اخر الروايات

رواية مشاعر موقدة ( ربما تستقيم الافئدة ) الفصل السادس والعشرين 26 بقلم فاطيما يوسف

رواية مشاعر موقدة ( ربما تستقيم الافئدة ) الفصل السادس والعشرين 26 بقلم فاطيما يوسف 


مرّ شهرٌ كامل على الخصام بين "هاشم" و"حنين" شهرٌ ثقيل كأنه عام بأكمله، كانت فيه الأيام تتكرّر بألمٍ ووجعٍ وصمتٍ مُطبِق، كأن شيئًا انكـ.ـسر بينهما ولم يُفلِح الوقت في إصلاحه، فـ"هاشم" الذي لطالما كان ملاذها وكتفها الحاني أصبح غريبًا عنها، ينأى بنفسه بعيدًا لا يوجه إليها نظرة ولا يبادلها كلمة يخرج في الصباح إلى عمله بصمتٍ ويعود متجهم الوجه لا يدخل غرفتها إلا ليأخذ من الخزانة شيئًا وكأنه اختار أن يعاقبها بالبعد لا بالكلام وهي تقف حائرةً مكسورة لا تدري أي الأبواب تطرقه كي يعود إليها ،
في البداية ظنت أن الخصام لن يطول حاولت مرارًا أن تقترب ، أن تعتذر، أن تفسر موقفها، لكنه كان في كل مرةٍ يغلق عليها بابه ويتركها في حيرتها، وكانت كل ليلة تمضيها في البكاء والدعاء، تتمنى أن يكسر حاجز الصمت، أن يعود إليها بكلمةٍ واحدة، لكنه ظل قاسيًا صامتًا، كأن الألم الذي بداخله أكبر من أن يُقال ،
وفي مساءٍ خريفيٍّ كئيب، وبينما كانت وحدها في غرفتها وقد هزمها التعب أخذت تشعر بدوارٍ مفاجئ حاولت أن تتماسك أن تصل إلى التخت لكن جسدها الضعيف لم يسعفها فقدت توازنها وسقطت أرضًا بصوتٍ مكتومٍ أزعج سكون المنزل فهرع "هاشم" من غرفته وهو يرتجف لم يكن يتوقع أن يراها ممددة على الأرض وجهها شاحبٌ وعيناها مغلقتان وجسدها لا يتحرك شعر بشيءٍ ينهار داخله انكسر الصمت في لحظةٍ واحدة وراح ينادي باسمها وهو يحملها بين ذراعيه ،
لم يفكر كثيرًا اتصل بالطبيبة القريبة من العائلة وأخبرها أن زوجته قد أغمي عليها فجأة،
وصل الطبيبة في دقائق ومعها حقيبتها الطبية ثم بدأت بفحص "حنين" بدقة قاست نبضها وضغطها وطلبت من "هاشم" أن يهدأ قليلاً، وبعد دقائق من الصمت القلق، رفعت الطبيبة رأسها ونظرت إلى "هاشم" نظرةً تحمل الخبر الأهم ونبأته بصوتٍ هادئٍ لكنه حاسم:
ـ زوجتك حامل يا أستاذ "هاشم" وتقريباً كدة في بداية الشهر التاني لكن جسمها مرهق جداً والظاهر كدة أنها تعرضت لضغطٍ نفسي شديد في الفترة اللي فاتت وده واضح من الغمقان اللي تحت عينيها وده مش مناسب لحالتها إطلاقًا لا هي ولا الجنين لان الست في بداية حملها بتمر بأعراض صعبة جداً ممكن تسبب لها اكتئاب بسبب انها مش قادرة تتحمل تعب الحمل في أوله .
شعر "هاشم" بمشاعر متناقضة تدق داخله ما بين الفرحة الشديدة والحزن الشديد لحالتهم وكأن شيئًا ثقيلًا سقط فوق صدره حملها إليه ودموعها تُبلل عنقه لم ينبس ببنت شفة، لكنه شعر أن قلبه يُصفَع بقسوة، كيف لم يشعر بها؟ كيف تركها تمر بكل هذا وحدها؟ لكن حتى مع هذا الشعور بالذنب، كان بداخله عتبٌ لا يزال قائمًا ألمٌ لم يبرأ
أفاقت "حنين" بعد قليل فتحت عينيها ببطء، ورأت "هاشم" يجلس بجوارها ينظر إليها، لكنه لم يبتسم ،لم يمسك يدها، فقط نظر إليها بصمتٍ باردٍ وصدره يعلو ويهبط من شدة التوتر ،
نظرت إليه برجاءٍ واضح في عينيها، ومدّت يدها لتلمس يده، لكنها لم تجد الدفء الذي اعتادت عليه، سحبت يدها بتردد، وبدأت تتحدث بصوتٍ مكسور.
ـ كنت خايفة أقولك لأني حسيت إنك مش هتسمعني، كنت متلخبطة وخايفة منك وزعلانة من نفسي، بس كل ده ملوش قيمة دلوقتي غير إني محتاجاك جنبي ما كنتش حابة أبلغك بالخبر ده لما عملت اختبار وعرفت اني حامل واحنا متضايقين وزعلانين من بعض .
كان نظره ثابتًا عليها لا يحمل أي انفعال ظاهر، لكن في داخله كان يموج بألف شعور، أراد أن يضمّها، أن يُنهي كل هذا الألم لكنه لم يفعل، لم يقترب، فقط قال بصوتٍ غليظٍ هادئ.
ـ شهر كامل وإنتِ سايبة بينا الهوة تكبر كل يوم، شهر كامل كنتِ شايفة إنك تقدري تعيشي من غير ما تفهميني، من غير ما تعتذري، من غير ما تواجهي، وده أصعب عليّا من أي حاجة كنت مستني منك تطيبي خاطري وتعتذري كتير علشان اللي حصل منك كان صعب قوي ما يقبلهوش اي راجل الا اذا كنت في نظرك مش راجل كفاية ،
سكت لحظة ثم أكمل بصوتٍ أكثر صلابة :
ـ وكنتِ حامل وساكتة، بتتعبي وبتنزفي ضعف لوحدك، وسايباني مش داري بحاجة، كنتِ مستنية إيه؟ مستنية أقعد على الأرض جنبك لما تقعي؟ ولا مستنية إني أندم بعد فوات الأوان؟
اغرورقت عيناها بالدموع أكثر، حاولت أن تقترب منه لكنها توقفت وشعرت أن كلماته رغم قسوتها من حقه، فلم تُجب، فقط استمعت، ودموعها تحكي كل شيء وتابع بعتاب قاسي :
ـ كنتِ أغلى من روحي، كنت بشوفك نور عيوني، بس في اللحظة اللي بعدتي فيها واخترتي الحل السهل، أنا اتكسرت، حسّيت إني لوحدي إني مش راجل في عينيكِ ولا سند زي ما كنت مفكر .
تنهدت بصوتٍ عالٍ، كأنها تحاول أن تطرد كل الألم من صدرها، وقالت بصوتٍ مرتجفٍ:
ـ أنا آسفة، آسفة على كل لحظة عدت وإنت زعلان، آسفة إني خيبت ظنك، بس كنت تايهة وقلبي مكسور ومكنتش قادرة أتكلم، كنت خايفة منك ومن رد فعلك .
بقي ينظر إليها بنفس النظرة، لكن عينيه بدأت تلين، بدأت تلك القسوة في ملامحه تتآكل شيئًا فشيئًا، وكأن اعترافها، وانكسارها، وصوتها الباكي، بدأ يحرك شيئًا داخله :
ـ أنا مش ملاك يا حنين، ولا عمري طلبت منك تكوني مثالية، بس كنت محتاج تحسي بيا، تحسي إني في عز الغضب والتعب لسه محتاج منك كلمة تريحني، حضن يطمنّي، مش سكوت يزيد المسافة .
