رواية روح بلا مأوي الجزء الثاني الفصل الحادي عشر 11 بقلم سارة فتحي
لا يستحقون الغفران من جعلونا نشعر بالألم
ونتجرع الخيبات ونتعفن من الأوجاع
فالجفا بالجفا وسلامًا على من اختار طريقه
****
ولج الغرفة وهو يحملها بين ذراعيه وعيناه تنظر
إلى وجهها بهلع فقد همد جسدها بين احضانه وضعها
على الفراش بحذر وهو يطالعها برعب وقلق تخطى حدود الجحيم، يشعر بقبضة قاسية تعتصر قلبه
فى تلك اللحظة ولج الطبيب وبدأ فى فحصها
محاولًا ايفاقتها، تشنج جسدها وارتجفت بشدة
حاولت تفريق جفنيها بصعوبة وداهمها مشهد الأخير
قبل الأغماء وبدأت فى البكاء بنحيب
أما كنان فكان يشعر باختناق يأخذ انفاسه بصعوبة فبكائها
يحطم قلبه بل يشقه إلى نصفين، اقترب منها مسرعًا
بينما أمر الطبيب الممرضة بحقنه مخدرة
ربت كنان على ظهرها برفق وتلألأت الدموع بعيناه
رفعت بصرها إليه وشفتيها المرتعشة همست:
-بلاش حقن خلينى امشى من هنا بتخنق عشان
خاطرى
أتت الممرضة وبيدها الحقنه تناولها الطبيب وتقدم
خطوات صوبها رفع كنان يده بوجه قائلًا:
-مفيش داعى يا دكتور أنا هاخدها وامشى خلاص
انا دكتور وهعرف اتعامل معاها لو سمحت خلاص
زاد نحيبها وهى تتشبث بكنان، فأوما له الطبيب
بالإيجاب قائلًا:
-تمام بس اكيد عارف هى كدا ممكن توصل لأيه
حاول تهديها
فى لحظة كان كنان يحملها ويمر بها من امام الطبيب
قاطعًا ردهة المشفى وهو يسير بها للخارج حتى
وصل امام سيارته وضعها بالداخل بحذر واغلق
الباب واستدار ليجلس خلف عجلة القيادة فهمست
بنبرة المرتجفة:
-ممكن تروح بيا على الشقة بلاش الفيلا
هز رأسه بالموافقة وارتجافها يمزق نياط قلبه
*****
اخرج كنان سلسال مفاتيحه وهو يبحث عن المفتاح
ساندًا اياها ثم دلف واغلق الباب بقدمه وتوجه بها
للداخل ومددها على الفراش ظنًا منه انها نائمة
لكنها فى تلك اللحظة فتحت عيناها المتورمة اثر البكاء لتجوب الغرفة بحزن شديد وهمست:
-كان بيقولى سامحينى بسهولة كدا
على ما اظن انه حتى ماكنش يعرف اسمى
حتى مفكرش يشوفنى غير بعد اللى حصل انانى لأخر
لحظة، وكأنى اول مااعرف هاجرى اترمى فى حضنه
وقول خلاص دا بيموت، ميعرفش أنا شوفت ذل قد
ايه فى حياتى أنا كنت بخاف اقول جعانه حد يزعقلى
ابسط حقوقى كطفلة حظى جه فى خال مش سوى
وكان بيتحرش بيا، ماكنش ليا مأوى رغم كل فلوسه
ديه كنت هترمى فى الشارع انا فتحت شقة مش بتاعتى
ولا تخصنى عشان مترميش فى شارع واعمل حاجه
غلط، انا تعبت طول حياتى مفيش يوم عدل واحد
طب مفيش يوم هو قلبه اتحرك وفكر يسأل عنى
بيقول أنه خايف يقابل ربنا، هو يعرف ربنا
دا فى المدرسة حكيت لواحدة صاحبتى حكايتى
كنت طفلة وبحسن نية اتكلمت امها منعت بنتها تكلمنى
ولحد دلوقتى حتى حتى أأ
صمتت عن الكلام كيف تخبره بأن والده هو أيضًا
لا يقبل بقربها من ابنه كأنها حامله فيروس معدى
هى تجرعت الخذلان من أقرب الناس لها كيف
ستسقيه من نفس الكأس وستزعزع ثقته وبوالده هل ستحطمه بيدها، زاد بكاؤها اكثر واكثر فهى مرغمة
ستتعامل مع هذه الحقيقة
اغمض عيناه محاولًا كبح دموعه وتحكم فى مشاعره وجلس بجانبها على الفراش يجذبها إلى احضانه يدخلها بين ضلوعه رفع يده يفك حجابها ثم وضع يده اسفل ذقنها رافعًا رأسها وهو ينظر فى عيناها قائلًا:
-حقك عليا يا كيان، صدقينى كل دا انتهى أنا هعوضك
محدش يستاهل دموعك دية غالية أوى يا قلب كنان
بتنزل نار على قلبى، الحزن كله خلاص انتهى انتِ
ميلادك من يوم ما عرفتينى انا باباكِ
اخفضت بصرها وقلبها يأن تشعر بنيران تلتهم قلبها ألتهما رأسها سينفجر هى لا تريد هذه الحياه همست
بوهن:
-عايزه اروح عند دكتور نفسى انا تعبانة اوى انا هتجنن
انا عايزه اصرخ لحد ما اموت فى حاجات مش فهماها
بتحصل جوايا بتتعبنى وحاجات مش بتروح عن بالى
حتمًا سينهار من طريقتها ونظراتها الزائغة ووجهها
الشاحب كالاموات، بحركة مفاجأة اربكت كل خلية
به ارتمت بين ذراعيه قائلة بضياع:
-احضنى انا عايزه انام وخايفة، متسبنيش حتى
بعد ما انام عشان الكوابيس
اغمضت عيناها دون أن تنتظر الرد بينما هو ضمها لصدره بقوة وتملك وفرت دمعة من عيناه اليسرى
ولحقتها الأخرى يشعر بالعجز وهو يراه هكذا مد
يده يمسد على خصلات شعرها المخملية التى
تشبه ظلام الليل
*****
يجلس ضياء فى سيارته ينتظر قدومها لحظات وكانت
تخرج من الداخل ترتدى قميصًا بلون الأسود وبنطال
نفس اللون فتحت باب السيارة وجلست على المقعد
بجواره، وظلت صامته جامده فنظر إليها بتحذير صامت
وقد علم ما يدور داخل ذهنها فاردف:
- على فيين العزم كدا؟!
تنهدت مطولًا قائلة:
-هروح أعزى طاهر يا ضياء
فرك وجهه بكفه محاولًا تمالك اعصابه لكن دون جدوى
فحدثها بحدة طفيفة:
-وأن قولت لأ مش موافق
زفرت باختناق قائلة:
-ديه اصول على فكرة..وديه حالة وفاة بنت عمه وعمه
وأقل واجب احضر العزا
عض على شفتيه بغضب قائلًا:
-انتِ حابه تعملى مشكلة بينا تانى بسبب اللى اسمه
طاهر...بعدين عمه دا بعد موضوع كيان اصلا المفروض الواحد ميحضرش
العزا دا... بصى هو عند ربنا انا مش هتكلم . اتفضلى انزلى يلا
تنهدت بضيق من غضبه وشيطانه الذى يخرج فى حين رمشة:
-ضياء ممكن نتفاهم براحة، اولًا انا مش عشان عمه
عشان طاهر، فى حاجات منقدرش ننكرها طاهر
اجدع حد ممكن تقابله لكن مندفع شوية، كان داعم
ليا فى وقت أنا كنت مهزوزة مش عارفه اواجه الدنيا
كان السبب فى أن اكون ناجحة، بعدين سؤال هى كيان هى اللى قالتلك على موضوع رجلى صح ازاى تسمح
لنفسها
-فى أيه مالك؟! هى اللى قالت ليا ودا حسن نية منها
عشان منخسرش بعض، لولاها ماكنش مع بعض دلوقتى
صرخت بيلا وعينيها امتلأت بسخرية:
-الموضوع دا شخصى ومش من حق حد يتدخل فيه
ولا يتكلم فيه ازاى تسمح لنفسها
وبعدين أنت بتدافع عنها ليه؟!
