اخر الروايات

رواية متاهة مشاعر الفصل التاسع 9 بقلم نهي طلبة

رواية متاهة مشاعر الفصل التاسع 9 بقلم نهي طلبة 


لفصل التاسع

"أنا حسن حاتم حسين العدوي قبلت زواج موكلتك الآنسة منى نصر الدين عبد الله البكر الرشيد على كتاب الله وسنة رسوله ومذهب الإمام أبي حنيفة النعمان وعلى الصداق المسمى بيننا"..

رفع المأذون المنديل الأبيض من فوق يديّ حسن ونصر المتعانقتين وهو يبارك لهما الزواج الميمون وشرع في اكمال بيانات كلا العروسين, بينما تقدم يزيد ومعه أحد أعمام منى ليمهرا وثيقة الزواج بتوقيعهما كشاهدين للعقد..

وتعالت الزغاريد في أرجاء البيت بل في أرجاء الحارة التي تسكنها منى وقد شاركت سيدات المنطقة بالفرحة التي انبعثت من منزل العروس الذي قام حسن بتزيين واجهته بعناقيد ملتفة من الأنوار الملونة كما اعتاد أهل المنطقة في أفراحهم.. وأقيمت خيمة كبيرة في وسط الحارة.. اصطفت بها عشرات المقاعد وتلألأت بداخلها الأنوار الباهرة وتناثرت باقات الزهور.. وفي صدر الخيمة أقيمت كوشة للعروسين وقد زينت بأكملها بوريقات الفل الأبيض وعدد لانهائي من المصابيح المتلألئة الصغيرة.. وقد تعالت الأغاني الخاصة بالأفراح وامتزجت مع أصوات الزغاريد المتناثرة من بيوت الحي..

ما أن انتهى المأذون من اجراءات الزواج وأغلق دفتره ليصطحبه يزيد للخارج حتى نهض حسن بقوة حتى بدا وكأنه يقفز من مكانه وتوجه نحو عم نصر مخاطباً اياه برجاء:

ـ عمي.. هي منى هتتأخر؟.. كنت عايز أبارك لها.. و..

قطع جملته ارتفاع صوت الزغاريد مرة أخرى وابتسامة السعادة والفخر ترتسم على وجه نصر وهو يتجه نحو ابنته التي وقفت على عتبة غرفتها وقد ارتدت ثوب الزفاف الذي اختاره لها حسن وأرسله لها صباح اليوم..

أخذ حسن يتأملها وهي تتقدم نحوه وقد تأبطت ذراع والدها.. وهي ترفل في ثوبها الخلاب الذي احتضن صدرها والتف حوله في ثنايات رقيقة من قماش التول الأبيض وزين خصرها حزام من الألماس لتسترسل تنورة الثوب في طبقات عديدة من نفس التول الأبيض الرقيق الذي تناثرت عليه العديد من حبات الألماس البراقة.. كان الثوب عاري الصدر والذراعين ولكن منى تمكنت من وضع شال من الشيفون الأبيض لتغطي به ما ظهر من صدرها وظهرها..

تحركت قدما حسن بلا إرادة منه لتتجه نحو ملاكه الرقيق.. حلمه الذي كاد أن يفلت من بين أنامله.. لم يصدق نفسه وهو يقف أمامها.. ووالدها يسلمها له.. وهو يوصيه بالمحافظة عليها... لم تكن أي من كلمات نصر تصل إليه.. فهو كان هائماً في عيون مليكته بعد أن رفع الطرحة عن وجهها وظل لثوانٍ عديدة يتأمل جمالها النقي والرقيق.. فقد التزم طاقم التجميل الذي اتفق معه بكل أوامره ولم يسرفوا في زينة وجهها.. بل اهتموا بإبراز روعة وجمال عينيها بالكحل العربي الأسود.. فاظهروا اتساع عينيها الفاتن وهام هو في براءة نظراتها التي التقت بنظراته للحظات قبل أن تخفض عينيها أرضاً هرباً من الشوق العاصف بعينيه.. وطليت شفتيها بطبقة رقيقة من أحمر الشفاه الوردي والذي أضاف براءة لشفتيها اللاتين كانت تمضغهما بتوتر فجذبا نظره كالمغناطيس وهو يحلم بامتلاكهما تلك الليلة.. وسرح بصره نحو خصلاتها الداكنة التي أنطلقت على كتفيها وظهرها في تعرجات خفيفة تناديه ليجري أنامله بها... وكاد أن يضمها لصدره بجنون لولا صوت نصر الذي أخرجه من هيامه:

ـ مش هتبارك لعروستك ولا ايه يا حسن يا بني؟!

