رواية متاهة مشاعر الفصل الثامن 8 بقلم نهي طلبة
الفصل الثامن
انطلق يزيد بسيارته في سرعة غاضبة.. بينما علياء ترتجف على المقعد بجواره ولم تكف عيناها لحظة عن البكاء.. ولكنها كانت تكتم شهقاتها بداخلها خوفاً من الغضب العاصف الذي ارتسم على ملامحه..
وضعت قبضتها بين أسنانها كعادتها عندما تتوتر.. وحتى تمنع نفسها عن تبادل أي حوار معه.. ولكنها وجدت نفسها مجبرة على محادثته عندما وجدته يتخذ الطريق نحو الفيلا:
ـ يزيد.. بلاش نروح الفيلا.. أرجوك.. أنا مش هقدر أواجه تانت سهام دلوقتِ..
التفت لها بغضب:
ـ ليه بقى مش هتقدري تواجهيها؟.. أنتِ عملت ايه؟.. وإيه المشكلة اللي كان مازن بيحلها لكِ؟..
سكتت تماماً وازداد تدفق الدموع بعينيها.. مما أثار المزيد من غضبه لكنه غير اتجاه السيارة في صمت وهو يخبرها بحسم:
ـ مش هنروح المزرعة.. أنا عايز أفهم الأول في إيه.. هنروح مكتبي في الشركة.. مفهوم؟..
رغم أن ذكره للشركة جلب لذهنها وجودها بين ذراعيه صباحاً في مكتب والده, إلا أنها أومأت موافقة, فهي لا تريد أن تتلاقى مع سهام بأي طريقة خاصة وهي في تلك الحالة المشتتة..
وصلا إلى مبنى المجموعة ولاحظت وجود عدد بسيط من الموظفين ولم تتعجب فقد تأخر الوقت بالفعل..
اصطحبها يزيد إلى مكتبه مباشرة وأدخلها مغلقاً الباب خلفهما ووقف مستنداً عليه مكتفاً ذراعيه على صدره ليسألها بغضب لم يخف بعد:
ـ فهميني بقى في إيه؟..
بدأت الدموع تترقرق في عينيها وتعالت شهقاتها فصرخ بها:
ـ من غير بُكى.. مش عايز دموع فهميني... في إيه بالضبط؟؟..
تلعثمت الكلمات على شفتيها:
ـ كان في مشكلة وكنت محتاجة رأي مازن فيها.. هو قالي..
صرخ بها وهو يتحرك ليجذبها من ذراعها:
ـ مازن قال لك!!.. قال لك إيه إن شاء الله؟.. واشمعني هو اللي عايزاه يحل لك مشاكلك؟.. إيه عايزة تاخدي رأيه في الخطاب اللي بيترموا تحت رجليكِ!!..
هزت رأسها برفض لكلماته القاسية:
ـ ومازن إيه علاقته بالحكاية دي!.. الموضوع يخص نيرة وحسن..
ابتعد عنها قليلاً ولكنه ظل متمسكاً بذراعها وهو يردد:
ـ نيرة وحسن!!.. إزاي يعني؟..
اندفعت كلماتها سريعاً وهي تقص عليه كل ما حدث من نيرة وكيف خططت ودبرت حتى تسبب الأذى والإحراج لمنى.. وحين أنهت قصتها صرخ بها بغضب وهو يهزها بقوة:
ـ أنتِ إيه؟... واللي اسمها نيرة دي فاهمة نفسها إيه!!.. تتحكم في مصاير الناس وأكل عيشهم.. إيه كمية الشر دي!!..
انهمرت الدموع من عينيّ علياء وهي تخبره:
ـ والله أنا ما كنت موافقة يا يزيد.. أنا بالعافية لما قدرت أمنعها أنها تتهمها بالسرقة زور.. بس أنا ما أقدرش أعمل حاجة.. هي برضوه بتدافع عن حقها في خطيبها وحبيبها و..
دفعها بعيداً وهو يخبرها باشمئزاز:
ـ حقها إيه وزفت إيه!.. ده كلام بتقنعي به نفسك عشان تبرري اشتراكك في التمثيلية الحقيرة دي.. بذمتك أنتِ تقدري تبصي لنفسك في المرايا من غير ما تحسي بالقرف والاشمئزاز أنك شاركتِ في تدمير بنت بريئة..
أجهشت علياء ببكاء مرير وانهارت على الأريكة التي خلفها وهي تخبره:
ـ غصب عني.. والله غصب عني.. نيرة عدت أخدتني من هنا الصبح من غير تعرفني هي ناوية على إيه.. وأما قالت لي حاولت أمنعها.. والله حاولت.. بس هي شايفة أنه لها حق.. وطول الوقت كنت بفكر إزاي أعوض منى عن اللي حصل.. أنا ما قصدتش اآذيها.. والله ما أقصد..
تحرك ليقف بجوارها وهو يسألها بسخرية:
ـ وأنتِ كنتِ ناوية تعوضيها ازاي بقى؟.. هتبعتي لها قرشين تخدري بيهم ضميرك اللي صحي فجأة..
هزت رأسها ورفعت له عينين مغرورقتين بالدموع:
ـ لا.. طبعاً.. أنت ليه فاكر أني تافهة وسطحية قوي كده؟!.. أنا فكرت أنها تشتغل في الصالون بتاع ماما الله يرحمها.. أنا حتى كلمت تانت آمال اللي اشترت الصالون وهي وافقت أن منى تيجي تشتغل معاها وتمسك لها الحسابات.. يعني كنت بدور على حل..
تحرك ليجلس بجوارها وهو يأمرها بحزم:
ـ خلاص.. كفاية بُكى.. أنا هكلم حسن.. و...
قاطعته صارخة:
ـ لا.. ما تحكيش لحسن حاجة.. الله يخليك.. كده نيرة هتعرف و..
صرخ بها:
ـ وأنتِ خايفة منها ليه؟..
هزت رأسها بينما ازداد انهمار دموعها:
ـ ما هي تبقى صاحبتي زي ما حسن صاحبك.. ولا لازم أفقد كل حد بيهتم بيا....
هز رأسه رافضاً:
ـ حسن لازم يعرف..
أجابته بحزن:
ـ أنا كنت متأكدة أن ده هيكون رد فعلك.. عشان كده طلبت مساعدة مازن.. هو كان هيستوعب الموقف أكتر..
صاح بغضب:
ـ أفندم!!.. ورد فعل مازن هيكون مختلف ليه؟.. إيه اللي هيخليه يقدر موقفك ويفهمك أكتر..
رفعت عينيها له ببراءة:
ـ لا.. أقصد موقف نيرة.. هو بيحبها.. وعمره ما هيسمح أنها تتعرض للأذى..
سألها بغموض:
ـ وهو بقى اللي قال لك أنه بيحب نيرة؟..
هزت رأسها نفياً وهي تخبره بخجل:
ـ لا.. أنا أخدت بالي لوحدي.. من نظراته ومعاملته لها..
هتف بها بغضب:
ـ أنتِ إزاي تقولي كلام زي ده!!.. أنتِ لسه صغيرة وما تفهميش في الكلام ده.. بس أقول إيه على واحدة واخدة نيرة غيث مثل أعلى لها..
انهمرت دموعها بغزارة وهي تسأله بحزن:
ـ هو ما فيش أي حاجة بعملها بتعجبك أبداً!!
زفر بغضب.. غضب نابع من تورطها في موقف أساء لها.. وسبب الأذى لإنسانة أخرى بريئة.. ولكن ما أُلحق بمنى من أذي فحسن قادر على إصلاحه.. ولكن تورط علياء المستمر مع نيرة هو ما يغضبه بشدة..
لقد أصبح من الواضح الآن أن علاقة الصداقة بين علياء ونيرة تسبب الدمار لعلياء حتى لو كانت تظن أن نيرة تهتم لأمرها.. لكن تلك الصداقة يجب أن تنتهي.. بأي طريقة..
أدرك أن علياء ستقاوم أي محاولة لإبعادها عن صديقتها.. لذا فكر أن يحاول تدريجياً معها حتى تقتنع بالابتعاد التام عن نيرة..
التفت إلى علياء التي أخفضت رأسها أرضاً بينما لم تتوقف دموعها عن الانهمار.. ورفع ذقنها بأنامله فبرقت زرقة عينيها من خلف ساتر من الدموع:
ـ بصي يا علياء.. اللي حصل النهارده ده.. ممكن أوصفه بجريمة.. وأنتِ اتورطتِ فيها.. وبإرادتك.. ما تقاطعنيش.. كان ممكن تنهي المهزلة دي لو اتكلمتِ وقلتِ لصاحبة المحل.. أن منى مظلومة.. لكن أنتِ سكتِ واشتريتِ خاطر صاحبتك.. يعني أنتِ طرف في اللي حصل.. وده كله نتيجة أنك عايزة تحمي نيرة.. وكانت النتيجة أنك أتورطت معاها.. ويا عالم المرة الجاية هتوقعك في إيه.. أنا مش هطلب منك غير أن الصداقة دي لازم يكون لها حدود.. لازم تفكري بعقلك أنتِ وبعدين تنفذي اللي يرضي ضميرك.. كلام نيرة مش قانون ولا ملزم.. مفهوم؟..
شهقت علياء لتتغلب على دموعها وهي تومئ برأسها موافقة على كلامه وهل تستطيع معارضته..؟ خاصة وهو يكلمها بذلك الهدوء وتلك النبرة اللينة!!..
ابتسم لها راضياً عن موافقتها مما جعل قلبها ينتفض فرحاً.. ولكنه لم ينتبه لانفعالاتها وأكمل ليصل إلى ما يؤرقه بالفعل:
ـ وبعدين مشكلة زي دي ليه تلجأي لمازن؟.. هو مين الأقرب لك والأقدر أنه يحل مشاكلك؟..
أجابت بخجل:
ـ أنا ما كنتش عايزاك تزعل مني..
مد أنامله ليمسح دموعها التي غطت وجنتيها وهو يخبرها بهمس:
ـ وأنا مش زعلان منك.. بس آخر مرة تطلبي مساعدة راجل غريب.. مفهوم؟..
أرادت تخبره أن مازن ليس بالغريب ولكن أنامله التي كانت تتجول على وجنتها بحميمية أوقفت ذهنها عن العمل كالعادة فوجدت نفسها تهمس:
ـ أنا رفضت أشوف العرسان اللي عمو عصام كان بيقول عليهم..
