رواية روح بلا مأوي الجزء الثاني الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم سارة فتحي
الفصل الواحد وعشرون
****
روح بلا مأوى
****
الجزء الثانى
****
تجولت عيناه على الغافية بجواره فللمرة الأولى التى
يتأملها منذ رآها ويملك الحرية فى تأملها شعرها الطويل
الأسود الغجرى منثورًا على وسادته وها هى تغفو على
فراشه، انحنى برأسه ليتأمل اهدابها السوداء الكثيفة
ابتلع بصعوبة وهو يكافح أوامر قلبه أن يلامس شفتاها
رغبة فى استكشاف ملمسهم لكنه حزم الصراع بين
قلبه وعقله بأنه لم يحين الموعد
زفر محاولًا كبح لهفته عليها اراد أن يجعلها تشعر بالأمان قدر المستطاع سيحاول بشتى
الطرق أن
يكون أهلًا لها حصنها المنيع، فجأة حدث ما لم
يتوقعه تقلبت على الفراش باريحية ثم اندست فى احضانه وحاوطت خصره بيدها، ابتلع لعابه وهو يشعر بنعومة جسدها ودفئه الذى افقده عقله حتى كاد يشعر بأن صدره لما يعد يتسع لنبضات قلبه الخافقة، ازاح يدها برفق فاعادتها ثانية وهى تزمجر ماسحة وجهها بصدره
كانت كالقطة الصغيرة التى تبحث عن دفئ والدتها
فقربها منه بهذه الطريقة هلاك وليس من العدل أن يهلك وحده فابتلع ريقه ثم همس:
-هاجر
هاجر قومى اصحى
تنهيدات خافتة خرجت منها وهى تشد على خصره
اكثر، غمغم بخفوت وهو يكور يده قائلًا:
-اهدى يا هاجد الوقت المناسب لسه مجاش،
يا هاجر الله لا يسيئك قومى
ناداها بنبرة صوت مرتفعة أكثر فرقت جفونها بصعوبة
متساءلة :
-فى أيه؟!
أنا فين؟!
تمتم بصوت اشبه بالهمس:
-انتِ بين روحى ونبضى انتِ فى مرفأ قلبى
ثم حمحم قائلًا بصوته الأجش:
-صباح الخير يا هاجر
انتبهت لنفسها واستقامت من رقادها وركعت على ركبتيها مستنكرة نفسها كيف لم تشعر بنفسها ونامت هكذا حتى أنها لم ينتابها أى قلق من تغير المكان لملمت
خصلاتها الغجرية رافعة حاجبيها:
-أزاى تقرب منى كدا وأنا نايمة
افتقد الدفئ الذى تسلل من جسدها إليه فبلل شفتاه
قائلًا بمشاكسة:
-أنا متحركتش من مكانى انت لو تلاحظى أنا على حرف
السرير أنتِ اللى كنتِ بتتحرشى بيا
توسعت عيناها بذهول ثم قاطعته مزمجرة وهى تضع يدها فى خصرها:
-أنا أية؟! أنا واحدة نايمة أنت صاحى المفروض تقوم يا استاذ ميصحش كدا
تناول يدها جاذبًا إياها حتى تجلس امامه ولم يفلت يدها قائلًا:
-أنا جوزك ودا عادى ممكن تهدى بقى
ثانيًا صباح النور على أجمل واحدة فى الكون مش المفروض تصبحي علي جوزك ؟!
