رواية متاهة مشاعر الفصل العاشر 10 بقلم نهي طلبة
الفصل العاشر
أوقف مازن سيارته في إحدى البقع الهادئة أمام كورنيش المعادي.. والتفت إلى نيرة التي ظلت على حالة الصمت التي تلبستها بعد ما تلقت تلك القبلة المجنونة منه.. وكأن تلك القبلة كانت بمثابة مخدر لها فانساقت خلفه بهدوء وهو يسحبها خارج القاعة ويضعها بسيارته.. وكلما اقترب من منزلها.. تهز رأسها رافضة.. وتطلب منه أن يستمر في تحريك السيارة...
لقد منحه القدر الليلة فرصة لا تعوض ليكون مع حبيبته أخيراً.. بعد ما كان يفكر في أي طريقة ليتمكن من الاقتراب منها بعد انهاء شقيقه تلك الخطبة البائسة, وكان كل مرة يجد خطأ ما.. يجعله يعيد النظر مرة أخرى.. حتى قدمت هي له الطريقة المثلى ليكون معها.. بدون أن يكون في موقف ضعف أمامها والأهم أنه لن يجرح شقيقه..
فقط عليه التعامل معها حالياً بهدوء شديد حتى يمتص غضبها ويحجم من كل الأفكار السوداء التي تموج في عقلها الآن وأغلبها تتمحور حول شقيقه مذبوحاً.. أو مشنوقاً...
أخيراً التفت لها يتأمل وجهها الفاتن الذي يعشق به ملامح الكبرياء التي تحاول أن تستدعها الآن بكل قوتها..
سقطت نظراته على شفتيها, تلك التي تذوقها لأول مرة منذ قليل.. ليجد أن طلاء شفتيها يلطخ تلك المنطقة الرقيقة حولهما.. فسحب المنديل من جيب بذلته وقدمه لها بهدوء..
نظرت نيرة إلى المنديل بتعجب.. ثم لمحت اتجاه نظرات مازن.. فانطلق كل غضبها وحقدها المكبوت منذ اللحظة التي واجهها حسن بحقيقة الحفل الذي أقامه لها وحتى سحبها مازن كالشاه العاجزة بلا حول ولا قوة.. وتمثلت مشاعرها كلها في قبضتي يديها اللتين انطلقتا نحو مازن كالقنابل وهي تصرخ به:
ـ أنت خدعتني.. استغلتني.. خدعتني.. وخلتوني نكتة بين الناس..
تنهد ببرود:
ـ أنتِ قلتِ خدعتني مرتين على فكرة..
كادت أن تصرخ من جديد فعاد يخبرها بهدوء:
ـ وبيتهيألي أني لا خدعتك.. ولا ضحكت عليكِ.. بالعكس.. أنا..
صرخت مقاطعة:
ـ أنت بوستني!!..
هز كتفيه بلامبالاة:
ـ بيتهيألي برضوه أنك ما كنتيش ممانعة..
كتفت ذراعيها تسأله بغضب:
ـ والحل؟..
أعاد كلمتها باستفزاز:
ـ الحل!!
صرخت به بجنون:
ـ مازن.. أنت ناوي تجنني.. هنعمل إيه في الورطة دي؟
أخذ يتأملها لوهلة وعادت عينيه تتجه إلى طلاء شفتيها الملطخ فأمرها بحسم:
ـ نضفي الروج من على شفايفك..
مسحت شفتيها بعنف وألقت المنديل نحوه بعنف صارخة:
ـ خلاص.. ارتحت!..
هز كتفيه بخفة وهو يجيب سؤالها السابق بهدوء:
ـ أعتقد أنه أفضل حل أننا نهدى خالص ونسيب العاصفة تمر.. وبعد فترة الناس هتنسى وهيلاقوا حاجة تانية تشغلهم..
ـ قصدك فضيحة تانية؟..
هز كتفيه بهدوء مستفز.. فصرخت به:
ـ معقولة هتسكت وتسيب الناس يجيبوا سيرتي.. ويقولوا..
قاطعها بجدية:
ـ هيقولوا أن الأخين لعبوا بيكي.. ونقلوكِ بينهم.. وفي الآخر رموكِ.. بعد ما اتبسطوا شوية وبعدين زهقوا منك..
اتسعت عيناها بذعر تستشعره للمرة الأولى.. فلم تتصور في أي وقت أن تكون نيرة غيث مضغة تلوكها أفواه النميمة وجلسات السيدات التافهات.. ولكن.. هذا لن يحدث.. مازن لن يسمح بهذا.. أنه يحبها.. أم تراها قد أخطأت في قراءة مشاعره.. كلا.. كلا.. أنها متأكدة..
اعتدلت في جلستها بهدوء وهي تخبره بعجرفة:
ـ ما فيش حاجة من دي هتحصل!
سألها بتعجب:
ـ ليه بقى؟..
أشارت له بسبابتها:
ـ أنت مش هتسمح بكده!
ـ والسبب؟..
ـ أنت بتحبني..
رمتها في وجهه بقوة وكأنها تصمه بسُبة ما, فدفعه ذلك للابتسام بسخرية..
صرخت متهمة اياه:
ـ أنت بتحبني, صح؟..
أجابها بهدوء:
ـ لازم يكون في حد بيحب نيرة.. مش كده؟..
سألته بتردد:
ـ يعني إيه؟..
ـ يعني أنك دايماً بتدوري على اللي بيحب نيرة.. وإذا كان في حد لا سمح الله اتجرأ ومحبهاش يبقى لازم يحبها.. حتى ولو بالعافية!!!
ارتبكت بشدة وتعثرت الكلمات بين شفتيها:
ـ أنت عايز توصل لإيه؟
ـ عايز أعرف... ليه نيرة مش بتحب نيرة؟!..
توسعت عيناها بدهشة.. فأردف وهو يلوح بيده:
ـ كل اللي حواليكِ وبيتعاملوا معاكِ فاهمين أنك بتحبي نفسك لدرجة النرجسية.. لكن الحقيقة غير كده..
أدار وجهه لها ومد يده ليرفع وجهها ويحدق بعينيها:
ـ الحقيقة أنك مش بتحبي نفسك.. دايماً بتدوري على أي حد يحبها بدالك.. ليه؟.. ليه يا نيرة؟..
ارتسم الذهول على ملامحها.. فهي لم تعتقد أبداً أنه سيستطيع قراءة أعماقها بمثل ذلك الوضوح.. فجذبت وجهها من بين أنامله وهي تصرخ به:
ـ كفاية فلسفة يا مازن.. وقولــ..
قاطعها بهدوء وهو يبدأ تشغيل السيارة:
ـ هحدد ميعاد الجواز مع والدك وأبلغك.. أنا لحد الوقتِ ما طلبتكيش منه.. وما يصحش أنه يسمع من بره أن بنته بدلت خطيبها!..
سألته بوجل:
ـ يعني..
ـ يعني.. هنتجوز على طول يا نيرة.. لا خطوبة ولا كلام فارغ من ده..
والتفت إليها ليضغط على كل حرف:
ـ يعني ما فيش حسن.. ما فيش منى... تطلعيهم من دماغك اللي عاملة تدور على أي مصيبة تسببها لهم ولا أي كارثة تفرقهم عن بعض..
رددت بتوتر:
ـ تفرقهم!!
أجابها بهدوء:
ـ حسن ومنى اتجوزوا.. وهما دلوقتِ في طريقهم لشهر العسل..
صرخت بذهول:
ـ إيه!.. لا.. لا مش ممكن مستحيل..
جذبها من ذراعها بقوة:
ـ نيرة.. بقولك لآخر مرة.. تنسي كل حاجة عن اللي فات.. أنا مش هعرض نفسي واسمي وكرامتي لأي كلام سخيف عشان حضرتك ترضي نزعة الإنتقام اللي جواكِ.. وخليكِ فاكرة.. أني قدام أبويا وأبوكِ بقدم لهم خدمة.. يعني لو تراجعت عن جوازنا في أي لحظة نتيجة أي تصرف متهور منك.. ما فيش حد هيقولي تلت التلاتة كام.. فهماني؟..
رددت بتأكيد:
ـ بس أنت بتحبني..
أغمض عينيه بقوة.. واجابها بهدوء:
ـ أيوه.. بحبك يا نيرة.. وعارف أنك عارفة من زمان..
فتح عينيه فجأة والتفت لها:
ـ بس مش هسمح تاني أنك تستخدمي الحب ده عشان تستردي كرامتك أو تنتقمي.. كفاية قوي اللي حصل الليلة.. ولو عاوزة الحق.. أنتِ اللي استغلتيني.. مش العكس..
أدار السيارة بحركة عنيفة.. وهو يسألها:
ـ هتروحي دلوقتِ؟..
هزت رأسها نفياً:
ـ وديني عند عليا في المزرعة..
أومأ بصمت متفهم بينما هي ترمقه مذهولة بشخصيته.. بمازن الرجل الذي تواجهه للمرة الأولى وقد أدركت أنها دخلت بقدميها إلى حياته, بل هو من جرها جراً إليها..
ذلك الرجل الذي اكتشفت أنها لا تعلم عنه شيئاً.. ولكنه يعلم عنها الكثير..
****
حمل حسن منى برقة ليدخل بها إلى الشاليه الخاص بعائلة يزيد.. بينما هي تمسكت بعنقه لا إرادياً خوفاً من سقوطها أرضاً ولمحته وهو يغلق الباب بكعب قدمه.. ويتوجه بها نحو السلم الداخلي.. فهمست بخفوت:
ـ خلاص يا حسن بقى نزلني..
