اخر الروايات

رواية روح بلا مأوي الجزء الثاني الفصل الثاني عشر 12 بقلم سارة فتحي

رواية روح بلا مأوي الجزء الثاني الفصل الثاني عشر 12 بقلم سارة فتحي



****
تنهد طاهر بقوة وهو يجلس على الإريكة باعياء شديد
وهو يمسح على وجهه بكلتا يديه، ليشعر بكثير من الغضب لكونه يفكر بها، فهى تشبه اللعنة التى تصيب
الانسان، مازال لا يستطيع تفسير ما يحدث معه
اهو حقًا يشعر بالأهانة لتجاهلها له وعدم دعوته أم
أنه بداخله شئ يرفض خطبة هاجر!! أم انه يخشى
تهورها فى الاختيار شعر بالتشتت من تلك التناقضات
بداخله ليلتقط هاتفه وسريعًا ما شرع فى الخروج من
البيت
****

انتظرت هاجر حتى اخذت الجواب ثم اغلقت الخط
متنهدة بضيق مدت يدها تمسح دمعة هاربة منها
فتقدمت نجاة تجلس بجوارها وقد رقت نظراتها
اشفقت على حالها لترفع يدها فى محاولة لتهدئتها
وقالت ببعض اللطف لعلها تمتص حزنها:
-معلش ياهاجر اعذريها كيان مش هتقدر تيجى كدا بسهولة وبعدين أنا معاكِ اهو

ارتمت بين ذراعيها باكية، اغمضت نجاة اعينيها بألم
وهى تهز رأسها بيأس فهى كانت تريدها زوجة لابنها
طرق والد هاجر باب الغرفة ولحظات وكان باب
مفتوح ليدلف تحت انظار هاجر الحزينة ليشعر بضيق
ظنًا منه انها لم تتجاوز الماضى
ابتلع غصة قائلًا:
-لازمته ايه العياط ياهاجر انا خيرتك يابنتى
ولسه بخيرك أنا مقدرش اغصبك على حاجة

اغمضت عيناها بألم وساد الصمت للحظات طويلة
ثم فتحت عيناها قائلة:
-انا موافقة يابابا..بس كان نفسى ماما تكون موجودة
حتى لو أية هفضل محتاجها فى يوم زى دا

-على العموم هاجد وامه بره يلا عشان تتطلعى

انصرف والدها وبعد لحظات نهضت هاجر ومن خلفها
زوجة خالها، وقفت هاجر على اعتاب الغرفة خائفة
ومضطربة لا تعلم ما يخبؤه لها القدر لكن هى اقدار
مكتوبة وهى تعلم ذلك اخذت نفسًا عميقًا لتهدأ روحها الثائرة
فصدح صوت والدها قائلًا:
-تعالى ياهاجر

أومات هاجر برأسها وهى تدعو أن يرفقها الله
فولجت وجلست بجوار والدها كانت تبدو فاتنة
بثوبها الاخضر وتفاصيله الذهبية، اما الكحلة
التى خطت فوق جفونها اكملت مظهرها
كأحدى الملكات، حدقت بها حماتها باعجاب مردفة:
-اللهم بارك عروستنا قمر

بينما هاجد تسارعت انفاسه واحتفلت نبضات قلبه
بقدومها، بداخله مزيج جنونى من المشاعر، ينتشى
فرحًا، وينتفض خوفًا من الرفض، لكن عند نطق والدته
اصبح الادرينالين يتدفق بدمائه، فتحدث حسين قائلًا:
-نورتوا يا جماعة انا هاجر بنتى زى مصطفى بظبط

هز مصطفى رأسه مؤكدًا على حديثه، فرفع هاجد
نظره فتشابكت نظراته مع هاجر لأول مرة فظل
مشدوهًا مسحورًا بجمالها، فاشاحت وجهها للجهة
الأخرى باستيحاء بينما هو اطرق رأسه ارضًا وهو يحاول السيطرة على مشاعره فتحمحم قائلًا:
-احنا جايين النهارده اطلب ايد الانسة هاجر انا جاهز فى اى طلبات اللى تؤمره يا استاذ مصطفى انا شارى

التو ثغر هاجر وهى تشير لنفسها قائلة:
-قصدك أيه بشارى انا بضاعة سلعة يعنى
لا وايه طلباتكم ديه ها انت فاكر نفسك جاى لناس
هترمى بنتهم ولا اية؟!

