اخر الروايات

رواية مشاعر موقدة ( ربما تستقيم الافئدة ) الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم فاطيما يوسف

رواية مشاعر موقدة ( ربما تستقيم الافئدة ) الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم فاطيما يوسف 


كانت شمس يوليو تتسلل من خلف الستارة الخفيفة، تنعكس على الجدار بلون برتقالي خافت، يضفي على الحجرة لمسة دافئة تشبه حضنًا مفتوحًا بعد يوم طويل لم يكن في الشقة سوى قلبين حائرين ،
جلس "هاشم" على طرف الأريكة وقد بدت عليه علامات الإرهاق بعد يوم عمل شاق، بينما كانت "حنين" تجلس على الأرض مسندة ظهرها على الأريكة نفسها تمسك كوبًا من العصير وتحركه بإصبعها دون أن تشرب منه وكأن عقلها تائهاً في شئ ما ، الجو كان حارًا ولكن ليس هذا ما كان يُثقل قلبها ،
كان الصمت بينهما ليس غريبًا بل معتادًا "هاشم" لم يكن كثير الكلام وهي دوماً كانت تصطنع الرضا لكنها الليلة لم تستطع أن تكتم ضيقها أكثر ، أغلقت التلفاز بصمت ومالت برأسها إلى الخلف حتى استقرت على ساقيه
ثم قالت بصوت ناعم لكنه مثقل بالتساؤل:
ـ "هاشم" هو إنت مبسوط معايا وحياتنا اللي احنا عايشينها مع بعض بالشكل ده مريحاك او مش حاسس ان في حاجة ناقصاك في علاقتنا ؟
رفع حاجبيه بتعجب بسيط ثم مسح على شعرها بلطف ثم قال بنبرة مستكينة وهو لم يفهم سؤالها بعد ولا حتى موضعه في الحديث بينهما ومن أين أتت بذاك الفكر في هذا التوقيت :
ـ هو في حاجة أو أنا مضايقك في حاجة يا "حنين" علشان تسأليني الأسئلة الغريبة دي أظن أنا ريحتك وريحت أعصابي من وجع الدماغ اللي احنا كنا عايشين فيه في بيت العيلة وبعدنا وبعدتك عن كل حاجة وحشة ايه لازمته السؤال ده بقى ؟
رفعت رأسها لتواجهه ، عيناها كانت فيهما لمعة غير معتادة، ليست لمعة غضب، بل لمعة شجن متراكم لتنطق بقلب حائر :
ـ لا مش حكاية مضايقني ، بس أنا ساعات بحس إني لو ما اتكلمتش معاك، مش هتعرف اللي جوايا، وساعات تانية بحس إني حتى لو اتكلمت برضه مش هيوصل لك اللي جوايا .
هاشم بعدم فهم لما تشعر به وما يحيرها ولا يعرف ما يدور في عقلها :
ـ طب فهميني ، قوليلي عشان أفهم بجد طريقة كلامك كلها ألغاز هو أنا مقصر معاكي في حاجة ؟
اظن احنا ماشيين تمام ايه لازمته المشاعر الحزينة اللي انا حاسسها في نبرة صوتك واللي شايفها في نظرة عيونك دي يا "حنين" ؟
ليه حابه تتعبي نفسك وترهقي اعصابك في تفكير وحاجات كلها مؤذية للنفس ما احنا ميه ميه اهو ومستقرين نفسيا .
أجابته بلسان ثقيل متعب وداخلها ينهار على عدم فهمه لها ثم أرجعت خصلة شاردة على عينيها خلف أذنها وهي تهتف بحيرة :
ـ هو أنا بس... بقالي سنه متجوزاك وكل يوم بعد التاني بحاول أقرب، أفتح معاك كلام، أضحك ، أقول لنفسي يمكن هو كده ، يمكن طبعه هادي ، بس قلبي بيوجعني كل لما افتكر إنك عمرك ما قلتلي كلمه "بحبك"رغم اني قلتها لك كتير ،
وتابعت بعيناي حزينة وهي تشعر بالخجل من حالها في أن تطلب منه ذاك الطلب :
ـ تصور يا "هاشم" من ساعة ما عرفتني واحنا مخطوبين وحتى واحنا متجوزين عمرك ما قلت لي الكلمة دي رغم إنها مهمة جداً في علاقة الراجل بمراته ورغم انها المفروض تطلع من الراجل لمراته في كل الأوقات ما بينهم وفي لحظاتهم الخاصة إلا إنك عمرك ما قلتها لي ، عمرك ما نطقتها ، عمري ما شفت شفايفك بتتحرك بيها ليا ، ما تتصورش الموضوع ده مسبب لي حيرة واختناق قد ايه ،
ثم أخفضت بصرها للأسفل وهي تبلل شفتيها الجافتين من شدة إحراجها منه :
ـ حتى وانا بطلبها منك دلوقتي ان انا نفسي أسمعها منك حاسة ان انا زي ما اكون مرمية بمشاعري قوي عليك لأن المفروض تطلع منك من غير ما انا ما اقول او أطلب حاسة بالخجل قوي من نفسي وانا بقول لك الكلام ده .
صمتَ "هاشم" لم يتوقع منها هذا الطلب، أو ربما كان يتوقعه لكن يهرب منه ، نظر بعيدًا للحظة، كأنما يبحث عن الكلمات بين خطوط السقف ، تناهى إلى سمعه صوت أنفاسها المتقطعة، تلك الأنفاس التي تحمل ما هو أكثر من التعب لم تكن تطلب كلمات حب عابرة، بل تطلب طمأنينة ، تطلب أن تُرى، أن تشعر بأنها محبوبة ،
ثم اقترب منها، وجلس إلى جوارها على الأرض، أسند ظهره على الأريكة وقال بصوت مبحوح وهو يشعر بالندم حقا على أنه أوصلها لتلك الدرجة من الحرمان :
ـ أنا آسف عارف إني ما بقولهاش، بس والله العظيم مش علشان مش حاسسها أنا كل يوم بحسها، بس يمكن مش بعرف أقولها زي الناس ، او يمكن شايف ان الحب افعال مش اقوال شايف ان انا بقولها وانت في حضني وبين ايديا وانا بحسسك انك أجمل وأحسن وألطف وأرق بنت في الكون او يمكن علشان شايف ان الكلمه دي اقل من اللي انا حاسس بيه ناحيتك يا "حنين" ما تتصوريش انت بالنسبه لي ايه انت بالنسبه لي أكتر من كلمة الحب والعشق والغرام انا ما تصورش حياتي من غيرك .
"حنين" بصوت مكسور :
ـ بس أنا مش زي الناس، أنا محتجاك تقولها لي قوي ، أنا اللي كنت بحارب لوحدي وسط بيت ماكنش عايزني، وأنا اللي اتحملت وسكت وعديت كل ده علشانك كنت مستنية بس منك كلمه واحدة تبرد اللي جوايا.
