اخر الروايات

رواية روح بلا مأوي الجزء الثاني الفصل السادس عشر 16 بقلم سارة فتحي

رواية روح بلا مأوي الجزء الثاني الفصل السادس عشر 16 بقلم سارة فتحي


****

وما أن وطأت قدمها أرضية الغرفة أطلقت تنهيدة مرتعشة تختصر كل ما يجول بخلدها، كانت تفتح
عيناها وتغلقها على أمل أن كل ما حدث مجرد حلم
مجرد كابوس مزعج ترغب بالاستيقاظ منه سريعًا للعودة لحياتها الطبيعية لكن عندما طالعت ضياء
أمامها ايقنت الحقيقة،
حقيقة وقوعها فى حين غفلة فى عشق ضياء الدافئ
نظرت إليه وقالت بنبرة مختنقة:

-ضياء طلقنى

ضحك ضياء مازحًا وهو يقول:

-طب اتجوزك الأول

ردت عليه والدموع متحجرة بعينيها قائلة:

-صدقنى مش هقدر الموضوع صعب عليا

تنهد ضياء متأثر بالألم الواضح فى عينيها فاقترب منها محتوٍ وجهها بين يديه قائلًا:

-أنا من بين بنات حوا كلهم اختارتك انتِ اكمل بيكِ
نص دينى، انتِ فى عينى الست الكاملة، كفاية
تقليل من نفسك أنتِ مفيش حاجة فيكِ تخليكِ
بالتردد دا سايبى نفسك تنطلق وبلاش تقيديها
بفكرة فى دماغك أنتِ بس ممكن تقوى بيا عشان
أحس أن ليا لازمة فى حياتك

بداخلها شعوران يتنحران صراع بين القلب والعقل فالقلب يريد الوصال أما العقل يزجرها بحدة تقف فى المنتصف حائرة الأمر يشبه الغرق لا فى الشط نجاة ولا فى امواجه لكنها حاولت أن تستعيد رباطة جأشها قائلة:

-يعنى مش هتخلينى أندم للحظة واحدة على القرار دا

هز رأسه بالإيجاب قائلًا:

-هخليكِ تندمى على كل لحظة بعدتى فيها عنى
وهبقى افكرك، هخليكِ تقولى كنت فين من زمان
ياضياء

ثم تحمحم قائلًا:

-احنا مش هنغير بقى

تحولت ملامحها مرة أخرى وانتفض جسدها فابتسم
قائلًا:

-بيلا حبيبتى أحنا هنغير عادى بس مش أكتر بلاش
دماغك تروح لبعيد ومش هتحصل أى حاجة غير
لو أنتِ قابلة وراغبة كمان
غير إنى مجهز اللاب مصور كل تحضيرات الفرح
عشان نتفرج عليها مع بعض أيه رأيك؟!

ابتسمت بابتسامة خجولة ثم توجهت نحو المرحاض
اوقفها ضياء قائلًا:
-أنا فى خدمة لو محتاجة مساعدة اشيل التاج،
افتح سوستة، أقلعك

قاطعته بصراخ معترضة:
-ضييياء!!

-الطرحة اقلعك الطرحة مش فاهمة نيتك عاملة كدا
ليه النهارده؟!

توسعت عيناها بصدمة ثم هرولت تختبأ داخل الحمام
مرت نصف ساعة خرجت من الداخل ترتدى قميصًا زهريًا ذو حمالات رفيعة، طويلًا يصل حتى قدميها اختارته خصيصًا لذلك اليوم حتى لا تظهر الطرف الصناعى

ترتجف بالكامل اعصابها مفككة اصابعها ترتعش كعازف
بيانو متمرس ظلت كما هى دقائق طويلة حتى انتشلها
ضياء من شرودها مناديًا عليها وهو يطالع وجهها
بهيئته الوسيمة كان يرتدى تيشرت دون أكمام
وأحدى السراويل القصيرة، وهو يجلس على الفراش
وأمامه الحاسوب فاعاد نظره إلى شاشة الحاسوب
يقلب فى الصور حتى تأخذ راحتها فى حركتها