اقتربت منه أكثر، أمسكت يده بقوة، كأنها تتمسك بأملٍ أخير، وبكت في راحة يده وقالت:
ـ والله ما كنت أعرف أعيش من غيرك، كنت كل ليلة بدعي لك ترجع لي، وكنت بكتب لك رسابل ومبعتهالكش، كل يوم بدعي ربنا يرجع لك قلبي لأنك قلبي فعلاً .
أغمض عينيه للحظة يحاول كظم صراع الكبرياء ورجولته التي تبعثرت على يديها وسحب يده لكنه لم يُبعدها عنها ثم فتح عينيه ونظر إلى وجهها المنهك من الدموع والتعب شعر أنه لا يستطيع أن يستمر في عتابه أن قلبه رغم كل شيء لا زال متعلقًا بها ومع تحذيرات الطبيبة هتف بحنو خشن :
ـ تعبك دا مكنش سهل عليا، وإنك دلوقتي حامل دي مش بس مسئوليتك؛ دي مسئوليتنا إحنا الاتنين وأنا مش هسيبك بس عايزك توعديني أي حاجة مهما كانت صغيرة تقولي لي متسكتيش تاني أبدًا لو احتجتيني في اي وقت وفي اي مكان تكلميني وما تلجئيش لغيري وانا هتصرف حتى لو كنت في آخر الدنيا هأمنك في اي مكان مجرد اتصال منك بس .
هزت رأسها بقوة وأغمضت عينيها كأنها تحاول أن تحفظ وعدها جيدًا ثم همست بصوتٍ يكاد يُسمع وهي تقسم له بأيمان متتكررة معهودة:
ـ بوعدك والله العظيم والله يا "هاشم" على نفسي وعلى اللي جاي في بطني إني هافضل أشاركك كل حاجة وهخاف عليك أكتر من نفسي بص أرجوك سامحني وانسى اللي حصل وانا عمري ما هكرره تاني انا مش قادرة أبعد عنك ولا قادرة أستحمل زعلك مني وخصامك شهر كتير قوي عليا كفايه بقى يا "هاشم" .
اقترب منها ثم مسح دموعها بكفه ثم طبع قبلة طويلة على جبينها وقال بصوتٍ محمّل بكل ما في قلبه من دفء وحنان:
ـ بحبك يا وجعي ويا أماني بحبك يا حلمي اللي كان ضايع ، بحبك وأول مرة أحب وأول ست اقول لها بحبك وأخر ست أقول لها بحبك وأغلى ست أقول لها بحبك ومش عايز ولا شايف في الدنيا غيرك .
ابتسمت من بين دموعها وشعرت وكأن العالم كله عاد إليها عادت أنفاسها وعاد قلبها ينبض بحبٍ لم يمت فقط كان ينتظر اللحظة التي يُبعث فيها من جديد ،
ومر ذاك اليوم وانتهى ويوم اخر في ضوء الشموع الخافت تناثرت ظلالهما على جدران الغرفة كأنها ترقص على إيقاع النبضات الخفية التي ارتجفت بين قلبيهما كانت "حنين" تجلس على الأريكة تنظر إلى "هاشم" بعينين تلمعان ببريق دافئ يحمل في طياته امتنانًا وحنينًا وشوقًا متراكمًا طيلة أيام الخصام القاسية فقد قررت أن تفاجئه بلحظاتها الرومانسية معه والتي يعشقها وعندما نظر إلى الاجواء التي يعشقها جيدا، شعر "هاشم" حينها للمرة الأولى منذ شهور وأكثر أن الدفء الحقيقي لا ينبع إلا من نظرة عينيها وأن صوتها الهامس أقوى من صخب الوحدة التي كان يختبئ خلفها كل ليلة ابتعد فيها عنها كانت أنفاسه تتباطأ أمام تفاصيلها الصغيرة وكأنه يستعيد ملامحها كما لو أنها غابت عنه زمنًا طويلًا ،
كانت الغرفة صامتة إلا من صوت تنفسهما العميق ورائحة الشموع التي تملأ المكان دفئًا وطمأنينة اتجه إليها بخطوات بطيئة ونظر إلى بطنها المسطح بابتسامة خفيفة ممتزجة بدهشة صامتة فها هي حبيبته التي تخطت الألم والتي احتملت قسوته والتي بين أحشائها نبض صغير منهما معًا ط
شعر بقلبه يلين شيئًا فشيئًا أمام هذا المعنى العظيم الذي يسكنها وأدرك أن الحياة لن تكتمل دونها وأن هذا الكائن الصغير الذي بدأ ينمو بداخلها إنما هو ثمرة حبها وصبرها وحنانها ،اقترب منها بهدوء فرفعت "حنين" عينيها إليه وسارعت بالكلام :
– كنت فاكرة إننا خلاص بعدنا عن بعض للأبد كنت بموت كل يوم من غيرك حتى وإنت جنبي وساكت كنت بمد إيدي عليك بقلب مكسور وبترجع لي ملامحك جامدة كإنك مش سامعني .
احتضن وجنتيها بتملك واعترف هو الآخر :
– أنا كنت ميت من جوه يا "حنين" ميت وواقف قدامك علشان ما أبينش ضعفي لكن كل يوم كنت بتقطع من جوايا وبتمنى تصحي من النوم تبصي لي زي زمان وأجري في حضنك وأنسى كل اللي حصل .
احتضنت وجنتيه هو الآخر ثم سألته بحيرة وهي مازالت تقرأ نظرات الوجع في عينيه :
– طب إنت نسيت خلاص إزاي كنت بعيط كل يوم تحت اللحاف علشان صوتك اللي وحشني وصدرك اللي متعوده عليه طب إزاي قدرت تمشي وتبعد وتنام بعيد وأنا ببص في السقف مش عارفة أغمض عيني ؟
أجابها بأسى وحزن :
ـ ما كنتش بنام يا "حنين" ما كنتش بعرف حتى أحط وشي على المخدة وقلبي مرتاح كل حاجه حواليا كانت بتزعق باسمك بس كنت مقهور وانا شايفك قدامي وحضنك بعيد عني وكرامتي وكبريائي من عيني اني اقرب .
– أنا غلطانة اعترف غلطت لما سبت غيرك يوصلني وكنت مفكره إن دي حاجه عادي بس والله العظيم ما شفت الراحة غير في حضنك ولا حسيت بالأمان إلا في حضنك يا "هاشم" .
وضع يده على فمها وهو ينهاها أن تكمل :
– ما بقتش عايز أفتكر يا "حنين" خلاص كفايه عليا وعليكي كفايه اللي فات وكفايه أيام الفراق اللي كسرت قلوبنا إحنا الاتنين
– طب سامحتني بجد يعني خلاص قلبك راجع لي؟
– قلبي ما راحش من أساسه يا "حنين" قلبي سابني ورجع لك يوم ما عرفت إنك شايله روحي بين ضلوعك شايله ابني اللي جاي
– كنت خايفه أموت من القهر من غير ما تحضني وتقولي إني لسه مراتك اللي بتحبها زي أول يوم
– بعد الشر عليك يا حبيبي واعيش وانا شايف عنيكي بتضحك قدامي هبقى أسعد واحد في الدنيا عايز أعيش وأشوفك وإنتي شايله ابني وبتضحكي لي وأنا بلعب معاه زي ما كنت بحلم .
ثم سحب يدها ووضعها على قلبه وأكمل :
– إنتي شايفه النبض ده كان بيموت وبيقوم كل مره تهمسي لي فيها بكلمه حنينه كل مرة تقولي لي إنك بتحبيني .
– بحبك وهفضل أحبك لحد آخر نفس فيا وهعيش لك وهعيش لللي بيني وبينك اللي اسمه ابننا .
– يبقى نقفل عاللحظة دي ونعيشها على طول نعيشها بنور الشمع وهدوء القلب وصوتنا إحنا بس .