مرت لحظة صمت لكنها كانت مليئة
بالاعترافات غير المنطوقة نظر إليها "هاشم" طويلًا وكأنه كان يراها لأول مرة تذكر لحظة زواجهما، يوم دخلت عليه بثوب أبيض وابتسامة خجولة ثم أخذ نفسًا عميقًا وهو يرفع وجهها اليه بيد تتلمس وجنتيها بحنو ولسان يتفوه بصوت مبحوح :
ـ بصي لي يا "حنين" أنا يمكن مش بعرف أقول الكلمه دي مش عشان هي قليلة لا ؛ عشان أنا لما أقولها تبقى طالعة من قلبي بجد، مش بس علشان تطمني بس والله، والله ،
ثم اقترب منها وأسند جبهته بجبهتها وعينيه المشتاقة لقربها دوماً تستقر بنظرها داخل عينيها بنظرة وله منه لها مرددا تلك الكلمة لأول مرة بهمس أجش :
ـ أنا بحبك ، بحبك من أول لحظة شفتك فيها، ومن وقت ما ما عملت صدفه مقابلتنا في البارك وقت لما عرفت ان انت رايحه انت واصحابك جيت مخصوص علشان اقابلك فاكره اليوم ده لما قلت لك ايه الصدفة دي ؛ وقتها ما كانتش صدفة ، وقتها انا اللي كنت مرتب إن أنا أقابلك وانا اللي كنت مرتب ان انا اشوفك وقعدت أدور عليكِ في المكان علشان أشوفك في اليوم ده واتكلم معاكي وانهي معاكي حوار الخطوبة وان احنا نكون لبعض وكل يوم بحمد ربنا إنك مراتي .
ارتعشت شفتاها، لم تكن تتوقع أن تسمعها أخيرًا، ولم تكن تتخيل أنها ستؤثر فيها بهذا الشكل وترك كل شيء قاله عن صدفته وتمسكت بالكلمة التي أخيراً نطقها هاشمها من شفتيه ولاول مره تسمعها منه لتنطق بصوت متأثر هائم :
ـ قولها تاني ، بالله عليك قولها تاني أنا قلبي اتطمن لما سمعها منك صدقني مهما اقول لك واوصف لك قد ايه الكلمه دي رفعتني لسابع سنه دلوقتي مش هتصدق .
" هاشم" بابتسامة لأول مرة تكسر جموده وهو يعيدها على مسامعها ويحتضن وجنتيها بين كفاي يديه بإحساس مفرط :
أنا بحبك يا "حنين" وبحب كل حاجه فيكِ حتى لحظات ضعفك ، وبحب إنك بتحاولي دايمًا تفهميني حتى وأنا مش بعرف أشرح.
"حنين" وهي تمسح دموعها التي بللت يديه المحتضنة لوجنتيه :
ـ أنا مش عايزه حاجة تاني، غير إنك تفضل تحبني كده وتقولها لي كل لما تحس إني بنطفي نفسي اسمعها على طول من كتر ما انا اتمنيت اسمعها منك نفسي ما تبطلهاش يا "هاشم" وفي كل وقت تقولها لي .
مرّت دقائق وهما جالسان لا يتكلمان، بل يكتفيان بهذا الصدق الذي ملأ المكان دفئًا كأن تلك الكلمة الصغيرة 'بحبك' كانت مصباحًا أضاء ما أظلم من شعورها، وداوى ندوبًا تشكلت بصمت ،
ثم مد يده إليها أمسك بكفّها الصغير وطبعه قبلة عاشقة داخلهما أذابتها بشدة وقال معتذرا بندم حقيقي :
ـ أنا آسف على كل مرة سكت فيها وكان المفروض أتكلم ، آسف إني سبتك تحسي إنك لوحدك بس من النهاردة كل مره قلبك يوجعك، قولي لي وأنا أوعدك ما اسكتش تاني.
" حنين"بابتسامة خجولة وهي تشعر أنها بحلم ولم تصدق حالها لرقة "هاشم" معها الشديدة منذ أن تزوجته ولم تكن بينهم تلك الجلسة الحالمة الرومانسية بالكلام بل كانت دوماً تبدأ بالعناق وتنتهي بالارهاق الشديد لكليهما من مقابلتهما الجسديه فقط :
ـ طب قولي تاني بحبك يا حنيني .
هاشم بضحكة خفيفة:
ـ بحبك ،بحبك ، بحبك يا ست البنات وأهو بقيت بقولها أهو ورا بعض.
ضحكت وهي تمسح دموعها التي اختلطت بابتسامتها ثم أسندت رأسها على كتفه، وهمست:
ـ أنا كده مبسوطة قوي يمكن مافيش طفل لسه بينا بس فيه حاجة كبرت جوايا دلوقتي كبرت أول ما سمعتك بتقول بحبك.
تسللت نسمة صيفية من الشباك، تحمل معها رائحة ترابٍ ساخنٍ وسكون ليل هادئ بدا كل شيء في مكانه، وكأن هذا الاعتراف جاء ليعيد التوازن لا إلى "حنين" فقط بل إلى "هاشم" نفسه ،
أدرك كم كان جافًا دون قصد، وكيف أن كلماته كانت مخبأة في قلبه تنتظر الفرصة لتُقال لم يكن يعلم أن الصمت في الحب ليس كافيًا، وأن الحب لا يُفهم بالنوايا وحدها بل بالكلمات أيضاً ، ثم توسدت احضانه وهي تغمض عينيها وكأنها تنام في اامن مكان سيريحها ولم يكن الا صدره العريض الدافئ الذي احتواها وهو يحتضنها برعاية وتملك وكأنه خائف من هروبها ، وقبل أن تنام سمعها تقول بصوت ناعس:
ـ خليها عادة يا "هاشم" كل ليلة وأنا نايمة قولي بحبك حتى لو بهمس أنا هسمعها .
ابتسم وقبل جانب شفتيها ثم همس بما يرضي صغيرته :
ـ بحبك وهفضل أحبك كل يوم أكتر من اللي قبله ربنا يخليكي ليا يا حنيني وما يحرمنيش منك ابدا .
وهكذا في ليلة صيفية هادئة لم يُرزقا بطفل إلى الآن لسبب لا يعلمه إلا الله لكن رُزقا بما هو أعمق لحظة حب حقيقية تشبه الميلاد .
**********
كانت الغرفة تغصّ برائحة الكتب المبعثرة وأصوات الصفحات حين تُقلب بين يدي "ليلى" الهشّتين وقد بدأ النعاس يتسلل إلى عينيها المتعبتين لكنها أصرّت على المذاكرة كانت تحاول التشبث بأي ذرة تركيز رغم زخم الأفكار الذي يضغط على صدرها كان اسم "زيد" حاضرًا في ذهنها كظل لا يغيب وكأنه تشتاقه كثيراً فأصبح عقلها وقلبها ملازمين لحضور "زيد" بهما ،
اهتز الهاتف فجأة فوق المكتب صدًى خافتًا ولكنّه اخترق السكون التفتت إليه ببطء وفتحت القفل لتفاجأ بعدد كبير من الرسائل من رقم مجهول سطع الشاشة ألهب عينيها المجهدتين قرأت أول رسالة ثم الثانية بعدها تتابعت المقاطع الصوتية والصور والمحادثات كالسيل لم تكن تلاحق ما تقرأه أو تسمعه كانت تشعر وكأن قلبها يهبط إلى قدميها ،
ضغطة خفيفة على مقطع صوتي أخرجت من الهاتف صوتًا تعرفه جيدًا كان صوته المألوف الحبيب لكن الكلمات التي خرجت من فمه كانت غريبة مؤذية بل مقززة :
ـ بصي أنا مش قادر أشيلك من دماغي
كل مرة بتيجي فيها الدرس وأنا بشوفك بالترنج الأبيض قلبي بيسخن
إنتي مش فاهمة إنتي عملتي فيا إيه من أول مرة .