توسعت عيناهم جميعًا بدهشة بينما هو ابتلع بصعوبة
وجذبها والدها من معصمها هادرًا بعنف وهو يجز على اسنانه:
-هاجر!!!

شعرت بغصة تكاد تحرق احشائها وبدت كطفلة بريئة
على وشك البكاء، قاطعه هاجد مسرعًا قائلًا:
-استاذ مصطفى لو سمحت ممكن تسيبها تقول
رأيها براحتها أنا اسف يا أنسة هاجر لو خانى
تعبيرى مقصدتش اللى وصلك
أنا اتربيت فى بيت قميتنا كرجال فى نساء البيت ولايمكن اقصد اللى وصلك.. انا شارى مش معناها
بالفلوس لأ بالدنيا وبروحى ومازالت بقولك اللى تؤمرى بيه

القلوب يكتب على ابوابها ادخلوها سالمين
ليس ببصمة اليد والارقام السرية
مثل الهواتف والخزائن
بلا الكلمة الطيبة تفتح القلوب وتذيب الصخور
فسلًاما على المحبيين

مالت والدته برأسها إليه تهمس من تحت نقابها:
-مش تقيلة على قلبك البقلاوة دية

ابتسم بلطف وهو يوزع نظراته بينهم ثم همس فى اذنها
سريعًا قائلًا:
-بحبها كدا بسمنة البلدى

ربت والدته على ظهره، وتلاقت أعينهم ثانيةٍ للحظات سريعة لتردف هى بحزن:
-بس تكون كويس ودا يكفى

فالحقيقة هى كلمة عابرة لكن فى مكنوناتها الكثير والكثير وهو فهم ذلك سيسعى ليكون امانها وحصنها
سيقامر على عشقها له، فقالت والدته حاسمه الأمر:
-اتفقنا نلبس الشبكة وكتب كتاب بعد اسبوع والفرح بعد شهرين ودلوقتى نقرأ الفاتحة على اتفاقنا

ابتسم كرم بينما ابتسمت نجاةبمجاملة فهى كانت
تراها زوجة طاهر وصدح صوت مصطفى:
-نقرأ على بركة الله

-اية هو اللى فرح بعد شهرين طب ما نخلى بكرة
الصبح احسن ايه دا يا بابا

قرص مقدمة انفه من تلك الفتاة المشاكسة سليط اللسان
كيف سيتعامل معها فيما بعد فنطقت والدته بمكر:
-لو دية رغبتك تمام يا هاجر
احنا قولنا شهرين عشانك لكن هاجد جاهز من كله
حتى ليه اصحاب كتير بيتشغلوا مأذون يعنى مفيش
مشكلة

ابتسم هاجد وهو ينظر ارضًا هى فعلًا تشبه والدته
فى تصرفاتها فحدثهم مصطفى بجدية:
-هنقرأ الفاتحة دلوقتى ونلبس الشبكة بعد اسبوع، وكتب كتاب يوم الفرح اتفقنا على كدا نقرأ الفاتحة

اغمضت عيناها قليلًا محاولة السيطرة على نفسها
ومشاعرها تدعوا خالقها أن يوفقها ويلهمها الصواب
رفعت الاكفف بدأوا فى قرأءة الفاتحة وهى معهم وانتهوا فى نفسًا واحد قائلين:
-امين

****

تجلس كيان بجوار كنان ومذاكرتها امامها وكالعادة
تقص عليه ما حدث فى يومها او ما ستفعله غدًا
لم يتركها بل ظل بجانبها يدعمها يستمع لها يحتويها
تنهد كنان قائلًا:
-بطلى رغى وذاكرى بقى احنا بقالنا اربع ساعات
وانتِ مغيرتيش الصفحة يلا كيان ذاكرى