ثم جلس بجانبها وسحبها إليه برفق وأسندها على كتفه وظلا صامتين كأن العالم كله توقف ليستمع إلى نبضات قلبين التقيا بعد شتات طويل ،
وبينما كانت الشموع تذوب ببطء كان حبهما ينمو ويتجدد كأنه ولد لتوه وكأن السماء منحتهم بداية جديدة كُتبت بنور العيون وهمس الأرواح
************
كان اليوم مشمسًا لكنه بدا ثقيلاً على "ليلى" وكأن أشعة الشمس تسلطت عليها لا لتدفئها، بل لتكشف هشاشتها فقد انتهى عامها الدراسي الأول في كلية الصيدلة، وكان قلبها متأرجحًا بين الرجاء والخوف ما زالت تذكر الأيام التي كانت تذاكر فيها وسط الألم والاضطراب ما بين فراق وعودة ما بين دموع وآمال ، دخلت إلى ساحة الجامعة بخطوات مترددة تحيطها زحمة الأصوات والألوان لكنها لم تر شيئًا سوى وجه "زيد" وهو يقترب منها بهدوء يحمل في يده ورقة مطوية وابتسامة ممزوجة بالقلق والدفء ،
كان "زيد" يعلم جيدًا كم يعني لها هذا اليوم بل كان يوقن أن قلبها الهش رغم قوته الظاهرة يتوق لكلمة طمأنينة لحنو صادق ، حين وقف أمامها تبادل الاثنان نظرات صامتة قبل أن يناولها الورقة ويقول بصوت منخفض وكأنه يخشى كسر ما تبقى فيها من طاقة:
ـ النتيجة ظهرت يا "ليلى" وجبتي جيد مبروك يا حبيبي وعقبال السنة الجاية .
لم تتكلم "ليلى" في البداية فقط ظلت تحدق في الورقة وعيناها تتحركان على السطور،
ثم رفعت رأسها ببطء، وبصوت مختنق قالت:
ـ أنا كنت مستنية أكتر من كده يا "زيد" أنا اشتغلت كتير أوي وتعبت ونمت ودموعي على الكتب كتير وكنت عايزة على الأقل أحقق جيد جدا ما كنتش متوقعة ان اول سنة ليا في الجامعة تبقى بالتقدير المخزي ده انا حقيقي زعلانة من نفسي قوي ،
ثم انكمش وجهها بمرارة وهي تكمل:
ـ أنا حاسة إني فشلت واني كل مرة بدل ما تقدم خطوة في حياتي بنجاح يرضيني حاسة إني هتأخر ومش هوصل اللي انا عايزاه انا تيقنت دلوقتي ان انا قصرت جدا .
أخذ "زيد" نفسًا عميقًا لم يرد أن يقلل من ألمها لكنه أيضًا لم يحتمل رؤيتها منكسرة فقال لها بحنان وصبر:
ـ ما تحمليش نفسك فوق طاقتها يا "ليلى" إحنا مرينا بحاجات كتير قوي السنة دي انتي عارفة كويس إن الظروف ما كانتش في صالحي ولا في صالحك ،
انتي أصلاً بطلة إنك كملتي رغم كل اللي حصل بينا أنا يمكن السبب الأول في تعبك أنا اللي بعدت ورجعت واتلخبطت في مشاعري واتأخرت عنك بس وعد مني والله مش هكرر ده تاني .
كانت "ليلى" تنظر إلى الأرض لا تقدر على مواجهة عينيه وصمتها كان أقسى من بكائها ، انتظر "زيد" لحظة ثم أردف بنبرة أكثر ثقة:
ـ بصي يا "ليلى" ده مجرد أول سنة والمهم إنك عديتيها رغم كل اللي حصل لنا الباقي جاي وإن شاء الله هنحقق اللي بتحلمي بيه أنا جنبك مش هسيبك وكل سنة جايه هتشوفي فرق كبير .
رفعت "ليلى" رأسها كان وجهها ممتقعًا لكنها تحاول أن تتمسك بقشة الأمل التي يمدها إليها، وسألته بصوت خافت:
ـ انت شايف فعلاً إن ممكن أجيب امتياز في السنين اللي جاية وانا بادئاها بــجيد أنا مصدومة من نفسي والله .
أومأ "زيد" بنبرة واثقة وهو يبتسم لها ابتسامته التي تخـ.ـطف قلبها :
ـ أنا مش بس شايف ده أنا واثق إنك هتجيبيه
لأنك شاطرة وعندك إرادة بس كنتي محتاجة استقرار وسند وده اللي أنا جاي لك بيه
أنا قررت يا "ليلى"
نظرت إليه بتساؤل فـواصل وهو يخبرها بما يريده ويتمناه وتأخر كثيراً فــكفاه انتظار إلى الآن :
ـ قررت إني مش هستنى أكتر من كدة أنا عايز اجي أتقدم لك وأطلب ايدك من باباكي بزيادانا انتظار بقي لحد كدة .
ارتجف قلبها من طلبه الغير متوقع في ذاك التوقيت وانعقدت أنفاسها للحظة وكأن الكلمات تسللت من بين شفتيه لتعيد ترتيب الفوضى داخلها وشعرت أن الأرض تدور حولها ببطء لكنها تماسكت،وسألته بهدوء لا يخلو من الخوف:
ـ مش كده هنبقي بنتسرع ومحتاجين كمان حبة وقت استوعب فيهم مشاعري وأجهز نفسي للخطوة دي .
أجابها بابتسامة خفيفة وهو يقترب منها ويضع عينيه داخل عينيها بوله واشتياق لتلك اللحظة المنتظرة وهو يؤكد لها :
ـ آه دلوقتي كفاية بقي انا تعبت انتظار أنا ملهوف عليكي يا "ليلى" ملهوف لأن دبلتي تتحط في ايدك ، ملهوف اني اكلمك كحبيب وحبيبته واسهر معاكي طول الليل على التليفون واحكي لك مشاعري واحكي لك قد ايه انا مشتاق ليكي ، ملهوف لاننا نقرب من بعض اكتر ، لأني اهتم قوي باليوم اللي انا جاي ازورك زي اي خطيب رايح يزور خطيبته والشوق سابقه قبل قلبه وعقله ،
ملهوف عليكي يا "ليلي" مش قادر بجد ،
وأكمل وهو يغمز لها بشقاوة وهو يسهل عليها الموضوع:
ـ وبعدين مفيش جواز دلوقتي طبعًا بس هروح أطلبك رسمي ونبقى على وضوح قدام الكل ، أنا عاوز أقول لكل الدنيا إننا مرتبطين وإننا بنحب بعض ، وإننا ناويين على طريق طويل بس هنكمله سوا
ثم سكت قليلًا ثم سألها بدقات نابضة :
انتي موافقة؟
لم ترد "ليلى" في البداية كانت الدموع تلمع في عينيها وفي داخلها ضجيج من التردد والحنين والرهبة وبعد لحظة نطقت بالكلمات التي طالما خشيت قولها :
ـ هقول لماما وأشوف رأيها ايه يا "زيد" .
تردد "زيد" قليلاً ثم سأل:
تفتكري ماما هتشجعنا ؟
ابتسمت "ليلى" لأول مرة منذ بداية اللقاء، وارتعشت شفتيها وهي تقول:
ـ ماما كانت دايمًا بتقولي إن لو حاجة فيها سعادتي مش هتمنعها وزي ما انت قلت
إحنا لسه قدامنا وقت طويل بس نبدأ صح
ونبقى على بركة ربنا .
شعر "زيد" بسعادة خفية تتصاعد من قلبه، وانعكست في عينيه نظرة امتنان ورضا، كأن روحه قد استقرت أخيرًا في مرفأها الأول، وأن كل تيه الماضي لم يكن إلا طريقًا يقوده إلى هذه اللحظة ثم ردد برقة:
ـ أنا هروح أكلم أهلي النهاردة وهطلبهم ييجوا معايا البيت أنا عاوز اليوم اللي هنبدأ فيه رسمي يكون قريب حتى لو هنفضل مخطوبين سنتين أو أكتر المهم إننا نطمن إننا هنكون لبعض.