لم يدرِ لم ذلك الشعور بالارتياح الذي سرى بداخله, فرغم يقينه من رفضها إلا أنه كان يريد التأكد.. أن يسمع الرفض بأذنيه.. لقد كان يصارع نفسه منذ أن أدخلها سيارته حتى لا يسألها عن خاطبيها وماذا أخبرت والده بشأنهم.. وها هي تمنحه الإجابة بدون حتى أن يسأل..
كيف تعلم ما بداخله بتلك الطريقة؟.. كيف شعرت بحاجته للاطمئنان أنها لن تكون ملكاً لرجل آخر؟..
لقد كان يتمزق طوال اليوم وهو يحاول منع نفسه من محادثة والده والسؤال عن الموضوع.. حتى أنه هنأ نفسه أنه لم يبادر لسؤاالها عندما أحضرها إلى مكتبه..
يبدو أن ما عاناه من فوران رغبته بها قد هدأ بعد أن حدد موعداً لزواجه.. فهي معه منذ ما يزيد عن الساعة ولم يحاول لمسها.. رغم أنها قريبة منه.. قريبة للغاية.. ولكنها لم تعد تثيره أو تحرك شيئاً بداخله, حتى لو أحاط كتفيها بذراعه هكذا.. وقربها منه أكثر هكذا.. وأجال أنامله في شعرها هكذا... ورفع وجهها ليقابل وجهه هكذا.. حتى وهو يميل عليها ليتمكن من شفتيها.. هكذا.. فهو لن يشعر سوى.. سوى.. بشعور لا يمكن وصفه إلا بالكمال وهو يستمر في تقبليها واحتضانها وشفتيه تتحرك ببطء تاركة شفتيها ليلتقط دموعها ويهمس لها:
ـ خلاص يا علياء كفاية بُكى..
غابت نظراتها في نظراته وهي تراه يميل برأسه ثانية ليقبلها.. ويضمها بقوة لصدره حتى أنه انتزعها من جلستها على الأريكة لتستقر على ركبتيه وهو يحكم من احتضانها بينما هي ترفع ذراعيها للتطوق بهما عنقه وتدعم نفسها حتى لا تسقط أرضاً..
استمر في تقبيل شفتيها.. وجنتيها.. جفنيها المغلقين.. ذقنها وعنقها.. وهي ذائبة تماماً بين ذراعيه.. كل ما فيها خاضع ليديه وشفتيه اللتين عادتا لتذوق دمعته الماسية مراراً وكأنها تكتسب في كل مرة مذاقاً جديداً ومختلفاً..
رنين هاتفه النقال هو ما أنقذهما تلك المرة.. فانتفض كلاهما عند سماع الرنين.. وحاولت علياء النهوض من فوق ركبتيه.. ولكن قدميها لم تدعماها, فساعدها لتجلس على الأريكة, بينما أسرع هو مبتعداً نحو الحمام الملحق بالغرفة ليضع رأسه تحت الماء البارد وهو يردد بداخله.. أنه يجب أن يبتعد عن علياء للأبد.. لقد كان على وشك تدميرها.. لو تأخر رنين الهاتف لثوانِ لكان وصل إلى مرحلة اللاعودة.. لن ينفرد بها أبداً بعد الآن.. سيذهب بها إلى المزرعة ويبقيها هناك حتى يقضي على افتتانه بها تماماً.. البُعد كفيل بالقضاء على ذلك الإنجذاب.. لا يجب عليه رؤيتها أو محادثتها على الأقل حتى يتمم زواجه بريناد..
عاد إلى الغرفة بعد أن جفف شعره ولكنه كان مازال يلهث متأثراً بوجودها بين ذراعيه.. ولم يساعده اطلاقاً رؤيتها منكمشة على الأريكة وهي تحتضن جسدها الذي كان ينتفض بشدة..
حاول إجلاء صوته ليقول أي شيء لها لكنه لم يستطع مواجهة عينيها الحائرتين وقد لمعت زرقتهما بشدة.. حاول ألا ينظر إلى عنقها وما ظهر عليه من آثار لما كان يفعله بها لكنه لم يستطع الابتعاد بنظره عن شفتيها الشهيتين والمنتفختين بسببه.. فوجد قدميه تتحركان نحوها بلا إرادة منه.. يريدها..
لا يستطيع الإنكار أكثر.. يحتاج أن يضمها إلى صدرة مرة أخرى..
فليحظى بقبلة أخيرة قبل أن ينفيها إلى المزرعة.. قبلة واحدة فقط وسيبتعد عنها..
تعالى رنين هاتفه مرة أخرى لينقذها منه قبل يضع أفكاره حيز التنفيذ.. فتناوله ليجد أن المتصل كان مازن.. فرد بهدوء ليخبره أنه قام بايصال علياء إلى المزرعة وسيعود للقائه هو وحسن بعد ساعتين في مطعم النادي..
أغلق الخط والتفت نحو الباب وهو يخبرها بدون أن يلتفت إليها:
ـ يلا يا علياء هوصلك المزرعة..
**************
جلس عم نصر على أحد المقاهي الشعبية مع مجموعة من أصدقائه وأهل منطقته.. عندما وجد من يربت على كتفه:
ـ مساء الخير يا عم نصر..
رفع نصر عينيه بتوقع ليواجه عيني حسن وبرفقته مازن.. فابتسم لهما محيياً:
ـ اتفضلوا يا بهوات.. نورتونا والله..
ربت حسن على كتفه:
ـ المكان منور بأهله يا عم نصر.. بس أنا كنت عايز أعزم نفسي على كوباية شاي عندك في البيت..
نهض نصر من فوق كرسيه وهو يشير إلى حسن ومازن ليتقدماه ويقول لهما بترحيب:
ـ يا ألف أهلاً وسهلاً.. ده احنا يزيدنا شرف..
تحركوا معاً حتى وصلوا إلى منزل نصر... وهنا طلب منه حسن أن يسبقهما حتى لا يدخلا على أهل البيت بدون استئذان.. فشكره نصر ممتناً له ومقدراً تصرفه..
جلس الرجال الثلاث في غرفة الضيوف والتي رغم بساطتها وقدم أثاثها إلا أنها كانت غاية في الدفء والحميمية.. يشعر أنها تشبه منى في بساطتها وأصالتها بنفس الوقت..
منى التي عانت بسببه أقسى معاناة.. وتسببت لها نيرة بإهانة جسيمة تكاد تبلغ مقام الجريمة في نظره.. لا يدري كيف تمالك أعصابه حين قص عليه يزيد ما قامت به نيرة نحو منى.. لولا أن يزيد استطاع تكبيله حرفياً لتوجه من فوره إلى نيرة ليرد لها الإهانة مضاعفة مغامراً بخسارة كل شيء.. ولم تهدئ ثائرته إلا بحضور مازن الذي اقترح عليه أن يذهب لوالد منى ويطلبها رسمياً, بدلاً من الذهاب إلى نيرة وتحطيم الخطة التي أوشكت على بلوغ هدفها..
وهذا ما فعله ويفعله على مدى خمسة أيام كاملة.. يذهب لوالد منى في كل مكان يعلم بتواجده به... ويطلب يد منى للزواج.. ويقابله عم نصر برفض محرج.. فهو يعلم علم اليقين.. رفض حاتم العدوي لهذا الزواج.. وهو لن يزوج ابنته لعائلة لا تريدها فرداً منها..
واستمر حسن في الطلب ودأب نصر على الرفض..
حتى اصطحب حسن مازن معه وقرر الذهاب إلى منزل منى.. وبداخله أملٌ خفي أن تقف بصفه.. وتنفذ وعدها بأن تسانده بكل قوتها وحبها.. يخشى فقط أن يكون لتصرف نيرة الأحمق تأثير عكسي على منى.. وترفض الزواج منه إلى الأبد..
خرج حسن من تأملاته على دخول أمل الشقيقة الصغرى لمنى وهي تحمل صينية معدنية رُص فوقها ثلاثة أكواب من الشاي وطبق به عدة قطع من الكيك الشهي..
ابتسم لها مازن بطيبة:
ـ تسلم ايديكي يا أمل..
وضعت الصغيرة الصينية وركضت مسرعة في خجل.. بينما التفت حسن إلى نصر:
ـ أنا جاي النهارده يا عمي.. ومش هتحرك قبل ما أقنع حضرتك بالموافقة..
ابتسم نصر بمودة:
ـ يا بني.. أنا متأكد أنك شاري بنتي.. وشاري خاطرها.. وإذا كان على اللي حصل لها من الآنسة نيرة..
قاطعه حسن:
ـ يا عمي.. أنا ما يهمنيش غير منى.. نيرة كل علاقة لي بها هتنتهي بكره.. وده رسمي وقدام الناس.. لكن أنا بيني وبين ربنا عمري ما فكرت في نيرة أنها شريكة حياتي..
رد نصر باحراج:
ـ يا حسن دي حاجة تخصك أنت والآنسة نيرة..
ـ يا عمي.. أرجوك اسمعني.. أنا كل اللي أتمناه من دنيتي.. أن منى تكون مراتي.. أنا عارف وجه اعتراض حضرتك.. وهو عدم موافقة والدي.. بس ده شيء خارج عن إرادتي.. اعتراض بابا بس عشان التجارة والشراكة.. لكن ده كله مش هيتأثر إن شاء الله.. وأنا كفيل بموافقته بعد كده.. بس أرجوك اعطني كلمة بالموافقة..
أطرق نصر في حيرة.. حيرة أب بين الموافقة على شاب يجمع كل ما يطلبه الرجل في زوج ابنته.. وبين ما قد تلاقيه تلك الابنة الرقيقة من تعنت من والد الزوج القاسي..
أكمل حسن وقد استشعر أن نصر بدأ يلين قليلاً:
ـ أنا مش عايزك تقلق على منى.. منى كرامتها هي كرامتي.. ما حدش هيقدر يدوس لها على طرف وهي مراتي.. أنا كان ممكن انتظر لحد ما أنهي ارتباطي بنيرة نهائي.. لكن اللي حصل منها ناحية منى هو اللي خلاني آجي لحضرتك مرة واتنين..
قاطعه نصر بابتسامة:
ـ اتنين بس قول وعشرة وعشرين..
أكمل حسن:
ـ ومستعد آجي ألف.. ألفين .. حتى مليون مرة بس منى تكون ليا..
كانت منى تستمع إلى الحوار الدائر بين حسن وأبيها _اللذان يتكلمان بصوت مسموع_ وهي جالسة في غرفة المعيشة.. تتأمل عدد مرات الاتصال والرسائل التي حاول حسن عن طريقها الوصول إليها منذ ذلك اليوم المشئوم الذي أهانتها به نيرة..