تكاد الدماء تنفجر من وجنتيها تشعر بالاستيحاء من نظرات عيناه همست بخفوت:
-صباح الخير
اتسعت ابتسامته قائلًا:
-أيوة كدا خلى اليوم ينور
ثالثًا ودا الأهم يا هاجر مش عايز حد يعرف حاجة عننا
ابدًا مش هقولك مشاكلنا متطلعش بره باب الشقة
لا يا هاجر بره باب أوضتنا دية، وأنا أوعدك هاكون هاكون سرك وحصنك اتفقنا يا هاجر
التقت عيناها بعيناه وخضرتهما العجيبة التى تشع ضوء
ثم اجفلت من نظراته ولمساته وهزت رأسها بالايجاب
لتسحب يدها وقبل ان تنهض دق جرس الباب فابتسم
هاجد:
-دية أكيد أمى.. اتفقنا يا هاجر.. وأن سألتك امى على
أى حاجة هتقولى أيه؟!
ابتلعت بحرج وهى تفرك كفيها قائلة:
-الحمدلله وبس
خبط هاجد مقدمة رأسه وهو ينهض يقف فى مقابلها قائلًا بمكر:
-لأ لأ الحمدلله أنهاردة وبس مش حلوة، بصى ضخمى
الأمور بقى وقولى ياما هنا وهناك، صيتينى يعنى
اشاحت بوجهها محاولة ان تهدأ ثورة انفاسها المتلاحقة من مغزى حديثه مما ادى إلى ارتفع حرارة جسدها فقالت :
-اى الكلام دا هى الحمدلله وخلصنا وعن اذنك
افتح بقى
كانت تتمتم بخفوت لكن وصل همسها إلى اذنه:
- قال اصيتوا قال أنا اصلًا مبحبش الكدب
توسعت عين هاجد بصدمة لكن سرعان ما تحولت إلى
ابتسامة عريضة وهو يهمس:
-هى دية هاجر إلى شفتها أول مرة ومفارقتش احلامى
اللى لسانها بينقط شربات
******
بعد مرور نصف ساعة من الجرى الخفيف وقفت كيان
تلتقط انفاسها والعرق يتفص من جبينها كانت ملامحها مبهمة، روحها البائسة تطل من عينيها؛ عينيها تمتلأ قهرًا ليسع العالم ليتجرع الهم والغم تزفر بعمق كأنها تدفع ما فى صدرها من أسى وخيبة أمل
وقف ساهر ينظر لها بأعين قلقة، هربت بعينيها بعيدًا
ومضت نحو مقعد خشبى يوجد فى ممرات الجرى لتجلس عليه وهى تفتح زجاجة المياه وترتشف منها بضع قطرات ثم حدقت بالفراغ أمامها متجاهلة
كلماته القلقة عليها
واخيرًا استوعبت كلماته فى الإطمئنان عليها فابتسمت
بخفوت قائلة:
-متقلقش انا تمام عشان بس أول مرة اجرى كدا
بدا صوتها مضطربًا، فابتسم بهدوء متسائلًا:
-أول مرة فعلًا متعبة، اخبارك انتِ وكنان أيه؟!
اخيرًا بدأت التنفس بشكل طبيعى، بداخلها رغبة فى
المزيد من الكلام ربما تريح نفسها العليلة، لكن لازال
هناك عائق بينها وبين ساهر، نعم بدأت فى تقبله ولكن
ليس لدرجة البوح بما يعتلى صدرها ربما فيما بعد
تنسج العديد من الاحاديث معه فاجابته باقتضاب:
-الحمدلله بخير
صمت قليلًا ثم حدثها بتردد قائلًا:
-يا كيان أنا قدك فى السن بس يعنى اخوكِ
الرجل، وأنا وانتِ قررنا نتعامل مع الحقيقة دية
أنا عايز اتكلم معاكِ كأخ بينصح اخته ممكن واتمنى
تسمعى منى زى ما كان نفسى ميرا الله يرحمها تسمع
منى، مافيش راجل هايقبل يسمع حد بيتغزل فى مراته
