رواية مشاعر موقدة ( ربما تستقيم الافئدة ) الفصل الثالث والعشرين 23 بقلم فاطيما يوسف
كان الصيف قد اشتدّ ولفح الحر الجاف لا يرحم عابرًا ولا مقيمًا الشمس تصبّ جمرها على الطرقات، والهواء كأنّه حبَسَ أنفاسه في شارع جانبي هادئ، جلس "رسلان" في شرفة منزل جده، يتأمل الفراغ أمامه كأنّه يحاور السماء ولا ينتظر منها جوابًا، الحزن مرسوم على وجهه، والوجوم يملأ عينيه حتى خُيّلَ لجدّه أنّ الفتى قد شاخ فجأة ،
اقترب الجد بخطوات بطيئة حذرة، يحمل كوبين من عصير القصب البارد، وقال بصوت دافئ:
ـ اشرب يا واد قبل ما تدوب من الحر.
رفع "رسلان" عينيه ونظر إلى جده، ثم تناول الكوب ووضعه على حافة السور دون أن يلمسه، قال الجد متبسّمًا، وإن كان القلق ظاهرًا في صوته:
ـ مالك، وشّك عامل زي قماش الكفن إنت لسه صغير على الهم ده كله ؟
هزّ "رسلان" رأسه وبدا كأنه يُصارع نفسه ليبدأ الحديث ثم تنهد بثقل وقال بصوت منخفض:
ـ "ليلى" سابتني .
ساد صمت لم يتخلله سوى صوت مروحة السقف العتيقة تدور في الداخل فجد "رسلان" يكره المكيفات ،
اقترب منه جده وجلس بجواره ثم قال برفق:
ـ ليه يا بني كدة علطول شكلها ماكنتش ناوية تكمل ؟
أجاب جده بنفس نظرة الحزن :
ـ هي موعدتنيش بحاجة، كانت دايمًا واضحة، وصريحة ، قالت لي من الأول إن الخطوبة بس علشان أهلها يبعدوا عنها الضغط وعلشان سمعتنا وإنها مش حاسة بحاجة ناحيتي بس أنا... أنا اللي غبي علشان كنت عارف إنها محبتنيش وبالرغم من كدة قلبي حبها واتعلق بيها وهو عارف إنها مش ليه .
انكسر صوته وهو يقول الجملة الأخيرة ، فتوجّع الجد لضعفه ثم قال وهو يربت على كتف "رسلان" :
ـ مش غبي يا حبيبي دي حاجة بتحصل القلب ساعات بيجري لوحده من غير ما يستأذن عقلنا .
هتف بلوعة وهو ينظر لجده :
ـ أنا حبيتها يا جدو ، كنت شايف فيها حاجة مختلفة ،كانت محترمة، لبقة، بتحترمني، كنت فخور إنك تعرفها وشجعتني كمان على الخطوة دي ،مكنتش عايز منها غير تبقى جنبي بس الظاهر إني كنت الوحدي في الحكاية.
نظر الجد من نافذة الغرفة إلى الشارع إلى الأشجار التي لم تعد خضراء كما كانت، إلى الأطفال الذين قلّ ضحكهم في عزّ النهار ثم التفت لـ"رسلان" وقال:
ـ هي قالت لك إن في حد تاني؟
حرك رأسه للأمام بحزن عميق وأجابه :
ـ آه ،بكل وضوح قالت لي إنها ماكنتش قادرة تقول علشان ما تجرحنيش، بس لما الشخص ده اعترف لها إنه مش قادر يصبر ولا يتحمل مقدرتش تكمل الكذب وجت قالت لي الحقيقة.
سادت لحظة صمت طويلة، ثم تابع "رسلان" بصوت مهزوز:
ـ قالت لي إنت محترم أوي، وأتمنى إنك تلاقي اللي تستاهلك بس أنا قلبي مش معاك.
أطرق الجد رأسه لحظة، كأنّه يقرأ شيئًا في الأرض بحزن شديد على حفيده ثم قال بهدوء:
ـ عارف يا ابني الصراحة موجعة، بس أرحم من الوهم ، اللي زي "ليلى" حتى لو وجعتك، بس كانت أمينة .
تمتم بلسان ثقيل من حزنه على مضي تلك التجربة :
ـ أنا عارف يا جدو بس الوجع مش في إننا سبنا بعض، الوجع في إن قلبي لسه واقف مكانه ودماغي مش عايزة تصدق.
رفع الجد يده في الهواء بإيماءة تدل على الحيرة وقال:
ـ القلب ده غدار يا "رسلان" ساعات يعلق في حد مابيحبوش، وساعات يحب حد عمره ما يشوفه بس لازم نسيطر عليه، ماينفعش نسيبه ياخدنا في سكة ضلمة.
تنفس بصدر منهك وهو يوافق جده على ما قال :
ـ أنا مش زعلان منها يا جدو، أنا زعلان من نفسي إزاي قلبي غلبني كده؟ إزاي بقيت بحلم بيها وببني معاها حاجات وهي أصلًا ماشية في طريق تاني؟
هتف جده باستجواد :
ـ دي طبيعة البشر يا بني كلنا بنتعلق، ونتوهم، ونحلم وده مش عيب العيب لما نفضل عايشين في وهم بعد ما نعرف إنه وهم .
أخفض "رسلان" رأسه ودفن وجهه بين يديه ، و بدا صغيرًا وهشًا، رغم جسده الطويل وملامحه الرجولية ، حتى قال بصوت خافت:
ـ أنا حسيت إني وحيد جدًا بعد ما مشيت ، ماما مشغولة، وشغلها واخدها، وصحابي مايعرفوش أنا من جواي مكسور إزاي بس إنت يا جدو كنت دايمًا السند .
ابتسم الجد ووضع يده على رأسه بحنان:
ـ وهفضل السند يا "رسلان" طول ما فيا نفس أنا مربيك من وإنت عيل، وشايفك أغلى من نور عيني كل لحظة ضعف تمر عليك، أنا شايل منها نصها.
تمسك بأحضان جده كالغريق المتشبس بقارب نجاته ونطق بقلب ملتاع :
ـ بس أنا تايه يا جدو مش قادر أكمل كأني ماحصلش حاجة، مش قادر أرجع أضحك وأتكلم عادي.
شجعه جده بنصح كي لا يلبث كثيراً في دوامة الحزن على ما ليس له :
ـ مافيش مانع تزعل يا حبيبي، الزعل مش عيب بس ما تسيبش الزعل يحبس روحك. الزعل مش نهاية، ده مجرد مرحلة.
رفع "رسلان" رأسه وعيناه محمرتان من أثر لمعة الدمع الذي أبى أن يخرج من مقلتيه ثم نظر إلى جده وقال:
ـ هي كانت جميلة يا جدو ،مش بس في شكلها، كانت روحها فيها حاجة كانت بتفهمني من غير ما أتكلم ، شكل ما يكون ملاك ربنا بعته لي وقت صغير واختفى من حياتي وسابني لضياعي .