نكست رأسها ثم رفعتها قائلًا:
-تصدق أنك رخم قوم من جانبى يلا بقى

قطع عباراتها متسائلًا بجدية وهو يتفحص ملامحها الجميلة المنعشة لروحه:
-انا رخم انا يا كيان دا انا دماغى زنت
انا بقى هوريكِ الرخامة على حق

هزت رأسها فى سلب لعدة مرات واندفعت مسرعة
موضحة بمرح:
-رخم بس مش أوى

مد يده يلتقط فنجان قهوته ليرتشف اخر رشفة منه
ثم ادخل احدى اصابعه بفنجان ليلتقط بقايا البن
ويضعها على وجنتها بانتصار، فصرخت وهى تتحسس
وجنتها باشمئزاز ثم انقضت عليه وهى تبعثر خصلاته
جذبها من خصرها فى حركة سريعة واعتلاها وهو
يسألها وعيناه تتفحص ملامحها ثقلت انفاسه وهو
مثبت نظره على شفتيها:
-أنا ايه بقى؟!

احتبست الانفاس بصدرها وهى تنظر فى عينيه ذاب
الفؤاد وانصهار بين ضلوعها حاولت الفكاك منه لكن
انقذها رنين جرس الباب فنهض وهو يشير إليها
لتدلف للداخل توجه وفتح الباب ليجده ضياء رشقه
بنظرات نارية قائلًا:
-نعم

لكزه ضياء فى كتفه وهو يتجاوزه للداخل ويستنشق
رائحة الطعام قائلًا:
-هو انت عاملين اكل ايه؟!
دية ريحة محشى

جز كنان على اسنانه وصدره يعلو ويهبط بسرعة فرمقه ضياء بطرف عيناه قائلًا:
- هو أنا جيت فى وقت مش مناسب ولا أيه؟!

اقترب منه يرمق جبينه المتعرق وانفاسه المضطربة فوضع يده على كتفه قائلًا بخبث:
-مالك كدا؟! ايه كنت بتجرى فى شقة؟!
ولا بتلعب ضغط ولا ايه؟!

ازاحة كنان يده بحدة قائلًا:
- وانت مالك؟!
ولا اية جابك دلوقتى؟!

جلس على احد الارائك وهو يمدد قدميه على الطاولة
امامه قائلًا:
-البية لو كان واخد اجازة وضع كان زمانها خلصت
بعدين مش قولت هتيجى معايا تشوف البدلة بتصل
غير متاح ليه؟! واية الورق اللى مرمى دا والقهوة كمان
ألاه طب مش تفرحنى معاك

اقترب منه كنان لينقض عليه لكن فى هذه اللحظات
خرجت هى من الداخل فصافحته بابتسامة مرحبة فانزل ضياء قدميه وبادلها الابتسامة فهو سعيدة بتوطيد علاقتها بكنان فى الآونة الاخيرة ثم اخبرها
بانه يتضور جوعًا لكنها رأت الحنق فى أعين كنان
وظهر التجهم على ملامحه قليلًا، فابتسمت بهدوء وهى تهز رأسها قائلة:
-معقولة لا كدا احضرلك طبق دوبل

توجهت نحو المطبخ تابعها ضياء وجلس على مقعد
وبدأت بسكب الطعام فى الصحون، شرع ضياء فى
الأكل بتلذذ لتشعر هى بسعادة عارمة وتبتسم بتلقائية
اما كنان وقف امامهم بملامح حانقة يعقد ذراعيه امام
صدره بنفاذ صبر ليقول بنبرة سائمة:
-احنا مش فتحناها سبيل للأكل هنا جاى تأكل هنا
دا مش مطعم

قلب ضياء عينيه بملل وهو يمضغ لقمته قائلًا:
-طب يرضيكِ انتِ يا كيان يسبنى والمفروض اشترى
البدلة الفرح الاسبوع الجاى وقاعد هنا بيلعب ضغط

قطبت جبينها متسائلة:
-مش فاهمة ضغط ايه

ترك ضياء الشوكة بجوار الصحن وتناول يدها بين
كفيه بتلقائية قائلًا:
-سيبك انتِ الايدين ديه تتلف فى حرير الأكل روعة