كانت "ليلى" صامتة تحاول أن تجمع أنفاسها بين الاندهاش والفرحة، بين الحلم والواقع، وما إن رفعت رأسها ونظرت إليه من جديد، حتى شعرت أنها ترى الحياة من زاوية جديدة، زاوية فيها شريك يحمل عنها بعضًا من الحِمل، ويقاسمها الطريق نحو غدٍ مختلف ،
ولم يصمت ذاك العاشق حتى أخبر العائلتين وفي غصون يومان ذهب لخطبة معشوقة الروح وحلم الليالي ،
وهي الأخرى أخبرت والدتها ،
كان المساء هادئًا على غير عادته في بيت "ليلى" حين جلست إلى جوار والدتها تخبرها بخبر نجاحها ،قلبها لم يكن مطمئنًا رغم ابتسامة والدتها الواثقة وعينيها الممتلئتين بالفخر كانت "ليلى" تخشى أن يتحول هذا النجاح الضئيل في نظرها إلى خيبة أمل في نظر من تحبهم، لكنها ما لبثت أن استمدت من نظرات "شهيرة" القوة على النطق بالحقيقة التي تثقل صدرها منذ ساعات ،
ثم قالت لها بصوت خافت وهي تنظر إلى الورقة المطوية في يدها :
ـ أنا جبت جيد يا ماما .
توقعت للحظة أن ترى نظرة استياء أو خيبة في عيني والدتها لكن التي قابلتها بها كانت نظرة حنان مفعمة بالحب والاطمئنان ،
ربتت "شهيرة" على يد ابنتها وقالت بثقة الأم العارفة بمكامن القوة داخل ابنتها :
ـ برافو يا "ليلى" انتي عديتي من سنة صعبة قوي وأنا فخورة بيكي أوي يا بنتي والتقدير ده بالنسبة لي اكتر من الممتاز والله .
اغرورقت عينا "ليلى" بالدموع وسارعت تقول :
ـ بس كنت عايزة أجيب أكتر من كده أنا زعلت على نفسي يا ماما حاسة إني ما عملتش اللي عليا .
قالت "شهيرة" بنبرة هادئة حازمة :
ـ انتي عملتي اللي تقدري عليه وانتي عارفة إن السنة دي كانت قاسية علينا كلنا مش بس عليكي ونجاحك فيها دليل إنك قد المسؤولية .
ثم نظرت إليها نظرة أمٍ تقرأ ما بين السطور وأضافت :
ـ بس حاسه ان في حاجة تانية عايزة تقوليها وباينه في عينيك قوي اتكلمي يا ماما ؟
ترددت "ليلى" ثم تنهدت بعمق وقالت :
ـ فعلاً يا مامي "زيد" عاوز يتقدم لي رسمي وبيقول نخطب سنتين على ما أخلص تالتة صيدلة .
رفعت "شهيرة" حاجبيها قليلًا ثم ابتسمت وقالت :
وإنتي رايك ايه ونفسك في ايه يا بنوتي البونبوناية ؟
قالت "ليلى" بصوت لا يكاد يُسمع:
ـ مش عارفه يا مامي اوافق ومش قادرة ارفض وحاسه اني عايزه كده فايه رايك اتوكل على الله لو انتي شايفة كده صح ، حاسة إني متلخبطة كدة ومتوترة ؟
اقتربت "شهيرة" منها وضمّتها إلى صدرها وطمئنتها :
ـ لو انتي مرتاحة وأنا شايفة ده هيريّح قلبك أنا مش هوقف قصاد سعادتك يا بنتي وبعدين طالما الحب موجود يبقى خطوه الارتباط لازم تتم نتوكل على الله وما تقلقيش انا جنبك يا بابا ومش هسيبك خالص .
وعلى الفور في اليوم التالي جاء "زيد" بصحبة والدته ووالده إلى بيت "ليلى" وكانت ملامحه مزيجًا من التوتر والشجاعة استقبله والد "ليلى" بترحاب حذر وكانت "شهيرة" تقف بجانب زوجها تنظر إلى ابنها المستقبلي بنظرة تقييم صامتة لكنها دافئة ،
تبادل الجميع التحية ثم جلسوا في غرفة الاستقبال التي عُدّت خصيصًا لهذا اللقاء المنتظر وبعد السلامات والأخذ والرد تحدث "زيد" أولًا بصوت هادئ متماسك رغم القلق الذي كان يتصاعد في صدره :
ـ أنا جيت أطلب إيد "ليلى" رسمي يا عمي أنا وهي متفاهمين من فترة واتكلمنا وقررنا إننا نبدأ خطوة جدية ونخطب سنتين على ما تخلص دراستها وبعد كده نبقى نحدد معاد الجواز .
نظر إليه والد "ليلى" نظرة طويلة ثم قال بنبرة مختلطة بين الجدية والتحفظ وهو يرى أن ابنته ما زالت صغيرة وامامها عدة سنوات في الجامعة :
ـ ليلى لسة بدري عليها قوي وهي لسه في أول سنة كلية ولسه قدامها كتير على ما تستقر وتفكر في الجواز .
رد "زيد" بهدوء فيه شيء من الإصرار :
ـ أنا فاهم حضرتك كويس وعارف إننا لسه في بداية الطريق بس أنا مش طالب جواز دلوقتي أنا طالب نكون على وضوح قدام الناس ويبقى بينا ارتباط رسمي فترة الخطوبة هتبقى للتعارف والتفاهم أكتر وهي تركز في دراستها وأنا هبقى سند ليها في كل خطوة متقلقش من النقطة دي خالص اطمن حضرتك .
تدخلت والدة "زيد" وقالت بنبرة أمٍ فخورة بابنها و بوجهٍ بشوش :
ـ والله يا جماعة إحنا جايين من بابنا لبابكم وعارفين إن "ليلى" بنت محترمة ومش هنلاقي زيها وإحنا من يوم ما "زيد" عرفها وبصراحة هو متغير وبقى عاقل أكتر ومسؤول ونفسي يستقر بجد ومش هنلاقي أحسن من "ليلى" .
نظرت "شهيرة" إلى زوجها وكأنها تخبره بصمت أن يترك المجال لقلب ابنته فالتفت إليها زوجها ثم نظر إلى "ليلى" التي كانت جالسة صامتة طوال الحديث ثم سألها بهدوء :
ـ ايه رأيك يا "ليلي" انتي موافقة يا بنتي؟
أطرقت "ليلى" برأسها ثم قالت بصوت خفيض يغلفه الخجل الشديد:
ـ اللي حضرتك تشوفه يا بابا .
تنهد والدها بعمق وقال بابتسامة:
ـ تبقى الابتسامة والخجل علامة الرضا ، خلاص يبقى على بركة الله نقرأ الفاتحة ونبقى نحدد معاد الشبكة والخطوبة .
امتلأ الجو فجأة بموجة من الراحة والدفء حين شعر الجميع أن الأمور قد استقرت ، ارتسمت على وجه "زيد" ابتسامة لا تخفى، وابتسمت "ليلى" بدورها بخجل وامتنان كأنها لا تصدق أنها انتقلت من لحظة الحيرة إلى لحظة القرار ،
بعد أن انتهى اللقاء الرسمي وجلس "زيد" مع "ليلى" على انفراد في ركن من أركان البيت الذي صار أقرب لبيته قال لها بصوت خافت وابتسامة مرهقة بالحب :
ـ أنا مش مصدق إنك بقيتي خطيبتي خلاص وبقينا لبعض والقلوب اطمنت وقربت .
هتفت "ليلى" وهي تخفي وجهها جانباً بتخبط وخجل :
ـ ولا أنا مش مستوعبة لحد دلوقتي وقلبي بيدق بسرعة أووي ، مش عارفه ايه الإحساس الغريب ده بالنسبة لي ؟
ضحك وقال :
ـ أنا فرحان أوي أوي والله وحاسس إني كسبت كنز وبالنسبة للإحساس الغريب اللي جواكي ده تبقي انتِ هتموتي عليا يا لولا ومش مستوعبة اللحظة الحلوة دي بس اطمني هروقك اطمئنان ده إنتي جاية في ملعبي .