كان ضياء يحدقها بقوة ولم يعجبه طريقتها ولا نظراتها
المشتعلة وغضبها الغير مبرر لكنه يعلم حساسية
الموضوع بنسبة لها، فأجابة بنبرة خشنة:
-لأنى مش شايف غلط أنتِ اللى كان المفروض تصارحينى وهى فعلًا بحسن نية حاولت اننا منسبش
بعض ومفيش داعى لكل دا
وطاهر بقى هو الداعم هو السبب لنجاحك وأنا أيه؟!
اخذت تفكر فى ما قالته لتجد أن الكلمات خرجت من فمها بشكل تلقائى وقد يكون خانها التعبير فتجاهلت بيلا غضب ضياء ونظرات السخرية بعينيه وابتسمت بهدوء قائلة بنعومة:
-انت حبيبى
توسعت عيناه بصدمة عدة لحظات وسرعان ما بدأ
عقله باستيعاب أما قلبه كان يحلق ويغرد داخل اضلعه
فعقد حاجبيه متسائلًا:
-أنا أيه؟!
احمر ووجهها باستيحاء ونظرات امامها متحاشية النظر إليه:
-ضياء هنتأخر كدا على العزا
-يولع طاهر والعزا
أنا أيه؟!
نظرت إليه تجيبه بخجل هامسه:
-حبيبى
كان من ثوانٍ يشعر بالغضب والضيق أما الآن فالدنيا لا تساعه من الفرحه، ابتسامة ماكرة غزت ملامحه هو يسألها:
-طب شايب الكوتشينه جوا عشان لو اتهورت دلوقتى
نظرت إليه بتحذير قائلة:
-ضياء يلا بينا
-خدى بالك انتِ كدا ثبتينى
*****
وقفت بيلا على اعتاب المكان المخصص للعزاء الخاص بالنساء فاقترب طاهر مسرعًا وقد ظهر الأرهاق على
ملامحه فحدثته بيلا:
-البقاء لله ياطاهر
اغمض عيناه لبرهة ثم تنهد بأرهاق قائلًا:
-ونعم بالله.. الدنيا كلها باظت فجأة
مدت يدها تربت على كتفه قائلة:
-أمر ربنا يا طاهر وأنا واثقة فيك أنت هتقدر تتخطى
كل دا وهتكون خير داعم للعيلة كلها، لو احتجت أى
حاجه أنا موجودة
-اسف أن تقلت عليكِ فى الشغل والمفروض فرحك قرب
كل هذا وهما غافلين عن أعين تراقبهم كانت هاجر
تجلس على مقعدها وهى مثبتة نظرها عليهم تهبط
دموعها دون وعى يعامل الجميع بلطف إلا هى
لم يبالى بمشاعرها ولم يبالى بحبها يومًا كسرها
ومضى، هو أول حب لها وضعت يدها على موضع
قلبها تشعر أن مضغتها ستنفجر حمدت رباها أنها
بالعزاء حتى لا احد يطالع دموعها وينفضح امرها
ويعلموا بمكنونات قلبها نهضت واقفة
واتجهت للخارج فهى بحاجة للهواء تشعر أنها
تختنق وقفت تحت شجرة فى الخارج كان ضياء
جالسًا فى سيارته فهبط منها وتوجه إليها ووقف
خلفها قائلًا:
-البقاء لله
استدرات بفزع وما أن طالعته هزت رأسها ومسحت
دموعها حاولت على قدر الأمكان إخفائها وانصرفت لكنه اوقفها بجملته قائلًا :
-الدنيا مش بتقف على حد وكل نهاية بداية لطريق
جديد
التفتت له عاقدة حاجبيها:
-مش فاهمه تقصد أيه؟!
دس يده بجيبه وحدثها بكلام ذو معنى مزدوج قائلًا:
-قصدى أن الفراق مش نهاية الكون وساعة بيكون
الفراق رحمة لينا وبداية جديدة كلها لطف
تسارعت انفاسها واخذ جبينها بالتعرق شعرت بقلبها يكاد يخرج من صدرها
من فرط التوتر ابتلعت بصعوبة سائلة:
- فراق أيه اللى بتكلم عنه
اطرق وجهه للارض وابتسم نصف ابتسامة ثم ارتسم
الجمود قائلًا:
-الموت، قصدى موت عمك عشان شايفك حزينه عليه
اوى مش دا سبب عياطك
هزت رأسها بالإيجاب ثم اولته ظهرها منصرفه للداخل
بينما هو وقف يطالعها ثم حرك رأسه بإنكار
******
بعد مرور يومين
حركاتها العفوية اثناء نومها كادت تصيبه بالجنون لم يعد يتحمل انفاسها الخاطفة، ذراعيها التى تلتف حول عنقه طوال الليل ظلت متماسكه به كطفلة صغيرة عالقة بوالدتها مع كل رجفة تشد على ذراعيه اكثر واكثر
هوفى قمة سعادته لا يصدق انها فى احضانه برضاها
حاوطها بذراعيه برفق رابتًا على ظهرها وقبل مقدمة
رأسها واخذت دموعه تسيل على وجنتها ليس حزنًا بل
فرحًا بقربها خلال اليومين الماضيين لم تكن نائمة كانت تشعر به لكنها لم ترِد جذب
نفسها بعيدًا عنه احببت شعورها بالأمان احبت دفء
وحنان احضانه، بعد لحظات فتحت عيناها وجدته
يطالعها بابتسامة عريضة ويمرر يده على وجنتها
متسائلًا:
-بقيتِ احسن شوية النهارده
شعر بجسدها ينتفض بين ذراعيه وانسابت الدموع
من عينيها قائلة:
-مش عارفه
ثم ازاحت دموعها واسترسلت:
-بس عايزه اكون كويسة نفسى اعيش زى الناس يا كنان
قلبه لم يعد يتحمل نظرات عيناها التى تطلب منه المساعدة والخلاص من هذا العذاب وصوتها الحزين وطريقة نطق اسمه، قلبه يعتصر من الداخل وتلك الملامح المتعددة التى اعتلت وجهها من بينهم ملامح الضياع وتشتت ونظرات عيناها التى يملأها الحزن حاول تهدأتها
بابتسامة مطمئنه قائلًا:
-كل حاجة هتبقى تمام هنروح لدكتور وهتبقى احسن
ممكن بقى تسبينى عشان اقوم واحضر الفطار
توسعت عيناها بذهول وانتفضت واقفة واشاحت
بنظرها بعيدًا عنه ولم تستطيع النظر إليه وهرولت
إلى الحمام قائلة:
-اسفة مأخدتش بالى
-لا اسف على واجب بس خليكِ كدا على طول
*****
هى التى كانت الضحكة لم تفارق مبسمها اصبحت
كئيبة، عابسة، شاحبة لم تعد تتعرف على نفسها أو
بالأحرى أصبحت كما كانت فى الماضى، ماضٍ بعيد
لا ترغب بعودته، فهى حذفت النسخة القديمة منذ
وفاة والدتها، تواترت الدموع وهى تتذكر صده لها
وجفاءه نهاية باتهامه الاخير ازاحت دموعها بحدة
فهى دائمًا تطبق مقولة لا حزن يستمر ولا فرح يدوم
ولا بؤس عليك ولا رخاء.. سيمضى هذا الوقت
منحها الله فرصة ثانية ستحاول استغلالها نهضت
من على فراشها الكئيب تنفض حزنها وتتوجه نحو
خزانتها لتخرج ثيابها
****
طرق ضياء الباب عدت مرات ثم رفع معصمه ناظرًا فى ساعته
بتأفف وضجر وما أن فتح الباب طالع وجه حماة المستقبلى اردف بعتاب:
- كل دا نوم فى أيه؟!
اتفضل يا باشمهندس زياد اتفضل
تجاوز حماة الذى مازال الصدمة تستحوذ عليه ودلف
للداخل قائلًا:
-تشرب أيه يا زياد؟!