حزن جدي لأجله ولكن تحدث بنبرة مشجعة واطرائية لشخصيته العفوية البريئة :
ـ وأنت تستحق واحدة كده، بس تحبك بنفس القدر صدقني، ربنا هيبعتلك اللي تريحك بجد، اللي تحبك عشانك، مش عشان الظروف.
أخذ "رسلان" نفسًا عميقًا، كأنه يحاول أن يملأ صدره بشيء من القوة ثم قال:
ـ أنا محتاج وقت ومحتاج أشتغل على نفسي يمكن أقدر أنسى.
نطق جده باستحسان:
ـ مش هتنسى، بس هتتجاوز في فرق كل واحد بيسيب علامة، بس العلامة دي مش لازم تفضل وجعانا على طول.
أخذ الجد الكوب الآخر، ومدّه لحفيده:
ـ اشرب بقى، العصير ساقع وهيبرد قلبك شوية.
أخذ "رسلان" الكوب هذه المرّة، وارتشف رشفة شعر بعدها بشيء من الراحة، وإن كانت زائفة ثم قال بنبرة أخف قليلًا:
ـ فاكر لما كنا بنروح محطة الرمل وتشتريلي فشار؟
ضحك الجد:
ـ فاكر يا خويا وكنت تقولي عايز العصير اللي فيه ألوان.
ـ كنت طفل ساعتها، بس بحس إن قلبي لسه طفل دلوقتي مش عارف يتعامل مع اللي حصل.
ابتسم جده وهتف بتشجيع :
ـ يبقى نرجعه يتعلم من جديد نخرج، نضحك، نحكي الدنيا لسه فيها حاجات حلوة ،
تحب نروح بكرة نتمشى شوية؟
أنا دايمًا جاهز، بس تيجي على نفسك وتقوم معايا.
ابتسم "رسلان" لأول مرة منذ أيام، وإن كانت ابتسامة باهتة، لكنها كانت بداية.
قال الجد وهو ينهض ببطء:
ـ يلا بينا نتوضى الشمس خلاص غرّبت، وتعالى نِفَرش السجادة ونصلي سوا يمكن قلبك يرتاح شوية.
نهض "رسلان" ومدّ يده ليسند جده، ثم مشيا سويًا إلى الداخل، كتف الشاب على كتف الشيخ، كأن الزمن قد انحنى لهما ليقول:
ـ كل وجع وليه نهاية وكل قلب وله شفاء.
كانت ساعة الغروب قد اقتربت، والشمس تودّع سمائها بلونها البرتقالي الحزين، وكأنها تشارك "رسلان" وجده لحظة التأمل الصامت في شرفة البيت الهواء صار ألين قليلًا، والهدوء استقر في المكان كضيفٍ دائم ،
جلس "رسلان" على الكرسي الخشبي بجوار جدّه، عاقدًا يديه أمام صدره، وعيناه شاردتان نحو الأفق ،
قال الجد وهو يُشعل مبخرته الصغيرة التي اعتاد استخدامها مع كل مساء:
ـ "عارف يا "رسلان" الحب الحقيقي عمره ما يكسرك، حتى لو ماكملش الحب الحقيقي بيعلّمك، مش بيهدّك.
تنهد "رسلان" ولم يرد فأردف الجد:
ـ اللي حصل بينك وبين "ليلى" كان لازم يحصل عشان تعرف إن قلبك لسه نضيف، ولسه يعرف يحب، ولسه عندك مشاعر تستحق اللي يقدّرها.
ـ بس أنا تعبت يا جدو حاسس إني اتكسرت من جوا، مش قادر أفكر في بكرة، مش قادر أصدق إني ممكن أحب تاني أو أفرح.
ضحك الجد ضحكة خفيفة، فيها حكمة السنين وقال:
ـ طب ما هو أنا اتكسرت قبلك، ووقفت تاني، فاكر ستّك الله يرحمها ؛ أنا حبيتها من طرف واحد سنتين، وهي كانت شايفة إني مش مناسب، وارتبطت بغيري بس الزمن دار ، ورجعت ليا بعد ما شافت حقيقتي، الحب مش دايمًا بييجي من أول مرة، ولا مع أول واحدة.
نظر "رسلان" إلى جدّه متفاجئًا:
ـ "إنت كنت بتحب غير تيتى ؟
ـ "أنا ؟!
دي كانت أول وآخر حب بس هي كانت مش شايفاني، وأنا كنت شايف فيها الدنيا لما رجعت، لقيتني لسه مستنيها من غير ما أعرف.
ابتسم الجد ثم وضع يده على يد "رسلان" وقال بنبرة جادة:
ـ بصلي كويس كده، وشوف أنا بقول إيه إنت قلبك لسه في أول الطريق وبدل ما تبكي على واحدة مشافتكش حبيب ، خلي تركيزك على اللي جاية ربنا مش بيضيع حد صادق، وإنت كنت صادق.
أطرق "رسلان" رأسه قليلًا، ثم قال:
ـ يعني أعمل إيه دلوقتي أعيش كأني ماعرفتهاش؟
ـ لأ، افتكرها كويس، وخد منها درس بس متعيش في الذكرى كل حاجة بتعدي، حتى اللي كنا فاكرين إننا مانقدرش نعيش من غيره.
ـ بس خايف أحب تاني واتوجع.
ـ وهو الحب ضمان؟
ده زي المطر، إما يسقي زرعك، أو يغرقك بس لو فضلت مستخبي، عمرك ما هتشوف الورد بيطلع.
سكت "رسلان" لحظة ثم قال:
ـ أنا عايز أركز في مستقبلي فعلاً، بس مش عارف أبدأ منين.
ـ ابدأ من نفسك قوم كل يوم الصبح اغسل وشّك، وبص في المراية وقول أنا أستحق أبقى سعيد ، روح جامعتك طوّر من نفسك، اتعلم حاجات جديدة. خليك جاهز عشان لما اللي تستاهلك تيجي، تلاقيك راجل.
ابتسم "رسلان" ابتسامة باهتة، وقال:
ـ وافرض مجتش؟
ضحك الجد وقال بحزم:
ـ هتيجي، هتيجي يا بني، هو في راجل محترم وشهم وطموح زيك، وربنا ينساه ؟
ربنا عادل مش بيضيع تعب حد، ولا صدق قلب.
ـ يعني أكمّل وأستنى ؟
ـ لأ، ماتستناش إنت امشي وهي هتجيلك في السكة خليك ماشي، متقفش عند محطة واحدة الحياة فيها محطات كتير، وكل واحدة فيها فرصة جديدة.
وقف الجد ببطء، وسحب كرسيه للداخل وهو يقول:
ـ تعالى يا سيدي، نكتب خطة كل يوم نعمل فيه حاجة مفيدة ، رياضة، قراءة، زيارة لصاحب قديم، أي حاجة تخرجك من دايرة الحزن والمرة الجاية لما تضحك، تضحك من قلبك.
ابتلع لعابه بصعوبة:
ـ أنا بحاول والله بس كل ما أفتكرها ...