ضغطت على مقطع آخر وكان أوضح وأكثر فجاجة :
ـ يا ستي محدش هيمسك عليكي حاجة
إنتي عايزة إيه قولي وأنا أجيبه
بس خليكي حنينة عليا مش كل يوم تقفشي عليا كدة انا عايزك تتدلعيني .
ثم توالت المقاطع وبدأت ملامحها تفقد تماسكها الكلمات التي قالها "زيد" لم تكن مجرد مزاح أو سذاجة بل كانت اعترافات كاملة بتصرفات مخزية وجمل تشي بشخص لا يشبه من أحبته أبدًا لم يكن ذلك الشاب المهذّب الذي أقسم لها مرارًا أنه لم يحب قبلها ومع تلك الكلمات القذرة التي تسمعها لو أحداً غيرها سمعها لظن أنه عاشقا لتلك الصبية مرارا وتكرارا ،
ـ بصي يا دودو لو أهلك عرفوا أنا مش هكلمك تاني بس والله أنا بحبك وعايزك وإنتي عارفة إني مش بلعب أنا جد جدا أنا لو بإيدي كنت خطبتك النهاردة .
ارتعشت يداها وأعادت تشغيل التسجيلات واحدة تلو الأخرى وكلما سمعت صوته يشعرها بالدفء القديم لكنها الآن تسمعه وهو يقول كلمات مبتذلة لفتيات صغار بعض الرسائل مؤرخة منذ ثلاث أو أربع سنوات كانت موجهة لبنات في الثانوية كانت المحادثات متبادلة وبعضهن يظهرن في الصور والمقاطع يضحكن له يتجاوبن معه :
ـ أنا مستنيكي في الكوريدور بعد الدرس
ما تتأخريش جبتلك حاجة حلوة قوي
بس ماتقوليش لصحابك علشان محدش يغير منك .
وهي في قمة الدهشة والذهول فتحت رسالة نصية جديدة :
ـ "زيد" بيلعب من زمان كان بيكلم بنات في سن إخواته ده شاب مش محترم بصراحة انتِ محترمه قوي ولما سمعت من واحده صاحبتنا ان هو هيخطبك استكترتك عليه قوي فكري علشان "زيد" انت ما تعرفيهوش كويس قد ما انا اعرفه انتِ تستاهلي حد احسن منه بكتير .
سقط الهاتف من يدها على الأرض وغطّت فمها بكفها كأنها تمنع شهقة مكتومة أو تنهيدة خائنة شعرت أن الأرض تدور بها أن قلبها يتهشم قطعة قطعة وأن عينيها لم تعد تريان بوضوح همست وهي تحدّث نفسها بصوت مخنوق :
ـ هو ده "زيد" اللي أنا بحبه !
هو ده اللي كنت بدعي له كل يوم !
اللي كنت بقول عليه طيب مش ممكن
مش معقول ده يحصل ولا ولا عمري كنت اتصور انه كان بالبشاعة دي !
ده دايما بيقولي إنه بيحبني كان بيقولي إنه عمره ما فكر في واحدة غيري ده نفس الكلام اللي كان بيقوله للبنات بيقوله لي !
معقوله يكون بيكذب عليا زيهم لحد ما ينولني وبعد كدة يزهق مني ويسيبني ؟
معقول اكون فهمت نظراته وهمساته وتمسكه بيا غلط ؟!
أمسكت الهاتف مجددًا وأعادت تشغيل نفس المقطع القديم كأنها تعذّب نفسها عن قصد ثم مقطع جديد تلاه مقطع آخر كانت عينها جافة من الدموع لكن قلبها ينزف بصمت وهي تعيد على عقلها كلماته وتبريراته لعلاقاته السابقة:
ـ إنتي مش هتفهمي أنا كنت بعمل كده ليه
كلهم كانوا بيعرضوا نفسهم عليا وأنا كنت ضعيف بس دلوقتي غير زمان أنا بقيت كويس
أنا دلوقتي مختلف أنا اتغيرت لما حبيتك يا "ليلى"
ضحكت ضحكة موجعة مكسورة وكأنها تسخر من نفسها لا منه شعرت بالعار شعرت أن كل ذكرياتها معه الآن تلوّثت أنها كانت تحب رجلًا لا تعرفه رجلًا يخدع الجميع ، ثم همست لنفسها :
ـ أنا كنت بفتكر إني فهمت الحياة إني اخترت صح بس طلع إن قلبي خانني أنا كنت عايشة في وهم كنت عايشة في كذبة كبيرة .
بقيت ليلى وحدها تجلس على الأرض بجانب السرير الهاتف ما زال في يدها وعيناها شاخصتان إلى لا شيء شريط طويل من الخيبات يمر أمام عينيها بدأت تهمس كأنها تحاور قلبها :
ـ ليه يا زيد ، ليه تعمل كده؟
كنت بصدقك ، كنت شايفاك حد جواك كويس
كنت بحس إنك أماني مهما كنت عرفت قبلي
بس طلعت بتكذب لعت طريقتك معاهم واحد في الميه من اللي انا كنت متصوراه ، ياه ، آه ياقلبي إحساس بشع قووي مش عارفة هتخطاه ازاي ، حتى أنا ما كنتش استثناء زي ما بيقولي دايما ، حاسه اني هكون محطة
أو لعبة جديدة في مجموعاته القديمة .
هزّت رأسها بقوة ثم وقفت بصعوبة وسارت إلى المرآة نظرت في عينيها طويلاً كانت تبحث عن بقايا براءة عن بقايا ثقة عن سبب يجعلها تلتمس له عذرًا لكن لم تجد وهي تناجى ربها :
ـ يا رب قويني والهمني الصح يا رب مش عارفه اتصرف ازاي ولا اعمل ايه ولا افكر ازاي ؟
ثم أغلقت الهاتف وألقت به في درج المكتب وجلست أمام الكتب من جديد لكن عقلها لم يكن هناك كانت عيناها على الورق وقلبها في مكان بعيد جدًا حيث الكسر لا يُرمم بسهولة وهي تعيد على عقلها ما قرأته وما رأته .
بعد ان جلست مع نفسها ساعات كثيرة تفكر قررت ان تذهب لوالدتها هي ملجئها ومامنها وسرها وكل شيء جميل هي والدتها هي من ترشدها الى الطريق الصحيح دوما دون ان تضللها هي من تضعها امام نفسها وامام العيوب والمميزات بكل عقل راجح وتثق بها ثقة عمياء ،
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل بقليل حين خرجت "ليلى" من غرفتها في خطوات بطيئة كأنها تخشى أن تتكسر إن مشت أسرع عيناها كانتا جافتين من الدموع لكن داخلها كان يغلي كغلاية ماء لم تجد في قلبها سبيلا للراحة إلا الحديث مع أمها فطرقت باب غرفتها بخفة ثم دخلت دون انتظار إذن ،
رفعت "شهيرة" عينيها من فوق رواية كانت تقرأها وضمت نظارتها الطبية بين أصابعها حين رأت ابنتها واقفة أمامها بملامح متصلبة وصدر يعلو ويهبط كأنها خارجة من معركة ،
اقتربت "ليلى" وجلست على طرف السرير مدت الهاتف لأمها دون كلمة واحدة كان كأنما الثقل كله انتقل إلى ذلك الجهاز الصغير ،
فتحت "شهيرة" الهاتف وبدأت تراجع الرسائل والمقاطع والملفات واحدة تلو الأخرى بعينين لا تبرحان الشاشة ، بينما وجهها لم يتغير قسماته بقيت هادئة كأنها تقرأ تقريرًا علميًا أو تراجع حالة مرضية جديدة ،
كانت "ليلى" تراقبها بقلب مخلخل ينبض بالرجاء أن تنفجر أمها بالبكاء بالغضب أن تشتم "زيد" أن تقول لها إن ما رأته لا يُغتفر لكنها حين أنهت الأم التصفح رفعت عينيها وقالت بصوت هادئ :
ـ أنا مش متفاجئة يا "ليلى" أنا كنت متوقعة حاجة زي كده تطلع من "زيد" من زمان .