هز رأسه نفياً وهو يلمح تخضب وجنتيها بالاحمرار وهمس بجوار أذنها:
ـ لسه ما وصلناش للمحطة الأخيرة!..
شهقت بخجل وأخفضت بصرها لتتأمل حبات الألماس المتراصة في حزام فستانها.. قبل أن تشعر بحسن يهبط بها برقة على الفراش..
رفعت عينيها بخجل لتتلاقى بعينيه التي ترمقها بنظرة حارة وأنامله تتجول على وجهها برقة حتى أمسك بذقنها ليرفع وجهها إليه ويهمس بين أنفاسها:
ـ أخيراً.. أخيراً يا منى..
هبط برأسه ليقبل شفتيها.. فقفزت من الفراش فجأة واقفة على قدميها واتجهت نحو النافذة تثرثر بكلمات بلا معنى:
ـ الشاليه موقعه حلو قوي.. على البحر على طول.. و..
تحرك ليقف خلفها مباشرة ويضمها إلى صدره هامساً في أذنها:
ـ ما تخافيش..
التفتت لتواجهه وهي تردد بارتباك:
ـ أنا.. مش خايفة.. أنا..
أحاط خصرها بذراعه وهو يسألها بهدوء:
ـ ممكن بس نرفع الطرحة..
أومأت موافقة.. فحرك يده ليخلص خصلاتها من الطرحة الطويلة.. ومرر أنامله باستمتاع في شعرها, فشعر برجفتها الخفيفة بين ذراعيه..
ـ برضوه خايفة!!.. لا.. أنا لازم أطمنك على الآخر!!..
همس بتلك الكلمات أمام شفتيها ثم أخذهما في قبلة طويلة عبر بها عن حبه وشوقه وتملكه لحبيبته ومليكة قلبه منذ الأزل..
شعرت منى بأنفاسه الساخنة تداعبها وهو يمرغ شفتيه مقبلاً عنقها الناعم وأنامله تزيح الشال الذي يغطي كتفيها بلهفة.. وهو يسألها بتوسل:
ـ منى...
دفنت منى وجهها المشتعل في صدره وهي تمنحه إجابتها:
ـ بحبك يا حسن..
هتف حسن بفرحة وحملها بسرعة ليتوجه بها نحو الفراش.. ليبدأ تعليمها.. أبجديات الحب.. هاتفاً بعبث:
ـ دلوقتِ بقى نبدأ أول دروس.. من حبيبك وجوزك حسن العدوي..
*********
أوصل مازن نيرة إلى مزرعة الغمرواي ووجدا علياء بانتظارهما بعدما اتصل بها مازن ليخبرها بقدومهما..
نزلت نيرة من السيارة بسرعة بدون أن تنتظر مازن ليفتح لها.. وألقت بنفسها بين ذراعي علياء التي تفاجاءت من تصرفها.. فرغم طول فترة صداقتهما إلا أن نيرة لم تبادر بتصرف مثل ذلك أبداً..
سألت علياء بقلق:
ـ حصل إيه يا نيرة؟.. هي الحـفــ...
قاطع مازن كلماتها بسرعة:
ـ هسيبك مع عليا.. ما يصحش أدخل في وقت متأخر زي دا.. وزي ما اتفقنا.. هكلم والدك ونحدد ميعاد الفرح..
سكنت نيرة بين ذراعي علياء التي رمقت مازن بذهول.. وهي تردد في بلاهة:
ـ فرح مين!!
هم مازن بالاجابة ولكن سبقته نيرة عندما نزعت نفسها من بين ذراعي علياء وتوجهت لداخل الفيلا وتهتف من خلف كتفها:
ـ فرحي أنا ومازن..
ثم التفتت له بغيظ:
ـ عايزة فرح ولا ليالي ألف ليلة.. مش عايزة أسمع همسة عليّ من أي واحدة مريضة..
ثم تحركت مسرعة لتختفي من أمام أعينهما تاركة علياء غارقة في ذهولها.. بينما تحرك مازن نحو سيارته وقبل أن يدخلها سأل علياء بتهذيب:
ـ عليا.. ممكن أطلب منك تطمنيني عليها.. أنا عارف أنها مش هترد على تليفوناتي..
ـ بس.. إيه اللي حصل؟..
ـ اللي حصل يخصها لوحدها.. وهي أكيد هتحكي لك عنه.. بس لما تهدى.. قولي لها بس أنه فرحنا هيكون بعد شهر بالكتير.. تصبحي على خير..
**********
حركة خفيفة على وجنة منى كانت سبباً في إفاقتها من نومها.. فحركت يدها لتبعد ما يزعجها.. ولكن تلك الحركة استمرت بإلحاح أكبر.. فبدأت تستيقظ بالفعل, لتتذكر أن الليلة السابقة كانت ليلة زفافها وأن الذي يجاورها بالفراش الآن..هو حسن.. زوجها..
فتحت عين واحدة لتلمحه يراقبها باستمتاع فأغلقتها سريعاً.. ثم عادت تفتح عينها الأخرى لتفاجئ بقبلة ناعمة على جفنها المغلق.. فهتفت بعفوية:
ـ بلاش تبوسني في عينيه..
قهقه ضاحكاً وهو يقلد عبد الوهاب:
ـ دي البوسه في العين تفرق..
ابتسمت بدورها وهي تضع أناملها على شفتيه:
ـ ربنا ما يجيب فراق..
تحرك ليضمها لصدره وهو يهمس عابثاً:
ـ خليكِ فاكرة.. أنتِ اللي رفضتِ البوسة في العيون!!..
ثم أنقض لينهل من حبها الذي اشتاق له كثيراً..
وبعد وقت طويل كانت منى تجلس في شرفة الشاليه لتتناول غذاءً متأخراً مع حسن.. وتراقب غروب الشمس.. تمسك بيدها الوردة التي كان يوقظها بها حسن صباحاً.. وسمعته يخبرها ضاحكاً:
ـ يزيد مالي البيت أكل.. وجايب لنا وردة واحدة بس.. رومانسي قوي الواد ده!..
ابتسمت منى برقة:
ـ بس الجنينة كلها ورد.. حلوة قوي..
قرب مقعده منها وهو يمسك يدها ويقبلها.. برقة:
ـ إن شاء الله هيكون عندك جنينة زيها وأحلى منها كمان.. أنا عندي كام منى..
أخفضت منى عينيها بخجل ليهتف هو:
ـ يووووووه على الكسوف ده.. ايه رأيك أعطيكِ درس تاني من دروس حسن يمكن الكسوف يخف شويه..
ضحكت برقة.. واللون يتدافع إلى وجنتيها بسرعة شديدة.. فنهض حسن ممسكاً بيدها:
ـ طيب خلاص.. نأجل الدرس شويه.. تحبي نتمشى على البحر..
هزت رأسها نفياً وهي تخبره بخجل:
ـ عايزة أرقص معاك رقصة سلو.. زي الأفلام.. بس أنت اللي هتعلمني..
ابتسم حسن بسعادة وهو يشاكسها:
ـ وماله.. آهي كلها دروس..
تحرك ليبحث بين مجموعة الأغاني التي يحتفظ بها يزيد.. ليجدها تقف بجواره:
ـ عايزة أغنية.. باعترف..
ـ من عينيه..
أدار الأغنية.. وضمها إلى صدره ليغيبا سوياً مع كلمات الأغنية وكل منهما يهمس بها للآخر..
*********
جلس يزيد خلف مقود سيارته في شرود.. يتساءل بداخله عما دفعه للقيام بتلك الرحلة الحمقاء.. هل يرغب برؤيتها حقاً؟.. ولماذا؟.. ماذا سيستفيد برؤيته لها؟.. والأهم هل يضمن سيطرته على مشاعره إذا رآها؟..
رفع بصره إلى الشرفة البعيدة والمضيئة.. يعلم أنها مازالت مستيقظة وأن نيرة ستكون برفقتها بالطبع.. ربما هذا ما شجعه على المجئ.. أنه لن ينفرد بها.. فقط سيراها ويروي عطش عينيه بزرقة عينيها وتلك النظرة التي تحتويه بها وتصرخ بحبها له..
يدرك أنها أنانية منه.. بل أنه يستحق لقب الوغد الأكبر في الكون.. فما يفعله بها وما يرسله لها من رسائل متناقضة تقلب كيانها وتجعلها غير مدركة لمشاعره المتقلبة نحوها, لهو أكبر خطيئة قد يرتكبها على الإطلاق.. ولكنه عاجز عن فعل أي شيء سوى رؤيتها.. وإشباع روحه قبل عينيه بنظرة الحب في عينيها...
لقد مر بأسبوع كالجحيم.. فبعد ما مضى الأسبوع الأول من ابتعاده عنها بهدوء وهنأ نفسه على حُسن اختياره لقرار البعد.. إلا أن مع مرور الوقت وزيادة شعوره بالاشتياق لها جعله كالقنبلة الموقوتة يخشى جميع من حوله أن تنفجر به في أي لحظة.. فأعصابة مشدودة على الدوام.. صوته عالٍ على الجميع.. حتى ريناد نفسها لم تسلم من إحدى نوبات غضبه.. والده يرمقه بنظرة مفكرة بينما والدته تظن أن ما به توتر ما قبل الزفاف حتى أنها سخرت منه يوماً قائلة:
ـ إيه يا يزيد.. أنا أعرف أن العروسة هي اللي بتكون قلقانة ومتوترة مش العريس..