صرخ كنان بهما بلهاث غاضب وتغيرت ملامحه الوسيمة
لأخرى شرسة، سحبت يدها سريعًا من ضياء وحاولت
التحكم فى رجفة جسدها اثر صراخه، اغمض ضياء
عين وترك الأخرى فحدثه كنان:
-استنانى هنا

وتحرك للداخل وهو يرمقها بغضب وقفت هى فى المنتصف حائرة تحمحم ضياء بخفوت قائلًا:
-اسف انا ماكنش قصدى اعمل مشكلة

أومات ثم اولته ظهرها متوجهة للداخل ادارت مقبض
الباب وولجت وجدته يغلق أزار قميصه ظلت واقفه
كما هى لحظات طويلة وهو يبحث فى الغرفة عن
اغراضه ويتجاهلها شعرت بحزن جارف أما هو توجه
نحو الباب فهمست:
-كنان

لم يستدير ظل كما هو قائلًا:
-عايزه حاجة من تحت اجبها

ظلت صامتة ساكنة كيف لم يفهم نظراتها ويفهم أن
قلبها لم ينبض لرجل سواه فهى لم ولن ترى رجل
كما تراه، ألا يرى دمعة عينيها بوجوده، فهى تريده
دائمًا بكل ذرة بكيانها، كيف يصل كل مرة إلى شعور
الغيرة العمياء، فنظراته فقط تجعلها اسعد أنسانة
فى الوجود، لم يتلقى منها أى رد فتح الباب وخرج
تحركت خلفه ولم يلتفت لها خرج من باب الشقة
واغلق خلفه، فجلست هى فوق الأريكة وهى
تلتقط مذاكرتها من على الارض بقلب حزين

*****
لم يقاوم طاهر رغبته كثيرًا وهبط للأسفل وهو يقنع
نفسه أن هذا من باب الواجب وما أن وطأت قدمه
للداخل، حتى سمع صوت الجميع يقرأوا الفاتحة
معلنين بداية جديدة، وقف على اعتاب الغرفة
وداخله يغلى كالقدر المحموم ولا يعلم السبب
واصبحت عيون الجميع تراقبه فثبت نظره على هاجر قائلًا:
-مبروك يا هاجر

رفعت انظارها لتصطدم بنظراته المتألمة كأن صاعقة
نزلت على رأسها فى الحال تجمدت مكانها غير مستوعبة هل هذه نظرات حزن عليها، تنفست شهيقًا
و.زفيرًا محاولة استجماع شتاتها قائلة:
-الله يبارك فيك

حركته هذه جعلت نيران الغيرة تشتعل بصدر هاجد
الذى راقبه بفضول حتى جلس بجوار كرم ثم تحدث طاهر بابتسامة سمجة:
-مش نتعرف؟!

اجابه هاجد بهدوء:
-اسمى هاجد عندى محل دهب هنا فى القاهرة وواحد فى الاسكندرية وانا والاستاذ مصطفى بنفتح واحد
جديد مع بعض وان شاء الله تبقى فتحت خير على
كل حاجة

رفع طاهر حاجبيه باستنكار:
-اسمك مهاجر!!
اسمك ايه؟!

قاطعته والدة هاجد قائلة:
-اسمه هاجد يا حبيبى بس انت لسه صغير أنه يبقى عندك مشكلة فى ودانك لا لازم تكشف بقى وتلحق نفسك

كتم مرم ضحكاته بصعوبة وهم طاهر برد فجذب
كرم ذراعه قائلًا:
-طب نستئذن يا جماعة

نهض كرم معه طاهر بينما ورمقها طاهر ضيق وكاد أن يسحبها من
معصمها لو أن دفعه كرم للأمام، صدح صوت والدة
هاجد سائلة اياها:
-بتحبى البقلاوة يا هاجر

عقدت حاجبيها باستغراب ثم اجابتها بعدم اكترث:
-بحبها ..