نظرت إليها "ليلى" بدهشة وسألتها بصوت مبحوح :
ـ يعني إيه كنتي متوقعة وساكتة كنتي عارفة حجم علاقاته انها بالبلاوي دي وسايباني أكمل إزاي؟
ردت "شهيرة" بصوت منخفض لكنه واضح:
ـ من أول مرة جيتي حكيتي لي عن "زيد" وعن حبه ليكي وعن الماضي بتاعه أنا عرفت نوع الشخص اللي بتكلمي عنه عرفت إن وراه قصص كتير بس أنا كنت شايفة بعين تانية مش بعين الأم كنت شايفة إنك بتحبيه وإنك داخلة العلاقة بإرادتك وكنت شايفة إنك مستعدة تقبلي اللي وراه طالما هو بنفسه قالك وكان صريح معاكي ومخباش عنك حاجة وده في حد ذاته حاجة كويسة في بداية العلاقة اللي هي الصراحة .
شهقت "ليلى" وقالت بذهول :
ـ بس دي مش تفاصيل يا ماما دي كوارث! بيكلم البنات بطريقة عمرها ماكانت تيجي في بالي ولا كنت اتخيل انها كدة حتى لما كنت بشوف وبسمع كلام البنات عن علاقاته معاهم مكنتش متخيلة إنها واصلة معاه للدرجة دي ، ده بيقولهم كلام قليل الأدب خالص أنا مصدومة منه ومن نفسي ومنك كمان د
تنهدت شهيرة وقالت وهي تربت على ظهرها بحنو وغيرتها ما زالت بقلب أخضر يانع بريئة لم تلوثها نكبات الزمن :
- أنا مش بدافع عنه يا "ليلى" ولا بحاول أطبطب على اللي عمله بس أنا عارفة كويس الفرق بين ماضي حد وحاضره هو غلط كتير وأنا مش بنكر ولا بهوّن بس أنا شُفت إنه كان واضح معاكي من الأول هو قالك إنه كان بيغلط وإنه مش ملاك وإنت كنتي عارفة وسامحتي ورضيتي تمشي المشوار رغم إني حطيتك قدام الخيارات دي كلها واديتك فرصة انك تشوفي غيره بس كنتِ في كل فرصة تهربي منه ليه .
سكتت "ليلى" لحظة ثم قالت :
ـ أنا فعلاً كنت عارفة يا ماما بس مش كده مش بالمنظر ده أنا تخيلت إن الغلط كان غلطة ولا اتنين إنه كان شاب وبيجرب وخلص إنما ده كان عايش في مستنقع وأنا دلوقتي مش قادرة أصدق إني حبيته ولا إني سلمته قلبي .
اقتربت "شهيرة" وربتت على يدها وقالت :
ـ يـا "ليلى" الحب مش دايمًا بيجي للصح أوقات بنحب اللي محتاج يتغير وأوقات بنفتكر إننا التغيير وده وهم كبير لازم تفهمي إنك دلوقتي عند مفترق طرق مش علشان هو وحش تبقي لازم تسيبيه ومش علشان بتحبيه تبقي تكملي لا انتي لازم تحسمي من جواكي الأول وممكن تسبيه وتدوسي على قلبك وتروحي لواحد تاني كان بيكلم بنات بردو ولا أنا ولا إنت هنعرف ماضيه فهنا العلاقة الصريحة اللي مليانة وضوح احسن بكتير من اللي فيها خبايا وغموض .
نظرت إليها "ليلى" بعينين دامعتين وقالت:
ـ أنا قلبي وجعني يا ماما مش قادرة أواجهه ومش قادرة أسكُت مش قادرة أكرهه ومش قادرة أسامحه ولا قادرة أفكر ولا عارفة اعمل ايه ؟
قالت "شهيرة" بثبات :
ـ علشان كده لازم تواجهيه لازم تشوفيه وتتكلمي معاه وتطلعي اللي في قلبك لو كتمتي هتفضلي تدوسي على نفسك وهتتاكلي من جواكب وفي الآخر هتكرهيه وهتكرهي نفسك ولا هتعرفي متحبيهوش ولا هتعرفي تحبي غيره والشطارة إنك تغيريه للأحسن وإنتي لمستي ده وتكوين ليه بنت بألف بنت ويشوف فيكِ اللي لو عاش عمره كله ميشفهوش في مليون غيرك .
"ليلى" بصوت منكسر وما زال عقله غير مستوعب انها ستراه وستتحدث معه وكأنها لم ترى شيء :
ـ طب أقول له إيه أقول له إني شُفت كل حاجة؟ إني قرفت؟
إني حسيته مش ليا خالص؟ إني حسيته واحد تاني غريب؟
قالت "شهيرة" بصوت ناعم فيه حزم:
ـ قولي له كل ده وقولي كمان إنك كنتي صادقة وإنك استأمنتِ قلبك معاه وإنك دلوقتي محتاجة تسمعي تفسير حتى لو مش هيغير رأيك بس على الأقل يكون في شفافية علشان قلبك ما يفضلش فيه شوكة .
انحنت "ليلى" برأسها ثم رفعت عينيها وقالت:
ـ أنا هروح له بكرة وهقوله كل حاجة وهسمعه كويس بس مش هسمح لنفسي أرجع لحد يكرر نفس الخيانة مرتين .
هتفت "شهيرة" باستجواد:
ـ وأنا واثقة فيكِ وعارفة إنك هتختاري الصح حتى لو كان أصعب .
في تلك الليلة لم تنم "ليلى" نامت الأفكار فوق وسادتها كانت تراجع كل كلمة وكل نبرة صوت في المقاطع كانت تقارن بين "زيد" الذي أحبته و "زيد" الذي تحدث في التسجيلات كانا كيانين مختلفين تمامًا شعرت أن ثقتها بالناس اهتزت شعرت أن مفهوم الرجولة في عقلها تشوه لكن رغم ذلك كانت هناك قوة تنمو في أعماقها كانت تعرف أن الجرح لا يلتئم إلا إذا نُظّف جيدًا وكانت عازمة على أن تنظفه حتى النهاية .