قاطعه الجد بلطف:
ـ تبكي، ماشي بس بعد البكا امسح دموعك، وقول خلاص كفاية ماتخليش حتة من الماضي تعطل بقيّة حياتك.
سار "رسلان" خلفه نحو باب الشرفة، لكنه توقف لحظة وحدّق في السماء وقال:
ـ يا رب ابعتلي اللي تحبني زي ما أنا، وتكون ليا سند زي ما إنت يا جدو سندي.
ربت الجد على كتفه وقال:
ـ وهو هيبعت، بس إنت خليك جاهز تستقبل ، متخليش اللي سابك يخليك تشك في نفسك إنت تستاهل تكون محبوب وتستاهل تعيش سعيد.
دخل الاثنان إلى الداخل، وأغلقت الشرفة أبوابها على حديثٍ كان فيه شفاء، وفي قلب "رسلان" بدأت أول بذور النسيان تنمو ببطء، تحت رعاية رجل حكيم يعرف أن الحب الحقيقي، حين يرحل، يُمهّد الطريق لما هو أجمل.
********
ركض "هاشم" في طريقه إلى المقابر، قلبه يسبق خطواته، يصرخ داخله باسم "حنين" بينما العرق يغمر جبينه والصوت في رأسه يرنّ كناقوس جنون:
"قالت لي دخلتها التربة وهي غايبة يا رب ما تكونش ماتت يا رب ألحقها .
حين وصل، كاد يسقط من هول المنظر الأرض منقورة حديثًا والهواء ساكن، والمكان يملؤه الصمت المخيف اندفع نحو التربة المفتوحة، ويده ترتجف وهو يرفعها عن الأرض وهي ممددة كجسدٍ بارد، وجهها شاحب، وعيناها مغمضتان، وجسدها هامد لا حراك فيه ،
صرخ وهو يهوي على ركبتيه بجوارها:
ـ "حنين" ، يا "حنين"
فوقي أنا جيتلك أهو! يا رب ما تكونيش سبتيني .
حاول إفاقتها مراراً وتكراراً حتى أخذها بين ذراعيه، يلف جسدها النحيل الذي ارتجف تحت لمسته كانت لا تزال تتنفس ، ببطء، ضعيف لكن النفس موجود ،
ضرب على خدها بلطف وهو يبكي:
ـ افتحي عينيكي، أرجوكِ أنا آسف أنا كنت غبي وسايبك لوحدك وسط الوحوش يا بنتي قومي ده أنا ماعرفش عايش من غيرك .
من خلفه، جاء صوت أمه باهتًا، متردّدًا:
ـ كنت بعمل كده لمصلحتك يا "هاشم" عشان تخلف.
استدار إليها كالثور الهائج، عيونه تقدح شررًا، وصوته مخنوق بالغضب والدموع ولا يدري بما يقول ولا بما يصيح ويكأنها الآن عدوته وليست أمه :
ـ "إيه انتي مجنونة؟ دي مراتي ، مراتي يا ست الكل وإنتي ترميها في التربة وهي في وعيها فاكرة ده يرضي ربنا؟
تلعثمت في الرد واحمرت وجنتيها هلعاً :
ـ أنا ،أنا كنت عايزة حفيد، كنت شايفة إنها بتأجل الحمل و..
أكمل بدلاً عنها بصوت عالي:
ـ فترميها في الترب صح ؟!
اقترب منها و"حنين" لا تزال بين يديه، لا تتحرك وفي ذاك الوقت حضرت شقيقتيه واقتربت اقتربت منه أخته الكبرى بخطى مرتجفة:
ـ إحنا بس شجعناها يا "هاشم" ماما هي اللي..
صرخ في وجهها:
ـ انتي كمان؟! إنتوا بقيتوا إيه؟ بشر؟ ولا أشباح؟! اللي يشجع على رمي بني آدم في تربة يبقى بلا قلب .
ركض بها خارج المقابر، يحملها كمن يحمل قلبه الذي أوشك على السقوط وركب سيارته وجلس في الخلف، صوته لا يتوقف:
ـ استرها يا رب ،خفّف عنها مقدرش استغنى عنها يااااارب ،
في الطوارئ، دخل بها مهرولًا، وصرخ:
ـ اسعاف بسرعة مراتي كانت في غيبوبة .
التف الأطباء والممرضون حولها، نزعوها من ذراعيه وهو يصرخ:
ـ "أنا معاها سبوني معاها ،
لكنهم دفعوه برفق للخارج، وأُغلق الباب في وجهه ظلّ واقفًا أمام باب الغرفة، يداه ترتجفان، ووجهه ممتقع يتمتم بدعاء متقطّع، بينما عيناه لا تغادران الباب ،
مرّت دقائق كأنها دهور، ثم خرج الطبيب يطمئنه :
ـ هي فاقت لكن حالتها النفسية سيئة جدًا، واضح إنها كانت في حالة صدمة شديدة.
اندفع "هاشم" إلى الداخل، فوجدها جالسة على السرير، ملفوفة ببطانية، عيناها جاحظتان، تنظر في الفراغ، وشفاها ترتجف
اقترب منها ببطء جلس بجانبها أمسك يدها وقال:
ـ "أنا جيت يا "حنين" أنا جنبك، خلاص، إنتِ بأمان دلوقتي.
نظرت إليه ببطء ثم انفجرت في بكاء مرير :
ـ "ليه يا "هاشم" ليه أنا عملت إيه؟
كانت عايزة تقتـ.ـلني حدفتني في التربة بقلب ودم بارد كنت حاسة بالتربة على وشي كنت عايزة أصرخ ومتحملتش وغبت عن وعيي .
احتضنها بقوة، وهو يهمس:
ـ أنا آسف سامحيني أنا كنت غبي ماصدقتش لما كنتِ بتشتكي لكن أقسم بالله مش هسمح لحد يقرب لك تاني .
قالت وهي تنتفض بين ذراعيه:
ـ أرجوك يا "هاشم" مش عايزة أرجع هناك مش عايزة أشوفها مش عايزة أشم ريحتها .
هدئها مطمئناً إياها كي لا تعود لنوبة العصبية:
ـ خلاص خلاص مش هنرجع، أنا هأخدك بعيد، أي مكان تحبيه مش مهم البيت ولا الناس المهم سلامتك.
شهقت شهقة حادة وقالت وهي تشهق:
ـ أنا كنت هموت ،كانوا هيموتوني ،وإنت ماكنتش جنبي .
أحنى رأسه على صدرها يقبّل يدها وجبينها وهو يعتذر لها :
ـ أنا آسف، أنا كنت جبان، لكن دلوقتي هعوّضك، هعيش علشانك، هحميكي من الدنيا كلها .
دخل الطبيب مرة أخرى، وطلب من "هاشم" أن يخرج قليلًا لتطمئن الفتاة أكثر خرج مكرهًا، ووقف خارج الغرفة كجسدٍ بلا روح، بينما أفكاره تصرخ:
أنا إزاي كنت سايبها هناك مع ناس بالشكل ده؟
جاءه اتصال من أمه، نظر إليه، ثم أغلق الهاتف ثم جاءته رسالة من أخته:
ـ ماما عيانة وحالتها صعبة من اللي حصل.