وصلها صوت حسن الدافيء وهو يتوسل والدها الموافقة.. وشعرت بميل والدها لذلك ولكن الأصول والعادات كانت تقف كعائق أمامه.. فكرت سريعاً فيما يحاوله حسن من أجلها.. من أجل أن يكونا معاً..
أنه يعشقها منذ سنوات.. صرح لها بحبه ونيته في جعلها زوجة له منذ أن فكت ضفائرها ووخطت أعتاب الأنوثة.. كان واضحاً وصريحاً.. لم يتلاعب بها أو يخدعها.. حتى خطبته لنيرة وضح لها أسبابها.. ولم يوفر جهداً للتخلص منها..
وجدت نفسها تتساءل.. ماذا فعلت هي من أجله؟.. أنها تحبه.. لا شك.. ولكن ماذا فعلت ليتوج هذا الحب ويقدس بالزواج؟..
تحركت تلقائياً نحو غرفة الضيوف وسمعت والدها يخبر حسن بتردد:
ـ بص يا بني.. ما فيش أب في الدنيا ما يتمناش شاب زيك يكون زوج لبنته.. بس عدم موافقة أبوك..
قاطعه مازن تلك المرة:
ـ يا عمي.. والدي في النهاية أب.. وأكيد لما يشوف سعادة حسن ومنى هيوافق.. هو بس عنيد حبتين.. لكن أنا أهوه كأخ لحسن يشرفني أن تكون منى مرات أخويا وأخت ليا.. حتى جدتي.. لو كانت تقدر تيجي كانت جت معانا.. ثواني هتصل بيها على التليفون..
اتصل مازن على جدته السيدة روح _والدة أبيه_.. والتي لها في قلوب ونفوس الجميع مقام كبير.. ويعرفها نصر منذ أن كان طفلاً وكان والده هو السائق الخاص بها..
ردت السيدة روح على الفور وكأنها كانت بانتظار الاتصال.. فأعطى مازن الهاتف لنصر.. وعلى الفور انطلقت السيدة روح في الكلام:
ـ ازيك يا نصر وإيه أخبار ولادك؟..
أجاب نصر باحترام:
ـ إحنا بخير.. حسك في الدنيا يا روح هانم.
ضحكت السيدة بتساهل:
ـ إيه هانم دي!.. هو احنا لسه هعرفك ولا ايه يا نصر!!..
تنحنح نصر بحرج:
ـ بس.. أصل..
قاطعته بحزم مصطنع:
ـ لا بس ولا أصل.. أنا اللي بطلب منك.. بنتك لحفيدي.. وأنت عارف لو كنت أقدر.. كنت جيت بنفسي.. أنا مش هلاقي لحسن زوجة زي منى.. أنا عارفاك وعارفها كويس.. واللي حصل من حاتم ده أنا ما عرفتش به إلا لما رجعت من الحج.. لكن ملحوقة.. والغلط مردود.. وحسن عارف ازاي هيصلح غلطه.. نرجع بقى.. للموضوع الأساسي.. امتى الفرح؟..
ضحك نصر بحرج:
ـ فرح مرة واحدة!!.. طب مش لما أعرف رأي البنت..
في تلك اللحظة دخلت منى إلى غرفة الضيوف وهي تنظر إلى الجميع وأخيراً سقطت عيناها على والدها لتخفض نظراتها أرضاً وتقول بصوت خافت ولكن واثق:
ـ أنا موافقة يا بابا.. بعد موافقة حضرتك طبعاً..
شعر حسن بعد كلمات منى الخجولة بحمل كبير ينزاح من على كتفيه.. فيكفيه أن يشعر بدعمها ومؤازرتها له.. ابتسم لها في سعادة بينما توردت وجنتاها بقوة ولم تعرف كيف واتتها الجرأة لتقوم بذلك.. فركضت هاربة إلى غرفتها.. يراقبها والدها بغرابة.. لا يدري تصرفها نابع من رغبة في الانتقام أم رغبة للمواجهة مع الجميع..
سمع صوت روح على الهاتف:
ـ خلاص يا نصر.. البنت وافقت.. أنا سمعت موافقتها.. خلي أم منى تسمعنا زغروطة..
أجاب نصر بحرج ولكن بحسم أيضاً:
ـ حسن قالي أنه هينهي ارتباطه مع الآنسة نيرة بكره.. يبقى نأجل الزغاريط لبكره إن شاء الله..
أجابته السيدة روح بتقدير:
ـ وده حقك يا بني.. مبروك علينا منى...
أغلق نصر الخط والتفت لحسن قائلاً:
ـ أنا مش هقدر أقول حاجة بعد كلام الست روح.. وبنتي أمانة في رقبتك يا حسن..
أجابه حسن:
ـ اطمن يا عمي.. منى في عينيا...
***********
تحرك حسن بخطوات واثقة نحو يزيد الذي وقف في أحد الأركان يتابع تحركات ريناد النشيطة وهي تضع آخر لماساتها ليخرج الحفل _الذي أراده حسن وطلب من ريناد مساعدته_ في أروع صورة..
وكان حسن محقاً في اختيار ريناد لمساعدته.. فهي اختارت أرقي قاعة في أغلى فنادق المدينة.. وبدأت في إعادة ديكورها حسب ما رأته مناسب.. حيث أخبرها حسن أنه يقيم حفلاً مفاجئاً لنيرة بمناسبة مرور شهرين على ارتباطهما..
ورغم أنها لا تطيق نيرة نهائياً, لكنها لم تستطع مقاومة فكرة أن تكون مسئولة عن الحفل وأن تخرجه في النهاية بصورة أفضل من حفل الخطبة الأصلي الذي تولت نيرة تنظيمه..
طلبت من حسن إطلاق يدها لتفعل ما تشاء وهو لم يعترض لكنه وضع لها أسبوعاً واحداً لتنتهي من تجهيز الحفل.. فانطلقت تصل الليل بالنهار لتنتهي قبل الموعد المحدد.. غيرت الستائر وبدلتها بأخرى من الحرير النبيذي اللون.. والذي استخدمته أيضاً كمفارش للموائد.. بدلت السجاد.. وألوان الأبواب والنوافذ.. لم تهتم بسخرية يزيد وهو يخبرها..
"أنتِ عارفة أنه القاعة ملك للفندق.. يعني مش أوضة الصالون في بيتنا ولا حاجة"..
اختارت نظام الإضاءة والصوت.. تعاقدت مع أشهر دي.جي.
ولم يمانع حسن.. فقط أخبرها بطلب واحد:
ـ عايز كل أصحاب ومعارف نيرة يكونوا موجودين.. حتى أصحاب أصحابها.. أي حد يعرفها يكون موجود.. آه.. كمان الأغنية اللي هندخل عليها تكون أغنية..".................."..
رغم ذهول ريناد إلا أنها نفذت ما اتفقا عليه وأبدعت ريناد في اخراج حفل من الأحلام.. وهو ما عبر عنه حسن ليزيد:
ـ والله برافو عليها ريناد.. الحفلة رائعة..
هز يزيد رأسه باستخفاف وأجاب بكلمة واحدة:
ـ بيرفكت..
رمقه حسن بتعجب فحاول يزيد تغيير الموضوع:
ـ ما تاخدش في بالك... المهم أنت مظبط أمورك تمام.. اتفقت مع والد منى؟..
زفر حسن بقوة:
ـ ياااه يا يزيد.. أسبوع أهوه وأنا رايح جاي عليه.. بروح له في اليوم يمكن أكتر من خمس مرات.. فهمته كل الوضع.. حتى كشفت له عن مشاعري أنا ومنى.. وهو في قمة العناد.. ورافض تماماً ارتباطي بمنى.. امبارح أخدت معايا مازن.. وكمان خليت جدتي تتدخل.. رغم أني كنت عايزها تبقى بره الموضوع.. بس كان لازم آخد موافقة عم نصر قبل الليلة.. مش هينفع أتأخر.. أي فرق في ترتيب التوقيت هيعمل مشاكل..
ربت يزيد على كتفه:
ـ ربنا معاك وييسر لك الأمور..
التفت حسن حوله يتفحص الموجودين ثم سأل يزيد بتعجب:
ـ هي عليا ما جاتش ليه؟.. ولا هي هتيجي مع نيرة..
تصلب جسد يزيد عند سماعه اسمها.. وذكرى قبلاتهما وذوبانها بين يديه يجعل الدماء تجري في شرايينه كالحمم البركانية.. لم يرد أن يتذكر ما قام به في سيارته نحوها قبل أن يتركها في المرة الأخيرة.. فهو يحتقر نفسه كلما مرت الذكرى بعقله ويزداد احتقاره لرغبته في تكرار الأمر مراراً ومراراً..
عاد حسن للسؤال وقد وضح غياب ذهن يزيد:
ـ يزيد.. هي عليا..
قاطعه يزيد:
ـ مش هتيجي... مش ممكن تكون بتظن أن ريناد هتعزمها!!.. وغير كده.. نيرة مش عارفة أنك عامل حفلة.. أنت قلت لها.. مفاجأة وبس..
نظر حسن إلى ساعته وهو يتأفف:
ـ أيوه وأهي اتأخرت كالعادة.. أنا عايز انتهي من الموضوع..
ما أن أنتهى من جملته حتى رن هاتفه المحمول.. ليجد رسالة من نيرة تعلمه أنها في بهو الفندق وأنها في انتظاره كما طلب منها..
توجه مباشرة إليها وكل أعصابه متحفزة.. والأدرينالين يضخ في عروقه حتى ينتهي من هذا الفصل بحياته.. وصل إليها ليجدها ترتدي ثوب من تلك الأشياء القصيرة التي تستهويها.. كان من الدانتيل الأسود ومبطن باللون الذهبي_حمد الله بداخله لوجود البطانة_ ولكنه بالطبع كان عاري الصدر والظهر.. لم يكن له أكمام أيضاً فأظهر بشرة ذراعيها الوردية.. والتصق الثوب بجسدها كأنه جلدٍ ثانٍ لها فأشعل لونه الأسود خصلاتها الحمراء.. وبدت كشعلة نارية متأججة.. وقادرة على اشعال الحرائق بقلوب الجميع..
اقترب منها ليرفع يدها مقبلاً إياها:
ـ مساء الخير يا نيرة..
ابتسمت له بفتنة وهي تكاد تطير من السعادة لتغيره الملحوظ نحوها:
ـ مساء النور يا حبيبي.. هنسهر فين الليلة؟..