لم يجد يومها ما يجبها به سوى تبرير واهٍ حول رغبته في الإنتهاء من العمل حتى يستطيع القيام بإجازة شهر عسله بارتياح..
وبعد عدة ثورات أخرى في العمل اقترح والده عليه ببساطة أن يبدأ إجازته مبكراً حتى تهدأ أعصابه قليلاً, ولكنه رفض بقوة.. وحاول قدر استطاعته التحكم بنوبات غضبه والسيطرة على ثوراته المتعددة, وكان ذلك سبباً إضافياً في الضغط على أعصابه التي تحترق من الأساس..
لذا فقد أخذ قراره.. متخذاً من وجود بعض الأوراق الهامة بخزينة مكتب والده بالمزرعة كعذر واه للحضور إلى المزرعة, لإحضار الأوراق, ظاهرياً ومن داخله كان يتمنى أن يراها ولو من بعيد.. فقط يلمحها.. مرة.. مرة واحدة..
عاد يرفع عينيه إلى الشرفة المضاءة ليلمحها تتحرك بها.. وشعر للحظة وكأنها تتجمد وهي تلمح سيارته قرب البوابة المعدنية الكبيرة.. ثم التفت لتدخل حجرتها بسرعة..
صارخة بذهول:
ـ نيرة.. بيتهيألي عربية يزيد بره!!..
زفرت نيرة بنفاذ صبر وهي تتصفح إحدى دفاتر الرسم الخاصة بعلياء:
ـ وبعدين يا علياء.. هو كل ليلة الموال ده.. أسبوع من يوم ما جيت وأنتِ أي عربية تعدي جنب المزرعة تقومي تجري وتقولي أنك حاسة أنه سي يزيد.. خلاص.. لازم تنسيه.. جوازه مش باقي عليه إلا أسبوعين.. وريناد بتوزع الدعوات فعلاً..
أخفضت علياء وجهها أرضاً في حزن:
ـ خلاص يا نيرة.. مش لازم تفكريني كل شويه..
تحركت نيرة وتركت الدفتر ليسقط من يدها وتمسكت بكتفي علياء بقوة:
ـ أنا بفكرك عشان تكوني أقوى.. عشان ما تضعفيش.. لازم تجهزي نفسك ليوم فرحه.. وعقلك هو اللي يكون له التصرف.. ما تخليش حد يشمت فيكي.. فاهماني..
قالت جملتها الأخيرة وكأنها تذكر بها نفسها..
أومأت علياء في حزن:
ـ هو أنا أقدر أعمل حاجة غير كده..
تركت نيرة كتفي علياء والتفتت لتجلس على أحد المقاعد المريحة.. هاتفة بغيظ:
ـ أيوه تقدري.. تقــدري.. تنســـ...
قطعت كلماتها عندما لمحت الصفحة التي فتح عليها دفتر الرسم ووجه يزيد يطالعها بملامح.. غامضة.. وعينيه تلتمع بهما نظرة توق ممزوجة بنظرة رغبة واضحة.. فانحنت لتلتقط الدفتر وسألت علياء بخوف:
ـ عليا.. أنتِ رسمتِ الصورة دي ليزيد امتى؟..
رفعت علياء لها عينين تحتبس بهما الدموع وهي تتساءل بدورها:
ـ هاه.. أي صورة؟..
حركت نيرة الدفتر أمام علياء لتواجهها عينيّ يزيد تتألق بهما النظرة التي تلازمه مؤخراً كلما نظر إليها.. فهزت كتفيها بمعنى لا أدري.. فعادت نيرة لتسألها بإلحاح:
ـ هو فعلاً بيبص لك بالطريقة دي؟.. ولا دي مجرد لوحة...
ابتلعت علياء ريقها بارتباك وهي ترد على السؤال بسؤال:
ـ مش فاهمة قصدك إيه يا نيرة.. وهي هتفرق في إيه يعني؟..
قبل أن ترد عليها نيرة دوي صوت إغلاق الباب الخارجي للفيلا.. فقفزت علياء بسعادة واختفت علامات الحزن من ملامحها في ثوانٍ وهي تصيح أثناء خروجها من غرفتها:
ـ الباب.. سمعتِ الباب.. يبقى أكيد يزيد..
وانطلقت تعدو تاركة خلفها نيرة فاغرة فمها بذهول لسرعة تبدل حال صديقتها إلا أنها أجبرت نفسها على التحرك خلفها بسرعة.. فبعد رؤيتها لنظرة عينيّ يزيد في اللوحة.. لن تأمن أبداً وجوده منفرداً مع علياء.. فخرجت وهي تتمتم في غضب..
ـ لو نظرة عينيه دي حقيقية.. يبقى مش لازم ينفرد بعليا لوحدهم أبداً..
وصلت علياء إلى الطابق الأسفل من الفيلا بينما كان يزيد على وشك الدخول إلى غرفة المكتب.. فهتفت بحنين:
ـ يزيد..
تجمد يزيد لحظة أن سمع صوتها واشتدت يده على مقبض الباب وهو يحاول التحكم في جسده الذي انتفض بقوة لسماع صوتها.. فبرغم أنه حضر خصيصاً لرؤيتها والتمتع بنظرة الحب في عينيها إلا أنه خشيّ للحظة أن يلتفت لها ليجد أن تلك النظرة اختفت.. أو الأصعب أن يجدها تحتويه بحبها فيعجز عن الابتعاد عنها بدون أن يروي ظمأه منها..
عاد صوتها يناديه بتردد:
ـ يزيد؟..
التفت لها ببطء لتواجهه نظراتها المشعة وقد تناثر شعرها حولها وتضرجت وجنتيها باللون الوردي الجميل وتعالى صوت تنفسها بفعل نزولها الدرج بسرعة شديدة لملاقته..
فُتن بطلتها كالمعتاد وتحرك نحوها كالمنوم مغناطيسياً.. عندما دوى صوت نيرة لينزل عليه كدشٍ بارد يفيقه من هذيانه:
ـ حمد لله على السلامة يا يزيد.. الوقت متأخر.. كنت محتاج حاجة ضروري ولا إيه؟..
التفتت علياء لنيرة التي وقفت في منتصف السلم وهي تضع يدها بخصرها وتنظر ليزيد بتحفز.. ففسرت علياء نظراتها تلك بغضبها من دور يزيد في فسخ خطبتها من حسن.. بينما أدرك يزيد نظرات التحذير التي تلتمع في عيني نيرة بسهولة فغمغم بسرعة:
ـ كان في ورق مهم في المكتب هنا.. ومحتاجينه ضروري..
وتحرك بسرعة ليدخل غرفة المكتب ويغلق الباب خلفه.. بينما جذبت نيرة علياء الهائمة من يدها بعنف واصطحبتها إلى غرفتها بالطابق العلوي.. وأغلقت الباب خلفهما بقوة والتفتت لتصيح بها:
ـ عليا.. إيه حدود علاقتك بيزيد؟..
تلعثمت علياء وهي تجبها:
ـ مش.. أنتِ اللي قلتِ لي أقرب منه و..
قاطعتها نيرة بغضب:
ـ ايوه.. أنا قلت كده.. بس كنت فاكرة أنك فاهمة قصدي.. أنك تقربي من غير ما تتحرقي بالنار.. فاهماني يا عليا؟..
رفعت علياء لها عينين حائرتين فتنهدت نيرة بحنق:
ـ عليا في علاقة بينك وبين يزيد؟..
شهقت علياء بقوة وهي تهتف بحرج:
ـ أنتِ بتقولي إيه يا نيرة!!
تنهدت نيرة بارتياح ونصحتها بهدوء:
ـ طيب.. خلاص يا عليا.. بس دلوقتِ مش هينفع تقربي من يزيد.. خلاص فرحه ما بقاش عليه حاجة.. يعني هو قرر عايز مين.. لازم تخرجيه من دماغك وتنسيه خالص..
أجابتها علياء بحزن:
ـ إزاي بس؟.. أنا بحبه.. و..
قاطعتها نيرة بقوة:
ـ انسي الحب ده خالص.. ودوسي على قلبك.. ودوري على اللي بيحبك..
سألتها علياء بألم:
ـ زي ما أنتِ عملتِ؟.. اخترتِ مازن عشان بيحبك؟..
أشاحت نيرة بوجهها بعيداً وهي تتمتم:
ـ اخترت!!.. أيوه.. مازن بيحبني.. وهو الإنسان اللي هكمل حياتي معاه.. أنا كنت فاهمة نفسي غلط لما أوهمتها بحب حسن..
سألتها علياء بتعجب:
ـ أومال مش بتردي على تليفوناته ليه؟.. ده بيتصل بيكي كل يوم.. وأنتِ من يوم ما جيتِ من أسبوع ما ردتيش عليه..
كتفت نيرة ذراعيها أمام صدرها وهي تبحث عن إجابة لسؤال علياء.. فهي بالفعل تتهرب من الرد على مازن ليس رغبة منها في تأجيج عواطفه, ولكن خوفاً منه.. نعم.. هي تخاف مازن بشخصيته الجديدة عليها والتي لم تظن يوماً أنه يمتلكها.. لقد ظنت لوهلة وهي تلمح نظرات الحب والألم في عينيه عندما كان يخيرها حسن.. أو بالأحرى يهددها.. ظنت أنها وجدت المخرج لنفسها لتصفع حسن بشقيقه.. ولكن مازن.. أظهر لها وجهاً آخر وجهاً مختلفاً تماماً عما ظنت.. لقد هربت من الجميع ومن الأقاويل إلى مزرعة الغمراوي لتكون برفقة علياء.. ولكنها غير قادرة على الهروب من التفكير به.. وبحوارهما معاً قبل أن يصطحبها إلى المزرعة.. والذي أوضح بجلاء.. أن مازن لن يكون الرجل الذي تستطيع لفه حول إصبعها بسهولة كما تخيلت..