ردّ برسالة واحدة:
ـ لو جرالها حاجة فإنتوا السبب ربنا كبير.
في صباح اليوم التالي، كانت "حنين" قد هدأت نسبيًا، لكن الخوف لا يزال يرسم ملامحه على وجهها جلست في سريرها، ممسكة بيد "هاشم" وقالت بصوت خافت:
ـ مش هرجع البيت ده لو رجعت هموت."
أومأ برأسه:
ـ مش هترجعي خلاص، الموضوع انتهى، أنا عندي بيت كامل هيبقى لينا ، من دلوقتي هنعيش لوحدنا .
سألته بحزن :
ـ هيسيبونا ؟
أجابها بحزم وقوة :
ـ مش بمزاجهم انا حر اعيش انا ومراتي في المكان اللي يعجبنا طالما هم وصلوا للدرجة دي من الجحود والجُرم .
قالت وهي تمسح دموعها:
ـ كنت فاكرة إنك مش هتصدقني كنت فاكراك خلاص وقفت في صفهم .
تنهد بثقل لما حدث لها بسبب انه كان لم يصدق شكواها دوما وينعتها بالدلع :
ـ أنا كنت أعمى بس لما شفتك مرمية في التربة فوقت ، شوفت إزاي كدت أخسرك بسبب سكوتي وقررت مش هسكت تاني أبداً.
تنهدت ثم أسندت رأسها على كتفه، وهمست:
ـ "أنا مرعوبة بحلم إني لسه هناك بتتردم عليّا الأرض .
طوّقها بذراعيه وقال:
ـ أنا جنبك وكل يوم هيعدّي هينسيكي الكابوس ده ، بس أوعديني إنك هتقاومي علشاني.
أومأت برأسها، بعينين دامعتين:
ـ طول ما إنت جنبي... هقاوم."
في مساء اليوم نفسه، عاد "هاشم" لشقتهم ليجمع بعض أغراضهما دخل كالعاصفة، وصوته يدوي في المكان:
ـ فين أمي؟"
خرجت إليه أخته وهي تبكي:
ـ في أوضتها ما بتتكلمش من ساعتها.
دخل الغرفة فوجد أمه جالسة مكسورة لأول مرة لا تنظر في وجهه قال ببرود:
ـ لو جرالها حاجة، فأنتي السبب."
رفعت نظرها إليه ببطء، وهمست:
ـ "أنا كنت فاكرة إني بعمل الصح .
ـ الصح ؟!
دا اسمه جريمة بس مش هبلغ عنكم هسيبك لضميرك .
نظر إلى أخواته وقال:
ـ وإنتوا وقفتوا تتفرجوا ده أنا اللي كنت دايمًا شايلكم، تبيعوني كده؟
لم ترد أحدا منهن فهم مرتعبون منه الآن ويخافون معرفة انهم من شجعوا والدتهم على تلك الفكرة ،كانت العيون مطأطئة والقلوب مرتجفة أخذ حاجته وخرج يغلق خلفه بابًا لن يفتح مرةً أخرى.
ذهبوا إلى ى منزلهم الجديد بدأت "حنين" تتعافى كانت تخطو خطواتها الأولى نحو النسيان وكان "هاشم" سندها، كما وعدها ،
وفي كل ليلة، قبل أن تنام، كان يحتضنها ويقول:
ـ أنا جنبك ومش هسيبك تاني متقلقيش يا حنيني .
كانت ترد بعينين ناعستين:
ـ أول مرة أحس بالأمان بجد شكراً يا "هاشم" .
وكلما أغمضت عينيها، كانت ترى ظلام القبر يتلاشى، ويحل محله نورٌ دافئ، اسمه "هاشم"
*********
كان المساء ثقيلاً في منزل الدكتورة "شهيرة" رائحة الياسمين تتسلل من الشرفة، مختلطة بنسائم البلدة الصيفية الدافئة، بينما الأضواء الخافتة تكسو الصالة بطيف هادئ من السكون ، جلست "ليلى" في الركن المفضل لها، حيث اعتادت أن تقرأ أو تكتب أو تسرح بخيالها، لكنها هذه المرة كانت تغزل في صدرها اعترافاً ثقيلًا، يحمل طيف حبٍّا وآخرَ من ألمٍ لم يفصح عنه بعد ،
كانت الدكتورة "شهيرة" المرأة الراقية، ذات الملامح الهادئة، تجلس إلى جوارها، تتأمل ابنتها كأنما تستشف ما وراء السكون في عينيها ، فقالت "ليلى" بصوت خافت، وهي تشبك أصابعها بتوتر:
ـ ماما أنا لازم أقولّك حاجة مهمّة أوي، ومش عارفة أبدأ منين.
رفعت "شهيرة" حاجبيها بلطف، ثم ابتسمت بهدوءها المعتاد، وقالت بصوتٍ ناعم:
ـ "ابدئي من أي حتة يا حبيبتي، أنا معاكي، زي ما دايمًا كنت.
زفرت "ليلى" زفرة طويلة، ثم نظرت إلى الأرض وهمست:
ـ "أنا سبت "رسلان" .
سكتت للحظة، تنتظر ردّ فعل، لكن أمها ظلت تنظر إليها بهدوء، دون ذهول أو لوم، مما شجعها على الاسترسال:
ـ أنا عارفة إنك كنتي شايفة إن التمثيلية دي مؤقتة، وإننا بنحاول نحافظ على الشكليات، بس أنا خلصت التمثيلية خلاص قلت له إن مفيش بينّا حاجة، وإن كل ده كان اتفاق.
مدّت "شهيرة" يدها وربتت على ركبة "ليلى" :
ـ طب بصّيلي كده إنتي كويسة؟ الموضوع ده مضايقك؟
أومأت "ليلى" ببطء، ثم قالت:
ـ "أنا اللي ضغطت على نفسي من الأول، علشان سمعتي، وعلشان ما يتقالش عني إني بلعب بمشاعر حد بس الحقيقة … الحقيقة إن قلبي كان في حتة تانية خالص.
قالت "شهيرة" بهدوء وهي تنظر في عيني ابنتها:
ـ "زيد" ؟
أومأت "ليلى" دون كلام، وعيناها تلمعان بشيء من الألم ثم قالت بصوتها المرتجف:
ـ كان تعبان أوي يا ماما ، حالته النفسية كانت منهارة، وأنا كنت السبب وافقت على خطوبتي لـ"رسلان" عشان أبعد عن المشاكل وهو كان بيتفرج عليّ من بعيد وأنا بضحك قدام الناس، وهو بيتهد من جوه.
"شهيرة" اعتدلت في جلستها ثم قالت برقة:
ـ طب إنتي بتحبي "زيد" بجد ؟
نظرت "ليلى" إلى أمها للحظة ثم قالت بصراحة صادقة:
ـ "أيوه، بحبه ، حبّه دخل جوّه قلبي من غير ما استأذن حاولت أبعد، حاولت أنسى بس قلبي ما سمعش الكلام وصدقيني هو اتغيّر بجد ما بقاش "زيد" بتاع زمان اللي يعرف بنات كتير بقى إنسان تاني خالص.
