" يراقبها في صمت ينظر إلى حركاتها الرشيقة وحديثها المهذب وطريقتها العفوية كأنها قطعة مختلفة تمامًا عن المشهد الذي اعتاد أن يتخيله حين يُذكر أمامه اسم "دعاء" ،
وبعد قليل اعتذرت "دعاء" بلطف، وذهبت لإعداد الشاي وما إن اختفت حتى نظر "الجد" إلى "رسلان" وسأله :
ـ ها يا واد شايف بنت خالتك اللي أمك كانت دايمًا بتتريق عليها عاملة ازاي !
بقت حاجة تفرّح متربية ومتعلّمة ومؤدبة، ووشها فيه نور ربنا يحفظها وست بيت بصحيح بنت بميت راجل .
ظل "رسلان" صامتًا لم يعلق فقط ملامحه كانت تفضح ذهوله ، فأكمل "الجد" وهو يرى بوادر إعجاب في عيني حفيده المحبب لقلبه لحفيدته من ابنته الأخرى وأكمل:
ـ بس طبعًا أمك ما كانتش عايزة تشوفك قريب منها علشان هي وخالتك ما بينهمش عما ر مع إن خالتك ست طيبة ولا عمرها عملت حاجة وحشة في حد بس أمك كانت شايفة نفسها وكانت عايزة تورثك نفس النظرة والحمد لله إنك جيت وشفت بعينك علشان تعرف انها عمرها ما كانت بالمناظر يابني .
لم يجب "رسلان" فقط اكتفى بالنظر ناحية المطبخ حيث اختفت "دعاء"، كأن في صدره سؤال جديد وسطر جديد قد بدأ يُكتب ،
في اليوم التالي في العزبة كان مشمسًا على نحوٍ لافت والنسيم العليل الذي هبّ مع خيوط الشمس الأولى بدا وكأنه يحمل شيئًا مختلفًا في طياته، شيئًا لا يمكن لـ"رسلان" أن يضع عليه اسماً محدداً لكنه كان كفيلاً بأن يُبقي قلبه في حالة انتباه دائم منذ لقائه الأول بـ"دعاء" والفتاة لم تغادر تفكيره كانت صورتها وهي تجلس في الحديقة تمسح على القط بــعفوية وبراءة أشبه بلوحة تنبض بالحياة تُغري القلب بأن يتأملها طويلاً ،
لقد وجد نفسه مشغولًا بها على نحوٍ لم يألفه من قبل كل حكايات أمه عنها ذابت تمامًا أمام الواقع كأن ذاكرته قد أُعيد برمجتها واستبدلت الصورة الذهنية المشوشة بصورة أكثر بهاءً ووضوحًا ما رآه لم يكن مجرد فتاة فلاحية كما كانت أمه تُردد بل شابة متزنة، مثقفة، هادئة الحضور، وكأنها تنتمي لعالمٍ أكثر رقيًّا مما اعتاد ،
خلال الساعات التالية حاول "رسلان" أن يُخفي اهتمامه، أن يُقنع نفسه بأن ما شعر به ليس إلا نتيجة دهشة أولى وانبهار لحظي ، لكنه كلما جلس إلى جده وجد نفسه يُقلب الحديث بشكلٍ ما ليصل إلى "دعاء"، يسأل عن دراستها، عن طفولتها، عن الأشياء التي تُحبها، وكل مرة كان الجد يجيبه ببساطة كأنما يُراقب بصمت تغيرات حفيده دون أن يُبدي دهشة ،
وفي مساء اليوم نفسه قرر أن يذهب إلى الحديقة حيث رآها أول مرة كان القلب يخفق بخفة كما لو أنه شاب مراهق يتهيأ لأول اعتراف ولم يكن يعرف ما سيقوله لكنه شعر أن عليه أن يكون هناك ،
وحين وصل إلى الحديقة كانت "دعاء" تجلس على العشب الأخضر شعرها مغطى بحجاب كريمي ترتدي ثوبًا فضفاضًا بلون السماء وفي حجرها كان القط الأبيض يداعب أطراف ثوبها وهي تضحك له برقة كأنها تحادث طفلاً صغيرًا التفتت إليه حين اقترب وابتسمت وكانت ابتسامتها كافية ليعيد ترتيب كل أفكاره فرمى عليها السلام بوجهٍ بشوش :
ـ إزيك يا "دعاء" عاملة إيه إن شاء الله تكوني بخير ؟
بصراحة أنا شوفتك قاعدة لوحدك قولت أعدي أسلم عليكي وأشوفك بتعملي إيه .