ويسكت وخصوصًا لو بيحبها زى ما واضح للكل بلاش
قربك من تامر لو هايعملك مشاكل وانا اوعدك انى مش
هاسيبه خالص، انا مش عايز حياتك تبوظ:
قهقهت بهيستريا حتى أدمعت عيناها ثم رفعت بصرها إليه
قائلة:
-أنا اصلًا حياتى بايظة من زمان ومش عارفة اعيش
ولا اتجاوز أى حاجة حصلتلى وأنا طفلة أنا اتعذبت
واستحالة أنسى كل الوجع حاجات ماقدرش اقولها
بس تعبانى، وتاعبنى أوى ان الكل بيطالبنى أنا عشان
حياتى اتعدلت شهرين انسى ذل وإهانة 23 سنة
حاضر هادوس على زر وهانسى الماضى اصلى مش
بحس، كفاية نصايح من كل تعب حطوا نفسكم مكانى
وأبعد عن تامر صعب حتى لو هو اتجاوز فى كلامه الفترة دية بالذات صعب تامر لسه
خارج ومش واثق فى الناس اصلًا لو حس اني بعدت
مش هيترجمها غير انى ببعد عشان هو مش مناسب
انى اعرفه فى الوقت الحالى، ماحدش هايحس بيه غير
اللى اتكوى بناره، انت مش متخيل هو كمان شاف أيه
لما كنت بروح مع ماما هدى للملجأ كان بيمسك فينا
ويقول خدونى أنا خايف ، أنت متعرفش يعنى أية
ملجأ، بالحق أنا جدى كان هايرمينى فى ملجأ عشان
أبوك رفض يصرف عليا أو عشان ......
اغمضت عيناها بقهر وقد عادت إليها كل الذكريات
السيئة؛ ذكريات أيام حالكة اقساها تحرش شقيق والدتها المستمر بها، رمز الشيطان فى قذارته ودنائته ارتجفت
وبدأت اقدامها تهتز بعنف سيظل شبح الماضى يطاردها وندباته محفورة بداخلها حاولت السيطرة على دموعها وهى تغير الحديث قائلة:
-تامر فين يا ساهر؟!
فرت دمعة من عيناه وكأن خنجرًا انغرس بقلبه أيقن
أن شئ بداخلها انكسر ولن يجبره الزمان فاجابها بانكسار
ووجع قائلًا:
-ليه مدورتيش علينا
رفعت يدها فى وجهه قاصدة أن توقفه عن الحديث الذي
لم يجلب لها سوى ألم ثم اعادت سؤالها:
-فين تامر؟!
-معرفش هو اخد اوراقه الصبح ولم سألته رايح فين
قالى بدور على شغل
هزت رأسها بيأس قائلة:
-كنت عارفة أنه هيعمل كدا أنا هاكلمه واشوفه
بلل ساهر شفتاه متسائلًا:
-هو ازاى ميعرفش أهله ومعاه شهادة ميلاد أنا شُفتها
-عشان أحنا بيطلع لنا شهادة ميلاد عادى باسماء
وهمية من الصحة اى اسم تلات اسماء ويبقى
اسم ثلاثى بس بيبقى فى كود يتعرف لو الشهادة
دخلت مصلحة حكومية تتعرف انه مجهول النسب
تناول يدها بين كفيه قائلًا:
-كيان انتِ مش زى تامر نهائى الوضع مختلف احنا
كلنا معاكِ
-طبعًا طبعًا انا وضعى اسوء منه على الاقل هو
مايعرفش اهله ولا اترمى ليه ولكن أنا ليه أب وأم
كل واحد متجوز وخلف وعاش حياته ورمونى
كانهم بيعاقبونى أنا
قبل أن يرد عليها ساهر دق هاتفها برقم فضغطت باصبعها
على زر الأجابة قائلة:
-أيوة أنا كيان مين حضرتك؟!
استغرقت المكالمة عدة دقائق ثم انهت وهى فى حالة
من الذهول فسألها ساهر:
-مين؟! مالك ؟!