سكتت "شهيرة" قليلًا، ثم سألتها بتأنٍ:
ـ "وإزاي قدرتي تتجاوزي فكرة إنه كان بيكلم بنات قبل كده إنتي طول عمرك حساسة تجاه الموضوع ده ؟
هنا تنهدت "ليلى" ببطء، وقالت:
ـ عشان شوفت ندمه في عينيه، وشوفت التغيير الحقيقي مش بس بطل يعرف بنات لأ، ده اتغير حتى في طريقته في الكلام، في تصرفاته، في احترامه لنفسه قبلي وأنا مؤمنة إن الإنسان ممكن يتوب و يتغير وأنا صدّقت توبته حسّيت بيها مش بالكلام بالفعل.
ابتسمت "شهيرة" في هدوء، ثم فتحت ذراعيها، لتحتضن ابنتها برفق ،
ارتمت "ليلى" في حضن أمها كطفلة صغيرة عادت لتوها من حرب طويلة، وأغمضت عينيها وهي تهمس:
ـ "أنا تعبت يا ماما كل حاجة كانت ضاغطة عليا ، الخوف، والناس، والكلام اللي ممكن يتقال .
ربتت "شهيرة" على شعرها وقالت:
ـ "بصي يا "ليلى" إنتي عملتي الصح طول ما قراراتك نابعة من قلبك وعقلك، فأنا وراكي ، بس لازم أقولّك حاجة مهمة جدًا.
ابتعدت "ليلى" قليلًا ونظرت إليها باهتمام، فقالت "شهيرة" :
ـ ما تتسرعيش مع "زيد" الحب حلو، بس لازم يبقى فيه عقل مع القلب وأنا واثقة إنك نضجتي كفاية عشان تفرقي بين الحب الحقيقي والانبهار المؤقت.
هزّت "ليلى" رأسها وقالت:
ـ أنا فعلاً كنت في الأول منبهرة بس دلوقتي لأ، بقيت عارفة كويس هو مين، وعارفة نفسي عايزة إيه.
قالت "شهيرة" بابتسامة هادئة:
ـ يبقى نكمل على نور بس اوعي تسيبي نفسك لأي لحظة ضعف، أو تسامحي في حاجات جوهرية خلي بالك من نفسك ومن كرامتك قبل قلبك .
قالت "ليلى" بتأثر:
ـ هو قال لي إنه مستني لحد ما أكون مستعدة، وإنه مش هيضغط عليّا في أي حاجة وأنا صدقته وكنت محتاجة أسمع كلامك ده علشان أطمن.
ضحكت "شهيرة" بخفة وقالت:
ـ يا بنتي أنا أمك وكنت شايفة حبكم من زمان بس قلت أسيبك تختاري بنفسك، وادعي لك ربنا ينور بصيرتك. وسواء "زيد" ولا غيره، أنا معاك، بس أهم حاجة تكوني مرتاحة ومطمنة.
تنهدت "ليلى" بارتياح، وكأنها أزاحت عن صدرها حملًا ثقيلًا، ثم قالت:
ـ "أنا ناوية أبلغه إنه خلاص أنا مش مرتبطة بـ"رسلان"، وإن كل حاجة انتهت.
قالت "شهيرة" بهدوء:
ـ بصّي، قولي له، بس قوليها براحة ما تعمليش كده كأنك بتدي له ضوء أخضر خليه يعرف إنك بتقيمي الأمور، وبتفكري بهدو ده هيخليه يقدّرك أكتر.
أومأت "ليلى" بإعجاب:
ـ علشان كده بحكي لك على كل حاجة مفيش أم في الدنيا بتسمع وبتفهم زيك.
قالت "شهيرة" وهي تضمها تاني:
ـ "علشان إنتي بنتي وحبيبتي وصاحبتي وأنا طول عمري مؤمنة إن أقرب صحاب البنت لازم تكون أمها وأنا فخورة بيكي، مش علشان سبتِ "رسلان" ، لأ علشان عرفتي تختاري الوقت الصح والطريقة الصح ومن غير ما تأذي حد.
ضحكت "ليلى" بخفة وقالت:
ـ طب، انتي مش زعلانة إني ما كملتش الخطوبة؟
قالت شهيرة:
ـ أنا زعلانة إنك تعبتي في صمت بس الخطوبة دي من أولها كانت اتفاق، وإنتي ما وعدتيهوش بحاجة، وكنتي صريحة من الأول وده يكفي.
سكتت لحظة ثم أضافت:
ـ بس هطلب منك وعد.
ـ أوعدك بإيه؟"
ـ إنك دايمًا تحكي لي حتى لو حاجات بسيطة. علشان نفضل دايمًا قريبين زي دلوقتي.
حضنتها "ليلى" بقوة وقالت:
ـ وعد انتي الحضن اللي بطمن فيه لما الدنيا تتقفل في وشي.
قالت "شهيرة" وهي تربت على ظهرها:
ـ ربنا ما يحرمنيش من ضحكتك يا لولو. ويكتب لك السعادة اللي تستاهليها.
في تلك الليلة، نامت ليلى على صدر أمها، وقد أراحها الحديث، والقرار، والاحتواء.
خارج نافذة الغرفة، كان الهواء يمرّ على أوراق الزيزفون في الحديقة الصغيرة، بينما عصفور صغير يغرد، وكأنه يشاركهم الطمأنينة ،
وفي قلب "ليلى" سكن شيء من اليقين
أن الحب الحقيقي لا يخاف منه حين يحتضنه العقل،
وأن الأم، حين تصادق ابنتها، تمنحها أعظم درعٍ في الحياة.
**********
كانت شمس الظهيرة تصبّ نورها بحرارة معتادة من صيفها المتّقد، والمباني القديمة المحيطة بجامعة المنصورة تلقي ظلالها على الأرصفة المزدحمة، حيث يتحرّك الطلّاب بأزيائهم الصيفية وحقائبهم المدرسية بين هذه الزحمة، كانت "ليلى" تسير بخطى مترددة، قلبها يدقّ كأنه يطرق باب الحياة من جديد ، وجهها المضيء، المعتاد على التماسك، كان يخفي ارتباكًا لم تعهده ارتدت فستانًا بسيطًا بألوان ناعمة يتماشى مع ذوقها الرفيع ويزين رأسها حجابها الذي ما زاد وجهها إلا جمالاً ،
دخلت كافيه كلية الصيدلة المكان الذي شهد على صمتها الطويل وجلوسها بجوار "زيد" دون أن تقول شيئًا يرضي قلبه، أو يخبره بما يدور بداخلها الآن حان وقت الحقيقة ،
كان "زيد" جالسًا عند الطاولة المعتادة، يحدّق في شاشة هاتفه بشرودٍ عميق ملامحه منهكة كأن أيامًا من السهر سبقت هذا اللقاظ ،قهوته الباردة أمامه لم يلمسها بعد، ونظراته زائغة بين الطاولة والباب، وكأنّه ينتظر شيئًا لا يتوقع حدوثه ،
ما إن دخلت حتى انتبه لها، لكنه لم يتحرك. تجمّد للحظة كأنّه رأى طيفًا لا يجرؤ على تصديقه وقفت هي أمامه بلحظة صمت، ثم ابتسمت تلك الابتسامة المهذبة التي لا تفضح شيئًا، لكنها كانت اليوم مشوبة برهبة وحنان دفين ،
ثم قالت بصوت خافت:
– "مساء الخير يا "زيد" .