قدم لها ذراعه لتتعلق به وأشار بيده فتحركا معاً نحو قاعة الاحتفال.. وعندما وصلا إلى مدخل القاعة صدح صوت الــ دي. جي. بأغنية عمرو دياب.."وهي عاملة ايه دلوقت"..
تجمدت نيرة قليلاً عند سماع الأغنية.. ورمقت حسن بتساؤل إلا أنه حثها على الحركة.. فتحركت قليلاً لتبهر بالقاعة واقد انهت ريناد وضع آخر لمسات الإضاءة.. فظهر اسم نيرة يتلألأ لثوانِ وينطفيء ثم يعود ليتلألأ ثانية.. وهكذا.. وقد شكلت مجموعات من الورود اسم نيرة وتناثرت على جميع الموائد.. التي اضيئت فقط بشموع عطرية انتشرت رائحتها في أرجاء القاعة..
صاحت نيرة بفرح:
ـ حسن.. مش ممكن القاعة تحفة.. إيه الجمال ده!!..
أشار حسن إلى ريناد التي تحركت باتجاههما:
ـ الجمال ده تشكري عليه ريناد.. هي المسئولة عن الحفلة من أيه تو زد..
وصلت ريناد وهي تحيي نيرة ببشاشة مصطنعة:
ـ مبروك الحفلة يا نيرة..
أجابتها نيرة من تحت أسنانها:
ـ ميرسي أوي يا ريناد.. أردها لك إن شاء الله في يوم فرحك..
جاء يزيد وقام بتحية نيرة بهدوء.. واصطحب ريناد ليبتعد بها قبل أن تشتبك مع نيرة بأحد شجاراتهما المألوفة.. بينما اصطحب حسن نيرة إلى أحد الموائد التي تتوسط القاعة.. وسحب لها المقعد حتى استقرت فيه ثم لف حول المائدة التي وضع عليها علبة مخملية صغيرة لفت بصورة هدية.. ولفتت انتباه نيرة على الفور..
ما أن جلس حتى سألته نيرة بانفعال:
ـ هو ما فيش غير ريناد اللي لقيتها تنظم الحفلة؟..
أجابها بهدوء مستفز:
ـ العفو يا حبيبتي!..
أجابت بحرج:
ـ آسفة.. بس أنت عارف أنا وريناد مش بنتفق.. شوفت الأغنية اللي شغلتها لما دخلنا!..
أجاب بنفس الهدوء:
ـ بس ده كان طلبي أنا!!..
سألته بذهول:
ـ إيه!!.. ليه؟.. تقصد بها إيه؟..
اقترب برأسه منها وهو يهمس لها:
ـ أقصد بها منى طبعاً.. أنتِ فاهمة أني مش عارف أنتِ عملتِ إيه؟..
ارتسم قناع من الذهول على وجهها.. وسرعان ما انتابها الغضب الشديد.. وحاولت النهوض فجذب يدها بسرعة ليجلسها بالقوة:
ـ اقعدي.. لسه بدري على المشهد ده.. لسه أما تسمعيني للآخر..
صرت على أسنانها وهي تخبره بغضب:
ـ أسمع إيه!.. أنت بتعرض أغنية لغريمتي.. وعايزني أقعد وأكمل معاك السهرة!..
أبعد يده عن ذراعها وهو يخبرها بقسوة:
ـ منى عمرها ما كانت غريمتك..
ارتسمت ابتسامة غرور على شفتيها سرعان ما اختفت عندما أردف:
ـ منى عُمر ما هيكون لها غريمة أو شريكة في قلبي.. هي امتلكته بالفعل ومن زمان..
كتفت نيرة ذراعيها وهي تضجع في مقعدها:
ـ أوك يا حسن.. أنت عايز تعاقبني على اللي عملته في منى.. برافو.. نجحت.. نجحت جداً.. بس مش لازم تسمعني الموال بتاع منى حبيبة عمرك وملكة قلبك.. بلا بلا بلا..
سألها بتعجب:
ـ أنتِ ما عندكيش أي إحساس بالندم على اللي عملتيه؟..
هزت كتفيها بلامبالاة:
ـ لأ طبعاً.. اللي عملته ده من حقي.. أنا بدافع عن حقي في حبيبي.. عن حياتنا سوا.. ووجودي في حياته..
رفع حاجبه بعجب وقبل أن يرد عليها أكملت هي:
ـ أنتوا يا رجالة قمة في التناقض.. أي واحد فيكوا لو راجل غريب قرب بس ناحية البنت اللي بيحبها على طول بيتحرك حامي الحمى ومسموح له أنه يعمل أي حاجة.. ضرب.. أذى.. حتى لو آذاه في شغله أو حياته.. وبتصقفوا له.. وبرافو ورجولة.. ليه بقى أنا لما اتصرفت كده.. بقيت شريرة.. و.. و.. ولازم أندم وأعتذر.. عشان أنا بنت ولازم أكون هادية ورقيقة وآخد على دماغي واسكت.. صح؟..
سألها بعدم تصديق:
ـ الكلام ده اللي بتبرري به لنفسك تصرفاتك الغبية والمؤذية؟.. أنتِ إيه بالضبط؟..
أجابته بصوت مبحوح وهي تقترب من المائدة وتمسك بأنامله:
ـ أنا بحبك..
أبعد يده وهو يعود إلى الوراء في مقعده:
ـ حتى لو أنا مش بحبك؟!..
ـ هعلمك إزاي تحبني.. وبعدين الحفلة دي بتقول إني بدأت أوصل..
ابتسم لها بسخرية لم تلحظها فقد فتنتها ابتسامته.. وسألته بأمل وهي تشير إلى العلبة الملفوفة:
ـ حتى أنت جايب لي هدية..
ضحك بقوة حتى أن معظم الحضور التفتوا لهما.. فنظر حوله راضياً وامتدت يده نحو العلبة وفك لفتها ليفتحها ويقدمها لها..
أخذت منه العلبة ونظرت بداخلها.. لترتسم أقصى علامات الذهول على وجهها وهي تسحب منها حلقة ذهبية يبدو من حجمها أنها تنتمي لرجل..
تأملت الحلقة جيداً لتدرك أنها خاصة بحسن.. وعلى وجه الدقة الدبلة التي وضعتها بإصبعه يوم خطبتهما.. نقلت نظرها إلى أصابعه لتجد إصبعه يحمل دبلة أخرى..
سألته بتعجب وهي تحاول التحكم في أعصابها:
ـ ايه معنى الهدية دي؟.. والدبلة اللي في إيدك دي بتاعة مين؟..
اقترب من المائدة ليرتكز عليها بذراعيه:
ـ الدبلة اللي في ايدي.. دي دبلة منى.. ومعنى الهدية واضح.. أنا بأنهي خطوبتنا السعيدة..
ابتسمت بسخرية:
ـ أونكل حاتم..
قاطعها بإشارة من يده:
ـ آسف.. تصحيح صغير.. أنا مجهز لك المسرح عشان تقومي بنفسك بإنهاء خطوبتنا.. ومسموح لك تسمعيني كل الكلام اللي أي خطيبة مش طايقة خطيبها ممكن تقوله.. وممكن كمان تقولي إني أجبرتك على الخطوبة.. يلا.. أنا حاسس إني كريم الليلة..
هزت رأسها بعدم تصديق:
ـ أنت بتقول إيه!!
جذب ذراعها بقوة وهو يقول بقسوة:
ـ بقول أني زهقت من مسرحية خطوبتنا.. وأن الستارة هتنزل الليلة.. بأي طريقة هتنزل..
بدأت تحاول جذب ذراعها من يده إلا أنه أطبق عليها مثل الكلابات وهو مستمر في قسوته:
ـ عارفة الغلطة كانت فين يا نيرة؟.. إنك فكرتِ أنه ممكن أتنازل وأتنازل للأبد.. وأعيش في دور الشاب الشهم الكيوت اللي مش بيكسر كلام أبوه, لكنكوا نسيتوا برضوه أني ابن أبويا.. وأعرف كويس قوي امتى أهدي قدام الموجة العالية لحد الوقت المناسب فأركبها بسرعة وأوصل للشط.. وده اللي حصل.. بصي بقى.. الحفلة دي اتعملت عشان أنهي مسرحيتنا.. قدامك حاجة من الاتنين.. إنك تقومي من كرسيكِ وبمنتهى الشياكة ترمي الدبلة في وشي.. وزي ما قلت لك.. قولي كل اللي أنتِ عايزاه.. بس طبعاً لو جبتي سيرة منى مش هيحصل طيب.. وهتشوفي مني وش يا نيرة.. أقسى من أبويا في عز جبروته..
أجابته بتحدي:
ـ ولو ما عملتش كده؟؟
أجابها بسخرية:
ـ وقتها بقى هنكون قدام اختيار نمرة اتنين... ورغم أني ما كونتش أحب ألجأ له.. لكن..
هز كتفيه بمعنى أنه لا يهتم.. فسألته وصوتها بدأ يرتجف:
ـ ايه الاختيار نمرة اتنين؟
أمسك الحلقة الذهبية وهو ينظر لها وابتسامته تتسع:
ـ وقتها أنا اللي هرمي الدبلة دي في وشك.. قدام كل أصحابك ومعارفك اللي في القاعة.. كل الموجودين هيعرفوا أني برفض نيرة هانم غيث.. وأني مش طايقها.. وطبعاً لازم بهارات للفضيحة والذي منه وده طبعاً لما أقول بأعلى صوتي.. إني لقيتك بضاعة مستعملة..
هتفت به بغضب:
ـ أنت حقير وسافل و..
أشار لها لتصمت:
ـ وفري كل ده لحد ما ترمي الدبلة في وشي.. وزي ما قولت لك.. أنتِ غلطتي لما فكرتِ أني الشاب الكيوت الأمور اللي ممكن يجري ورا ديل فستانك.. أنا اتعلمت من حاتم العدوي.. أحسن مهندس صفقات.. يلا يا حلوة.. قعدتنا طولت.. مين فينا اللي هيرمي الدبلة؟.. زي ما بيقولوا هعد لحد تلاتة وبعدها..
همست بتوسل:
ـ حسن..
أخذ يبرم الحلقة الذهبية وهو يقول:
ـ واحد..
عادت تحاول إمساك يده:
ـ أرجوك اسمعني..
حرر يده وهو يقول:
ـ اتنين..