مضت نحو الفراش وجلست بجواره وهى توزع نظراتها
بينه و بين الحاسوب أما هو حاول تنظيم انفاسه فجلوسها جواره بتلك الطلة المهلكة، انفاسها الدافئة القريبة، وعطرها الذى يتغلغل داخل خلاياه، الأمر الذى
آثاره وجعل انفاسه تتثاقل رغمًا عنه وقبل اندفاعه لتنفيذ ما يحثه عليه عقله ابتلع ريقة محاولًا الابتعاد
بافكاره عن مدارها فحدثها وهو يطالع اللاب:
-اتفرجى بقى على المرمطة اللى حصلت ليا

تعلم أن هذا لم يكن الهدف الأساسى بل هو يحاول بثب الطمأنينة داخلها لكن هى بداخلها مشاعر متضاربة خوف، تردد، فرح فهزت رأسها وبدأت تطالع كل الصور ومقاطع الفيديو وتحولت ابتسامتها من بسمة هادئة إلى ضحكة عالية بينما هو عيناه اصبحت اسيرة ضحكاتها

*****

أحيانا يطرق الحب بابنا
لكن فى التوقيت الخطأ تقف له الظروف بالمرصاد

فك رباطة عنقه ثم فتح ازار قميصه سامحًا لنسمات
الهواء تبرد صدره المثقل بالهموم فقد عاد معها لنقطة
الصفر ثانيةٍ، فكل مرة يظن انه قطع شوطًا فى علاقتهم لكنه يصل لنفس النقطة تنفس بعمق ثم ادار محرك سيارته عائدًا مرة اخرى

بعد مرور نصف ولج كنان لداخل لفيلا لمح بطرف
عيناه والده يجلس فى الاستقبال تجاوزه متجهًا
نحو الدرج لكن اخرجه والده من شرنقته الحزينة
مناديًا وقف وهو يشعر بأن هموم العالم تتكأ على
قلبه ثم استدار قائلًا:

-نعم يابابا

استشعر زهير اشتعال الأمور بينهم خصوصًا بعد سماع
صوت التحطيم من غرفتهم وقبل أن يدفعه فضوله
للسؤال، ترك السؤال لزوجته وهو يرمقها ببراءة
مصطنعة فسألته والدته:

-أيه يا حبيبى صوت التكسير والصريخ دا؟!

اجابها بنبرة محتقنة:

-مفيش ياأمى

رد عليه والده بوجه عابس قائلًا:

-وبعدين يا كنان هتفضل سايب شغلك كدا كتير

ونسيت أنك دكتور .. المركز ديه تانى مرة يتأجل
الافتتاح بتاعه وفرع دبى مفيش حد هناك مننا
سبنا كل حالنا وجينا فجأة وياريت واخد بالك
من الشغل هنا ضيياء هو اللى كان شايل الشغل
كله مفيش غير اخر اسبوع انت بتضيع سنين
أنا بنيتها وبعدين يا كنان

اشتدت اوجاعه فقال بصوت مبحوح من اختناق تنفسه:

-اسف يابابا دية اول مرة وهأخد بالى من الشغل

-لا يا دكتور مش أول مرة، انت سيبت شغلك هناك
وجيت هنا ووجودك ماكنش ليه مبرر تحب نقفلها
هنا وهناك،
يعنى أنا عشان مش بعترض على أى حاجة

-خلاص يا زهير اهدى على كنان شكله تعبان
حبيبى شكله مرهق جامد

لامست كلمات والدته روحه المثقلة فهو بحاجة لأى دعم
يحتضنه مما يشعر به فهز رأسه بالسلب قائلًا:

-لأ يا ماما بابا عنده حق أنا قصرت من بكرة هااكون
هناك واتابع كل حاجة بنفسى

-هسافر فرع دبى انا بكرة وهسيبك هنا تخلص
وتأخد قرارك هتستقر فين وتعرفنى يادكتور

هز رأسه وسار صوب الدرج بقلبه الذبيح يصعد للأعلى
لمعذبته كانت والدته تطالعه مشفقة على حال ابنها
المنكسر بينما كان زهير يقف خلفها وعلى شفتيه
ابتسامة انتصار فمراده قد اقترب تحقيقه

****

نهض من على الفراش متوجهًا نحو الباب وهو يتمتم بنفاذ صبر فتح الباب وطالع وجه إحدى العاملات تبتسم بسعادة ومعها عربة طعام فوزعت نظراتها بين العربة وبين ضياء قائلة:
-هاشم بيه بعت العشا لحضرتكم