ولا نحضر فطار
مالك يا عمى واقف عندك ليه؟!
فغر فاه حماه واقترب منه وهو يصر اسنانه متحفصًا
الشخص الذى معه هز ضياء رأسه بتفهم مردفًا:
-دا الباشمهندس زياد اللى ماسك شغل المركز بتاعنا
جايبوا يظبط حبة حاجات هنا فى الفيلا مش عاجبنى
بما أنى هسكن هنا
اتسعت عيناه من هول ما تلفظ به بكل بساطة ثم صاح
بحدة:
-انت اتجنتت جاى تظبط بيتى على مزاجك
دس ضياء يده فى جيبه وعيناه تجوب المكان قائلًا:
-مش حاجات كتير اوى يعنى .. بعدين بلاش عصبية
اوى كدا فى ضغط وسكر وانت لسه صغير ..ومش
حلاوة منك المعاملة ديه قدام الناس الغريبه ثم
أنى أنا اللى هحاسب على كل شئ مالك بقى؟!
ثم استرسل موجهًا حديثه لزياد قائلًا:
-بس بقى يا زيزو انا عايز اغير ديكور السلم دا وكمان
اوضة النوم فوق عايزه مستويين وكمان الأضاءة
عايزه كدا هادية حاجات بتاعت عرسان كدا .. بص
دلعنى بقى انوار حمرا وزرقا وصفرا عايزه فوق ملهى
ليلى
كإعصار ثائر انفجار به وهو يلهث انفاسه:
-مفيش جواز .. استحالة اجوز بنتى لواحد وقح زيك
فى هذه اللحظات هبطت بيلا ومن خلفها والداتها
فاقتربت لبنى من زوجها مسرعه بينما رمقة بيلا
ضياء باستنكار ثم اقتربت من والدها:
-خير يابابى مالك فى ايه؟!
رمق ضياء باشمئزاز ثم اجابه:
-استحالة الجوازة ديه تتم
لاح الحزن على قسمات وجه لبنى وهى تردف:
-ليه كدا بس؟!
زم ضياء شفتيه ثم قال بنبرة يملأها الضيق:
-عشان جبت الباشمهندس يظبط الأوضة اللى هنتجوز
فيها هو سمع كدا واتعصب رغم أن التكلفة كلها عليا
بردوه حتمًا سيصيبه بذبحة صدرية فحدث زوجته بجمل غير مفهومة قائلًا:
-البيه بيقول عايز يعمل انوار وانوار والوان لا لا
وانا موجود فى بيتى ميحصلش
قرص ضياء مؤخرة انفه ثم مال عليه قائلًا:
-اهدى وجمع وبعدين احنا شباب وهو مش انت كنت شباب
بردو
فركت بيلا يدها بتوتر وهى تطالع ملامح وجه زياد المصدومة فاردفت:
-احنا اسفين ياباشمهندس زياد
قاطعها ضياء رافعًا حاجبيه:
- ايه فى أيه باشمهندس بس مفيش زياد
ويلا اتفضلى اطلعى ظبطى الاوضة عشان يشوف شغله
وانتى يا بلبله يا عسل حضرلنا فطار
مدت بيلا يدها تلتقط كف والدها لصعود معاها وهى تترجاه بنظراتها وترمق ضياء بنظرات غاضبة ابتسمت لبنى بتوسع قائلة:
-حاضر يا حبيبى من عيني
انصرفت لبنى حامدة ربها أن الموقف مر بسلام ولم تؤول الامور إلى اكثر من ذلك
*****
ينفث دخان سيجارته بهدوء وهو ينظر إلى إحدى رجاله
الذى يتتبع اخبار من يريد بأمر منه ويبلغه بما توصل
إليه، نفض رماد سيجارته فى المنفضة الزجاجيه امامه
ثم تناول الاوراق التى امامه يتفحصها بغضب، القى
الأوراق على المكتب ثم سأله بتهكم:
-ايه الارقام ديه يا رمزى ايه الاسعار ديه
رد عليه الماثل امامه باحترام فهو حتى لم يجرؤ على رفع عيناه امامه:
-اوامر البيه الصغير ياباشا
-البيه الصغير دا غبى هو وصاحبه كل دية خامات مستوردة وماركات هو فى حد بيشتغل بالحاجات
ديه اومال الصينى راح فين هو فاكر نفسه ربنا وضامن
حياة الناس كلها اعمار اسمع تبيع كل الحاجات اللى تحت
وتجيب طلبيه من الصين وفرق الفلوس اشترى بيها
ارض فى منطقة سياحية كدا كدا هو ملهى اليومين
دول
أوما له بالموافقة فمجرد نبرة صوته تدب الرهبة بداخله
اشار له بالانصرف ومازال نظره عالقًا بالاوراق فتشدق
وهو يطفئ سيجارته
*****
كان كنان فى المطبخ يحضر الفطار وقد انتهى ولم يعد
لديه سوى سكب الطعام من المقلاة للاطباق استمع
لصوت الماء فى الحمام وقد توقف فابتسم ثوانٍ
وكانت تخرج من الحمام ترتدى منامتها الوردية
وتضع منشفة فوق رأسها اقتربت منه ببطئ تتطالع
للاطباق فى لحظة كان يرفعها من خصرها يضعها
على الرخامة امامه وبدأ فى سكب الطعام ثم
مد يده بالشوكة امام فمها قائلًا:
-بيض بالبسطرمة روعة دوقى كدا
وعملك توست بمكس جبن فى الفرن يجنن
فتحت فمها تناولت الطعام وابتسمت بهدوء وهى تهز رأسها قائلة:
- جميل اوى
- لأ ولسه التوست عالمى
استدار ناحية الفرن بينما هى مثبتة نظرها عليه
هل احبته؟! هل تشك بالأمر بعد كل ما يحدث
وكل ماتمر به معه..ألم تتاكد بعد؟! بلا هى متأكدة
والدليل دقات قلبها التى تفضحها كل مرة، وحتى
وهى حزينة لم تريد سواه بقربها، بلا هى تيقنت
أن عشقه يجرى بعروقها مجرى الدم يتوغل داخل
قلبها، لكن بداخلها شعوران يتناحران من الرفض
والقبول ترفض مشاعرها فى الآوانة الاخيرة دون
تحكم منها، ترفض ذلك العشق ترفض ذلك الاحتياج
فوالده لن يقبل بها وهى لن تقبل أن تذيقه من نفس
الكأس وتراه امامها ينهار عندما يعلم حقيقة
والده تنهدت بألم يكاد يهشم صدرها
بعد مرور دقائق جالسان يتناولان وجبة الفطور معًا
فحدثها بكلمات ذات مغزى اشارة منه أنه يريد حياة
زوجية طبيعية:
-عشان تبقى تقولى لعيالنا انى بعمل فطار جامد
-عيال ايه؟! لا صعبة اووى
قهقة كنان قائلًا بمكر وهو يغمز بعيناها:
- لا صعب ايه دا اسهل مما تخيلى تحبى تجربى مش
هتندمى
فغرت فاهها من وقاحته واحمرت وجنتها وتسارعت
انفاسها انقاذها طرق الباب فالتو ثغره ونهض
ليفتح الباب طالع وجه هاجر فابتسم بهدوء:
-اسف انى ردييت على الفون بتاع كيان
هزت رأسها بإنكار قائلة:
-لا عادى كنت حابة اطمن كويس انك رديت
تنحى جانبًا ليسمح لها بالدلوف فتقدمت للداخل ووجدت طاولة الطعام فوقفت كنان وابتسمت لها فقالت باستيحاء:
-اسفه انى مسألتش اليومين دول بس كان لازم
اكون مع ساهر حالته صعبه ووالدته تحت تأثير
الصدمة
اجابتها بهدوء:
-ربنا معاه تعالى افطرى معانا
استئذن كنان وانصرف للداخل ليترك لها خصوصيتها
فجلست هاجر ثم سألتها عن حالها وتابعت :
-كيان انا جالى عريس ووافقت عليه
ابتسامة هادئة وربتت على كفها قائلة:
-مبروك يا هاجر
بغض النظر عن تصرفاتك انتِ تستاهلى كل خير
نفضت يدها عنها قائلة:
-ما تحاسبى على كلامك ولا فاكره عشان جوازك جوه هسكت
قطع كلامها طرق الباب فنهضت هاجر بكل ثقة لتفتح
توسعت عين كيان من جرأتها وما أن فتحت شهقت
والدة كنان قائلة:
-هو كل يوم كنان يجيب واحدة شكل هنا
صاحت بها هاجر بحدة قائلة:
-جرى أيه ياست يا حيزبونة هى مين ديه اللى
يجيبها وهو انتِ فاكرة كل الناس زز
لم تكمل جملتها بسبب تكميم كيان لها وهى تجذبها
للداخل بينما وقف كنان على مسافة لا بأس بها
ولم يستطيع تحريك قدميه بالاخير تحرك نحو
والدته
بعد مرور دقائق يجلسوا فى الاستقبال بصمت
فتحدثت هاجر قائلة:
-اسفه يا طنط ماكنتش اعرف حضرتك
- طنط!!!