-دا مخرج فى التلفزيون عايزينى أنا اقدم برنامج طبخ
فى اشهر قناة طبخ فى الوطن العربى
ضمها ساهر بعفوية وهو يهنأها بحب وعينه دمعت
وهو يهمس:
-مبروك انتِ تستاهلى الخير
يا كيان، والله لو كنت اعرف أن
ليا اخت كنت جبتها تعيش معايا لو اخر يوم فى عمرى
أنا مش وحش ياكيان حقيقى أنا فرحان ليكِ يا اختى
ادمعت عيناها بتأثر وربتت على ظهره قائلًا:
-ساهر الناس غير أنا لسه مش موافقة
هز رأسه بسلب قائلًا:
- مافيش الكلام دا اختى وأنا وافقت عنك
نظرت إليه فى صمت مكتسية ملامحها مزيج من الحيرة
والدهشة والحزن شعرت بدفئ احضانه ودت لو بكت
بين ذراعيه أو كانت بالفعل تربت معه، قامت وهو
يتبعها ساروا معًا وكل منهم داخله شئ ينمو للأخر
رابط الدم والأخوة، شعرت للحظات أن لديها سند بالحياة
*****
-انت شايفة كدا يا دكتورة؟!
تلك الكلمات قالها كنان موجهها لشاهندة بينما هى عقبت
على كلامه قائلة:
-أنا واثقة فيك ومتأكدة أن نجاح العملية دية هتبقى
نقل فى تاريخك المهنى بس الموضوع محتاج دراسة
على روقان لأن مناخير المريضة تعتبر متدمرة
رفع كنان الأشعة التى بيده فى اتجاه الضوء ليرى
الكسور بوضوح مدققًا النظر ثم وضعها امامه على
المكتب الزجاجى وحدثها بعملية قائلًا:
-أنا حاسس أنها مخاطرة، بس محتاج تيم معايا
فى العمليات وأنتِ معايا فى العمليات اكيد
-اكيد يا دكتور مقدرش ماكنش معاك
فى هذه الاثناء فتح الباب ودلف ضياء للداخل دون استئذان وتوسعت عيناه من جملتها فاردف مستنكرًا:
-فى أية؟!
متقدريش على أيه بالظبط
حمحم كنان ثم تابع:
-فى عملية كبيرة محتاج ادرسها عشان هاعملها ومحتاجك معايا وطبعًا الدكتورة شاهندة معانا
رفع ضياء حاجبيه مستنكرًا:
-هى رحلة؟!
رفعت شاهندة احدى حاجبيها ثم نهضت ووقفت فى
مقابله قائلة بثقة:
-لو حضرتك مش فاضى بلاها يا دكتور، أصلًا الدكتور
كنان كلفنى اكون تيم من الدكاترة، عن إذنكم
راقب انصرافها وهى تدك الأرض بكعبها ثم استدار لكنان
قائلًا:
-يا جدع القبول نعمة ربنا ودية ربنا حرمها منها البت
دية مش طايقها
-مش دا كان نفس كلامك على بيسان بردوا
هز رأسه سريعًا وهو يقول:
-لأ بيسان كانت ثقتها فى نفسها تخليك تحس أنها صعب
تكون واحدة مننا حياتها جد اوى لكن دية قلبى بينقبض
لما اشوفها
استدار كنان بمقعده يمينًا ويسارًا وهو يزفر بملل قائلًا:
-خف جو كونان والتحقيقات دي دماغى فيها ميت حاجة
مش قادر لكل الهرى بتاعك
-ايوة انا كنت جايلك عشان كدا من الصبح مولع
فى التمريض والعمال مالك؟!
زفر كنان بوهن فالأمر زاد وبلغ مبلغه معه يود أحد أن
يشاطره احزانه نظر بشرود إلى اللاشئ متحدث بألم
بينما اشفاق ضياء عليه قائلًا:
-لو تفتكر أول مرة لما سألت أن كيان ليها ظروف خاصة
وقولت قابل صح؟!