رفعت عينيها إليه ببسمة بريئة نقية و أجابته بحمد :
ـ أنا الحمد لله تمام كنت بلعب مع القط "شمس" بصراحة هو صاحبي الوحيد في العزبة دي بحس إنه بيفهمني أكتر من البني آدمين أوقات .
ابتسم بإعجاب لاسم القط التي انتقته له فأعرب عن إعجابه باختيارها الجميل:
ـ "شمس" اسم جميل أوي على فكرة وشكله متعلق بيكي جامد مش بيسيبك من ساعة ما شفتك أول مرة وهو لازق فيكي كده .
"دعاء" وهي تملس على ظهر القط بحنو:
ـ إحنا عشرة من زمان من وأنا صغيرة يمكن علشان دايمًا كنت بحكي له كل حاجة حتى لما بزعل بزعل قدامه وبعيط وهو ييجي يحضني كده بطريقته حسيت إنه فاهمني من غير ما أتكلم
"رُسلان" بنظرة منبهرة بها :
ـ حقيقي أنا منبهر بيكي مش بس علشان لبسك وطريقتك لكن علشان كلامك وثقتك بنفسك بجد أنا كنت فاكر إنك حد تاني خالص بس اللي شوفته هنا حاجة تانية تمامًا .
ـ أنا مش بغير في نفسي علشان حد يشوفني بطريقة معينة أنا زي ما أنا اللي يحبني على طبيعتي يبقى خير وبركة واللي مش شايفني كويسة ربنا يسامحه بس عمري ما هتصنع علشان حد باختصار الطبيعي يكسب .
ـ بس أوقات إحنا بنصدق صورة عن الناس قبل ما ندي نفسنا فرصة نعرفهم وده أكبر غلط أنا كنت فاكر إنك واحدة من نوع تاني خالص بس إنتي بصراحة أثبتي لي إنك أرقى من أي حاجة ممكن أكون تخيلتها .
ـ الناس بتحكم بسرعة من غير ما تدّي نفسها فرصة تفهم ولا تسمع واللي بيحكم عليك من غير ما يعرفك بجد هو اللي بيخسر مش إنت .
ـ عارفة أنا مبسوط إني جيت هنا العزبة دي كنت متخيلها حاجة مملة وكئيبة بس بصراحة من ساعة ما شوفتك وأنا حاسس إنها أجمل مكان في الدنيا وندمت إني مجتش مع جدو طول السنين اللي فاتت دي .
ـ يمكن علشان بدأت تبص حواليك بقلبك مش بعينيك يمكن علشان نفسك مفتوحة تشوف الحلو اللي كنت طول الوقت مش شايفه .
ـ أنا نفسي أتعرف عليكي أكتر لو تسمحي لي يعني نحكي ونتكلم كده وأحكي لك عني وإنتي تحكي لي عنك يمكن نطلع شبه بعض في حاجات كتير .
ـ أنا مش ضد إننا نتكلم ونتعرف بس بشرط إنك تبقى صادق معايا وتكون نيتك طيبة ومفيهاش لعب أنا مش بحب أتعامل مع اللي بيضيع وقت الناس .
ـ أنا نيتي واضحة من غير ما أشرحها بس لو عايزة تسمعيها مني فأنا بصراحة حاسس إن قلبي بدأ يدق بطريقة مختلفة من ساعة ما شوفتك ومش عايز أفوت الفرصة إني أتعرف عليكي أكتر .
ـ طالما الكلام خارج من القلب فأكيد هيوصل للقلب وأنا هسمعك بس خلي بالك أنا صريحة وواضحة واللي في قلبي على لساني ومبحبش اللف والدوران .
ظل الحديث بينهما متصلاً وكأن الزمن قرر أن يمنحهما وقتًا إضافيًا بلا عقارب، تكررت اللقاءات على مدار الأيام وكل لقاء كان يشعل شيئًا مختلفًا في قلب "رُسلان"، لم يكن يصدق أن مشاعر كبرى يمكن أن تولد في أيام قليلة لكنه كان يشعر بها، يتنفسها، ويتعلق بها كأنها خلاصه من كل ما مر به سابقًا وعند نهاية الأسبوع وهو يهمّ بمغادرة العزبة كان قلبه مثقلًا بما لم يُقل لكنه كان يعرف أن ما بدأ هنا لم يكن مؤقتًا بل بداية جديدة ، ثم نطق وهو ينظر في المكان حوله بنظرة تعلقت به :
ـ أنا مش عايز أمشي بصراحة العزبة دي علمتني حاجات كتير أوي بس أكتر حاجة مش قادر أنساها هي إنتي يا "دعاء" معرفش ليه حاسس إني سيبتي بصمة جوا قلبي .
ابتسمت بخجل وهي تجيبه :
ـ الحاجات الحلوة أوقات بتيجي فجأة ومبنفهمهاش غير بعدين بس لو كانت حقيقية بترجع تاني لوحدها من غير ما نخطط ليها .