ايه طنط ديه... انا طنط ازاى
رفعت هاجر حاجبيها والتو فمها قائلة:
-اه ما حضرتك ابنك اكبر منى
خبط كنان رأسه بيأس بينما انشق ثغر هاجر بتسلية
ثم نهضت واقفة لترحل قائلة:
- انا اطمنت انك مش لوحدك وهجيلك بعدين لازم
امشى دلوقتى
ابتسمت نهلة بانتصار قائلة:
-احسن بردو
*****
اقتربت نهلة من كيان التى كانت تجلس على احد الارئك
محاولة مواساته بأى طريقة:
-شكلى مطولة هنا فى مصر عايزه اشترك فى نادى
ايه رأيك ننزل بكرة ندور
لم تجيبها وظلت صامته فأكملت قائلة:
- وكمان بيسان هتروح معانا وهى زمانها جاية
قالت حابة تطمن عليكِ، كنان ايه رأيك تقعد معانا
فى الفيلا بدل ما تقعد لوحدها
قضمت كيان شفتيها وبدأت فى هز
قدمها اليمنى وطغى الغضب على ملامحها الهادئة
وتبدلت لأخرى متهجمة، ابتسمت نهلة بتسلية وهى
تطالع ابنها بنظرات ذات مغزى
شعر بالانتشاء هى تغار رأى بعينيه نيران الغيرة
تتوهج داخل بحار العقيق الاسود فاردف:
-طبعًا يا ماما انا اخاف عليها تقعد لوحدها
تيجى تنور
نهضت واقفة قائلة:
-اسفة محتاجه اريح عن اذنكم
ابتسمت والدته ببهجة وانتصار لنجاح مخططتها بينما
هو غيرتها اسعدت رجولته فالغيرة دليل الحب
فتحرك خلفها للداخل وقف منتصف الغرفة:
-انتِ كويسة
اجابته باقتضاب:
- اه كويسة بس عايزه انام اتفضل اخرج عشان تستنى
بيسان
حاول كتم ضحكاته قائلًا:
-متقلقيش هى لما توصل هتكلمنى
تلألأت الدموع بعيناها وحاولت كبحها وزمت شفتيها كالأطفال وهى تتحرك نحو الفراش وقف امامها كسد منيع وهو يقسم انها اذا طلبت روحه الأن لاقدم على نزعها انحنى وهو يهمس بجوار اذنيها:
-اوعى تغيرى من اى ست فى الدنيا عشان انتِ الوحيدة
اللى كاملة فى نظرى
-انا مش غيرانه على فكرة بس عايزه انام
توترت دقات قلبها كالعادة بوتيرة سريعة من قربه المهلك
حاولت تمالك ذاتها، اما هو احتوى وجهها بين كفيه قائلًا
بحبك انتِ .. انتِ كيانى انت اللى لما بتبقى موجودة معايا فى مكان بيبقى رايحته كله حب
هى انثى برائحة الحب
*****
ولجت بيسان البناية وقفت فانتظار المصعد وما
أن هبط وضعت قدميها داخله وضغطت على الزر
قبل أن يغلق الباب وضع شخص ما قدمه بهمجية
وولج يضغط على الزر دون أن يسألها رمقته بغضب
لكنها التزمت الصمت لانه نفس الطابق حين توقف
اندفع كالأعصار يطرق الباب بعنف فصاحت به:
-انت يا بنى ادم انت ازاى تخبط كدا
ايه الهمجية دية
رفع طاهر حاجبيه مستنكرًا:
-انتِ بتكلمينى أنا؟!
رمقته بتهكم قائلة:
-هو فى غيرك هنا
-انتِ مالك هو انتى من اصحاب البيت ياريت تخليكِ
فى حالك
طوت ذراعيها امام صدرها قائلة:
-انت بنى ادم همجى وبربرى وتصدق كلمه كمان
هتصل بالبوليس واعلمك الأدب
فى هذه لحظة فتح الباب وما أن وقعت عيناه على
طاهر برزت عروقه وكور يده قائلًا:
-انت ايه اللى جابك هنا ها
امشى من هنا
-كيان بنت عمى ولازم اطمن عليها بمزاج او غصب عنك
توسعت عيناها من جرأته رفع كنان يده ليلكمه لكنها
امسكت معصمه قائلة:
-انت هتعمل عقلك بعقل الاشكال ديه
اتصل بالبوليس يجوا ياخدوه
صدح صوت من خلفهم وهى ترمق يدها التى تلتف
حول معصمه قائلة:
-مش للدرجادى يادكتورة
التقت عين طاهر بكيان فابتسم لها فتقدمت هى
وقفت امامه قائلة:
-متقلقش عليا انا بخير
-بجد؟!
هزت رأسها بالايجاب بينما كان كنان تتصاعد منه
الابخرة ولا يود أن ينفجر بها امامهم
فنطق طاهر وهو يرمق كنان بغضب:
-ياريت تخلى فونك مفتوح عشان نطمن عليكِ
كلنا انا همشى دلوقتى انا بس كنت جاى اطمن
عليكِ عن اذنكم
******
بعد مرور عدة اسابيع
-عمرى ما اجيب حاجة والاقيها فى مكانها
قال هذه الكلمات طاهر وهو يبحث عن مفكرته فرفع
بنطال كرم يبحث تحته فوقع منه السلسال توسعت
عيناه بصدمة وهو يلتقط السلسال من على الارض
قائلًا:
-كرم طلع حرامى وبيسرق ابويا.. ايه العيلة دية
همشى وراهم اصلح فى غلطاتهم
ولج كرم كان يرتدى حلية فاخرة رمادية اللون وعطره
النفاذ يملئ الغرفة، التو ثغر طاهر قائلًا:
- كل دا من الحرام.. الحرام مش بيدوم ياكرم
رمقه كرم باستغراب قائلًا:
-حرام ايه يلا اظبط كدا مالك؟!