بدأت تشعر بالدموع تهدد بالنزول وهي تلمح شفتيه على وشك التحرك
انطلق يزيد بسيارته في سرعة غاضبة.. بينما علياء ترتجف على المقعد بجواره ولم تكف عيناها لحظة عن البكاء.. ولكنها كانت تكتم شهقاتها بداخلها خوفاً من الغضب العاصف الذي ارتسم على ملامحه..
وضعت قبضتها بين أسنانها كعادتها عندما تتوتر.. وحتى تمنع نفسها عن تبادل أي حوار معه.. ولكنها وجدت نفسها مجبرة على محادثته عندما وجدته يتخذ الطريق نحو الفيلا:
ـ يزيد.. بلاش نروح الفيلا.. أرجوك.. أنا مش هقدر أواجه تانت سهام دلوقتِ..
التفت لها بغضب:
ـ ليه بقى مش هتقدري تواجهيها؟.. أنتِ عملت ايه؟.. وإيه المشكلة اللي كان مازن بيحلها لكِ؟..
سكتت تماماً وازداد تدفق الدموع بعينيها.. مما أثار المزيد من غضبه لكنه غير اتجاه السيارة في صمت وهو يخبرها بحسم:
ـ مش هنروح المزرعة.. أنا عايز أفهم الأول في إيه.. هنروح مكتبي في الشركة.. مفهوم؟..
رغم أن ذكره للشركة جلب لذهنها وجودها بين ذراعيه صباحاً في مكتب والده, إلا أنها أومأت موافقة, فهي لا تريد أن تتلاقى مع سهام بأي طريقة خاصة وهي في تلك الحالة المشتتة..
وصلا إلى مبنى المجموعة ولاحظت وجود عدد بسيط من الموظفين ولم تتعجب فقد تأخر الوقت بالفعل..
اصطحبها يزيد إلى مكتبه مباشرة وأدخلها مغلقاً الباب خلفهما ووقف مستنداً عليه مكتفاً ذراعيه على صدره ليسألها بغضب لم يخف بعد:
ـ فهميني بقى في إيه؟..
بدأت الدموع تترقرق في عينيها وتعالت شهقاتها فصرخ بها:
ـ من غير بُكى.. مش عايز دموع فهميني... في إيه بالضبط؟؟..
تلعثمت الكلمات على شفتيها:
ـ كان في مشكلة وكنت محتاجة رأي مازن فيها.. هو قالي..
صرخ بها وهو يتحرك ليجذبها من ذراعها:
ـ مازن قال لك!!.. قال لك إيه إن شاء الله؟.. واشمعني هو اللي عايزاه يحل لك مشاكلك؟.. إيه عايزة تاخدي رأيه في الخطاب اللي بيترموا تحت رجليكِ!!..
هزت رأسها برفض لكلماته القاسية:
ـ ومازن إيه علاقته بالحكاية دي!.. الموضوع يخص نيرة وحسن..
ابتعد عنها قليلاً ولكنه ظل متمسكاً بذراعها وهو يردد:
ـ نيرة وحسن!!.. إزاي يعني؟..
اندفعت كلماتها سريعاً وهي تقص عليه كل ما حدث من نيرة وكيف خططت ودبرت حتى تسبب الأذى والإحراج لمنى.. وحين أنهت قصتها صرخ بها بغضب وهو يهزها بقوة:
ـ أنتِ إيه؟... واللي اسمها نيرة دي فاهمة نفسها إيه!!.. تتحكم في مصاير الناس وأكل عيشهم.. إيه كمية الشر دي!!..
انهمرت الدموع من عينيّ علياء وهي تخبره:
ـ والله أنا ما كنت موافقة يا يزيد.. أنا بالعافية لما قدرت أمنعها أنها تتهمها بالسرقة زور.. بس أنا ما أقدرش أعمل حاجة.. هي برضوه بتدافع عن حقها في خطيبها وحبيبها و..
دفعها بعيداً وهو يخبرها باشمئزاز:
ـ حقها إيه وزفت إيه!.. ده كلام بتقنعي به نفسك عشان تبرري اشتراكك في التمثيلية الحقيرة دي.. بذمتك أنتِ تقدري تبصي لنفسك في المرايا من غير ما تحسي بالقرف والاشمئزاز أنك شاركتِ في تدمير بنت بريئة..
أجهشت علياء ببكاء مرير وانهارت على الأريكة التي خلفها وهي تخبره:
ـ غصب عني.. والله غصب عني.. نيرة عدت أخدتني من هنا الصبح من غير تعرفني هي ناوية على إيه.. وأما قالت لي حاولت أمنعها.. والله حاولت.. بس هي شايفة أنه لها حق.. وطول الوقت كنت بفكر إزاي أعوض منى عن اللي حصل.. أنا ما قصدتش اآذيها.. والله ما أقصد..
تحرك ليقف بجوارها وهو يسألها بسخرية:
ـ وأنتِ كنتِ ناوية تعوضيها ازاي بقى؟.. هتبعتي لها قرشين تخدري بيهم ضميرك اللي صحي فجأة..
هزت رأسها ورفعت له عينين مغرورقتين بالدموع:
ـ لا.. طبعاً.. أنت ليه فاكر أني تافهة وسطحية قوي كده؟!.. أنا فكرت أنها تشتغل في الصالون بتاع ماما الله يرحمها.. أنا حتى كلمت تانت آمال اللي اشترت الصالون وهي وافقت أن منى تيجي تشتغل معاها وتمسك لها الحسابات.. يعني كنت بدور على حل..
تحرك ليجلس بجوارها وهو يأمرها بحزم:
ـ خلاص.. كفاية بُكى.. أنا هكلم حسن.. و...
قاطعته صارخة:
ـ لا.. ما تحكيش لحسن حاجة.. الله يخليك.. كده نيرة هتعرف و..
صرخ بها:
ـ وأنتِ خايفة منها ليه؟..
هزت رأسها بينما ازداد انهمار دموعها:
ـ ما هي تبقى صاحبتي زي ما حسن صاحبك.. ولا لازم أفقد كل حد بيهتم بيا....
هز رأسه رافضاً:
ـ حسن لازم يعرف..
أجابته بحزن:
ـ أنا كنت متأكدة أن ده هيكون رد فعلك.. عشان كده طلبت مساعدة مازن.. هو كان هيستوعب الموقف أكتر..
صاح بغضب:
ـ أفندم!!.. ورد فعل مازن هيكون مختلف ليه؟.. إيه اللي هيخليه يقدر موقفك ويفهمك أكتر..
رفعت عينيها له ببراءة:
ـ لا.. أقصد موقف نيرة.. هو بيحبها.. وعمره ما هيسمح أنها تتعرض للأذى..
سألها بغموض:
ـ وهو بقى اللي قال لك أنه بيحب نيرة؟..
هزت رأسها نفياً وهي تخبره بخجل:
ـ لا.. أنا أخدت بالي لوحدي.. من نظراته ومعاملته لها..
هتف بها بغضب:
ـ أنتِ إزاي تقولي كلام زي ده!!.. أنتِ لسه صغيرة وما تفهميش في الكلام ده.. بس أقول إيه على واحدة واخدة نيرة غيث مثل أعلى لها..
انهمرت دموعها بغزارة وهي تسأله بحزن:
ـ هو ما فيش أي حاجة بعملها بتعجبك أبداً!!
زفر بغضب.. غضب نابع من تورطها في موقف أساء لها.. وسبب الأذى لإنسانة أخرى بريئة.. ولكن ما أُلحق بمنى من أذي فحسن قادر على إصلاحه.. ولكن تورط علياء المستمر مع نيرة هو ما يغضبه بشدة..
لقد أصبح من الواضح الآن أن علاقة الصداقة بين علياء ونيرة تسبب الدمار لعلياء حتى لو كانت تظن أن نيرة تهتم لأمرها.. لكن تلك الصداقة يجب أن تنتهي.. بأي طريقة..
أدرك أن علياء ستقاوم أي محاولة لإبعادها عن صديقتها.. لذا فكر أن يحاول تدريجياً معها حتى تقتنع بالابتعاد التام عن نيرة..
التفت إلى علياء التي أخفضت رأسها أرضاً بينما لم تتوقف دموعها عن الانهمار.. ورفع ذقنها بأنامله فبرقت زرقة عينيها من خلف ساتر من الدموع:
ـ بصي يا علياء.. اللي حصل النهارده ده.. ممكن أوصفه بجريمة.. وأنتِ اتورطتِ فيها.. وبإرادتك.. ما تقاطعنيش.. كان ممكن تنهي المهزلة دي لو اتكلمتِ وقلتِ لصاحبة المحل.. أن منى مظلومة.. لكن أنتِ سكتِ واشتريتِ خاطر صاحبتك.. يعني أنتِ طرف في اللي حصل.. وده كله نتيجة أنك عايزة تحمي نيرة.. وكانت النتيجة أنك أتورطت معاها.. ويا عالم المرة الجاية هتوقعك في إيه.. أنا مش هطلب منك غير أن الصداقة دي لازم يكون لها حدود.. لازم تفكري بعقلك أنتِ وبعدين تنفذي اللي يرضي ضميرك.. كلام نيرة مش قانون ولا ملزم.. مفهوم؟..
شهقت علياء لتتغلب على دموعها وهي تومئ برأسها موافقة على كلامه وهل تستطيع معارضته..؟ خاصة وهو يكلمها بذلك الهدوء وتلك النبرة اللينة!!..
ابتسم لها راضياً عن موافقتها مما جعل قلبها ينتفض فرحاً.. ولكنه لم ينتبه لانفعالاتها وأكمل ليصل إلى ما يؤرقه بالفعل:
ـ وبعدين مشكلة زي دي ليه تلجأي لمازن؟.. هو مين الأقرب لك والأقدر أنه يحل مشاكلك؟..
أجابت بخجل:
ـ أنا ما كنتش عايزاك تزعل مني..
مد أنامله ليمسح دموعها التي غطت وجنتيها وهو يخبرها بهمس:
ـ وأنا مش زعلان منك.. بس آخر مرة تطلبي مساعدة راجل غريب.. مفهوم؟..
أرادت تخبره أن مازن ليس بالغريب ولكن أنامله التي كانت تتجول على وجنتها بحميمية أوقفت ذهنها عن العمل كالعادة فوجدت نفسها تهمس:
ـ أنا رفضت أشوف العرسان اللي عمو عصام كان بيقول عليهم..