ثم تبسما كلتاهما بأمل أنار درب ذاك الرسلان المعذب ،
وهكذا لم يتبقى سوى يوم واحد من أيام العزبة ويعود لكنها لم تكن نهاية بل وعد ضمني ببدايةٍ ربما تغيّر مسار قلبين كانا بعيدين ثم اقتربا دون أن يدروا كيف ،
وفي آخر يوم والذي لم يكن يوماً عادياً في حياة "رسلان"، بل كان أشبه بصفحة جديدة طويت فيها ضوضاء المدينة، وضجيج الهموم، والركض المحموم خلف اللا شيء ،مشى خلف جده عبر الدروب الطينية المبللة بندى الصباح، حتى وصلا إلى تلك البقعة التي اختارها القدر لتكون لوحة من سكينةٍ ودهشة هناك في قلب الأرض الخضراء تحت شجرة جميز عتيقة تمتد أغصانها كأذرع أم حنون ،
انبسطت السجادة البدوية الحمراء المخططة وكأنها بساط سحري مفروش على تراب طاهر يفوح منه عبق الماضي وأمان الطفولة ،
تسللت أنغام سيد درويش من مذياع قديم وضع بجوار الكانون المشتعل فغمرت المكان بجوٍّ من النوستالجيا وكأن الزمن عاد عقودًا للوراء حيث البساطة تحتفي بالحياة والقلوب تخفق دون اصطناع ،
جلست "دعاء" القرفصاء تغمس أصابعها برشاقة في خلطة الأرز المعطرة بالشبت والنعناع وتلف أوراق العنب بحرفية امرأة اعتادت الجمال حتى في تفاصيل المطبخ إلى جانبها كانت خالته ترص القدر فوق النار، وتنفخ بحذر كي لا يخبو الجمر فيما الدخان يتراقص في الهواء كخيوط سحرية تشبك السماء بالأرض ،
"رسلان" جلس على طرف السجادة متكئًا على راحتيه يرقب المشهد كأنه يرى الحياة لأول مرة كانت ضحكات "دعاء" وإن لم تكن عالية تتسرب إلى أعماقه، تحرّك فيه شيئًا نسيه منذ زمن ، لم يكن في عينيها سوى صفاء الغيط ولا في ملامحها إلا عفوية الورد حين يبتسم بعد المطر ، تابعها وهي تمرر الورقة على راحتها ثم تضعها بلين في القدر، وكل حركة منها تحكي قصة أنوثةٍ نضجت على ضوء القمر وأحاديث الجدات ،
بينما كانت خيوط الشمس المتسللة من بين أوراق الشجرة رسمت خطوطًا ذهبية على وجوههم و كانت الريح تمر بين سنابل الذرة كأنها تصفّق لهم ،راقبهم "رسلان" شاعراً بأنه لا يريد لهذه اللحظة أن تنتهي أحسَّ بشيء يشبه الامتنان لكنه أكبر، أعمق، يمتد من قلبه إلى أطراف الغيط، ويرتدُّ إليه مضمخًا برائحة النعناع والورود والحنين ،
أغمض عينيه للحظة وهو يستمتع بتلك الأجواء الرائعة المختلفة كليا عليه فلم يسمع سوى صوت النار المشتعلة وهمسات الأوراق، وأنغام "أنا هويت وانتهيت"، وكأن سيد درويش نفسه يجلس بينهم يُغنّي لتلك اللحظة الموشاة بالبساطة والبهجة لم يكن في قلب "رسلان" سوى الطمأنينة ولم يعرف سببًا لذلك لكنه أدرك أنه وُجد هنا اليوم ليشعر بهذا السلام ،
ابتسم دون أن يشعر، وترك للزمن أن يتمهل، للساعة أن تتباطأ وللحياة أن تكون أخيرًا بهذا الجمال.
********
كانت أشعة الشمس تتهدّل فوق المدينة مثل خيوط ذهبية ناعمة تلفُّ كل شيء بدفء لا يُقاوَم استيقظت "ليلى" باكرًا ترتّب أمتعتها الصغيرة بحماسة الطفلة التي تنتظر رحلة العمر كانت قد انتهت لتوّها من عامها الجامعي الأول وبعد شهور طويلة من الضغط والانشغال جاءها هذا المصيف كقطعة من السماء دخلت عليها "شهيرة" والدتها وهي تبتسم برفق، تراقبها وهي تطوي آخر قطعة ملابس ،
ابتسمت "ليلى" ابتسامة واسعة بينما تضع وشاحها الأبيض في حقيبة السفر، فقد اختارته بعناية لتلك اللحظات التي تأمل فيها أن تتنفس جمال البحر بروح مطمئنة لكن قلبها كان يحمل قلقًا دفينًا، فـ"زيد" لم يكن موافقًا على فكرة سفرها حين أخبرته في الأمس برغبتها في الذهاب، تحوّل صوته من الهدوء إلى القلق وعيناه تقرأان في المستقبل ألف احتمال ، كانا يجلسان وقتها على الكافيتريا الصغيرة نظر إليها "زيد" مطولًا ثم قال بصوت هادئ يخفي بركانًا داخليًا:
ـ انتي بجد ناوية تروحي الساحل لوحدك من غيري أنا بصراحة مخنوق من الموضوع ده ومش حابب انك تروحي .