تمتم هاجد بصوت خافت وهو ينظر فى اثر طاهر:
-احبتك الجنة وخالقها وعباد خالقها ياهاجر

ثم تنهد وهو يكمل:
-النساء فقط يا هاجر

******

ركل طاهر سيارته بعنف لم يجد له منفذًا ينفس فيه ما يشعر به اصبح الصمت ثقيل على عاتقه ولا يعلم
بما يبوح كل هذا وكرم يقف وهو يطوى ذراعيه
امامه يرمقه باستنكار قائلًا:
-خلصت فهمنى ايه الحوار دا

-انت مش شايف الست امه كانت قاصدة تغلط فيا

ضيق كرم عيناه فوقه قائلًا:
-هى ما غلطتش انت اللى ابتديت
ما تجيب من الاخر ياطاهر مالك

تنهد بثقل وهو ينظر للسماء ثم نظر له قائلًا:
- محتاج اسافر ياكرم عايز اكون لوحدى بعد اسبوع
فرح بيلا وانا لازم اكون موجود يخلص وهسافر انا مكانك
وانت امسك الشركة شوية محتاج اكون لوحدى

التو ثغر كرم قائلًا:
-دا اللى محتاجه

-هز رأسه بالسلب قائلًا:
-لأ محتاج اعرف انا عايز ايه.. تعبان

*****

فى إحدى محلات الملابس الشهيرة الخاصة بزى الرجال يجلس كنان وهو يستمع لطرق الباب بانتصار وضعًا ساق فوق الأخر وهو يرتشف قهوته ببرود بينما
ضياء يصرخ من الداخل قائلًا:
-افتح يا كنان بلاش الهزار البايخ دا

اثر حنقه قائلًا:
-تصدق بالله هتفضل هنا للصبح ياضياء عشان تتربى

-طب أنا اسف يا كنان خرجنى بقى

رد عليه بنبرة ساخرة قائلًا:
-بسهولة كدا فى شروط

-شروط ايه بقى

وقف كنان وهو يقطع الردهة امام باب الغرفة ذهابًا وايابًا
قائلًا:
- متجيش تخبط عليا كدا فى فجأة فى حاجة اسمها
فون يا دكتور
ثانيًا تبطل يلا تلزيق وكل شوية اكلك يا كيان روعة
انتِ عالمية.. تسلم ايديك.. إياك ثم إياك تكرر حركتك
دية تانى.. متقولش تانى اكل من ايديها فهمت

اجابة ضياء بنفاذ صبر قائلًا:
- ماشى موافق افتح بقى

فتح له الباب كان يقف عارى الصدر لا يرتدى سوى
سروال بيتى قصير فجز على اسنانه:
-فين هدومى هقف كدا كتير

-استنى هبعتلك الأنسة اللى هنا بيهم

جذب معصمه سريعًا قائلًا:
-لا استر عليا هات هدومى انت

قرص كنان مقدمة انفه هو يتناول ملابسه ويلقيها بوجه ردفًا:
-انجز وحصلنى على العربية

التقط ضياء ملابسه قائلًا:
-واضح أن جيت فى وقت مش مناسب فعلًا
كنان انا لسه مجبتش البدلة رايح فين

*****

-طمنى يا دكتور فى تحسن
نطق ساهر بهذه الكلمات وهو يقف على اعتاب غرفة
والدته فى المشفى، تنهد الطبيب وهو يجيب بعملية
-هى فى حالة نكران للواقع صدمة يعنى ساعات
بتقعد ايام او شهور وبتقل تدريجيًا وبترجع تتأقلم
تانى عن طريق محفزات كاشخاص، ذكريات، مكان
فى كمان اضطربات ما بعد الصدمة وديه بيوقف
الجهاز العصبى عن التعامل بشكل طبيعى مع
مجريات الامور احنا كل دا مستنين نشوف التأثير
وصل لفين ووجودك اكيد هيفرق معاها

هز رأسه الطبيب وادار المقبض وولج للداخل
وجدها تجلس على الفراش وما أن رأته وقفت متسائلة:
-اختك فين يا ساهر .. عمك حسين وداها فين ما هو
كان من زمان عايز يجيب البت دية عندنا بس انا
قولت لا متجيش عندى انا مالى .. وانت اياك تزعل ميرا
مالكش دعوة هى تتأخر براحتها بص احنا هنسافر
وهنسيبهم تعالى اقعد .. لا لا خرجنى عايز اطمن
على اختك يا ساهر حسين وابنه هيبعدوها عنى