وضع السلسال امامه على المكتب قائلًا:
-تقدر تسمى ديه ايه
-ديه قلة ادب لما تفتش فى جيب اخوك الكبير
عشان دية خصوصيات عيب يابابا محدش قالك
كدا Naughty
طرق طاهر كفًا بالاخر قائلًا:
- العيلة كلها بلاوى وياترى بتسرق عشان مخدرات
ولا حريم يا كرم
-ولا انا مش فاضيلك اطلع من دماغى دا شغل
نسيتوا فى جيبى يلا خلينا اجهز جوز عمتك مستنينا
قطب حاجبيه متسائلة:
-ماله كمان هيتجوز على كل الشياكة دية
هز رأسه بالنفى وهو يلقى نظره اخيره على مظهره فى المرآة:
-لأ هاجر هى اللى جاي ليها عريس
دلو ماء بارد فى إحدى ليالى الشتاء القارصة وقع عليه
لا يعلم ما سبب رجفته لكنه ابتلع بصعوبة قائلًا:
-عريس لهاجر
*****&
يتبع
ونتجرع الخيبات ونتعفن من الأوجاع
فالجفا بالجفا وسلامًا على من اختار طريقه
****
ولج الغرفة وهو يحملها بين ذراعيه وعيناه تنظر
إلى وجهها بهلع فقد همد جسدها بين احضانه وضعها
على الفراش بحذر وهو يطالعها برعب وقلق تخطى حدود الجحيم، يشعر بقبضة قاسية تعتصر قلبه
فى تلك اللحظة ولج الطبيب وبدأ فى فحصها
محاولًا ايفاقتها، تشنج جسدها وارتجفت بشدة
حاولت تفريق جفنيها بصعوبة وداهمها مشهد الأخير
قبل الأغماء وبدأت فى البكاء بنحيب
أما كنان فكان يشعر باختناق يأخذ انفاسه بصعوبة فبكائها
يحطم قلبه بل يشقه إلى نصفين، اقترب منها مسرعًا
بينما أمر الطبيب الممرضة بحقنه مخدرة
ربت كنان على ظهرها برفق وتلألأت الدموع بعيناه
رفعت بصرها إليه وشفتيها المرتعشة همست:
-بلاش حقن خلينى امشى من هنا بتخنق عشان
خاطرى
أتت الممرضة وبيدها الحقنه تناولها الطبيب وتقدم
خطوات صوبها رفع كنان يده بوجه قائلًا:
-مفيش داعى يا دكتور أنا هاخدها وامشى خلاص
انا دكتور وهعرف اتعامل معاها لو سمحت خلاص
زاد نحيبها وهى تتشبث بكنان، فأوما له الطبيب
بالإيجاب قائلًا:
-تمام بس اكيد عارف هى كدا ممكن توصل لأيه
حاول تهديها
فى لحظة كان كنان يحملها ويمر بها من امام الطبيب
قاطعًا ردهة المشفى وهو يسير بها للخارج حتى
وصل امام سيارته وضعها بالداخل بحذر واغلق
الباب واستدار ليجلس خلف عجلة القيادة فهمست
بنبرة المرتجفة:
-ممكن تروح بيا على الشقة بلاش الفيلا
هز رأسه بالموافقة وارتجافها يمزق نياط قلبه
*****
اخرج كنان سلسال مفاتيحه وهو يبحث عن المفتاح
ساندًا اياها ثم دلف واغلق الباب بقدمه وتوجه بها
للداخل ومددها على الفراش ظنًا منه انها نائمة
لكنها فى تلك اللحظة فتحت عيناها المتورمة اثر البكاء لتجوب الغرفة بحزن شديد وهمست:
-كان بيقولى سامحينى بسهولة كدا
على ما اظن انه حتى ماكنش يعرف اسمى
حتى مفكرش يشوفنى غير بعد اللى حصل انانى لأخر
لحظة، وكأنى اول مااعرف هاجرى اترمى فى حضنه
وقول خلاص دا بيموت، ميعرفش أنا شوفت ذل قد
ايه فى حياتى أنا كنت بخاف اقول جعانه حد يزعقلى
ابسط حقوقى كطفلة حظى جه فى خال مش سوى
وكان بيتحرش بيا، ماكنش ليا مأوى رغم كل فلوسه
ديه كنت هترمى فى الشارع انا فتحت شقة مش بتاعتى
ولا تخصنى عشان مترميش فى شارع واعمل حاجه
غلط، انا تعبت طول حياتى مفيش يوم عدل واحد
طب مفيش يوم هو قلبه اتحرك وفكر يسأل عنى
بيقول أنه خايف يقابل ربنا، هو يعرف ربنا
دا فى المدرسة حكيت لواحدة صاحبتى حكايتى
كنت طفلة وبحسن نية اتكلمت امها منعت بنتها تكلمنى
ولحد دلوقتى حتى حتى أأ
صمتت عن الكلام كيف تخبره بأن والده هو أيضًا
لا يقبل بقربها من ابنه كأنها حامله فيروس معدى
هى تجرعت الخذلان من أقرب الناس لها كيف
ستسقيه من نفس الكأس وستزعزع ثقته وبوالده هل ستحطمه بيدها، زاد بكاؤها اكثر واكثر فهى مرغمة
ستتعامل مع هذه الحقيقة
اغمض عيناه محاولًا كبح دموعه وتحكم فى مشاعره وجلس بجانبها على الفراش يجذبها إلى احضانه يدخلها بين ضلوعه رفع يده يفك حجابها ثم وضع يده اسفل ذقنها رافعًا رأسها وهو ينظر فى عيناها قائلًا:
-حقك عليا يا كيان، صدقينى كل دا انتهى أنا هعوضك
محدش يستاهل دموعك دية غالية أوى يا قلب كنان
بتنزل نار على قلبى، الحزن كله خلاص انتهى انتِ
ميلادك من يوم ما عرفتينى انا باباكِ
اخفضت بصرها وقلبها يأن تشعر بنيران تلتهم قلبها ألتهما رأسها سينفجر هى لا تريد هذه الحياه همست
بوهن:
-عايزه اروح عند دكتور نفسى انا تعبانة اوى انا هتجنن
انا عايزه اصرخ لحد ما اموت فى حاجات مش فهماها
بتحصل جوايا بتتعبنى وحاجات مش بتروح عن بالى
حتمًا سينهار من طريقتها ونظراتها الزائغة ووجهها
الشاحب كالاموات، بحركة مفاجأة اربكت كل خلية
به ارتمت بين ذراعيه قائلة بضياع:
-احضنى انا عايزه انام وخايفة، متسبنيش حتى
بعد ما انام عشان الكوابيس
اغمضت عيناها دون أن تنتظر الرد بينما هو ضمها لصدره بقوة وتملك وفرت دمعة من عيناه اليسرى
ولحقتها الأخرى يشعر بالعجز وهو يراه هكذا مد
يده يمسد على خصلات شعرها المخملية التى
تشبه ظلام الليل
*****
يجلس ضياء فى سيارته ينتظر قدومها لحظات وكانت
تخرج من الداخل ترتدى قميصًا بلون الأسود وبنطال
نفس اللون فتحت باب السيارة وجلست على المقعد
بجواره، وظلت صامته جامده فنظر إليها بتحذير صامت
وقد علم ما يدور داخل ذهنها فاردف:
- على فيين العزم كدا؟!
تنهدت مطولًا قائلة:
-هروح أعزى طاهر يا ضياء
فرك وجهه بكفه محاولًا تمالك اعصابه لكن دون جدوى
فحدثها بحدة طفيفة:
-وأن قولت لأ مش موافق
زفرت باختناق قائلة:
-ديه اصول على فكرة..وديه حالة وفاة بنت عمه وعمه
وأقل واجب احضر العزا
عض على شفتيه بغضب قائلًا:
-انتِ حابه تعملى مشكلة بينا تانى بسبب اللى اسمه
طاهر...بعدين عمه دا بعد موضوع كيان اصلا المفروض الواحد ميحضرش
العزا دا... بصى هو عند ربنا انا مش هتكلم . اتفضلى انزلى يلا
تنهدت بضيق من غضبه وشيطانه الذى يخرج فى حين رمشة:
-ضياء ممكن نتفاهم براحة، اولًا انا مش عشان عمه
عشان طاهر، فى حاجات منقدرش ننكرها طاهر
اجدع حد ممكن تقابله لكن مندفع شوية، كان داعم
ليا فى وقت أنا كنت مهزوزة مش عارفه اواجه الدنيا
كان السبب فى أن اكون ناجحة، بعدين سؤال هى كيان هى اللى قالتلك على موضوع رجلى صح ازاى تسمح
لنفسها
-فى أيه مالك؟! هى اللى قالت ليا ودا حسن نية منها
عشان منخسرش بعض، لولاها ماكنش مع بعض دلوقتى
صرخت بيلا وعينيها امتلأت بسخرية:
-الموضوع دا شخصى ومش من حق حد يتدخل فيه
ولا يتكلم فيه ازاى تسمح لنفسها
وبعدين أنت بتدافع عنها ليه؟!