أجابته بنبرة دافئة:
ـ أنا مش لوحدي يا "زيد" ماما وبابا وخالتي وولادها كلهم رايحين وبيقولولي من أول الصيف إني لازم أجي معاهم وماينفعش أقول لا وبعدين هقعد مع مين يعني هنا يستحيل ماما تسيبني لوحدي .
رمقها بنظرة لا تخطئها عين الحبيب الغيور ثم قال بنبرة يختلط فيها الحزن بالغضب:
ـ بس أنا مش قادر أستوعب إنك تسيبيني أسبوع كامل من غير ما أشوفك ولا أكلمك براحتي يعني هتروحي هناك وتقعدي وسط الزحمة دي والناس دي وابن خالتك الملزق ده اللي كل لما أكلمك تقولي خالتو وابنها هنا انا مش بالعه خالص .
ابتسمت لتخفف من توتره ثم تشابكت يديها وهي تهدئه بلطف خفيّ:
ـ يا "زيد" اسمعني بس أنا مقدّرة غيرتك جدًا وبحبها على فكرة بس لازم أروح ده أهلنا ومينفعش أقولهم لأ وبعدين أنا مش هبعد عنك في قلبي لحظة وهكلمك علطول ومش هنشغل عنك والله .
ظل صامتًا لثوانٍ يحدّق فيها كأنه يبحث عن ملامح الطمأنينة في عينيها ثم تنهد طويلًا لينطق بموافقة مجبراً عليها :
ـ طيب بس اوعديني إنك هتكلميني كل يوم وإنك هتبعدي عن ابن خالتك ده خالص علشان أنا مش مرتاح له خالص ومش طايق حتى سيرته .
ابتسمت "ليلى" ابتسامة واثقة وهزت رأسها مؤكدة وهي توعده أن تفعل ما يريد ،
بعد ثلاثة أيام من وصولها إلى 'الساحل' كانت الرمال الناعمة تمتد أمام "ليلى" كأنها بحرٌ من الذهب كانت تجلس على الشاطئ، ترتدي عباءة خفيفة باللون الأبيض وشال واسع يغطي شعرها بلون السماء جلس بجوارها "كريم" ابن خالتها يتحدث بحماس عن مغامرات البحر والغوص بينما هي تضحك بخجل وتتحاشى النظر مباشرةً إليه لتراعي تنبيهات حبيبها الذي يغار عليها بشدة ،
لم تكن تدري أن "زيد" قد وصل الآن وبعد أن تبادل السلامات مع عائلتها استئذن والدتها في الذهاب إليها وسأل عن مكانها وذهب إليها مكانها كان واقفًا على مسافة غير بعيدة عيناه تشتعلان بغضب هادئ كبحرٍ في بداية لحظات هيجانه يحدّق فيها وهي تضحك مع ذلك السمج فــاقترب منهم ببطء وخطواته تغوص في الرمل كأنها تثقلها نــ.ــار الغيرة ،
تلفّت "كريم" فابتسم ما إن رأى "زيد"، لكن الأخير لم يرد السلام، بل ألقى عليه نظرة حادة وكأنها سهام غيرة قاتلة ثم التفت إلى "ليلى" ونادى باسمها بصرامة غير معتادة وهو لم يستطيع مداراة غيرته وغضبه ،
فقامت من مكانها سريعًا نظرت إليه وابتسامتها خفيفة متوترة ثم سارت بجواره بصمت نحو صخرة منخفضة بعيدة عن الآخرين بعدما ودعت ابن خالتها بتأدب ثم جلست وهي تحاول قراءة ملامحه المرتبكة ،
جلس بجوارها ولكن دون أن يلتفت إليها، عيناه على البحر، لكن تفكيره غارقٌ في غيرته وتحذيراته لها ثم قال بصوت مبحوح يخفي غيرته اللامعقولة لأحد :
ـ هو ده اللي اتفقنا عليه يا "ليلى" تقعدي معاه لوحدك كده وتضحكي كمان هو أنا مش منبع عليكِ إن ابن خالتك ده متقعديش معاه ولا تختلطي بيه من الأساس وإني مش برتاح له .