نظرت إليه بخجل وقالت :
ـ وعد بقى تفضل جنبي طول السنتين دول ومتخلنيش أقصر .
رد عليها سريعاً :
ـ أنا مش هسيبك لحظة أنا كلي ليكي من أول يوم لآخر يوم في عمري .
ساد بينهما صمت مليء بالمعاني ثم هتف وهو ينظر في عينيها نظرة امتنان صافية :
ـ أنا هخليكي أسعد واحدة في الدنيا يا "ليلى" .
ابتسمت دون أن تتكلم لكنها كانت تعلم أن قلبها قد قال كل شيء وهي تجلس إلى جواره حيث هدأت الأصوات وانسحبت الأنفاس الثقيلة التي حملتها الأيام الماضية مع الضوء الخافت الذي يتسلل من المصباح الصغير، ينعكس على ملامحها الهادئة، وكأنها تحاول أن تتلمّس شعور الطمأنينة بعد زمنٍ من القلق والتردّد ، كانت عيناها تتابع حركات "زيد" بإمعان، بينما قلبها ينبض بخليط من الحياء والتشوّق وهي تسأل نفسها:
ـ هل حقًا انتهت مرحلة الألم؟ هل حان وقت الهدوء؟
أما "زيد"، فكان ينظر إليها وكأنها الحلم الذي انتظره طويلًا وكأنه يخشى أن تذوب أمامه إن لمسها بكلمة، كان يحبها في صمته، في عينيه، في طريقته التي يجلس بها وكأنها ملكته للتو ، شعر أن الكون قد قرر أخيرًا أن ينصفه، وأن يعيد له جزءًا مما خسره من روحه حين ابتعدت عنه وهو يتحدث بروح منهكة :
ـ أنا مش مصدق والله إننا قاعدين كده جنب بعض وبنتكلم في هدوء بعد اللي عدينا بيه وأننا خلاص قرينا فتحتنا .
كانت "ليلى" تبتسم بهدوء، لا تتحدث كثيرًا تترك له المساحة ليُخرج ما في قلبه فهي تعرف أن الحب لا يُقاس بعدد الكلمات بل بصدق اللحظات وتابع هو :
ـ كل مرة كنت بشوفك من بعيد كان قلبي بيتشد ليكي أكتر وكل ما تبعدي عني أكتر كنت بحس إني بنقص .
كان قلب "ليلى" يضـ.ـرب بقوة لكنها كانت تمسك بزمام مشاعرها تحاول أن تحافظ على هدوءها أمام اندفاعه الصادق لم تكن بحاجة إلى كلمات كثيرة لكن ملامحها قالت له كل شيء وهي تخبره وتؤكد له بعينيها ، أنا هنا، أنا باقية لك زيد لاتقلق واجعل قلبك يطمئن ليكمل هو :
ـ أنا بحمد ربنا على كل لحظة رجعتي فيها لحياتي بحمده على صبرك عليا وإنك وافقتي على علاقتنا وأوعدك مش هتندمي يا حبيبي.
ابتسمت "ليلى" وفي تلك الابتسامة عبَرت سنين من الانتظار، من الحزن، من المكابرة، وكأنها تخبره بعينيها ، أعلم كم تألمت، وأنا أيضًا تألمت وكان لسانها غير قادر على مجابهة ذاك العاشق الخبير ليكمل ولهه بها :
ـ نفسي نبدأ صفحة جديدة صفحة كلها حب ورضا وراحة نفسي أكون دايمًا سبب سعادتك .
شعرت "ليلى" بيدها ترتجف من شدة خجلها قليلًا فوضعت يدها في حجرها كي لا يلاحظ، كانت تتمنى أن تعبر عن حبها لكنها أرادت أن تحافظ على اتزانها الذي عُرفت به دائمًا ليبتسم على خجلها المفرط والذي يزيده لهفة عليها لأنها مختلفة حقا مختلفة :
ـ إنتي أجمل حاجة حصلت لي في حياتي ومفيش يوم عدى من غير ما أتمنى نكون مع بعض .
كانت نظرات "ليلى" تعانق عينيه، وفي عينيها ألف اعتراف لم يُنطق، وكأنها تقول:
ـ أنا لا أقاومك لأنني أرفضك، بل لأني أحبك وأخشى أن أخسرك مجددًا وهو ما زال مكملا :
ـ هقف جمبك في كل حاجة هسندك وهشيل عنك التعب وهم الدراسة وكل خوف حسيتي بيه قبلي هعوضهولك ياحبيبي.
رفعت "ليلى" عينيها ونظرت إليه طويلًا، ثم هزّت رأسها بهدوء، ولم تقل شيئًا، لكنها كانت تقول الكثير تلك النظرة كانت اعترافًا، كانت وعدًا وكانت بداية لرحلة جديدة، عنوانها: نحن معًا ، لتعاند خجلها أخيرا وتنطق بشفاه ترتعش بتأثر :
ـ وأنا قبلت ورحبت وفتحت قلبي ليك يا "زيد" وزي مانت سعيد ومبسوط لارتباطنا أنا مقلش عنك .
ـ أنا محتاجك جنبي يا "ليلى" طول العمر محتاج حبك وهدوءك وطريقتك في طبطبة الدنيا عليا .
أغلقت "ليلى" عينيها لثوانٍ، ثم فتحتهما ببطء وكأنها تمنح نفسها الإذن لتبدأ من جديد، لتنزع عن قلبها بقايا الخوف، ولتمنحه فرصة ثانية يستحقها :
ـ و"ليلى" بقت لـ"زيد" وهتطبطب على قلبك وروحك وهتوريك منها اللي تتمناه ويزيد .
بنبرة خافتة وبسمة حالمة بالحب:
ـ أنا هخاف عليكي أكتر من نفسي وهحافظ عليكي من أي وجع جاي وهعيش عشانك .
ابتسمت "ليلى" وفي ابتسامتها نور أضاء المسافة بين قلبيهما، كان المشهد بسيطًا، لكن المشاعر التي سكنت تفاصيله كانت كبيرة، كانت تُبنى عليها حكايات لا تنتهي ،
ثم صمت كلاهما ليس عن عجزٍ في التعبير بل لأن القلوب حين تتكلم ،تعجز الألسنة عن اللحاق بها وهكذا بدأ المساء يحمل في طياته وعدًا صامتًا بأن القادم سيكون أجمل، بأن الحب حين يُروى بالصدق ينبت في أرض القلوب أمنًا وسلامًا وكانت النظرات تهتف بمشاعر موقدة وها هي استقامت الأفئدة أخيراً بعد عـ.ـذاب وانتظار طال لكليهما وأصبحت الليلى لزيدها وصدق وعده بتمسكه بها .
***********
لم تكن الزيارة عابرة ولا كأي زيارة سابقة اعتادت عليها "أم حنين" لابنتها المتزوجة حديثًا في بيتها الصغير الهادئ كانت نظراتها تخترق قسمات وجه "حنين" وكأنها تحاول فك شيفرة التعب المختبئ خلف ابتسامتها المرتبكة خطواتها الواثقة في دخول البيت توقفت فجأة حين التقت بعيني ابنتها المطفأتين بعض الشيء فتقدمت منها وجلست قبالتها تمد كفها لتمسك بيدها تشعر بها ،
لم تفلت منها لحظة واحدة كانت تراقب وجنتيها اللتين ذبلتا عن المعتاد صوتها كان هامسًا خافتًا كأنها تحاول تجنب شيء ما يثقل قلبها كانت "حنين" تحاول التظاهر بالقوة إلا أن نظرات أمها كسرت هذا الستار سريعًا ،
اقتربت "أم حنين" أكثر وهي تمسح على ظهر يد ابنتها ثم قالت بهدوء :
_مالك يا بنتي وشك شاحب كده ليه فيكي حاجة ولا تعبتي من الحمل ؟
رفعت "حنين" نظرها نحوها ببطء ثم تنهدت في صمت قبل أن تهمس :
_لا يا ماما التعب مش من الحمل التعب من الزعل اللي كان بيني وبين "هاشم" .