رفع عينيه إليها ببطء، كأنه يخشى أن تنكسر الصورة، ثم أجاب بصوت مختنق:
– ليه ، ليه فجأة جيتي؟
جلست أمامه بهدوء، تنفست بعمق ثم قالت:
– "أنا حبيت أبلّغك إني انفصلت عن "رسلان."
كأن كلماتها ألقت حجرًا في بحيرة راكدة، فارتجف وجه "زيد" لحظة وانحبست أنفاسه ، اتسعت عيناه وهو يحدّق فيها، ثم أعاد السؤال:
– إيه ؛ ليلى، بتقولي إيه؟
– خلاص الخطوبة انتهت، بشكل نهائى وده كان قراري بإرادتي.
أسند ظهره إلى الكرسي، وغطّى وجهه بيده للحظات، كأنه يحاول يصدق أو يستوعب ثم أنزل يده ونظر فيها طويلًا، يتأمل ملامحها، تلك التي طالما أحبها بصدق شديد:
– أنا مش مصدق يا ليلى بجد؟
هزّت رأسها بابتسامة خجولة نظرت إلى الطاولة ثم قالت:
– عارف الموضوع مش بسيط بالنسبالي، ولا كان سهل بس كنت بعمل اللي حسيت إنه صح .
صمتت لحظة ثم استجمعت شجاعتها وقالت:
– أنا وافقت على التمثيلية دي عشان أهلي، خصوصًا بابا، كنت خايفة على سمعتي، على صورتي قدام الناس بس لما شفتك حالتك عاملة إزاي، واللي وصلك له، حسيّت إني ظلمتك.
نظر لها بحزن وصدق، وقال:
– أنا كنت ببكي وأنا ساكت كنت حاسس إنك مش مرتاحة، بس ماقدرتش أعمل حاجة مكنش معايا حيلة.
– وأنا كنت بنهار جوايا كل يوم بس مش قادرة أقول ولا أتكلم ماما فهمتني، دعمت قراري، قالت لي إني لو بحبك بجد لازم أكون صريحة مع نفسي الأول.
سألها بصوت خفيض يشوبه رجاء خفي:
– بس إنتي بجد بتحبيني؟
احمرّ وجهها بشدة، نظرت في عينيه للحظة ثم خفضت نظرها، وقالت بصوت فيه حياء وصدق:
– آه بحبك."
ازدرد ريقه بصعوبة، ثم سألها بصوت مرتعش:
– بس إزاي ؟
أنا كنت إنسان تافه، بلعب، وعلاقتي بالبنات كان سيئة إزاي تجاوزتي ده؟
رفعت رأسها ونظرت له بعينين دامعتين، وقالت:
– ماما قالت لي زمان إن مفيش حد بيتغير إلا لما يكون عايز فعلا وإنت اتغيّرت، ومش عشاني بس، عشان نفسك شوفتك بتكافح، بتبعد عن الصحبة اللي كانت بتشدك للورا، شوفتك لما كنت بتتعب وتحاول تتصلح وقلبي ساعتها ما قدرش يقفل بابه في وشّك.
ابتسم وهو بيبص لها بنظرة ممتنة، وقال:
– أنا كنت بعيش على أمل حتى لو كان بعيد مش مصدق إنك قدامي دلوقتي، وبتقولي الكلام ده.
قالت له بحزم رقيق:
– بس لازم تمشي واحدة واحدة،
" زيد" إحنا مش بندي لنفسنا فرصة عشان نهرب من حاجة، لأ إحنا بنبدأ من جديد، بس على أرض ثابتة ، ماما قالت لي إن الحب مش كفاية، لازم احترام وتفاهم وتأنّي.
– أنا مستعد أصبر، مستعد أثبت لك كل يوم إني جدير بيكِ وبحبك، وعمري ما كنت بحب حد كده.
– أنا كمان بس لازم ناخد وقتنا، نفهم بعض أكتر بعيد عن الدوشة والماضي.
مرّت لحظة صمت حُلوة، كان فيها كل طرف يستوعب الكلام الذي قيل ويشربه كأنه نقطة مياة بعد عطش ،
ثم قال "زيد" بنبرة فيها امتنان وحب صادق:
– أنا عمري ما هنسى اللحظة لما قلتي لي بحبك، حسّيت إن الغمّة اللي كانت فوق قلبي اتشالت.
ضحكت "ليلى" بخجل وأشارت له بيدها وقالت:
– بس كفاية كلام حب إحنا لسه في كافيه الكلية، هييجي علينا واحد من الدكاترة .
ضحكوا سويا، وكانت تلك أول المرات يضحكون فيها سويا من قلبهم بدون تمثيل أو خوف ، كانت "ليلى" لأول مرة ليست خائفة من حكم الناس، وكان "زيد" لأول مرة لم يحاول التمثيل أو يثبت هو كان حقيقي، وهي كانت صادقة.
ثم أخرجت من شنطتها ظرف صغير، ناولته له قائلة:
– ده مكتوب كتبته امبارح، فيه حاجات كتبتها عنك وأنا باخد قرار الانفصال كنت بفتكر كل حاجة، كل كلمة، كل لحظة وكتبت كل ده عشان أقولك إني مش ندمانة، وإن قلبي اختارك.
أخذه منها بتأثّر، وقال:
– هقرأه كل ليلة وهخليه معايا دايمًا.
ثم أمسك بكفّها برفق، وقال:
– وعد نبدأ سوا من غير خوف .
قالت:
– وعد بس بالعقل، وبقلوبنا الصافية.
– وكل خطوة هتكون ليكى وكل يوم هحاول أكون الشخص اللي تستحقيه."
كان النهار قد بدأ يهدأ قليلًا، والشمس تميل نحو الغروب مع نسمة هواء عليلة تسلّلت إلى الكافيه، وكأنها تُبارك هذا اللقاء الجديد في تلك اللحظة شعرت "ليلى" أن روحها عادت لحضنها، وأن هذا القلب الذي ظلّ مشدودًا بحبال التردّد قد أطلق سراحه أخيرًا ،
وخرجوا من الكافيه سويًا، لا كعشّاقٍ ضالين، بل كأرواح التقت أخيرًا بعد طول اغتراب.