كان ضياء يحدقها بقوة ولم يعجبه طريقتها ولا نظراتها
المشتعلة وغضبها الغير مبرر لكنه يعلم حساسية
الموضوع بنسبة لها، فأجابة بنبرة خشنة:
-لأنى مش شايف غلط أنتِ اللى كان المفروض تصارحينى وهى فعلًا بحسن نية حاولت اننا منسبش
بعض ومفيش داعى لكل دا
وطاهر بقى هو الداعم هو السبب لنجاحك وأنا أيه؟!
اخذت تفكر فى ما قالته لتجد أن الكلمات خرجت من فمها بشكل تلقائى وقد يكون خانها التعبير فتجاهلت بيلا غضب ضياء ونظرات السخرية بعينيه وابتسمت بهدوء قائلة بنعومة:
-انت حبيبى
توسعت عيناه بصدمة عدة لحظات وسرعان ما بدأ
عقله باستيعاب أما قلبه كان يحلق ويغرد داخل اضلعه
فعقد حاجبيه متسائلًا:
-أنا أيه؟!
احمر ووجهها باستيحاء ونظرات امامها متحاشية النظر إليه:
-ضياء هنتأخر كدا على العزا
-يولع طاهر والعزا
أنا أيه؟!
نظرت إليه تجيبه بخجل هامسه:
-حبيبى
كان من ثوانٍ يشعر بالغضب والضيق أما الآن فالدنيا لا تساعه من الفرحه، ابتسامة ماكرة غزت ملامحه هو يسألها:
-طب شايب الكوتشينه جوا عشان لو اتهورت دلوقتى
نظرت إليه بتحذير قائلة:
-ضياء يلا بينا
-خدى بالك انتِ كدا ثبتينى
*****
وقفت بيلا على اعتاب المكان المخصص للعزاء الخاص بالنساء فاقترب طاهر مسرعًا وقد ظهر الأرهاق على
ملامحه فحدثته بيلا:
-البقاء لله ياطاهر
اغمض عيناه لبرهة ثم تنهد بأرهاق قائلًا:
-ونعم بالله.. الدنيا كلها باظت فجأة
مدت يدها تربت على كتفه قائلة:
-أمر ربنا يا طاهر وأنا واثقة فيك أنت هتقدر تتخطى
كل دا وهتكون خير داعم للعيلة كلها، لو احتجت أى
حاجه أنا موجودة
-اسف أن تقلت عليكِ فى الشغل والمفروض فرحك قرب
كل هذا وهما غافلين عن أعين تراقبهم كانت هاجر
تجلس على مقعدها وهى مثبتة نظرها عليهم تهبط
دموعها دون وعى يعامل الجميع بلطف إلا هى
لم يبالى بمشاعرها ولم يبالى بحبها يومًا كسرها
ومضى، هو أول حب لها وضعت يدها على موضع
قلبها تشعر أن مضغتها ستنفجر حمدت رباها أنها
بالعزاء حتى لا احد يطالع دموعها وينفضح امرها
ويعلموا بمكنونات قلبها نهضت واقفة
واتجهت للخارج فهى بحاجة للهواء تشعر أنها
تختنق وقفت تحت شجرة فى الخارج كان ضياء
جالسًا فى سيارته فهبط منها وتوجه إليها ووقف
خلفها قائلًا:
-البقاء لله
استدرات بفزع وما أن طالعته هزت رأسها ومسحت
دموعها حاولت على قدر الأمكان إخفائها وانصرفت لكنه اوقفها بجملته قائلًا :
-الدنيا مش بتقف على حد وكل نهاية بداية لطريق
جديد
التفتت له عاقدة حاجبيها:
-مش فاهمه تقصد أيه؟!
دس يده بجيبه وحدثها بكلام ذو معنى مزدوج قائلًا:
-قصدى أن الفراق مش نهاية الكون وساعة بيكون
الفراق رحمة لينا وبداية جديدة كلها لطف
تسارعت انفاسها واخذ جبينها بالتعرق شعرت بقلبها يكاد يخرج من صدرها
من فرط التوتر ابتلعت بصعوبة سائلة:
- فراق أيه اللى بتكلم عنه
اطرق وجهه للارض وابتسم نصف ابتسامة ثم ارتسم
الجمود قائلًا:
-الموت، قصدى موت عمك عشان شايفك حزينه عليه
اوى مش دا سبب عياطك
هزت رأسها بالإيجاب ثم اولته ظهرها منصرفه للداخل
بينما هو وقف يطالعها ثم حرك رأسه بإنكار
******
بعد مرور يومين
حركاتها العفوية اثناء نومها كادت تصيبه بالجنون لم يعد يتحمل انفاسها الخاطفة، ذراعيها التى تلتف حول عنقه طوال الليل ظلت متماسكه به كطفلة صغيرة عالقة بوالدتها مع كل رجفة تشد على ذراعيه اكثر واكثر
هوفى قمة سعادته لا يصدق انها فى احضانه برضاها
حاوطها بذراعيه برفق رابتًا على ظهرها وقبل مقدمة
رأسها واخذت دموعه تسيل على وجنتها ليس حزنًا بل
فرحًا بقربها خلال اليومين الماضيين لم تكن نائمة كانت تشعر به لكنها لم ترِد جذب
نفسها بعيدًا عنه احببت شعورها بالأمان احبت دفء
وحنان احضانه، بعد لحظات فتحت عيناها وجدته
يطالعها بابتسامة عريضة ويمرر يده على وجنتها
متسائلًا:
-بقيتِ احسن شوية النهارده
شعر بجسدها ينتفض بين ذراعيه وانسابت الدموع
من عينيها قائلة:
-مش عارفه
ثم ازاحت دموعها واسترسلت:
-بس عايزه اكون كويسة نفسى اعيش زى الناس يا كنان
قلبه لم يعد يتحمل نظرات عيناها التى تطلب منه المساعدة والخلاص من هذا العذاب وصوتها الحزين وطريقة نطق اسمه، قلبه يعتصر من الداخل وتلك الملامح المتعددة التى اعتلت وجهها من بينهم ملامح الضياع وتشتت ونظرات عيناها التى يملأها الحزن حاول تهدأتها
بابتسامة مطمئنه قائلًا:
-كل حاجة هتبقى تمام هنروح لدكتور وهتبقى احسن
ممكن بقى تسبينى عشان اقوم واحضر الفطار
توسعت عيناها بذهول وانتفضت واقفة واشاحت
بنظرها بعيدًا عنه ولم تستطيع النظر إليه وهرولت
إلى الحمام قائلة:
-اسفة مأخدتش بالى
-لا اسف على واجب بس خليكِ كدا على طول
*****
هى التى كانت الضحكة لم تفارق مبسمها اصبحت
كئيبة، عابسة، شاحبة لم تعد تتعرف على نفسها أو
بالأحرى أصبحت كما كانت فى الماضى، ماضٍ بعيد
لا ترغب بعودته، فهى حذفت النسخة القديمة منذ
وفاة والدتها، تواترت الدموع وهى تتذكر صده لها
وجفاءه نهاية باتهامه الاخير ازاحت دموعها بحدة
فهى دائمًا تطبق مقولة لا حزن يستمر ولا فرح يدوم
ولا بؤس عليك ولا رخاء.. سيمضى هذا الوقت
منحها الله فرصة ثانية ستحاول استغلالها نهضت
من على فراشها الكئيب تنفض حزنها وتتوجه نحو
خزانتها لتخرج ثيابها
****
طرق ضياء الباب عدت مرات ثم رفع معصمه ناظرًا فى ساعته
بتأفف وضجر وما أن فتح الباب طالع وجه حماة المستقبلى اردف بعتاب:
- كل دا نوم فى أيه؟!
اتفضل يا باشمهندس زياد اتفضل
تجاوز حماة الذى مازال الصدمة تستحوذ عليه ودلف
للداخل قائلًا:
-تشرب أيه يا زياد؟!