لم يدرِ لم ذلك الشعور بالارتياح الذي سرى بداخله, فرغم يقينه من رفضها إلا أنه كان يريد التأكد.. أن يسمع الرفض بأذنيه.. لقد كان يصارع نفسه منذ أن أدخلها سيارته حتى لا يسألها عن خاطبيها وماذا أخبرت والده بشأنهم.. وها هي تمنحه الإجابة بدون حتى أن يسأل..
كيف تعلم ما بداخله بتلك الطريقة؟.. كيف شعرت بحاجته للاطمئنان أنها لن تكون ملكاً لرجل آخر؟..
لقد كان يتمزق طوال اليوم وهو يحاول منع نفسه من محادثة والده والسؤال عن الموضوع.. حتى أنه هنأ نفسه أنه لم يبادر لسؤاالها عندما أحضرها إلى مكتبه..
يبدو أن ما عاناه من فوران رغبته بها قد هدأ بعد أن حدد موعداً لزواجه.. فهي معه منذ ما يزيد عن الساعة ولم يحاول لمسها.. رغم أنها قريبة منه.. قريبة للغاية.. ولكنها لم تعد تثيره أو تحرك شيئاً بداخله, حتى لو أحاط كتفيها بذراعه هكذا.. وقربها منه أكثر هكذا.. وأجال أنامله في شعرها هكذا... ورفع وجهها ليقابل وجهه هكذا.. حتى وهو يميل عليها ليتمكن من شفتيها.. هكذا.. فهو لن يشعر سوى.. سوى.. بشعور لا يمكن وصفه إلا بالكمال وهو يستمر في تقبليها واحتضانها وشفتيه تتحرك ببطء تاركة شفتيها ليلتقط دموعها ويهمس لها:
ـ خلاص يا علياء كفاية بُكى..
غابت نظراتها في نظراته وهي تراه يميل برأسه ثانية ليقبلها.. ويضمها بقوة لصدره حتى أنه انتزعها من جلستها على الأريكة لتستقر على ركبتيه وهو يحكم من احتضانها بينما هي ترفع ذراعيها للتطوق بهما عنقه وتدعم نفسها حتى لا تسقط أرضاً..
استمر في تقبيل شفتيها.. وجنتيها.. جفنيها المغلقين.. ذقنها وعنقها.. وهي ذائبة تماماً بين ذراعيه.. كل ما فيها خاضع ليديه وشفتيه اللتين عادتا لتذوق دمعته الماسية مراراً وكأنها تكتسب في كل مرة مذاقاً جديداً ومختلفاً..
رنين هاتفه النقال هو ما أنقذهما تلك المرة.. فانتفض كلاهما عند سماع الرنين.. وحاولت علياء النهوض من فوق ركبتيه.. ولكن قدميها لم تدعماها, فساعدها لتجلس على الأريكة, بينما أسرع هو مبتعداً نحو الحمام الملحق بالغرفة ليضع رأسه تحت الماء البارد وهو يردد بداخله.. أنه يجب أن يبتعد عن علياء للأبد.. لقد كان على وشك تدميرها.. لو تأخر رنين الهاتف لثوانِ لكان وصل إلى مرحلة اللاعودة.. لن ينفرد بها أبداً بعد الآن.. سيذهب بها إلى المزرعة ويبقيها هناك حتى يقضي على افتتانه بها تماماً.. البُعد كفيل بالقضاء على ذلك الإنجذاب.. لا يجب عليه رؤيتها أو محادثتها على الأقل حتى يتمم زواجه بريناد..
عاد إلى الغرفة بعد أن جفف شعره ولكنه كان مازال يلهث متأثراً بوجودها بين ذراعيه.. ولم يساعده اطلاقاً رؤيتها منكمشة على الأريكة وهي تحتضن جسدها الذي كان ينتفض بشدة..
حاول إجلاء صوته ليقول أي شيء لها لكنه لم يستطع مواجهة عينيها الحائرتين وقد لمعت زرقتهما بشدة.. حاول ألا ينظر إلى عنقها وما ظهر عليه من آثار لما كان يفعله بها لكنه لم يستطع الابتعاد بنظره عن شفتيها الشهيتين والمنتفختين بسببه.. فوجد قدميه تتحركان نحوها بلا إرادة منه.. يريدها..
لا يستطيع الإنكار أكثر.. يحتاج أن يضمها إلى صدرة مرة أخرى..
فليحظى بقبلة أخيرة قبل أن ينفيها إلى المزرعة.. قبلة واحدة فقط وسيبتعد عنها..
تعالى رنين هاتفه مرة أخرى لينقذها منه قبل يضع أفكاره حيز التنفيذ.. فتناوله ليجد أن المتصل كان مازن.. فرد بهدوء ليخبره أنه قام بايصال علياء إلى المزرعة وسيعود للقائه هو وحسن بعد ساعتين في مطعم النادي..
أغلق الخط والتفت نحو الباب وهو يخبرها بدون أن يلتفت إليها:
ـ يلا يا علياء هوصلك المزرعة..
**************
جلس عم نصر على أحد المقاهي الشعبية مع مجموعة من أصدقائه وأهل منطقته.. عندما وجد من يربت على كتفه:
ـ مساء الخير يا عم نصر..
رفع نصر عينيه بتوقع ليواجه عيني حسن وبرفقته مازن.. فابتسم لهما محيياً:
ـ اتفضلوا يا بهوات.. نورتونا والله..
ربت حسن على كتفه:
ـ المكان منور بأهله يا عم نصر.. بس أنا كنت عايز أعزم نفسي على كوباية شاي عندك في البيت..
نهض نصر من فوق كرسيه وهو يشير إلى حسن ومازن ليتقدماه ويقول لهما بترحيب:
ـ يا ألف أهلاً وسهلاً.. ده احنا يزيدنا شرف..
تحركوا معاً حتى وصلوا إلى منزل نصر... وهنا طلب منه حسن أن يسبقهما حتى لا يدخلا على أهل البيت بدون استئذان.. فشكره نصر ممتناً له ومقدراً تصرفه..
جلس الرجال الثلاث في غرفة الضيوف والتي رغم بساطتها وقدم أثاثها إلا أنها كانت غاية في الدفء والحميمية.. يشعر أنها تشبه منى في بساطتها وأصالتها بنفس الوقت..
منى التي عانت بسببه أقسى معاناة.. وتسببت لها نيرة بإهانة جسيمة تكاد تبلغ مقام الجريمة في نظره.. لا يدري كيف تمالك أعصابه حين قص عليه يزيد ما قامت به نيرة نحو منى.. لولا أن يزيد استطاع تكبيله حرفياً لتوجه من فوره إلى نيرة ليرد لها الإهانة مضاعفة مغامراً بخسارة كل شيء.. ولم تهدئ ثائرته إلا بحضور مازن الذي اقترح عليه أن يذهب لوالد منى ويطلبها رسمياً, بدلاً من الذهاب إلى نيرة وتحطيم الخطة التي أوشكت على بلوغ هدفها..
وهذا ما فعله ويفعله على مدى خمسة أيام كاملة.. يذهب لوالد منى في كل مكان يعلم بتواجده به... ويطلب يد منى للزواج.. ويقابله عم نصر برفض محرج.. فهو يعلم علم اليقين.. رفض حاتم العدوي لهذا الزواج.. وهو لن يزوج ابنته لعائلة لا تريدها فرداً منها..
واستمر حسن في الطلب ودأب نصر على الرفض..
حتى اصطحب حسن مازن معه وقرر الذهاب إلى منزل منى.. وبداخله أملٌ خفي أن تقف بصفه.. وتنفذ وعدها بأن تسانده بكل قوتها وحبها.. يخشى فقط أن يكون لتصرف نيرة الأحمق تأثير عكسي على منى.. وترفض الزواج منه إلى الأبد..
خرج حسن من تأملاته على دخول أمل الشقيقة الصغرى لمنى وهي تحمل صينية معدنية رُص فوقها ثلاثة أكواب من الشاي وطبق به عدة قطع من الكيك الشهي..
ابتسم لها مازن بطيبة:
ـ تسلم ايديكي يا أمل..
وضعت الصغيرة الصينية وركضت مسرعة في خجل.. بينما التفت حسن إلى نصر:
ـ أنا جاي النهارده يا عمي.. ومش هتحرك قبل ما أقنع حضرتك بالموافقة..
ابتسم نصر بمودة:
ـ يا بني.. أنا متأكد أنك شاري بنتي.. وشاري خاطرها.. وإذا كان على اللي حصل لها من الآنسة نيرة..
قاطعه حسن:
ـ يا عمي.. أنا ما يهمنيش غير منى.. نيرة كل علاقة لي بها هتنتهي بكره.. وده رسمي وقدام الناس.. لكن أنا بيني وبين ربنا عمري ما فكرت في نيرة أنها شريكة حياتي..
رد نصر باحراج:
ـ يا حسن دي حاجة تخصك أنت والآنسة نيرة..
ـ يا عمي.. أرجوك اسمعني.. أنا كل اللي أتمناه من دنيتي.. أن منى تكون مراتي.. أنا عارف وجه اعتراض حضرتك.. وهو عدم موافقة والدي.. بس ده شيء خارج عن إرادتي.. اعتراض بابا بس عشان التجارة والشراكة.. لكن ده كله مش هيتأثر إن شاء الله.. وأنا كفيل بموافقته بعد كده.. بس أرجوك اعطني كلمة بالموافقة..
أطرق نصر في حيرة.. حيرة أب بين الموافقة على شاب يجمع كل ما يطلبه الرجل في زوج ابنته.. وبين ما قد تلاقيه تلك الابنة الرقيقة من تعنت من والد الزوج القاسي..
أكمل حسن وقد استشعر أن نصر بدأ يلين قليلاً:
ـ أنا مش عايزك تقلق على منى.. منى كرامتها هي كرامتي.. ما حدش هيقدر يدوس لها على طرف وهي مراتي.. أنا كان ممكن انتظر لحد ما أنهي ارتباطي بنيرة نهائي.. لكن اللي حصل منها ناحية منى هو اللي خلاني آجي لحضرتك مرة واتنين..
قاطعه نصر بابتسامة:
ـ اتنين بس قول وعشرة وعشرين..
أكمل حسن:
ـ ومستعد آجي ألف.. ألفين .. حتى مليون مرة بس منى تكون ليا..
كانت منى تستمع إلى الحوار الدائر بين حسن وأبيها _اللذان يتكلمان بصوت مسموع_ وهي جالسة في غرفة المعيشة.. تتأمل عدد مرات الاتصال والرسائل التي حاول حسن عن طريقها الوصول إليها منذ ذلك اليوم المشئوم الذي أهانتها به نيرة..