اتسعت عينا الأم وارتفع حاجباها بدهشة وهي تميل برأسها قليلًا للأمام كمن يطلب مزيدًا من الإيضاح :
_ زعل ايه يا بنتي كفى الله الشر في ايه حصل ؟
تنهدت "حنين" مرة أخرى وأشاحت بنظرها نحو النافذة ثم قالت بصوت خفيض ممتزج بالوجع :
_احنا اتخانقنا يا ماما من أكتر من شهر هو زعل مني قوي وسبني وكان مابيرضاش يكلمني ولا ياكل معايا ولا حتى يبص في وشي ولما رجع البيت بعد أسبوع مكنش اتغير لسه زعلان وكل ماحاولت أصالحه كان ساكت مقفول ومش عايز مني حاجة .
ازداد قلق الأم وهي تشد على يد ابنتها ثم قالت بنبرة قلق :
_وزعل ليه كده جامد ايه اللي خلاه يوصل للدرجة دي يا "حنين" ؟
هنا تنهدت "حنين" بحرقة وأجابت بخزى من حالها وهي تومئ برأسها للأسفل:
_لإنه عرف إني لما كنت تعبانة في الشغل واحد زميلي هو اللي وصلني بالعربية ولما دخلت البيت كنت فاقدة الوعي وطلعني شقتي شالني بنفسه .
سكتت فجأة وكأنها تخشى من رد فعل أمها وتلّون وجهها بحمرة خجل وألم في آن واحد ،
ظلت الأم تنظر لها طويلًا دون أن تنطق ثم أزاحت يدها بهدوء من على يد ابنتها وأخذت نفسًا عميقًا وكأنها تحاول كتم ما يتأجج في صدرها من مشاعر متضاربة قبل أن تقول بصوت منخفض يحمل العتاب والحزن :
_يا بنتي يا حبيبتي هو ايه اللي يخليكي تعملي كده من غير ما تراعي "هاشم" ولا تفكري في إحساسه انتي نسيتي إنك بقيتي متجوزة وإن جوزك راجل شرقي وبيغير عليكي ومش سهل عليه خالص يشوف مراته في موقف زي ده ازاي جالك الجراه انك تعملي كده يا "حنين" انا ما ربتكيش على كده ؟
تراجعت "حنين" بجسدها للوراء ووضعت يديها على بطنها وقد طأطأت رأسها وقالت بصوت منكسر :
_مكنش قصدي والله يا ماما ده غصب عني أنا كنت تعبانة ومكنتش قادرة أتحرك ولا حتى أشوف حواليا ما كنتش عارفة افكر ولا اتصرف ازاي واللي حصل حصل .
رفعت الأم حاجبيها وقالت بلهجة صارمة تحمل في طياتها حنان الأم وخوفها :
_وانا عارفة انك مغلوبة على أمرك بس برضه كان لازم تبقي حريصة أكتر من كده مفيش حاجة اسمها زميل يشيلك ويطلعك شقتك وانتي متجوزة دي حاجة مش هتدخل عقل أي راجل يا بنتي وبالذات واحد زي "هاشم" اللي عمرنا ماشوفناه قصر معاكي في حاجة ده ساب بيته وأمه واخواته علشان كانوا بيضايقوكي وعلشان يريحك تقومي انت تعملي كده
ارتجفت شفتا "حنين" وبدأت دموعها تسيل في صمت وارتجف صوتها وهي تقول:
_أنا تعبت يا ماما قوي كنت بموت من الزعل وهو مكنش راضي يكلمني وأنا شايفاه بيتعذب قدامي بس مش قادر أسامحني .
وضعت الأم يدها على كتف ابنتها وربتت عليه بلطف وهدأتها :
_كل ده حصل عشان هو بيحبك وبيخاف عليكي لكن لازم تتعلمي إن الراجل ليه حدود للزعل والغضب ولو مراته وجعته مرة صعب ينسى بسرعة لازم الزوجة تبقى طوع لزوجها تسمع كلامه وتحافظ عليه وتخاف على زعله الراجل مش زي البنت يا "حنين" الرجالة دماغهم ناشفة وكرامتهم غالية قوي خصوصًا لما يحب بصدق زي "هاشم" .
رفعت "حنين" رأسها تنظر إلى أمها بعينين دامعتين ورددت بصوت مرتجف :
_أنا عارفة يا ماما بس أنا مكنتش قادرة أعيش من غيره كل لحظة كنت بشوفه زعلان فيها كانت بتكسرني .
ربتت الأم على يدها مرة أخرى وقالت بنبرة أهدأ مليئة بالطمأنينة :
_وهو كمان مش هيقدر يعيش من غيرك شوفي بقى انتي حامل وهو رجعلك خلاص ورضي عليكي حافظي على رضا جوزك يا بنتي عشان الحياة مبتتحملش الزعل الكتير وراعيه واتعلمي ان حياتك قبل الجواز غير بعدها وانتي دلوقتي مراته وشريكة عمره وكل تصرف منك محسوب مش بس عليكي لا كمان عليه .
هزت "حنين" رأسها في استسلام وحزن وارتسمت على وجهها ملامح الندم العميق وقالت بهمس :
_عندك حق يا ماما أنا فعلا غلطت وكان لازم أفكر فيه قبل ما أتصرف كده .
ابتسمت الأم أخيرًا وربتت على خدها قائلة :
_وأنا واثقة إنك هتتعلمي من اللي حصل وهتكوني أحسن وأقرب ليه من أي وقت فات .
هنا رفعت "حنين" عينيها مجددًا وقد أضاءت فيهما لمعة أمل وامتنان واحتضنت والدتها بقوة وكأنها تعتذر وتستنجد في ذات اللحظة وكل شيء في قلبها يردد أنها لن تسمح مرة أخرى بأي شيء يفرقها عن "هاشم"
**********
انتهى المأذون من تلاوة الدعاء الأخير، وسادت الغرفة لحظة صمتٍ قصيرة كأنها لحظة التقاط أنفاسٍ من زمنٍ طويل من الانتظار، قبل أن تنفجر الزغاريد وتتناثر المباركات بين الأهل ،
الأيادي تتصافح والعيون تلمع و"نور" تجلس إلى جوار "يحيى" متوشحة بالسكينة لكنها من الداخل كأنها قلبٌ يخفق على حافة السماء ،
كان "يحيى" يلتفت إليها ببطء يتأمل ملامحها كما لو أنه يراها أول مرة وربما حقًا كان يراها الآن لا كأخته الصغيرة بل كامرأةٍ وهبها الله له من حيث لا يحتسب ،
تقدّم والدها وقبّل رأسها في صمتٍ ثقيل، ثم نظر إلى "يحيى" نظرة امتنانٍ لم تخلُ من الدموع كان يعلم ما حمله ابن شقيقة زوجته من عبء المواساة والحماية والحب، دون أن يبوح ودون أن يتورط إلا حين أصبح التورط خلاصًا
والد "يحيى" بدوره ضغط على كفّ ابنه، وهمس في أذنه بشيء لم يسمعه أحد ثم طبع قبلة على جبين العروس ثم انسحب الجميع ليتركا المقعدين وحدهما وكأن هذا الكون كله انحسر ليبقى لهذين القلبين المتأخرين في اللقاء، السريعين في الحُب ،
جلس "يحيى" بجوارها، واضعًا يديه بين كفيه عينيه لا تفارقها لكنها تحمل ترددًا نادرًا عليه كأنه لا يزال يلوم نفسه أنه لم يرها إلا الآن، بعد أن مرّ بها ما مرّ وبعد أن صارت ملامحها تُشبه المرأة أكثر من البنت ،
ثم قال بصوتٍ خفيضٍ تتخلله غصة اعتذار لم يُعلنها:
ـ أنا مش عارف كنت فين من بدري، كنت شايفك أختي الصغيرة، بنت خالتي اللي دايمًا بتجري ورايا في البيت ما كنتش شايف عيونك المليانة حب دول ازاي ، ما كنتش حاسس إنك شايلة حب كده جواكي
بس لما بعدتي لما اتوجعتي لما طلعتي من حياتي فجأة قلبي اتوجع بطريقة عمري ما فهمتها ساعتها .