اغمض عيناه بألم طريقتها مزقت نياط قلبه، اقترب
منها يطبع قبلة على جبينها وهو يربت على ظهرها
قائلًا:
-حاضر يا ماما بس اهدى

نفضت يده بحدة وهى تصرخ به:
-انت زيهم امشى من هنا وهات ميرا ..عاصم خد عمرى..
امشى انت كمان.. انت مين انا معرفكش

فرت دمعة حزينة بقهر على حال والدته روحه تنشق
نصفين، ولج الطبيب على صراخها واخرجه من الغرفة
فجلس على المقاعد المعدنية فى الممر يبكى بحرقة كطفل صغير يعلم انه ذنب كيان
لكن ما ذنبه هو

****

صف كنان سيارته فى مرأب السيارات الخاص بالفيلا
وترجل منها ومن خلفه ضياء ولج للداخل فوجد والدته
تجلس فى الاستقبال فجلس بجوارها وهو يقبل جبينها
قائلًا:
-حبيبت قلبى وحشتينى
الطرد وصل

-طب والله وحشتينى انا كمان يا نونا

لكزت كنان فى كتفه وهى ترمق ضياء قائلة:
-بكاشين اوى
على العموم الطرد وصل من الصبح

ثم حدثت احدى العاملات قائلة:
-بليز تجيبى الصندوقين اللى جم الصبح

قامت باحضار الصناديق ووضعتهم امامهم على طاولة
فابتسم كنان وقام بفتح اول صندوق واخرج حلة فاخرة جلبها مخصوص من الخارج من أجل ضياء
بينما توسعت عين ضياء وهو يلتقطها منه باعجاب
ثم ارتمى فى احضانه فربت كنان على ظهره قائلًا:
-ادخل قيس وفرجنا

اختفى ضياء داخل إحدى الغرف لحظات وكان يخرج
وهو يرتدى البدلة فى هذه اللحظة كان زهير يدلف
من الخرج فاطلق صفيرًا:
-الله الله عند عريس اية الجمال دا

-حبيبى زهير انا اجى ايه جنبك

رمق زهير الصندوق الثانى بطرف عيناه ثم قال بخبث
وهو يطالع نهلة:
-ايه ديه بدلة تانية لكنان قرر يعمل فرح ويفرحنا انا
ونهلة

نهضت نهلة بلهفة وهى تقترب من ابنها بسعادة:
-ياريت يا كنان دية فرحة عمرى

حك كنان مؤخرة رأسه مردفًا:
-معلش يا جماعة هستنى أنا شوية لحد ما نفسية كيان تهدى

نطق زهير قائلًا:
-طب ما تشوف دكتور نفسى .. انا شفت مستشفى كبير
اشتغلت فيها بيسان فيها دكتور نفسى ما تسألها

رمق ضياء الصندوق المغلق متسائلًا بفضول:
-اومال دا اية؟!

-دا فستان لبيلا هى اكيد جابت اهى تختار بينهم
او تلبس الاتنين بقى .. انجز اقلع عشان نروح

مال ضياء يهمس بجوار اذنه:
-هتموت وترجع عشان تصالحها اومال ليه الوش الخشب
وتاخدنى وتحبسنى فى البروفة

جز كنان على اسنانه قائلًا:
-عشان تتربى وانجز يلا ادخل غير وهات الصناديق
على العربية

كانوا يتهامسون غافلين عن ذلك المتصنت الذى يقف خلفهم

*****

بعد مرور ساعتين

سمعت صوت سلسال مفاتيحه فى الباب نهضت مسرعه
نحو الباب فذلك العشق الذى كانت تخشى الوقوع به
لكى لا يفقدها راحتها، ولج للداخل بصمت دام للحظات
لتتكلم بنبرة تملأها الحزن:
-انت زعلان منى؟!