جز ضياء على اسنانه مبتسمًا بمجاملة وهو يهز رأسه
بينما انصرفت العاملة، دفع العربة للداخل بجوار
باقى العربات وتحدث من بين اسنانه موجهًا حديثه
لبيلا قائلًا:
-رابع عربية أكل خلال ساعتين دا احنا لو شغالين
مرضعات مش هنخلص كل دا أنا فاهم حركات ابوكِ

قوست شفتيها بتذمر طفولى قائلة:
-وبعدين يا ضياء بقى عشان تعرف بابا بيحبك اد أية

رمقها بطرف عيناه ثم رمق عربات الطعام قائلًا:
-انا مش مرتاح اصلًا للأكل دا حاسس أن محطوط
فيه حاجة اصلى شايب الكوتشينة مش هيبقى بالكرم
دا مرة واحدة دا ماكنش بيطيق يخلينى اكل عندكم
فى الخطوبة

تنهدت وهى تطالع الحاسوب ثانيةٍ فاتجة يجلس
بجوارها هو يشير لصورة التى امامها قائلًا:
-دية بقى يا ستى وهما بيعلقوا موكب الطاير
كانوا محتاجين حد فوق إلا الشغل كله هيوقف لحد ما يجى المساعد، طاهر قال أنا هطلع الصراحة خفت عليه
وقولت لأ بس هو اصر عشان ينجز وكان قدها
الصراحة والصورة ديه أنا كنت بعلق الورد عشان
نلحق

توسعت عيناها بذهول مردفة:
-انتوا ازاى تتعلقوا كدا أنتوا مجانين أنا مش مصدقة

-كملى باقى الفيديو دا

وما أن فتحت المقطع وجدت صورها منذ الطفولة
تحرك أمام عينيها مع اغنية رومانسية تلألأت الدموع
بعيناها فاقترب منها ضياء يطبع قبلة على وجنتها بنعومة، ابعدت رأسها للوراء وهى تضع يدها على
وجنتها وتجهمت قسماتها قائلة:
-ايه اللى انت عملتوا دا

هز كتفاه ببراءة قائلًا:
-بوسة بريئة خالية من الفتن

-يعنى أيه بوسة خالية من الفتن دية

اقترب منها ووضع يده خلف رقبتها يلتهم ثغرها
فى قبلة هادئة ناعمة ثم تحولت لقبلة شغوفة محمومة
قاومته فى بدء الأمر ثم سرعان ما وضعت يدها على
صدره وبدأت تبادله أياها، لأول مرة تختبر هذه المشاعر
الأمر يشبه السقوط فى حفرة مكهربة ليس هناك أى جزء صغير فى جسدها لم يشعر بالاندفاع الكهربائى
الرجفة تسرى بجسدها بالكامل ثم فرق شفتيها فخبأت رأسها فى صدره بخجل تشعر بمضخاته بجوار اذنيها، ولا زالت متشبث به فأزاح شعرها بيده ليظهر عنقها امامه ثم اقترب يهمس فى اذنها بصوت متهدج من ثورة مشاعره مردفا:

-عرفتى أيه الفرق بين البوسة الخالية من الفتن ولا
لأ

هزت رأسها بالإيجاب بينما هو لثم عنقها بقبلات رقيقة
شعر برجفة جسدها بين يده حتى همست بضعف:
-ضياء لو سمحت أحنا قولنا أيه؟!

تحمحم بصوته الرخيم قائلًا:
-أصلى لقيتك مردتيش فقولت اشرح اكتر

لكزته فى صدره بيدها قائلة:

-لأ فهمت خلاص فهمت

ابتسم وهو يطالع وجهها وهى لا زالت مغضمة عيناها
فهو سيخترق جدار عزلتها وخوفها سيدك حصونها
رويدًا رويدًا، أما هى كانت تحت تأثير الألتحام