التفت إليه بإحراج ثم اقترب ليطبع شفتيه فوق جبهة منى هامساً:

ـ مبروك علي يا منى..

توردت وجنتيها بشدة تحت وطأة نظراته العاشقة والتي كانت تلتهم ملامحها الرقيقة حتى لكزه يزيد بخفة وهو يهمس له:

ـ خف شوية يا بني.. الناس عينيها عليكوا..

تنحنح حسن ليخرج نفسه من حالة الهيام التي أصابته وتحرك ليتأبط ذراع منى ويتحركان معاً خارج الشقة وسط الزغاريد والأغاني حتى وصلا إلى الكوشة المُعَدة لهما في صدر خيمة الزفاف..

أمسك حسن بيد منى وهو يضغط عليها برقة:

ـ مبروك يا حبيبتي.. أنا مش مصدق نفسي..

تلعثمت منى وتعثرت الكلمات على شفتيها, ولكنها كانت تريد أن تسأل.. أن تعرف.. فأخرجت نفسها من حالة الخجل التي تصيبها بها نظراته وسألته بصراحة:

ـ حسن.. ايه اللي حصل مع نيــ...

وضع إصبعه على شفتيها:

ـ هشششش.. خلاص الليلة دي بتاعتنا.. مش عايز أفكر في أي حاجة..

أزاحت أصابعه برفق وهي تهمس بتوسل:

ـ عايزة أفهم..

ـ تفهمي ايه بس؟..

وأخفض عينيه قليلاً:

ـ أنا عملت اللي كان المفروض يتعمل من زمان.. حتى أقل من اللي هي تستحقه على اللي عملته معاكِ.. بس للأسف في ظروف قيدتني..

قال كلمته الأخيرة بخفوت وهو يتذكر نظرات الألم في عينيّ شقيقه وهو يتابع ما كان يدور على مائدته هو ونيرة..

همس لنفسه..

"اللعنة.. لولا نظراتك تلك يا مازن لنالت تلك المتكبرة ما تستحقه.. آه لو أعلم ماذا بها لتعشقه؟"..

أفاق على لمسة بسيطة من منى وهي تسأله:

ـ ووالدك؟..

هز رأسه:

ـ ما تشغليش بالك يا منى.. أرجوكِ خلينا نعيش أحلى ليلة.. ده أنا ما صدقت..

أخفضت منى عينيها بخجل وهمست:

ـ عايزة أطمن..

ضغط على يدها برقة:

ـ اطمني.. طول ما أنا معاكِ اطمني..

*********

جلست علياء على السور العريض لشرفة غرفتها وهي تمسك دفتر الرسم الكبير.. وأخذت أناملها تتحرك بمهارة لتشكل لوحة لملامح يزيد..

حيرتها تلك النظرة التي تلمحها بعينيه مؤخراً.. خليط من الغضب والتوق والذنب والشوق مع عاطفة أخرى لم تستطع تحديدها, ولكن أناملها سجلتها بمهارة لتبدأ معالم وجهه في الظهور على الصفحة البيضاء.. فأخذت تحرك أناملها عليها بحب وتتلمس الدمعة الماسية المعلقة بعنقها بيدها الأخرى.. لا تعلم سر شغفه بتلك الماسة فهو كان يدأب على تلمسها بشفتيه في كل مرة قبلها فيها.. حتى في تلك المرة الأخيرة التي رأته فيها..

منذ أسبوع كامل..

أسبوع كامل لم يحاول رؤيتها أو الاتصال بها..

تساءلت بحيرة إن كان يشتاق لها أو يفكر بها كما تتحرق هي شوقاً حتى لسماع صوته الذي ضن به عليها فهو حتى لا يجيب على أي من مكالماتها..