********
في قلب ليلة صيفية دافئة وبينما كان "زيد" قد عاد لتوّه من يومٍ طويل في الجامعة، ألقى بجسده على أريكة بسيطة في غرفة المعيشة، يتأمل السقف بصمت، كأنّه يبحث فيه عن شيء ضاع منذ زمن كانت الأيام الماضية قد بدأت تنقشع عن قلبه شيئًا فشيئًا، خصوصًا بعد أن أخبرته "ليلى" بانفصالها عن "رسلان" لكن رغم الفرح، ظلّ قلبه مشدودًا بخيوط من التوتر والقلق ، وفجأة، دقّ جرس الباب ،
نهض بتثاقل وفتح، فإذا بسيدة في منتصف الأربعينيات تقف أمامه، ترتدي عباءة سمراء نقية، وغطاء رأس بسيط كانت تحمل في يديها أكياسًا كبيرة ممتلئة بالفاكهة والطعام ،
قالت وهي تبتسم بخجل:
– السلام عليكم يا أستاذ "زيد" ، أنا آسفة إني جيت كده من غير ميعاد، بس كنت لازم أجي لك النهاردة.
تفاجأ "زيد" لكنه ابتسم تلقائيًا.
– وعليكم السلام ورحمة الله، أهلاً وسهلاً، ده بيتك يا حاجة، تفضلي.
دخلت الأرملة، وجلست على طرف الكنبة بعد أن وضعت الأكياس على الطاولة. كانت ملامحها مشرقة، لكن عيناها كانتا تلمعان بدموع حبستها طويلاً ،
قالت بصوت خافت:
– أنا كنت دايمًا بقول في قلبي، اليوم اللي هشوف فيه وشك وأشكرك من قلبي، لازم أكون شايلة في إيدي خير ربنا، زي ما إنت دايمًا كنت بتشيل لنا خيرك من غير ما نطلب.
ابتسم "زيد" بارتباك، وقال:
– يا حاجة بالله عليكي، إنتي كده بتحرجيني أنا ما عملتش غير الواجب، وربنا هو اللي بيسخر عباده لبعض.
هنا، أخرجت السيدة ورقة مطوية من حقيبتها اليدوية، ومدّتها إليه.
– دي نتيجة "شيماء" بنتي، اتعينت في البنك المركزي، قسم الاستثمار وكانت من أوائل دفعتها في تجارة إنجليزي الحمد لله يا ابني الحمد لله.
أخذ "زيد" الورقة، وعيناه تلمعان بفخر حقيقي.
– الله أكبر ، بجد شيماء؟
أنا كنت دايمًا شايف فيها الذكاء والإصرار ربنا يباركلك فيها.
هزّت رأسها والدموع بدأت تنساب على خديها:
– وكل ده بفضل ربنا ثم حضرتك لو ما كنتش حضرتك واقف في ضهرنا من غير ما نطلب، كنا ضيعنا ، كانت "شيماء" هتسيب التعليم، و"يوسف" ابني كان زمانه في الشارع.
رفعت عينيها إليه، وقالت وهي تشهق بالبكاء:
– "يوسف" دخل كلية الشرطة السنة دي وأنا مش مصدقة!
ساد الصمت لحظة، فقط صوت بكائها جلس "زيد" بجوارها وربت على كتفها :
– ربنا كريم، وهو اللي بيدي لكل واحد على قد نيته. بس متنسيش إنك إنتي أم عظيمة، ربيتيهم صح، وربنا كافأك.
قالت بنبرة ممتنة:
– أنا ما عملتش حاجة، أنا كنت بقول: "يا رب ابعت لنا حد يرحمنا". فبعَت لنا حضرتك. كنت بتدفع مصاريفهم، وتجيب لهم لبس، ودروس، وأكل وكل ده من غير ما تلمّح، ولا حتى تكلّف نفسك تقول أنا عملت كذا أو كذا .
ـ كنت بعمل اللي ربنا يرضى عنه. وأنا شايف فيهم اخواتي بجد.
مسحت دموعها بطرف الإيشارب، ثم قالت:
– كنت بدعيلك كل يوم، والله العظيم كل يوم قبل ما أنام وبعد ما أصحى كنت بقول يا رب يسّرلُه طريقه، وافتح له أبواب الخير، واغفر له واهديه، ووفقه للبنت اللي تسعده والنهاردة وأنا داخله عليك، حسيت إن دعواتي مش راحت هدر.
تنهد "زيد" وشعر بشيء يذوب في قلبه، كما يذوب الثلج تحت شمس الضحى :
– الحمد لله يا حاجة هو اللي بيوفّق، وبيفتح القلوب وأنا اللي سعيد جدًا بيكوا النهاردة.
قالت بنبرة أكثر خشوعًا عن جزاء الصدقة:
– "الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ." [البقرة: 274]
ثم أضافت:
– والرسول عليه الصلاة والسلام قال: "الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار." والله يا ابني، أنا كنت شايفة ده بعيني، كل ما بتساعدنا، كنت بحس ربنا بيبعد عنك البلاء، ويفتح لك من حيث لا تحتسب.
ابتسم "زيد" في تأمل، وقال:
– سبحان الله ساعات الواحد بينسى إن اللي بيعمله النهاردة، هو اللي بيشكّل مستقبله ، ويمكن اللي أنا عملته كان سبب في تفريج كربة عنكم، وربنا فرّج همي كمان.
قالت الأرملة:
– وأنا جيت النهارده، مش بس أشكرك، أنا جيت أقولك إني هفضل ادعي لك طول عمري، وإن أولادي هيكبروا وهم فاكرين اسمك، وبيحكوا عن الراجل اللي كان سبب في نجاحهم.
ثم وقفت فجأة، وقالت وهي تمد يدها نحو الأكياس:
– خُد دي، من خيرات ربنا. عسل، وعنب، ولحمة، وعيش بلدي سخن مش حاجة قد اللي عملته معانا، بس دي بركة من اللي ربنا بعتهالك.
رفض "زيد" بلطف، لكن أمام إصرارها، وافق وهو يقول مبتسمًا:
– ده أنا اللي مفروض أضايفك، بس واضح إنك سبقتيني بخيرك.
خرجت الأرملة من عنده، وتركته في حالة تأمل وسكون جلس على الكرسي المتأرجح في الشرفة، يطلّ على شارع هادئ في حيّ من أحياء المنصورة، حيث الضوء الأصفر للمصابيح ينعكس على الأرصفة، والهواء يحمل نسمات حنونة ثم همس في نفسه:
– اللهم اجعلني سببًا في سعادة الناس، واغفر لي ما قدمت وما أخّرت."
ثم أخرج هاتفه، وأرسل رسالة قصيرة إلى "ليلى" :
– "عاوز أحكيلِك النهارده عن حاجة حصلت، خلت قلبي يبتسم من جواه.