*****

ولج للغرفة كالليث الجريح ثم أوصد الباب خلفه يطالع
الخراب الذى احدثه بالغرفة جابت عيناه الغرفة باحثًا
عنها وجدها متكومة على نفسها ولا زالت بفستانها
اقترب منها يطالعها بقلب يأن وجعًا وجدها نائمة وأثار الدموع تلطخ وجهها مد يده يمررها على وجنتها
ثم نهض واقفًا وحملها بين ذراعيه دافنًا رأسه فى
عنقها يتنفس بعمق يختزن رائحتها بصدره ثم
وضعها على الفراش ودثرها بالغطاء وتوجه نحو
الحمام ليغتسل لعله يخمد نيران قلبه

دقائق وكان يخرج من الحمام توجه نحو الفراش
لكنه تخشبت قدامه متذكرًا رفضها أن يشاركها
الغرفة فى الأيام الماضية وقف يشعر بغصة مريرة فى حلقة ثم توجة نحو الأريكة يمدد جسده
بخيبة أمل ثم سرعان ما سقطت جفونه فى نوم عميق
ناتج عن أرهاق يومه المشحون
******

بعد مرور أسبوع

كان اسبوعًا اشبة بالدهر يتحاشها ولا يحتك بها
لم تراه منذ تلك الليلة ألتو قلبها فى صدرها بألم
وعند هذه الذكرى تنهدت
بحرارة ململمة اذيال ذكرياتها المشبعة بحسرة
لوحت هاجر بيدها أمام وجهها لتنشلها من شرودها
قائلة:
-اللى واخد عقلك يا بختك يا دكتور كنان

ابتسامة ساخرة ارتسمت على محياها قائلة:
-الدكتور كنان!!
الدكتور معرفش حاجة عنه من ساعة الفرح
طلبت منه الطلاق ومن ساعتها مش شوفتوا

ضربت هاجر صدرها بحركة تلقائية قائلة:

-انتِ اتجننتى؟!
بعد اللى كان عملوا معاكِ فى الفرح ازاى؟!
انتِ بردو بتنفذى اللى فى دماغك اللى يلاقى حد
بيحبه كده ويفرط فيه كدا يبقى غبى

نظرت للأسفل تهز رأسها بيأس فعلاقتها هى وكنان تشبه تجاذب الأضداد همست بنوع من خيبة الأمل:

-الحب لوحده مش كفاية فى حاجات أهم أنا
أنا لازم أدور على نفسى عشان ابقى نص تانى
لحد، دماغى تعبت من تفكير كل حاجة حواليا
بتتعبنى حتى النفس اللى بيخرج دا بيتعبنى، من
ساعة اخر موقف وأنا مستنية أى حد يجى فى
أى لحظة يقولى والدتك بتموت تعالى شوفيها
وهى كمان تطلب السماح، مش قادرة انسى
شكله وهو بيموت قدام عينى وأنا كنت مرتاحة
ولا اتهزيت يعنى بيقول فراق الأب صعب طب
أنا ليه ساعتها كانت مرتاحة لأنه خاف من ربنا
عشان اللى عملوا فيا أنا أى حد بتأثر بيه بس حاسة، انى بقيت مريضة، وزهير ليه يعمل كدا ليه
يهددنى، بقيت بحس بالذنب والعجز وأنا معاه
عايزه افضح زهير فى ناس ماتت بسببه مش
متقبله فكرة وجودى أنا وهو فى حياة كنان
عايز اتعالج يمكن اقدر أواجه اللى جاى يمكن
اعرف اقف لزهير

ربتت هاجر على كفيها مطمئنه اياها قائلة:

-خدى هدنة نروح نكشف عند دكتور نفسى عشان ترتاحى من الضغط اللى انتِ فيه

-انا فعلًا حجزت من كام يوم

ابتسمت هاجر وهى ترتدى قناع المرح حتى توارى
خلفه وجعها هى الأخرى مردفة:
-الاستاذ ساهر اتاخر ربنا يستر احسن يكون
جاى جرى عم الرياضى

وقبل أن تنهى جملتها كان ساهر يقف امامهم طالعت
كيان هيئته اختلف كثيرًا عن اخرى مرة رأته، ملامحه
شاحبة، الهالات السوداء تحيط عيناه

وما أن وقفت ارتمى فى احضانها صعقت من حركته
لكنها لم تنكر بأن قشعر بدنها انتفض قلبها من الداخل
الأمر اشبه بأزالة الغبار من على قطعة الذهب حتى
تلمع مرة أخرى أول مرة تخبر ذلك الاحساس اخيها
يرتمى بين ذراعيها لازالت ذراعيها بجانبها لا تدرى
ماذا تفعل