**********
كانت تقف هناك في ركنٍ معزول من الكلية كأن الهواء من حولها لا يتحرك وكأن الضوضاء التي تملأ المكان لم تعد تصل إلى أذنيها كانت خطواته تتقدّم ناحيتها ببُطءٍ أشبه بالدهشة بعينين مرتجفتين لا تُصدّقان أن تلك العيون التي كانت تلمع له حبًّا باتت جامدة متحجرة كأنّها تراه لأول مرة وكأنّ قلبها أُفرغ فجأة من كل دفئه وامتلأ بفراغٍ قارسٍ لا يُحتمل،
وقف أمامها وكان يحاول رسم الابتسامة التي دائمًا تكسر الحاجز بينه وبينها:
ـ في ايه يا "ليلى" إنتِ مش بعتِّيلي ولا رديتي على مكالماتي قلقت عليكي وكنت فاكر إن في حاجة حصلت لك مالك يا حبيبي شكلك متغير كده ليه ووشك دبلان وعيونك حزينة قوي ؟
نظرت إليه طويلًا بنظرة اختلط فيها الانكسار بالخذلان ثم قالت بصوت هادئ كأنّه قادم من مكان بعيد:
ـ أنا فعلاً زعلانة يا "زيد" بس مش من حاجة حصلت دلوقتي من حاجات كتير قوي حصلت من سنين وانت افتكرت إني مش هعرف عنها حاجة او انك مجرد ما تصارحني بحواراتك القديمه وتحاول معايا ان انت اتغيرت اني مش هنصدم بعد كده لما اشوف الحقيقه والواقع متصورين قدام عيوني باللي انت كنت بتعمله وما كنتش متخيله انه يطلع فظيع للدرجة دي .
حاول يقرّب منها خطوة وهي تراجعت كأن المسافة بين قلوبهم أصبحت فجوة مستحيل أن تردم وهو يمسح على خصولات شعره بأسى وقد فهمت ان احداهن اوصلت اليها مشاهد من علاقاته السابقة القذرة وللتو فهم معنى نظرتها الحزينة :
ـ "ليلى" بالله عليكِ افهميني أنا...
قاطعتُه بكلمات خرجت منها بصعوبة كأنها تقـ.ـطع شرايين مشاعرها وهي تتكلم:
ـ "زيد" أنا مكنتش عايزة أعرف عنك حاجة غير اللي انت اخترت تقولهولي بس القدر بعتلي كل حاجة بعرف التفاصيل بعرف الكلمات القذرة اللي قلتها لبنات أصغر منك بكتير بعرف طريقتك وأنت بتضحك عليهم وتستغل ضعفهم بعرفك وانت مش إنسان .
شدّ حاله كأنه انغرز في الأرض وجسده أصبح ثقيلاً وقال بنبرة كلها قلقة:
ـ أنا عمري ما قصدت أذيكي يا "ليلى" وانتي عارفة كده كويس أنا قلت لك من البداية إني مش ملاك وإن حياتي القديمة فيها غلطات كتير بس أنا جيت لك نضيف وقلب جديد و...
رفعت يديها بعصبية ودموعها قربت على الفرار من عنيها:
ـ نضيف إزاي وإنت كنت كل يوم بتتريق على البنات اللي كنت بتكلمهم بتبعت تسجيلات صوتك كأنك فخور إنك ضحكت عليهم وجرحتهم؟ إزاي أصدق إنك كنت صادق معايا؟
حاول لمس يديها فسحبتها سريعاً وقالت بنبرة مهزوزة لكنها حادة:
ما تلمسنيش يا "زيد" أنا مش زي البنات اللي كنت بتلعب بيها ومش هستنى يوم تبيعني فيه زيهم .
وقف صامتاً لحظة كأن الكلام خبطه فوق دماغه ليقول بصوت مبحوح:
ـ أنا بحبك يا "ليلى" وكل لحظة قضيناها سوا كانت صادقة مفيهاش تمثيل أنا اتغيّرت بجد علشانك إنتي اللي خلتيني أشوف نفسي بنظرة مختلفة إنتي اللي خلتيني عايز أبقى بني آدم حقيقي عرفت معنى الحب الحقيقي على ايديكي اتغيرت وتبت وانبت لربنا سبحانه وتعالى وعزمت على اني ما ارجعش للذنب تاني انت ليكي فضل كبير بعد ربنا في اني اتغير وابقى انسان تاني ،
وأكمل بصوت مهزوز :
ـ انا ما خدعتكيش يا ليلى انا حكيت لك كل حاجه بصراحه عن كل الماضي بتاعي وعرفتك ان انا مش ملاك بس انا قلبي اختارك انت وحبك انت ومش ذنبي انك ما حبتنيش كفايه لدرجه انك مش قادره تنسي الماضي بتاعي اللي انت ما كنتيش موجوده فيه انا عارف ان انا كنت قذر وقذر قوي كمان وأذيت بنات كتير بس ما تتصوريش كل لما يجوا في بالي هم اصلا ما بيختفوش عن بالي بشوف نفسي ازاي ببقى عايز انتقم مني ليهم يا ليلى انا اتغيرت على ايدك وبقيت انسان تاني خالص صدقيني .
نظرت إليه وكأنها ترى طيف إنسان تائه عنها فجأة وقالت بنبرة مجروحة:
ـ بتحبني؟!
الحب مفيهوش أسرار زي دي مفيهوش وشوش كتير مفيهوش حد بيعيش على ذكريات بنات ضحك عليهم ولحد دلوقتي اثار الماضي بتاعتك بقيت بتلاحقني انا كمان شكل ما اكون ذنب عليا ان انا لازم اتوجع قوي من الماضي ده اللي ما كنتش متخيلة انه يطلع بالشكل الخطير ده .
حاول أن يبرر لها وهو يهز رأسه كأنه يكذّب الواقع ونظراته زائغة بينها وبين الفراغ حولهم كتائه في صحراء جرداء لا زرع بها ولا ماء وهي الدليل لتيهته :
ـ دي كانت أيام وأنا كرهتها كنت تايه وماشي غلط و...
قاطعته والدمعة اللي وقفت في عينيها منذ منذ ان وقفت امامه هبطت أخيراً من مقلتيها الحائرتين :
ـ اسكت يا "زيد" اسكت بتقول ايه وبتدافع عن ايه طب قول لي انا ازاي هقدر اتخطى اللي انا شفته وسمعته هيطلع ازاي من دماغي هكمل ازاي معاك بعد ما شفت وسمعت الحاجات دي كلها إنت متخيل ده يبقى أساس لحب بينا؟
خفض عينيه وسكت لحظة ثم قال:
ـ "ليلى" أنا غلطت بس مستعد أعمل أي حاجة علشان أرجّع ثقتك فيا ممكن تدي فرصة لعلاقتنا مع بعض أوضح لك كل حاجة عني وخليكي تشوفيني بصوره تانية خالص صدقيني كل الحاجات اللي فاتت دي انا ندمت عليها وما بقتش حابب افتكرها خالص شكل ما تكون لعنه هتفضل محوطاني في كل وقت وفي كل مكان ومش عارف اتخلص منها ازاي ولما لقيتك وحبيتك قلت انت اللي هتخلصيني من اللعنه دي ملاك ربنا بعته لي يطهرني من كل الذنوب اللي انا ارتكبتها ويعيني ان انا ما ارجعش للذنوب دي تاني ارجوك يا "ليلى" انسي وكانك ما شفتيش حاجه .
نظرت له والدموع تركت وجنتيها تبلل الوجه الذي تبدل بأكمله:
ـ توضح لي؟ توضح لي إنك كنت بتبعت صوتك لبنات صغار كأنك شيخ طريقة؟ توضح لي إنك كنت بتعلمهم الدروس وتحوّلهم لعلاقات رخيصة؟ إيه اللي هيتشرح في ده؟
خفض نظره للأرض كأنها سحبت منه آخر جزء من كرامتة وقال بهدوء خافت:
ـ يمكن مفيش حاجة تبرر اللي حصل ويمكن أنا فعلاً ماستهلش فرصة بس اللي بيننا كان حقيقي وده مش هغيره حتى لو إنتِ مشيتي .