نظرت إليه "نور"، ولم تُعلّق اكتفت بابتسامة خافتة تحمل كل الحكايات التي لم تُروَى كل الأيام التي أحبت فيها صوته، حضوره، صمته، وحتى حمايته لها حين كانوا أطفالًا، ولم يكن يعلم ، ثم قالت بصوتٍ هادئٍ يلامس روحه:
ـ أنا كُنت بحبك زمان، من قبل ما أفهم يعني إيه حب، كنت بحس إني بتشد ليك حتى وأنا مش فاهمة السبب ، كنت لما تنده لي من آخر الشارع أسيب كل حاجة وأجري ،
كنت بحس إن ضهرك ده هو أكتر حاجة في الدنيا بتحميني، وكنت خايفة أقول لنفسي إني بحبك لحسن أبص ألاقيك شايفني عيلّة صغيرة زي ما كنت دايمًا بتقول .
أغلق "يحيى" عينيه لوهلة كأن تلك الكلمات تدخل قلبه كنسمة دافئة فيها دفء الحقيقة المؤجلة والمُصارحة المنتظرة ثم أمسك يدها بهدوء وتحدث بعشق:
ـ أنا اتغيرت لما شفتك بتبكي من وجع مش أنا سببه ، اتغيرت لما بقيت عايز أجري وأحضنك من غير ما أسأل نفسي ليه ،
أنا اللي كنت فاكر إني شايلك في قلبي كأخت، لقيتني شايلك كأمان، كحبيبة، كست حقيقي
والنهاردة وإنتي مراتي حاسس إني أخدت فرصتي التانية وخدت عمري اللي كنت غافل عنه .
ارتعشت يد "نور" في يده ثم قالت بصوتٍ خافتٍ مبحوحٍ بالدهشة:
ـ أنا فاكرة كل لحظة كنت ببص فيها عليك لما نكون مع بعض وتمشي وأنا ورايا حاجات كتير نفسي أقولها ، كان قلبي عايز يصرخ ويقولك إني بحبك بس كان بيخاف يخسرك ،
كنت بقول كفاية تبقى في حياتي حتى لو مش ليا .
اقترب منها قليلًا، عيناه الآن تلمعان بشيء بين الرجولة والندم والعشق المكتوم ثم قال:
ـ وأنا النهاردة بقولك من قلبي إنتي ليا مش مجرد قريبة ولا بنت خالة ولا أخت
إنتي حبيبتي اللي كنتي مستخبية جواي، وإحساسي بيكي ماطلعش فجأة ،
ده كان نايم وأنا اللي كنت غفلان عنه، بس صحيت، صحيت لما شفتك بتبعدي عني
وصحيت أكتر لما عرفت إنك بتستني مني كلمة وأنا مأخرتش غير عمري كله .
كانت "نور" تبكي دون أن تنزل دموعها كان جسدها يرتجف في حضرة الصدق في حضرة حُبٍّ طال كتمانه حتى انفـ.ـجر دفعة واحدة ،
ثم قالت له بصوتٍ يحمل عمرًا كاملًا من الانتظار:
ـ أنا عشت كتير أتمنى اللحظة دي، أتمنى أسمع الكلام ده منك بس كنت دايمًا بقول هو عمره ما هيبص لي غير كأخت ،
كنت ببص لنفسي في المراية وأسأل، هو شايفني زي ما أنا شايفاه؟
دلوقتي بس عرفت إن ربنا كان بيجهزني ليك، ويجهزك ليا .
مدّ "يحيى" يده ومسح على شعرها برفقٍ كأنه يُربت على ذكرى حزينة يُطمئنها أن الماضي انتهى وأن كل شيء قادم سيكون أجمل ثم تحدث بهمسٍ عميق:
ـ أنا وعد، وعد قدام ربنا، وقدام الناس كلها
إني أعوضك عن كل لحظة وِحدة، كل ليلة بكا، كل يوم ظلم، كل ذكرى تعبتي فيها
مش هخلي حاجة تكسر قلبك تاني، ولا عين تدمعك، ولا حتى غلطة تتكرر
إنتي خلاص بقيتي مراتي يا نور وإنتي دنيتي اللي جاية كلها .
في تلك اللحظات كان الليل قد بدأ يُلقي بظلاله على الغرفة الهادئة، والأنوار الخافتة تنسج حول العروسين غلالة من دفءٍ لا يُوصف ، وهما يجلسان سويًا على الأريكة التي طالما جمعتهما في بيت العائلة، لكنها الآن تشهد ولادتهما من جديد رجلًا وامرأة ، زوجًا وزوجة قلبين التقيا بعد طول دوران ،
"نور" كانت تنظر إليه نظرة ممتزجة بين الخجل والامتنان، وفي عينيها امتدادٌ لطفلة كانت تراه كل عالمها، وامرأة صارت تملكه أخيرًا "يحيى" مدّ يده بهدوء فتشابكت أصابعها بأصابعه كما لو أنها كانت تنتظره منذ دهر وعندما ضمها إليه قليلًا شعرت بأن الأرض تذوب تحتها وكأنها ليست فوق مقعد بل في حضن الأمان الأبدي ، صوته خرج أكثر دفئًا، كأنه يهمس في قلبها لا أذنها وهمس بصوت مبحوح متأثر بقربها :
ـ عارفة يا نور أول مرة بصيت لك بعد الطلاق بعين مختلفة حسّيت إني مكنتش شايف
كنت شايفك عيلّة بتجري حواليا وأخوها الكبير بيحن عليها ،
بس لما رجعتي بيتنا والوجع في عينيكي سبق خطواتك حسّيت بحاجة خبطت في قلبي
وكل مرة كنتي بتضحكي قدامي رغم كسرتك كنت بحس إني عايز أحضنك وأقولك مفيش حاجة تستاهل دموعك .
أنزلت "نور" رأسها خجلًا من هذا الاعتراف الصريح لكنها لم تُفلته يدها لا تزال في يده بل زادت إحكامًا وكأنها لا تصدق أن هذه اللحظة ليست حلمًا آخر ثم هتفت بصوتٍ مبللٍ بالعشق:
ـ أنا كنت بستناك من سنين يا "يحيى" حتى وإنت مش داري بيا كنت بقول لنفسي يمكن في يوم تبص لي وتفهم
بس كنت ببص لنفسى في المراية وأقول يمكن مش حلوة كفاية يمكن هو شايفني بس قريبة
وكل يوم كنت بضحك قدامك وأنا قلبي بيتقطع جوايا علشان مكنتش عايزة أبان ضعيفة قدامك .
ضمّها "يحيى" إليه ببطء، حتى استقرت رأسها على صدره، وساد بينهما صمتٌ جميل، من ذلك النوع الذي لا يحتاج إلى كلمات، لأن كل شيء قد قيل بالقلوب ،
ثم مرّر يده على شعرها بلطف وقال:
ـ أنا مش هنسى يوم رجعتي للبيت وعينيكي كانت مطفية كنت حاسس إني لازم أعمل حاجة ، كنت بتكسر قدامي وأنا مش قادر أطبطب ، بس لما بقيتي جنبي بدأت أفهم إني مش قادر أسيبك تروحي تاني ،
أنتي مش بس بنت خالتي أنتي روحي اللي كانت حواليا وأنا مش شايف ،
ودلوقتي بس فهمت إنك كنتي مستنياني من بدري .