أما هو كان يبتلع تلك الدموع المالحة التى شعر بطعمها
فى حنجرته اغلق عينيه وهو يزيد من ضمها يرثى
نفسه، يشعر بقلبه ينتزع من صدره، مجرد فكرة انه
خسر اخته بتلك الطريقة تمزقه أربًا همس بصوت
متألم:

-ميرا ماتت ياكيان اختنا كان نفسى تشوفيها وتتعرف
عليكِ يمكن لو كانت عرفتك كنت بقيتوا اصحاب
ومضعتش مننا، كنتِ هتحبيها هى وحشتنى أوى
أنا بقيت وحيد كلهم راحوا وسابونى

نزلت دموع هاجر متأثرة بكلماته بينما هى ظلت
جامدة ثم رفعت يدها بدون وعى منها تربت
على ظهره بحنان ابتسمت هاجر وازاحت دمعاتها
باناملها وظلت كيان تربت على ظهره فى ذلك الحين
تقدم منهم النادل وهو يرمقهم باشمئزاز بينما هاجر
وزعت نظارتها بينهم فيبدو أنه اساء الفهم فتمتمت:

-معلش مش هنطلب دلوقتى

انصرف النادل بينما هى جذبت كيان كى تجلسها
قائلة:
-وحد الله يا ساهر كدا احنا فى مكان عام

همست كيان بخفوت قائلة:
-ربنا يرحمها ويصبرك

هز رأسه وهو يشعر بأنه منهزم ثم حدثها:
-انتِ عاملة أيه؟!
انا بدأت فى اجراءات الميراث

اغمضت عينيها ثم فتحتها بنظرة ينهمر منها الألم عجت
بالدموع الحبيسة التى عكست الخذلان لتشير له بيدها
كى توقفه:
-متكملش لو سمحت أنا طلبت اقابلك لما عرفت حالتك
من هاجر الميراث دا مش عايزاه ولا يخصنى ولو هتتكلم فيه هقوم امشى

-أنا هسكت بس دا حقك يا كيان

تنهدت بضيق قائلة:
-لو هتكمل كلامك هقوم أنا فعلًا مش مستحملة وعندى
شغل وكنت حابة اشوفك عشان نتكلم واخرجك من
اللى انت فيه

ثم استرسلت قائلة:

-قعدتك لوحدك هتخليك تفكر كتير ومتخرجش من
حالة الحزن ديه

عقد حاجبيه متسائلًا:

-مش فاهم؟!

اعتدلت فى جلستها قائلة:

-يعنى لازم تعيش مع حد وكمان تسيب الشقة
القديمة حاول تغير المكان هترتاح شوية

-هو انتِ عايزنى اتجوز

المزيد من الدهشة والصدمة احتلت ملامح هاجر فاعادت
ضبط حجابها بعينتين متسعتين وهى تتردد كلماتها فى نفس اللحظة التى
نطقت بها كيان فتحدثتا فى نفس واحد:

-عايزه يتجوز

-تامر هترتاح معاه

تزامنا حديثهم مع وقف النادل امامها الذى رمقهم للمرة
الثانية باشمئزاز وهو يستغفر ربه متمتًما:
-يتجوز تامر هيرتاح معاه
استغفرلله مليتوا البلد.. هتشربوا أيه
يا يا بهاوات

تحولت ملامح كيان بانزعاج وهى تحدثه:
-هو انت جاي تاخد الطلبات ولا جاى تاخد كلامنا
هنشرب ٣ قهوة اتفضل بقى

أومأ لها باقتضاب وهو يدون طلبها قائلًا:
-٣ قهوة

ثم همس بخفوت لكنه وصل لاذنهم:
سادة اكيد على روح الرجولة

توسعت عين كيان بذهول ثم اعادت نظرها إليهم وجدت
الصدمة تسيطر على ملامحهم فقالت هاجر:
-الرجل عنده حق مالك؟!
هتصححى معلومتنا ولا اقطع علاقتى بيكِ

-يبقى أحسن يا هاجر، احسن واستريح منك

ثم استطردت تقص لهم مأساة تامر قاطعها ساهر
عندما ادراك ماتحاول فعله:
-أنا موافق ياريت، اوعدك هكون عند ثقتك يا كيان

ابتسمت باتساع قائلة:
-أنا واثقة فيك عشان كدا أنت الوحيد اللى لجأت ليه

-بتحبى الجرى يا كيان؟!