حاولت أن تحاوط غضبه بكلماتها كما تحاوط النسمة وجه البحر فرددت بلطف:
ـ يا "زيد" أنا كنت قاعدة على البحر وسط الناس كلها وأصلا ماما كانت قريبة مننا ومش حصل حاجة خالص وكريم ابن خالتي يعني زي أخويا وانت جيت لقيتنا قاعدين عادي يعني .
هز رأسه ببطء ثم التفت إليها بعينين تائهتين:
ـ زي أخوكي آه بس مش أخوكي وأنتي عارفة كويس أنا غيرتي عليكي شكلها عامل إزاي انتي مش شايفة إني اتجننت لما شفتك كده وبصراحة مش طايق نفسي علشان انا منبه عليكِ وده اللي متفق معاكِ عليه وبسببه مكنتش عايز خطوة السفر دي .
خفضت رأسها ثم رفعت نظرها إليه كأنها ترجوه أن يشعر بنقائها:
ـ عارفة حبيبي ومقدرة أوي اللي بتقوله بس إنت عارفني كويس أنا مش ممكن أعمل حاجة تزعلك وكنت هكلمك دلوقتي حالًا أصل الشبكة هنا صعبة والبحر شغلني ومكنتش متخيلة إنك هتيجي وكمان أنا وهو والله ما رتبنا القعدة لوحدنا دي صدفة وكنت لسه همشي وهستأذن منه بشياكة .
تأفأف بضيق لينطق بمرارة ممزوجة بالعشق:
ـ جيت علشان مش قادر أستنى يوم كمان من غيرك جيت علشان غيرتي بتقـ.ـتلني لما بفكر إنك هناك وأنا هنا جيت علشان بحبك ومقدرش أعيش من غيرك ولا عارف أستني أكتر من كدة ومشفكيش .
ابتسمت بعشق جارف وعيناها تلمعان من أثر كلماته لتبرد نيـ.ـران قلبه بكلماتها العاشقة :
ـ وانا كمان بحبك يا "زيد" أكتر ما تتخيل بس مش لازم نكبر الموقف أكتر من كده ومش عايزاك تضايق ولا تزعل وتضيع علينا فرحتي بوجودك دلوقتي.
تنهد طويلًا ثم نظر إليها بتمعن وعيناها بلون الحنين فابتسم أخيرًا وقال:
ـ أنا ضعيف قدامك يا "ليلى" بحاول أكون عاقل بس أول ما بشوفك كل حاجة بتتلغبط جوايا انتي قمر وأنا لما شوفتك على البحر حسيت إنك لوحة من الجنة .
ضحكت بخجل ووجنتاها توردتا كأن البحر قد قبّلهما بنسمة خجل ثم قالت:
ـ طب وانت بتقول كده يعني مش زعلان خلاص .
رد بنبرة دافئة وهو يقترب منها دون أن يلمسها:
ـ زعلان أوي بس جمالك خلاني أنسى الدنيا كلها شكل البحر وهدوئه ونسماته أدوكي مظهر وهيئة تجنن خلوهم يشفعولك عندي ومش قادر اطول في العتاب والخصام ومبديش إعجابي بجمال أميرتي الجميلة .
رفعت نظرها إليه فوجدته يحدق في عينيها كأنه يقرأ رسائل حب لم تقال باللسان فشعرت بدقات قلبها تتسارع ثم همست برقة:
ـ طب طالما جيت خليك جنبي طول الأسبوع ده ومش هقعد مع حد تاني أبدًا انا سعيدة قوي انك معايا دلوقتي.
رد وهو يبتسم:
ـ بس كدة أنا من عيوني يا لولا أنا أصلاً جاي هنا علشانك وهفضل هنا جنبك .