لا تعرف بماذا تفسر ما يصدر منه نحوها.. فهو يقربها ليعود لإبعادها مرة أخرى, ولكنه تلك المرة إلتزم بكلمته تماماً وابتعد نهائياً ولم يحاول رؤيتها ولو مرة..

هل رخصت نفسها له؟؟.. وسلمت بسهولة لذلك أقبل لينال كل ما تمنحه له بسخاء؟.. هل صحيح سيتمم زواجه بريناد مثلما أخبرها؟..

لقد صدمها في الواقع فهي لم تتخيل بعد تلك العواصف التي يثيرها بها أن يصمم على اتمام زواجه.. هل كان يتلاعب بها؟.. أم أنها كانت تسلية متاحة؟.. هل سيعود مرة أخرى ليغوص بها لبحار حبه؟.. أم أنه ابتعد تلك المرة إلى الأبد؟...

أخذت أناملها تداعب ملامحه المرسومة وهي تتساءل بحيرة عن مشاعره.. وإن كانت نظرة التوق التي تلمحها في عينيه حقيقية أم لا؟..

تكاد تجزم أنها لم تلمحه ولا مرة واحدة يرمق ريناد بتلك النظرة.. ولكن ماذا تعرف هي عن لحظاتهما المنفردة معاً؟..

لم تعرف أن في تلك اللحظة بالذات كانت ريناد ترمق يزيد بتأمل وهي تسأله:

ـ مالك يا يزيد؟.. أنت متغير اليومين دول..

ـ أنا متغير!!.. لا أبداً بيتهيألك... أنتِ عملت ايه في الفيلا؟.. خلصتِ ولا لسه؟..

شهقت بقوة:

ـ خلصت؟.. خلصت ايه؟.. أنت مش عارف أني طول الأسبوع ده كنت مشغولة بحفلة حسن صاحبك.. وبعد كل التعب والمجهود اللي عملته.. يطلع كان عامل الحفلة عشان يفركش خطوبته..

ازدرد يزيد لعابه بتوتر:

ـ ايه اللي أنتِ بتقوليه ده؟.. هي مش نيرة رمت له الدبلة قدامك وقدام الناس كلها..

هتفت به بحنق:

ـ يزيد.. ما تضحكش عليّ.. أنت عايز تفهمني أنه نيرة فسخت خطوبتها لحسن وبعد ساعة واحدة بس هو اتجوز بنت السواق.. وعمل لها الفرح اللوكال ده!..

ازداد توتر يزيد وهو يسألها:

ـ قصدك ايه؟..

ـ قصدي أن كل حاجة كانت مترتبة.. لعبة وحسن لعبها صح.. وللأسف أنا ساعدته على كده من غير ما أعرف.. وأنت خدعتني عشان أساعده..

ـ أنا؟..

ـ أيوه أنت.. مش أنت اللي اتوسط له عشان أجهز له الحفلة وأنت عارف كويس قوي هو ناوي على ايه؟؟.. وبعد ده كله جاي تشهد على عقد جوازه من البنت اللي اسمها منى دي.. وجاي الوقتِ تسألني على تجهيزات بيتنا؟..

ابتسم يزيد بسخرية:

ـ آه.. قولتِ لي.. يعني المحاضرة دي كلها مش عشان نيرة.. لا عشان تفهميني أن تجهيزات البيت محلك سر.. وأنك عاوزة تأجلي الجواز طبعاً.. بس يكون في علمك.. ميعاد الفرح مش هيتغير حتى لو البيت على البلاط..

هتفت ريناد بغيظ:

ـ يزيد.. أنا مش بتحجج.. ولا بهرب.. فعلاً أنا متضايقة من الموقف اللي اتحطت فيه نيرة.. رغم أنها مش صاحبتي.. وأن علاقتنا مش قوية.. لكن اللي حصل لها النهارده ما يرضنيش أبداً.. وكونك جزء من المؤامرة دي.. بيضايقني أكتر..