أخرجها من شرودها صوت علياء:
ـ نيرة!!.. روحتِ فين؟
ألتفتت نيرة لتخبر علياء بهدوء:
ـ عليا.. زي ما قلت لك.. انسي يزيد خالص.. وابعدي عنه نهائي.. أنا.. أنا هروح أنام.. أنا تعبانة وعندي إحساس أني بقالي سنين ما نمتش..
وهربت نيرة بسرعة من أمام علياء.. فهي رفضت مناقشة أي شيء يخص فك ارتباطها بحسن وقرارها السريع بالارتباط بمازن مع أي شخص حتى والدها.. الذي أخبرته أنها تريد البقاء مع علياء لفترة.. وتركت له ولأول مرة مهمة تحديد زواجها الوشيك..
استقرت نيرة بغرفتها وأغلقت بابها لتنفرد بنفسها وأفكارها حول مازن..
*******
انتظرت علياء بصبر في شرفتها حتى تستطيع رؤية يزيد قبل أن يذهب.. ولكنه لم يظهر مرة أخرى بعد دخوله إلى غرفة المكتب.. انتظرت ساعة.. وساعة أخرى.. ولكن لا أثر له..
أخيراً سحبت مئزراً منزلياً لترتديه فوق منامتها القصيرة.. وارتدته على عجل ونزلت مسرعة إلى غرفة المكتب..
وقفت ثوانٍ تلتقط أنفاسها.. ثم طرقت الباب بخفة وانتظرت لتسمع أي رد.. ولكن لم يقابلها سوى الصمت التام..
ابتلعت ريقها بقوة وأخذت نفساً عميقاً قبل أن تفتح الباب بهدوء وتدلف إلى الغرفة لتفاجئ بيزيد وقد افترش الأريكة العريضة الموجودة بالغرفة.. وذهب في نومٍ عميق..
أغلقت الباب بهدوء حتى لا توقظه, واقتربت ببطء وهي تقدم خطوة وتأخر أخرى.. حتى وصلت إليه ووقفت تتأمل ملامحه الوسيمة ولكنها كانت منقبضة بشدة وكأنه يتألم من شيء ما..
سمعته يهمس بشيء.. فهبطت على ركبتيها أمام الأريكة حتى تستطيع سماع ما يهمس به في نومه...
عاد يهمس في نومه ثانية وعقد حاجبيه بشدة.. فمدت يدها لتمسد جبهته برقة حتى تنفرج ملامحه وتعود لهدوئها.. وأخذت أناملها تتجول على وجهه برقة وكأنها تريد رسمها في خيالها.. تريد حفظها بين حنايا قلبها لتكون زادها في بعاده بعد ما قرر بحسم الإستمرار في زواجه...
ـ علياء.. علياء الفراشة..
جمدت أناملها على وجهه وهي تسمعه يهمس باسمها.. وقطبت حاجبيها في حيرة.. هل يناجيها في أحلامه؟.. إذاً لم الهجر والبعاد؟.. لم زواجه من أخرى؟..
عاد اسمها يتردد بين شفتيه:
ـ فراشتي.. عليائي.. مش قادر..
تجمدت كل خلية بجسدها وهي تلمح عينيه المفتوحة تحدق بها.. وترمقها بنظرات هائمة.. سرعان ما تحولت إلى تلك النظرة التي أصبحت تألفها في عينيه مؤخراً... وقبل أن تفكر بالتحرك وجدت ذراعه تطوق كتفيها وعنقها لتجذبها فوق صدره وهو يقبلها بشغف ورقة ويهمس باسمها بتوق شديد..
فوجدت نفسها تستسلم لعواطفه المشبوبة كعادتها دائماً.. وتحرك ذراعيها للتتمسك بكتفي يزيد الذي كان غارقاً في قبلاتها ظناً منه إنه يعيش واحدً من أحلامه التي لازمته مؤخراً..
يحلم بها.. يختطفها ليذهبا بعيداً عن الجميع.. عن كل ما يفصلهما ويمنع وجودهما معاً.. يحتضنها ويقربها منه.. يضمها إلى صدره ويقبلها كما يفعل الآن.. إلا أن تلك المرة كان الحلم حيٌ أكثر مما ينبغي.. ملموس بقوة كملمس نعومة خصلاتها بين أنامله.. ودافئ برقة كرقة شفتيها بين شفتيه.. كان حلم قريب من الواقع وهو يسمع همسها:
ـ بحبك.. بحبك يا يزيد.. ليه بتبعد عني؟..
انتفض بقوة وهو يشعر بأناملها تنغرز بين خصلات شعره.. وصوتها الهامس يتردد بين أنفاسه.. شعر أن الحلم اختلط بالواقع وأنه الآن يعيش واقعاً ملموساً..
نهض جالساً من رقدته.. وأمسك بذراعيها ليثبتها أمامه فارتكزت بكفيها على الأريكة في حين ظلت متكئة على ركبتيها وهي تلهث بقوة من عنف المشاعر التي جمعتها به..
سمعته يسألها بخشونة:
ـ أنتِ إيه اللي مصحيكِ لحد دلوقتِ؟..
علمت بسهولة أن خشونته مصطنعة فأخذت تنهل من ملامحه الحبيبة لعينيها بجوع وهي ترد بخفوت:
ـ قلقت عليك وجيت أشوفك..
تخللت أنامله بين خصلاته بقلق:
ـ أنا.. أنا.. كنت بدور على الورق.. وتعبني على ما لقيته فقلت أريح عينيه شوية قبل ما أرجع تاني القاهرة.. بس يظهر أني روحت في النوم..
رفعت أناملها لتمر بها على جانب وجهه برقة:
ـ أنت شكلك فعلاً مرهق أوي.. أنت مش بتنام؟..
مد يده ليمسك بيدها ويبعدها عن وجهه وهو يهتف بخفوت:
ـ علياء.. بلاش جنون.. احنا اتفقنا من المرة اللي فاتت أن كل ده لازم ينتهي..
رددت ببراءة:
ـ بس أنت كنت بتبوسني دلوقتِ!
أجابها بسرعة:
ـ كنت بحلم.. و..
ارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة وهي تسأله:
ـ كنت بتحلم أنك بتبوسني؟..
عادت أنامله تعيد خصلاته للخلف وهو يحاول أن يتماسك من أجلهما معاً.. تلك الفراشة تتلاعب حول اللهب ولا تعلم أنه سيحرقها قبل أن يحرقه هو..
حاول أن يطلب منها بحزم ولكن طلبه خرج كتوسل رقيق:
ـ اطلعي أوضتك يا علياء.. اطلعي أوضتك واقفلي عليكِ بالمفتاح..
هزت رأسها بالنفي وهو تعاود ملامسة وجهه:
ـ قولي الأول أنت جيت ليه الليلة؟..
رفع يديه ليمسك يدها قبل أن يذوب تحت لمسة أناملها واحتفظ بها تلك المرة في كفه.. وحاول أن يتذكر سؤالها.. ليجمع بعض كلمات بلا معنى:
ـ ورق.. مهم.. كان لازم أجيبه الليلة..
هزت رأسها وكأنها غير مقتنعة بكلماته فهي تشعر بأنامله تداعب كف يدها التي يحتضنها بدفء شديد.. وأنبأتها غريزتها الأنثوية أن تلك الأوراق ما هي إلا عذر حتى يأتي إلى المزرعة ليراها.. فوجدت نفسها تلقي بذراعها خلف عنقه وتقف على ركبتيها ليكون وجهها مواجهاً لوجه وهمست بتوسل أمام شفتيه:
ـ يزيد.. أنا مش حلم.. أنا حقيقة.. يزيد.. خدني في حضنك.. حتى ولو لآخر مرة.. حتى لو كان وداع..
لم يدعها تكمل توسلها فهو يحتاجها بين أحضانه أكثر مما يحتاج الهواء الذي يتنفسه.. لقد أضناه بعاده عنها وحرقه شوقه إليها..
اعتصر جسدها الشاب بين ذراعيه.. وشفتيه تعزف لها مقطوعة من الشغف المجنون.. تتنقل بجنون بين شفتيها ووجنتيها وجفنيها ليعود ويلتهم شفتيها بقسوة جعلتها تئن بين ذراعيه وتبعد شفتيها عنه لتمرغ وجهها كالقطة في تجويف عنقه بينما سقطت شفتيه على شاماتها الصغيرة يقبلها برقة.. ويعود إلى شفتيها برقة أذابتها لترفع ذراعيها تحيط بهما عنقه مستسلمة لقدرها بين ذراعيه حيث أصبحت المقاومة بالنسبة لها خيار غير وارد, وخضع هو لسحر وجودها بين ذراعيه ومتعة الإحساس بحبها السرمدي فكانت المقاومة بالنسبة له رفاهية هو عاجز عن تحملها..
وأخيراً هدأت عاصفة حبهما وسكنت علياء بين ذراعيّ يزيد..
لم تتفتح الأبواب.. لم تتكسر النوافذ.. وبالتأكيد لم تهطل الأمطار أو تفور القهوة لتطفئ شعلة النار..