كانت أمواج البحر تتهادى على الرمال في رقّة، وكأن الطبيعة كلها تحتفل بعودة الحبيبين إلى حضن العشق من جديد وكانت الشمس تميل نحو المغيب لتغمرهما بضياء ذهبي يزيد الملامح توهّجًا والقلوب دفئًا ،
كانوا جالسين جنبًا إلى جنب، العيون تتحدث والقلوب تعاهدت على ألا تفترق مرة أخرى مهما اشتدت الريح أو تكررت الغيرة ،
في اليوم التالي بدأت أشعة الشمس الدافئة تغرب من بين سحب خفيفة معلقة في سماء الساحل، حيث الموج يتراقص بخفة على الرمال الناعمة، يلامسها تارة ويغادرها تارة كعاشق خجول لا يجرؤ على البقاء طويلًا و نسيم البحر العليل يداعب وجنتاي "ليلى" وهي تجلس تحت مظلة من القش الطبيعي على أحد الشواطئ الخاصة ترتدي عباءة فضفاضة بلون أزرق سماوي ليظهر وجهها الرقيق المضيء بشمس الصباح بينما كان شعرها مخبأ خلف الحجاب الأبيض الذي التفّ بعناية حول رأسها ،
على بعد أمتار قليلة، كان "زيد" يقترب منها، خطواته مثقلة بنبضات قلبه التي تتسابق مع الموج وقدماه تغوصان أحيانًا في الرمال الرطبة كان قد قرر أن يفاجئها لم يستطع البقاء بعيدًا عنها فالمسافة التي تفصل بين قلبه وقلبها بدت كأنها عقاب لا يُحتمل حين رآها تجلس مع ابن خالتها تملكه الضيق والغضب لكنه كتمه بجهد محاولًا أن لا ينفجر أمامها ،
انتهى اللقاء العائلي سريعًا وحين خلت له الجلسة معها كان قلبه لا يزال مضطربًا جلست "ليلى" على كرسي بلاستيكي أبيض وقد اتسعت عيناها برؤية "زيد" أمامها فجأة متفاجئة فهي كانت تتحدث معه منذ قليل وأخبرها بأنه نائم فكانت متوترة لكنها سعيدة أيضًا جلس أمامها وراح يسرح بنظره في تفاصيل وجهها الرقيق ،
نظر إليها طويلًا وفي داخله غلـ.ــيان من الأشواق المؤجلة وعشق كاد أن يخنقه وتمنّى في تلك اللحظة لو أنها زوجته لو أن هذه الحدود كلها لم تكن قائمة بينهما لو أنه قادر على أن يأخذها في حضنه دون خوف أو خجل بل لا اعتصرها داخل أحضانه كي يعوض شقاء اللقاء والقرب بعد عذاب شديد في ان ينالها وأن تكون له ،
اقترب منها قليلًا نظراته تتنقل بين عينيها وشفتَيها وخديها المورّدَين وهمس داخله بالكثير لكنه كتمه خوفًا من أن يجرح طُهر اللحظة وهو ينظر إليها كما لو كانت شيئًا لا يتكرر في هذا العالم ، لم تكن مجرد فتاة أحبها بل كانت الوطن والسكينة وكل ما افتقده في حياته كان قلبه يمتلئ بالكلمات لكنه كلما حاول أن ينطق بها تعثرت على طرف لسانه من شدة عمقها كانت "ليلى" تجلس أمامه في هدوء يضجّ بكل أنوثة العالم
بعينيها تلك التي لا تقول شيئًا ولكنها تفهم كل شيء ، بابتسامتها الخجولة التي تذيب ثلج المسافات بينهما لم يَعُد قادرًا على كتمان ما يشعر به فخرج صوته دافئًا مشحونًا بالشوق :
ـ تعرفي إن أنا بحاول كل مرة أمسك لساني عشان مشاعري ما تطلعش جامدة قوي وتخوفك بس بجد مش قادر كل مرة بشوفك فيها بحس إني قدام نعمة أنا مش مصدق إنها بقت ليا أنا بحبك بشكل أنا نفسي مش فاهمه بس اللي متأكد منه إنك بقيتي روحي اللي عايشة جوايا .
نظرت "ليلى" إلى عينيه فاهتزّ قلبها بعنف
لم تكن معتادة على أن يُقال لها هذا الكمّ من الحب لكنها في الوقت ذاته شعرت بالأمان والصدق في كل كلمة نطق بها :
ـ أمممم … أنا مش متعودة على الكلام ده
بس وانت بتقول كده بحس إن قلبي بيدق بسرعة مش طبيعية وبحس إنك فعلاً صادق وإن مشاعرك طالعة من جواك بجد وأنا بحمد ربنا إنه جمعني بيك مهما كانت العثرات.
ازداد وجه "زيد" دفئًا وتلألأت عيناه بحنين عميق ثم اقترب منها قليلًا دون أن يلمسها
فقط أراد أن تشعر بقربه وبصدق نواياه :
ـ أنا عمري ما كنت أتصور إن في بنت تخليني أتمنى أكون شخص أحسن من اللي أنا عليه
كل ما بشوفك يا "ليلى" بحس إني عايز أكون أحسن لنفسي علشان أستاهلك
عايز أحبك بشكل يخليكي دايمًا فخورة بيا ومطمنة .
ابتسمت "ليلى" وهي تشعر بالدفء يتسلل إلى أطرافها كان قلبها يخفق بخجل ممزوج بالسعادة :
ـ أنا بحاول دايمًا أكون على قدك بس وانت بتتكلم كده بحس إن اللي بينا حاجة كبيرة أوي بحس إنك فعلاً شايفني مش بس بعينك لكن بقلبك كمان وده أغلى عندي من أي حاجة .