********
في مساءٍ ساكنٍ من مساءات الصيف في تلك البلدة خلف نوافذها المغلقة، دخل "نادر" إلى شقته الجديدة التي ازدانت بأضواءٍ خافتة وورود نثرتها "نوجا" في الأركان كانت تلك الليلة الأولى لهما بعد زواج عُقد على عجل ،
لم يكن "نادر" ذلك النوع الذي يضع اعتبارًا كبيرًا للزواج، لكنه فعل ، فعلها أخيرًا بعد سنواتٍ من التجربة والتمرد والصخب كانت "نوجا" شيئًا مختلفًا ليست فقط بشكلها اللافت أو طريقتها في الحديث، بل بنظرتها التي تعرف كيف تنفذ إلى مكامن الضعف والغرور في آن فتاة لا تخجل من أن تُظهر ما تُريد، ولا تُفسح المجال لمن يحاول تطويعها ،
جلس على الأريكة الجلدية في غرفة المعيشة، سيجاره الفاخر بين أصابعه، يراقب ألسنة الدخان وهي تتراقص في فضاء الغرفة عقله مشغول لا بالليلة نفسها بل بما ينتظره بعد هذه الليلة لم يكن يعرف الكثير عن ماضي "نوجا" ولا سألها تفصيلًا اكتفى بما أفصحت عنه باقتضاب، وربما لم يُرد أن يعرف، حتى لا يُفسد سحر الغموض الذي اكتنفها ،
رنّ هاتفه على الطاولة المجاورة أمسكه دون حماسة، ففتح رسالة قصيرة لا تحمل اسم مرسل، فقط:
"مبروك يا نادر لبست في الحيط.
رفع حاجبيه، وأعاد القراءة مرّتين لم يفهم المعنى في البداية، لكنه استشعر خبثًا ما بين الحروف. هل يُعقل أن تكون تلك الرسالة من أحد أصدقائه الذين لا يطيقون نجاح غيرهم؟ أم من طليقته، التي ظنّ أنها ما تزال تحتفظ ببعض مشاعر الغيظ؟ سخر من الفكرة وقال بصوتٍ خفيض:
"طبيعي... كلهم بيولعوا.
لم يُرد أن يمنح الأمر أكبر من حجمه، فوضع الهاتف جانبًا وأطفأ سيجاره بعناية في الوقت نفسه، خرجت نوجا من الغرفة وهي ترتدي فستانًا بسيطًا بلون الكرز، بدا أنيقًا رغم بساطته. لم تُبد أي توتر، بل بدت متصالحة مع اللحظة، بل وربما متقدمة عليه بخطوة ،
نظرت إليه قائلة بنبرة خفيفة:
"مالك؟ شكلك اتغير.
هزّ رأسه، وقال وهو يزيح أثر الشرود عن وجهه:
"رسالة بايخة كده وصلتني، بس غالبًا من حد حاقد.
اقتربت منه وجلست على طرف الأريكة، قالت بثقة وهي تضع يدها فوق يده:
ـ اللي بيرمي كلام، بيبقى عارف إنه مش قادر يعمل أكتر من كده.
أعجبته ثقتها بنفسها، لكنه في أعماقه كان يحمل سؤالًا لم يجد له جوابًا بعد ، من تكون نوجا تمامًا؟
ولماذا اختارت هي أن ترتبط به تحديدًا؟ أسئلة تحوّمت حوله كالعصافير المذعورة، لكنه أبعدها مؤقتًا ،
انتهت الليلة بسلام. لم يقع شيء غريب، ولم يظهر ما يثير الريبة فقط حديث بسيط، ضحكات متقطعة، وليل بدا أطول من المعتاد. ومع شروق الشمس، استيقظ نادر على هاتفه وهو يهتز على الطاولة رسالة جديدة من نفس الرقم المجهول:
ـ نادر، مش كل اللي يلمع ده دهب.
تجهم وجهه لم يكن يُحب الألغاز حاول أن يتتبع الرقم، لكنه لم يتمكن. ضاق صدره قليلًا، لكنه لم يرد أن يُظهر شيئًا لنوجا، التي بدت في تلك اللحظة منشغلة بإعداد القهوة ،
مرّت أيام قليلة، وبدأ نادر يلاحظ أمورًا صغيرة كانت نوجا تتجنب الحديث عن ماضيها، وتتفادى اللقاءات العائلية، وتظهر حذرًا ملحوظًا حين يرن هاتفها لم تكن هناك أدلة واضحة، لكن عقله الذي لا يهدأ راح ينسج الاحتمالات ،
وفي إحدى الليالي، بينما كان جالسًا في شرفته يدخن سيجارًا جديدًا من علبته المستوردة، تلقى رسالة مختلفة، هذه المرة بصيغة مباشرة:
ـ اتجوزت نوجا يبقى لازم تعرف إنها ما كانتش يوم بنت بنوت.
تجمدت يده، واتسعت عيناه. ظلّ صامتًا للحظة، كأن الزمن توقف لم يكن يعلم أيفتح باب المواجهة الآن؟
أم يصمت حتى يتأكد؟ كانت الرسالة تحمل جرحًا في كبريائه، أكثر مما تحمل فضيحة حقيقية.
دخل إلى البيت دون أن ينبس بكلمة وجدها جالسة تشاهد فيلما هادئًا، فلم يُرد أن يفسد اللحظة جلس بجوارها، ظلّ صامتًا، يُقلب في رأسه كل المواقف السابقة، كل التفاصيل الصغيرة التي أهملها من قبل ،
وفي صباح اليوم التالي، قرر أن يزور صديقه القديم، الذي كان يعرف نوجا من بعيد لم يُرد أن يسأل صراحة، لكنّه ألقى ببعض التلميحات. لم يحصل على جوابٍ مباشر، بل مجرد نظرات تحمل ألف معنى.
رجع إلى بيته مثقلًا، لا يدري أيتصرف كرجلٍ مُهان؟
أم كشخصٍ يجب أن يسمع من زوجته أولًا؟ لكنه اختار الثانية. ناداها، وطلب منها الحديث بجدية جلست أمامه دون تردد، وقالت:
"أنا حاسة إن في حاجة مضايقاك، وعايزة تقول.
تنهد، ثم قال:
أنا عايز أعرف الحقيقة من غير لف ودوران في رسايل بتجيلي، وحد بيحاول يهدّ اللي بينا.
سكتت للحظة، ثم رفعت عينيها نحوه وقالت بحزن مصطنع وهي تحاول تمويهه :
ـ أنا ما كدبتش عليك في ولا كلمة أنا قلت لك إني عايزة نبدأ من جديد، وسايبة اللي ورايا. لو في حد بيحاول يشوهني، فأنا مش هرد عليه بس لو انت شاكك فيا ده موضوع تاني.
كلامها لم يكن دفاعًا، بل إعلانًا بالوقوف على خطٍ واضح لم يُجبها، بل اكتفى بالنظر إليها مطولًا، وفي قلبه غصة لم يعرف مصدرها الحقيقي ،
مرت أيام أخرى لم تُرسل فيها أي رسائل جديدة بدا كأن العاصفة قد هدأت، لكن أثرها ظلّ محفورًا في ذهن نادر لم يعد كما كان، ولا هي.
كان الزواج، بالنسبة إليه، مغامرة جديدة يريد لها أن تكون بداية جديدة، فإذا بها تُغرقه في دوامات الشك والريبة. أما هي فقد تلاعبت به بمهارة .