صمتت قليلاً وهي تحاول أن تتحكم في شهاقتها لكن صوتها خرج أخيرًا بكل وجعها:
ـ "زيد" أنا أول مرة أحب وأول مرة أسلّم قلبي لحد كنت شايفاك أبعد ما يكون عن اللي كنت بسمعه عن الرجالة في الدنيا دي لكنك خذلتني خذلت قلبي وكل كلمة حلوة قلتها طلعت قناع انا حاسه بتوهه ووجع حاسه ان قلبي بينزف من جوه ومش عارفه اوقف ألم النزيف من كتر ما انا موجوعه من اللي شفته قوي .
هزّ راسه في صمت وتخدث بصوت منخفض:
ـ أنا ما كنتش قناع يا "ليلى" يمكن كنت نص بني آدم بيحاول يبقى حاجة أحسن يمكن حبك هو الحاجة الوحيدة اللي صح في حياتي كلها علشان كده هفضل متمسك بيه هفضل متبت فيكي بايدي واسناني ومش هسيبك يا ليلى لوجعك وهتخطاه معاكي وهعالج الم النزيف جواكي مني بس ارجوكي اهدي وما تعيطيش يا ليلى دموعك بتقطع فيا والله .
نظرت له نظرة طويلة تحوي وجع ما بين الغضب والحنين ثم قالت بصوت متماسك:
ـ مش كفاية انك بتحبني يا "زيد" لازم تكون تستاهل حبي وأنا مش شايفة ده دلوقتي حاسه بوجع كبير قوي بينبض في قلبي من ساعه ما شفت و سمعت الحاجات دي حاسه ان انا وانت لما نكون لبعض قبل بعد كده واكون بين ايديك هفتكر الكلام والصور اللي انا شفتها ومش هقدر اتخطاها قول لي ازاي اقدر اتخطاها قول لي ؟
ثم دارت ببطء ومشت بعيد عنه دون أن تنظر خلفها وكأن كل خطوة تبعدها عنه كانت تقتلع جزءًا من قلبها لكنه لم يمنعها لم يصرخ باسمها فقط وقف هناك كأنه تمثال حجر تحطّم من الداخل لكنه ظل واقفًا فذهب إليها سريعاً كي يلقي على مسامعها ما يشعر به قبل ان تغادر وهو يصيح بصوت عالي ويدور حول نفسه في حاله هوجاء غريبة انتابته من شعوره انه سيفقدها الآن بعد أن نالها وهدأت أجواء الحرب بينهما في هدنه لكنها لم تطيل :
ـ انا عارف ان انا غلطان يا ليلى وعارف ان انا عندي مساوئ كتير قوي تعرفي مش انت لوحدك اللي مش قادره تتخطي علاقاتي مع البنات وطريقتي معاهم قبل كده انا كمان مش قادر اتخطى انا كمان شايفني وحش قوي واوحش مما تتخيلي انا بنام بحلم بيهم كوابيس بتجيلي كل يوم وبحس انهم عايزين يمسكوا في رقبتي يخنقوني حاسس ان اللي عملته فيهم ظلم متعلق في رقبتي مش قادر اتخلص منه ما تسيبنيش يا ليلى ساعديني ارجوكي انا ما اقدرش اتخطى الكوابيس ولا الذنب ده من غيرك ارجوكِ ما تمشيش انا محتاجك .
استدارت بجسدها وهي بتنظر اليه بعينيه تنهمر منها الدموع ولكنها هي الاخرى تحتاج الى وقت كي تستوعب كي ترتب خطواتها وتعرف كيف السبيل معه كي تعرف هل تستطيع ان تتخطى ما راته وهل ستقدر ام لا تركته بعد ان راى اثار دمعتها الهابطه على ثيابها ومن غدارتها سقطت على النجيله الخضراء امامه وهو يتفحص النظر جيدا اليها وكان الوجع سيظل حليف الزيد وليلاه وما زالت المشاعر موقدة بعد ولم تستقر الأفئدة .
***********
في صباح رمادي تغشاه سحب الحيرة، جلست أم "نادر" على مقعدها الوثير في صالة المنزل، تنظر في وجه ابنها وقد بدا عليه شرود ثقيل ط كانت قد لاحظت تغيره في الأيام الماضية، وعلمت بالفطرة أن هناك ما يُثقل صدره ، ناولها فنجان القهوة بصمت، ثم جلس بجوارها كمن يبحث عن ملاذ أخير ،
حتى قالت له بهدوء الأم التي لا تحتاج لسماع الكلمات كي تفهم :
ـ احكي لي يا "نادر" في إيه مخبي عني ليه كل شوية ألاقيك سرحان وتقولي مفيش ؟
رفع رأسه نحوها ثم تنهد بعمق وقال :
ـ يا ماما في حاجات غريبة بتحصل لي من يوم ما اتجوزت نوجا بتجيلي رسايل على الموبايل من أرقام مش معروفة والرسائل كلها بتشككني فيها وتقوللي إني لبست في الحيط وإن نوجا مش اللي أنا فاكرها .
نظرت إليه والدته بعينين اتقد فيهما الغضب وقالت :
ـ أهو ده اللي كنت خايفة منه يا "نادر" أنا حاسة إن دي شغلانة طليقتك "نور" يا ابني هي مش مستحملة إنك كملت حياتك من غيرها وقالت مش ممكن تسيبك تعيش في سلام مع مراتك الجديدة .
رد عليها وهو يهز رأسه :
ـ أنا كنت بحاول ما أظنش فيها يا ماما خصوصًا إن "نور" بنت ناس ومتربية وراقية لكن الرسايل بتتكرر وبتزيد وأنا بدأت أشك إنها ممكن تكون هي .
هزت الأم رأسها بعزم وقالت :
ـ بص يا "نادر" أنا اللي هحل الموضوع ده أنا هروح بنفسي لبيت أهلها وأقولهم إن اللي بيعملوه ده مش تصرف ناس متربين ولا متعلمين وأكشفهم قدام الكل .
وقف "نادر" فجأة وقال:
ـ يا ماما أنا مش عايز مشاكل ولا فضايح مش عايزك تروحي وتفتحي على نفسك باب مالوش لازمة .
ردت عليه بصوت غاضب :
ـ لا يا حبيبي لازم أوقف المهزلة دي عند حدها أنت ابني ومش هسمح لحد يشوه صورتك ولا يهز ثقتك في مراتك بسبب غل طليقة مش عارفة تمشي جنب الحيط .
مرت ساعة ولم تتراجع الأم عن قرارها ، ارتدت عباءتها الأنيقة وحملت حقيبتها وسارت إلى بيت أهل "نور" في حي راقٍ من أحياء المدينة ، طرقت الباب وبعد لحظات فتحت لها سيدة خمسينية الطلة، ملامحها رزينة وثيابها تدل على رقي وذوق رفيع وكانت هي والدة "نور" رمقتها أم نادر بنظرة جامدة ثم قالت"
ـ:أنا جاية أتكلم معاكِ في موضوع مايستحملش تأجيل .