كانت نظراتهما وحدها تكفي لتُترجم آلاف الكلمات لكن الكلمات خرجت منه لتكمل المشهد بصوت مرتجف بالحب :
ـ أنا وعدتك يا "ليلى" إنك هتعيشي أحلى قصة حب وإنك هتكوني أغلى واحدة في حياتي وأنا عند وعدي كل يوم هحبك أكتر وهخاف عليكي أكتر ومش هييجي يوم وهتكوني لوحدك طالما أنا موجود .
تحدثت "ليلى" بخجل واضح وهي تنظر إلى الأرض :
ـ أنا دايمًا بحس إني معاك مطمنة وبحس إن قلبي بيرتاح لما بسمع صوتك وبحس إن كل اللي فات كان علشان نوصل للحظة دي
اللحظة اللي فيها قلبي بيحبك ومش خجلان يقولها .
أكمل معها وتبادلا كلاهما أحاديث العشاق الذي كان فيه "زيد" قائد مغوار او قبطان سفينة وهوى الـ"لـيلى" هو بوصلته ،
بدأ قلبه يضعف أمامها ويده تتحرك ببطء كأنها لا تطيعه وامتدت لتلامس أطراف أصابعها وما إن لمس دفء جلدها حتى ارتعشت يداه وابتلعت هي ريقها بصعوبة تحبس أنفاسها بين ضلوعها وقد ارتجف كل شيء فيها ولم تدري ماذا تفعل وكأن عقلها تخدر عن التفكير بأي شئ ، ثم أخذ يدها برفق كمن يحتضن زهرة نادرة ثم رفعها ببطء وألصق شفتيه بباطن كفها في قُبلة طويلة، هادئة لكنها مشتعلة بكل الشوق المؤجل كانت قبلة بها كل اعتراف لم يُقال ،
تجمدت "ليلى" مكانها، ذاهلة من هذا القرب، من تلك الكهرباء التي سرت في جسدها، من المشاعر التي لم تعرفها من قبل، بينما هو أغمض عينيه مطولًا وكأنه يحاول أن يملأ ذاكرته بهذا اللمس وكأنه يلمس كف القمر بل ويعانق شفتاه ،
رفع نظره إليها مجددًا وهي مغيبة ، تائهة في سحر عينيه وهو يجذبها كالمغناطيس دون أن تشعر فـاقترب أكثر و مدّ يديه ليضعهما على وجهها كأنه يريد أن يثبت ملامحها بداخله، وراح وجهه يقترب ببطء، ببطء قاتـل فذاك الـ"زيد" خبير بقوانين القرب وهو ملهوف بل كالعطشان في صحراء جرداء لا زرع بها ولا ماء وكانت هي ماؤه وهواؤه الذي ما إن حصل عليهم سيقتنصهم دون مراعاة لأي حدود ، القلوب تدق بوتيرة سريعة والأنفاس تتلاحق في اقتراب وجهه من وجهها وأنفاسهم اختلطت كانت هي مغمضة العينين متخدرة التفكير في المعقول واللامعقول مسكينة تلك الليلى فأسلحتها هشة ضعيفة للغاية أمامه ، حتى كادت شفتيه تلامس شفتيها وينال عذرية قبلتها الأولى حتى يهدأ جسده الثـ.ـائر ومشاعره التي تسري كالكهرباء في حواسه كــكل لكن فجأة ،
تراجعت "ليلى" بسرعة نفضت يدها من يده واعتدلت في جلستها وقالت له بعينين غاضبتين وصوت فيه رجفة خافتة وجسدها المفكك لم يستطيع لمام شتاته المبعثر ومشاعر هوجاء غريبة اجتاحت أوصالها وأخيراً تمالكت من حالها وتحدثت بعيناي خجولة من ذاك المشهد الذي لم تكن تتوقع ان يحدث يوماً :
ـ "زيد" ايه اللي انت عملته ده !
ثم استجمعت شتاتها المبعثر وهي تنهره على فعلته تلك :
ـ لا أنا مش هسمح لك تعمل كده مش هينفع أنا مش مراتك ولسه خطيبتك ده حرام عليا وعليك وإنت عارف إني عمري ما كنت بنت سهلة ولا عمري هكون وعمري ما هقبل انك تقرب مني كده مهما كنا بنحب بعض أرجوك متستغلش ضعفي وعدم خبرتي وتستغل مشاعري وتحاول تقربني منك بطريقة تخليني أكره نفسي بعد كل قعدة بيني وبينك .