ولا نحضر فطار
مالك يا عمى واقف عندك ليه؟!
فغر فاه حماه واقترب منه وهو يصر اسنانه متحفصًا
الشخص الذى معه هز ضياء رأسه بتفهم مردفًا:
-دا الباشمهندس زياد اللى ماسك شغل المركز بتاعنا
جايبوا يظبط حبة حاجات هنا فى الفيلا مش عاجبنى
بما أنى هسكن هنا
اتسعت عيناه من هول ما تلفظ به بكل بساطة ثم صاح
بحدة:
-انت اتجنتت جاى تظبط بيتى على مزاجك
دس ضياء يده فى جيبه وعيناه تجوب المكان قائلًا:
-مش حاجات كتير اوى يعنى .. بعدين بلاش عصبية
اوى كدا فى ضغط وسكر وانت لسه صغير ..ومش
حلاوة منك المعاملة ديه قدام الناس الغريبه ثم
أنى أنا اللى هحاسب على كل شئ مالك بقى؟!
ثم استرسل موجهًا حديثه لزياد قائلًا:
-بس بقى يا زيزو انا عايز اغير ديكور السلم دا وكمان
اوضة النوم فوق عايزه مستويين وكمان الأضاءة
عايزه كدا هادية حاجات بتاعت عرسان كدا .. بص
دلعنى بقى انوار حمرا وزرقا وصفرا عايزه فوق ملهى
ليلى
كإعصار ثائر انفجار به وهو يلهث انفاسه:
-مفيش جواز .. استحالة اجوز بنتى لواحد وقح زيك
فى هذه اللحظات هبطت بيلا ومن خلفها والداتها
فاقتربت لبنى من زوجها مسرعه بينما رمقة بيلا
ضياء باستنكار ثم اقتربت من والدها:
-خير يابابى مالك فى ايه؟!
رمق ضياء باشمئزاز ثم اجابه:
-استحالة الجوازة ديه تتم
لاح الحزن على قسمات وجه لبنى وهى تردف:
-ليه كدا بس؟!
زم ضياء شفتيه ثم قال بنبرة يملأها الضيق:
-عشان جبت الباشمهندس يظبط الأوضة اللى هنتجوز
فيها هو سمع كدا واتعصب رغم أن التكلفة كلها عليا
بردوه حتمًا سيصيبه بذبحة صدرية فحدث زوجته بجمل غير مفهومة قائلًا:
-البيه بيقول عايز يعمل انوار وانوار والوان لا لا
وانا موجود فى بيتى ميحصلش
قرص ضياء مؤخرة انفه ثم مال عليه قائلًا:
-اهدى وجمع وبعدين احنا شباب وهو مش انت كنت شباب
بردو
فركت بيلا يدها بتوتر وهى تطالع ملامح وجه زياد المصدومة فاردفت:
-احنا اسفين ياباشمهندس زياد
قاطعها ضياء رافعًا حاجبيه:
- ايه فى أيه باشمهندس بس مفيش زياد
ويلا اتفضلى اطلعى ظبطى الاوضة عشان يشوف شغله
وانتى يا بلبله يا عسل حضرلنا فطار
مدت بيلا يدها تلتقط كف والدها لصعود معاها وهى تترجاه بنظراتها وترمق ضياء بنظرات غاضبة ابتسمت لبنى بتوسع قائلة:
-حاضر يا حبيبى من عيني
انصرفت لبنى حامدة ربها أن الموقف مر بسلام ولم تؤول الامور إلى اكثر من ذلك
*****
ينفث دخان سيجارته بهدوء وهو ينظر إلى إحدى رجاله
الذى يتتبع اخبار من يريد بأمر منه ويبلغه بما توصل
إليه، نفض رماد سيجارته فى المنفضة الزجاجيه امامه
ثم تناول الاوراق التى امامه يتفحصها بغضب، القى
الأوراق على المكتب ثم سأله بتهكم:
-ايه الارقام ديه يا رمزى ايه الاسعار ديه
رد عليه الماثل امامه باحترام فهو حتى لم يجرؤ على رفع عيناه امامه:
-اوامر البيه الصغير ياباشا
-البيه الصغير دا غبى هو وصاحبه كل دية خامات مستوردة وماركات هو فى حد بيشتغل بالحاجات
ديه اومال الصينى راح فين هو فاكر نفسه ربنا وضامن
حياة الناس كلها اعمار اسمع تبيع كل الحاجات اللى تحت
وتجيب طلبيه من الصين وفرق الفلوس اشترى بيها
ارض فى منطقة سياحية كدا كدا هو ملهى اليومين
دول
أوما له بالموافقة فمجرد نبرة صوته تدب الرهبة بداخله
اشار له بالانصرف ومازال نظره عالقًا بالاوراق فتشدق
وهو يطفئ سيجارته
*****
كان كنان فى المطبخ يحضر الفطار وقد انتهى ولم يعد
لديه سوى سكب الطعام من المقلاة للاطباق استمع
لصوت الماء فى الحمام وقد توقف فابتسم ثوانٍ
وكانت تخرج من الحمام ترتدى منامتها الوردية
وتضع منشفة فوق رأسها اقتربت منه ببطئ تتطالع
للاطباق فى لحظة كان يرفعها من خصرها يضعها
على الرخامة امامه وبدأ فى سكب الطعام ثم
مد يده بالشوكة امام فمها قائلًا:
-بيض بالبسطرمة روعة دوقى كدا
وعملك توست بمكس جبن فى الفرن يجنن
فتحت فمها تناولت الطعام وابتسمت بهدوء وهى تهز رأسها قائلة:
- جميل اوى
- لأ ولسه التوست عالمى
استدار ناحية الفرن بينما هى مثبتة نظرها عليه
هل احبته؟! هل تشك بالأمر بعد كل ما يحدث
وكل ماتمر به معه..ألم تتاكد بعد؟! بلا هى متأكدة
والدليل دقات قلبها التى تفضحها كل مرة، وحتى
وهى حزينة لم تريد سواه بقربها، بلا هى تيقنت
أن عشقه يجرى بعروقها مجرى الدم يتوغل داخل
قلبها، لكن بداخلها شعوران يتناحران من الرفض
والقبول ترفض مشاعرها فى الآوانة الاخيرة دون
تحكم منها، ترفض ذلك العشق ترفض ذلك الاحتياج
فوالده لن يقبل بها وهى لن تقبل أن تذيقه من نفس
الكأس وتراه امامها ينهار عندما يعلم حقيقة
والده تنهدت بألم يكاد يهشم صدرها
بعد مرور دقائق جالسان يتناولان وجبة الفطور معًا
فحدثها بكلمات ذات مغزى اشارة منه أنه يريد حياة
زوجية طبيعية:
-عشان تبقى تقولى لعيالنا انى بعمل فطار جامد
-عيال ايه؟! لا صعبة اووى
قهقة كنان قائلًا بمكر وهو يغمز بعيناها:
- لا صعب ايه دا اسهل مما تخيلى تحبى تجربى مش
هتندمى
فغرت فاهها من وقاحته واحمرت وجنتها وتسارعت
انفاسها انقاذها طرق الباب فالتو ثغره ونهض
ليفتح الباب طالع وجه هاجر فابتسم بهدوء:
-اسف انى ردييت على الفون بتاع كيان
هزت رأسها بإنكار قائلة:
-لا عادى كنت حابة اطمن كويس انك رديت
تنحى جانبًا ليسمح لها بالدلوف فتقدمت للداخل ووجدت طاولة الطعام فوقفت كنان وابتسمت لها فقالت باستيحاء:
-اسفه انى مسألتش اليومين دول بس كان لازم
اكون مع ساهر حالته صعبه ووالدته تحت تأثير
الصدمة
اجابتها بهدوء:
-ربنا معاه تعالى افطرى معانا
استئذن كنان وانصرف للداخل ليترك لها خصوصيتها
فجلست هاجر ثم سألتها عن حالها وتابعت :
-كيان انا جالى عريس ووافقت عليه
ابتسامة هادئة وربتت على كفها قائلة:
-مبروك يا هاجر
بغض النظر عن تصرفاتك انتِ تستاهلى كل خير
نفضت يدها عنها قائلة:
-ما تحاسبى على كلامك ولا فاكره عشان جوازك جوه هسكت
قطع كلامها طرق الباب فنهضت هاجر بكل ثقة لتفتح
توسعت عين كيان من جرأتها وما أن فتحت شهقت
والدة كنان قائلة:
-هو كل يوم كنان يجيب واحدة شكل هنا
صاحت بها هاجر بحدة قائلة:
-جرى أيه ياست يا حيزبونة هى مين ديه اللى
يجيبها وهو انتِ فاكرة كل الناس زز
لم تكمل جملتها بسبب تكميم كيان لها وهى تجذبها
للداخل بينما وقف كنان على مسافة لا بأس بها
ولم يستطيع تحريك قدميه بالاخير تحرك نحو
والدته
بعد مرور دقائق يجلسوا فى الاستقبال بصمت
فتحدثت هاجر قائلة:
-اسفه يا طنط ماكنتش اعرف حضرتك
- طنط!!!