تأملها للحظات.. وهو يدرك أن أفكارها القوية.. ونظرتها المباشرة للأمور والتي تعبر عنها بمنتهى الصراحة والوضوح هي ما جذبته إليها من البداية.. قد يفتقد ذلك الشغف المجنون الذي يستشعره مع علياء.. ولكنه واثق أنه سيشعر به مع ريناد بمجرد زواجه منها..

وضعت ريناد يدها على ذراعه وهي تسأله:

ـ في ايه يا يزيد؟؟. أنت برضوه سرحان!!

ـ لا أبداً.. بالنسبة لموضوع حسن ونيرة له خلفيات كتير.. لكن تأكدي أنه ما ظلمهاش.. بالعكس.. هو كان كريم جداً معاها.. وبعدين الفرح اللوكال اللي مش عاجبك ده أنتِ اللي أصريتِ تيجي معايا..

هزت كتفها بدلال:

ـ أومال كنت عايزني أسيبك تيجي هنا لوحدك؟.. أنا كنت حاسة أنه في حاجة مخبيها عليّ وطلع عندي حق..

داعب أنفها بلطف:

ـ ماشي يا ست شيرلوك هولمز!..

ضحكت برقة وهي تتعلق بذراعه وتلصق نفسها به أكثر... بينما هو يراقبها بتأمل..

"قد يرفض الرجل لمسة امرأة ما في حالة نفوره من تلك المرأة.. أو تأثره الشديد بها, ولكن في الحالة الأخيرة فإن ما يرفضه حقاً هي تلك الأحاسيس التي تفجرها تلك اللمسة"..

لا يدري هل قرأ تلك العبارة في مكان ما أم أنها قفزت إلى ذهنه وهو يستشعر الهدوء التام بأعماقه وأنامل ريناد تتشبث بذراعه الآن.. وتذكر انتفاضته كالملسوع من الجمر بعدما مست أطراف أنامل علياء ركبته في آخر مرة رآها فيها...

وكان ذلك بعدما غرقا معاً في عاطفة عاصفة بمكتبه, ثم تمالك نفسه بأعجوبة ليتظاهر بالبرود ويقرر اصطحابها إلى المزرعة..

لم يوجه إليها أي كلمة طوال الطريق حتى اقتربا من الوصول إلى المزرعة.. فأوقف السيارة على جانب الطريق قبل بوابة المزرعة بعدة أمتار والتفت لها... فابتسمت له برقة زلزلت مشاعره.. وكادت أن تحطم قناع التماسك الذي يرسمه على وجهه.. ولكنه قرر مواجهتها وانهاء الأمر قبل أن يسقطا معاً إلى عمق لن يستطيعا الهروب منه..

أخبرها بهدوء يحاول استدعائه:

ـ علياء.. أنا.. أنا.. بعد شهر هيكون فرحي أنا وريناد..

بهتت ملامحها ولاحظ الدموع التي تجمعت في مآقيها على الفور وهي ترفع أناملها إلى شفتيها المنتفختين من إثر قبلاته لها.. وحاولت استدعاء أي كلمات لتسأله بتعثر:

ـ فرحك!!.. و.. و..

هزت رأسها بحيرة وهي عاجزة عن تكوين سؤال واضح.. فزفر هو بيأس:

ـ أنا آسف.. أنا عارف أني تجاوزت معاكِ كتير الأيام اللي فاتت.. حتى كلمة آسف ما لهاش معنى قصاد غلطي في حقك..

خبط رأسه في مقود السيارة بعنف وهو يهتف:

ـ علياء.. أنتِ عارفة كويس أنه صعب.. لا ده مستحيل مش صعب بس.. وجودك بأي شكل في حياتي.. علياء..

رفع رأسه ليلمح دموعها التي بدأت تجري على وجنتيها فهتف بتوسل:

ـ علياء.. من غير بُكى..

استمرت دموعها بالانهمار:

ـ بس.. أنا.. أنا بحبـــ

قاطعها صارخاً:

ـ لا.. لا يا علياء.. أرجوكِ.. ما تصعبيش الموضوع علينا أكتر ما هو صعب..

تعالت شهقاتها واستمرت دموعها بالهطول وهي تستمع الحكم بإعدامها يخرج من بين شفتيه:

ـ علياء.. أنتِ مش عارفة ماما حصل لها ايه بعد ما عرفت بجواز بابا من والدتك.. أنا.. أنا أساساً خاطب ريناد من.. من زمان.. و..