نظر إليها بخجل لكنه لم يبتعد كثيرًا وقد ظهر في عينيه صراع داخلي بين ما يشعر به وبين ما يجب عليه فعله وقال بنبرة هادئة لكن ممتلئة بنيـ.ـران الاحتياج لها :
ـ أنا عارف يا "ليلى" والله عارف بس أنا مش قادر أبعد عنك مش قادر أمنع نفسي من إني أحبك أكتر كل يوم من غير ما ألمسك أو أقرب منك أو أحضـ.ـنك أنا إنسان يا "ليلى" مش ملاك بس والله ما كنت أقصد أزعلك واللي حصل وليد اللحظة من اشتياقي لقربك .
أخفضت "ليلى" نظرها تتنفس بعمق تحاول أن تهدئ دقات قلبها التي صارت تدق بعنـ.ـف وكأنها طبول وتحدثت بصوت مكسور :
ـ بس لازم نمنع نفسنا يا "زيد" الحب الحقيقي هو اللي بيحافظ علينا قبل ما يضمنا مش اللي يوقعنا في الغلط ولو فضلنا نعدي حدودنا بالشكل ده مش هنكمل صح ولا ربنا هيبارك لنا .
تنهد "زيد" بقوة، وأدار وجهه للحظة يحاول أن يهدأ ثم عاد لينظر إليها وقال بعزيمة :
ـ طب بصي أنا مش هسمح إننا نكمل كده وإحنا كل شوية نحارب في مشاعرنا عشان مش متجوزين أنا قررت خلاص اني أتكلم مع باباكي وأطلب منه إننا نكتب كتابنا بدل ما نفضل كده معلقين لا متجوزين ولا مخطوبين على راحتنا .
ارتبكت "ليلى" وهتفت بنبرة خافتة خجولة من مقصده :
ـ بس يا "زيد" إحنا لسه متفقين إننا نستنى شوية لحد ما أخلص سنتين على الأقل واحنا لسه بدري وممكن بابا يرفض .
هزّ رأسه وقال بإصرار وعيناه تلمع بشغف ان تكون امرأته وعلى اسمه عاجلاً غير آجلاً :
ـ وفيها ايه هنكتب الكتاب وهنأجل الفرح براحتنا مش مهم المهم إني أكون جوزك قدام ربنا عشان أقدر أكون معاكِ من غير ما نحس إننا بنغلط عشان لما أجي أمسك إيدك وأقولك بحبك من غير ما أهرب من نظرتك ولا تتضايقي مني ولا وقت ما أكون محتاج لأني أضمك وأحسسك بحبي محسش إني بعمل حاجة غلط أو إنك تضايقي .
قالت بتنهيدة طويلة وهي تنظر له بنظرة تحوي حبا كبيرا وهي الآن قد سلمت له قلبها وعقلها فهو صياد للقلوب ماهر ببراعة:
ـ أنا بحبك يا "زيد" بس خايفة خايفة الدنيا تلهينا وننسى إن كل خطوة لازم تبقى محسوبة وعقلنا يكون مع قلبنا مش قلبنا لوحده .
اقترب منها مجددًا ولكن هذه المرة بنظرة احترام ، نظر إلى عينيها مطولًا وقال بصوت عميق :
ـ:أنا مش هسيبك يا "ليلى" أنا نفسي فيكِ ونفسي أكون جنبك وأضمك لقلبي بس أوعدك إني من النهاردة هعرف أتحكم في نفسي لحد ما نكتب الكتاب وبعده هنعيش كل اللي بنتمناه سوا من غير خوف
ابتسمت "ليلى" بحياء وهي تردد بطاعة لما يريد :
ـ ماشي يا "زيد" بس خليك فاكر إن أنا مش بتاعت لحظة أنا بتاعت عمر ولو عايزني على طول لازم تحافظ عليا دلوقتي قبل بعدين .
نظر إليها نظرة حب لا توصف كأنه يراها لأول مرة وقال بصوت حنون كأنّه يهمس لقلبها :
ـ أنا بحبك يا "ليلى" حب مش هينتهي أنا كل يوم بحبك أكتر وكل ما أشوفك بحس إني عايز أعيش عمري كله جنبك نفسي في حضنك وفي قلبك وفي بيتنا اللي هيبقى مليان حب وبركة بس امسكي فيا واسندي عليا عشان أكمل .
انتهى اللسان عن الكلام ونظرات العاشقين هي المسيطرة الآن وهما جالسين أمام البحر الشمس توشك أن تغرب، وألوان السماء تتحول للبرتقالي والذهبي، وكل موجة تمر تترك خلفها همسة حب جديدة، و"ليلى" قد أخذت الأمان وهي تسكن في قلبه وملأت السكينة صدرها.