قاطعه كنان بحدة:
-ضياء متنرفزنيش ظروفها وعارفها وقابلها وصابر
وموافق بس مش هاقبل واحد يتغزل فى مراتى
قدامى أيه مالك؟!
عقب الأخير بنبرة اخشوشنت وهو يزجره بغضب:
-انت غبى؟! أنا قولت كدا؟!
أنا اقصد أنك لازم تستوعب فكرة أن واحدة بظروف
كيان استحالة هتتخلى عن تامر يبقى من الغباء أن
كل مشاكلكم تبقى عشانه هو هيبقى لازق بحكم
شغله معاها.. انا شايف أنك تمسكهُ الحسابات هنا
ونسحله ليل ونهار ميخرجش من هنا من ناحية بتكبرُه
وناحية تانية بتكدرُه... ركز اومال فين الصياعة
دا انت استاذ مالك الحب مدهولك ولغى مخك
بالنسبة للعملية دية انا كمان شايف أنك تجمد قلبك
وتتكل على الله
-مع بعض يا دوك
ابتسم ضياء ثم ادعى التفكير قائلًا:
-بس عندى شرط
*******
-معقولة دكتور كنان يعمل كدا
كانت تلك الجملة التى عقبت بها لبنى على التسجيل
الذى سمعته للتو
اطرق ضياء رأسه بأسف قائلًا:
-انا كمان مش مصدق والله شديت معاه جامد قولتلوا
الهزار دا مش مقبول
-فعلًا، مش مقبول لو كان فعلًا محل الورد وبعت باسمك
انت مش على اسم هاشم كانت بيلا زعلت جامد
اطرق ضياء رأسه بأسف وهو يدس الهاتف فى جيبه قائلًا:
-ما هى زعلانة وهاشم سكره مش بيوطى نهائى وهى
متأثرة على الأخر
همهم لها بالإيجاب ثم نهض متوجهًا للباب وهو يقول:
-انا جيت اسمعك بنفسى التسجيل عشان عارف أنك
ممكن متصدقيش، بس كان لازم اقولك اول واحدة
حتى كنان كان جاى يعتذر ليكِ مخصوص بس أنا
مرضتش أنه يجى قولت نتكلم على راحتنا عن اذنك
هاروح اطمن عليهم فى البيت الوضع هناك صعب
-ضياء استنى هاروح معاك انا زودتها مع هاشم اوى
هاطلع اغير واجيلك
هز رأسه على مضض وما أن انصرفت حتى قفز عاليًا:
-ياس ياس
******
بعد مرور اسبوع كان كنان واقف أمام المرآة يرتدى ساعة معصمه وهو يؤنب نفسه على ردة فعله وقسوته معاها فى الأيام
الماضية لقد اغضبها واحزنها وتسبب فى بكاؤها كل
ليلة كان يشعر بها، وما كاد أن يرفع عيناه حتى وجد
باب الغرفة يفتح ليجدها هى ود لو اقترب وضمها
بين ذراعيه لينعم بها بين احضانه لكن كبرياؤه اللعين
طالعها بطرف عينيه بنظرات مشتاقة
تجمدت فى مكانها فهى لم تراه الأيام الماضية
ويتجاهلها تمامًا شعرت بتوتر بالغ ودقات قلبها
سريعة يكاد يخرج من محجره مسحت حبات
العرق من التوتر وحاولت أن تهدأ من روعها
وتوجهت نحو الفراش ووضعت حقيبتها ثم فكت
حجابها ووقفت خلفه تهمس قائلة:
-كنان لو سمحت عايز اتكلم معاك
اغمض عيناه وهو يسمع نبرة صوتها الرقيقة التى
يعشقها واشتاق لها ابتلع محاولًا اخفاء لهفته قدر الأمكان حتى لا ينفضح كم كان يتعذب فى بعده عنها
وينفضح امره وتذوب كرة الجليد امام شمس
عيناه الساطعة فتجاوزها قائلًا بكبرياء:
-مش فاضى لما ارجع
انصرف وظلت هى محدقة فى الفراغ بنظرات ثابتة
تشعر بالاختناق التمعت عيناها بالدموع كانت تود أن
تخبره بالعرض التلفزيونى كانت تود أن يساندها...