فقط كُسِرت الفراشة وحُطِمت أجنحتها...
أوقف مازن سيارته في إحدى البقع الهادئة أمام كورنيش المعادي.. والتفت إلى نيرة التي ظلت على حالة الصمت التي تلبستها بعد ما تلقت تلك القبلة المجنونة منه.. وكأن تلك القبلة كانت بمثابة مخدر لها فانساقت خلفه بهدوء وهو يسحبها خارج القاعة ويضعها بسيارته.. وكلما اقترب من منزلها.. تهز رأسها رافضة.. وتطلب منه أن يستمر في تحريك السيارة...
لقد منحه القدر الليلة فرصة لا تعوض ليكون مع حبيبته أخيراً.. بعد ما كان يفكر في أي طريقة ليتمكن من الاقتراب منها بعد انهاء شقيقه تلك الخطبة البائسة, وكان كل مرة يجد خطأ ما.. يجعله يعيد النظر مرة أخرى.. حتى قدمت هي له الطريقة المثلى ليكون معها.. بدون أن يكون في موقف ضعف أمامها والأهم أنه لن يجرح شقيقه..
فقط عليه التعامل معها حالياً بهدوء شديد حتى يمتص غضبها ويحجم من كل الأفكار السوداء التي تموج في عقلها الآن وأغلبها تتمحور حول شقيقه مذبوحاً.. أو مشنوقاً...
أخيراً التفت لها يتأمل وجهها الفاتن الذي يعشق به ملامح الكبرياء التي تحاول أن تستدعها الآن بكل قوتها..
سقطت نظراته على شفتيها, تلك التي تذوقها لأول مرة منذ قليل.. ليجد أن طلاء شفتيها يلطخ تلك المنطقة الرقيقة حولهما.. فسحب المنديل من جيب بذلته وقدمه لها بهدوء..
نظرت نيرة إلى المنديل بتعجب.. ثم لمحت اتجاه نظرات مازن.. فانطلق كل غضبها وحقدها المكبوت منذ اللحظة التي واجهها حسن بحقيقة الحفل الذي أقامه لها وحتى سحبها مازن كالشاه العاجزة بلا حول ولا قوة.. وتمثلت مشاعرها كلها في قبضتي يديها اللتين انطلقتا نحو مازن كالقنابل وهي تصرخ به:
ـ أنت خدعتني.. استغلتني.. خدعتني.. وخلتوني نكتة بين الناس..
تنهد ببرود:
ـ أنتِ قلتِ خدعتني مرتين على فكرة..
كادت أن تصرخ من جديد فعاد يخبرها بهدوء:
ـ وبيتهيألي أني لا خدعتك.. ولا ضحكت عليكِ.. بالعكس.. أنا..
صرخت مقاطعة:
ـ أنت بوستني!!..
هز كتفيه بلامبالاة:
ـ بيتهيألي برضوه أنك ما كنتيش ممانعة..
كتفت ذراعيها تسأله بغضب:
ـ والحل؟..
أعاد كلمتها باستفزاز:
ـ الحل!!
صرخت به بجنون:
ـ مازن.. أنت ناوي تجنني.. هنعمل إيه في الورطة دي؟
أخذ يتأملها لوهلة وعادت عينيه تتجه إلى طلاء شفتيها الملطخ فأمرها بحسم:
ـ نضفي الروج من على شفايفك..
مسحت شفتيها بعنف وألقت المنديل نحوه بعنف صارخة:
ـ خلاص.. ارتحت!..
هز كتفيه بخفة وهو يجيب سؤالها السابق بهدوء:
ـ أعتقد أنه أفضل حل أننا نهدى خالص ونسيب العاصفة تمر.. وبعد فترة الناس هتنسى وهيلاقوا حاجة تانية تشغلهم..
ـ قصدك فضيحة تانية؟..
هز كتفيه بهدوء مستفز.. فصرخت به:
ـ معقولة هتسكت وتسيب الناس يجيبوا سيرتي.. ويقولوا..
قاطعها بجدية:
ـ هيقولوا أن الأخين لعبوا بيكي.. ونقلوكِ بينهم.. وفي الآخر رموكِ.. بعد ما اتبسطوا شوية وبعدين زهقوا منك..
اتسعت عيناها بذعر تستشعره للمرة الأولى.. فلم تتصور في أي وقت أن تكون نيرة غيث مضغة تلوكها أفواه النميمة وجلسات السيدات التافهات.. ولكن.. هذا لن يحدث.. مازن لن يسمح بهذا.. أنه يحبها.. أم تراها قد أخطأت في قراءة مشاعره.. كلا.. كلا.. أنها متأكدة..
اعتدلت في جلستها بهدوء وهي تخبره بعجرفة:
ـ ما فيش حاجة من دي هتحصل!
سألها بتعجب:
ـ ليه بقى؟..
أشارت له بسبابتها:
ـ أنت مش هتسمح بكده!
ـ والسبب؟..
ـ أنت بتحبني..
رمتها في وجهه بقوة وكأنها تصمه بسُبة ما, فدفعه ذلك للابتسام بسخرية..
صرخت متهمة اياه:
ـ أنت بتحبني, صح؟..
أجابها بهدوء:
ـ لازم يكون في حد بيحب نيرة.. مش كده؟..
سألته بتردد:
ـ يعني إيه؟..
ـ يعني أنك دايماً بتدوري على اللي بيحب نيرة.. وإذا كان في حد لا سمح الله اتجرأ ومحبهاش يبقى لازم يحبها.. حتى ولو بالعافية!!!
ارتبكت بشدة وتعثرت الكلمات بين شفتيها:
ـ أنت عايز توصل لإيه؟
ـ عايز أعرف... ليه نيرة مش بتحب نيرة؟!..
توسعت عيناها بدهشة.. فأردف وهو يلوح بيده:
ـ كل اللي حواليكِ وبيتعاملوا معاكِ فاهمين أنك بتحبي نفسك لدرجة النرجسية.. لكن الحقيقة غير كده..
أدار وجهه لها ومد يده ليرفع وجهها ويحدق بعينيها:
ـ الحقيقة أنك مش بتحبي نفسك.. دايماً بتدوري على أي حد يحبها بدالك.. ليه؟.. ليه يا نيرة؟..
ارتسم الذهول على ملامحها.. فهي لم تعتقد أبداً أنه سيستطيع قراءة أعماقها بمثل ذلك الوضوح.. فجذبت وجهها من بين أنامله وهي تصرخ به:
ـ كفاية فلسفة يا مازن.. وقولــ..
قاطعها بهدوء وهو يبدأ تشغيل السيارة:
ـ هحدد ميعاد الجواز مع والدك وأبلغك.. أنا لحد الوقتِ ما طلبتكيش منه.. وما يصحش أنه يسمع من بره أن بنته بدلت خطيبها!..
سألته بوجل:
ـ يعني..
ـ يعني.. هنتجوز على طول يا نيرة.. لا خطوبة ولا كلام فارغ من ده..
والتفت إليها ليضغط على كل حرف:
ـ يعني ما فيش حسن.. ما فيش منى... تطلعيهم من دماغك اللي عاملة تدور على أي مصيبة تسببها لهم ولا أي كارثة تفرقهم عن بعض..
رددت بتوتر:
ـ تفرقهم!!
أجابها بهدوء:
ـ حسن ومنى اتجوزوا.. وهما دلوقتِ في طريقهم لشهر العسل..
صرخت بذهول:
ـ إيه!.. لا.. لا مش ممكن مستحيل..
جذبها من ذراعها بقوة:
ـ نيرة.. بقولك لآخر مرة.. تنسي كل حاجة عن اللي فات.. أنا مش هعرض نفسي واسمي وكرامتي لأي كلام سخيف عشان حضرتك ترضي نزعة الإنتقام اللي جواكِ.. وخليكِ فاكرة.. أني قدام أبويا وأبوكِ بقدم لهم خدمة.. يعني لو تراجعت عن جوازنا في أي لحظة نتيجة أي تصرف متهور منك.. ما فيش حد هيقولي تلت التلاتة كام.. فهماني؟..
رددت بتأكيد:
ـ بس أنت بتحبني..
أغمض عينيه بقوة.. واجابها بهدوء:
ـ أيوه.. بحبك يا نيرة.. وعارف أنك عارفة من زمان..
فتح عينيه فجأة والتفت لها:
ـ بس مش هسمح تاني أنك تستخدمي الحب ده عشان تستردي كرامتك أو تنتقمي.. كفاية قوي اللي حصل الليلة.. ولو عاوزة الحق.. أنتِ اللي استغلتيني.. مش العكس..
أدار السيارة بحركة عنيفة.. وهو يسألها:
ـ هتروحي دلوقتِ؟..
هزت رأسها نفياً:
ـ وديني عند عليا في المزرعة..
أومأ بصمت متفهم بينما هي ترمقه مذهولة بشخصيته.. بمازن الرجل الذي تواجهه للمرة الأولى وقد أدركت أنها دخلت بقدميها إلى حياته, بل هو من جرها جراً إليها..
ذلك الرجل الذي اكتشفت أنها لا تعلم عنه شيئاً.. ولكنه يعلم عنها الكثير..
****
حمل حسن منى برقة ليدخل بها إلى الشاليه الخاص بعائلة يزيد.. بينما هي تمسكت بعنقه لا إرادياً خوفاً من سقوطها أرضاً ولمحته وهو يغلق الباب بكعب قدمه.. ويتوجه بها نحو السلم الداخلي.. فهمست بخفوت:
ـ خلاص يا حسن بقى نزلني..