طرقت هاجر كفًا بالأخر قائلة:
-يابنى اهدى بقى انت اى حد عايزوا يجرى معاك
احنا صحتنا على قدنا، احنا على نظام سلفنى نفس يسترك
اخوكِ عايزك تجرى معاه فى سباقات بس
أحنا يابنى بنجرى ولا احلامنا ونفسنا اتقطع

التو ثغر ساهر بينما ابتسمت كيان بحماس قائلة:
-دا حلو اوى انا موافقة يا ساهر بس عرفنى
تفصيل اكتر ونجرى مع بعض

هز رأسه بالايجاب ثم نهض مستئذنًا وانصرف حتى
يلحق بتمارينه،
بقيت هاجر فى مقابل كيان قائلة:
-صحتك مساعدكى اوى انتِ عشان هتجرى
يلا بينا عشان عايزاكِ معايا هشترى
حاجات كتير واقطع نفسك

*****

-اتفضلى قولى اللى عندك
قال كرم هذه الكلمات موجهًا حديثه لتلك الجالسه
امامه تفرك يدها بتوتر فكرت قليلًا قبل أن تجيبه

-مفيش حاجة أقولها أنا بعت السلسلة لأنى كنت محتاجة فلوسها

زفر ثم تابع بسخرية سائلًا:

-ايه الجديد فى قولتيه ها
لية بقى ؟!
أنا عارفة إنك بعتى السلسلة

ابتلعت وهى تصمت لوهلة فى حزن ولكنها استطردت
بكذبة جديدة:

-بصراحة أنا اصريت على اخويا يجبلى عربية زى
اصحابى وهو كان رافض حوار السواقة دلوقتى
خالص، بس فى الأخر وافق وأنا بسوق العربية
خبطت عربية حد واصر أنى اصلحها واخويا لو
كان عرف كان هيأخد العربية ويمنعنى من السواقة
فاضطريت ابيع السلسلة وادفع تمن التصليح بس
كدا

فكر فى كلماتها التى بدت منطقية للغاية ثم قاطعها
فى حنق:

-يعنى أيه يطلب أنك تصلحى العربية
بس كدا غلط انتِ كان لازم تعرفى اخوكِ وهو
يتصرف، طب هاتى رقم الرجل دا

ابتلعت وهى لم تكن تتوقع أنه سيجيب بذلك ويقدم
يد العون فقالت:

-مفيش داعى أنا اخدت الفلوس منك
وورحت عليه على طول واديته الفلوس
ومسحت رقمه عشان ضياء مياخدش باله

رمقها ثم زم شفتيه بحنق مردفًا:
-على فكرة اللى عملتيه دا غلط

-عارفة بس كنت مضطرية ممكن الموضوع دا يفضل
بينا لو سمحت

قبل أن يبادر بالمزيد من الحديث صدح هاتفه بالرنين
فاستئذن منها ونهض واقفًا فى الزواية ليجيب على الهاتف فتنفست هى الصعداء

جاء شابًا فذلك الحين ووقف امامها قائلًا:

-مستنى حد ولا ممكن نتعرف ونشرب
حاجة مع بعض

-أية دا فى أية؟!
اتفضل امشى أنا مش بتعرف على حد

تجاهل كلامها وسحب المقعد ليجلس عليه قائلًا:

-رشدى معوض على طول باجى هنا أول مرة
اشوفك هنا

نظرت له بعينين متسعتين ثم رمقته باستنكار:

-أنا مقولتلكش اتفضل لو سمحت قوم من هنا
بدل المشاكل اللى ممكن تحصل

أكمل بسماجة:

-أنا اساسى هنا فى المكان متقلقيش
يعنى تقدرى تعتبرينى شئ ثابت

صدح صوت من الخلف وهو يحدثه بسخرية قائلًا:

-شئ ثابت يعنى ممكن بتنزل مع الطلبات تسلى الزباين
ولا القيمة المضافة على الفاتورة

نهض واقفًا يقف أمامه بتحدٍ قائلًا:
-أنت بتكلمنى أنا؟!
أنت مين اصلًا؟!