****
بعد مرور اسبوع واعتادت هاجر على البيت كانت تشعر بالأمان بالراحة والسكينة بينما هو كان يعاملها كملكة متوجة لكنها لا زالت تتعامل معه بتحفظ
ذهبت للمطبخ بعد أن شعرت بالجوع كانت متألقة بثوبها الوردى الفضفاض مسحوبًا نحو خصرها بلطف زينته بشعرها الذى رفعته خلف رأسها بطوق من الياسمين
فوجدت امامها صينية البقلاوة فاقتربت تأخذ قطعة منها لتأكلها وهى تصدر اصواتًا تدل على التلذذ قائلة:
-امم، يخربيتك يا حماتى عليك صوانى بقلاوة هاتجبلى
السكر
-مش خايفة تسمعك؟!
انتفضت عندما سمعت صوته خلفها مُعلقة عسليتها
بخضرواتيه ثم همست بفزع:
- حد يخض حد كدا
قهقه بملء صوته فاحتلت وسامته كل أنش بوجهه:
-متحاوليش انتِ قولتى يخربيتك يا حماتى وأنا هقولها
اخفضت بصرها بوجنتين مشتعلتين خجلًا قائلة:
-مجاز يعنى من حلاوة البقلاوة
على ذكر البقلاوة انتبه لفتات البقلاوة عالقًا على شفتاها
تقدم منها ولم يعد يقدر على الصبر أكثر وقد اعلنت
عيناه نيته الماكرة فارتدت للخلف، ظل محدقًا بكل
انش بوجهها، رفع خصلة غرتها خلف اذنها بلطف متطلعًا لها بهيام رغم ملامحها المتخشبة، ثم تجرأ وخطف قبلة طويلة من شفتيها، ابتعد بانفاس لاهثة كانت ذات تاثير
لايقاوم عليه، عيناها ملكت سحرًا فريدًا عليه لكنها كانت
جامدة بين يده فهمس أمام شفتاها:
-كانت فى بقلاوة على شفايفك وكنت بشلها بس احسن بقلاوة دوقتها فى حياتى
تسارعت نبضاتها وشعرت بنضبة قلب خاطفة ترددت بين اضلعها بعثرت مشاعرها كحقل مفرقعات بداخلها أول مرة يقترب منها هكذا صدح جرس الباب انقذها من سطوته فهمست:
-عماتك وبناتهم جم روح افتح
******
وقف تامر تحت شجرة بالطريق وجبينه يتندى بالعرق
بسبب حرارة الشمس، حك عنقه بتأزم، يشعر بالتعب والارهاق يغزو جسده وكل خلية به تصرخ تطلب الرحمة؛ فهو منذ اسبوع لم يترك مكان لم يبحث فيه عن وظيفة شاغرة فهو لم يّرِد أن يكون عالة عليها، لمح مقهى على الجانب الأخر، دس يده فى جيبه واخرج منها بضع جنيهات عبست ملامحه وتهدلت اكتفاه باحباط وهو يعيد النظر إلى الفكة التى بيده، لكنه كان بحاجة لكوب من الشاى
كان يرتشف اخر قطرات الشاى ثم تنهد بتعب فيبدو أن القادم ليس بهين تناول الملف الذى امامه وطالع شهادة
ميلاده وركز نظره على خانة الاب والجد اسماء وهمية
ابتسم بمرارة فهو بلا جذور تتقاذفه الحياة بين امواجها، هو فعلًا تائة لم يعد يعرف على من يصب غضبه، لحظات
من المتعة المسروقة غاب فيها الضمير والانسانية
لينتج هو وامثاله ولم يجدوا سند أو من يحنو عليهم