هز رأسه نفياً وهو يلمح تخضب وجنتيها بالاحمرار وهمس بجوار أذنها:
ـ لسه ما وصلناش للمحطة الأخيرة!..
شهقت بخجل وأخفضت بصرها لتتأمل حبات الألماس المتراصة في حزام فستانها.. قبل أن تشعر بحسن يهبط بها برقة على الفراش..
رفعت عينيها بخجل لتتلاقى بعينيه التي ترمقها بنظرة حارة وأنامله تتجول على وجهها برقة حتى أمسك بذقنها ليرفع وجهها إليه ويهمس بين أنفاسها:
ـ أخيراً.. أخيراً يا منى..
هبط برأسه ليقبل شفتيها.. فقفزت من الفراش فجأة واقفة على قدميها واتجهت نحو النافذة تثرثر بكلمات بلا معنى:
ـ الشاليه موقعه حلو قوي.. على البحر على طول.. و..
تحرك ليقف خلفها مباشرة ويضمها إلى صدره هامساً في أذنها:
ـ ما تخافيش..
التفتت لتواجهه وهي تردد بارتباك:
ـ أنا.. مش خايفة.. أنا..
أحاط خصرها بذراعه وهو يسألها بهدوء:
ـ ممكن بس نرفع الطرحة..
أومأت موافقة.. فحرك يده ليخلص خصلاتها من الطرحة الطويلة.. ومرر أنامله باستمتاع في شعرها, فشعر برجفتها الخفيفة بين ذراعيه..
ـ برضوه خايفة!!.. لا.. أنا لازم أطمنك على الآخر!!..
همس بتلك الكلمات أمام شفتيها ثم أخذهما في قبلة طويلة عبر بها عن حبه وشوقه وتملكه لحبيبته ومليكة قلبه منذ الأزل..
شعرت منى بأنفاسه الساخنة تداعبها وهو يمرغ شفتيه مقبلاً عنقها الناعم وأنامله تزيح الشال الذي يغطي كتفيها بلهفة.. وهو يسألها بتوسل:
ـ منى...
دفنت منى وجهها المشتعل في صدره وهي تمنحه إجابتها:
ـ بحبك يا حسن..
هتف حسن بفرحة وحملها بسرعة ليتوجه بها نحو الفراش.. ليبدأ تعليمها.. أبجديات الحب.. هاتفاً بعبث:
ـ دلوقتِ بقى نبدأ أول دروس.. من حبيبك وجوزك حسن العدوي..
*********
أوصل مازن نيرة إلى مزرعة الغمرواي ووجدا علياء بانتظارهما بعدما اتصل بها مازن ليخبرها بقدومهما..
نزلت نيرة من السيارة بسرعة بدون أن تنتظر مازن ليفتح لها.. وألقت بنفسها بين ذراعي علياء التي تفاجاءت من تصرفها.. فرغم طول فترة صداقتهما إلا أن نيرة لم تبادر بتصرف مثل ذلك أبداً..
سألت علياء بقلق:
ـ حصل إيه يا نيرة؟.. هي الحـفــ...
قاطع مازن كلماتها بسرعة:
ـ هسيبك مع عليا.. ما يصحش أدخل في وقت متأخر زي دا.. وزي ما اتفقنا.. هكلم والدك ونحدد ميعاد الفرح..
سكنت نيرة بين ذراعي علياء التي رمقت مازن بذهول.. وهي تردد في بلاهة:
ـ فرح مين!!
هم مازن بالاجابة ولكن سبقته نيرة عندما نزعت نفسها من بين ذراعي علياء وتوجهت لداخل الفيلا وتهتف من خلف كتفها:
ـ فرحي أنا ومازن..
ثم التفتت له بغيظ:
ـ عايزة فرح ولا ليالي ألف ليلة.. مش عايزة أسمع همسة عليّ من أي واحدة مريضة..
ثم تحركت مسرعة لتختفي من أمام أعينهما تاركة علياء غارقة في ذهولها.. بينما تحرك مازن نحو سيارته وقبل أن يدخلها سأل علياء بتهذيب:
ـ عليا.. ممكن أطلب منك تطمنيني عليها.. أنا عارف أنها مش هترد على تليفوناتي..
ـ بس.. إيه اللي حصل؟..
ـ اللي حصل يخصها لوحدها.. وهي أكيد هتحكي لك عنه.. بس لما تهدى.. قولي لها بس أنه فرحنا هيكون بعد شهر بالكتير.. تصبحي على خير..
**********
حركة خفيفة على وجنة منى كانت سبباً في إفاقتها من نومها.. فحركت يدها لتبعد ما يزعجها.. ولكن تلك الحركة استمرت بإلحاح أكبر.. فبدأت تستيقظ بالفعل, لتتذكر أن الليلة السابقة كانت ليلة زفافها وأن الذي يجاورها بالفراش الآن..هو حسن.. زوجها..
فتحت عين واحدة لتلمحه يراقبها باستمتاع فأغلقتها سريعاً.. ثم عادت تفتح عينها الأخرى لتفاجئ بقبلة ناعمة على جفنها المغلق.. فهتفت بعفوية:
ـ بلاش تبوسني في عينيه..
قهقه ضاحكاً وهو يقلد عبد الوهاب:
ـ دي البوسه في العين تفرق..
ابتسمت بدورها وهي تضع أناملها على شفتيه:
ـ ربنا ما يجيب فراق..
تحرك ليضمها لصدره وهو يهمس عابثاً:
ـ خليكِ فاكرة.. أنتِ اللي رفضتِ البوسة في العيون!!..
ثم أنقض لينهل من حبها الذي اشتاق له كثيراً..
وبعد وقت طويل كانت منى تجلس في شرفة الشاليه لتتناول غذاءً متأخراً مع حسن.. وتراقب غروب الشمس.. تمسك بيدها الوردة التي كان يوقظها بها حسن صباحاً.. وسمعته يخبرها ضاحكاً:
ـ يزيد مالي البيت أكل.. وجايب لنا وردة واحدة بس.. رومانسي قوي الواد ده!..
ابتسمت منى برقة:
ـ بس الجنينة كلها ورد.. حلوة قوي..
قرب مقعده منها وهو يمسك يدها ويقبلها.. برقة:
ـ إن شاء الله هيكون عندك جنينة زيها وأحلى منها كمان.. أنا عندي كام منى..
أخفضت منى عينيها بخجل ليهتف هو:
ـ يووووووه على الكسوف ده.. ايه رأيك أعطيكِ درس تاني من دروس حسن يمكن الكسوف يخف شويه..
ضحكت برقة.. واللون يتدافع إلى وجنتيها بسرعة شديدة.. فنهض حسن ممسكاً بيدها:
ـ طيب خلاص.. نأجل الدرس شويه.. تحبي نتمشى على البحر..
هزت رأسها نفياً وهي تخبره بخجل:
ـ عايزة أرقص معاك رقصة سلو.. زي الأفلام.. بس أنت اللي هتعلمني..
ابتسم حسن بسعادة وهو يشاكسها:
ـ وماله.. آهي كلها دروس..
تحرك ليبحث بين مجموعة الأغاني التي يحتفظ بها يزيد.. ليجدها تقف بجواره:
ـ عايزة أغنية.. باعترف..
ـ من عينيه..
أدار الأغنية.. وضمها إلى صدره ليغيبا سوياً مع كلمات الأغنية وكل منهما يهمس بها للآخر..
*********
جلس يزيد خلف مقود سيارته في شرود.. يتساءل بداخله عما دفعه للقيام بتلك الرحلة الحمقاء.. هل يرغب برؤيتها حقاً؟.. ولماذا؟.. ماذا سيستفيد برؤيته لها؟.. والأهم هل يضمن سيطرته على مشاعره إذا رآها؟..
رفع بصره إلى الشرفة البعيدة والمضيئة.. يعلم أنها مازالت مستيقظة وأن نيرة ستكون برفقتها بالطبع.. ربما هذا ما شجعه على المجئ.. أنه لن ينفرد بها.. فقط سيراها ويروي عطش عينيه بزرقة عينيها وتلك النظرة التي تحتويه بها وتصرخ بحبها له..
يدرك أنها أنانية منه.. بل أنه يستحق لقب الوغد الأكبر في الكون.. فما يفعله بها وما يرسله لها من رسائل متناقضة تقلب كيانها وتجعلها غير مدركة لمشاعره المتقلبة نحوها, لهو أكبر خطيئة قد يرتكبها على الإطلاق.. ولكنه عاجز عن فعل أي شيء سوى رؤيتها.. وإشباع روحه قبل عينيه بنظرة الحب في عينيها...
لقد مر بأسبوع كالجحيم.. فبعد ما مضى الأسبوع الأول من ابتعاده عنها بهدوء وهنأ نفسه على حُسن اختياره لقرار البعد.. إلا أن مع مرور الوقت وزيادة شعوره بالاشتياق لها جعله كالقنبلة الموقوتة يخشى جميع من حوله أن تنفجر به في أي لحظة.. فأعصابة مشدودة على الدوام.. صوته عالٍ على الجميع.. حتى ريناد نفسها لم تسلم من إحدى نوبات غضبه.. والده يرمقه بنظرة مفكرة بينما والدته تظن أن ما به توتر ما قبل الزفاف حتى أنها سخرت منه يوماً قائلة:
ـ إيه يا يزيد.. أنا أعرف أن العروسة هي اللي بتكون قلقانة ومتوترة مش العريس..