لم تتلقى أى اجابة منه سوى الصمت لتردف بنبرة حزينة:
-هو فاجأنى بالحركة ديه وهو كمان ماكنش يقصد اكيد

قالت كلماتها بخفوت ليشعر هو بغصة فى حلقه إثر
ذلك الحزن المعترى صوتها ومن تلك الغيمة من الدموع
التى اخفت عيناها

لم يعد يتحمل رؤية وجهها الباكى اكثر من ذلك ليقترب
منها بتمهل، وجفف تلك الدموع اللعينة التى تشعل
صدره بنيران وتشق روحه نصفين، لم يجد مفر
من سحبها بين احضانه واخذ يربت على ظهرها
بيد والأخرى تملس على خصلاتها وتخلل اصابعه
بينهم حتى استكانت بين احضانه فهمس فى اذنيها:
-استحالة ازعل منك او اشك فى ضياء لحظة
ودا بثبتلك ان بغير عليكِ من اى حد يا كيان
افهمى أنا نفسى ادخلك بين ضلوعى أنتِ تعرفى
انا بغير لو حد غيرى داق اكلك
صحيح أنا كلمت بيسان عندها اتنين دكاترة
نفسيين فى المستشفى قالتلى على احسن واحد
وحجزتلى فى عيادته

دفعته فى صدره بيدها التى شعر بارتجافها قائلة بنبرة
متألمة:
-انت ازاى تكلم مع بيسان بتاعتك فى حاجة تخصنى
زى دية، اية قولتلها كيان مجنونة يادكتورة الحقينى

توسعت عيناه بذهول وانعقد لسانه وحاول ان يقترب منها لكنها
رفعت سبباتها فى وجه قائلة:
-ابعد عنى متقربش منى احسن تشوف جنانى

-كيان افهمى

تحركت مسرعة ولم ترد على ندائه ولجت للغرفة
واوصدت الباب خلفها بعنف بينما هو وقف على
اعتاب الغرفة ابتلع المرارة التى بحلقه وهو يسمع
نحيبها من بين شهقاتها يشعر بروحه تنسحب منه
فطرق الباب قائلا:
-انا اسف يا كنان ماكنتش اعرف ان حاجة زى دية
هتضايقك انا قولت انجز بس وهى هتحجزلك
اسرع ومالهش دعوة بأى حاجة تانى
افتحى الباب نتكلم انا غلطت فعلًا

قال تلك الكلمات متمنيًا أن تريح قلبها وينال سماحها
ثوانٍ وكان هاتفه يصدح وشاشته تنير باسم والدته
تجاهله اكثر من مره لكن مع الإلحاح ضغط على
زر الاجابة:
-ايوه ياماما .. سكره عالى ازاى .. انا جاى بسرعة
مش هتأخر اديه الحقنة بسرعة

عاود الطرق على الباب شاعرًا بحرقة استقرت فى قلبه قائلًا:
-كيان افتحى بابا طبعًا لازم اروح اطمن عليه مش هينفع اسيبك كدا افتحى لو سمحتى وتعالى معايا
وبعدين نتفاهم كيان حقك عليا كياان

زفر بضيق وهو يركل الباب بغضب لاعنًا نفسه وغباؤه
-افتحى بقى مرة حتى حطى نفسك مكانى انا واقف
هنا بترجاكى وابويا بين الحياة والموت ايه اعمل
تانى

لم يسمع سوى شهقاتها تركها وغادر بخطوات تتأكل
الارض من قوتها، والنيران تنهش بكل انشًا بداخله

أما بالداخل نيران مستعرة تنهش روحها وتحرق قلبها
وكأن الظروف تصر على تهشيمها،فقلبها اصبح ملكه ولا يتحرك سوى لأجله، كيف يتعامل مع مشاعرها بهذا
التجاهل، مشاعرها التى بالاساس مهشمة

صدح صوت هاتفها برسالة وكانت من زهير وفى مكنوناتها:
-ابنى نزل من عندك صح اصلى انا عينى عليكم
وفى الاخر ولاءه لابوه

اغلقت هاتفها ولا تدرى ماذا تفعل أعليها الفرار بعيدًا
أو الخضوع لقلبها الذى يطلبها بقربه وحقها فى الحياة
بجوار ونيس الروح وأن تصارحه لكن عقلها يرفض المضى فى هذا الطريق الذى نهايته مأساوية ويعنف
قلبها الضال الذى لم يستمع له مسحت دموعها بعنف
وقد اتخذت قرارها وستبدأ فى تنفيذه

****
يتبع


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close