وصلها صوت حسن الدافيء وهو يتوسل والدها الموافقة.. وشعرت بميل والدها لذلك ولكن الأصول والعادات كانت تقف كعائق أمامه.. فكرت سريعاً فيما يحاوله حسن من أجلها.. من أجل أن يكونا معاً..
أنه يعشقها منذ سنوات.. صرح لها بحبه ونيته في جعلها زوجة له منذ أن فكت ضفائرها ووخطت أعتاب الأنوثة.. كان واضحاً وصريحاً.. لم يتلاعب بها أو يخدعها.. حتى خطبته لنيرة وضح لها أسبابها.. ولم يوفر جهداً للتخلص منها..
وجدت نفسها تتساءل.. ماذا فعلت هي من أجله؟.. أنها تحبه.. لا شك.. ولكن ماذا فعلت ليتوج هذا الحب ويقدس بالزواج؟..
تحركت تلقائياً نحو غرفة الضيوف وسمعت والدها يخبر حسن بتردد:
ـ بص يا بني.. ما فيش أب في الدنيا ما يتمناش شاب زيك يكون زوج لبنته.. بس عدم موافقة أبوك..
قاطعه مازن تلك المرة:
ـ يا عمي.. والدي في النهاية أب.. وأكيد لما يشوف سعادة حسن ومنى هيوافق.. هو بس عنيد حبتين.. لكن أنا أهوه كأخ لحسن يشرفني أن تكون منى مرات أخويا وأخت ليا.. حتى جدتي.. لو كانت تقدر تيجي كانت جت معانا.. ثواني هتصل بيها على التليفون..
اتصل مازن على جدته السيدة روح _والدة أبيه_.. والتي لها في قلوب ونفوس الجميع مقام كبير.. ويعرفها نصر منذ أن كان طفلاً وكان والده هو السائق الخاص بها..
ردت السيدة روح على الفور وكأنها كانت بانتظار الاتصال.. فأعطى مازن الهاتف لنصر.. وعلى الفور انطلقت السيدة روح في الكلام:
ـ ازيك يا نصر وإيه أخبار ولادك؟..
أجاب نصر باحترام:
ـ إحنا بخير.. حسك في الدنيا يا روح هانم.
ضحكت السيدة بتساهل:
ـ إيه هانم دي!.. هو احنا لسه هعرفك ولا ايه يا نصر!!..
تنحنح نصر بحرج:
ـ بس.. أصل..
قاطعته بحزم مصطنع:
ـ لا بس ولا أصل.. أنا اللي بطلب منك.. بنتك لحفيدي.. وأنت عارف لو كنت أقدر.. كنت جيت بنفسي.. أنا مش هلاقي لحسن زوجة زي منى.. أنا عارفاك وعارفها كويس.. واللي حصل من حاتم ده أنا ما عرفتش به إلا لما رجعت من الحج.. لكن ملحوقة.. والغلط مردود.. وحسن عارف ازاي هيصلح غلطه.. نرجع بقى.. للموضوع الأساسي.. امتى الفرح؟..
ضحك نصر بحرج:
ـ فرح مرة واحدة!!.. طب مش لما أعرف رأي البنت..
في تلك اللحظة دخلت منى إلى غرفة الضيوف وهي تنظر إلى الجميع وأخيراً سقطت عيناها على والدها لتخفض نظراتها أرضاً وتقول بصوت خافت ولكن واثق:
ـ أنا موافقة يا بابا.. بعد موافقة حضرتك طبعاً..
شعر حسن بعد كلمات منى الخجولة بحمل كبير ينزاح من على كتفيه.. فيكفيه أن يشعر بدعمها ومؤازرتها له.. ابتسم لها في سعادة بينما توردت وجنتاها بقوة ولم تعرف كيف واتتها الجرأة لتقوم بذلك.. فركضت هاربة إلى غرفتها.. يراقبها والدها بغرابة.. لا يدري تصرفها نابع من رغبة في الانتقام أم رغبة للمواجهة مع الجميع..
سمع صوت روح على الهاتف:
ـ خلاص يا نصر.. البنت وافقت.. أنا سمعت موافقتها.. خلي أم منى تسمعنا زغروطة..
أجاب نصر بحرج ولكن بحسم أيضاً:
ـ حسن قالي أنه هينهي ارتباطه مع الآنسة نيرة بكره.. يبقى نأجل الزغاريط لبكره إن شاء الله..
أجابته السيدة روح بتقدير:
ـ وده حقك يا بني.. مبروك علينا منى...
أغلق نصر الخط والتفت لحسن قائلاً:
ـ أنا مش هقدر أقول حاجة بعد كلام الست روح.. وبنتي أمانة في رقبتك يا حسن..
أجابه حسن:
ـ اطمن يا عمي.. منى في عينيا...
***********
تحرك حسن بخطوات واثقة نحو يزيد الذي وقف في أحد الأركان يتابع تحركات ريناد النشيطة وهي تضع آخر لماساتها ليخرج الحفل _الذي أراده حسن وطلب من ريناد مساعدته_ في أروع صورة..
وكان حسن محقاً في اختيار ريناد لمساعدته.. فهي اختارت أرقي قاعة في أغلى فنادق المدينة.. وبدأت في إعادة ديكورها حسب ما رأته مناسب.. حيث أخبرها حسن أنه يقيم حفلاً مفاجئاً لنيرة بمناسبة مرور شهرين على ارتباطهما..
ورغم أنها لا تطيق نيرة نهائياً, لكنها لم تستطع مقاومة فكرة أن تكون مسئولة عن الحفل وأن تخرجه في النهاية بصورة أفضل من حفل الخطبة الأصلي الذي تولت نيرة تنظيمه..
طلبت من حسن إطلاق يدها لتفعل ما تشاء وهو لم يعترض لكنه وضع لها أسبوعاً واحداً لتنتهي من تجهيز الحفل.. فانطلقت تصل الليل بالنهار لتنتهي قبل الموعد المحدد.. غيرت الستائر وبدلتها بأخرى من الحرير النبيذي اللون.. والذي استخدمته أيضاً كمفارش للموائد.. بدلت السجاد.. وألوان الأبواب والنوافذ.. لم تهتم بسخرية يزيد وهو يخبرها..
"أنتِ عارفة أنه القاعة ملك للفندق.. يعني مش أوضة الصالون في بيتنا ولا حاجة"..
اختارت نظام الإضاءة والصوت.. تعاقدت مع أشهر دي.جي.
ولم يمانع حسن.. فقط أخبرها بطلب واحد:
ـ عايز كل أصحاب ومعارف نيرة يكونوا موجودين.. حتى أصحاب أصحابها.. أي حد يعرفها يكون موجود.. آه.. كمان الأغنية اللي هندخل عليها تكون أغنية..".................."..
رغم ذهول ريناد إلا أنها نفذت ما اتفقا عليه وأبدعت ريناد في اخراج حفل من الأحلام.. وهو ما عبر عنه حسن ليزيد:
ـ والله برافو عليها ريناد.. الحفلة رائعة..
هز يزيد رأسه باستخفاف وأجاب بكلمة واحدة:
ـ بيرفكت..
رمقه حسن بتعجب فحاول يزيد تغيير الموضوع:
ـ ما تاخدش في بالك... المهم أنت مظبط أمورك تمام.. اتفقت مع والد منى؟..
زفر حسن بقوة:
ـ ياااه يا يزيد.. أسبوع أهوه وأنا رايح جاي عليه.. بروح له في اليوم يمكن أكتر من خمس مرات.. فهمته كل الوضع.. حتى كشفت له عن مشاعري أنا ومنى.. وهو في قمة العناد.. ورافض تماماً ارتباطي بمنى.. امبارح أخدت معايا مازن.. وكمان خليت جدتي تتدخل.. رغم أني كنت عايزها تبقى بره الموضوع.. بس كان لازم آخد موافقة عم نصر قبل الليلة.. مش هينفع أتأخر.. أي فرق في ترتيب التوقيت هيعمل مشاكل..
ربت يزيد على كتفه:
ـ ربنا معاك وييسر لك الأمور..
التفت حسن حوله يتفحص الموجودين ثم سأل يزيد بتعجب:
ـ هي عليا ما جاتش ليه؟.. ولا هي هتيجي مع نيرة..
تصلب جسد يزيد عند سماعه اسمها.. وذكرى قبلاتهما وذوبانها بين يديه يجعل الدماء تجري في شرايينه كالحمم البركانية.. لم يرد أن يتذكر ما قام به في سيارته نحوها قبل أن يتركها في المرة الأخيرة.. فهو يحتقر نفسه كلما مرت الذكرى بعقله ويزداد احتقاره لرغبته في تكرار الأمر مراراً ومراراً..
عاد حسن للسؤال وقد وضح غياب ذهن يزيد:
ـ يزيد.. هي عليا..
قاطعه يزيد:
ـ مش هتيجي... مش ممكن تكون بتظن أن ريناد هتعزمها!!.. وغير كده.. نيرة مش عارفة أنك عامل حفلة.. أنت قلت لها.. مفاجأة وبس..
نظر حسن إلى ساعته وهو يتأفف:
ـ أيوه وأهي اتأخرت كالعادة.. أنا عايز انتهي من الموضوع..
ما أن أنتهى من جملته حتى رن هاتفه المحمول.. ليجد رسالة من نيرة تعلمه أنها في بهو الفندق وأنها في انتظاره كما طلب منها..
توجه مباشرة إليها وكل أعصابه متحفزة.. والأدرينالين يضخ في عروقه حتى ينتهي من هذا الفصل بحياته.. وصل إليها ليجدها ترتدي ثوب من تلك الأشياء القصيرة التي تستهويها.. كان من الدانتيل الأسود ومبطن باللون الذهبي_حمد الله بداخله لوجود البطانة_ ولكنه بالطبع كان عاري الصدر والظهر.. لم يكن له أكمام أيضاً فأظهر بشرة ذراعيها الوردية.. والتصق الثوب بجسدها كأنه جلدٍ ثانٍ لها فأشعل لونه الأسود خصلاتها الحمراء.. وبدت كشعلة نارية متأججة.. وقادرة على اشعال الحرائق بقلوب الجميع..
اقترب منها ليرفع يدها مقبلاً إياها:
ـ مساء الخير يا نيرة..
ابتسمت له بفتنة وهي تكاد تطير من السعادة لتغيره الملحوظ نحوها:
ـ مساء النور يا حبيبي.. هنسهر فين الليلة؟..