نظرت إليها والدة "نور" باندهاش ثم دعتها للدخول بأدب وهي لم تطيق رؤيتها بعد ولكن لابد عليها ان تستقبلها كي لا يراهم ولا يسمعهم احدا من الجيران فهذه السيدة لسانها سليط للغاية والشر ينبع من عينيها قائلة :
ـ اتفضلي خير إن شاء الله ؟
جلست أم "نادر" دون أن تنتظر إذنًا وقالت بصوت ملئ بالانفعال المكبوت :
ـ أنا جاية النهاردة علشان أوضح إن اللي بتعملوه مع ابني مش هنسكت عليه الرسايل اللي بتتبعت له مليانة قذارة وقلة أدب وتشكيك في مراته الجديدة وإحنا عرفنا إن مصدرها منكم .
دخلت "نور" في تلك اللحظة بعدما سمعت صوتًا عاليًا، وكانت ترتدي ملابس بسيطة وأنيقة يظهر عليها الوقار والهدوء وقالت بهدوء :
ـ؛حضرتك بتقولي إيه يا طنط إزاي يعني إحنا اللي بنبعت رسايل لابنك ده كلام كبير ومش مقبول؟
ردت أم "نادر" بعينين تتقدان اتهامًا ونطقت بغل :
ـ أيوه كبير ولازم يتقال في وشكم لأنكم أنتو اللي بدأتو القذارة دي ابني مبقاش مرتاح من يوم ما اتجوز، كل شوية رسالة تشككه في مراته أنتو مش قادرين تشوفوه مبسوط بعد ما ساب بنتكم .
اقترب والد "نور" من الصالة رجل ستيني الطلة وقور وهادئ الملامح وقال بنبرة حازمة :
ـ من فضلك يا أستاذة اتكلمي باحترام إحنا ناس محترمين وبنرفض أي تصرف غير لائق ومش ممكن نبعت لابنك حاجة من النوع ده ولا نسمح لحد من ولادنا يعمل كده ابنك طلعناه من حياتنا ومش فاكرينه اصلا روحي شوفي مين اللي بيبعت له الرسايل وما لكمش دعوة بينا تاني ولا تيجوا هنا مره تانية .
لكن أم "نادر" لم تتراجع ثم قالت بصوت أعلى:
ـ إنتو فاكرين إني هصدق الكلام الحلو ده؟ لا يا سيدي الرسايل مش هتيجي من فراغ، حد من عندكم وراها ولو ما كنتوش إنتو اللي باعتينها يبقى حد من طرفكم .
ردت "نور" بنبرة منكسرة ولكن حاسمة :
ـ أنا مش هقبل الإهانة دي يا طنط، أنا عمري ما أذيت حد ولا فكرت أشوه سمعة حد، وابنك ده اصلا ما بقاش في دماغي ما يعنليش في شيء يجوز يطلق انا ما ليش دعوه بيه ولا بجوازته ولا فاكراه من اساس ومش ممكن أنزل للمستوى ده .
رددت تلك السليطة بسخرية :
ـ آه طبعًا كرامة! بس مش كرامة تمنعك من إنك تبعتي له رسايل تقرفه وتخليه يشك في مراته اللي لسه متجوزها، ده إنتي مش قادرة تشوفيه طاير من الفرحة فقلتي تغلسي .
هتفت والدة "نور" بنبرة حازمة:
ـ إحنا مربين بنتنا على الاحترام يا أستاذة والبنت دي اتظلمت في جوازها من "نادر" وإنتي عارفة ده كويس، وكل اللي بتقوليه دلوقتي ملوش أي أساس من الصحة ولو سمحتِ بلاش تتهمينا جزافًا وابعدوا عننا بقى كفايه اللي انتم عملتوه فينا وعمرنا ما هنسامحكم عليه ولا انت ولا ابنك حسبي الله ونعم الوكيل فيكم .
وقف والد "نور" وتحدث بإنهاء لتلك الجلسة الشنيعة :
ـ أعتقد إن الزيارة انتهت يا ست حضرتك جيتي واتهمتينا ودي إهانة مش هنقبلها، لو فيه أي دليل على اللي بتقولي لازم يكون واضح، غير كده يبقى كل اللي بتقوليه باطل .
ردت أم "نادر" بصوت مرتفع:
ـ أنا مش طالبة إذن من حد، أنا جاية أقول اللي عندي، وابني مش لعبة في إيدكم، أنا حذرّت وبس، لو الرسايل دي ما وقفتش، ساعتها هتعرفوا أنا ممكن أعمل إيه ؟
نهضت من مكانها وغادرت البيت وسط نظرات الغضب والذهول، تركت وراءها صمتًا ثقيلًا ووجوهًا غاضبة ونفوسًا تملأها الحسرة على كرامة أُهدرت بلا سبب واضح ،
حين عادت إلى بيتها، وجدت "نادر" ينتظرها في الصالة، سألها بعينين متوجستين :
ـ رحتِ يا ماما؟ إيه اللي حصل؟
أجابته وهي تنزع عباءتها بعنف :
ـ رحت وقلت اللي عندي ومخليتش في قلبي حاجة، بس للأسف الناس دي وشهم غير قلبهم بيتكلموا بحنية لكن هم سُم في العسل، ربنا يستر يا ابني .
نظر إليها بحقد وقد أوهم حاله أن طليقته هي السبب بالفعل ولم يكن يعلم أن الأيام القادمة ستكشف له ما هو أعمق من مجرد رسالة، وأن الحقيقة لا تختبئ طويلًا خلف الكلمات .
*********
كان اليوم طويلاً، أكثر مما يجب منذ الصباح الباكر تلاحقت المهام على "حنين" كالسيل ولم تجد فرصة لالتقاط أنفاسها ، أنهت تقريرين، حضرت اجتماعًا مطولاً، ثم قضت باقي الوقت بين أوراق متكدسة على مكتبها، تحاول أن تنجز ما تبقى دون أن تُظهر الضيق أو التعب ، الجو حار خانق والمكيف بالكاد يعمل ومع كل دقيقة تمر كانت تشعر أن رأسها يثقل،وجسدها يخذلها تدريجيًا ،
انتهى اليوم أخيرًا، لكنها لم تشعر بالراحة كما كانت تتوقع بالعكس كان في صدرها ضيق غريب وفي رأسها دوار يلفّها ببطء جمعت حاجاتها وقامت من كرسيها بتثاقل واضح، التفتت نحو زميلتها "سلمى" وابتسمت ابتسامة باهتة ثم بدأت في التحرك ناحية الباب ، وقبل أن تصل إليه اختل توازنها فجأة شعرت أن الأرض تميد بها والأضواء تهتز والهواء ثقيل لا يُستنشق حاولت أن تتماسك، لكن ساقيها لم تطيعاها ثم تهاوت في لحظة، وسقطت أرضًا ،
كان صوت ارتطامها خفيفًا، لكنه جَلَب الجميع ركضت "سلمى" نحوها وركع بجوارها زميلهما "كريم" وقد ارتسم القلق على وجهيهما بوضوح ، حاولت "سلمى" أن توقظها صفعتها برفق و نادت عليها وضغطت على يدها المرتخية بعد لحظات تحرك جفنها ثم فتحت عينيها بصعوبة بالغة :
ـ أنا فين ، أنا وقعت ولا ايه اللي حصل لي ؟
أجابتها "سلمى" بفزع على حالها :
ـ أيوه "حنين" انتي كنتِ هتموتينا من الخضة إيه اللي حصل كنتي كويسة من شوية ؟
"حنين" بوهن :
ـ معرفش حاسة بدوخة وكل حاجة بتلف حواليا يمكن من الحر والتعب .