قطع كلماته وهو يضرب المقود بقبضته وهو يرى دموعها وقد أغرقت وجهها..

فهتفت هي بتوسل من بين دموعها:

ـ وأنا ذنبي ايه في اللي حصل بين ماما وعمو عصام ووالدتك.. ليه كلكم مصرين أني أدفع التمن ده لوحدي..

عادت دموعها تجري بلا توقف وهي تهز رأسها بألم وتصرخ:

ـ ذنبي ايه؟؟؟

جذبها لصدره ليضمها بقوة وهو يدفن رأسه بتجويف عنقها ويهمس:

ـ كفاية بُكى.. أرجوكِ مش بتحمل دموعك..

تمسكت بكتفيه لتنخرط في نوبة بكاء قوية بينما هو أخذ يمسح على شعرها برقة.. يواسيها بصمت غير قادر على كسره.. فهي محقة بصراخها عليه فالجميع يحملها ذنب لم تقترفه ولكنها حملته على كتفيها بصمت.. قد تكون أحد الضحايا, ولكن والدته هي أكثر من تأذت وهو غير قادر على تجاوز ذلك..

ظل يضمها إلى صدره لفترة منتظراً أن تعود لهدوئها.. ولكن كما يحدث معه في كل مرة تكون فيها قريبة منه.. بدأت سيطرته على مشاعره تخونه خاصة وهو مازال متأثراً بما حدث بينهما منذ قليل في مكتبه.. ووجد نفسه يبعد شعرها خلف أذنها ويجمعه على أحد كتفيها ليظهر لعينيه جانب عنقها الطويل وقد تناثرت عليه مجموعة من الشامات الصغيرة مشكلة خط طويل متعرج بدأ من خلف أذنها وتابعه هو بأطراف أنامله حتى وصل إلى نهاية عنقها حيث اختفت باقي الشامات خلف ياقة قميصها فتوقفت أنامله حول عنقها لتداعب الماسة الدامعة برقة وشعر بها ترتجف بين ذراعيه استجابة للمساته.. وترفع رأسها وتواجه عينيه ونظراتها تصرخ بحبها له..

ضمها له وهو يهبط برأسه إلى شفتيها بعجز.. متنقلاً بشفتيه بين وجنتيها وشفتيها وتلك الماسة التي تفقده عقله..

ظلا يتبادلان القبلات بشغف لدقائق لم يعرفا عددها حتى سمعها تهمس:

ـ بحبك يا يزيد.. والله بحبك..

أبعدها عنه بقوة وهو يهز رأسه بعنف صارخاً:

ـ جنوووووون.. اللي بيحصل ده جنون ولازم يوقف..

حاولت لمس ركبته بأناملها.. فصرخ بها كالملسوع:

ـ لا..

أبعدت يدها تضمها إلى صدرها وعادت شفتيها ترتجف بالبكاء.. فأخذ يتأملها لثوانٍ غير قادر على اتخاذ أي قرار.. يدرك أنه لو لمسها مرة أخرى لن يتوقف.. لن يتوقف أبداً إلا بعد أن يمتلكها تماماً..

أخيراً حرك العربية ليقف أمام بوابة المزرعة ويهمس لها وهو ينظر إلى الفراغ:

ـ احنا وصلنا يا علياء..

سألته بحيرة:

ـ وصلنا!!.. أنزل يعني؟..

أومأ لها موافقاً.. فهمست من وسط دموعها:

ـ مع السلامة يا يزيد..

خرجت من السيارة وأغلقت الباب خلفها بهدوء فالتفت برأسه يتابعها بنظراته حتى دخلت إلى باب الفيلا وهمس لنفسه:

ـ الوداع يا عليائي.. مش هقدر أشوفك تاني.. يمكن.. يمكن الزمن يكون هو الحل...