قدم لها ذراعه لتتعلق به وأشار بيده فتحركا معاً نحو قاعة الاحتفال.. وعندما وصلا إلى مدخل القاعة صدح صوت الــ دي. جي. بأغنية عمرو دياب.."وهي عاملة ايه دلوقت"..
تجمدت نيرة قليلاً عند سماع الأغنية.. ورمقت حسن بتساؤل إلا أنه حثها على الحركة.. فتحركت قليلاً لتبهر بالقاعة واقد انهت ريناد وضع آخر لمسات الإضاءة.. فظهر اسم نيرة يتلألأ لثوانِ وينطفيء ثم يعود ليتلألأ ثانية.. وهكذا.. وقد شكلت مجموعات من الورود اسم نيرة وتناثرت على جميع الموائد.. التي اضيئت فقط بشموع عطرية انتشرت رائحتها في أرجاء القاعة..
صاحت نيرة بفرح:
ـ حسن.. مش ممكن القاعة تحفة.. إيه الجمال ده!!..
أشار حسن إلى ريناد التي تحركت باتجاههما:
ـ الجمال ده تشكري عليه ريناد.. هي المسئولة عن الحفلة من أيه تو زد..
وصلت ريناد وهي تحيي نيرة ببشاشة مصطنعة:
ـ مبروك الحفلة يا نيرة..
أجابتها نيرة من تحت أسنانها:
ـ ميرسي أوي يا ريناد.. أردها لك إن شاء الله في يوم فرحك..
جاء يزيد وقام بتحية نيرة بهدوء.. واصطحب ريناد ليبتعد بها قبل أن تشتبك مع نيرة بأحد شجاراتهما المألوفة.. بينما اصطحب حسن نيرة إلى أحد الموائد التي تتوسط القاعة.. وسحب لها المقعد حتى استقرت فيه ثم لف حول المائدة التي وضع عليها علبة مخملية صغيرة لفت بصورة هدية.. ولفتت انتباه نيرة على الفور..
ما أن جلس حتى سألته نيرة بانفعال:
ـ هو ما فيش غير ريناد اللي لقيتها تنظم الحفلة؟..
أجابها بهدوء مستفز:
ـ العفو يا حبيبتي!..
أجابت بحرج:
ـ آسفة.. بس أنت عارف أنا وريناد مش بنتفق.. شوفت الأغنية اللي شغلتها لما دخلنا!..
أجاب بنفس الهدوء:
ـ بس ده كان طلبي أنا!!..
سألته بذهول:
ـ إيه!!.. ليه؟.. تقصد بها إيه؟..
اقترب برأسه منها وهو يهمس لها:
ـ أقصد بها منى طبعاً.. أنتِ فاهمة أني مش عارف أنتِ عملتِ إيه؟..
ارتسم قناع من الذهول على وجهها.. وسرعان ما انتابها الغضب الشديد.. وحاولت النهوض فجذب يدها بسرعة ليجلسها بالقوة:
ـ اقعدي.. لسه بدري على المشهد ده.. لسه أما تسمعيني للآخر..
صرت على أسنانها وهي تخبره بغضب:
ـ أسمع إيه!.. أنت بتعرض أغنية لغريمتي.. وعايزني أقعد وأكمل معاك السهرة!..
أبعد يده عن ذراعها وهو يخبرها بقسوة:
ـ منى عمرها ما كانت غريمتك..
ارتسمت ابتسامة غرور على شفتيها سرعان ما اختفت عندما أردف:
ـ منى عُمر ما هيكون لها غريمة أو شريكة في قلبي.. هي امتلكته بالفعل ومن زمان..
كتفت نيرة ذراعيها وهي تضجع في مقعدها:
ـ أوك يا حسن.. أنت عايز تعاقبني على اللي عملته في منى.. برافو.. نجحت.. نجحت جداً.. بس مش لازم تسمعني الموال بتاع منى حبيبة عمرك وملكة قلبك.. بلا بلا بلا..
سألها بتعجب:
ـ أنتِ ما عندكيش أي إحساس بالندم على اللي عملتيه؟..
هزت كتفيها بلامبالاة:
ـ لأ طبعاً.. اللي عملته ده من حقي.. أنا بدافع عن حقي في حبيبي.. عن حياتنا سوا.. ووجودي في حياته..
رفع حاجبه بعجب وقبل أن يرد عليها أكملت هي:
ـ أنتوا يا رجالة قمة في التناقض.. أي واحد فيكوا لو راجل غريب قرب بس ناحية البنت اللي بيحبها على طول بيتحرك حامي الحمى ومسموح له أنه يعمل أي حاجة.. ضرب.. أذى.. حتى لو آذاه في شغله أو حياته.. وبتصقفوا له.. وبرافو ورجولة.. ليه بقى أنا لما اتصرفت كده.. بقيت شريرة.. و.. و.. ولازم أندم وأعتذر.. عشان أنا بنت ولازم أكون هادية ورقيقة وآخد على دماغي واسكت.. صح؟..
سألها بعدم تصديق:
ـ الكلام ده اللي بتبرري به لنفسك تصرفاتك الغبية والمؤذية؟.. أنتِ إيه بالضبط؟..
أجابته بصوت مبحوح وهي تقترب من المائدة وتمسك بأنامله:
ـ أنا بحبك..
أبعد يده وهو يعود إلى الوراء في مقعده:
ـ حتى لو أنا مش بحبك؟!..
ـ هعلمك إزاي تحبني.. وبعدين الحفلة دي بتقول إني بدأت أوصل..
ابتسم لها بسخرية لم تلحظها فقد فتنتها ابتسامته.. وسألته بأمل وهي تشير إلى العلبة الملفوفة:
ـ حتى أنت جايب لي هدية..
ضحك بقوة حتى أن معظم الحضور التفتوا لهما.. فنظر حوله راضياً وامتدت يده نحو العلبة وفك لفتها ليفتحها ويقدمها لها..
أخذت منه العلبة ونظرت بداخلها.. لترتسم أقصى علامات الذهول على وجهها وهي تسحب منها حلقة ذهبية يبدو من حجمها أنها تنتمي لرجل..
تأملت الحلقة جيداً لتدرك أنها خاصة بحسن.. وعلى وجه الدقة الدبلة التي وضعتها بإصبعه يوم خطبتهما.. نقلت نظرها إلى أصابعه لتجد إصبعه يحمل دبلة أخرى..
سألته بتعجب وهي تحاول التحكم في أعصابها:
ـ ايه معنى الهدية دي؟.. والدبلة اللي في إيدك دي بتاعة مين؟..
اقترب من المائدة ليرتكز عليها بذراعيه:
ـ الدبلة اللي في ايدي.. دي دبلة منى.. ومعنى الهدية واضح.. أنا بأنهي خطوبتنا السعيدة..
ابتسمت بسخرية:
ـ أونكل حاتم..
قاطعها بإشارة من يده:
ـ آسف.. تصحيح صغير.. أنا مجهز لك المسرح عشان تقومي بنفسك بإنهاء خطوبتنا.. ومسموح لك تسمعيني كل الكلام اللي أي خطيبة مش طايقة خطيبها ممكن تقوله.. وممكن كمان تقولي إني أجبرتك على الخطوبة.. يلا.. أنا حاسس إني كريم الليلة..
هزت رأسها بعدم تصديق:
ـ أنت بتقول إيه!!
جذب ذراعها بقوة وهو يقول بقسوة:
ـ بقول أني زهقت من مسرحية خطوبتنا.. وأن الستارة هتنزل الليلة.. بأي طريقة هتنزل..
بدأت تحاول جذب ذراعها من يده إلا أنه أطبق عليها مثل الكلابات وهو مستمر في قسوته:
ـ عارفة الغلطة كانت فين يا نيرة؟.. إنك فكرتِ أنه ممكن أتنازل وأتنازل للأبد.. وأعيش في دور الشاب الشهم الكيوت اللي مش بيكسر كلام أبوه, لكنكوا نسيتوا برضوه أني ابن أبويا.. وأعرف كويس قوي امتى أهدي قدام الموجة العالية لحد الوقت المناسب فأركبها بسرعة وأوصل للشط.. وده اللي حصل.. بصي بقى.. الحفلة دي اتعملت عشان أنهي مسرحيتنا.. قدامك حاجة من الاتنين.. إنك تقومي من كرسيكِ وبمنتهى الشياكة ترمي الدبلة في وشي.. وزي ما قلت لك.. قولي كل اللي أنتِ عايزاه.. بس طبعاً لو جبتي سيرة منى مش هيحصل طيب.. وهتشوفي مني وش يا نيرة.. أقسى من أبويا في عز جبروته..
أجابته بتحدي:
ـ ولو ما عملتش كده؟؟
أجابها بسخرية:
ـ وقتها بقى هنكون قدام اختيار نمرة اتنين... ورغم أني ما كونتش أحب ألجأ له.. لكن..
هز كتفيه بمعنى أنه لا يهتم.. فسألته وصوتها بدأ يرتجف:
ـ ايه الاختيار نمرة اتنين؟
أمسك الحلقة الذهبية وهو ينظر لها وابتسامته تتسع:
ـ وقتها أنا اللي هرمي الدبلة دي في وشك.. قدام كل أصحابك ومعارفك اللي في القاعة.. كل الموجودين هيعرفوا أني برفض نيرة هانم غيث.. وأني مش طايقها.. وطبعاً لازم بهارات للفضيحة والذي منه وده طبعاً لما أقول بأعلى صوتي.. إني لقيتك بضاعة مستعملة..
هتفت به بغضب:
ـ أنت حقير وسافل و..
أشار لها لتصمت:
ـ وفري كل ده لحد ما ترمي الدبلة في وشي.. وزي ما قولت لك.. أنتِ غلطتي لما فكرتِ أني الشاب الكيوت الأمور اللي ممكن يجري ورا ديل فستانك.. أنا اتعلمت من حاتم العدوي.. أحسن مهندس صفقات.. يلا يا حلوة.. قعدتنا طولت.. مين فينا اللي هيرمي الدبلة؟.. زي ما بيقولوا هعد لحد تلاتة وبعدها..
همست بتوسل:
ـ حسن..
أخذ يبرم الحلقة الذهبية وهو يقول:
ـ واحد..
عادت تحاول إمساك يده:
ـ أرجوك اسمعني..
حرر يده وهو يقول:
ـ اتنين..
بدأت تشعر بالدموع تهدد بالنزول وهي تلمح شفتيه على وشك التحرك