ايه طنط ديه... انا طنط ازاى
رفعت هاجر حاجبيها والتو فمها قائلة:
-اه ما حضرتك ابنك اكبر منى
خبط كنان رأسه بيأس بينما انشق ثغر هاجر بتسلية
ثم نهضت واقفة لترحل قائلة:
- انا اطمنت انك مش لوحدك وهجيلك بعدين لازم
امشى دلوقتى
ابتسمت نهلة بانتصار قائلة:
-احسن بردو
*****
اقتربت نهلة من كيان التى كانت تجلس على احد الارئك
محاولة مواساته بأى طريقة:
-شكلى مطولة هنا فى مصر عايزه اشترك فى نادى
ايه رأيك ننزل بكرة ندور
لم تجيبها وظلت صامته فأكملت قائلة:
- وكمان بيسان هتروح معانا وهى زمانها جاية
قالت حابة تطمن عليكِ، كنان ايه رأيك تقعد معانا
فى الفيلا بدل ما تقعد لوحدها
قضمت كيان شفتيها وبدأت فى هز
قدمها اليمنى وطغى الغضب على ملامحها الهادئة
وتبدلت لأخرى متهجمة، ابتسمت نهلة بتسلية وهى
تطالع ابنها بنظرات ذات مغزى
شعر بالانتشاء هى تغار رأى بعينيه نيران الغيرة
تتوهج داخل بحار العقيق الاسود فاردف:
-طبعًا يا ماما انا اخاف عليها تقعد لوحدها
تيجى تنور
نهضت واقفة قائلة:
-اسفة محتاجه اريح عن اذنكم
ابتسمت والدته ببهجة وانتصار لنجاح مخططتها بينما
هو غيرتها اسعدت رجولته فالغيرة دليل الحب
فتحرك خلفها للداخل وقف منتصف الغرفة:
-انتِ كويسة
اجابته باقتضاب:
- اه كويسة بس عايزه انام اتفضل اخرج عشان تستنى
بيسان
حاول كتم ضحكاته قائلًا:
-متقلقيش هى لما توصل هتكلمنى
تلألأت الدموع بعيناها وحاولت كبحها وزمت شفتيها كالأطفال وهى تتحرك نحو الفراش وقف امامها كسد منيع وهو يقسم انها اذا طلبت روحه الأن لاقدم على نزعها انحنى وهو يهمس بجوار اذنيها:
-اوعى تغيرى من اى ست فى الدنيا عشان انتِ الوحيدة
اللى كاملة فى نظرى
-انا مش غيرانه على فكرة بس عايزه انام
توترت دقات قلبها كالعادة بوتيرة سريعة من قربه المهلك
حاولت تمالك ذاتها، اما هو احتوى وجهها بين كفيه قائلًا
بحبك انتِ .. انتِ كيانى انت اللى لما بتبقى موجودة معايا فى مكان بيبقى رايحته كله حب
هى انثى برائحة الحب
*****
ولجت بيسان البناية وقفت فانتظار المصعد وما
أن هبط وضعت قدميها داخله وضغطت على الزر
قبل أن يغلق الباب وضع شخص ما قدمه بهمجية
وولج يضغط على الزر دون أن يسألها رمقته بغضب
لكنها التزمت الصمت لانه نفس الطابق حين توقف
اندفع كالأعصار يطرق الباب بعنف فصاحت به:
-انت يا بنى ادم انت ازاى تخبط كدا
ايه الهمجية دية
رفع طاهر حاجبيه مستنكرًا:
-انتِ بتكلمينى أنا؟!
رمقته بتهكم قائلة:
-هو فى غيرك هنا
-انتِ مالك هو انتى من اصحاب البيت ياريت تخليكِ
فى حالك
طوت ذراعيها امام صدرها قائلة:
-انت بنى ادم همجى وبربرى وتصدق كلمه كمان
هتصل بالبوليس واعلمك الأدب
فى هذه لحظة فتح الباب وما أن وقعت عيناه على
طاهر برزت عروقه وكور يده قائلًا:
-انت ايه اللى جابك هنا ها
امشى من هنا
-كيان بنت عمى ولازم اطمن عليها بمزاج او غصب عنك
توسعت عيناها من جرأته رفع كنان يده ليلكمه لكنها
امسكت معصمه قائلة:
-انت هتعمل عقلك بعقل الاشكال ديه
اتصل بالبوليس يجوا ياخدوه
صدح صوت من خلفهم وهى ترمق يدها التى تلتف
حول معصمه قائلة:
-مش للدرجادى يادكتورة
التقت عين طاهر بكيان فابتسم لها فتقدمت هى
وقفت امامه قائلة:
-متقلقش عليا انا بخير
-بجد؟!
هزت رأسها بالايجاب بينما كان كنان تتصاعد منه
الابخرة ولا يود أن ينفجر بها امامهم
فنطق طاهر وهو يرمق كنان بغضب:
-ياريت تخلى فونك مفتوح عشان نطمن عليكِ
كلنا انا همشى دلوقتى انا بس كنت جاى اطمن
عليكِ عن اذنكم
******
بعد مرور عدة اسابيع
-عمرى ما اجيب حاجة والاقيها فى مكانها
قال هذه الكلمات طاهر وهو يبحث عن مفكرته فرفع
بنطال كرم يبحث تحته فوقع منه السلسال توسعت
عيناه بصدمة وهو يلتقط السلسال من على الارض
قائلًا:
-كرم طلع حرامى وبيسرق ابويا.. ايه العيلة دية
همشى وراهم اصلح فى غلطاتهم
ولج كرم كان يرتدى حلية فاخرة رمادية اللون وعطره
النفاذ يملئ الغرفة، التو ثغر طاهر قائلًا:
- كل دا من الحرام.. الحرام مش بيدوم ياكرم
رمقه كرم باستغراب قائلًا:
-حرام ايه يلا اظبط كدا مالك؟!
وضع السلسال امامه على المكتب قائلًا:
-تقدر تسمى ديه ايه
-ديه قلة ادب لما تفتش فى جيب اخوك الكبير
عشان دية خصوصيات عيب يابابا محدش قالك
كدا Naughty
طرق طاهر كفًا بالاخر قائلًا:
- العيلة كلها بلاوى وياترى بتسرق عشان مخدرات
ولا حريم يا كرم
-ولا انا مش فاضيلك اطلع من دماغى دا شغل
نسيتوا فى جيبى يلا خلينا اجهز جوز عمتك مستنينا
قطب حاجبيه متسائلة:
-ماله كمان هيتجوز على كل الشياكة دية
هز رأسه بالنفى وهو يلقى نظره اخيره على مظهره فى المرآة:
-لأ هاجر هى اللى جاي ليها عريس
دلو ماء بارد فى إحدى ليالى الشتاء القارصة وقع عليه
لا يعلم ما سبب رجفته لكنه ابتلع بصعوبة قائلًا:
-عريس لهاجر
*****&
يتبع