لم يجد يومها ما يجبها به سوى تبرير واهٍ حول رغبته في الإنتهاء من العمل حتى يستطيع القيام بإجازة شهر عسله بارتياح..
وبعد عدة ثورات أخرى في العمل اقترح والده عليه ببساطة أن يبدأ إجازته مبكراً حتى تهدأ أعصابه قليلاً, ولكنه رفض بقوة.. وحاول قدر استطاعته التحكم بنوبات غضبه والسيطرة على ثوراته المتعددة, وكان ذلك سبباً إضافياً في الضغط على أعصابه التي تحترق من الأساس..
لذا فقد أخذ قراره.. متخذاً من وجود بعض الأوراق الهامة بخزينة مكتب والده بالمزرعة كعذر واه للحضور إلى المزرعة, لإحضار الأوراق, ظاهرياً ومن داخله كان يتمنى أن يراها ولو من بعيد.. فقط يلمحها.. مرة.. مرة واحدة..
عاد يرفع عينيه إلى الشرفة المضاءة ليلمحها تتحرك بها.. وشعر للحظة وكأنها تتجمد وهي تلمح سيارته قرب البوابة المعدنية الكبيرة.. ثم التفت لتدخل حجرتها بسرعة..
صارخة بذهول:
ـ نيرة.. بيتهيألي عربية يزيد بره!!..
زفرت نيرة بنفاذ صبر وهي تتصفح إحدى دفاتر الرسم الخاصة بعلياء:
ـ وبعدين يا علياء.. هو كل ليلة الموال ده.. أسبوع من يوم ما جيت وأنتِ أي عربية تعدي جنب المزرعة تقومي تجري وتقولي أنك حاسة أنه سي يزيد.. خلاص.. لازم تنسيه.. جوازه مش باقي عليه إلا أسبوعين.. وريناد بتوزع الدعوات فعلاً..
أخفضت علياء وجهها أرضاً في حزن:
ـ خلاص يا نيرة.. مش لازم تفكريني كل شويه..
تحركت نيرة وتركت الدفتر ليسقط من يدها وتمسكت بكتفي علياء بقوة:
ـ أنا بفكرك عشان تكوني أقوى.. عشان ما تضعفيش.. لازم تجهزي نفسك ليوم فرحه.. وعقلك هو اللي يكون له التصرف.. ما تخليش حد يشمت فيكي.. فاهماني..
قالت جملتها الأخيرة وكأنها تذكر بها نفسها..
أومأت علياء في حزن:
ـ هو أنا أقدر أعمل حاجة غير كده..
تركت نيرة كتفي علياء والتفتت لتجلس على أحد المقاعد المريحة.. هاتفة بغيظ:
ـ أيوه تقدري.. تقــدري.. تنســـ...
قطعت كلماتها عندما لمحت الصفحة التي فتح عليها دفتر الرسم ووجه يزيد يطالعها بملامح.. غامضة.. وعينيه تلتمع بهما نظرة توق ممزوجة بنظرة رغبة واضحة.. فانحنت لتلتقط الدفتر وسألت علياء بخوف:
ـ عليا.. أنتِ رسمتِ الصورة دي ليزيد امتى؟..
رفعت علياء لها عينين تحتبس بهما الدموع وهي تتساءل بدورها:
ـ هاه.. أي صورة؟..
حركت نيرة الدفتر أمام علياء لتواجهها عينيّ يزيد تتألق بهما النظرة التي تلازمه مؤخراً كلما نظر إليها.. فهزت كتفيها بمعنى لا أدري.. فعادت نيرة لتسألها بإلحاح:
ـ هو فعلاً بيبص لك بالطريقة دي؟.. ولا دي مجرد لوحة...
ابتلعت علياء ريقها بارتباك وهي ترد على السؤال بسؤال:
ـ مش فاهمة قصدك إيه يا نيرة.. وهي هتفرق في إيه يعني؟..
قبل أن ترد عليها نيرة دوي صوت إغلاق الباب الخارجي للفيلا.. فقفزت علياء بسعادة واختفت علامات الحزن من ملامحها في ثوانٍ وهي تصيح أثناء خروجها من غرفتها:
ـ الباب.. سمعتِ الباب.. يبقى أكيد يزيد..
وانطلقت تعدو تاركة خلفها نيرة فاغرة فمها بذهول لسرعة تبدل حال صديقتها إلا أنها أجبرت نفسها على التحرك خلفها بسرعة.. فبعد رؤيتها لنظرة عينيّ يزيد في اللوحة.. لن تأمن أبداً وجوده منفرداً مع علياء.. فخرجت وهي تتمتم في غضب..
ـ لو نظرة عينيه دي حقيقية.. يبقى مش لازم ينفرد بعليا لوحدهم أبداً..
وصلت علياء إلى الطابق الأسفل من الفيلا بينما كان يزيد على وشك الدخول إلى غرفة المكتب.. فهتفت بحنين:
ـ يزيد..
تجمد يزيد لحظة أن سمع صوتها واشتدت يده على مقبض الباب وهو يحاول التحكم في جسده الذي انتفض بقوة لسماع صوتها.. فبرغم أنه حضر خصيصاً لرؤيتها والتمتع بنظرة الحب في عينيها إلا أنه خشيّ للحظة أن يلتفت لها ليجد أن تلك النظرة اختفت.. أو الأصعب أن يجدها تحتويه بحبها فيعجز عن الابتعاد عنها بدون أن يروي ظمأه منها..
عاد صوتها يناديه بتردد:
ـ يزيد؟..
التفت لها ببطء لتواجهه نظراتها المشعة وقد تناثر شعرها حولها وتضرجت وجنتيها باللون الوردي الجميل وتعالى صوت تنفسها بفعل نزولها الدرج بسرعة شديدة لملاقته..
فُتن بطلتها كالمعتاد وتحرك نحوها كالمنوم مغناطيسياً.. عندما دوى صوت نيرة لينزل عليه كدشٍ بارد يفيقه من هذيانه:
ـ حمد لله على السلامة يا يزيد.. الوقت متأخر.. كنت محتاج حاجة ضروري ولا إيه؟..
التفتت علياء لنيرة التي وقفت في منتصف السلم وهي تضع يدها بخصرها وتنظر ليزيد بتحفز.. ففسرت علياء نظراتها تلك بغضبها من دور يزيد في فسخ خطبتها من حسن.. بينما أدرك يزيد نظرات التحذير التي تلتمع في عيني نيرة بسهولة فغمغم بسرعة:
ـ كان في ورق مهم في المكتب هنا.. ومحتاجينه ضروري..
وتحرك بسرعة ليدخل غرفة المكتب ويغلق الباب خلفه.. بينما جذبت نيرة علياء الهائمة من يدها بعنف واصطحبتها إلى غرفتها بالطابق العلوي.. وأغلقت الباب خلفهما بقوة والتفتت لتصيح بها:
ـ عليا.. إيه حدود علاقتك بيزيد؟..
تلعثمت علياء وهي تجبها:
ـ مش.. أنتِ اللي قلتِ لي أقرب منه و..
قاطعتها نيرة بغضب:
ـ ايوه.. أنا قلت كده.. بس كنت فاكرة أنك فاهمة قصدي.. أنك تقربي من غير ما تتحرقي بالنار.. فاهماني يا عليا؟..
رفعت علياء لها عينين حائرتين فتنهدت نيرة بحنق:
ـ عليا في علاقة بينك وبين يزيد؟..
شهقت علياء بقوة وهي تهتف بحرج:
ـ أنتِ بتقولي إيه يا نيرة!!
تنهدت نيرة بارتياح ونصحتها بهدوء:
ـ طيب.. خلاص يا عليا.. بس دلوقتِ مش هينفع تقربي من يزيد.. خلاص فرحه ما بقاش عليه حاجة.. يعني هو قرر عايز مين.. لازم تخرجيه من دماغك وتنسيه خالص..
أجابتها علياء بحزن:
ـ إزاي بس؟.. أنا بحبه.. و..
قاطعتها نيرة بقوة:
ـ انسي الحب ده خالص.. ودوسي على قلبك.. ودوري على اللي بيحبك..
سألتها علياء بألم:
ـ زي ما أنتِ عملتِ؟.. اخترتِ مازن عشان بيحبك؟..
أشاحت نيرة بوجهها بعيداً وهي تتمتم:
ـ اخترت!!.. أيوه.. مازن بيحبني.. وهو الإنسان اللي هكمل حياتي معاه.. أنا كنت فاهمة نفسي غلط لما أوهمتها بحب حسن..
سألتها علياء بتعجب:
ـ أومال مش بتردي على تليفوناته ليه؟.. ده بيتصل بيكي كل يوم.. وأنتِ من يوم ما جيتِ من أسبوع ما ردتيش عليه..
كتفت نيرة ذراعيها أمام صدرها وهي تبحث عن إجابة لسؤال علياء.. فهي بالفعل تتهرب من الرد على مازن ليس رغبة منها في تأجيج عواطفه, ولكن خوفاً منه.. نعم.. هي تخاف مازن بشخصيته الجديدة عليها والتي لم تظن يوماً أنه يمتلكها.. لقد ظنت لوهلة وهي تلمح نظرات الحب والألم في عينيه عندما كان يخيرها حسن.. أو بالأحرى يهددها.. ظنت أنها وجدت المخرج لنفسها لتصفع حسن بشقيقه.. ولكن مازن.. أظهر لها وجهاً آخر وجهاً مختلفاً تماماً عما ظنت.. لقد هربت من الجميع ومن الأقاويل إلى مزرعة الغمراوي لتكون برفقة علياء.. ولكنها غير قادرة على الهروب من التفكير به.. وبحوارهما معاً قبل أن يصطحبها إلى المزرعة.. والذي أوضح بجلاء.. أن مازن لن يكون الرجل الذي تستطيع لفه حول إصبعها بسهولة كما تخيلت..