فشوارع مأواهم ودار الرعاية أقسى مكان يصلون
إليه يعنفون على أقل شئ، ينحرمون من الطعام
لم يجدوا يد تربت عليهم ليلًا حين يفزعون، أو ضمة
حنان، لم يعرفوا أى طعم لسعادة
فرت دمعة من عيناه مسحها سريعًا هى فقط القريبة منه سيسعى إليها، لكن داخله صوت
ينهره، أنت جبان هى لا تستحق هذا منك، انت ضعيف
بلا هوية لن تستطع اسعادها أو حمايتها، تململ كمن
يجلس على صفيح ساخن تعالى الصوت بداخله يلومه
بقسوة، لكن فؤاده يصرخ يريدها هى ملاذه من قسوة
الدنيا البسمة الوحيدة فى عتمة حياته، فرك وجه بعصبية كأنه يجاهد اسكت هذا الصوت، نظر له بعض الجالسين فى الطاولات المجاورة، اخرج النقود يضعها على الطاولة ونهض بانفاس لاهثة كأنه خرج من ماراثون للتو
يشعر بأن انفاسه اصبحت عبئًا عليه، يود أن يلفظ
انفاسه الأخيرة كى يشعر ببعض الراحة
*****
بدلت هاجر ملابسها سريعًا وذهبت لاستقبال الضيوف وجلست معهم ثم نهضت تقدم لهم واجب الضيافة
بينما استئذن هاجد لأداء الصلاة فى المسجد
فابتسمت هاجر محاولة خلق حديث بلطف:
-نورتوا يا طنط
-طنط؟! اسمها عمتى يا حبيبتى
هزت رأسها بمجاملة ثم نهضت إحدى عماته وهى تجوب
انحاء الشقة ثوانٍ وكانت تنضم لها أخرى ويقوموا بفتح
خزانة الاوانى الصغيرة (النيش) ثم لوت ثغرها قائلة:
-ماله النيش صغير ليه يا حبيبتى كدا
-اومال فين حاجتك ياحبيبتى؟!
ابتلعت هاجر لعابها باحراج قائلة:
-دا مودرن يا طنط هو كدا
هزت رأسها على مضض ثم تجاوزوها متجهين إلى غرفة
النوم كأن البيت بيتهم وهى خلفهم كادت هاجر أن تنفجر
بهم لكنها تماسكت فى أخر لحظة وهما متابعين عملية
تفقد اغراضها ولا يخلو الأمر من التنمر مرت اكثر
من نصف ساعة على هذا الوضع ثم خرجوا من الداخل
وعلى ملامحهم نظرات الشماتة فتح هاجد الباب
ليجدهم على وشك الانصراف عقد حاجبيه قائلًا:
-على فين يا جماعة؟!
اجابته باقتضاب:
-هنروح يا ابن اخويا مبروك
-ازاى لازم تقعدوا نتغدا مع بعض
التفتت إلى هاجر ثم إليه قائلة:
-شكرًا يا حبيبى دا حتى مطلعتش من مراتك
قالت جملتها وانصرفت واغلقت ا الباب خلفهم بينما
هو تقدم نحو هاجر وعلى ملامحه الضيق:
-ممسكتيش فيهم ليه يا هاجر ياخدوا واجب الضيافة
-عشان دول ناس قلالات الذوق وكفاية انى استحملتهم
فتحوا كل حاجة واتعمدوا أنهم يقللوا منى ومن حاجتى
هما قاصدين وكويس انى سكت
ترقرقت الدموع بعينيها وزمت شفتيها بينما هو غمغم بضيق قائلًا:
-هاجر ماتنسيش أن دول اهلى وليهم احترامهم
وعلى فكرة انا هاعزمهم بكرة
*****
يتبع