هتف "كريم" زميلها في العمل بقلق على حالها :
ـ لا الموضوع مش طبيعي خالص، انتي وشك أصفر، وضربات قلبك سريعة جدًا، مش هينفع تروحي لوحدك كده، لازم نوصلك لحد البيت
"حنين" برفض قاطع :
ـ لا يا "كريم" بلاش متكلفوش نفسكم أنا كل يوم باخد أوبر وبوصل عادي .
"كريم" بإصرار :
ـ والنهاردة مش زي كل يوم يابنتي وبعدين مش هنسيبك تروحي كده لو حصل لك حاجة في الطريق هنبقى إحنا السبب .
"سلمى" هي الأخرى بإصرار :
ـ مافيهاش نقاش يا بنتي إحنا هنا أصحاب مش زملاء بس، واللي حصل ده خلانا نقلق بجد .
وافقت "حنين" على مضض لا لقناعتها بكلامهما بل لأن جسدها لم يكن يطاوعها، وكانت تعلم جيدًا أنها غير قادرة على المواصلة وحدها وهاتفها قد فصل شحنه وفصل ولم تستطيع مهاتفة "هاشم" كما انها لا تريد ان تخبره بما حدث لها حتى لا يجبرها على عدم الذهاب إلى العمل بحجة أنها لم تتحمل ظروفه ، خرجوا ثلاثتهم من الشركة واستقلوا سيارة "كريم" بينما جلست "سلمى" بجانبها تراقبها كل لحظة ،
الطريق بدا طويلًا رغم قصره الهواء داخل السيارة كان خانقًا، والحرارة تزداد رغم المكيف ، أحست "حنين" بآلام في معدتها وبرودة في أطرافها وكان الدوار يعود بالتدريج كأنما يغلف رأسها بغلالة سوداء أغمضت عينيها وضغطت على جبهتها بباطن يدها تحاول أن تتماسك ،
سألتها "سلمى" بقلق حينما رأت تغير معالمها :
ـ انتي كويسة شكل الدوخة رجعت تاني؟ قولي لنا يا "حنين" تحبي نعدي على مستشفى ولا نوصلك على طول؟
"حنين" بسرعة :
ـ وصّلوني على البيت مش قادرة أروح مستشفى دلوقتي بس أوعدكم بكرة هاروح أكشف .
"كريم" بنصح:
ـ أنا شايف إننا ما نستناش بكرة، بس هنمشي على كلامك إنتي أدرى بحالتك المهم توصلي بالسلامة .
وصلوا إلى باب العمارة، وكانت الخطوات التالية هي الأصعب حاولت "حنين" أن تنزل من السيارة وحدها، لكنها ما إن وضعت قدمها على الأرض حتى اهتز العالم حولها من جديد انثنت ركبتاها وبدأت تتهاوى ببطء، لولا يد "كريم" التي أمسكتها في اللحظة الأخيرة ،
لم ينتظر أكثر وضع ذراعه تحت ظهرها ورفعها بكل حذر بينما "سلمى" تمسك بحقيبتها وتفتح باب العمارة بسرعة ،
في نفس الشارع كانت شقيقة "هاشم" تقف عند مدخل العمارة، تتبادل الأحاديث مع جارتها أم "منى" في المنزل الذي نقل فيه "هاشم" وزوجته في نفس الشارع الذي يسكن فيه عائلته رأتهما قادمين والدهشة على وجهها ما لبثت أن تحولت إلى نظرة ترقب وحقد ، وقفت تتفرج وهي تتصنع الاستغراب، بينما عيناها تراقب كل تفصيلة ، يد "كريم" تحت ظهر "حنين" جسدها المتكئ عليه، وارتعاشة شفتيها الضعيفة ،
لم تتكلم فقط أخرجت هاتفها وبدأت التصوير من خلف شجيرة صغيرة بجوار المدخل ، صورتهم من اللحظة التي نزلت فيها "حنين" من السيارة إلى أن أسندها"كريم" إلى أن صعدوا السلم ثم ضحكت ضحكة خافتة ثم وهمست لجارتها بحقد:
ـ شفتي ،شفتي مرات أخويا اللي كانت عاملة فيها ملاك شايفاها وهي راجعة شايلة نفسها على راجل غريب قدام عينينا أهو، لا هزار ولا افترا .
أم "منى" :
ـ معقول دي باينة إنها تعبانة ؟
"سماح" :
ـ حتى لو، دي مَراة راجل تستنى جوزها ييجي ولا تكلم أهلها إنما تتشال كده قدام الناس دي لازم تتعلم الأدب .
تركت جارتها، وانطلقت كمن وجدت كنزًا ، وصلت إلى بيت والدتها طرقت الباب بقوة، وما إن فُتح حتى اندفعت إلى الداخل هاتفها بيدها والغضب المختلط بالشماتة يملأ وجهها :
ـ يا ماما بصي، بصي يا ماما، شوفي مرات "هاشم" شوفي الفضيحة اللي جابت لنا العار .
فتحت الفيديو، وعرضته أمام والدتها التي جلست في صمت أول الأمر ثم ارتفع حاجبها:
ـ استني ، استني شوية دي بتتهز وشكلها تعبانة بجد .
"سماح" :
ـ ولو تعبانة يعني يتشالها راجل هو ده المنطق ؟!
ما تقول لأخوها أو تتصل بجوزها إنما تتسند عليه كده دي قلة حيا وهي تستاهل اللي يوجعها .
أم "هاشم" بغيظ وضيق شديد :
ـ لا كده ماينفعش نسكت لازم "هاشم" يشوف الفيديو بعينه ونشوف آخرته مع البت دي .
وفيما كانت المؤامرة تُحاك في بيت العائلة، كانت "حنين" قد وصلت شقتها بمساعدة زملائها لا تعلم أن عيونًا رصدت ضعفها، وأن طعنات الغدر بدأت تُسنّ في الخفاء.
دخلت الشقة متكئة على كتف "كريم" وعيناها نصف مغلقتين وفي قلبها شيء لا تعرف له اسمًا ،خليط من التعب، والضعف، والإهانة التي شعرت بها لأنها لم تستطع الصمود لم تكن تدري أن الألم الحقيقي لم يبدأ بعد.
وقفت عند الباب ثم ابتسمت بتعب و همست:
ـ شكراً بجد، أنا آسفة إني تعبتكم كده، وربنا يخليكم يارب ليكم إنتو جدعان قوي .
"كريم" ببسمة هادئة:
ـ مفيش تعب ولا حاجة، أهم حاجة تطمنينا علينا بكرة وتهتمي بصحتك .
"سلمى" بنصح :
ـ خدي بالك من نفسك، وانتي محتاجة راحة يومين على الأقل، مش هينفع ترجعي الشغل كده .
"حنين" وهي تهز راسها بوهن :
ـ هعمل كده هنام شوية ولما أصحى هروح أكشف .
أغلقت الباب خلفها واستندت إليه لحظة دمعتان سالتا على خديها لا تدري إن كانتا من التعب أم من قسوة الحياة، أم من شعور عميق بالاختناق داخلها وهي لا تعلم أن ما ينتظرها في الأيام القادمة سيكون أقسى مما تحتمل


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close