أخرجها من شرودها صوت علياء:
ـ نيرة!!.. روحتِ فين؟
ألتفتت نيرة لتخبر علياء بهدوء:
ـ عليا.. زي ما قلت لك.. انسي يزيد خالص.. وابعدي عنه نهائي.. أنا.. أنا هروح أنام.. أنا تعبانة وعندي إحساس أني بقالي سنين ما نمتش..
وهربت نيرة بسرعة من أمام علياء.. فهي رفضت مناقشة أي شيء يخص فك ارتباطها بحسن وقرارها السريع بالارتباط بمازن مع أي شخص حتى والدها.. الذي أخبرته أنها تريد البقاء مع علياء لفترة.. وتركت له ولأول مرة مهمة تحديد زواجها الوشيك..
استقرت نيرة بغرفتها وأغلقت بابها لتنفرد بنفسها وأفكارها حول مازن..
*******
انتظرت علياء بصبر في شرفتها حتى تستطيع رؤية يزيد قبل أن يذهب.. ولكنه لم يظهر مرة أخرى بعد دخوله إلى غرفة المكتب.. انتظرت ساعة.. وساعة أخرى.. ولكن لا أثر له..
أخيراً سحبت مئزراً منزلياً لترتديه فوق منامتها القصيرة.. وارتدته على عجل ونزلت مسرعة إلى غرفة المكتب..
وقفت ثوانٍ تلتقط أنفاسها.. ثم طرقت الباب بخفة وانتظرت لتسمع أي رد.. ولكن لم يقابلها سوى الصمت التام..
ابتلعت ريقها بقوة وأخذت نفساً عميقاً قبل أن تفتح الباب بهدوء وتدلف إلى الغرفة لتفاجئ بيزيد وقد افترش الأريكة العريضة الموجودة بالغرفة.. وذهب في نومٍ عميق..
أغلقت الباب بهدوء حتى لا توقظه, واقتربت ببطء وهي تقدم خطوة وتأخر أخرى.. حتى وصلت إليه ووقفت تتأمل ملامحه الوسيمة ولكنها كانت منقبضة بشدة وكأنه يتألم من شيء ما..
سمعته يهمس بشيء.. فهبطت على ركبتيها أمام الأريكة حتى تستطيع سماع ما يهمس به في نومه...
عاد يهمس في نومه ثانية وعقد حاجبيه بشدة.. فمدت يدها لتمسد جبهته برقة حتى تنفرج ملامحه وتعود لهدوئها.. وأخذت أناملها تتجول على وجهه برقة وكأنها تريد رسمها في خيالها.. تريد حفظها بين حنايا قلبها لتكون زادها في بعاده بعد ما قرر بحسم الإستمرار في زواجه...
ـ علياء.. علياء الفراشة..
جمدت أناملها على وجهه وهي تسمعه يهمس باسمها.. وقطبت حاجبيها في حيرة.. هل يناجيها في أحلامه؟.. إذاً لم الهجر والبعاد؟.. لم زواجه من أخرى؟..
عاد اسمها يتردد بين شفتيه:
ـ فراشتي.. عليائي.. مش قادر..
تجمدت كل خلية بجسدها وهي تلمح عينيه المفتوحة تحدق بها.. وترمقها بنظرات هائمة.. سرعان ما تحولت إلى تلك النظرة التي أصبحت تألفها في عينيه مؤخراً... وقبل أن تفكر بالتحرك وجدت ذراعه تطوق كتفيها وعنقها لتجذبها فوق صدره وهو يقبلها بشغف ورقة ويهمس باسمها بتوق شديد..
فوجدت نفسها تستسلم لعواطفه المشبوبة كعادتها دائماً.. وتحرك ذراعيها للتتمسك بكتفي يزيد الذي كان غارقاً في قبلاتها ظناً منه إنه يعيش واحدً من أحلامه التي لازمته مؤخراً..
يحلم بها.. يختطفها ليذهبا بعيداً عن الجميع.. عن كل ما يفصلهما ويمنع وجودهما معاً.. يحتضنها ويقربها منه.. يضمها إلى صدره ويقبلها كما يفعل الآن.. إلا أن تلك المرة كان الحلم حيٌ أكثر مما ينبغي.. ملموس بقوة كملمس نعومة خصلاتها بين أنامله.. ودافئ برقة كرقة شفتيها بين شفتيه.. كان حلم قريب من الواقع وهو يسمع همسها:
ـ بحبك.. بحبك يا يزيد.. ليه بتبعد عني؟..
انتفض بقوة وهو يشعر بأناملها تنغرز بين خصلات شعره.. وصوتها الهامس يتردد بين أنفاسه.. شعر أن الحلم اختلط بالواقع وأنه الآن يعيش واقعاً ملموساً..
نهض جالساً من رقدته.. وأمسك بذراعيها ليثبتها أمامه فارتكزت بكفيها على الأريكة في حين ظلت متكئة على ركبتيها وهي تلهث بقوة من عنف المشاعر التي جمعتها به..
سمعته يسألها بخشونة:
ـ أنتِ إيه اللي مصحيكِ لحد دلوقتِ؟..
علمت بسهولة أن خشونته مصطنعة فأخذت تنهل من ملامحه الحبيبة لعينيها بجوع وهي ترد بخفوت:
ـ قلقت عليك وجيت أشوفك..
تخللت أنامله بين خصلاته بقلق:
ـ أنا.. أنا.. كنت بدور على الورق.. وتعبني على ما لقيته فقلت أريح عينيه شوية قبل ما أرجع تاني القاهرة.. بس يظهر أني روحت في النوم..
رفعت أناملها لتمر بها على جانب وجهه برقة:
ـ أنت شكلك فعلاً مرهق أوي.. أنت مش بتنام؟..
مد يده ليمسك بيدها ويبعدها عن وجهه وهو يهتف بخفوت:
ـ علياء.. بلاش جنون.. احنا اتفقنا من المرة اللي فاتت أن كل ده لازم ينتهي..
رددت ببراءة:
ـ بس أنت كنت بتبوسني دلوقتِ!
أجابها بسرعة:
ـ كنت بحلم.. و..
ارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة وهي تسأله:
ـ كنت بتحلم أنك بتبوسني؟..
عادت أنامله تعيد خصلاته للخلف وهو يحاول أن يتماسك من أجلهما معاً.. تلك الفراشة تتلاعب حول اللهب ولا تعلم أنه سيحرقها قبل أن يحرقه هو..
حاول أن يطلب منها بحزم ولكن طلبه خرج كتوسل رقيق:
ـ اطلعي أوضتك يا علياء.. اطلعي أوضتك واقفلي عليكِ بالمفتاح..
هزت رأسها بالنفي وهو تعاود ملامسة وجهه:
ـ قولي الأول أنت جيت ليه الليلة؟..
رفع يديه ليمسك يدها قبل أن يذوب تحت لمسة أناملها واحتفظ بها تلك المرة في كفه.. وحاول أن يتذكر سؤالها.. ليجمع بعض كلمات بلا معنى:
ـ ورق.. مهم.. كان لازم أجيبه الليلة..
هزت رأسها وكأنها غير مقتنعة بكلماته فهي تشعر بأنامله تداعب كف يدها التي يحتضنها بدفء شديد.. وأنبأتها غريزتها الأنثوية أن تلك الأوراق ما هي إلا عذر حتى يأتي إلى المزرعة ليراها.. فوجدت نفسها تلقي بذراعها خلف عنقه وتقف على ركبتيها ليكون وجهها مواجهاً لوجه وهمست بتوسل أمام شفتيه:
ـ يزيد.. أنا مش حلم.. أنا حقيقة.. يزيد.. خدني في حضنك.. حتى ولو لآخر مرة.. حتى لو كان وداع..
لم يدعها تكمل توسلها فهو يحتاجها بين أحضانه أكثر مما يحتاج الهواء الذي يتنفسه.. لقد أضناه بعاده عنها وحرقه شوقه إليها..
اعتصر جسدها الشاب بين ذراعيه.. وشفتيه تعزف لها مقطوعة من الشغف المجنون.. تتنقل بجنون بين شفتيها ووجنتيها وجفنيها ليعود ويلتهم شفتيها بقسوة جعلتها تئن بين ذراعيه وتبعد شفتيها عنه لتمرغ وجهها كالقطة في تجويف عنقه بينما سقطت شفتيه على شاماتها الصغيرة يقبلها برقة.. ويعود إلى شفتيها برقة أذابتها لترفع ذراعيها تحيط بهما عنقه مستسلمة لقدرها بين ذراعيه حيث أصبحت المقاومة بالنسبة لها خيار غير وارد, وخضع هو لسحر وجودها بين ذراعيه ومتعة الإحساس بحبها السرمدي فكانت المقاومة بالنسبة له رفاهية هو عاجز عن تحملها..
وأخيراً هدأت عاصفة حبهما وسكنت علياء بين ذراعيّ يزيد..
لم تتفتح الأبواب.. لم تتكسر النوافذ.. وبالتأكيد لم تهطل الأمطار أو تفور القهوة لتطفئ شعلة النار..
فقط كُسِرت الفراشة وحُطِمت أجنحتها...