اقترب منه كرم وهو يمد يده يعدل له ياقة قميصه
ثم فجأة ضربه فى مقدمة رأسه برأسه قائلًا:
-أنت اخرك يلا احتياطى كبير عليك اوى دور الأساسى
وعشان تتعلم متقربش تانى من حاجة متخصكش
يلا قومى انجزى

هرولت امامه وهو خلفها حتى سارت خارج حدود المطعم ثم توقفت واستدارت وعلى وجهها معالم الذعر فازداد اصفرارًا، وجسدها كله يرتجف كأنها فى أحدى الليلة الثلجية مردفة:

-ماكنش فى داعى أنا كنت بقولوا يقوم

نظر لها فى صدمة من رد فعلها ولم يرد عليها وبادلها النظرات وهو مثبت عيناه على عينيها الخضرواتين قائلًا بصلابة:

-دا على أساس أن اللى معاكِ مش راجل يحمد ربنا
أنى مخلتوش فعلًا اساسى فى المكان وعملتوا
بوستر على الحيطة..

هزت رأسها ثم استرسل هو قائلًا:

-متحاوليش تتصرفى من دماغك تانى ولازم
ترجعى لأخوكِ اتفضلى اوصلك


بقت صامتة ثم رفعت عيناها ترمقه بغضب وهى
تطوى يدها لصدرها:
-استاذ كرم حضرتك لما شفت اختك او قربتك
نزلة من عربية اخويا عملت مشكلة
هو حضرتك بتكيل بمكيالين ولا فاكر عشان
وافقت اقابلك وابرر موقفى يبقى خلاص
عن أذنك

وقف كتمثال صخرى صامتًا يراقب انصرافها

*****

وقف ضياء أمام المرآة يطالع هيئته استعدادًا للذهاب
لوالدته، تناول قنينة العطر ونثر منها عليه، فاقت
بيلا وبداخلها احساس جديد تذوقت طعم السكينة؛
اذهب خوفها وابدله بالأمان، أنزحت غشاوة النوم
عن عقلها حتى رمقت الفراش بجانبها فلم تجده
جابت الغرفة بعينيها وجدته يستعد لذهاب
بينما هو شعر بحركاتها فاستدار يجلس امامها على
الفراش حاولت أن تتهرب بعيناها عن زمردتيه
الخضرواتين فهى طيلة الليل تتوسد صدره
اتقد تورد بشرة وجهها الناعمة من أثر النوم بحمرة
خجلها الفاتنة، فمال ضياء مقبلًا لوجنتها ثم قال
بمشاكسة:
-صباح الورد

اطرقت رأسها بخجل وهى تزيح خصلات شعرها
خلف اذنها قائلة:
-صباح الفل
هو أنت خارج؟!

-اه ماما وكارما مسافرين بكرة الصبح فقولت هروح
اقعد معاها قبل ما يمشوا

عقدت حاجبيها قائلة:
-لية كدا بسرعة أنا ملحقتش اتعرف عليهم اكتر

تنهد ضياء قائلًا:
-متنسيش أن كارما لازم تسافر عشان جوزها ماما هتسافر
معاها ولما بيتنا يخلص هترجع

-ضياء هو انت مش شايف كارما صغيرة على أنها تبقى
متجوزة أنا اسفة مش قصدى اتدخل

كلماتها كانت كنصل السيف اخترق صدره، فقال بخيبة
أمل:
-شايف ورفضت، لكن بسبب اللى وصلتلوا اضطريت
اوافق أنا لو عليا لحد دلوقتى رافض الجواز والشخص
بس عشانها ساكت

شعرت بتحول مزاجه فنهضت واقفة متسائلة:
-ضياء هى الشنط بتاعتى جت

-اه اهى لسه جايين من شوية

توجهت نحو أحدى الشنط تسحبها ثم فتحتها تخرج
منها علبة مخملية، فتحتها والتقطت ما بداخلها فانتبه
ضياء لما يلتمع بيده، تناولت يده ثم وضعت باصابعه
خاتم فضى يحوى حجرًا فيروزيًا شديد الجمال والتألق
تفحصه ضياء بدقة كانت به نقوش دقيقة جدًا، لف
يدها حول خصرها متسائلًا:
-ايه دا؟!