أفاق على ضغط أنامل ريناد على ذراعه ليفاجئ أنه ضاع في ذكرياته مع عليائه بينما ريناد معلقة بذراعه.. كاد أن يبتسم ساخراً من نفسه.. فهو لا يستطيع الإنكار أنه يفتقدها بشدة.. ابتعاده عنها ومقاومة الذهاب لرؤيتها كان من أصعب ما قام به حياته.. يشعر بجسده يتألم وخلاياه تصرخ طالبة وصالها.. ولكنه للأسف لا يستطيع التلبية..

دوى صوت ريناد في أذنيه وهي تشير نحو حسن وعروسه:

ـ يزيد.. حسن بيشاور لك..

التفت لحسن فوجده يشير له برغبته في الذهاب.. فتحرك نحو الفرقة الموسيقية يتفق معها لتصدح نغمات الزفة الشعبية.. "دقوا المزاهر"..

فتحرك حسن مع منى ليتوجها نحو والدها ووالدتها.. التي أخذت توصيه بابنتها وتطلب منه أن يطمئنها عليها باستمرار.. فارتمت منى بين ذراعيها وبدا أن الدموع ستصبح سيدة الموقف..

ضم حسن منى إلى صدره بعدما رفعت نفسها من بين ذراعي أمها.. ليطمئن والديها:

ـ ما تقلقوش على منى.. مش هقولكوا منى في عينيه.. لا منى هي عينيه اللي بشوف بيها.. وهي قلبي اللي بيدق.. وهي عقلي اللي مش بيفكر غير فيها..

تضرجت وجنتي منى بشدة وهي تهمس بخجل:

ـ حسن!!!..

ضحك والدها بسعادة بينما شعرت والدتها بخجل ابنتها ولكنها ابتسمت براحة وهي تدعو لهما:

ـ ربنا يسعدكوا يا بني ويهدي سركوا..

وعادت لتضم منى إليها بقوة فابتعد حسن قليلاً ليسمح لهما بوداعها..

اقترب منه يزيد ليضع في راحته علاقة مفاتيح..

سأله حسن بتعجب:

ـ ايه ده يا يزيد؟.. مفاتيح ايه دي؟..

ـ مفاتيح الشاليه بتاعنا اللي في المعمورة.. أنا جهزته ومليت التلاجة.. وكمان هتلاقي في عشا ليكم.. مبروك يا كبير.. وما تنساش الجمايل دي..

ـ أنا متشكر قوي يا يزيد.. بس أنا كنت مخطط نروح الشاليه بتاعنا في الساحل..

شهق يزيد بذهول:

ـ تروح فين؟.. ووالدك؟.. أنت فاكر أنه هيعدي اللي حصل ده بالساهل.. روح الشاليه بتاعنا أفضل.. هو مش هيفكر يدور عليك هناك.. افرح وفرح عروستك يومين.. قبل ما المواجهة معاه..

أومأ حسن موافقاً:

ـ أنا عارف أنه مش هيسكت.. أكيد وصله كل اللي حصل الليلة, وطبعاً مفاجأته من تصرف نيرة لخبط له حساباته.. وكمان معرفته بجوازي في نفس الليلة.. أنا متوقع إعصار.. بس ربنا يستر..

ردد يزيد:

ـ ربنا يستر..

ـ ما فيش أخبار عن مازن؟..

هز يزيد رأسه نفياً:

ـ ما اعرفش أي حاجة.. آخر مرة كلمته قبل ما أمضي على قسيمة جوازك.. قالي.. أنه مش هيقدر يوصل في الميعاد.. وطلب مني أكون الشاهد مكانه..

ربت يزيد على كتف حسن وأردف:

ـ أنا عارف وجوده جنبك الليلة كان يفرق معاك قد ايه.. بس يا سيدي اعتبرني زي أخوك..

ـ أنت أكتر من أخ يا يزيد.. ووقوفك جانبي الليلة جميل فوق راسي.. وأنا مش متضايق من عدم وجود مازن.. بالعكس.. وجوده كان هيأثر جامد على صورته قدام نيرة.. هو ساعدني كتير.. من حقه بقى يحاول يظبط أموره شوية..

ـ يعني أنت مش متضايق من اللي نيرة عملته؟..

هز حسن رأسه:

ـ لا.. أبداً.. يمكن فوجئت.. بس كان لازم أتوقع أنها بتحب تكون الكلمة الأخيرة لها.. بس أهوه.. كله جه في مصلحة مازن..