رفعت "نور" رأسها ونظرت إليه بنظرة ممتلئة بالحب والصدق، ثم قالت:
ـ أنا كنت ببكي من غير صوت كل يوم لما بشوفك مش شايفني وكنت بفرح وأنا بطبخ مع ماما وإنت تقعد تاكل من إيدي من غير ما تعرف إن قلبي بيجري ورا كل حركة منك
ولما كنت تمرّ جنبي وتقول لي صباح الفل كنت بعيش على الكلمة دي يوم كامل ،
أنا كنت عايشة على فتافيت وجودك يا يحيى ومش مصدقة إنك بقيت ليا .
اقترب منها أكثر ثم أمسك وجهها بكفيه نظر في عينيها نظرة ثابتة، كأنه يبحث عن شيء لا يريد أن يضيع بعد الآن :
ـ أنا عارف إنك اتظلمتي كتير واتكسر قلبك واتقهرتي بس من النهاردة مفيش وجع تاني مش هسمح لدمعة تنزل منك إلا لو فرح
ومش هعدي يوم إلا وإنتي مطمنة إنك غالية ومحبوبة ومصانة ،
أنا هبقى ضهرك اللي عمرك ما تتكسري عليه وسندك اللي عمرك ما تقعي من غيره .
أغمضت "نور" عينيها، وبدأت دموعها تتسرب في صمت كأنها تغسل سنينًا من الانتظار، وكل لحظة وجع مرت بها ، ليقترب منها وهو يقبلها لأول مرة من عينيها الدامعتين مما جعل صدرها يتخبط بين ضلوعها وقالت له بصوتٍ منخفضٍ متقطع:
ـ أنا كنت فاكرة إني مش هعرف أضحك تاني ولا أفرح تاني ولا أحس إني ليا حد
بس لما لقيتك بتقرب وتطبطب وتسمعني من غير ما تحكم حسّيت إن الدنيا ممكن تضحك لي من تاني
إنت مش بس بقيت جوزي يا "يحيى" إنت كل اللي كنت بدعي ربنا يرزقني بيه وأنا بعيط بالليل لوحدي .
رفع يده ومسح دموعها برفق ثم قبل جبينها قبلة طويلة خالية من أي رغبة سوى الأمان وقال:
ـ وعد مني يا نور تفضلي فرحانة وأنا جنبك وعد إني أعوضك عن كل لحظة حرمان عيشتيها ، مش هبص ورا تاني ولا هسيبك تبصي، إحنا ابتدينا حياة جديدة مفيهاش وجع فيها بس إحنا .
في تلك اللحظة سادت بينهما راحة لم يعرفاها من قبل كما لو أن القلبين كانا يدوران في فلكٍ متباعد حتى اجتمعا أخيرًا على ذات الأرض.
كانت "نور" تُمسد على كفه بكفّها الرقيق، تبتسم ابتسامة لا تشبه ما سبق من ابتساماتها، ابتسامة امرأة أيقنت أن الحب حين يأتي في موعده، لا يعود متأخرًا أبدًا حتى همست له بكلماتٍ ناعمة:
ـ أنا مش عايزة حاجة من الدنيا غير حضنك يا "يحيى" ، حضنك اللي كنت بحلمه من وأنا عندي عشر سنين ومكنتش بجرؤ أقرب
أنا دلوقتي في حضنك ومعاك وجنبك وكل لحظة جاية هي ملكنا إحنا وبس .
أغمض "يحيى" عينيه ثم طبع قبلة رقيقة داخل باطن يديها و كأنه يوقّع بها عهدًا جديدًا، ليس فقط بالعشق، بل بالرحمة، وبالوفاء، وبالبقاء ، ولأول مرة شعرت "نور" أن الكون بأكمله صامت كأن الله خلق هذه اللحظة لأجلها، لأجلهم معًا.
احتضن "يحيى" "نور" بين ذراعيه ببطء ورقة كأنهما يعانقان الحياة نفسها بعد غياب طويل عن الأمان الذي طالما افتقداه ،كان حضنه الأول لها كما لو أنه ملاذٌ لا يجرؤ الضعف على دخوله ملء بالدفء الذي يذيب برد الماضي ويحيي روحًا شاخت من طول الغياب ،
شعرت "نور" بنبضات قلبه تنساب إلى قلبها وكأنهما نسجان واحد لا ينفصل لا بل تماهيا في لحظة تتحدى الزمن، كان حضنه محاطًا بهالة من الحنان تجلت في كل لمسة وكل تنفسٍ بدا كأنه يعدها بأمانٍ أبدي.
ثم مد "يحيى" يديه لتحتضنها أكثر وأصبح الهواء المحيط بهما كأنه نبض حياة جديدة تولد في هدوء الليل ،دفء جلده على جلدها كان كإشراقة شمس تشرق على أرض عطشى بعد برد الشتاء القارس ، انسابت يداه في خصلات شعرها الناعمة التي تذوب بين أصابعه كما يذوب الثلج تحت الشمس ، كان حضنه حديثًا للعالم بأسره أن هناك قصة حب حقيقية لا تُنسى ولا تُمحى ،
أحست "نور" أنها تغوص في عالم مختلف، عالم لا مكان فيه للألم ولا للشك ولا للخوف. كان حضن "يحيى" هو البرج المحصن الذي تلجأ إليه بعيدًا عن عواصف الحياة، هو البحر الهادئ الذي يغسل كل جراحها بصمت محبة لا يُضاهى ، اختلطت أنفاسهما في تناغمٍ لا تُحدّه كلمات، وامتدت لحظة الاحتضان كأنها أبدية تأبى الانفصال ،
تنهّد "يحيى" وهمس لها بنبرة مفعمة بالحنان:
ـ حضني ده يا "نور" مهوش بس مكان نلاقي فيه الأمان ده عهد مني على طول العمر ما أسيبكش أبدا ، كل لحظة هتفضلي فيها معايا هتكون عيد لكل تعب عديتيه وكل دمعة نزّتيها
كان صوته دافئًا يحمل في طياته حكايا لم تُقال من قبل عن وفاء لا ينكسر وعشق يستمر حتى بعد كل ما مضى ،
كانت "نور" تشعر بنبض قلبه يتسارع مع نبض قلبها وكأنهما ينسجان قصة ولادة جديدة للحب على أرض كان مسجى بها حطام الجراح ثم أجابت بنعومة وصدق عميق:
ـ حضنك يا "يحيى" له طعم جميل ظ
كأنه وعد بالفرح والدفا والأمان اللي عمره ما كان موجود ، أنا حاسة إني لقيت وطن قلبي وأمان روحي اللي كنت بدور عليهم طول عمري .
مد "يحيى" يده ليحتضنها أكثر حتى صار كل جسدها يلتصق بجسده كأنهما قطعة واحدة من روح واحدة لم تكتمل إلا بلمسة بعضهما ، شعرت "نور" بأن الزمن يتوقف عند هذا الحد، حيث لم يعد هناك شيء سوى حبهما وصمتهما المتواصل ،ثم قال بصوت خافت لكنه مثقل بالشوق:
ـ أنا ما كنتش فاهم قبل كده إن الحب ده ممكن يكون عميق كده بس لما قربت منك وحضنتك بقيت أحس إن الدنيا كلها بتضحك ليه ،
حضنك ده ليه طعم الدفا اللي كنت محتاجة ومش لاقيه في أي مكان
ابتسمت "نور" وهي تبلل شفتيها بنظرات ملؤها الامتنان والشوق وقالت:
ـ كنت عايزة حضن زي ده من زمان قوي قوي
حضن يدفيني ويحميني من كل وجع
حضنك ده خلاني أحس إني بحب وبحس بالحب لأول مرة في حياتي .
احتضنها "يحيى" بقوة أكبر وكأن هذا الحضن هو وعده الأخير لها، وبداخل قلبه كان هذا الاحتضان تعبيرًا عن تعويض كل لحظة فقدان وكل ألم ذاقه هو وهي، وكلما اقترب أكثر كان يشعر بأن الحب الذي نما في داخلهما هو أعظم من كل الكلمات، أعظم من كل الأحلام.


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close