-خاتم ليك يا ضياء

عقد حاجبيه متسائلًا:
-مكتوب عليه أيه؟!

همست متنهدة بخفوت:
-مش مهم دلوقتى المهم أنه حلو عجبك

ضمها إليه اكثر وهو يلثم عنقها بقبلته مغيبًا أياها بما يبثه من عشق تفجر بقلبه لها:

-مفيش فيروز احلى من عينيكِ اللى سحرونى
من أول يوم، مغرمك أنا سمو الملكة

ابتعد عنها قليلًا رافعًا وجهها بانامله مقررًا رحم خجلها هامسًا:

-أجمل هدية جاتلى، هنزل أنا اسبقك تحت


انصرف من الغرفة فمدت يدها تتلمس وجنتها المشتعلتين وتوجهت صوب المرآة تبتسم بسعادة
وهى تتنفس بعمق تملئ رئتيها بعطره الذى ملئ
الغرفة، تتأمل نفسها بالمرآة وهذه البسمة التى
ارتسمت على شفتيها ولا زالت نشوة اللحظات
السابقة تسيطر عليها وتغلف روحها

*****

-هتفضل مكشر كدا وبعدين

تلك الكلمات قالتها لبنى لزوجها العابس فأجابها

-انا مالى ما انا زى الفل اهو

التو ثغرها بحزن قائلة:

-أى حد بيفرح بجواز عياله ويقول اعيش يومين
أنا ومراتى بس أنت مكشر وزعلان عشان هنبقى
وشنا فى وش بعض

احتلت الصدمة ملامح هاشم مردفًا:
-معقولة!!
أنا بس قلقان على بيلا عشان ظروفها يا حبيبتى
بس اطمن عليها، هنعمل شهر عسل يجنن هنستعيد
ذكريات الماضى وانتِ عارفة الماضى وما ادراكِ ما
الماضى

تناول يدها يطبع قبله حانية عليها فابتسمت هى بخجل
فغمز لها بطرف عيناها:

-فاكرة الماضى

صدح صوت من الخلف قائلًا:

-حيث كدا بلاها خروج ونقعد كلنا ونعرف الماضى ياهاشم يا نمس

-أنت هنا من أمتى؟!

-من أول شهر العسل يا عسل

شهقت لبنى وهى تضع يدها على فمها واحمر وجهها
خجلًا، فصرخ به هاشم:

-هى حصلت انت ازاى تسمح لنفسك يا بنى ادم انت

هبطت بيلا مسرعة على صوت صراخهم متسائلة:
-فى أيه يا بابى فى أيه ياضياء

-مفيش يا ستى نزلت من فوق لقيته بيقول لمامتك
كلام كله فتتن واهو زى زيك مش عارف بيصرخ لية

توسعت عين بيلا من وقاحته قائلة:

-ضياء عيب كدا بابى ميعملش فتن عيب

لوح ضياء فى الهواء وهو يتجه نحو الباب قائلًا:

- بلا ضياء بلا عيب بقى
اهو عندك ابقى أسألى يقصد أيه هو بالماضى
يكش كان سواق توكتوك فى الماضى

****

ولجت إلى العيادة بتوتر وعيناها تجوب المكان بأكمله
توجهت نحو الفتاة التى تجلس خلف المكتب قائلة بتلعثم:
-لو سمحتِ، كان فى، كان فى حجز بأسم أممم

-بأسم مين حضرتكِ؟!

ابتلعت ثم اجابتها قائلة:
-كيان عاصم؟!

******

بعد مرور ساعتين عاد ضياء فوالدته لم تسمح له بمكوث معاها أكثر وترك عروسته صعد الدرج متجهًا للأعلى بلهفة لرؤياتها

بينما هى كانت تجلس على الفراش تقرأ احدى الروايات ممددة ساقيها بعد أن خلعت الطرف الصناعى ووضعته بجوار الفراش فهى لم تتمكن من خلعه فى الأيام
الماضية أمام ضياء كما أنه كانت ترتدى فساتين
طويلة تصل حتى اسفل قدميها لكنها الآن انتهزت
فرصة عدم وجود ضياء

ادار المقبض الباب وولج للداخل فانتفضت هى
فى جلستها

****
يتبع 


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close