سأله يزيد بحيرة:

ـ تفتكر فعلاً أن اللي حصل كان في مصلحته؟..

تبادلا النظرات الحائرة ولم يعلما بأن مازن نفسه كان في ذلك الوقت يرمق نيرة الجالسة بجواره بحيرة بالغة.. يتساءل عن صحة تصرفه.. عندما وافق على هذيانها المجنون..

فمنذ أن قرر حسن الرضوخ لوالده وإعلان خطبته على نيرة وهو يحرص بشدة على أن يبقى بعيداً في خلفية الصورة ويحاول اخفاء مشاعره بداخله حتى لا تسبب شرخاً بينه وبين شقيقه حتى وهو يعلم بابتعاد حسن بعقله وقلبه عن نيرة.. ولكنه الليلة وهو يلمح دموعها تبرق في عينيها وحسن يتلاعب بالدبلة الذهبية بين أصابعه لم يحتمل البقاء في الخلفية, وظهرت مشاعره واضحة على ملامحه رغماً عنه وهو يحاول منع نفسه من الاقتراب منهما ومنع حسن من التسبب بإيلامها, حتى لو تسبب ذلك في ابتعاده عنها للأبد.. حركة خافتة من يزيد وهو يمسك بذراعه أوقفته عن التقدم, فالتفت له وملامح وجهه تصرخ بالصراع الدائر بأعماقه..

لم يعلم إذا كان حسن لاحظ ما حدث ولكن الأكيد أن نيرة لمحته.. فتبدلت ملامحها في ثوانٍ وتحول بريق الدموع في عينيها إلى بريق تحدي وهي تنهض بكبرياء وتنزع خاتم خطبتها من يدها بهدوء لتلقيه في وجه حسن وهي تهتف بصوت مسموع:

ـ أنا آسفة يا حسن.. مش هقدر أكمل مسرحية خطوبتنا أكتر من كده.. أنا وافقت على الخطوبة دي بس عشان كنت عايزة أعقاب الراجل اللي بحبه.. لكني مش قادرة أكمل معاك.. أرجوك ما تجبرنيش على حاجة مش عايزاها..

وصمتت قليلاً لترقب أثر كلماتها على الحضور الذين صمتوا تماماً وكأن على رؤسهم الطير..

ثم رفعت رأسها نحو مازن وهي ترسم ملامح الأسف والعتاب:

ـ مازن.. حبيبي.. أنا آسفة على تصرفاتي المجنونة.. أرجوك سامحني.. أنا أتعلمت الدرس خلاص يا حبيبي.. مش قادرة أبعد عنك أكتر من كده..

سمعت الشهقات تتردد في كل مكان بالقاعة تقريباً وهي تعلن حبها وأسفها لشقيق خطيبها..

استمر تبادل النظرات بينها وبين مازن الذي لمح وسط بريق التحدي بعينيها نظرات استغاثة خفية.. أو ربما ذلك ما أوهم نفسه به فتخلص من ذراع يزيد وتحرك نحوها بخطوات بطيئة حتى وصل إليها ووقف أمامها تماماً ليرى نظرات الانتصار بعينيها.. ويلمح نظرات حسن الذاهلة..

شعر بجميع من في القاعة ينتظر خطوته القادمة..

هل سيوافقها في ادعائاتها ليظن الجميع أنها هي من تركت حسن بسبب حبها اليائس لشقيقه؟.. أم سيخذلها ليحافظ على كرامة أخيه ورباط الأخوة الذي يجمعهما..

أدار نظراته في القاعة ليلمح العيون المتوسعة بترقب.. وسمع الهمهمات الخافتة بين الموجودين.. ما بين شامت وحاقد ومتعاطف ولكنه مترقب للفضيحة المقبلة..

أعاد نظره إلى نيرة مرة أخرى ليلمح خفوت نظرة الانتصار بعينيها.. وظهور صرخة الاستغاثة مرة أخرى.. فما كان منه إلا أن مد يده نحوها يجذبها لصدره ويحني رأسه مقبلاً شفتيها بقوة


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close